الجزء 1
مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث
الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني
اعتنى به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
- عدد الأجزاء: 1.
- عدد الصفحات: 163.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
الجزء 1 · صفحة 1
مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ
بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه
الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني
مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ
اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة
الناشر
مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب
الجزء 1 · صفحة 2
- الطبعة الأولى في باكستان، في مجلة الدراسات الإسلامية الصادرة عن الجامعة العالمية في إسلام آباد في العدد الأول لسنة 1409 هـ.
- الطبعة الثانية بلكنو الهند في مجلة البعث الإسلامي، سَنَةَ 1411 هـ.
- الطبعة الثالثة بكراتشي - إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، سَنَةَ 1412 هـ.
- الطبعة الرابعة مزيدة من النصوص والتحقيق في بيروت، سَنَةَ 1416 هـ.
قامت بطباعته وإخراجه دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان.
الجزء 1 · صفحة 3
مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ
بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه
الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني
مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ
اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة
الناشر
مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب
الجزء 1 · صفحة 5
كَلِمَةُ التَقْدِيمِ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي المتقين الصالحين، والصلاة والسلام التامان الدائمان على رسول الهُدى وإمام التقى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فهذا سِفْرٌ نفيس فريد، وأثر نافع مجيد " مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث " تأليف العلاَّمة المحقق المحدث الناقد الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى - شيخ الحديث وعلومه سابقًا في جامعة العلوم الإسلامية في مدينة كراتشي بباكستان، التي أسسها شيخنا العلاَّمة الجليل المحدث البارع الفقيه الأصولي الشيخ أبو المحاسن السيد محمد يوسف الحسيني البَنُّورِي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
وتميزت هذه الطبعة عن سابقاتها المطبوعة في الهند وباكستان بأنها قُرِئَتْ على الشيخ - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَعَاهُ -، فَبَدَّلَ بعض عباراته، وأضاف إليه زيادات كثيرة مهمة، علمًا بأن الشيخ ما يزال يضيف إلى هذا الكتاب ما يُعَزِّزُ مباحثه وَيُحَقِّقُ مقاصده.
وقد جمع المؤلف - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى - جواهر هذه النصوص، وَنَظَمَ هذه الشذرات والفصوص جَمْعَ بَخِيلٍ ضَاعَ فِي التُّرَابِ خَاتَمُهْ.
الجزء 1 · صفحة 6
فالتقطها بشفافية ذهنه العلمي، ودقة ذهنه الذكي، وصبره الصابر على مصابرته، وقدرته على استخراج اللؤلؤ من مَغَاصِهِ وَمَخْبَأَتِهِ، وهكذا فليكن الصبرُ على تحصيل الفرائد، وتجميع الخرائد.
صَابَرَ الصَّبْرُ فَاسْتَغاَثَ بِهِ الصَّبْرُ ... فَقَالَ الصَّبُورُ يَا صَبْرُ صَبْرًا!
وقد ألف غير واحد من الأئمة الكبار غير الحنفية من محدثين وفقهاء ومؤرخين، تآليف مستقلة، لدفع التهويشات التي يُثِيرُهَا بعض المتعصبين على الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.
ومن هؤلاء الأئمة الكبار الإمام الفقيه المحدث حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر المالكي، والإمام الحافظ المحدث شمس الدين الذهبي الشافعي، والإمام الفقيه المحدث يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي الدمشقي الصالحي المعروف بابن المِبْرَدْ المُتَوَفَّى سَنَةَ 909، والإمام المحدث الحافظ السيوطي الشافعي، والإمام الحافظ المحدث محمد بن يوسف الصالحي الشافعي والإمام الفقيه الشافعي الكبير ابن حجر الهَيْتَمِي المكي، وغيرهم.
فقد ألفوا الكتب المطولة في فضائل أبي حنيفة ومناقبه، وبيان إمامته وجلالته، وَذَبُّوا عنه ألسنة الحاسدين والشانئين من أصحاب مذاهبهم وغيرهم.
وتميز هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ بأنه مقصور على بيان مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث خاصة.
فرأيت طَبْعَ هذا الكتاب في البلاد العربية بعد طبعه مرات في الهند وباكستان، لأنه قد تَفَشَّى دَاءُ الغَمْطِ لمقام الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - من جهة الحديث، في بعض البلدان منها، فَتَلَفَّتَتْ الأنظار إلى مثل هذا التأليف، لِيَرُدَّ التهويش عن الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَيُعَرِّفَ بما عليه أساطين العلم بالحديث ورجاله، من توقير وتعظيم وتوثيق وتبجيل للإمام أبي حنيفة
الجزء 1 · صفحة 7
وعلمه وفهقه ودينه وورعه ورفيع إمامته، فيكون هذا المؤلف منارة للمستهدين وَمُذَكِّرًا للمتعصبين المُجَافِينَ، واللهُ الهادي إلى سواء السبيل، وصلى اللهُ وسلم على نبينا ورسولنا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
عبد الفتاح أبو غُدَّة.
في الرياض: 1 من ذي القعدة 1415 هـ.
الجزء 1 · صفحة 9
مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ
بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه
الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني
مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ
اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة
الجزء 1 · صفحة 11
تَقْدِمَةُ المُؤَلِّفِ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحبه الطيبين، وسائر أئمة الدين من الفقهاء المجتهدين والحفاظ المُحَدِّثِينَ، لا سيما إمامنا الأعظم أبا حنيفة النعمان بن ثابت أول المجتهدين المتبوعين.
أما بعد: فإن من الحقائق الواضحة أن الأئمة المتبوعين - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وفي مقدمتهم الإمام الأعظم أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتواتر عند الأمة فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين، وجعلهم الله تعالى بمنزلة النجوم في السماء يهتدي بهم كل مؤمن مسترشد ويقتدي بهم كل متنسك متعبد، فهم يستحقون منا كل تقدير وإجلال لما لهم علينا من المنن الكثيرة والفضل العميم.
وهم وغيرهم من علماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة وكما نص عليه علماء الأمة.
ومع ذلك فقد نشأت في هذا العصر المتأخر الزَّمِنِ ناشئة حديثة لا تدري
الجزء 1 · صفحة 12
ما عليها، فجعلت تَتَقَوَّلُ على الأئمة بما هم بَرَاءٌ منه، وتستصغر شأنهم وَتُكْبِرُ شأن أنفسها بمحاذاتهم والتقدم عليهم، وَخَصَّتْ الإمام أبا حنيفة بالطعن الشديد عليه والوقيعة فيه بما بَرَّأَهُ اللهُ منه، فكان عند الله وجيهًا.
فأناس من هذه الناشئة بَدَؤُوا بنشر المغامز والمطاعن الباطلة التي تتضمن الطعن في إيمان أبي حنيفة ودينه وفقهه - وهو أحد الأئمة المجمع على إمامتهم -، وقد بَيَّنَ بطلانها خلائق العلماء المتقدمين والمتأخرين وَحَذَّرُوا من الالتفات إليها وأنذروا، فما نفعت هؤلاء النُّذُرُ، وانبرى آخرون فتلقفوا أقاويل معدودة من كتب الجرح والتعديل هي معلولة بأنواع من العلل ومتلبسة بملابسات لا يقبل معها الجرح، تلقفوا هذه الأقاويل وبدؤوا يطعنون في حفظ هذا الإمام الجليل وضبطه وفهمه، وهؤلاء الأئمة هم أركان علم الجرح والتعديل وبأيديهم لوائهما، وتناسوا أيضًا إجماع الجهابذة الحفاظ المتأخرين على إسقاط وإبطال تلك المغامز والأقاويل المعلولة، وإطباقهم على الثناء عليه وتبجيله وتقريظه!!.
فأحببت - تنديدًا بالمعتنين المعاندين ورحمة بضعفاء الفهم المُغْتَرِّينَ - أن أجمع في هذا الكتاب ثناء العلماء القُدَامَى والمتأخرين على الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - من ناحية مكانته الرفيعة في علم الحديث والسُنَّةِ خاصة، وأوضح ما له من المنزلة السامية والمرتبة المنيفة في ذلك، عسى الله تعالى أن يهدي به التائهين عن الحق فيفوزوا ولا يهلكوا مع الهالكين.
وفضائل هذا الإمام ومناقبه كثيرة لا يحصيها العَدُّ، وقد ذكرت طائفة كبيرة من المتقدمين والمتأخرين كثيرًا منها في أجزاء مفردة وكتب مستقلة وفي ضمن كتب التواريخ والتراجم، ولكن جُلَّ تلك الكتب ليس بمتناول أيدي عامة القُرَّاءِ، ففي هذا الجمع والاختيار ذريعة حسنة لاطلاعهم على نخبة من تلك المناقب الوافرة والفضائل الجسام.
الجزء 1 · صفحة 13
وليس هذا الذي أمام القارئ كُلَّ ما أردت ذكره في هذا الكتاب، وإنما أقدم إلى القُرَّاءِ ما تيسر إلى الآن، وأسأل اللهَ تعالى التوفيق لإتمامه حسب ما يُحِبُّهُ ويرضاهُ، ورضي اللهُ تعالى عن الأئمة الهادين المهديين أجمعين، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين دار الكرامة وَمَقْعَدَ الصِّدْقِ عنده، وأسأله سبحانه سؤال خاشع ضارع أن يتقبل هذا العمل مني ويجعله ذُخْرًا لآخرتي إنه خير مأمول وبالإجابة جدير، والحمد لله تعالى أولاً وآخرًا، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه نخبة أصفيائه وأوليائه إلى يوم الدين.
وكتبه الفقير إلى الله تعالى
محمد عبد الرشيد النعماني
في كراتشي 20 شعبان سَنَةَ 1415 هـ.
الجزء 1 · صفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذا ما جمعته في بيان " مكانة الإمام الأعظم أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في علم الحديث "، والمرجو من الله سبحانه أن يجعله ذريعة لإزالة الشبهات التي أثارها الخصوم حول حفظه وثقته في الحديث وأمانته، وأسأله تعالى أن يجعل سعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا وهو خير مأمول وبالإجابة جدير.
وقد كان أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وحفظًا وضبطًا، وكان معدودًا في الأجواد الأسخياء، وَالأَلبَّاءِ الأكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة وقيام الليل.
وكان مِمَّنْ عُنِيَ بعلم الكتاب والسنة وَسَعَى في طلب الحديث ورحل فيه، وكثرت عنايته بالسنن وجمعه لها، وَذَبِّهِ عن حريمها، وقمعه من خالفها أو رام مُبَايَنَتَهَا، مؤثرًا لِسُنَّةِ رسول الله - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غيرها، وهو أول من عَرَّجَ على الأقوياء من الثقات، وترك الضعفاء في الروايات، لزم الحديث والفقه، وواظب على الورع والعبادة، حتى صَارَ عَلَمًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ في الأمصار وملجأ يُقْتَدَى به في الأقطار.
الجزء 1 · صفحة 16
وأحواله في العلم والحفظ والصيانة والإتقان، والاجتهاد في تحصيل العلم والفقه ونشرهما، والصبر على ترك مناصب السلطان، وبذل النفس وإشاعة العلم والعبادة والكرم، وهوان الدنيا عنده وعدم المبالاة بحطام هذه الفانية الزائلة، مع الدين والسلامة وجمع أنواع الخير: أكثر من أن يُحْصَرَ، وأشهر من أَنْ يُشَهَّرَ.
وقد انعقد الإجماع على إمامته وجلالته وَعُلُوِّ مرتبته، وكمال فضيلته، وأقاويل السلف كثيرة مشهورة في الثناء عليه في ورعه وزهده وعبادته، ومجانبته السلطان وإنكاره ولاية القضاء، ووفور علمه وكثرة حديثه، وبراعته في الفقه واتباعه السُنَّةَ، وأخبار إجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار إياه واعترافهم بمزاياه وفيرة مستفيضة، وكل ذلك مُدَوَّنٌ في كتب التواريخ والرجال، لا حاجة لنا بذكرها.
عنايته بطلب الحديث:
وقد شهد له أئمة النقد وكبار المُحَدِّثِينَ بعنايته بطلب الحديث وارتحاله في ذلك ومعاناته في تحصيله.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب " سير أعلام النبلاء " (¬1): «وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ». اهـ.
وقال أيضًا (¬2): «إِنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ طَلَبَ الحَدِيثَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ فِي سَنَةِ مِائَةٍ وَبَعْدَهَا». اهـ.
¬
(¬1) 6/ 392 من الطبعة الثالثة ببيروت سَنَةَ 1405 هـ.
(¬2) 6/ 396.
الجزء 1 · صفحة 17
وقال أيضًا في جزئه الذي صنفه في " مناقب أبي حنيفة " في ذكر شيوخه (¬1): «وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ بِمَكَّةَ، وَقَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "».
قلت: وكان عطاء أيضًا يُفَضِّلُهُ على تلامذته، فكان أبو حنيفة إذا حضر مجلس السماع أوسع له وأدناه كما سيأتي.
وقال في " دول الإسلام " (¬2): «وأكبر شيوخه عطاء بن أبي رباح، وشيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان». اهـ.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (¬3): «أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ، [قَالَ]: حَدَّثَنَا أَبُو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا عثمان بن عبيد الله الطلحي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا سعيد بن سالم البصري، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شيء "، فقال: " من أين أنت؟ " قلت: " من أهل الكوفة "، قال: " أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ " قلت: " نعم "، قال: " فمن أي الأصناف أنت؟ " قلت: " ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بذنب "، قال: فقال لي عطاء: " عرفت فالزم "». اهـ.
وقال الإمام المحدث الفقيه شيخ الخطيب البغدادي، القاضي
¬
(¬1) " مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ": ص 11 طبع مصر.
(¬2) " دول الإسلام " للذهبي: 1/ 79 طبع دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة 1337.
(¬3) 13/ 331.
الجزء 1 · صفحة 18
أبو عبد الله بن علي الصيمري في كتابه " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " (¬1): «أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حدثَنَا مُكَرَّمٌ قَالَ: حدثَنَا عبد الصَّمَدِ بن عبيد الله، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن نوح، قَالَ: ثَنَا حَفْص بن يحيى، قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أبان عَن الحَارِث بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ:" كُنَّا نَكُون عِنْد عَطاء بَعْضنَا خلف بعض، فَإِذا جَاءَ ابو حنيفَة أوسع لَهُ وَأَدْنَاهُ». اهـ.
