الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكمل الخلق سيدنا محمد أمام المجاهدين قائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أجمعين
أما بعد : فهذه أهم المسائل الشرعية الضرورية التي يحتاجها المسلم المجاهد وتتصل بعمله الميداني إلتزمت فيها الأختصار والأيضاح لتكون أسهل مأخذا وأقرب نفعا ولعلمي أن فراغ المجاهد قليل ولا يسعه فيه أن يقرا كتابا مطولا فيما يحتاجه لذا أخترت هذه المسائل الضرورية وأن كانت ثمة مسائل محتاج إليها أيضا لكني تركتها أختصارا وسميتها " فقه المجاهد في أهم ما يحتاجه من المسائل الضرورية " فأن وفقت في هذا العمل فمن الله تعالى وأن كانت الثانية فمن تقصيري وأرجو العذر والدعاء سائلا المولى تعالى أن يتقبل هذا العمل بمنه وكرمه إنه حسبي ونعم الوكيل .
1ـ المسألة الأولى : يجب على المسلم لاسيما المجاهد أن يخلص في أعماله كلها بأن يطلب فيها وجه الله تعالى إذ لايثاب على عمل صالح إلا إذا أراد به وجه الله تعالى ، والأخلاص شرط قبول الأعمال ، والرياء وطلب الدنيا لذاتها طريق الهلاك في الدنيا ، والخسران في الأخرة ، ويكفينا قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنية وإنما لأمريء مانوى ، فمن كان هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو إمرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " رواه مسلم . وفي هذا المعنى يقول بعض العلماء : الأعمال صور قائمة وأرواحها أي نفعها وجود سر الأخلاص فيها . ويقول بعضهم : ويعبر عن هذا المقام بالصدق الذي به يصح مقام الأخلاص وصاحب هذا مسلوك به سبيل التوحيد واليقين ، وهو من التحقق بمعنى قوله تعالى " وإياك نستعين " أي لا نستعين إلا بك لا بأنفسنا وحولنا وقوتنا .
الجزء 1 · صفحة 2
2ـ المسألة الثانية : الجهاد كل ما يبذل في سبيل أعلاء كلمة الله ، وكسر شوكة الكفر سواء كان بالسلاح ، أو بالمال ، أو بالقلم ، أو باللسان ، ولكن كلمة الجهاد إذا أطلقت فأنما يراد بها في الغالب : جهد يبذل في قتال الكفار ، ولا تطلق على غيره إلا بقرينة تدل على ذلك ، وهدف القتال في سبيل الله إقامة حكمه في أرضه ، وإخلاء العالم من الظلم ، والجور ، والفساد ، وأقامة العدل في الأرض ، وقد بينه الحق في قوله تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فأن أنتهوا فأن الله بما يعملون بصير " وهذا الهدف هو الذي باح به ربعي بن عامر رضي الله عنه أمام رستم حين هجم المسلمون على إيران ، وسأله رستم : ماجاء بكم ، فقال : الله أبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا الى سعتها ، ومن جور الأديان الى عدل الأسلام .
فالواجب على المسلم أن يكون قتاله للهدف المذكور لا لمغانم مالية ، أو سياسية مبنية على الأهواء المنحرفة ، ليكون عمله مقبولا عند الله تعالى .
الجزء 1 · صفحة 3
3ـ المسألة الثالثة : لا يُكَفَّرُ مَن قال لاإله إلا الله محمد رسول الله ، ولم يأتِ بما ينقضها ، فأذا كان في المسألة وجه يوجب تكفير شخص ، ووجه يوجب إسلامه فلا يعدل عن إسلامه بأي حال من الأحوال كما أنه لا ينبغي الحكم بظاهر لفظ المتكلم ما لم يعلم قصده لأحتمال كونه جاهلا أو مؤولاً فلا بد من الدليل القطعي المجمع عليه في تكفير المسلم أما التكفير ، أو القتل المبني على الغضب والغيرة ، وغلبة بعض العواطف ، أو الدوافع النفسية فخارج عن طريق أهل الحق أهل السنة ، والجماعة بل هو طريق الخوارج ، والمبتدعة قال الأمام الطحاوي : لا يُخرِجُ الرجلَ عن الإيمان إلا جحودُ ما أدخله فيه ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها فيه ، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها إذ الأسلام الثابت لا يزول بشك مع أن الأسلام يعلو . أهـ وقال صاحب الفصولين بعد نقله هذا : وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لايبادر بتكفير أهل الأسلام مع أنه يقضي بصحة إسلام المُكرَه . أهـ وقال أبن نجيم في البحر الرائق : والذي تحرى أنه لا يُفتَى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن ، أو كان في كفره أختلاف ، ولو رواية ضعيفة . أهـ وقد أخرج الشيخان والنسائي وأبو داود عن المقداد إبن الأسود " قال يارسول الله أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة فقال : أسلمتُ لله ، أفأَقتُلُهُ بعد أن قالها ؟ فقال : لا تقتلْهُ . فقلت : إنه قطع يدي . قال : لا تقتله ،فأن قتَلتَهُ فأنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " والعجب كل العجب أن القتل أصبح مهنة لبعض الناس حتى قُتِلَ من أرتكب كبيرة ليس فيها حد مقدر بل قتل من هو قائم الليل ، وصائم النهار بجرد الظنون ، أو الأختلاف في المنهج الدعوي فليحذر المجاهد من الوقوع في دماء المسلمين .
الجزء 1 · صفحة 4
4ـ المسألة الرابعة : قتل المرتد مجمع عليه ، لكن مَن يباشر قتله يجب أن يكون مأذوناً من السلطان أو نائبه كالقاضي ، أما سرايا المجاهدين اليوم ـ ولا سلطان ولا قضاء شرعيان ـ فيجوز لها مقاتلة المرتد المحارب أو الداعي الى بدعته المكفرة أو الجاسوس وغيرهم مما فيه ضرر عام لا يدفع إلا بقتله ، وهذا وإن كان يحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي لكن في حالة النفير العام يجوز للسرايا المجاهدة أن تحارب المرتدين المحاربين كما تحارب المحتل، وأعوانه .
ومعلوم أن دفع الصائل مشروع ولا يُحتاج فيه إلى إذن فمن دفع ضرر الصائل عن أهله أو ماله ، أو أرضه فقتله فلا ضمان عليه ، ولا يخفى ما في المرتد المذكور من ضرر عظيم على الأمة وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين " قال : قاتل يعلى إبن مُنية أو إبن أمية رجلاً فعض أحدُهما صاحبه فأنتزع يده من فمه فنزع ثنيَّتَهُ ـ وقال إبن المثنى ثنيتيه ـ فأختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيعض أحدكم كما يعض الفحلُ؟ لا دية عليه " وبه أخذ الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوضَ قصاص ، ولا دية لانه في حكم الصائل، وأحتجوا أيضا بالاجماع على أن من شهر على آخر سلاحا ليقتله فدفع عن نفسه فقُتِل الشاهرُ أنه لاشيء عليه
وهذا الحديث من الأصول التي ثبت بها مبدأ الدفاع الشرعي ، وهو أن من حق الأنسان أن يحمي نفسه ، أو نفس غيره ، أو ماله أو مال غيره من المعصومين عن كل أعتداء غير مشروع بالقوة اللازمة لدفع هذا الأعتداء .
ويصطلح الفقهاء على تسمية هذا الدفاع الشرعي بدفع الصائل ، وعلى تسمية المعتدي صائلا ، والمعتدى عليه مصولا عليه .
ومن أشهر دلائل قتل المرتد ما روي عن إبن عباس مرفوعا ( من بدل دينه فأقتلوه ) أخرجه البخاري ، وما روي عن زيد إبن أسلم مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غيرّ دينه فأضربوا عنقه " أخرجه مالك في الأقضية من موطأه .
الجزء 1 · صفحة 5
وأعلم ـوفقك الله ـ أن الشبهة تسقط الحد دون التعزير فالتعزير يثبت مع الشبهات كما في الأشباه والنظائر للسيوطي ، والشبهة على قسمين :
الأول : ما كان مانعا من غلبة الظن بأن المتهم قد أرتكب ما لايحل مثل أن يشهد شاهدان على رجل بأنه قبّل إمرأة أجنبية في وقت كذا ، ويشهد شاهدان بأنه كان في ذلك الوقت في بلد آخر بحيث لا يمكن أن يلتقي بالمرأة تلك ، ولا يُرجَّحُ عند القاضي صدقُ أحدى البينتين على الأخرى ، ويستوي عنده الإحتمالان بما يورث شبهة قوية في أن المتهم أرتكب هذه الجريمة فأن هذه الشبهة تسقط الحد والتعزير بل يُخلى سبيلُهُ .
والثاني : ما لم يكن مانعا من إرتكاب ما لا يحل لكن عرض ما يمنع صدق تعريف ما يوجب الحد عليه كمن وطيء جارية إبنه أو جارية زوجته على ظن أنها حلال له ، أو نكح مُحرَّمة على ظن أنها حلال له فأنه ، وأن ثبت قطعا أنه أرتكب ما لا يحل له غير أن هناك شبهة في صدق تعريف الزنا الموجب للحد فأن هذه الشبهة تسقط الحد ، ولا تسقط التعزير ، وهذه هي مراد الفقهاء في قولهم : الشبهة لا تُسقِطُ التعزير . وتفصيله في كتب الفقهاء .
فليقف المجاهد على التفصيل في الشبهة ليعرف من يستحق التعزير ومن لا يستحق ، ومن تؤخذ الشبهة حول قضيته بعين الأعتبار ، ومن لا تؤخذ فأن المسلك خطير ، والمهمة صعبة تحتاج الى علم كبير في مسائل الدماء ، والأموال .