قلت: وصنيعه هذا معه يدل على أن الإمام أبا حنيفة كان من أنجب تلامذته في الحديث، وقد ذكر الإمام عبد الوهاب الشعراني في كتابه " الميزان الكبرى " (¬2) سَنَدَ: أبو حنيفة، عن عطاء، عن ابن عباس، كما ذكر سَنَدَ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، حينما تعرض لبيان أسانيد المجتهدين في الكتاب والسنة.
كذلك شيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان أيضًا يجلسه في صدر الحلقة حذاءه، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (¬3): «أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري، أن النخعي حدثهم قال: حَدَّثَنِي جعفر بن مُحَمَّد بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بن حماد، عن الحسن بن زياد، عن زفر بن الهذيل، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من
¬
(¬1) ص 83 طبع حيدر آباد الدكن بالهند سَنَةَ 1394 هـ.
(¬2) 1/ 48.
(¬3) 13/ 332، 333.
الجزء 1 · صفحة 19
حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا، فقالت لي: " رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ "، " فلم أدر ما أقول، فأمرتها أن تسأل حماد ثم ترجع فتخبرني "، فسألت حمادًا، فقال: " يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج "، فرجعت فأخبرتني، فقلت: " لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظها، ويخطئ أصحابه "، فقال: " لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة "». اهـ.
قلتُ: هذا يدل على جودة حفظ الإمام وإتقانه.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (¬1): «أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بن عبد الملك القرشي،: أنبأنا أَبُو العباس أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسين الرازي، حَدَّثَنَا علي بن أَحْمَد القاري، أخبرنا مُحَمَّد بن فضيل هو البلخي العابد، قال: حدثنا أَبُو مطيع، قال: قال أَبُو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: " يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ " قال: قلت: " عن حماد، عن إبراهيم، عن عُمَر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس "، قال: فقال أَبُو جعفر: " بخ، بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ - "». اهـ.
هكذا وقع في المطبوع من " تاريخ بغداد "، والصواب «عَنْ إِبْرَاهِيمَ
¬
(¬1) 13/ 334.
الجزء 1 · صفحة 20
عَنْ أَصِْحَابِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ... الخ». صرح به العَلاَّمَةُ الكوثري في " التأنيب " (¬1).
قلتُ: وقد فاق الإمام في طلب الحديث على مشايخ عصره فقد روى الحافظ الذهبي في " مناقب أبي حنيفة " (¬2) عن الإمام مِسْعَرٍ بْنِ كِدَامٍ، قَالَ: «طَلَبْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ الحَدِيثَ فَغَلَبَنَا، وَأَخَذْنَا فِي الزُّهْدِ فَبَرَعَ عَلَيْنَا، وَطَلَبْنَا الفِقْهَ فَجَاءَ مِنْهُ مَا تَرَوْنَ». اهـ.
قلتُ: ومسعر بن كدام هذا ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ " وَحَلاَّهُ في كتابه " سير أعلام النبلاء " بالإمام الثبت شيخ العراق الحافظ.
وقال صدر الأئمة المكي: «وكان مسعر بن كدام أحد مفاخر الكوفة في حفظه وزهده وكان من شيوخ أبي حنيفة، روى عنه في " مسنده "» (¬3).
¬
(¬1) " تأنيب الخطيب ": ص 29.
(¬2) ص 27.
(¬3) من " مناقب الإمام الأعظم " لصدر الأئمة الموفق: 2/ 37، طبع دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن بالهند.
الجزء 1 · صفحة 21
إِمَامَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ:
وقد شهد الأئمة في القديم والحديث بإمامة أبي حنيفة في الحديث، قال الإمام المحدث حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه المعروف " جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روياته وحمله " (¬1): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمُونَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا».
وقال في كتابه " الانتقاء في فضائل الثلاثة فقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - وذكر عيون من أخبارهم وأخبار أصحابهم للتعريف بجلالة أقدارهم " (¬2): حَدثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ يَحْيَى رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ بْنُ بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَازَّقِ التَّمَّارُ المَعْرُوفُ بِابْنِ دَاسَهْ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ
¬
(¬1) 2/ 163، طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
(¬2) ص 232 عنيت بنشره مكتبة القدسي بالقاهرة عام 1350 هـ.
الجزء 1 · صفحة 22
الأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ السِّجِسْتَانِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا».
فهذه شهادة الإمام الثبت سيد الحفاظ شَيْخُ السُنَّةِ أبي داود الأزدي السجستاني صاحب " السنن " - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في حق الأئمة الثلاثة بإمامتهم، وتجد شرح هذه الإمامة مستوفى فيما كتبه الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في مدخل كتابه " دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة " (¬1) ونصه:
«فصل: ومما يحق معرفته في الباب، أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله، - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬2)، ووضع رسوله، - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (¬3)، وترك نبيه في أمته حتى يُبَيِّنَ لأمته ما بُعِثَ به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته، وقد تركهم على الواضحة، فلا تَنْزِلُ بالمسلمين نازلة إِلا وَفِي كِتَابِ اللهِ وسنة رسول الله، - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانُهَا: نَصًّا أو دلالة.
¬
(¬1) 1/ 43 - 46 طبع بيروت، الطبعة الأولى: سَنَةَ 1405 هـ.
(¬2) [سورة الحجر، الآية: 9].
(¬3) [سورة النحل، الآية: 44].
الجزء 1 · صفحة 23
وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته وحفظها على أمته، ورد البدعة عنها.
كما أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بن محمد الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَعَانُ بن رفاعة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن العذري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَرِثُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَحْرِيفَ الغَالِينَ».
ورواه الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عَنِ النَّبِيِّ، - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقد وجد تصديق هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا. وقام بمعرفة رواة السنة في كل عصر من الأعصار جماعة وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح وبينوها ودونوها في الكتب حتى من أراد الوقوف على معرفتها وَجَدَ السبيلَ إليها. وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل فمن سواهم من عُلَمَاءِ الحَدِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أبو سعيد الخلال، حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ المروزي، قال: حدثني الْحِمَّانِيُّ عن أبي حنيفة قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ».
الجزء 1 · صفحة 24
قال: وحدثنا عَبْدُ الحَمِيدِ الحِمَّانِيُّ، قَالَ: سمعت أبا سعد الصغاني قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن الثوري؟
فقال: «اكْتُبْ عَنهُ، فَإِنَّهُ ثِقَة مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ] وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ».
وأَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَضْلِ القَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سفيان، قال: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: «الرِّوَايَةُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ».
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ الغَضَائِرِيُّ ببغداد، حدثنا أحمد ابن سَلْمَانَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد الصائغ، حدثنا عفّان: قال: حدثني يحيى ابن سعيد القطان، قال: سألت شعبة، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ الرجل يتهم في الحديث ولا يحفظ؟ فقالوا: بيّن أمره للناس.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ:
أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ بْنِ خَلَفٍ القاضي، قال: حدثني أبو سعد الهروي، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خلّاد، قال: قيل «ليحيى بن سعيد»: أما تخشى أن يكون الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟
قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي عند الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يقول: لم حدثت عني حديثا ترى أنه كذب؟
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قال:
سمعت الشافعي، - رَحِمَهُ اللهُ -،
الجزء 1 · صفحة 25
يقول: «لَوْلاَ شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيثُ بِالعِرَاقِ، كَانَ يَجِيءُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: " لاَ تُحَدِّثْ وَإِلاَّ اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ السُّلْطَانَ "».
فعلى هذه الجملة كان ذَبُّهُمْ عن حريم السُنَّةِ. وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية. اهـ.
وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي - رَحِمَهُ اللهُ - في كتاب " العلل " من " جامعه " (¬1): «وَقد عَابَ بعض من لاَ يفهم على أهل الحَدِيث الكَلاَم فِي الرِّجَال وَقد وجدنَا غير وَاحِد من الأَئِمَّة من التَّابِعين قد تكلمُوا فِي الرِّجَال مِنْهُم الحسن الْبَصْرِي وطاووس تكلما فِي معبد الجُهَنِيّ وَتكلم سعيد بن جُبَير فِي طلق بن حبيب وَتكلم إِبْرَاهِيم النَّخعِي وعامر الشّعبِي فِي الحَارِث الأَعْوَر وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عون وَسليمَان التَّيْمِي وَشعْبَة بن الحجَّاج وسُفْيَان الثَّوْري وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِيّ وَعبد الله بن المُبَارك وَيحيى بن سعيد القطَّان ووكيع بن الْجراح وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيرهم من أهل الْعلم أَنهم تكلمُوا فِي الرِّجَال وَضَعَّفُوا.
وَإِنَّمَا حملهم على ذَلِك عندنَا - وَالله أعلم - النَّصِيحَة للْمُسلمين لاَ ظن بهم أَنهم أَرَادوا الطعْن على النَّاس أَو الْغَيْبَة إِنَّمَا أَرَادوا عندنَا أَن يبينوا ضعف هَؤُلاَءِ لكَي يعرفوا لأَن بَعضهم من الَّذين ضعفوا كَانَ صَاحب بدعة وَبَعْضهمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الحَدِيث وَبَعْضُهُمْ كَانُوا
¬
(¬1) 13/ 305 - 309 مع " عارضة الأحوذي "، طبع مصر سَنَةَ 1352هـ.
الجزء 1 · صفحة 26
أَصْحَاب غَفلَة وَكَثْرَة خطأ فَأَرَادَ هَؤُلاَءِ الأَئِمَّة أَن يبينوا أَحْوَالهم شَفَقَة على الدين وتثبيتا، لأَن الشَّهَادَة فِي الدين أَحَق أَن يثبت فِيهَا من الشَّهَادَة فِي الحُقُوق وَالأَمْوَال ... وسرد أقوالاً من أئمة هذا الفن في جرح كثير من الرواة، إلى أن قال:
حَدثنَا مَحْمُود بن غيلاَن حَدثنَا أَبُو يحيى الحِمَّانِي قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ». اهـ.
وقال شيخ البيهقي الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم المعروف بابن البيع في كتابه " المستدرك على الصحيحين " (¬1) عند سرد طرق حديث «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» ما نَصُّهُ: «وَقَدْ وَصَلَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ العَبْدِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ الحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ الحَسَنِ الهِلاَلِيُّ، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي البَابِ». اهـ.
وقال الحاكم أيضًا في كتابه " معرفة علوم الحديث " (¬2) ما نصه: «ذِكْرُ النَّوْعِ التَّاسِعِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ مَعْرِفَةُ الأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، مِمَّنْ
¬
(¬1) 2/ 171، كتاب النكاح، طبع دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن بالهند سَنَةَ 1340 هـ.
(¬2) ص 240 - 249، طبع القاهرة.
الجزء 1 · صفحة 27
يَجْمَعُ حَدِيثَهُمْ لِلْحِفْظِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهِمْ، وَبِذِكْرِهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى الغَرْبِ، - فذكر خَلْقًا من أعيان كثير من البلدان -.
فمنهم من أهل المدينة: محمد بن مسلم الزهري، محمد بن المنكدر القرشي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرائي، ومالك بن أنس الأصبحي، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم.
ومن أهل مكة: مجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وعبد الملك بن جُرَيْجٍ، وفضيل بن عياض، وغيرهم.
ومن أهل مصر: عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم.
ومن أهل الشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم.
ومن أهل اليمن: طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما.
ومن أهل اليمامة: يحيى بن أبي كثير، وغيره.
ومن أهل الكوفة: عامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَمٍ الضَّبِّيِّ، والأعمش الأسدي، وَمِسْعَرْ بْنِ كِدَامٍ الهِلاَلِيِّ، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نُصَيْرٍ الطائي، وَزُفَرْ بْنُ الهُذَيْلِ، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم.
الجزء 1 · صفحة 28
ومن أهل الجزيرة: ميمون بن مهران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن معدان العابد، وغيرهم.
ومن أهل البصرة: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وشعبة بن الحجاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم.
ومن أهل واسط: العَوَّامُ بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالاَنِي، وغيرهم.
ومن أهل خراسان: إبراهيم بن طهمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل بلخ، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -». انتهى.
وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلي في كتابه " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية " (¬1): «قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دَرَّاعٍ، قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ» ...
قُلْتُ - القائل ابن تيمية - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ العِلْمِ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. وَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، أَحَدُ الأَئِمَّةِ المَشَاهِيرِ، وَهُوَ لاَ يُتَّهَمُ عَلَى عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ
¬
(¬1) 4/ 194، 195 الطبعة الأميرية ببولاق، مصر سَنَةَ 1322 هـ.
الجزء 1 · صفحة 29
أَهْلِ الكُوفَةِ دَارِ الشِّيعَةِ، وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَسَمِعَ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَتَوَلاَّهُ، وَمَعَ هَذَا أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ النُّعْمَانِ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ: عَنْ غَيْرِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ».
فَيُقَالُ لَهُ: هَبْ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي كَذِبِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ هَذَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَبُو حَنِيفَةَ لاَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا كَرَامَاتٌ، بَلْ أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ ; لِلدَّلاَئِلِ الكَثِيرَةِ عَلَى كَذِبِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالحَدِيثِ، مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَهُمُ الذِينَ يَرْوُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ كَذَّابٌ أَوْ مَجْهُولٌ لاَ يُعْلَمُ عَدْلُهُ وَضَبْطُهُ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَؤُلاَءِ؟!، وَسَائِرُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا صَحِيحًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضِيلَةِ عَلِيٍّ، عَلَى الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَجِيزُونَ التَّصْدِيقَ بِالكَذِبِ، فَرَدُّوهُ دِيَانَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ».
وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (¬1): « ... أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالفِقْهِ، مِثْلِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ».
وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه " البداية والنهاية " (¬2):
¬
(¬1) 1/ 172، 173.
(¬2) 6/ 85، 86 الطبعة الأولى سَنَةَ 1966، مكتبة المعارف - بيروت.