الجزء 1 · صفحة 6
5ـ المسألة الخامسة : يجب على المجاهد خاصة وعلى غيره عامة مراعاة ميزان المصالح ، والمفاسد التي لا تتعارض مع النصوص الشرعية ، ومعرفة ما يستحق التقديم منها وما لا يستحق ، وكتب الفقه الإسلامي مليئة بذكر القواعد الشرعية وأمثلتها ، وما زالت موضع إعتناء فقهائنا لما لها من أهمية بالغة في أحكام الفروع المستجدة ، وأذكر قاعدة تتصل بالمجاهدين في أكثر الأحيان فأقول : إذا تعارض في شيء جلب منفعة ، ودرء مفسدة فيختار دفع المفسدة على جلب المنفعة لان دفعها أقوى عامل على حفظ النظام بين أفراد البشر، وهذا معنى القاعدة القائلة( درءالمفاسد أولى من جلب المصالح ). وتوضيحها: أنه إذا ترتب على فعل مصلحة جلبُ مفسدة وجب درؤها لترك المصلحة رأسا ، ومثاله : قتال بعض المقاتلين في مناطقنا السكنية فأنهم يبدأون بقتال المحتل فيها ، ومعلوم أن في قتالهم مصلحة حيث فيه نكاية بالعدو لكن ما يترتب على ذلك هو دمار بيوتنا ، وهتك أعراضنا ، وذلك بقصف الطائرات والمدافع التي تسفر عن قتل الشباب والنساء ، والأطفال ، وهذه مفسدة أي مفسدة ، وحينئذ لا يجوز للمقاتل أن يجرَّ العدو إلى قتالٍ داخل مناطقنا لما يترتب عليه من مفسدة أو مفاسد ، وقد حدث ما قلناه في المعركة الثانية في الفلوجة وبعض المناطق من بغداد حيث أذكر أن بعض المقاتلين يقوم بضرب قوات الأحتلال من الأزقة الضيقة في الفلوجة قبل المعركة الثانية ، وكانت هذه القوات ترد بالقصف الشديد على نفس المكان فتهدم البيوت ، وتحرقها ، وتخرج انساء بثياب البيت يركضن في الشارع ويصرخن من الحريق ويستصرخن الناس لأنقاذ أطفالهن ، وأزواجهن من تحت الأنقاض ، أقول أليست هذه مفسدة مترتبة على مصلحة ؟ بل اليس من مقاصد القتال حفظ المال ، والعرض ؟ وهل تحقق هذا مع ما ذكرناه من المفاسد المذكورة المترتبة ؟ ولو كان القتال خارج سكنى الناس أو في مكان لا يتعدى الضرر منه إلى الناس لكان أسلم ، وكانت المصلحة سالمة
الجزء 1 · صفحة 7
مما يترتب عليه من مفاسد .
ومما يجب أن يعلم أجتناب المسلم تكفير أخيه المسلم فقد أخرج الشيخان في حديث طويل " ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله ، وليس كذلك إلا حار عليه ـ أي رجع عليه ما قاله ـ " وفي رواية لهما " ومن رما مؤمنا بكفر فهو كقتله " فأنظر وفقك الله كيف جُعِلَ تكفير المسلم كقتله ورجوع ما قاله عليه إذ تكفيره جزافاً طريق لهدر دمه وتسمية الأسلام الثابت بيقين كفراً ، وهذا كفر كما نبه عليه الفقيه أبن حجر في الزواجر .
6ـ المسألة السادسة : ترويع المسلم وإخافته بغير وجه شرعي منهي عنه قد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير على من يرّوع الناس وعده ظلما عظيما سواء كان مزاحا أو لا ، وكان المُروّع أخاك من أمك وأبيك أو لا ، تعرفه أو لا ، صغيرا أو كبيرا ، مسلماً أو ذميا . فقد أخرج الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم : " إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " وفي رواية لهما : " إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على حرف جهنم فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا ، قال فقلنا أو قيل : يارسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : أنه كان أراد قتل صاحبه " . وأخرجا أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فأنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار " وأصل النزع الطعن والفساد والمعنى يرمي ويفسد .
الجزء 1 · صفحة 8
وأخرج مسلم عنه صلى الله عليه وسلم " من أشار الى أخيه بحديدة فأن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وأن كان أخاه لأبيه وأمه " وأخرج أبو داود والترمذي وقال حسن غريب عنه عليه الصلاة والسلام " لايأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جاداً " وأخرج أبو داود والطبراني بسند رواته ثقات عنه صلى الله عليه وسلم " لا يحل لمسلم أن يروع مسلم " وأخرج البزار والطبراني وأبو الشيخ أبن حبان عن عامر أبن ربيعة " أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيّبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تروعوا المسلم فأن روعة المسلم ظلم عظيم " .
فقد عرفت أن جملة هذه الآثار تفيد النهي عن ترويع المسلم سواء كان بالسلاح أو باليد أوباللسان أو بالعين أو بغير ذلك فليحذر المسلم من ترويع الناس بأي وسيلة كانت .
7ـ المسألة السابعة : الكذب حرام قطعا وما يؤدي إليه حرام أيضا إذ الوسائل تأخذ حكم المقاصد وقد ذم الله الكاذبين فقال " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " وقال تعالى " إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " والمسلم لا يكذب إلا إذا دُّب النفاق الى قلبه كما قال عليه الصلاة والسلام أية المنافق ثلاث وعد منها " إذا حدث كذّب " أخرجه الشيخان ولا فرق بين الكذب على الناس أو على النفس أو كان لله أو للدنيا فلكل حرام إلا في مواضع سنبينها وقد أوضح الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الكذب يجر الى الفجور كله فهو باب الخبائث وأذا فجر الأنسان أرتفع عنه الأمان وعندئذ لا يبالي أي مسلك يسلك مادام أنه يشبع شهوته ويحقق رغبته
الجزء 1 · صفحة 9
إذا خطورته عائدة الى نفس الكاذب قال صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبن مسعود " أن الصدق يهدي الى البر ، وأن البر يهدي الى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا ، وأن الكذب يهدي الى الفجور ، وأن الفجور يهدي الى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " وقد نبه عليه الصلاة والسلام على خطورة الكذب على النفس في قوله " وأن الكذب يهدي الى الفجور " وهذا في الدنيا وأما في الأخرة فقوله صلى الله عليه وسلم " وأن الفجور يهدي الى النار " .
وما أكثر الكذب أنتشاراً في صفوف أدعياء الجهاد والعلم حتى أصبح مهنة يكتسب بها بل رأيت أحدهم يكذب في سفاسف الأمور التي لا تحوج صاحبها الى الكذب فضلا عن معالي الأمور وإذا فتّشت عن سبب الكذب تجد أن صاحبه قد خلع منه ثوب الحياء من الله والناس وقد ورد في الأثر " إذا لم تستح فأصنع ما شئت "
ولا يقل ذو الوجهين خطورة من الكاذب بل قد يكون أخطر إذ ضرره قد يتعدى الى الشعوب والأمم ، والجاسوس من هذا النوع حينما يعمل لأعداء الأسلام وهو يعيش بيننا ، وأكثر الساسة مبتلون بهذا المرض الذي يفقد الشخصية ، وأستقلالها على مدى الزمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " أخرجه مسلم قال الأمام النووي في شرح معناه : هو من يأتي كل طائفة ويُظهر أنه منهم ومخالف للأخرين ومبغض لهم . أهـ
واعلم أن الكذب لايجوز الا في ثلاث كما قال الأمام الزهري في الحرب والأصلاح بين الناس وحديث الرجل إمراته ليرضيها .
الجزء 1 · صفحة 10
وأستدل من ذهب الى جواز الكذب في الحرب بما رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحرب خدعة " قالوا الخدعة أسم من الخداع والمراد حينئذ أن الحرب تشتمل على الخداع فيخدع كل فريق مقابله ، وبما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا " لا يحل الكذب إلا في ثلاث تحدث الرجل أمرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس " وبما أخرجه البخاري في قصة كعب إبن الأشرف فأن محمد أبن مسلمة رضي الله عنه أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذهابه الى كعب اليهودي في التحيل على قتله بالكذب فقال : إئذن لي أن أقول ـ أي أكذب عليه بقتله ـ فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت .
وفيه مشروعية الإغتيال كما لا يخفى على ذوي الألباب وذهب معظم فقهاء الحنفية وغيرهم الى أن ما ورد من جواز الكذب محمول على المعاريض إذ فيها مندوحة قال الأمام السرخسي في شرح السير الكبير : فيه دليل ـ أي فيما أخرجه الترمذي من جواز الكذب في الحرب ـ على أنه لابأس للمجاهد أن يخادع قرينه في حالة القتال ثم قال : والمذهب عندنا أنه ليس المراد به الكذب المحض فأن ذلك لا رخصة فيه وأنما المراد أستعمال المعاريض وهو نظير ما روي أن أبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات والمراد أنه تكلم بالمعاريض إذ الأنبياء معصومون عن الكذب المحض . أهـ وقال العلامة الحصكفي في الدر المختار : الكذب مباح لأحياء حقه ، ودفع الظلم عن نفسه والمراد التعريض لأن عين الكذب حرام . أهـ والحاصل أن الكذب حرام عند الكل ولا يجوز منه عند بعضهم إلا التعريض وهو المراد فيما ورد من الآثار والله أعلم .
الجزء 1 · صفحة 11
8ـ المسألة الثامنة : التمثيل بالمرتد والمحارب مختلف فيه فالجمهور على جوازه إذا كان قصاصا أو كان الممثل به محاربا أي قاطع طريق ، وأستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن أنس إبن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأجتَوَوْها ـ أي كرهوا المقام فيها ـ " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحُّوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ، وأرتدوا عن الأسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث فأُتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحَرّة حتى ماتوا " . وقالوا كان هذا قصاصا ويجب المماثلة في قصاص كل جناية أما فقهاء الحنفية فقالوا : أنه لا قود إلا بالسيف ويحملون حديث الباب على التعزير والسياسة أو على أنه منسوخ بأحاديث النهي عن المثلة ويدل على النسخ ما ذكره الترمذي في جامعه عن إبن سيرين أنه قال : إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا قبل أن تنزل الحدود .