الجزء 1 · صفحة 30
وَالطَّحَاوِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ - أي أمر حديث «رَدِّ الشَّمْسِ» لعلي -، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْكَارُهُ وَالتَّهَكُّمُ بِمَنْ رَوَاهُ. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دِرَاعٍ قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ.
فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَهُوَ كُوفِيٌّ لاَ يُتَّهَمُ عَلَى حُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَتَفْضِيلِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُنْكِرُ هَذَا عَلَى رَاوِيهِ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ لَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ، بَلْ مُجَرَّدُ مُعَارِضَةٍ لاَ تُجْدِي، أَيْ أَنَا رَوَيْتُ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ هَذَا الحَدِيثَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَبًا فَهُوَ فِي الغَرَابَةِ نَظِيرَ مَا رَوَيْتَهُ أَنْتَ فِي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: يَا سَارِيَةُ، الجَبَلَ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ كَهَذَا، لاَ إِسْنَادًا وَلاَ مَتْنًا، وَأَيْنَ مُكَاشَفَةُ إِمَامٍ قَدْ شَهِدَ الشَّارِعُ لَهُ بِأَنَّهُ مُحَدَّثٌ بِأَمْرٍ جُزْءٍ مِنْ رَدِّ الشَّمْسِ طَالِعَةً بَعْدَ مَغِيبِهَا الذِي هُوَ أَكْبَرُ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ؟!».
وقال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " (¬1):
«محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي
¬
(¬1) 5/ 300، 301.
الجزء 1 · صفحة 31
أبو جعفر الملقب «شَيْطَانَ الطَّاقِ». نسب إلى سوق في طاق المحامل بالكوفة كان يجلس للصرف بها فيقال: إنه اختصم مع صيرفي آخر في درهم زائف فغلب فقال: «أَنَا شَيْطَانُ الطَّاقِ».
وقيل: إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق.
ويقال: أول من لقبه بشيطان الطاق أبو حنيفة مع مناظرة جرت بحضرته بينه وبين بعض الحرورية ... ، ووقعت له مناظرة مع أبي حنيفة في شيء يتعلق بفضائل علي - سُمِّيَ فيها: محمد بن النعمان نسبة إلى جده، فقال له أبو حنيفة كالمنكر عليه: «عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ لِعَلِيٍّ؟ فَقَالَ: عَنْ مَنْ رَوَيْتَ أَنْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ»؟. اهـ.
وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين " (¬1): «وَقَدْ احْتَجَّ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالفُقَهَاءُ قَاطِبَةً بِصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلاَ يُعْرَفُ فِي أَئِمَّةِ الفَتْوَى إلاَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا وَاحْتَجَّ بِهَا، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ أَعْبَاءَ الفِقْهِ وَالفَتْوَى كَأَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا». اهـ.
وقال أيضًا في موضع آخر منه (¬2) ما نصه: «أَمَّا طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ ... ». اهـ.
فهؤلاء الأئمة الجلة الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن
¬
(¬1) 1/ 35 طبع الهند بأشرف المطابع الواقع بدهلي سَنَةَ 1314 هـ.
(¬2) نفس المصدر: 1/ 359.
الجزء 1 · صفحة 32
القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذي يُرْجَعُ إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين.
وقد اعترف جهابذة المحدثين والحفاظ من المتقدمين والمتأخرين ببراعته في الحديث وضبطه وإتقانه وحفظه وورعه في روايته.
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " (¬1): «أَخْبَرَنَا الجوهري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عمران المرزباني، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مسلم الكجي إبراهيم بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن سعيد أَبُو عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي، يقول: " يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ أَنْ يَدْعُوا اللهَ لأَبِي حَنِيفَةَ فِي صَلاَتِهِمْ "، قَالَ: وَذَكَرَ حِفْظَهُ عَلَيْهِمْ السُّنَنَ والفِقْهَ». اهـ. (*)
قلت: وَالخُرَيْبِي هذا من كبار الحفاظ ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (¬2) وَحَلاَّهُ «بِالحَافِظِ الإِمَامِ القُدْوَةِ»، ونقل عن وكيع أنه قال: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ عَبْدِ اللهِ بْنَ دَاوُدٍ عِبَادَةٌ».
وذكر: «أن الخُرَيْبِي قيل له: رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، قَالَ: " إِنَّمَا يَرْجِعُ الفَقِيهُ إِذَا اِتَّسَعَ عِلْمُهُ». اهـ.
فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم وحفظ السنن.
¬
(¬1) 13/ 344.
(¬2) 1/ 338.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) قارن في هذا القول بما ورد في صفحة 105 من هذا الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 33
وروى الخطيب أيضًا، قال: «أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري أن النخعي، حدثهم قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بن الربيع الخزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حفص، عن الحسن بن سليمان، أنه قال في تفسير الحديث " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ العِلْمُ "، قال: " هُوَ عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَفْسِيرُهُ الآثَارَ"». اهـ.
قلت: والحسن بن سليمان هذا معدود في الحفاظ ترجم له الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (¬1)، و" سير أعلام النبلاء " (¬2)، وقال في " السير ": قُبَّيْطَةُ الحافظ المتقن الإمام أبو علي الحسن بن سليمان البصري نزيل مصر، وصفه ابن يونس بالحفظ. اهـ.
فهذا الحافظ الإمام يُطْرِي أبا حنيفة وَيُثْنِي على علمه وتفسيره الأحاديث والآثار.
وقال الخطيب أيضًا في " تاريخ بغداد " (¬3): «أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي بكر، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاضِي أَبُو نصر أَحْمَد بن نصر بن مُحَمَّد بن إشكاب البخاري، قال: سمعت مُحَمَّد بن خلف بن رجاء، يقول: سمعت مُحَمَّد بن سلمة، يقول: قال خلف بن أيوب: " صَارَ العِلْمُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى التَّابِعِينَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْضَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْخَطْ"». اهـ.
¬
(¬1) 2/ 572.
(¬2) 12/ 508.
(¬3) 13/ 336.
الجزء 1 · صفحة 34
قلت: وقولُ خلف بن أيوب هذا يشبه ما قال ابن حزم في حق محمد بن نصر المروزي، قال الذهبي في ترجمة ابن نصر المروزي من كتابه " سير أعلام النبلاء ": (¬1) ما نصه: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ توَالِيفِهِ: «أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَجْمَعهُم للسُّنَنِ، وَأَضْبَطهُم لَهَا، وَأَذْكَرُهُمُ لِمَعَانِيهَا، وَأَدْرَاهُمُ بِصِحَّتِهَا، وَبِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَلفُوا فِيهِ.
قَالَ: وَمَا نَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ - بَعْد الصَّحَابَةِ - أَتمَّ مِنْهَا فِي مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، فَلَو قَالَ قَائِل: لَيْسَ لِرَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ وَلاَ لأَصْحَابِهِ إِلاَّ وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ لَمَا أَبْعَدَ عَنِ الصِّدْقِ.
قُلْتُ: - القائل الذهبي - هَذِهِ السَّعَةُ وَالإِحَاطَةُ مَا ادَّعَاهَا ابْنُ حَزْمٍ لابْنِ نَصْرٍ إِلاَّ بَعْدَ إِمعَانِ النَّظَرِ فِي جَمَاعَةِ تَصَانِيفَ لابْنِ نَصْرٍ، وَيمْكِن ادِّعَاءُ ذَلِكَ لِمِثْلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنُظَرَائِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» انتهى.
قلتُ: وإذا كان ادعاء ذلك صحيحًا لمحمد بن نصر عند ابن حزم، ولأحمد ونظرائه عند الذهبي، فيكون ادعاء ذلك صحيحًا بالأولى للإمام الأعظم أبي حنيفة فإنه أسبق المجتهدين المتبوعين، وأعلمهم وأفقههم وأقدمهم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وعن أصحابه، على ما شهد به شيخُ أحمدَ وابنِ معين خلفُ بنُ أيوب هذا، ولم تكن شهادته بذلك لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - إلا بعد إمعان النظر في فقهه وإتقانه لمذهبه، وهذه شهادة صدق من إمام بارع تقي، كيف لا؟ والعلم بَرًّا
¬
(¬1) 14/ 40.
الجزء 1 · صفحة 35
وبحرًا شرقًا وغربًا، بُعْدًا وَقُرْبًا تدوينه - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كما قاله ابن النديم في كتابه " الفهرست " (¬1).
وقال الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد كبار الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، مُلاَّ علي القاري شارح " المشكاة " في كتابه " سند الأنام في شرح مسند الإمام " (¬2) ما نصه: «إِنَّ حُسْنَ الظَنِّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَحَاطَ بِالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الصَّحِيحَةِ وَالضَّعِيفَةِ». اهـ (¬3).
وَخَلَفُ المذكور هذا قال فيه صدر الأئمة الموفق بن أحمد المكي في " مناقب الإمام الأعظم " (¬4) ما لفظه: «خلف بن أيوب كان من بلخ، ما روى عن أبي حنفية، ويروي عن أبي يوسف، وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم، قدم على عبد الله بن المبارك فعانقه وأكرمه فلما قام من عنده قال: " مَا أَشْبَهَ سِيمَاهُ بِسِيمَا أَهْلِ الجَنَّةِ "، وكان يسمع من حماد بن سلمة فلما قام من عنده قال حماد: " مَا أَحْسَنَ سَمْتَ هَذَا الرَّجُلِ وَهَدْيِهِ، مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ خُرَاسَانَ خَيْرٌ مِنْهُ "، توفي سنة خمس ومائتين، فلما رُفِعَتْ جنازته أقبل نُوحُ بنُ أَسَدٍ والي بلخ إلى جنازته فوضعها على عاتقه، حتى بلغ
¬
(¬1) ص 299 طبع مطبعة الاستقامة بالقاهرة.
(¬2) ص 52، بحث أكل الضب، طبع مجتبائي دهلي، سَنَةَ 1330 هـ.
(¬3) قال عبد الفتاح: «هذا القول من علي القاري، وقول ابن حزم السابق في محمد بن نصر محمولان على أكثر الأحاديث والسنن، فإن الإحاطة المطلقة لجميع الأحاديث والسنن لآحاد الأمة متعذرة عادة».
(¬4) 2/ 61، 62 طبع دائرة المعارف النظامية حيدر آباد الدكن - بالهند.
الجزء 1 · صفحة 36
المُصَلَّى، وصلى عليه نوح بن أسد، فلما سلم سمع صوتًا في الهواء: " يَا نُوحَ بْنَ أَسَدٍ صَلَّيْتَ عَلَى خَيْرِ أَهْلِ الأَرْضِ، صَلَّيْتَ عَلَى خَلَفَ بْنَ أَيُّوبٍ، فُزْتَ "». اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (¬1): «خَلَفُ بنُ أَيُّوبَ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، مُفْتِي المَشْرِقِ، أَبُو سَعِيْدٍ العَامِرِيُّ، البَلْخِيُّ، الحَنَفِيُّ، الزَّاهِدُ، عَالِمُ أَهْلِ بَلْخَ. تَفَقَّه عَلَى القَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَوْفٍ الأَعْرَابِيِّ، وَمَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ، وَطَائِفَةٍ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ أَدْهَمَ مُدَّةً.
حَدَّثَ عَنْهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَلِيُّ بنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ، وَأَهْلُ بَلَدِهِ. اهـ.
وسيأتيك في الفصول الآتية من ثناء أئمة المحدثين القدامى والحفاظ المتأخرين على الإمام أبي حنيفة في جودة حفظه وسعة علمه ما يصدق قول خلف هذا ويزيد، وبالله التوفيق.
¬
(¬1) 9/ 541، 542.
الجزء 1 · صفحة 37
ثَنَاءُ الذَّهَبِيِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ:
إن من أصدق الكلمات التي قالها الإمام الذهبي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال - قوله في ترجمة العلامة الإمام فقيه العراق حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: من كتابه " سير أعلام النبلاء " (¬1):
«فَأَفْقَهُ أَهْلِ الكُوْفَةِ: عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِمَا: عَلْقَمَةُ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِ: إِبْرَاهِيمُ - النخعي -، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ: حَمَّادٌ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ حَمَّادٍ: أَبُو حَنِيْفَةَ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِ: أَبُو يُوسُفَ.
وَانْتَشَرَ أَصْحَابُ أَبِي يُوسُفَ فِي الآفَاقِ، وَأَفْقَهُهُمْ: مُحَمَّدٌ - بن الحسن -، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ: أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى -».
وقال أيضًا في " سير أعلام النبلاء " (¬2)، في ترجمة الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
الإِمَامُ، فَقِيْهُ المِلَّةِ، عَالِمُ العِرَاقِ، أَبُو حَنِيفَةَ ... وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الفِقْهُ وَالتَّدْقِيقُ فِي الرَّأْيِ وَغوَامِضِهِ، فَإِلَيْهِ المُنْتَهَى، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ عِيَالٌ فِي ذَلِكَ».
¬
(¬1) 5/ 236 من الطبعة الثالثة بيروت سنة 1405 هـ.
(¬2) 6/ 390 و 392.
الجزء 1 · صفحة 38
وقال أيضًا (¬1): «الإِمَامَةُ فِي الفِقْهِ وَدَقَائِقِه مُسَلَّمَةٌ إِلَى هَذَا الإِمَامِ، وَهَذَا أَمرٌ لاَ شَكَّ فِيْهِ».
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
وقال في ترجمة الإمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ - (¬2) بعد أن نقل عن الإمام الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أنه قال: «العِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلاَثَةٍ: مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ».
قُلْتُ: «بَلْ وَعَلَى سَبْعَةٍ مَعَهُم، وَهُمُ: الأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالحَمَّادَانِ».
وذكر في ترجمته أيضًا (¬3)، عن الإمام أبي يوسف أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى».
ولما حكى في ترجمته (¬4) الأسطورة التي تعزى إلى محمد والشافعي - رَحِمَهَا اللهُ تَعَالَى - في المقارنة بين علم مالك وأبي حنيفة - رَحِمَهَا اللهُ تَعَالَى -، ولفظها:
«ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي مُحَمَّدٌ: أَيُّهُمَا أَعْلَمُ، صَاحِبُنَا أَمْ صَاحِبُكُم؟ -يَعْنِي: أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا، قُلْتُ: عَلَى
¬
(¬1) 6/ 403.