أقول : يفهم من قول الحنفية جواز التمثيل بالمرتد تعزيرا وسياسة وذلك للردع والزجر لأمثاله .
ومما يناسب ذكره ههنا أنه يجوز في قتال العدو أن يهدم منازلهم ويضع عليهم التحريق ويقطع شجرهم ونخلهم إذا كان في ذلك أضعافهم فقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم كروم أهل الطائف فكان سببا في إسلامهم ، وأمر بحرب بني النظير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر فحزنوا له ، ويجوز أن يغور عليهم المياه ويقطعها عنهم وأن كان فيهم نساء وأطفال كذا في الأحكام السلطانية للماوردي .
الجزء 1 · صفحة 12
ويجوز أيضا قتل الأطفال والنساء في البَيَات أي الأغارة على العدو المحتمي بالأطفال والنساء منهم ، ولا يمكن للمجاهد التمييز بينهم فقد روى مسلم عن الصعب إبن جثَّامة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يُبًَيّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال : " هم منهم " ومعنى يبيتون الأغارة بالليل ، والمراد أنه يصعب في التبيت أن تُميّز النساء والصبيان من الرجال فيصابون من غير قصد فهل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام " هم منهم " أي لا بأس إذاً في أصابة النساء والصبيان وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد بل المراد أنه إذا لم يمكن الوصول إلى رجالهم إلا بضرب ذراريهم جاز ضرب الجميع كذا أفاده الحافظ إبن حجر في الفتح .
الجزء 1 · صفحة 13
قال العثماني في فتح الملهم شرح صحيح مسلم : وبه يؤخذ حكم قذف القنابل في زماننا فأنه يجوز إذا لم يقصد به النساء والصبيان بل أريد به النكاية بالعدو فأن أصيب بها النساء والصبيان من غير قصد فلا بأس ، ثم تحريم قتل النساء والصبيان مقيد عن الجمهور بما إذا لم يقاتلوا ، فأن قاتلوا فلا بأس بقتلهم والدليل على هذا ما رواه أبو داود والترمذي من حديث رِباح ـ بكسر الراء ـ بن الربيع قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى إمرأة مقتولة فقال ما كانت هذه لتقاتل " فدل على أن علة عدم قتلها عدم قتالها فأن قاتلت قُتلت . أنظر فتح الباري أن شئت أقول : وليس قتل الكفار بين المسلمين من هذا القبيل إذ الحديث ورد في ذراري المشركين الذين تترسوا وأحتموا بهم فلا يجوز ضرب العدو المحتمي بأطفال المسلمين ونسائهم أما جواز ضرب الكفار المتترسين بالمسلمين فهذا عند مداهمتهم للبلاد ولا يمكن دفعهم والمحافظة على الإمة وجندها إلا بقتل من تترسوا بهم فعندئذ يتحمل الضرر الخاص وهو قتل بعض المسلمين معهم بدفع الضرر العام وهو قتل الجند وإحتلال البلد وهذه قاعدة شرعية بنى عليها الأمام مالك فتواه في جواز قتل المسلمين المتترس بهم من جهة العدو ومن فهم هذه الفتوى على غير ذلك فقد أرتكب أثما عظيما وسببه عدم الرجوع الى العلماء وسؤالهم والأستفادة منهم .
الجزء 1 · صفحة 14
9ـ المسألة التاسعة : إمارة الأمراء اليوم تسمى الأمارة على الجهاد ، وهي مختصة بقتال المشركين وأعوانهم ’ وبسياسة الجيش ، وتدبير الحرب وللأمير فيها تقسيم الغنائم وعقد الصلح إذا فوض الحاكم الشرعي إليه ذلك ، وأما قتالنا اليوم ـ ولا حاكم شرعي ـ فيجوز لهم أن يتولوا ذلك لكن في عقد الصلح وما شابهه من القضايا المصيرية لابد أن تكون كلمة المجاهدين واحدة للوصول الى الهدف الشرعي الذي يحقق المصالح المرجوّة ويقلل أو يزيل المفاسد المتراكمة ، وبدون ذلك سيحصل النزاع والخصام ، وتتقاتل السرايا فيما بينها وذلك لعدم الأتفاق على مشروع سياسي شرعي يضمن لأمتنا المسلمة حقها المشروع ومن ههنا وجب السعي على العلماء في إخراج وجمع الضوابط في السياسة الشرعية وشرحها من كتب الفقهاء ليكون مشروعا يحدّد تصرفات الأمراء من المجاهدين في عقود الصلح والمفاوضات وغيرها هذا ، وأعلم أن للجند حقوقا على أميرهم منها : أن يرفق بهم في السير الى المعركة لقوله صلى الله عليه وسلم : " هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وشر السير الحقحقة " أخرجه الأمام مسلم ومنها أن يتفقد دوابهم ، ويراعي من معه من المجاهدين من أغنائهم وسد حاجاتهم ، ومنها : أن يسمى كل مجموعة بأسم ويجعل لها شعارا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شعار المهاجرين عبد الله ، وشعار الأنصار عبد الرحمن ، ومنها : أن يتفحص الجيش ومن فيه ليُخرج من هو مرجف للمسلمين ، أو عينا للمشركين عليهم فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله إبن أبي سلول في بعض غزواته لتخذيله المسلمين ، ومنها : أن لا يميل إلى من وافق رأيه من جماعته ، ويُعرض عما خالفه منهم فيظهر ذلك فتفترق كلمة جنده ويقع الخلاف المفضي لأذهاب ريحهم قال تعالى " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " والمراد بالريح القوة فضرب الريح بها مثلا لقوتها ، ومنها : أن يشاور العقلاء عنده فيما
الجزء 1 · صفحة 15
أشكل عليه وصعب ليأمن من الخطأ ويسلم من الزلل فيكون من الظفر أقرب قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم " وشاورهم في الأمر " أمره تعالى بالمشاورة مع ما أمده به من التوفيق والتأييد ، وهذا دليل أهمية المشاورة في حياة الأمة ، قال الحسن : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم ، ومنها : أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله من حقوقه ، وأمر به من حدوده فأن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بألتزام أحكامه ، والفصل بين حلاله ، وحرامه ، ومن أعظم حقوق الأمير على جنده وأهمها : طاعته فيما كان طاعة ، ومخالفته فيما كان معصية لقوله صلى الله عليه وسلم " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن عصى أميري فقد عصاني " رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم " على المرء المسلم السمع ، والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فأن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " رواه مسلم ، ومنها : أن يرضوا بقسمة الأمير للغنائم إذا كان عالما بقسمتها لأن همَّ المجاهد هو أعلاء كلمة الله ، وأحقاق الحق ، وإبطال الباطل وما عدا هذا فمقصود تبعا لا أصالة .
وينبغي للأمير أن يعدل في القسمة ولا يجور على أحد أخوانه المجاهدين في الغنيمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " أن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وَلُوا " رواه مسلم .
الجزء 1 · صفحة 16
10ـ المسألة العاشرة : الغنائم حلال لهذه الأمة لما ثبت في صحيح مسلم من حديث طويل قوله صلى الله عليه وسلم " فلم تحل لأحد من قبلنا ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا " قال الحافظ إبن حجر في الفتح : وفيه إختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة ، وكان أبتداء ذلك من غزوة بدر وفيها نزل قوله تعالى " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " فأحل الله الغنيمة ، وقد ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبن عباس أن أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله إبن جحش ، وذلك قبل بدر بشهرين . أهـ
أقول : وههنا ألفاظ لابد من معرفة أحكامها ، وهي : الأنفال ، والسلب ، والغنائم
أما الأنفال : فهي ما وصل من المشركين عفوا من غير قتال ، ولا بأيجاف خيل ولا ركاب ، فمن الفقهاء من قال : يؤدى منها الخمس مقسوما على خمسة اقسام متساوية ، وهي المرادة في قوله تعالى " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل " وأما أربعة أخماسه الباقية ففيها قولان : أحدهما أنها للجيش ، والثاني : أنه مصروف في المصالح التي منها أرزاق الجيش وما لا غنى للمسلمين عنهم ويجوز أن يعطى من مال الفيء للرسل ، والمؤلفة قلوبهم فقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، وأما مذهب الجمهور فلا خمس في الفيء بل يصرف في مصالح المسلمين . ومال المرتد فيء عند جمع من الفقهاء ، وأما مذهب الأمام أبي حنيفة فأنه ما أكتسبه بعد الردة يكون فيئا ويختلف الفيء عن الغنيمة من وجهين الأول : أنه مأخوذ عفوا ، والغنيمة قهرا ، والثاني : أن مصرف أربعة أخماسه تخالف مصرف أربعة أخماس الغنيمة عند غير الجمهور ، أما عندهم فمصرفه هو مصالح المسلمين ، ومصرف الغنيمة بعد الخمس للمجاهدين كما سيأتي بيانه .
الجزء 1 · صفحة 17
وأما السلب : فهو ما يخص به الأمام المجاهدين بطريق الجهاد تحريضا على القتال كقوله صلى الله عليه وسلم " من قتل قتيلا فله سَلَبُهُ " أخرجه البخاري ، وهو خارج عن قسمة الغنائم ، وموكول الى رأي الأمام ، وعند الحنفية يكون قبل إحراز الغنيمة ، وأما بعده فلا يجوز إلا من الخمس لأنها صارت حقا للغانمين قال فقيه الحنفية الملا محمد خسرو في درر الحكام : وللأمام أن ينفل وقت القتال حثا فيقول مثلاً : من قتل قتيلا فله سلبه ، أو قال من كان أخذ شيئا فهو له . أهـ والتنفيل أعطاء شيء زائد على سهم الغنيمة .