(¬2) 8/ 94.
(¬3) 8/ 94.
(¬4) 8/ 112، 113.
الجزء 1 · صفحة 39
الإِنْصَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، مَنْ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم، قُلْتُ: مَنْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم. قُلْتُ: فَمَنْ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم.
قُلْتُ: فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ القِيَاسُ، وَالقِيَاسُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الأُصُولَ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقِيسُ؟».
عقب عليها قائلاً:
«قُلْتُ: وَعَلَى الإِنْصَافِ؟، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي عِلْمِ الكِتَابِ، وَالأَوَّلُ أَعْلَمُ بِالقِيَاسِ، وَالثَّانِي أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَعِنْدَهُ عِلْمٌ جَمٌّ مِنْ أَقْوَالِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَمَا أَنَّ الأَوَّلَ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَطَائِفَةٍ مِمَّنْ كَانَ بِالكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضِيَ اللهُ عَنِ الإِمَامَيْنِ، فَقَدْ صِرْنَا فِي وَقْتٍ لاَ يَقْدِرُ الشَّخْصُ عَلَى النُّطقِ بِالإِنْصَافِ - نَسْأَل اللهُ السَّلاَمَةَ -».
وقال في ترجمة الإمام مالك أيضًا (¬1) ما نصه:
«فَالمُقَلَّدُونَ صحَابَةُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْطِ ثُبُوتِ الإِسْنَادِ إِلَيْهِم، ثُمَّ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعُرْوَةَ، وَالقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
ثُمَّ كَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَطَبَقَتِهِم.
¬
(¬1) 8/ 91، 92.
الجزء 1 · صفحة 40
ثُمَّ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالحَمَّادَيْنِ، وَشُعْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المَاجِشُونِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
ثُمَّ كَابْنِ المُبَارَكِ، وَمُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَالهِقْلِ بنِ زِيَادٍ، وَوَكِيعٍ، وَالوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ، وَطَبَقَتِهِم.
ثُمَّ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالبُوَيْطِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ.
ثُمَّ كَالمُزَنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَثْرَمِ، وَالبُخَارِيِّ، وَدَاوُدَ بنِ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وَإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ القَاضِي.
ثُمَّ كَمُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي عَبَّاسٍ بنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ المُنْذِرِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا النَّمَطِ تَنَاقَصَ الاجْتِهَادُ، وَوُضِعَتِ المُخْتَصَرَاتُ، وَأَخلَدَ الفُقَهَاءُ إِلَى التَّقْلِيدِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي الأَعْلَمِ، بَلْ بِحَسَبِ الاتِّفَاقِ، وَالتَّشَهِّي، وَالتَّعْظِيْمِ، وَالعَادَةِ، وَالبَلَدِ.
فَلَو أَرَادَ الطَّالِبُ اليَوْمَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ فِي المَغْرِبِ لأَبِي حَنِيْفَةَ، لَعَسُرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ لابْنِ حَنْبَلٍ بِبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، لَصَعُبَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجِيءُ مِنْهُ حَنْبَلِيٌّ، وَلاَ مِنَ المَغْرِبِيِّ حَنَفِيٌّ، وَلاَ مِنَ الهِنْدِيِّ مَالِكِيٌّ».انتهى.
وقال في ترجمة يحيى بن آدم (¬1)، بعد ما نقل عن مَحْمُوْدٍ بْنِ
¬
(¬1) " السير ": 9/ 525، وفيه (محمد بن غيلان) بدل (محمود بن غيلان)، وهو خطأ.
الجزء 1 · صفحة 41
غَيْلاَنَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَامَةَ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ فِي زَمَانِهِ رَأْسَ النَّاسِ وَهُوَ جَامِعٌ، وَكَانَ بَعْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَبَعدَهُ: الشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ بَعْدَهُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ بَعْدَ الثَّوْرِيِّ: يَحْيَى بنُ آدَمَ».
قال الذهبي بعد هذا:
«قُلْتُ: قَدْ كَانَ يَحْيَى بنُ آدَمَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الاجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ كَمَا قَالَ فِي زَمَانِهِ.
ثُمَّ كَانَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٌ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ.
ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُم فِي زَمَانِهِ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ كَانَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ.
ثُمَّ عَلْقَمَةُ، وَمَسْرُوْقٌ، وَأَبُو إِدْرِيسَ، وَابْنُ المُسَيِّبِ.
ثُمَّ عُرْوَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُوسٌ، وَعِدَّةٌ.
ثُمَّ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوْبُ.
ثُمَّ الأَعْمَشُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ.
ثُمَّ الأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَشُعْبَةُ.
ثُمَّ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ.
ثُمَّ ابْنُ المُبَارَكِ، وَيَحْيَى القَطَّانُ، وَوَكِيْعٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ وَهْبٍ.
الجزء 1 · صفحة 42
ثُمَّ يَحْيَى بنُ آدَمَ، وَعَفَّانُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَطَائِفَةٌ.
ثُمَّ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَعَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، وَابْنُ مَعِينٍ.
ثُمَّ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ، وَآخَرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ، وَالاجْتِهَادِ».
وقال في ترجمة ابن حزم (¬1)، بعد نقل قوله: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب، ما نصه:
«قُلْتُ: نَعَمْ، مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ عِدَّةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ لَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ كَمَا أَنَّ الفَقِيهَ المُبتَدِئَ وَالعَامِيَّ الذِي يَحفَظُ القُرْآنَ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُ لاَ يَسوَغُ لَهُ الاجْتِهَادُ أَبَدًا فَكَيْفَ يَجْتَهِدُ وَمَا الذِي يَقُولُ؟ وَعلاَمَ يَبنِي؟ وَكَيْفَ يَطيرُ وَلَمَّا يُرَيِّشُ؟
وَالقِسم الثَّالِث: الفَقِيهُ المُنْتَهِي اليَقِظُ الفَهِمُ المُحَدِّثُ الذِي قَدْ حَفِظ مُخْتَصَرًا فِي الفُرُوعِ وَكِتَابًا فِي قوَاعد الأُصُول وَقرَأَ النَّحْوَ وَشَارَكَ فِي الفضَائِلِ مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللهِ وَتشَاغُلِهِ بتَفْسِيرِهِ وَقوَةِ مُنَاظرتِهِ.
فَهَذِهِ رُتْبَةُ مِنْ بلغَ الاجْتِهَادَ المُقيَّدَ وَتَأَهَّلَ لِلنظرِ فِي دلاَئِلِ الأَئِمَّةِ فَمَتَى وَضَحَ لَهُ الحَقُّ فِي مَسْأَلَةٍ وَثبت فِيهَا النَّصُّ وَعَمِلَ بِهَا أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَعْلاَمِ كَأَبِي حَنِيْفَةَ مِثْلاً أَوْ كَمَالِكٍ أَوِ الثَّوْرِيِّ أَوِ الأَوْزَاعِيِّ أَوِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاق فَلْيَتَّبِعْ فِيهَا الحَقَّ وَلاَ
¬
(¬1) 18/ 191.
الجزء 1 · صفحة 43
يَسْلُكِ الرُّخَصَ وَلِيَتَوَرَّعْ وَلاَ يَسَعُهُ فِيهَا بَعْدَ قيَام الحُجَّة عَلَيْهِ تَقْلِيدٌ».
وقد سَرَدَ الإمام الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (¬1)،الأسطورة التي رواها الخطيب البغدادي في " تاريخه "، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، في ابتداء طلبه العلم، واختياره الفقه من سائر العلوم، وَحَكَمَ عليها بالوضع والاختلاق، فأفاد وأجاد، قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
«أَخْبَرَنَا ابْنُ عَلاَّنَ كِتَابَةً، أَنْبَأَنَا الكِنْدِيُّ، أَنْبَأَنَا القَزَّازُ، أَنْبَأَنَا الخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا الخَلاَّلُ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو الحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بنِ كَاسٍ النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الصَّيْدَنَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الثَّلْجِيِّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ:
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَمَّا أَرَدْتُ طَلَبَ العِلْمِ، جَعَلتُ أَتَخَيَّرُ العُلُومَ، وَأَسْأَلُ عَنْ عَوَاقِبِهَا. فَقِيْلَ: تَعَلَّمِ القُرْآنَ.
فَقُلْتُ: إِذَا حَفِظتُه فَمَا يَكُونَ آخِرُهُ؟
قَالُوا: تَجْلِسُ فِي المَسْجِدِ، فَيَقرَأُ عَلَيْكَ الصِّبْيَانُ وَالأَحدَاثُ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أَنْ يَخْرُجَ فِيْهِم مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْكَ، أَوْ مُسَاوِيكَ، فَتَذهَبُ رِئَاسَتُكَ.
قُلْتُ: - القائل الذهبي - مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلرِّئَاسَةِ قَدْ يُفَكِّرُ فِي هَذَا، وَإِلاَّ فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُ المُصْطَفَى - صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ -: (أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ).
يَا سُبْحَانَ اللهِ! وَهَلْ مَحَلٌّ أَفْضَلُ مِنَ المَسْجِدِ؟ وَهَلْ نَشْرٌ لِعِلمٍ يُقَارِبُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ؟ كَلاَّ وَاللهِ، وَهَلْ طَلَبَةٌ خَيْرٌ مِنَ الصِّبْيَانِ الذِينَ
¬
(¬1) 6/ 395 - 397.
الجزء 1 · صفحة 44
لَمْ يَعْمَلُوا الذُّنُوبَ؟! وَأَحسِبُ هَذِهِ الحِكَايَةَ مَوْضُوعَةً، فَفِي إِسْنَادِهَا مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ.
تَتِمَّةُ الحِكَايَةِ: «قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ سَمِعْتُ الحَدِيثَ وَكَتَبتُهُ حَتَّى لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا أَحْفَظُ مِنِّي؟
قَالُوا: إِذَا كَبِرتَ وَضَعُفْتَ، حَدَّثْتَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْكَ هَؤُلاَءِ الأَحْدَاثُ وَالصِّبْيَانُ، ثُمَّ لَمْ تَأمَنْ أَنْ تَغلَطَ، فَيَرمُوكَ بِالكَذِبِ، فَيَصِيرُ عَارًا عَلَيْكَ فِي عَقِبِكَ.
فَقُلْتُ: لاَ حَاجَةَ لِي فِي هَذَا.
قُلْتُ: - القائل الذهبي - الآنَ كَمَا جَزَمْتُ بِأَنَّهَا حِكَايَةٌ مُختَلَقَةٌ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ طَلَبَ الحَدِيثَ، وَأَكْثَرَ مِنْهُ فِي سَنَةِ مائَةٍ وَبَعدَهَا، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ يَسْمَعُ الحَدِيثَ الصِّبْيَانُ، هَذَا اصْطِلاَحٌ وُجِدَ بَعْدَ ثَلاَثِ مائَةِ سَنَةٍ، بَلْ كَانَ يَطْلُبُهُ كِبَارُ العُلَمَاءِ، بَلْ لَمْ يَكُنْ لِلْفُقَهَاءِ عِلْمٌ بَعْدَ القُرْآنِ سِوَاهُ، وَلاَ كَانَتْ قَدْ دُوِّنَتْ كُتُبُ الفِقْهِ أَصلاً.
ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: أَتَعَلَّمُ النَّحْوَ.
فَقُلْتُ: إِذَا حَفِظتُ النَّحْوَ وَالعَرَبِيَّةَ، مَا يَكُونَ آخِرُ أَمْرِي؟
قَالُوا: تَقعُدُ مُعَلِّمًا، فَأَكْثَرُ رِزْقِكَ دِينَارَانِ إِلَى ثَلاَثَةٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا لاَ عَاقِبَةَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ نَظَرْتُ فِي الشِّعْرِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشعَرُ مِنِّي؟
قَالُوا: تَمدَحُ هَذَا فَيَهَبُ لَكَ، أَوْ يَخْلَعُ عَلَيْكَ، وَإِنْ حَرَمَكَ هَجَوتَهُ.
قُلْتُ: لاَ حَاجَةَ فِيهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ نَظَرْتُ فِي الكَلاَمِ، مَا يَكُونُ آخِرُ أَمْرِِهِ؟
قَالُوا: لاَ يَسْلَمُ مَنْ نَظَرَ فِي الكَلاَمِ مِنْ مُشَنَّعَاتِ الكَلاَمِ، فَيُرْمَى بِالزَّنْدَقَةِ، فَيُقتَلُ، أَوْ يَسْلَمُ مَذْمُوْمًا.
قُلْتُ - القائل الذهبي -: قَاتَلَ اللهُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الخُرَافَةَ، وَهَلْ كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وُجِدَ عِلْمُ الكَلاَمِ؟
الجزء 1 · صفحة 45
قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ تَعَلَّمتُ الفِقْهَ؟
قَالُوا: تُسْأَلُ، وَتُفْتِي النَّاسَ، وَتُطلَبُ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ كُنْتَ شَابًّا.
قُلْتُ: لَيْسَ فِي العُلُومِ شَيْءٌ أَنفَعُ مِنْ هَذَا، فَلَزِمْتُ الفِقْهَ، وَتَعَلَّمْتُهُ».
وقال الحافظ الذهبي أيضًا، في ترجمة الإمام سفيان الثوري من كتابه " تذكرة الحفاظ " (¬1) مُعَلِّقًا على قوله - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
«ليس طلب الحديث من عُدَّةِ الموت لكنه علة يتشاغل بها الرجل»،ما نصه:
«قلت: صدق والله إن طلب الحديث شيء غير الحديث فطلب الحديث اسم عُرْفِيٌّ لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث وكثير منها مَرَاقٍ إلى العلم وأكثرها أمور يُشْغَفُ بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة، وتطلب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء وتمني العمر الطويل ليروي، وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربانية.
فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟!، وإذا كان علم الآثار مدخولاً فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة
¬
(¬1) 1/ 204، 205.
الجزء 1 · صفحة 46
ولا وَاللهِ عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف القائل: " مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالكَلاَمِ تَزَنْدَقَ "، ولا وكيع، ولا بن مهدي، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا عفان، ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، وأحمد، وأبو ثور، والمزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن سريج، وابن المنذر، وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن، والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك نعم.
وقال سفيان أيضًا فيما سمعه منه الفريابي: " مَا مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ إِذَا صَحَّتِ النِيَّةُ فِيهِ "».
وقال في خاتمة الطبقة الخامسة (¬1)، التي ذكر فيها أبا حنيفة، ومالكًا والأوزاعي، وسفيان: «وفي زمان هذه الطبقة، كان الإسلام وأهله في عِزٍّ تَامٍّ وعلم غزير ... وكان في هذا الوقت [من الصالحين مثل إبراهيم بن أدهم وداود الطائي وسفيان الثوري] ... ومن الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والأوزاعي الذين مروا». انتهى.
قلتُ: فقد ثبت مما نقلناه من تصريحات الحافظ الذهبي أمور:
1 - كانت علوم أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ - القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك.
2 - أن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، بل لم يكن إذ ذاك للفقهاء علم بعد القرآن سواه، وقد عُنِيَ الإمام بطلب الآثار، وارتحل في ذلك.
¬
(¬1) 1/ 244.
الجزء 1 · صفحة 47
3 - وكان أعلم بأقاويل عَلِيٍّ، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
4 - وكان من الأئمة العشرة الذين يدور عليهم العلم في ذلك العصر. فهو قرين مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن عيينة، ومعمر، وشعبة، وَالحَمَّادَيْنِ، في علم الكتاب والسنة.
5 - وكان من كبار أئمة الاجتهاد وأحد الأئمة الأعلام وإليه المنتهى في الفقه، والناس عِيَالٌ عليه في ذلك.
فهذا رأي مؤرخ الإسلام الحافظ الناقد البصير شمس الدين الذهبي، الذي هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، في حق إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
ثَنَاءُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ:
ويقول شيخه ابن تيمية، الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المفسير، شيخ الإسلام تقي الدين، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحَرَّانِيُّ، البارع في الرجال، وعِلَلِ الحديث في كتابه " منهاج السنة النبوية في نقض قول الشيعة والقدرية " (¬1) ما نصه:
«وَهَؤُلاَءِ أَهْلُ العِلْمِ الذِينَ يَبْحَثُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَنِ العِلْمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ مَعَ أَحَدٍ، بَلْ يُرَجِّحُونَ قَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، وَقَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، بِحَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،
¬
(¬1) 3/ 142 من طبعة بولاق سَنَةَ 1322هـ.
الجزء 1 · صفحة 48
وَفُقَهَاءِ المَدِينَةِ، مِثْلَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِ هَؤُلاَءِ وَمِنْ بَعْدِهِمْ كَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ المَاجِشُونِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمِثْلُ طَاوُسٍ اليَمَانِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَمِثْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، وَمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، ثُمَّ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَأَمْثَالُهُمْ مِثْلُ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَأَمْثَالُهُمْ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَالحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَمَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَشَرِيكٍ، إِلَى وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ، وَالحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ». انتهى.
الجزء 1 · صفحة 49
فقد عَدَّ الحافظ ابن تيمية أبا حنيفة، وصاحبه أبا يوسف، ومحمد بن الحسن في «أَهْلُ العِلْمِ الذِينَ يَبْحَثُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَنِ العِلْمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ مَعَ أَحَدٍ، بَلْ يُرَجِّحُونَ قَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، وَقَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، بِحَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ»، وسرد أسماء قرنائهم.
وصرح في موضع آخر من كتابه هذا أن «أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مِمَّنْ لَهُ فِي الأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ مِنْ عُلَمَائِهَا» (¬1).
وقال في موضع آخر من " منهاج السنة " (¬2)، ما نصه:
«فَقَدْ جَاءَ بَعْدَ أُولَئِكَ فِي قُرُونِ الأُمَّةِ مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ أَحَدٍ [ذَكَاءَهُمْ وَزَكَاءَهُمْ]، مِثْلُ: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ [وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ]، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، وَحَبِيبٍ العَجَمِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَمَكْحُولٍ وَالحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَمَنْ لاَ يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلاَّ اللَّهُ».
¬
(¬1) 4/ 77.
(¬2) 1/ 167، 168.
الجزء 1 · صفحة 50
ثُمَّ بَعْدَهُمْ [مِثْلَ] أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَتَادَةَ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَالأَعْمَشِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهِشَامٍ الدِّسْتُوَائِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ.
وَمَنْ بَعْدَ هَؤُلاَءِ مِثْلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَشَرِيكٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنِ الْمَاجَشُونِ.
وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الْرِحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ، وَعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، وَأَشْهَبَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمَنْ لاَ يُحْصِي عَدَدَهُ إِلاَّ اللَّهَ، مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِ الفَاضِلِ لاَ لأَجْلِ رِيَاسَةٍ وَلاَ مَالٍ، وَمِمَّنْ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَظَرًا فِي العِلْمِ وَكَشْفًا لِحَقَائِقِهِ». انتهى.
وقال في موضع آخر من " منهاج السنة " (¬1): « ... أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالفِقْهِ، مِثْلِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ».
¬
(¬1) 1/ 172 و 173.
الجزء 1 · صفحة 51
وقال - رَحِمَهُ اللهُ - أيضًا في موضع آخر من " منهاج السنة " (¬1): « ... وَأَئِمَّةُ الإِسْلاَمِ المَعْرُوفُونَ بِالإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ».
وقال - رَحِمَهُ اللهُ - أيضًا ما لفظه (¬2):
«وَهَذَا مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ مِثْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ». انتهى.
فمن يقرأ تراجم هؤلاء العلماء الأعلام، والأئمة البررة الكرام، في كتب الرجال والتواريخ، يُذْعِنُ لجلالة شأنهم وإمامتهم.
والحافظ ابن تيمية يَعُدُّ الإمامَ وصاحبيه في زُمْرَةِ هؤلاء الكبار، ويصفهم تارة بـ «الأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ»، وتارة بـ «وَأَئِمَّةُ الإِسْلاَمِ المَعْرُوفُونَ بِالإِمَامَةِ فِي الدِّينِ»، ومرة: بـ «أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ»، ومرة يقول: «هُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَظَرًا فِي العِلْمِ وَكَشْفًا لِحَقَائِقِهِ»، وَ «يَعْرِفُ كُلَّ أَحَدٍ [ذَكَاءَهُمْ وَزَكَاءَهُمْ]»، وأخرى يصفهم: «الذِينَ يَبْحَثُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَنِ العِلْمِ».
¬
(¬1) 1/ 215 و 216.
(¬2) 1/ 173.
الجزء 1 · صفحة 52
فمن يكون موصوفًا بهذه الصفات العليا، فلا تسأل عن إمامته في الحديث، وثقته في الرواية، وكثرة إتقانه وضبطه، وحفظه وبراعته، وتضلعه في علوم الكتاب والسنة، فهؤلاء الذين جَاوَزُوا القَنْطَرَةَ، ووصلوا ذِرْوَةَ الكمال في العلم، وَكُتُبِ الرجال والطبقات مشحونة بذكر فضائلهم ومناقبهم، وسارت الركبان بمآثرهم ومعاليهم، وقد جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وَجَرَتْ على أقاويلهم الفتاوى، وتبعتهم الأمة، فلا يقبل في هؤلاء قول كل قائل يرميهم بسوء أو تقصير في العلم والرواية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الأَئِمَّةِ الجِلَّةِ الذِينَ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُمْ وَاشْتَهَرَتْ:
وهؤلاء الأئمة هو الذين يقول فيهم الشيخ الإمام القدوة المجتهد شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في كتابه " اللمع في أصول الفقه " (¬1) في (باب القول في الجرح والتعديل) ما نصه: «وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق، أو مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أو أفاضل التابعين كالحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي وأجلاء الأئمة كمالك، وسفيان، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره، ولم يجب البحث عن عدالته». اهـ.
¬
(¬1) ص 41 طبع مصطفى البابي الحلبي بمصر سَنَةَ 1358 هـ.
الجزء 1 · صفحة 53
ويقول فيهم ابن الصلاح الإمام الحافظ المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو بن صلاح الدين عبد الرحمن الكُرْدِي الشَّهْرَزُورِي الشافعي، في كتابه المشهور (¬1) " علوم الحديث ": «فَمَنِ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيصًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ الحَافِظُ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ، فَلاَ يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ».
وقال الإمام العلامة الأصولي الناقد المحدث محقق الحنفية الكمال بن الهُمَامِ في " تحرير الأصول ": «عُرِفَ أن الشهرة مُعَرِّفُ العدالة والضبط، كمالك والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك وغيرهم؛ للقطع بأن الحاصل بها من الظن فوق التزكية، وأنكر أحمد على من سأله عن إسحاق، وابنُ معين
¬
(¬1) " علوم الحديث " المعروف بـ " مقدمة ابن الصلاح ": ص 115 في (النوع الثالث والعشرين).
الجزء 1 · صفحة 54
عن أبي عُبيد، وقال: أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ». اهـ. (¬1).
وقال الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري السِّهَالوي اللَّكْنَوِي بحر العلوم ملك العلماء: «(مسألة: مُعَرِّفُ العَدَالَةِ) أمور منها (الشُّهْرَةُ)، والتواتر (كَمَالِكٍ) الإمام، (والأوزاعي)، وعبد الله (بن المبارك وغيرهم)، كالإمام الهُمَامِ أبى حنيفة وصاحبيه وبواقي أصحابه، والإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر الأئمة الكرام قُدِّسَ سِرُّهُمْ (لأنها فوق التزكية) في إفادة العلم بالعدالة (ولهذا) أي لأجل كون الشهرة فوق التزكية (أنكر أحمد) بن حنبل (على من سأله عن إسحاق) بن راهويه هو عدل أم لا؟ (و) أنكر يحيى (بن معين على من سأله عن أبى عبيد، فقال) ابن معين: (أبو عبيد يُسْأَلُ عن الناس) وأنت تسأل عنه! يعني أنه مشهور بالعدالة حتى يجعل مُزَكِّيًا وأنت تسأل عنه» (¬2).
وقال الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي، في " بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني:
¬
(¬1) راجع " التقرير والتحبير شرح التحرير ": 2/ 247، الطبعة الأولى ببولاق - مصر، سَنَةَ 1316 هـ.
(¬2) من " فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت " مع " المستصفى ": 2/ 148، الطبعة الأولى ببولاق، المصرية سَنَةَ 1324 هـ.
الجزء 1 · صفحة 55
«وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لاَ يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل».
وهذا هو السبب في عدم إيراد الذهبي الإمام الأعظم أبا حنيفة، والهُمَامَ الأقدم الشافعي والإمام البخاري في كتابه " المغني في الضعفاء " و" الميزان " (¬1)، فقد صرح في مقدمة " ميزان الاعتدال بما نصه:
«وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين [في الفروع] أحدًا لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري».
كَثْرَةُ أَتْبَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاشْتِهَارِ مَذْهَبِهِ فِي الآفَاقِ:
ثم قد امتاز الإمام أبو حنيفة من بين هؤلاء الأئمة بكثرة أتباعه واشتهار مذهبه في الآفاق، فقد تبعه شطهر أهل البسيطة، بل ثلثها، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينًا.
قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (¬2): «اشْتُهِرَ مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيِّ مُدَّةً، وَتَلاَشَى أَصْحَابُهُ، وَتَفَانَوْا، وَكَذَلِكَ
¬
(¬1) وترجمة الإمام أبي حنيفة الواقعة في بعض نسخ " الميزان" مدسوسة وَمُقْحَمَةٌ بغير قل مؤلفه الحافظ الذهبي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، كما بينته في كتابي " الإمام ابن ماجه وكتابه السنن ": ص 245، وأوسعه بيانًا العلامة المحدث الناقد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على " الرفع التكميل " للإمام اللكنوي: ص 121 - 126 من الطبعة الثالثة.
(¬2) 8/ 92.
الجزء 1 · صفحة 56
مَذْهَبُ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ يَبْقَ اليَوْمَ إِلاَّ هَذِهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ.
وَقَلَّ مَنْ يَنهَضُ بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا.
وَانْقَطَعَ أَتْبَاعُ أَبِي ثَوْرٍ بَعْدَ الثَّلاَثِ مائَةٍ، وَأَصْحَابُ دَاوُدَ إِلاَّ القَلِيلُ، وَبَقِيَ مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ إِلَى مَا بَعْدَ الأَرْبَعِ مائَةٍ ... وَلاَ بَأْسَ بِمَذْهَبِ دَاوُدَ، وَفِيْهِ أَقْوَالٌ حَسَنَةٌ، وَمُتَابَعَةٌ لِلنُّصُوصِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ لاَ يَعتَدُّونَ بِخِلاَفِهِ، وَلَهُ شُذُوْذٌ فِي مَسَائِلَ شَانَتْ مَذْهَبَهُ».
وقال في " تذكرة الحفاظ " (¬1): «كان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مُدَّةً من الدهم، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما يُوجَدُ في كتب الخلاف».
وقال الإمام الرباني سيدي عبد الواهاب الشَّعْرَانِيُّ في كتاب " الميزان " (¬2): «ومذهبه - أي أبي حنيفة - أول المذاهب تدوينًا، وآخرها انقراضًا كما قاله بعض أهل الكشف، قد اختاره الله تعالى إمامًا لدينه وعباده، ولم يزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو حُبِسَ أَحَدُهُمْ وَضُرِبَ على أن يخرج عن طريقه ما أجاب، فرضي الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة».
وقال أيضًا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " الميزان " (¬3):
«إن الله تعالى لما مَنَّ عَلَيَّ بالاطلاع على عين الشريعة، رأيتُ
¬
(¬1) 1/ 182.
(¬2) 1/ 59 من الطبعة الأزهرية بمصر 1344 هـ.
(¬3) 1/ 27.
الجزء 1 · صفحة 57
المذاهب كلها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة تجري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرست، قد استحالت حجارة، ورأيت أطول الأئمة جدولاً الإمامَ أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المدونة تدوينًا، فكذلك يكون آخرها انقراضًا، وبذلك قال أهل الكشف».
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةً ثَبْتًا أَعْلَمُ أَهْلَ عَصْرِهِ بِالحَدِيثِ، وَمِنْ صَيَارِفَتِهِ:
قال شمس الأئمة الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " أصول الفقه " (¬1): «كَانَ الإمام أبو حنيفة أعلم أهل عصره بِالحَدِيثِ وَلَكِن لمراعاة شَرط كَمَالِ الضَّبْطِ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ».
وقال الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع " (¬2): «أَنَّهُ كَانَ مِنْ صَيَارِفَةِ الحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ تَقْدِيمُ الخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ الآحَادِ عَلَى القِيَاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَاوِيهِ عَدْلاً ظَاهِرَ العَدَالَةِ».
¬
(¬1) 1/ 350 من طبعة دار الكتاب العربي، سَنَةَ 1372 هـ.
(¬2) 5/ 188 من طبعة مصر، سَنَةَ 1328 هـ.
الجزء 1 · صفحة 58
وقال الإمام الكاساني أيضًا في كتابه المذكور (¬1): «وَحَدِيثٌ صَحَّحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ لأَحَدٍ مَطْعَنٌ».
عِدَادُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحُفَّاظِ:
وقد أطبق الحفاظ الجهابذة المحدثون الذين صنفوا في طبقات الحفاظ على ذكر الإمام فيهم، فهذا الحافظ الذهبي، يترجم له في " تذكرة الحفاظ " ويثني عليه، وقد قال في مبدأ كتابه: «هذه تذكرة بأسماء مُعَدِّلِي حَمَلَةِ العِلْمِ النبوي، ومن يُرْجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف». وكتابه " تذكرة الحفاظ " مطبوع متداول، وقد طبع مرارًا.
وتبعه الإمام المحدث الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في كتابه " المختصر في طبقات علماء الحديث " فأورده في كتابه، وترجم له وأثنى عليه خيرًا، والكتاب غير مطبوع إلى الآن (¬2)، فَأُحِبُّ أن أذكر ما قاله بِرُمَّتِهِ.
قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «(ت، س) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زُوْطَى، التَّيْمِيُّ مولاهم، الكوفي، الإمام، فقيه العراق، مولده سَنَةَ ثمانين، رأى أنس بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم الكوفة، رواه ابن سعد عن سيف بن جابر، أنه سمع أبا حنيفة يقول.
¬
(¬1) 2/ 97.
(¬2) نسخة هذا الكتاب محفوظة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي نسخة مصورة. وقد طبع شطر منه، وحين نقل المؤلف عنه كان غير مطبوع. (عبد الفتاح أبو غدة).
الجزء 1 · صفحة 59
وَحَدَّثَ عن عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعدي بن ثابت، وسلمة بن كُهَيْلٍ، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخلق.
تفقه به زُفَرُ بْنُ الهُذَيْلِ، وداود الطائي، وأبو يوسف، ومحمد، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ونوحُ الجامع، وأبو مطيع البلخي، وَعِدَّةٌ، وكان قد تفقه بحماد بن أبي سليمان، وغيره.
وحدث عنه وكيع، ويزيد بن هارون، وسعد بن الصلت، وأبو عاصم، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن المقري، وخلق.
وكان إمامًا، وَرِعًا، عَالِمًا، عاملاً، متعبدًا، كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتجر ويكتسب.
قال ضرار بن صُرد: سئل يزيد بن هارون، أيهما أفقه، الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: «أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ، وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ».
وقال ابن المبارك: «أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ النَّاسِ»، وقال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ»، وقال يزيد: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَوْرَعَ وَلاَ أَعْقَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ»، وقال أبو داود: «رَحِمَ اللهُ أَبَا حَنِيفَةَ، كَانَ إِمَامًا».
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: [بَيْنَمَا أَنَا] (*) أَمْشِي مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لآخَرَ: هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ لاَ يَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: «وَاللهِ لاَ يُتَحَدَّثُ عَنِّي بِمَا لَمْ أَفْعَلْ»، فَكَانَ يَقُومُ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاَةً، وَدُعَاءً،
¬
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) قارن نفس القول بما ورد في صفحة 94 من هذا الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 60
وَتَضَرُّعًا، وَمَنَاقِبُهُ وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةَ.- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -». انتهى.
وقال في مبدأ كتابه: «وبعد، فهذا كتاب مختصر، يشتمل على جملة من الحفاظ، من أصحاب النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتابعين، ومن بعدهم، لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم».
ومع كون الكتاب مختصرًا، ذكر الإمامَ فيه، وهذا يدل على كون الإمام من الحفاظ المعدودين الذين ينبغي الاعتناء بتراجمهم.
ثم ذكره في الحفاظ الإمام العلامة الحافظ مؤرخ الديار الشامية وحافظها، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن ناصر الدين الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في كتابيه: " بديعة البيان عن موت الأعيان " منظومة، وَشَرْحِهَا " التبيان لبديعة البيان "، وهي طبقات الحفاظ نظمًا ونثرًا، وقد رأيت منها نسخة مخطوطة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، بالمدينة المنورة، حين سافرتُ للحج في 1387 هـ، ضِمْنَ كُتُبِ التواريخ رقم (48) جاء فيها ما نصه:
بَعْدَهُمَا فَتَى جُرَيْجِ الدَّانِي ... مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِي
أي بعد وفاة الحَجَّاجِ، وَالزُّبَيْدِيِّ بعام (¬1)، وفاة ابن جريج، وأبي حنيفة الإمام.
¬
(¬1) الحَجَّاجُ هو أبو أرطأة الحجاج بن أرطأة الكوفي النخعي الإمام أحد الأعلام. وَالزُّبَيْدِيُّ بضم الزاي بصيغة التصغير: أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، قاضي حمص. وكلاهما توفيا سنة 149 هـ، قبل وفاة ابن جريج وأبي حنيفة اللذين توفيا سنة 150 هـ، - رَحِمَهُمْ اللهُ أَجْمَعِينَ -. (عبد الفتاح أبو غدة).
الجزء 1 · صفحة 61
فالأول عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وقيل: أبو خالد الأموي مولاهم المكي ...
والثاني النعمان بن ثابت بن زُوطَى التيمي مولاهم الكوفي، وقيل: هو من أبناء فارس، قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة فيما رُوِيَ عنه: «أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ بْنِ المَرْزِبَانِ، مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ الأَحْرَارِ، واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ». انتهى.
رأى الإمامُ أنسَ بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم الكوفة، فيما رواه سيف بن جابر سماعًا من أبي حنيفة، وَحَدَّثَ عن عطاء، ونافع، وعمرو بن دينار، والأعرج، وقتادة، وخلق من الأخيار.
وكان أحد أئمة الأمصار، فقيه العراق، متعبدًا، كبير الشأن، وكان يتجر، ولا يقبل جوائز السلطان.
وهو أحد من كان يختم في ركعة القرآنَ، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، وفضائله كثيرة معروفة. قال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ». انتهى.
وذكره أيضًا الإمام المحدث جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي الشهير بابن المِبْرَدِ (بكسر الميم وسكون الموحدة، وفتح الراء الخفيفة) في كتابه " طبقات الحفاظ " وقد نقل عنه الشيخ العلامة المحدث عبد اللطيف بن المخدوم العلامة محمد هاشم السندي، في كتابه " ذَبُّ ذُبَابَاتِ الدراسات، عن المذاهب الأربعة
الجزء 1 · صفحة 62
المتناسبات " (¬1).
ثم ذكره بعدهم خاتمة الحفاظ الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه " طبقات الحفاظ " وقد ذكرتُ ما قاله السيوطي في ترجمة الإمام أبي حنيفة في " التعليقات على ذب ذبابات الدراسات عن المذاهب الأربعة المتناسبات " فليراجع، وقد طبع كتاب " طبقات الحفاظ " للسيوطي في أوروبا وبيروت. وقال في مبدأ كتابه:
«أما بعد، فَهَذَا كتاب " طَبَقَات الحفاظ " وَمُعَدِّلِي حَمَلَةِ العِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمن يرجع إِلَى اجتهادهم فِي التوثيق وَالتَّجْرِيح، والتضعيف والتصحيح. لخصتها من " طَبَقَات " إِمَام الحفاظ أبي عبد الله الذَّهَبِيِّ، وذيلت عَلَيْهِ من جَاءَ بعده».
ثم ذكره مِنْ بَعْدِهِ الشيخ العلامة المحدث محمد بن رستم بن قُبَادٍ الحارثي البَدَخْشِيِّ، أحد البارعين في علم الحديث والرجال، في كتابه " تراجم الحفاظ "، وهو مجلد ضخم في تراجم الحفاظ، استخرجها من كتاب " الأنساب " للإمام الحافظ السمعاني، مع اختصار في بعض التراجم وزيادة مفيدة في أكثرها، فرغ من تصنيفه يوم الخميس لتسع خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة ست وأربعين ومائة وألف بمدينة دِهْلِي عاصمة الهند، فقال ما نصه:
«النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام الأعظم، أحد الأئمة
¬
(¬1) 1/ 445، قامت بنشره لجنة إحياء الأدب السِّنْدِي بكراتشي 1379 هـ.
الجزء 1 · صفحة 63
الأربعة المتبوعين، ذكره في نسبة «الخَزَّازِ» وقال: بفتح الخاء المعجمة وتشديد [الزاي] الأولى، اشتهر بهذه الصنعة والحرفة جماعة من أهل العِرَاقَيْنِ، من أئمة الدين وعلماء المسلمين: فأما من أهل الكوفة، فأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مع تبحره في العلم وَغَوْصِهِ عَلَى دقائق المعاني وَخَفِيِّهَا، كان يبيع الخَزَّ ويأكل منه طلبًا للحلال، وقيل: كان ذلك في ابتداء أمره، وَشُهْرَتُهُ تُغْنِي عن الإطناب في ذكره. ولد سَنَةَ سبعين، وتوفي سَنَةَ خمسين ومائة، انتهى كلامه في الخزاز.
ثم أعاد ذكره في «الرَّائِي»، وقد مَرَّ تحقيقه في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن (¬1) فقال: «وأبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المَرْزُبَانِ التَّيْمِيِّ الكوفي، صاحب الرأي، وإمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق. رأى انس بن مالك - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.
وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، وحماد بن أبي سليمان، والهيثم بن حبيب، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب».
روى عنه هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن
¬
(¬1) قال فيها: «الرَّائِي» بتشديد الراء المفتوحة وفي آخرها الياء ... وإنما قيل له: الرائي لعلمه به - أي بالرأي - وكان عارفًا بِالسُنَّةِ وقائلاً بالرأي.
الجزء 1 · صفحة 64
الحسن الشيباني، وعمرو بن محمد العَنْقَزِيِّ، وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، وأبو عبد الرحمن المُقْرِئ، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم.
وهو كُوفِيٌّ تَيْمِيٌّ من رهط حمزة بن حبيب الزيات، وُلِدَ بالكوفة، ونقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد، فسكنها إلى حين وفاته. قيل: إن أباه ثابت بن النعمان المَرْزُبَانُ من أبناء فارس الأحرار، ذهب إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. وقيل: إن جده النعمان بن المرزبان هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - الفَالُوذَجْ في يَوْمِ النَّيْرُوزِ، فقال: «نَوْرِزُونَا كُلَّ يَوْمِ»، وفي رواية: كان في يوم المِهرجان، فقال: «مَهْرِجُونَا كُلَّ يَوْمِ».
وَكَلَّمَهُ ابُنُ هُبَيْرَةُ عَلَى أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ، فَأَبَى، فَضَرِبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَعَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، فَصَبَرَ وَامْتَنَعَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلَهُ.
واشتغل بطلب العلم وبالغ فيه حتى حصل له ما لم يحصل لغيره. ودخل يومًا على المنصور فكان عنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: «هَذَا عَالِمُ الدُّنْيَا اليَوْمَ».
ورأى أبو حنيفة في المنام أنه يَنْبِشُ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقيل لمحمد بن سيرين، فقال: «صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا رَجُلٌ يُثَوِّرُ عِلْمًا - أي يستخرج علمًا - لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ».
وكان مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ يقول: «ما أحسد أحدًا بالكوفة إلا رجلين:
الجزء 1 · صفحة 65
أبو حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده»، وقال مسعر أيضًا: «من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رَجَوْتُ أن لا يخاف، ولا يكون فَرَّطَ في الاحتياط لنفسه».
وقال الفضيل بن عياض: «كَانَ أََبُو حَنِيفَةَ رَجُلاً فَقِيهًا مَعْرُوفًا بِالفِقْهِ، مَشْهُورًا بِالوَرَعِ، وَاسِعَ المَالِ، مَعْرُوفًا بِالإِفْضَالِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَطِيفُ بِهِ، صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ العِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، حَسَنُ [اللَّيْلِ] (*)، كَثِيرُ الصَّمْتِ، قَلِيلُ الكَلاَمِ، حَتَّى تَرِدَ مَسْأَلَةٌ فِي حَلاَلٍ أَوْ حَرَامٍ، وَكَانَ يُحْسِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الحَقِّ هَارِبًا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ» وَ «إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اتَّبَعَهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِلاَّ قَاسَ فَأَحْسَنَ القِيَاسَ» (**).
وكانت ولادته سنة ثمانين، ومات في رجب سنة خمسين ومائة، ودُفِنَ بمقبرة الخَيْزُرَان بباب الطاق، وَصُلِّيَ عليه سِتُّ مَرَّاتٍ من كثرة الزحام، آخرهم صَلَّى عليه ابنه حماد، وغسله الحسن بن عمارة ورجل آخر، قلتُ: وزرتُ قبره غير مرة. انتهى.
قلتُ: ذكره الذهبي وابن ناصر الدين في طبقات الحفاظ. انتهى ما ذكره البَدَخْشِيُّ.
ورأيت من هذا الكتاب نسخة خطية في خزانة الكتب بدار العلوم لندوة العلماء لكنو بالهند.
وقد عقد الشيخ العلامة الثقة المُطَّلِعُ، والحافظ المُتَّبِعُ، الشيخ الإمام، شمس الدين محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي، مؤلف " السيرة الشامية " في كتابه " عقود الجمان في مناقب الإمام
¬
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) في الكتاب المطبوع (الدِّينِ) والصواب (الليل)، انظر " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف: 15/ 459، الطبعة الأولى: 1422هـ - 2002 م، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
[قارن هذا القول بما ورد في ص 113 من هذا الكتاب].
(**) هو قول لابن الصباح، انظر المصدر السابق: 15/ 459.
الجزء 1 · صفحة 66
الأعظم أبي حنيفة النعمان " (¬1)، «الباب الثالث والعشرين» في «بيان كثرة حديثه، وكونه من أعيان الحفاظ من المحدثين» قال فيه - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «اعلم رحمك الله تعالى أن الإمام أبا حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، من كبار حفاظ الحديث، وذكره الذهبي في كتابه " الممتع " و" طبقات الحفاظ المحدثين " منهم، ولقد أصاب وأجاد، لولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة». انتهى.
وقال العلامة المحدث إسماعيل العجلوني بن محمد جَرَّاح الشافعي في رسالته المسماة " عِقْدُ الجوهر الثمين في أربعين حديثًا من أحاديث سيد المرسلين " وهي ثَبَتُهُ المَعْرُوفُ بـ " الرسالة العجلونية " (¬2): «وَزِدْتُ عَلَى مَا فِيهَا " مُسْنَدَ " الإمام أبي حنيفة النعمان، تَنْوِيهًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ».
ثم علق على قوله: «الإمام أبي حنيفة النعمان»، بالحاشية ما نصه (¬3): «هو إمام الأئمة، هادي الأمة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ولد سنة ثمانين، وتوفاه الله تعالى سنة مائة وخمسين من الهجرة
¬
(¬1) في ص 319. طُبِعَ بالهند في حيدر آباد الدكن، طبعته لجنة إحياء المعارف النعمانية سنة 1394 هـ.
(¬2) ص 4.
(¬3) ص 4 و 5 و 6 من طبعة مصر سنة 1322 هـ.
الجزء 1 · صفحة 67
أَحَدُ مَنْ عُدَّ من التابعين، إمام المجتهدين بلا نزاع، أول من فتح باب الاجتهاد بالإجماع، لا يَشُكُّ من وقف على فقهه، وفروعه، في سَعَةِ علومه، وجلالة قدره، وأنه كان أعلم الناس بالكتاب والسنة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وتحمله، والجد والتشمير في ذلك، ليأخذ الدين من أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها.
وقد أجمع الناقلون عنه من أهل الأصول وأهل الحديث أنه يُقَدِّمُ الحديث الصحيح على القياس المُعْتَبَرِ، نعم لم يكن هو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، من المُكْثِرِينَ كسائر الأئمة، وليس من شروط الإمامة والاجتهاد الإكثار في الرواية، لأن الاجتهاد إنما يتوقف على حفظ السُّنَنِ، وتحملها، لا على أدائها وتبليغها.
فَالصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إمام الصحابة، وأفقههم، وأحفظهم، لا يشك فيه مسلم: لم يكثر، وإنما رَوَى أحاديث معدودة، وإمام المحدثين بالإجماع إمام الأئمة وإمام دار الهجرة مالك - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، لم يصح عنده إلا ما في كتاب " الموطأ " (¬1)، فهل يقول قائل فيه شيئًا.
ونحن لا ننكر أن في السنن سُنَنًا لم تبلغ الإمام أبا حنيفة، أَوْ بَلَغَتْهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عنده صحتها، لكن هذا أمر لا يمس شأن المجتهد، وقد كان عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يرى رَأْيًا ثم تبلغه السُنَّةُ فيرجع، مع أنه ثبت عند أهل العلم بالأثر أن عمر أفقه الصحابة - بعد أبي بكر -.
¬
(¬1) يعني إذا قصرنا النظر على ما دَوَّنَهُ في " الموطأ ". (عبد الفتاح أبو غدة).
الجزء 1 · صفحة 68
ثم الطاعنون فيه كانوا يقرون بإمامته، وتقدمه من حيث لا يدرون، كانوا يرمونه بالرأي، وليس الرأي في سلفنا إلا قوة الاطلاع على معاني النصوص الشرعية، وعلى الحِكَمِ المعتبرة من عند الشارع في شرعه الأحكام، ولن يَتِمَّ اجتهادٌ، بل ولا عِلْمٌ إلا بالحفظ، وَفِقْهِ معاني المحفوظ.
فهو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، حافظ، حُجَّةٌ، فَقِيهٌ، لم يكثر من الرواية، لِمَا شَدَّدَ في شروط الرواية، والتحمل، وشروط القبول». انتهى.
فثبت أن الإمام أبا حنيفة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أحد أئمة الأمصار الذين هُمْ من أهل هذا الشأن، ومن أعيان حفاظ الحديث، الذين لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم، ومن كبار مُعَدِّلِي حَمَلَةِ العلم النبوي، وممن يَرْجِعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتجريح، والتضعيف والتصحيح، ومن أعلم الناس بالكتاب والسنة.
أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
قال الحافظ العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " تلخيص كتاب الاستغاثة " المعروف بـ " الرد على البكري " (¬1): «وكلام يحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، وأبي زُرْعَة، والنسائي، وأبي أحمد بن عَدِيٍّ، والدارقطني، وأمثالهم، في الرجال، وصحيح الحديث، وضعيفه، هو
¬
(¬1) ص 13 و 14 من طبع مصر.
الجزء 1 · صفحة 69
مثل كلام مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأمثالهم في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وفي الأئمة من هو إمام مع هؤلاء وهؤلاء، مشارك للطائفتين، وإن كان بأحد الصنفين أجدر.
وأكثر أئمة الحديث والفقه كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكذلك الأوزاعي، والثوري، والليث، هؤلاء، وكذلك لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ولأبي حنيفة، أيضًا مَا لَهُ من ذلك، ولكن لبعضهم في الإمامة في الصنفين ما ليس للآخر، وفي بعضهم من صنف المعرفة بأحد الصنفين ما ليس في الآخر، فرضي الله عن جميع أهل العلم والإيمان». انتهى.
وقال إمام الحفاظ، الجِهْبِذُ النَّاقِدُ، شمس الدين الذهبي في كتابه " ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل " (¬1): «فأول من زكى وجرح عند انقراض عصر الصحابة
1 - الشعبي.
2 - وابن سيرين ونحوهما، حُفِظَ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين.
وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قِلَّةُ [مُتَّبِعِيهِمْ] من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم
¬
(¬1) ص 159 - 162. طبع مع " قاعدة في الجرح والتعديل " (*)، طبع المكتبة العلمية في لاهور سنة 1402 هـ، بتحقيق العلامة المحقق المحدث الناقد الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة - نَفَعَ اللهُ بِهِ -.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) طبعت هذه الرسالة ضمن كتاب " أربع رسائل في علوم الحديث " اعتنى بها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع خمس طبعات، الطبعة الخامسة في بيروت سنة 1410 هـ - 1990 م، شر درا البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. (301 صفحة).
الجزء 1 · صفحة 70
[عامتهم ثقات صادقون] يَعُونَ مَا يَرْوُونَ وهم كبار التابعين، يوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الاعور وعاصم بن ضمرة ونحوهما.
نعم فيهم عِدَّةٌ من رؤوس أهل البدع، من الخوارج والشيعة، والقدرية، نسأل الله العافية، كعبد الرحمن بن مُلْجِمٍ، والمختار بن أبي عبيد الكذاب، ومعبد الجهني، ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ، أو لبدعة فيهم، كعطية العوفي، وفرقد السبخي، وجابر الجعفي، وأبي هارون العبدري.
فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة تكلم طائفة من الحهابذة في التوثيق والتضعيف.
3 - فقال أبو حنيفة: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
4 - وَضَعَّفََ الأعمش جماعة، وَوَثَّقَ آخرين.
5 - وانتقد الرجالَ شُعْبَةُ.
6 - وَمَالِكٌ».
قال الحافظ أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي صاحب الحافظ ابن حجر العسقلاني (¬1):
«وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ - كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ
¬
(¬1) في ص 479 من " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " من طبعة أنوار محمدي لكنو بالهند.
الجزء 1 · صفحة 71
مِنَ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّابِعِينَ ; [أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ] بِقِلَّةٍ، لِقِلَّةِ الضَّعْفِ فِي مَتْبُوعِيهِمْ ; إِذْ اكْثَرُهُمْ صَحَابَةٌ عُدُولٌ، وَغَيْرُ الصَّحَابَةِ مِنَ المَتْبُوعِينَ أَكْثَرُهُمْ ثِقَاتٌ، وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ الذِي انْقَرَضَ فِي الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ إِلاَّ الوَاحِدَ بَعْدَ الوَاحِدِ ; كَالحَارِثِ الأَعْوَرِ وَالمُخْتَارِ الكَذَّابِ.
فَلَمَّا مَضَى القَرْنُ الأَوَّلُ وَدَخَلَ الثَّانِي كَانَ فِي أَوَائِلِهِ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، الذِينَ ضُعِّفُوا غَالِبًا مِنْ قِبَلِ تَحَمُّلِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ، فَتَرَاهُمْ يَرْفَعُونَ المَوْقُوفَ وَيُرْسِلُونَ كَثِيرًا، وَلَهُمْ غَلَطٌ ; كَأَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ.
فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ - وَهُوَ حُدُودُ الخَمْسِينَ وَمِائَةٍ - تَكَلَّمَ فِي التَّوْثِيقِ وَالتَّضْعِيفِ طَائِفَةٌ مِنْ الأَئِمَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ ". وَضَعَّفَ الأَعْمَشُ جَمَاعَةً، وَوَثَّقَ آخَرِينَ، وَنَظَرَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ وَكَانَ مُتَثَبِّتًا لاَ يَكَادُ يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ، [وَكَذَا كَانَ] مَالِكٌ». انتهى.
وقال الإمام العلامة الحافظ عبد القادر القرشي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " (¬1):
«أعلم أَن الإِمَام أَبَا حنيفَة قد قبل قََوْلَهُ فى الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وتلقاه عَنهُ عُلَمَاء هَذَا الفَنِّ وَعمِلُوا بِهِ، كتلقيهم عَن الإِمَام أَحْمد
¬
(¬1) 1/ 30 و 31 من طبعة الهند.
الجزء 1 · صفحة 72
وَالبُخَارِي وَابْن معِينٍ وَابْن المَدِينِي وَغَيرهم من شُيُوخ الصَّنْعَة وَهَذَا يدلك على عَظمة شأنه وسعة علمه وسيادته.
فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فى كتاب " العِلَل " من " الجَامِع الكَبِير " حَدثنَا مَحْمُود بن غيلاَن عَن جرير عَن يحيى الحمانِي سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءَ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ».
وروينا فى " المدْخل لمعْرِفَة دَلاَئِل النُّبُوَّة " للبيهقى الحَافِظ بِسَنَدِهِ عَن عبد الحميد الحِمَّانِي سَمِعتُ أَبَا سعد الصَّنْعَانِيِّ وَقَامَ إِلَى أبي حنيفَة فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ مَا تَقُولُ فِي الأَخْذِ عَنْ الثَّوْريِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنهُ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ]،وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ كَانَ يَرَى القَدَرَ». وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «زَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ». وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَقْعَدَنِي لِلْحَدِيثِ أَبُو حَنِيفَةَ، قَدِمْتُ الكُوفَةَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنَّ هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ عَمْرٍو بْنِ دِينَارَ "فَاجْتَمَعُوا عَليَّ فَحَدَّثْتُهُمْ».
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: «[قُلْتُ لِعَلِيٍّ بْنَ المَدِينِيِّ] كَلاَمُ رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ الذِى يُحَدِّثُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ».قَالَ يَعْقُوبُ: «فَعَرَفَهُ عَليُّ بْنُ المَدِينِيِّ وَقَالَ: " لَمْ أَجِدْهُ عِنْدِي"».
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانُ الجَوْزَجَانِيِّ: «سَمِعتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ:
الجزء 1 · صفحة 73
مَا عَرَفْنَا كُنْيَةَ عَمْرِو بن دِينَارٍ إِلاَّ بِأبي حَنِيفَةَ كُنَّا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَ عَمْرٍو بن دِينَار فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ، كَلِّمْهُ يُحَدِّثُنَا، فَقَالَ: " يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَدِّثْهُمْ "، وَلَمْ يَقُلْ: يَا عَمْرُو».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: «لَعَنَ اللهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَإِنَّهُ فَتَحَ لِلْنَّاسِ بَابًا إِلَى عِلْمِ الكَلاَم». وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: «قََاتَلَ اللُه جَهْمَ بْنَ صَفْوَانٍ وَمُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ. هَذَا أَفْرَطَ فِي النَّفْيِ وَهَذَا أَفْرَطَ فِي التَّشْبِيهِ».
وجاء في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " للحافظ عبد القادر القرشي أيضًا: (¬1)
«قال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا أبي، قال: أَمْلَى عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ، قال: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لاَ يَنْبَغِي لِلْرَّجُلِ أََنْ يُحَدِّثَ مِنَ الحَدِيثِ إِلاَّ بِمَا حَفِظَهُ مِنْ يَوْمِ سَمِعَهُ إِلَى يَوْمِ يُحَدِّثُ بِهِ».
قُلْتُُ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا العَلاَّمَةُ الحُجَّةُ زَيْنَ الدِّينِ بْنَ الكِنَانِيِّ، فِي دَرْسِ الحَدِيثِ بِالقُبَّةِ المَنْصُورِيَّةِ وَكَانَ أَحَدَ سَلاَطِينِ العُلَمَاءِ يَنْصُرُ هَذَا القَوْلَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي هَذَا المجْلسِ: لاَ يَحِلُّ لِي أَنْ أَرْوِيَ إِلاَّ قَوْلَهُ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
فَإِنِّي حَفِظْتُهُ مِنْ حِينِ سَمِعْتُهُ إِلَى الآن
¬
(¬1) 1/ 30 و 31 و 32 الطبعة الأولى.
الجزء 1 · صفحة 74
قُلْتُ: وَلَكِنَّ أََكْثَرَ النَّاسِ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَةُ أبي حنيفَة لهَذِهِ العلَّة لاَ لِعِلَّةٍ أُخْرَى زَعَمَهَا المُتَحَامِلُونَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عَاصِم: سَمِعتُ أَبَا حنيفَة يَقُول: «القِرَاءَة جَائِزَة - يَعْنِي عَرْضَ الكُتُبِ -». قََالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ: «هِيَ جَائِزَةٌ» - يَعْنِي عَرْضَ الكُتُبِ -.
قَالَ: وَسمعت مَالك بن أنس وسُفْيَان وَسَأَلْتُ أَبَا حنيفَة عَن الرجل يقْرَأ عَلَيْهِ الحَدِيث يَقُول أخبرنَا أَو كَلاَمًا هَذَا مَعْنَاهُ فَقَالُوا: «لاَ بَأْسَ».
وَعَن أبي عَاصِم أَخْبرنِي ابْن جُريج وَابْن أَبى ذئب وَأَبُو حنيفَة وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري كلهم يَقُولُونَ: «لاَ بَأْس إِِذَا قَرَأْتَ عَلَى العَالِمِ أَنَ تَقُولَ: أَخْبَرَنَا».
وَقَالَ أَبُو قَطَنَ فِيمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ لي أَبُو حنيفَة: «اقْرَأ عَليَّ وَقُلْ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ لي مَالَكَ: اقْرَأ عَليَّ وَقُلْ: حَدَّثَنِي».
قَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا رَوْحُ بْنُ الفَرَجِ أَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغْنَا مِنْ قِرَاءَةِ " المُوَطَّأ " عَلَى مَالِكٍ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ كَيْفَ نقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَقُلْ حَدَّثنِي وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ أَخْبَرَنِي، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: أَخْبَرَنَا» قَالَ: وَأرَاهُ قَالَ وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: «سَمِعْتُ» (¬1).
¬
(¬1) وقع في الأصل هنا تبعًا لـ " الجواهر " سقط استدركته من " رسالة الطحاوي في التسوية بين حدثنا وأخبرنا " (عبد الفتاح أبو غدة).
الجزء 1 · صفحة 75
قال الطَّحَاوِيُّ: «وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ فَأُفْتِيَ بِهِ» (¬1). انتهى.
قلتُ: وقال ابن حبان في " صحيحه " (¬2): «أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ القَطَّانُ بِالرَّقَّةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، مَا أَتَيْتُهُ بِشَيْءٍ قَطُّ مِنْ رَأْيٍ إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
¬
(¬1) كذا جاء سياق هذا الخبر في " الجواهر المضية "، وفيه اختصار شديد، وهذا نصه بتمامه من " الانتقاء " لابن عبد البر، ص 140، 141: «مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ المُحَبَّرِ، قَالَ قِيلَ لأَبِي حَنِيفَةَ: المُحْرِمُ لاَ يَجِدُ الإِزَارَ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ؟ قَالَ: لاَ وَلَكِنْ يَلَبْسُ الإِزَارَ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُ إِزَارٌ، قَالَ: يَبِيعُ السَّرَاوِيلَ وَيَشْتَرِي بِهَا إِزَارًا».
«قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ وَقَالَ (المُحْرِمُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ)، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا عِنْدِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ فَأُفْتى بِهِ، وَيَنْتَهِي كُلُّ امْرِئٍ إِلَى مَا سَمِعَ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ السَّرَاوِيلَ) فَنَنْتَهِي إِلَى مَا سَمِعْنَا ".
قِيلَ لَهُ: أَتُخَالِفُ النَّبِيَّ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ وَبِهِ اسْتَنْقَذَنَا». (عبد الفتاح أبو غدة).
(¬2) من " الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ": 3/ 273 طبع دار الكتب العلمية ببيروت.
الجزء 1 · صفحة 76
وَسَلَّمَ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا، فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يُجَرِّحُ جَابِرًا الجُعْفِيَّ وَيُكَذِّبُهُ». انتهى.
وقال ابن حبان أيضًا في كتاب " الثقات " (¬1) في ترجمة أبي محمد موسى بن السندي: «حَدَّثنا [عَنهُ] عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنُ مُجَاشِعٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ السِّنْدِيِّ ثَنَا المُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُول: " يَقُولُونَ من كَانَ طَوِيل اللِّحْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ وَلَقََدْ رَأَيْتُ عَلْقَمَة بْنَ مَرْثَدٍ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ وَافِرَ العَقْلِ "».
وقال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عَدي الجرجاني، في ترجمة جابر بن يزيد الجُعْفِيِّ من كتابه " الكامل في الضعفاء " (¬2):
«حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبد اللَّهِ القَطَّانُ، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا يَحْيَى الحِمَّانِيِّ يَقُولُ: سَمعتُ أبا حنيفة يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءَ، وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ مَا أَتَيْتُهُ قَطُّ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُظْهِرْهَا.
حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْنُ مُحَمد بن عَبد العزيز، حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنا عَبد الحميد الحِمَّانِيُّ سَمِعْتُ أبا سعد الصاغاني يَقُولُ جاء رجل إلى أَبِي حنيفة فَقَالَ: مَا تَرَى فِي الأَخْذ عَن الثَّوْريِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنهُ
¬
(¬1) 9/ 162.
(¬2) 3/ 537، طبع " المكتبة الأثرية " بباكستان.
الجزء 1 · صفحة 77
مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ] , وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ».
سَمِعْتُ عَبد اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الحَمِيدِ الحِمَّانِي، عَن أَبِي حنيفة قَال: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ».
حَدَّثَنَا ابن أبي بكر، حَدَّثَنا عباس، وَحَدَّثنا ابْن حَمَّاد، قَال: قَال عَبَّاس، حَدَّثَنا عَبد الحميد بْنُ بَشْمِينُ، عَن أَبِي حنيفة قَال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ». انتهى.
وقال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي في " جامع بيان العلم وفضله " (¬1): «وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَقْعُدُ النَّاسِ بِحَمَّادٍ، يُفَضِّلُ عَطَاءً عَلَيْهِ» (عَلَى حَمَّادٍ).
وَأَخْبَرَنَا حَكَمُ بْنُ مُنْذِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ المُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ "».
وَأَخْبَرَنَا حَكَمُ بْنُ مُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَيْرَانَ الفَقِيهُ العَبْدُ الصَّالِحُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبٍ، سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَلاَ رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ». انتهى.
وقال البيهقي في كتاب " القراءة خلف الإمام " (¬2): وَلَوْ لَمْ يَكُنْ
¬
(¬1) 2/ 153 طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
(¬2) ص 108 و 109 من طبع دهلي سنة 1915 م.
الجزء 1 · صفحة 78
فِي جَرْحِ الجُعْفِيِّ إِلاَّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكَفَاهُ بِهِ شَرًّا , فَإِنَّهُ رَآهُ وَجَرَّبَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَهُ فَأَخْبَرَ بِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ المَالِينِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ، نَا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحوَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ , وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ , مَا أَتَيْتُهُ بِشَيْءٍ قَطُّ مِنْ رَأْيِي إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُظْهِرْهَا».
وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، نَا عَبْدُ الحَمِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي الأَخْذِ عَنِ الثَّوْرِيِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنْهُ، [فَإِنَّهُ ثِقَة] مَا خَلاَ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ , وَحَدِيثَ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
وقال الإمام ذو الفنون والمعارف أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الحافظ الأديب الظاهري في كتابه " المحلى في شرح
الجزء 1 · صفحة 79
المجلى بالحجج والآثار " (¬1):
«جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ كَذَّابٌ، وَأَوَّلُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ أَبُو حَنِيفَةَ».
وقال أيضًا (¬2):
«مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، أَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ».
وَرَوَى الحَاكِمُ في " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ الوَاعِظِ مِنْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِسْهَرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ». انتهى (¬3).
ونقل الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (¬4) في ترجمة عطاء بن أبي رباح، «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "».
ونقل في ترجمة أبي الزناد، فقيه المدينة (¬5): «وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " رَأَيْتُ رَبِيعَةَ وَأَبَا الزِّنَادِ، وَأَبُو الزِّنَادِ أَفْقَهُ الرَّجُلَيْنِ "».
ونقل في ترجمة جعفر الصادق (¬6): «وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ "».
¬
(¬1) 1/ 378 طبع بيروت.
(¬2) 5/ 243.
(¬3) من " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " للسخاوي: ص 388.
(¬4) 1/ 98.
(¬5) 1/ 135.
(¬6) 1/ 166.
الجزء 1 · صفحة 80
وقال الإمام الحافظ المحدث البارع ترجمان العرب، ولسان أهل الأدب، أثير الدين محمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي الغرناطي الظاهري، في تفسيره المعروف بـ " البحر المحيط " (¬1) ما نصه:
«وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ: غَلَبَ حَمْزَةُ النَّاسَ عَلَى القُرْآنِ وَالفَرَائِضِ». انتهى.
وعلى كل حال فإمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - من كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره، ممن إذا قال قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِذَا جَرَّحَ أَوْ عَدَّلَ سُمِعَ مِنْهُ، وكان متثبتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا ما يحفظ وتبعه مالك.
ولقد قال مَلِكُ المُحَدِّثِينَ إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين - كما في " البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير - (¬2): «العُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ; الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالأَوْزَاعِيُّ».
فهؤلاء القرناء في العلم، وأبو حنيفة ومالك يفوقان على الثوري والأوزاعي في نقد الرجال، وهما الحافظان الحُجَّتَانِ، فمن احتج به أبو حنيفة في كتاب " الآثار " أو مالك في " الموطأ " فهو المقبول، ومن اختلفا فيه - وذلك قليل جدًا - كزيد بن عياش اجْتُهِدَ في أمره.
¬
(¬1) 3/ 159، الطبعة الثانية ببيروت سَنَةَ 1403 هـ.
(¬2) 10/ 116.
الجزء 1 · صفحة 81
أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى شَرْطِ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ:
ويدل على جلالة شأن أبي حنيفة في علم الحديث، وضبطه، وإتقانه، وصحة روايته، وعلو مكانته، أنه لما قال البخاري: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ كُلِّهَا: مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -» وبنى على ذلك الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أن أجل الأسانيد: الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، اعترض عليه الشيخ الإمام العلامة الحافظ علاء الدين مُغُلْطَايْ: «بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ أَحَادِيثَ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ». انتهى.
وأجاب عنه البُلْقِينِي في " محاسن الاصطلاح " بقوله: «فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ وَإِنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنْ لَمْ تَشْتَهِرْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، كَاشْتِهَارِ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ». انتهى.
وقال العراقي: «رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في "غرائبه " وفي " المُدَبَّجِ "، ليست من روايته عن نافع، عن ابن عمر، والمسألة مفروضة في ذلك، نعم ذكر الخطيب حديثًا كذلك في الرواية عن مالك».
وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «أَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلاَ يَحْسُنُ؛ لأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ تَثْبُتُ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الخَطِيبُ لِرِوَايَتَيْنِ وَقَعَتَا لَهُمَا عَنْهُ بِإِسْنَادَيْنِ فِيهِمَا مَقَالٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي المُذَاكَرَةِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ كَالشَّافِعِيِّ الذِي لاَزَمَهُ
الجزء 1 · صفحة 82
مُدَّةً طَوِيلَةً وَقَرَأَ عَلَيْهِ " المُوَطَّأَ " بِنَفْسِهِ». انتهى. نقله السيوطي في " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي " (¬1).
فانظر - يا رعاك الله - هؤلاء الحفاظ الأئمة الأعلام، لما ذكر الحافظ مُغُلْطَايْ الإمام أبا حنيفة في سلسلة أصح الأسانيد عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: لا يرومون أبا حنيفة بسوء الحفظ والضعف في الرواية، ولا ينكرون جلالته في الحديث، ولا إتقانه في الرواية، وإنما ينكرون على مُغُلْطَايْ إدخاله في هذه السلسلة، لعدم اشتهار روايته عن مالك كاشتهار رواية الشافعي عنه، أو لأنها وقعت في المذاكرة ولم يقصد أبو حنيفة الرواية عنه، أو لأن روايته عنه ليست من روايته عن نافع، أو لأنه لم تصح روايته عن مالك.
فظهر من هذا اتفاق هؤلاء الحفاظ الجهابذة أئمة النقد: الإمام مُغُلْطَايْ، والإمام البُلْقِينِِي، والحافظ العراقي، وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، على أن الإمام أبا حنيفة في جلالة قدره، وإتقانه في الحديث قَرِينُ مَالِكٍ والشافعي، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ.
ولو قال الإمام مُغُلْطَايْ: إن من أصح الأسانيد أبا حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر لكان له وجه، ولا ريب أن من أصح الأسانيد أبا حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، وهذا الإِسْنَادُ ذكره
¬
(¬1) ص 30، طبع الخيرية سَنَةَ 1307 هـ.
الجزء 1 · صفحة 83
الإمام عبد الوهاب الشَّعْرَانِيُّ في " ميزانه الكُبرى " (¬1)، كما ذكر إسناد مالك، عن نافع، عن ابن عمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ من كتابه " سير أعلام النبلاء " (¬2): «قَالَ أَبُو عَمْرٍو بنُ الصَّلاَحِ: رُوِّينَا عَنْ عَمْرٍو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاَّسِ, أَنَّهُ قَالَ: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيْدَةَ, عَنْ عَلِيٍّ.
قُلْتُ - القائل الذهبي - لاَ تَفَوُّقَ لِهَذَا الإِسْنَادِ مَعَ قُوَّتِهِ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللهِ, وَلاَ عَلَى الزُهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيْهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَيْنِ الإِسْنَادَيْنِ رُوِيَ بِهِمَا أَحَادِيثُ جَمَّةٌ فِي الصِّحَاحِ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ الأَوَّلُ، فَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " لِعَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ». انتهى.
وقال في ترجمة عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ الكُوفِيِّ (¬3):قَالَ بَعْضُ الحُفَّاظِ، وَأَحْسَنَ: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: مَنْصُوْرٌ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ فَعَلَى هَذَا, أَصَحَّ ذَلِكَ: شُعْبَةُ, وَسُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, وَعَنْهُمَا يَحْيَى القَطَّانُ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَعَنْهُمَا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ, وَعَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ - رَحِمَهُمُ اللهُ -. انتهى.
¬
(¬1) 1/ 48.
(¬2) 4/ 41.
(¬3) 4/ 60 و 61.