وأما الغنائم : جمع غنيمة فهي كل مال أخذ من الكفار قهرا بالقتال وتُمُلِّك بلأستيلاء عليها ولو بدار الحرب كذا في المحرر من كتب الحنابلة ، وأن شئت قلت في تعريفها : ما أخذ من الكفار قهرا بأيجاف خيل وركاب . ويبدء أولا فيها بأسلاب القتلى فيعطى لكل قاتل سلب قتيله سواء شرط الأمام له ذلك أم لم يشترطه عند جمع من الفقهاء ، وقال الأمام مالك وغيره : إن شرط لهم ذلك أستحقوه ، وأن لم يشرطه لهم كان غنيمة فيشتركون فيها ، ثم يعطى الخمس من جميع الغنيمة ويقسم على خمسة أصناف ذكرناها في الأنفال ، وعند أبي حنيفة ومالك ، وأبي يوسف ومحمد يقسم الخمس على ثلاثة أصناف : وهم اليتامى ، والمسكين ، وأبن السبيل ، ثم تعطى الأربعة الباقية من الأخماس على المقاتلين للراجل سهم ، وللفارس سهمان عند الأمام أبي حنيفة ، وأما عند صاحبيه فللفارس سهم ولفرسه سهمان .
الجزء 1 · صفحة 18
ثم قسمة الأربعة الباقية من الأخماس الخمسة موقوفة على رأي الأمام عند مالك وغيره وقال الشافعية وغيرهم لا يرجع فيها الى خيار القاسم ووالي الجهاد أقول : ينبغي على ذوي المال أن يعينوا المجاهدين بمركوب وةغيره كما ينبغي على المسلمين أن يخلفوهم بخير في أهلهم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا " أخرجه البخاري ومسلم ، والنسائي والترمذي، وروي عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أُبدِعَ بي ـ أي هلكت دابتي ـ فأحملني فقال : ما عندي فقال رجل يارسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ، وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال : جاء رجل بناقة مخطومة فقال : هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقة كلها مخطومة " رواه مسلم والنسائي .
الجزء 1 · صفحة 19
11ـ المسألة الحادية عشرة : وهي الأستعانة في الغزو بالكفار : ذهب أبن المنذر والجوزجاني ، وجماعة من أهل العلم إلى منع الأستعانة بالمشركين في الجهاد مطلقا لقوله صلى الله عليه وسلم لمشرك أدركه يريد أن يصيب شيئا من الغنيمة : " تؤمن بالله ورسوله ؟ قال : لا قال : فأرجع فلن أستعين بمشرك " قال أبن قدامة في المغني : وعن أحمد ما يدل على جواز الأستعانة بهم وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة ، وهو مذهب الشافعي ... ثم قال : ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فأن كان غير مأمون عليهم لم تجز الأستعانة به . أهـ ، وقال القاضي عياض : أخذ مالك والكافة بهذا الحديث ، وأجاز مالك وأصحابه أن يكون نواتية وخدما ونقل الأبي في شرحه عن أبن حبيب أنهم يُستعملون في رمي المجانيق ويكونون في طرف العسكر لا في داخله . وحكي في البحر الرائق عن أبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الأستعانة بالكفار والفساق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه كذا في أعلاء السنن للمحدث التهانوي ، وأستدل من أجاز الأستعانة بما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أستعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم ، وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أستعان بصفوان أبن أمية ، وبما أخرجه أبو داود عن ذي مخبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم " وقال السرخسي في شرح السير الكبير : ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الأسلام هو الظاهر عليهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعان بيهود قينقاع على بني قريظة وخرج صفوان مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد حنينا والطائف وهو مشرك , فعرفنا أنه لا بأس بالأستعانة به وما ذلك إلا نظير الأستعانة بالكلاب على المشركين ، وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " أن الله تعالى
الجزء 1 · صفحة 20
ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الأخرة " وهذا حديث ضعيف وله شاهد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " أخرجه البخاري قال العثماني في تكملة شرح مسلم المسمى بفتح الملهم : والذي يتلخص من مجموع الروايات أن الأمر في الأستعانة بالمشركين موكول الى مصلحة الأسلام والمسلمين فأن كان يؤمن عليهم من الفساد وكان في الأستعانة بهم مصلحة فلا بأس بذلك أن شاء الله تعالى أذا كان حكم الأسلام هو الظاهر ويكون الكفار تبعا للمسلمين وأن كان للمسلمين عنهم غنى أو كانوا هم القادة والمسلمون تبعا لهم أو يخاف منهم الفساد فلا يجوز الأستعانة بهم ، وأما حديث المنع فقد أعتذر عنه من قال بجواز الأستعانة بأن غزوة بدر كانت أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت هي الفرقان بين الحق والباطل فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعين فيها بمشرك وأراد أن تقع هذه الغزوة الأولى بأيدي المسلمين خالصة لهم وذكر الحافظ في الفتح عن بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرّس في الذي قال له : لن أستعين بمشرك . الرغبة في الأسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه . أهـ
12ـ المسألة الثانية عشرة : االغدر في شريعتنا السمحة محرم ، والوفاء بالعهود واجب على كل مسلم يقول الله تعالى " يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة " رواه مسلم ومن مظاهر تحريم الغدر في الحرب ما يلي :
1ـ وجوب الوفاء للمعاهدين وحرمة دمائهم وتحريم الغدر بهم في مدة العهد قال الله تعالى " فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم " وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه النسائي وأبو داود " من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة " قال أبن الأثير : في غير كنهه : في غير أمره الذي يجوز فيه قتله .
الجزء 1 · صفحة 21
2ـ عدم قتل الرسل حتى ولو كانوا كافرين أو معاندين متجبرين فقد أخرج أبو داود والنسائي وأحمد عن حارثة أبن مضرب أنه أتى عبد الله أبن مسعود فقال : ما بيني وبين أحد من العرب حنة ـ يعني إحنة وعداوة ـ وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فأستتابهم إلا أبن النواحة فقال له عبد الله : " سمعت رسول الله يقول : لولا أنك رسول لضربت عنقك " فأنت اليوم لست برسول فأمر قرظة أبن كعب فضرب عنقه في السوق وقد رفض رسول الله أن يقتل رسولي مسيلمة إليه مع أنهما رسولا من يدعي النبوة .
13ـ المسألة الثالثة عشرة : الغنائم مصدر رئيسي من مصادر بيت المال وقد سبق تفصيله والأخذ منها قبل القسمة بقصد الأستئثار بها منهي عنه أشد النهي ويسمى غلولاً فقد أخرج أبو داود وأبن ماجة عن أبي هريرة أن عبدا أسمه مدعم أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم فقتله فقال الناس : هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا والذي نفسي بيده إن الشمل التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شراك من نار أو شراكان من نار " ولعل السر في النهي عن الغلول أن صاحبه قصد في قتاله تحصيل مغنم فحسب لذا كان مسارعاً لأخذ شيء من الغنيمة قبل تقسيمها وهذا قتال للدنيا ، بل وعدوان على حقوق الفقراء واليتامى والمساكين وبداية العبث بالمال العام للمسلمين ونزعة فردية يمقتها الأسلام لبعدها عن رباط الأخوة الذي هو أسمى رباط .
الجزء 1 · صفحة 22
14ـ المسألة الرابعة عشرة : ينبغي للأمير أن يتعهد المجاهدين بالنصح والوصية قبل المعركة وبعدها بأن يذكرهم بأداب الغزو ، وذكر الله تعالى لاسيما قراءة القرآن وأجتناب المعاصي فأنها سبب الهزيمة وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يذكر جيشه بذلك فيقول : إني لاأخاف عليكم كثرة عدوكم ولكني أخاف عليكم ذنوبكم والنصر إنما يأتي من الألتجاء الى الله والذل والخضوع له يقول الله تعالى " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " وتأمل فيما قصه الله تعالى في كتابه من هلاك الأمم تجد أن علة العلل هي ماأجترحته أيديهم من المعاصي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال : " أغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله أغزوا ولا تغلواولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم الى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ثم أدعهم الى الأسلام فأن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم " رواه مسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " رواه مسلم وأبو داود قال الحافظ في الفتح : المراد تأليف من قرب أسلامه وترك التشديد عليه في الأبتداء وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشيء أذا كان في أبتداءه سهلا حبب الى من يدخل فيه وتلقاه بأنبساط وكان عاقبته غالبا الأزدياد بخلاف ضده . وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا ذر ومعاذا الى اليمن فقال " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا " .
الجزء 1 · صفحة 23
15 ـ المسألة الخامسة عشرة : الفرار من المعركة حرام شرعا وهو يبعث الذعر في قلوب الناس ويشيع الهزيمة في صفوفهم ومن ثمة فقد جاء الوعيد للفارين والوعد بالسعادة الأبدية للشهداء قال الله تعالى " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " والمتحرف لقتال هو من يخدع العدو فيريه الفر وهويريد الكر للكيد به والمتحيز هو المنظم الى جماعة المسلمين يستنجد بها ويقوى ولا عذر للمسلم في الفرار إلا في هاتين الحالتين فقط ولهذا جاءت بشارة الشهداء في قوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " فالشهادة عامل معنوي عظيم من عوامل النصر إذ لا يبعث الرعبَ في قلوب الأعداء شيء قدر ما يبعثه جيش يؤثر الموت على الحياة عن أبي بكر أبن عبد الله أبن قيس عن أبيه قال سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " فقام رجل رثّ الهيئة فقال يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال : نعم قال : فرجع الى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه الى العدو فضرب به حتى قتل رواه مسلم . وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه " رواه مسلم وعن سلمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وأن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأَمِنَ الفتّان " رواه مسلم وقد حذرنا الصادق المصدوق من ترك الغزو أو التحدث به في النفس فقال صلى الله عليه وسلم " من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق " رواه مسلم .
الجزء 1 · صفحة 24
وختاما يقول قاسم بن نعيم الحنفي : هذا آخر ماأردت بيانه من المسائل الشرعية الضرورية التي ألتزمت فيها الأختصار تاركا غيرها من المسائل لعل الله يوفقنا لوضع كتاب مبسوط في فقه الجهاد السياسي والعسكري إنه أكرم مسؤل وخير مأمول هذا وآخر دعوان ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على صفوة المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .