شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا
لمحمد زيد الأبياني
اعتنى به
وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا
لمحمد زيد الأبياني
اعتنى به
وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم أن شرحت صدورنا للإسلام وشرعت لنا من الدين ما وصيت به رسلك الكرام ووفقتنا لفهم شريعة خير الأنام تلك الشريعة التي جاءت خاتمة للشرائع وجامعة للمصالح والمنافع ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين القائل من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم وهداة الأمم أما بعد فلما كان تدريس الشريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق الخديوية قد عهد إلي من عهد غير قريب وكان من الكتب المقرر تدريسها بها كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لسعادة المرحوم محمد قدري باشا وهو ذلك الكتاب الذي وإن جمع من فقه أبي حنيفة ما يختص بذات الإنسان من الأحكام في مواد سهلة الفهم قريبة التناول على من ليس له سابقة عهد بمزاولة فهم عبارات الفقهاء وحل رموز المتون ومعرفة اصطلاحات الشراح والمعلقين بيد أن مؤلفه رحمه الله لم يبعد به الإيجاز عما لم يسلم منه كل مختصر بل جاءت بعض مواد كتابه غامضة العبارة مبهمة الإشارة والأخرى مطلقة الأحكام الواجبة التقييد لذلك رأيت من الواجب علي أن لا أبقي إيجاز هذا الكتاب على ما حوى من غزارة الفائدة عقبة تحول دون استفادة المطالعين وطلسماً تشخص عنده أبصار المحصلين فلم أزل أنقب أثناء تدريسي له في كتب القوم فأفتح مغلقه وأقيد مطلقه وأكمل ناقصه وأتمم وسائله وأشرح مسائله بل لم أقصر في حكاية خلاف فقهاء المذهب وغيرهم من المذاهب الأخرى في كثير من المسائل مبيناً في كل مسألة حكمة الحكم ودليل كل مجتهد فيها فكان من عملي هذا شرح يألفه كل طالب ولا يأنف عن مراجعته من هو في الحقيقة راغب هذا ولم أنهج في ذلك طريقة قدماء الشراح من ارتباطهم بعبارة الأصل وتخلل كلامهم فيها أو تعقيبه لها بل بينت مسائل كل باب على مقتضى ترتيبها الطبيعي ذاكراً كل مسألة مستقلة بنفسها غير مرتبطة بلفظ من ألفاظ المادة الأصلية منعاً للخلط والتشويش غير أني ذيلت كل موضوع بنفس
المادة التي تم شرحها إيذاناً بارتباط الشرح بها ولتكون بمثابة تلخيص لما أبسطه من القول ومذ تم لي جمع تلك الفرائد على مقتضى الإرادة شرعت في نظمها بسلك التأليق تحقيقاً للإفادة والاستفادة فقلت مستعيناً بالله شاكراً له ما أولاه.
الجزء الأول
في الأحكام المختصّة بذات الإنسان
الكتاب الأول
في النكاح
الباب الأول
في مقدمات النكاح
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}(1). أشارَ سبحانه وتعالى إلى نعمةِ الزواج الجليلة، وأنه داعيةٌ التوادّ والتراحم، ومجلبة الألفة والوفاق لا داعية الخلاف، والشقاق كما أشار إلى أنّ المرأةَ ليست كالمتاع تقصد لمجرَّد قضاء الشهوة، وتطلب لغرض قضاء اللذَّة، وإنّما جُعِلَت ليسكن إليها الرجل، ويستأنس بها، ويجدَ منها مسلياً لكروبه، ومفرجاً لهمومه، ومعيناً على تدبير مَنْزله ومسكنه، فيقوم لها بما تطلبه المعاشرة، وتفرضه المؤازرة، وتحتمه الصداقة والمودّة.
ثمّ مع ذلك يستمتع بها ويقضي منها وطره على أن الاستمتاع بالزوجة لا ينبغي أن يقصد منه مجرَّدَ قضاء تلك الشهوة البهيمية، فإن ذلك من مقاصد العجماوات، بل يقصد منه ما قصده الشارع، وهو الولد والنسل، قال تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}(2) وقال ( : (تناكحوا تناسلوا)(3)
(1) الروم: من الآية21
(2) البقرة: من الآية187.
(3) ورد بلفظ:(تناكحوا تكثروا أباهي بكم) في ((مسند الفردوس)) بطريق فيها ضعفاء، وذكر البيهقي عن الشَّافعي أنه ذكرَهُ بلاغاً.
وفي الباب: عن أبي أمامةَ أخرجَهُ البيهقي(7: 87) بلفظ: (تزوَّجوا فإني مكاثر بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النصارى) وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف.
وعن أنس (: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثرٌ بكم الأنبياء يوم القيامة) في ((صحيح ابن حبان))(9: 264)، و((سنن البيهقي الكبير))(7: 81)، و((سنن النسائي))(3: 271)، و((سنن أب داود))(2: 220)، و((المستدرك)) (2: 176)، ((المعجم الكبير))(20: 219)، و((مسند الشاميين (1: 413)، و((مسند الشهاب))(1: 171).
وعن حرملة بن النعمان أخرجه الدارقطني في ((المؤتلف))، وابن قانع في ((الصحابة))، بلفظ: (امرأة ولود أحبُّ إلى الله من امرأة حسناءَ لا تلد، إنّي مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة)، وفي (مسند ابن مسعود) من ((علل الدارقطني)) نحوه.
وعن عياض بن غنم ( :(لا تزوجن عاقراً ولا عجوزاً، فإني مكاثرٌ بكم) في المستدرك (2: 329) وإسناده ضعيف….
وفي ((مسند أحمد)) (2: 171) بلفظ: (انكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بهم يوم القيامة). وفي ((سنن ابن ماجه)) (1: 599)بلفظ: ( انكحوا فإني مكاثر بكم). ينظر: ((تلخيص الحبير)) (3: 115)، وكشف الخفاء 1: 380، وخلاصة البدر المنير 1: 169، وغيرها.
، وذلك أنّ اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ هذا العالم وقدَّرَ بقاءه إلى أجل مسمَّى، ولكن بقاؤه إلى ذلك الأجل الذي سمَّاه وقدره يتوقَّف على بقاء النوع الإنساني المتوقِّف على التناسل، وذلك التناسل لا يتمّ ولا يفي بالغرض المقصود منه إلا بعقد الزواج الشرعي، وذلك أمر بديهي الثبوت لا يحتاج إلى البرهان.
نعم ربَّما يقول قائل: لو لم يكن هناك عقد زواج لحصل الازدواج بين الذكور والإناث بمقتضى الجبلة الخلقية؛ إذ كلٌّ منهما تدعوه شهوته إلى ذلك، فيحصل التناسل بدون عقد الزواج، ولكن بالتأمل نعلم صوابَ ما قلناه، وهو أن التناسل متوقِّف على عقد الزواج؛ إذ لو تركت النَّاس عبيد شهواتهم تسوقهم إلى ما تشاء لكان الغرض قضاءها للرجال وللنساء فضلاً من عن جلب المنافع لهنّ أيضاً.
فيعملن كلّ ما في وسعهن للحصول على الفائدة التي يقصدنها، فيمنعنَ الحبلَ؛ ليرغب الرجال فيهنّ، بخلاف ما إذا حصل الازدواج بعقد وصار كلٌّ منهما مرتبطاً بقوانين هذا العقد قاصراً على صاحبه لا يتعدّاه إلى غيره، فلا يكون الغرضُ حينئذٍ مجرَّدَ قضاء الشهوة، بل النسل الذي يبقي للإنسان ذكراً في هذه الحياة الدنيا.
وأي عاقل لا يرغب ذلك؛ فلذا ترى المتزوِّجَ يتكدَّر إذا لم يولد له؛ ولهذا لَمَّا قلَّ النسل في بعض الأمم المتمدينة بحثوا عن السبب فوجدوه ناشئاً من ازدواج الذكور والإناث بلا عقد، وبما أنه قد ثبتَ لك أن التناسلَ لا يتمّ إلا بالزواج الشرعي فها نحن نبيِّن لك ما هو الزواج، فنقول:
الزواج شرعاً: هو عقدٌ يفيدُ استمتاعَ الرجلِ بامرأةٍ لم يمنع من العقدِ عليها مانعٌ شرعيٌّ.
فإذا لم يفد العقدُ حلِّ الاستمتاع فلا يكون عقداً شرعياً، فالعقد على المحارم: كالأخت وعلى معتدّة الغير مثلاً لا يوصف بذلك، فلا يفيد حلّ الاستمتاع، وحينئذٍ فإذا أرادَ الرجلُ أنّ يتزوَّجَ فلا يباحُ له أن يخطبَ أيَّ امرأةٍ كانت، بل لا بُدَّ من النظر إلى مَن يريد خطبتها، فإن كانت متَّصفةً بما يمنع العقد عليها العقد عليها امتنع؛ لأن الخطبةَ مقدِّمة للعقد، فإذا كان العقد غيرَ جائز تكون الخطبة عبثاً، ويلزم العاقلُ صونَ أفعاله عن العبث.
وإن لم يكن هناك مانعٌ من العقد أقدمَ على الخطبة؛ لأنها والحالة هذه تكون وسيلة إلى ما هو جائز، فتفيدُ فائدتها، وحينئذٍ تجوزُ خطبة المرأة الخالية عن نكاح وعدّة. أنظر: مادة (1)(1).
فإن كانت المرأة متزوِّجةً فلا تجوز خطبتها لعدم الفائدة، وكذا إذا كانت معتدّة وهي الموجودة في الزمن الذي يعقب الفرقة بينها وبين زوجها، بأيِّ سببٍ كان، فمتى كانت المرأة موجودةً في هذا الزمن المقدَّر شرعاً يقال لها: معتدّة فإن كانت الفرقة بسبب الطلاق يقال لها: معتدة لطلاق سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، وسواء كان البائن بينونة صغرى أو كبرى.
وإن كانت معتدّة لموت الزوج يقال لها: معتدة لوفاة.
فالرجعي: كأن يقول الرجل لزوجته المدخول بها: أنت طالقٌ أو مطلَّقةٌ أو طلَّقتك.
والبائن بينونة صغرى: كأن يقول لها: أنت عليَّ حرامٌ أو أنت بائن.
والبائن بينونة كبرى: هو ما كان بالثلاث بأيِّ لفظ كان.
وحكم الطلاق الرجعي: أنه لا يزيل الملك ولا الحلّ، فيجوز للزوج مراجعتُها مستقلاً ما دامت في العدّة بدون عقد ومهر جديدين، رضيت أو لم ترض.
وحكم الطلاق البائن بينونة صغرى: زوال الملك لا الحلّ فلا يجوز للزوج أن يعيدَها إليه إلا بعقد ومهر جديدين، سواء كانت في العدّة أو بعد انقضائها، بشرط رضاها بذلك، ولكن لا يشترط أن تتزوَّج بغيره قبل عودها إليه.
(1) مادة 1) تجوز خطبة المرأة الخالية عن نكاح وعدة.
وحكم الطلاق البائن بينونة كبرى: زوال الملك والحلّ فلا يجوز للزوج أن يردّها إلى عصمته إلا بعد أن تتزوَّج بغيره، ويدخلَ بها دخولاً حقيقياً، وتحصل الفرقة بينهما، وتنقضي عدتها، وسيأتي كلُّ ذلك مفصلاً في محلِّه.
فالمعتدة لطلاق مطلقاً تحرم خطبتها تصريحاً وتعريضاً.
فالتصريح: كأن يقول رجل مخاطباً لها: أريد أن أتزوَّجَك.
والتعريض: مثل أن يقول لها: أريد التزوَّج بامرأة ديِّنة، وهو يقصدها.
والمعتدّة لوفاة: تحرم خطبتها تصريحاً لا تعريضاً.
وإذا لم تجز الخطبة التي هي طلب التزوّج، فلا يجوز العقد الذي هو التزوَّج فعلاً من باب أولى.
وكما لا تجوز خطبة المعتدّة لا تجوز خطبة مخطوبة الغير؛ لقوله (: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)(1)؛ لأن هذا يعدّ خيانة، وهي منهيٌّ عنها شرعاً.
والزمن الذي يلزم المرأة انتظاره بعد حصول الفرقة بينها وبين زوجها، فلا يجوز تزوّجها إلاَّ بعد انقضائه يختلف باختلاف سبب الفرقة، وحال الزوجة، وبيانه:
أن الزوجة إما أن تكون مدخولاً بها أو لا.
وعلى كلٍّ: فإمّا أن يكون سبب الفرقة وفاة الزوج أو غيرها.
وإن كانت الفرقةُ بعد الدخول:
فإما أن تكون المرأة حاملاً، أو غير حامل.
فإن لم تكن المرأة مدخولاً بها وحصلت الفرقة بينها وبين زوجها بغير وفاته، فلا عدّة عليها.
وإن كانت الوفاةُ كان الزمن المقدر شرعاً أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإن كانت مدخولاً بها، فإن كانت بالوفاة كان الزمن المقدر شرعاً أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإن كانت مدخولاً بها فإن كانت حاملاً تنقض عدّتها بوضع الحمل قصر زمنه أو طال، سواء كان سبب الفرقة موت الزوج أو غيره.
وإن لم تكن حاملاً:
فإن كانت الفرقة بالوفاة تنقض عدّتها بأربعة أشهر وعشرة أيام أيضاً.
وإن كان الفرقة بغير الوفاة: فإما أن تكون من ذوات الحيض أو لا.
(1) في في مسند أبي عوانة 3: 261، وفي صحيح مسلم 2: 1029 وصحيح البخاري 5: 1975، وغيرهما بلفظ: (لا يخطب الرجل …).
فإن كانت من ذوات الحيض تنقض عدّتها بثلاث حيض كوامل.
وإن لم تكن من ذوات الحيض لصغر أو كبر أو غيرهما تنقض عدّتها بثلاثة أشهر، وستأتي أدلة ذلك، وحكمته في باب العدة.
والسبب في تحريم خطبة المعتدة:
أن العلاقاتَ والروابطَ التي بينها وبين زوجها لم تزل بالكلية، فهو أولى بها من غيره إن أرادَ، فله مراجعتها إن كان الطلاق رجعياً أو العقد عليها إذا كان بائناً بينونة صغرى، والطلاق إنّما كان لذنب اقترفته أو حصل منه من غير تفكر في العاقبة، وبعد التبصّر أرادَ أن يصلح خطأه فرغِبَ في امرأته ومال إلى عودتها إليه، فإذا أجيزت لغيره خطبتها، وهي في العدّة يكون تعدِّياً على حقوقه.
ولا بُدَّ أن يظنَّ زوجُها الظنونَ وتأخذه الغيرة والحمية، فيحصل بين الزوج والخاطب من جهة، وبين الزوج والمعتدة من جهة أخرى، ما لا تحمد عقباه.
ولَمَّا كان الشخصُ لا يتأثّر لغيره مثل تأثّره لنفسه مهما كانت قوّة الاتصال مهما كانت قوة الاتصال بينهما منعت خطبة المعتدة لطلاق مطلقاً: أي سواء كانت تصريحاً لا تعريضاً؛ لوجود الزوج الذي يتأثر لنفسه، ومنعت خطبة المعتدة لوفاة تصريحاً لا تعريضاً؛ إذ الأقارب لا يتأثّرون مثل تأثّره مهما بلغت الدرجة. أنظر: مادة (2)(1).
[النظر إلى المخطوبة]
ولَمَّا كان الغرضُ من عقد الزواج التناسل وتعاون الزوجين على مصالحهما داخل البيت وخارجه، وذلك لا يكون إلا بدوام العشرة بينهما ما عاشا، ووجود الألفة والمحبّة بينهما ما دامت العشرة أباح الشارعُ للخاطب أن يبصرَ المخطوبة وينظر إلى وجهها وكفيها؛ لأنه إذا تزوَّجَها ولم يرها قبله، فعند رؤيته لها رُبَّما لا تحسن في عينه:
(1) مادة 2) تحرم خطبة المعتدّة تصريحاً سواء كانت معتدّة لطلاق رجعي أو بائن أو وفاة، ويصحّ إظهار الرغبة تعريضاً لمعتدة الوفاة دون غيرها من المعتدّات، ولا يجوز العقد على واحدة منهنَّ قبل انقضاء عدَّتها.
فإمّا أن يمسكَها على كره منه، وحينئذٍ تفوت مصالح الزواج.
وإمّا أن يفارقَها، وحينئذٍ تتضرَّرُ بذلك؛ إذ الناس يذهبون في سبب الفراق مذاهب شتى، وكلٌّ منها يكون منفراً عنها فيمتنعون عن تزوّجها ويتضرر هو أيضاً بغرمه المهر بخلاف ما إذا رآها قبل التزوَّج، فإن حسنت في عينه أقدمَ على التزوُّج، وإلاَّ امتنع وهذا يحس به كلّ إنسانٍ رأى آخر أول نظرة، فإن إحدى المَنْزلتين تقع في قلبه، وليس هناك ضررٌ فيما لو امتنع؛ لأن مسألةَ الخطبةِ لم تشتهر مثل الزواج، وسبب الامتناع هنا واحدٌ فلا يساء الظنّ بها ولا يلحقها ضرر؛ لأنها إذا لم تحسن في عينه، قد تحسن في عين الآخر، كما هو معلوم.
وكما يجوز للخاطب نظر المخطوبة يجوز للمخطوبة نظر الخاطب أيضاً لما ذكر، بل هي أولى منه بالحكم؛ لأنها إذا لم تحسن في عينه يمكن طلاقها، وإذا لم يحسن هو في عينها فلا يمكنها مفارقته، وإلى هذا كلُّه يشير الحديث الشريف، وهو قوله ( للمغيرة بن شعبة ( حين خطب امرأة: (أنظرت إليها. قال: لا. فقال (: أنظر إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما)(1).
ولا تجوز الخلوة بالمخطوبة إلاَّ إذا كان معها محرمٌ لها كأبيها أو أخيها أو عمّها.
وإنّما خصَّصَ النظر بهذين العضوين لاشتمال الوجه على المحاسن؛ ولدلالة اليدين على خصوبة البدن، فلا حاجة للنظر إلى غيرها؛ ولعظم هذه الحكمة اتّفقت كلُّ المذاهب على هذا الحكم حتى أن بعضهم يجيز النظر إلى القدمين أيضاً، وترديد النظر وتكراره إلى المخطوبة.
(1) في سنن النسائي 3: 272، والمجتبى 6: 69، والمنتقى 1: 170، ومسند أحمد 4: 246، وفي صحيح مسلم 2: 1040 وسنن البيهقي الكبير 7: 84، : عن أبي هريرة ( قال: (كنت عند النبي ( فأتاه رجل فأخبره أنه تزوَّج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله (: أنظرت إليها، قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً).
وإنّما لم تبح الشريعةُ معاشرتها قبل الزواج؛ لمعرفة أخلاقها؛ لأنّ هذا يمكن معرفتُه من غيره ممَّن يجوز له معاشرتها، ويثق الخاطب به، بخلاف محبَّتها والميل إليها، فإنّه لا يمكن قيام غيره مقامه، ومن هنا تعلم فسادَ ما يرمي به بعضهم الشريعة الإسلامية من عدم تجويزها ذلك للخاطب مع جوازه في الشرائع الأخرى، كما هو الجاري، ولو راجع هذه الشريعة الغراء كما يفرضه عليه الانتماء إليها لعلم بطلان ما يقول بالنصوص الواضحة، ولو اتّبع الناسُ أمرَ شريعتهم لنجوا ممَّا يحلّ بهم.
فالعيب كل العيب، إنّما هو على مَن يدعي أنه منتم إلى الشريعة الإسلامية ولا يدري ما فيها، أو يدريه ولا يعمل به، اللهم ألهمنا الصواب. أنظر: مادة (3)(1).
[العدول عن الخطبة]
ومتى حصلت الخطبة وأعقبها العقد الشرعي، وهو الإيجاب والقبول مستوفياً شرائطه فليس لكلٍّ منهما الرجوع عنه.
أمّا إذا وعد بتزويجها له في المستقبل ولو مع قراءة الفاتحة، ولم يحصل العقد، فهذا الوعد لا يكون زواجاً شرعياً، وحينئذ فللخاطبُ الرجوعُ عن المخطوبة، ولها أيضاً العدولُ عمَّن خطبَها ولو بعدَ دفع الزوجِ المهر كلّه أو بعضه أو بعد إرسال هدية لها، وقبولها منه إن كانت مكلّفة أو قبول وليها إن كانت قاضرة.
ويستردّ ما دفعه من المهر إن كان موجوداً، فإن هلك أو استهلك رجع بقيمته إن كان قيمياً، وبمثله إن كان مثلياً.
وأمّا الهدايا فله استردادها إن كانت موجودة، وإن هلكت أو استهلكت فلا رجوع له بعوضها، وستأتي مسألة الرجوع موضّحة في (مادة110).
(1) مادة 3) يجوز للخاطب أن يبصرَ المخطوبة وينظر إلى وجهها وكفيها.
ومع هذا فالأحسن لكلٍّ منهما أن يتمَّم ما حصل الوعد به، وهو عقدُ الزواج إذا لم يكن هناك مانع قويّ؛ لأنَّ الوفاءَ بالوعد يمدح عليه، ويترتَّبُ على عدمه عدم وثوق الناس بعضهم ببعض، وفي ذلك من الإخلاف بالمصالح وفوات الغرض ما لا يخفى على اللبيب. أنظر: مادة (4)(1).
الباب الثاني
في شرائط النكاح وأركانه وأحكامه
اعلم أن الزواجَ له تعريفٌ وسببٌ وصفةٌ وركنٌ وشرطٌ وحكم.
أمّا تعريفه وسببه فقد تقدما أول الكتاب.
وأما صفته: فهي الفرضية والوجوب والسنية الحرمة والكراهة.
وهذه هي الأحكام التي تعتريه باختلاف الأحوال كما ستعرفه:
فيكون فرضاً: إن تحقَّق الرجل أنه لو لم يتزوج لزنى؛ لأنّ الزنا حرامٌ قطعاً، ولا يتوصّلُ إلى تركه في هذه الحالة إلاّ بالزواج، والقاعدة: أنّ ما لا يتوصّل إلى ترك الحرام إلاّ به يكون فرضاً.
ويكون واجباً؛ والوجوب أقلّ من الفرض عند شدة الاشتياق إلى التزوّج بحيث يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوَّج من غير تحقَّق.
ويكون سنة؛ حالة الاعتدال: أي لا يكون في شدّة الاشتياق إلى التزوج، وفي غاية الفتور عنه.
ويكون حراماً؛ إذا تيقَّن عدمَ القيام بأمور الزوجية؛ لأن الزواجَ إنّما شرعَ لمصلحة، وبالجور تنعدم هذه المصالح فضلاً عن أنه يأثم ويرتكب المحرمات.
ويكون مكروهاً؛ إذا خافَ الجور.
(1) مادة 4) الوعد بالنكاح في المستقبل ومجرَّد قراءة الفاتحة بدون إجراء عقد شرعي بإيجاب وقبول لا يكون كلٌّ منهما نكاحاً، وللخاطب العدول عمن خطبها، وللمخطوبة أيضاً ردّ الخاطب الموعود بتزويجها منه، ولو بعد قبولها أو قبول وليها إن كانت قاصرة هديةَ الخاطب ودفعه المهر كلّه أو بعضه.
وكلُّ هذه الأقسام مفروضةٌ فيمن يملك المهر والنفقة، فإن كان لا يملكهما وخشي الزنا، فعليه أن يتكسَّب حتى يحصل عليهما؛ إذ الإنسانُ مأمور بالسعي؛ ليتكسَّبَ ما يلزمُه، فإن اشتدَّ الخوفُ ولم يكن عنده الآن ما يجعله مهراً يستدين، ويسعى لقضاء ذلك الدين متى علم المؤمنون أنه يستدين؛ لتحصين النفس، وليس عنده ما هو محتاجٌ إليه، ولم يقصِّر في طلبه فلا يبخلون بإعطائه ما يكفيه، والله سبحانه وتعالى يعينه على قضائه؛ لقوله (: (ثلاثة حقٌّ على الله تعالى عونهم: المكاتبُ الذي يريد الأداء، والمتزوِّج الذي يريد العفاف، والمجاهدُ في سبيل الله)(1).
فلو فرض بعد كلِّ ما تقدَّم وقلنا أنه لم يجد مَن يعطيه، فعليه بالصوم، فإنّه قاطعٌ للشهوة؛ لقوله (: (معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)(2).
ومع ذلك فمَن ذا الذي لا يجد المهر والنبي ( يقول: (التمس ولو خاتماً من حديد)(3)، فالغرض من الحديث التنبيه على أنّ المهرَ ليس مقصوداً في عقد الزواج، بل الغرض شيء أسمى وأعظم منه، فلا تمتنعوا عن الزواج بحجّة أن لا شيء معكم للمهر؛ لأن الزواجَ يصحّ ولو كان المهر قليلاً.
(1) في جامع الترمذي 4: 184، وقال: حسن. وسنن النسائي 10: 318، واللفظ له إلا أنه فيه بدل المتزوج: الناكح. وسنن البيهقي الكبير 7: 78 وغيرها.
(2) في صحيح البخاري 2: 673، وصحيح مسلم2: 1018 وتمامه فيهما (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
(3) في صحيح البخاري 5: 1973، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 1040 وغيرهما.
بقي ما لو تعارضت الفرضيّة والحرمة بأن فرضنا أن هناك رجلاً تحقَّقَ أنه لو لم يتزوَّج لزنى، وتحقَّق أيضاً أنه لو تزوَّج أساء العشرة، وقد تكلَّم بعض الكتب هنا بما لا ينبغي أن يذكر، فالأحسن ارتكاب أخفّ الأمرين بقدر الإمكان بأن نقول له تزوَّج ولا نأمره بالزنا أبداً، وعاشر مَن يذكرك بحقوق الزوجية حتى تكون دائماً على ذكر منها، وأسكن بين جيران صالحين؛ لتتعلم منهم ويمنعوا التعدِّي بقدر ما يمكنهم، وهذا موافق لمذهب الإمام مالك (، وكل هذا لم يتعرض له الكتاب.
أركان الزواج
وأمّا أركان الزواج فاثنان:
أحدهما: الإيجاب.
وثانيهما: القبول.
فالإيجاب: هو ما صدرَ أولاً من كلام أحد العاقدين.
والقبول: هو ما صدر ثانياً من كلام العاقد الآخر.
والعاقدان:
1. إمّا أن يكونا الزوجين إن كان كلٌّ منهما عاقلاً بالغاً.
2. أو وكليلهما إن كان كل من الزوجين متصفاً بالبلوغ والعقل أيضاً؛ لأن الشخصَ ليس له أن يوكِّلَ غيره في شيء إلا إذا كان هو يملكه.
3. أو وليهما إن كان كلٌّ منهما ليس أهلاً للعقد.
4/5. أو أحد الزوجين مع ولي الآخر أو وكيله.
6. أو ولي أحدهما مع وكيل الآخر.
بلا فرق في كلِّ هذه الصور بين ما إذا كان الموجب واحداً منهما، والقابل هو الآخر.
فإذا جرى العقد بين الزوجين، وكان الموجب هو الرجل يقول مخاطباً لمَن يريد تزوّجها: تزوَّجتُك. فتقول: قبلت.
وإذا كانت هي الموجبة تقول له: تزوَّجتُك، أو زوَّجتك نفسي. فيقول لها: رضيت، أو قبلت، أو أجزت.
وإذا جرى بين الوكيلين؛ وكان الموجب وكيلُ الزوجة يقول مخاطباً لوكيل الزوج: زوجتُ موكِّلتي فلانةٌ لموكِّلَك فلان. فيقول: قبلت زواجها لموكِّلي.
وإذا كان الموجب وكيلُ الزوج يقول: زوجتُ موكِّلتي فلانة لموكلك فلان. فيقول الآخر: قبلت، أو رضيت مثلاً.
وإذا جرى بين الوليين؛ يقول وليُّ الزوجةُ مخاطباً لوليِّ الزوج: زوجتُ بنتي فلانة من ابنك فلان. فيقول: قبلت هذا الزواج.
وقس على هذه الأمثلة ما إذا جرى العقد بين أحد الزوجين ووكيل الآخر، أو ولي أحدهما ونفس الآخر، أو وليّ أحدهما ووكيل الآخر.
والإيجابُ في الزواج يصحُّ بلفظ التزويج والنكاح بالاتفاق؛ لأن كلاً منهما صريحٌ فيه.
والقبول لا يشترط فيه لفظ مخصوص، بل الشرط رضا الآخر بهذا الإيجاب، فإذا قال رجل لآخر زوجت ابنتي فلانة لابنك فلان. وقال الآخر: قبلت، أو رضيت، أو أجزت، أو أطعت، أو ما صنعته في محلِّه صح.
ولكن انعقاده بغير هذين اللفظين فيه خلاف:
فمذهب أبي حنيفة (: أنه ينعقد بكلِّ لفظ وضع لتمليك العين في الحال: كالهبة، والصدقة، والبيع، لا الوصية، والإجارة، والإعارة.
وقال الشافعي ( وأحمد (: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنكاح.
واستدلاّ بأدلة:
الأول: أن التمليك ليس حقيقة في الزواج ولا مجازاً عنه؛ لأن التزويجَ للتلفيق والنكاحُ للضمّ؛ ولذا لا يراعى فيه إلا مصالح المالك.
والثاني: أن الإشهاد فيه شرط، والكناية يحتاج فيها إلى النيّة، ولا اطّلاع للشهود على النيّات.
والثالث: أن التمليكَ مفسدٌ للزواج حتى لو ملك الرجلُ زوجته بأن كانت أمته فسد الزواج، وكذا الهبة من ألفاظ الطلاق؛ ولذا وقع الطلاق بقول الرجل لامرأته: وهبتك لأهلك، فلا يكون موجباً لضدّه.
واستدلت الحنفية:
بقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}(1) الآية.
وبقوله (: (ملكتكها بما معك من القرآن)(2).
وكلٌّ من هذين واردٌ في عقد الزواج، وليس لقائل أن يقولَ الانعقادُ بلفظ الهبة خاصٌّ به ( بدليل قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}(3)؛ لأنا نقول له الاختصاصُ والخلوص في سقوط المهر:
(1) الأحزاب: من الآية50.
(2) في صحيح البخاري 4: 1920، وسنن النسائي 3: 312، وغيرهما.
(3) الأحزاب: من الآية50.
بدليل أنها مقابلة بمَن أعطى مهرها في قوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنّ}(1) إلى قوله تعالى: {وَامْرَأةً مُؤْمِنَةً}.
وبدليل قوله تعالى: {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ}(2)، والحرج بلزوم المهر دون لفظ: التزويج؛ وبنفي المهر تحصل المنّة التي سيق الكلام لأجلها لا بإقامة لفظ دون لفظ.
والجواب عن الدليل الأول للشافعية: أنا لا نسلم أن التمليك ليس مجازاً في الزواج؛ لأن التمليكَ سببٌ لملك المتعة بواسطة ملك الرقبة في محلٍّ يقبلها، والسببيّة طريقٌ من طرق المجاز.
والجواب عن الثاني: أن محلَّ اشتراط التعيين إذا كان هناك لَبْس، بخلاف ما نحن فيه فلا لَبْس يعتريه إذ كلامنا فيما إذا قامت القرائن والأدلة على أن هذا يراد به الزواج، وحينئذٍ ينتفي الاحتمال، فلا لَبْس، فيصحُّ الزواج.
والجواب عن الثالث: أن التمليكَ لا يفسد الزواج من حيث أنه محرمٌ عليه أمته حتى يصحّ الاستدلال، وإنّما يفسده من حيث أنه أبطل مالكيّة المرأة؛ إذ المرأةُ يثبت لها بالزواج ما يترتَّب عليه من القسم وتقدير النفقة والسكنى وغير ذلك، وبالتمليك بطلَ ذلك، وصارت مملوكةً محضة.
وقولهم: إن الهبة من ألفاظ الطلاق فلا يصحَّ أن يكون اللفظ موجباً لضده يردُّه أنّ الطلاقَ يقعُ بلفظ: التزويج؛ الذي قالوا: بانعقاد الزواج به، فإن الرجلَ إذا قال لزوجته: تزوَّجي ناوياً الطلاق وقع، فما كان جواباً لهم فهو جوابنا.
ولا بُدَّ أن يكون لفظ الإيجاب والقبول:
بصيغة الماضي: كزوجت، أو وهبت، أو ملكت مثلاً.
أو أحدهما للماضي والآخر للمستقبل؛ لأن الزواج عقد، وليس له لفظ يختصّ له بحسب الوضع، فاستعمل فيه لفظ: ينبئُ عن الثبوت، وهو الماضي دفعاً للحاجة، والإنشاء يعرف بالشرع لا باللغة، فكان ما ينبئ عن الثبوت أولى من غيره؛ لأن غرضَهما الثبوت دون الوعد.
(1) الأحزاب: من الآية50.
(2) الأحزاب: من الآية50.
وهذا المعنى موجود أيضاً فيما إذا كان أحدهما ماضياً والآخر للمستقبل، مثل أن يقول رجل لآخر: زوَّج بنتك فلانة لابني. فيقول الآخر: زوجت.
فالأول: إيجاب.
والثاني قبول.
وقال بعضهم: زوَّج؛ توكيل وإنابة، وقول الآخر: امتثال لأمره، فينعقدُ به الزواج؛ لأن الواحد يتولَّى طرفي النكاح، كما ستعرف إن شاء الله تعالى في شرح (مادة 137).
وكذلك إذا كان الإيجاب مضارعاً مبدوءاً بهمزة أو نون أو تاء إذا لم ينو الاستقبال، فإذا قال رجل لامرأة: تزوجيني نفسك. أو قالت امرأة لرجل: تزوجني نفسك. ناوياً كلٌّ منهما الحال، فقال الآخر: زوَّجت انعقدَ الزواجُ باعتبار استعماله في غرض تحقيق واستفادة الرضا منه؛ لأننا لَمَّا علمنا أن الملاحظةَ من جهة الشرع في ثبوت الانعقاد ولزوم حكمه جانب الرضا عدَّينا حكمه إلى كلِّ لفظٍ يفيدُ ذلك، ولو كان مصرّحاً فيه الاستفهام، حتى لو قال رجل لآخر: هل أعطيتني بنتك لابني. فقال: أعطيتُ إن كان المجلس للوعد، فوعد، وإن كان للعقد، فزواج. أنظر: مادة (5)(1).
[شروط الزواج]
وأما شروط الزواج فتنقسم إلى قسمين:
شروط انعقاد
وشروط صحّة.
فشروط الانعقاد ثلاثة:
الأول: اتّحاد مجلس الإيجاب والقبول؛ بأن يكون المجلس الذي صدر فيه الإيجاب هو بعينه الذي صدر فيه القبول، ومحلُّ اشتراط هذا إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد.
فإن كان أحدُهما في بلد، وكتب إلى الآخر في بلد آخر جواباً موجباً الزواج، فقَبِلَ المكتوبُ إليه بالشروط الآتية في (مادة 9) انعقد الزواج.
(1) مادة 5) ينعقد النكاح بإيجاب من أحد العاقدين وقبول من الآخر، ولا فرق بين أن يكون الموجب هو الزوج أو وليه أو وكيله، والقابل هو الزوجة أو وليها أو وكيلها إن كانت مكلفة أو بالعكس.
فإذا لم يطل المجلس بأن صدرَ القبولُ عقب الإيجاب من غير تراخ فبها، وإذا تأخَّر القبول عن الإيجاب، فإن كان الاشتغال مدّة الفصل بينهما متعلِّقاً بشيء من عقد الزواج صحّ وإن كان أجنبياً عنه فلا يصحّ؛ لأنه في هذه الحالة يكون القابل قد أعرضَ عن الإيجاب فيبطله، فلا يتعلَّق به القبول، بخلاف الحالة الأولى، فإن الإيجابَ لم يزل موجوداً؛ إذ الفاصل متعلِّق به فكأنه من تمامه، فيتعلَّق به القبول فيصحّ.
الثاني: سماع كلٍّ من العاقدين كلام الآخر؛ فإن فهمَ كلٌّ منهما ما يقوله الآخر فبها، وإن لم يفهم فإن كان يعلم أنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة صحّ أيضاً، وإن لم يعلم فلا يصحّ، فإذا لقَّنَ رجلٌ امرأةً معنى زوَّجتك نفسي بالفارسية مثلاً، وهي لا تفهمها، وقالت: اللفظ الذي لقَّنَه لها، فقبل، فإن كانت عالمةً بأن الغرضَ ممَّا تقول عقد الزواج صحّ، وإلا فلا(1)
(1) فيما قاله هنا نظر؛ إذ أن في مسألة عقد النكاح بصريح النكاح والزواج لمَن لا يفهم كونه نكاحاً كما لو لقِّنت امرأةُ زوَّجت نفسي بالعربية، ولا تعلم معناها، وقبل الزوج، فإن فيه تفصيلاً في الحكم بين الديانة والقضاء:
ففي الديانة: يلزم علم كل من المتعاقدين بمعنى الزواج والنكاح، وإلا لا ينعقد النكاح.
أمّا في القضاء: فإن العقد ينعقد وإن لم يعلما معناهما؛ لأن النكاح لا يشترط فيه القصد بدليل صحته مع الهزل على المفتى به. هذا القول اختاره صاحب الوقاية ص281، والملتقى ص49، ودرر الحكام 1: 328، والخانية 1: 327، وقال صاحب الدر المختار 3: 17: وبه يفتى، وفي الإصلاح ق42/أ: وعليه الفتوى، وبه صرح صاحب البزازية 4: 109، وفي البحر 3: 3: 95: إن ظاهر كلام التجنيس يفيد ترجيحه، وكذا مقتضى كلام صاحب الفتح 3: 198، ومجمع الأنهر 1: 318، والقول الثاني: بأن لا ينعقد ويشترط علمهما ذهب إليه البهنسي. ينظر: رد المحتار 3: 17، والدر المنتقى 1: 218.
أمّا في غير الصريح: فيلزم العلم؛ لأنه يحتاج إلى قرائن الأحوال الدالة على كونه نكاحاً أو النية مع إعلام الشهود، وكذلك فيما يكون مستقبلاً أو غيره مما يحتاج إلى النيّة. ينظر: مجمع الأنهر 1: 318، والدر المنتقى 1: 318، وغيرهما.
.
الثالث: عدمُ مخالفة القبول للإيجاب سواء كانت المخالفة في كلِّ الإيجاب، أو في بعضه، فإذا قال رجل لآخر: زوَّجت ابنتي فلانة لابنك فلان بمئة جنيه، فقبل زواجها لابنه المعيَّن بالمهر المسمَّى صحَّ العقد؛ لعدم المخالفة.
وأمّا إذا قبل زواج غير المسمَّاة بأقلّ من المهر لغير ابنه المعيَّن، فلا يصحّ؛ لمخالفة القبول لكل أجزاء الإيجاب، فإذا قبلَ زواجها لابنه بمهر أقلّ من المسمَّى فلا يصحُّ أيضاً للمخالفة في بعض الإيجاب.
ومثل هذا ما إذا قال رجل لامرأة: تزوَّجتك بمئة جنيه، فقالت: قبلت بمئة وخمسين. أو أوجبت الزوجة بمئة وخمسين، وقبل الزوجُ بمئة للمخالفة في المهر إلاَّ إذا قبل الآخر بعد ذلك، فإن الثاني يعتبر موجباً، والأول قابلاً؛ لرضاه بالزيادة أو النقص الذي حصلت فيه المخالفة، ومحلّ تأثير المخالفة على العقدِ إذا كانت لشرٍّ بالنسبة للموجب، كما عُلِمَ من الأمثلة المتقدِّمة؛ إذ يريد مَن يدفع المهر النقص، ويريد مَن يأخذه الزيادة، فإن كانت لخيرٍ كما إذا قبلت الزوجة في المثال المذكور بثمانين جنيهاً، أو قبل الزوج في المثال المذكور بمئتين، فلا تؤثر هذه المخالفة؛ إذ يريد مَن يأخذ المهر النقص فيه، ومَن يدفعه الزيادة، وهذا فيه منفعة للآخر، وهذه الشروط في الحقيقة للإيجاب والقبول، كما هو ظاهر. أنظر: مادة (6)(1).
وأما شروط الصحّة فاثنان:
الأول: أن تكون المرأةُ محلاً لعقد الزواج: أي غير محرّمة على مَن يريد تزوجها، وهذا آت في (مادة 20).
(1) مادة 6) يشترط لعقد النكاح اتّحاد مجلس الإيجاب والقبول إذا كان العاقدان حاضرين، وإن طال من غير اشتغال لما يدلّ على الإعراض وسماع كل منهما كلام الآخر، وإن لم يفهما معناه مع علمهما أنه مقصود به عقد النكاح وعدم مخالفة القبول للإيجاب.
الثاني: حضور شاهدين بخلاف سائر العقود؛ فإنّها لا تصحّ بغير الإشهاد، ولكن الأحسن الإشهاد على كلِّ عقدٍ خوفاً من إنكار أحد العاقدين، وخصَّ عقد الزواج بالإشهاد لصحّته؛ لقوله (: (لا نكاح إلا بشهود)(1).
ولأن المعقودَ عليه فيه خطير لما فيه من إثبات ملك المنفعة للزوج على الزوجة، فيعظم جزء الآدمي.
ويشترط في الشاهدين:
الحرّية.
والعقل.
والبلوغ.
لأن كلاً من العبدِ والصبيِّ والمجنون ليس من أهل الولاية والشهادة من الولاية؛ لأنه فيها نفوذ قول الإنسان على الغير رضي أو لم يرض، وكل منهم لا ولاية له على نفسه، فعلى غيره من باب أولى.
ويشترط أيضاً إسلام الشاهدين في حالة ما إذا كان كل من الزوجين مسلماً؛ فإذا كانا غير مسلمين، أو كانت الزوجة غير مسلمة والزوج مسلماً، فلا يشترط إسلام الشاهدين.
ولا يشترط وصف الذكورة عند الحنفية فيصح بحضور رجل وامرأتين خلافاً للشافعي (.
ويشترط في الشاهدين سماع كلٍّ قول العاقدين معاً:
فإن سمعا متفرِّقين بأن حضر أحدُهما العقد، ثمّ غابَ وأعيد بحضرة الآخر.
أو سمع أحدهما فقط العقد فأعيد فسمعه الآخر دون الأول.
أو سمع أحدهما الإيجاب والآخر القبول ثم أعيد فسمعه الآخر دون الأول.
أو سمع أحدهما الإيجاب والآخر القبول ثم أعيد فسمع كل وحده ما لم يسمعه أولاً فلا يصحَّ؛ لأنه في هذه الصور وجه عقدان لم يحضر كلٍّ واحد منهما شاهدان.
(1) لم أره بهذا اللفظ وروى الترمذي 2: 55 من طريق جابر بن زيد رفعه عن ابن عباس أن النبي ( قال: (البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة)، ورجح الترمذي وقفه، وروى ابن حبان9: 386 من رواية سليمان بن موسى عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة مرفوعا لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل الحديث وقال: ولم يقل فيه وشاهدي عدل إلا حفص بن غياث عن ابن جريج عنه وتابعه الحجي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس كلاهما عن ابن جريج.
ويشترط أيضاً أن يفهمَ الشاهدان الغرض من هذا الكلام عقد الزواج، وحينئذٍ لا يصحّ الزواج بحضور الأصمّ ولا النائم؛ لعدم سماع كلٍّ منهما، ولا السكران الذي لا يعي ما يسمع، ولا يذكره بعد إفاقته، فإن وعاه حالَ سكره وتذكَّرَه بعد إفاقته صحّ بحضوره.
ومتى وجدت هذه الشروط في الشاهدين صحَّ العقد: ولو كان أعميين، أو فاسقين، أو ابني الزوجين، أو ابني أحدهما.
وقال بعضهم: لا تجوز شهادة الأعمى؛ لأنه لا يقدر على التمييز بين المدعي والمدعى عليه، والإشارة إليهما فلا يكون كلامه شهادة فلا يصحّ الزواج بحضرته، ولكن المعوَّل عليه صحّة العقد بحضوره؛ لأن الغرضَ التمييز ولو بالاسم، وهو حاصلٌ، فيمكن أن يعرفَ أن فلانةً بنت فلان تزوَّجت فلانَ بن فلان.
ولا يلزم معرفة شخصهما، بل المعرفة بالاسم غير شرط إذ انتفت الجهالة؛ فإذا قال رجل لآخر: زوجتك بنتي ولم يسمها وله بنتان، فلا يصحّ للجهالة، بخلاف ما إذا كان له بنت واحدة، وللآخر ابنان فلا يصحّ، إلاّ إذا عيَّنَ أحدهما باسمه، فإن كان له ابنٌ واحد صحّ، وقس على هذا جميع الأمثلة.
وقال الشافعي (: تشترط العدالة، فلا ينعقد بحضور فاسقين؛ لأن الشهادةَ من باب الكرامة، والفاسق من أهل الإهانة؛ ولأن الشهادةَ في العدل معقولة المعنى، وهو صون العقد عن الجحود، والعقد لا يثبت بشهادتهما، فلا يصحّ بشهادتهما أيضاً، وهو حسن، والحنفية يقولون: إنّ الفاسق من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة، وإنما ردّت شهادته عند الأداء للتهمة، ولا تهمة هنا للتيقن.
والزواج له حكمان: حكم الصحة، وحكم الإظهار، والكلام إنما هو في الأول لا الثاني، إذا الثاني إنما يكون عند التجاحد، وهذا لا يقبل فيه إلا شهادة مَن تقبلُ شهادته في سائر الأحكام، بخلاف الأول؛ فإنّه لا يشترط فيه ذلك، بدليل اتفاقهم على صحّة العقد بحضور ابني الزوجين أو ابني أحدهما، مع أنّه لا يثبتُ بشهادتهما عند التجاحد؛ لأنّ فيه شهادةَ الفرعِ لأصله، وهي غير مقبولة، وبدليل صحته بحضور عدوهما، ولا تقبل شهادتهما عليه عند التجاحد، فإذا كان لرجلٍ من امرأة ابنان، وحصلت الفرقة بينهما، وأراد تزوّجها ثانياً فعقد عليها بحضور ذينك الابنين صحّ العقدُ اتفاقاً، مع أنّه لو أنكرَ أحدهما العقد وادّعاه الآخر وشهدا له فلا يثبت بشهادتهما؛ لأنّ شهادة الفرع لأصله غير مقبولة للتهمة، وإذا كان لرجل ابنان من امرأة وتزوج غيرها بحضور ابنيه من غيرها صحّ العقدُ اتفاقاً، مع أنّ المرأة لو أنكرت هذا العقد وادّعاه الرجل وشهد له ابناه فلا تقبل شهادتهما له، ولكن لو كانت هي المدّعية وهو المنكر وشهدَ ابناه عليه تقبل؛ لأنّ شهادةَ الفرع على أصله مقبولة؛ لانتفاء التهمة.
ومثل الأول ما إذا كان أحدُ الشاهدين ابناً للزوج والآخر ابناً للزوجة من غيرها وابنها من غيره، صحّ العقد، ولكن إذا أنكر هذا العقد أحدهما وادّعاه الآخر فلا يثبت بشهادةِ هذين الابنين؛ لأنّه وإن كان في كلّ منهما شهادةُ الفرع على أصله، إلا أنّ نصابَ الشهادة وهو اثنان لم يتم؛ لأنّ واحداً منهما شاهد لأصله فلا تقبل شهادته.
والكلام الآن إنّما هو في صحّة العقد لا في إثباته، فيصحّ بحضور الفاسقين، وإن لم يثبت بشهادتهما عند التجاحد، كما صحّ بحضور مَن ذكر وإن لم يثبت بشهادتهم.
ولو قيل: إنّ العقدَ لا يصحّ إلا إذا ثبت عند التجاحد بشهادة شهود العقد لكان حسناً. أنظر مادة 7(1).
فقد علمتَ ممّا تقدّم أنّه لا بدّ لصحّة الزواج من حضور شاهدين، فيما يظهر في بعض الصور من صحته بحضور شاهد واحد مخالفٌ للحقيقة، إذ بإمعان النظر يتبين وجود شاهدين، فإذا كان لرجل بنت بالغة عاقلة وزوَّجها بأمرها ورضاها بمحضر شاهدٍ واحد سواء كان رجلاً أو امرأتين، وكانت حاضرة بنفسها في مجلس العقد صحّ الزواج، فيتوهّم بادئ بدء أنّه ليس هناك إلا شاهد واحد، ولكن بالتأمل نجد أنّ هناك شاهدين؛ لأنّ البنت متى كانت متصفة بالبلوغ والعقل فالحق في زواجها لنفسها لا لأبيها، فالأبُ في هذه الحالة وكيل، فتجعلُ البنت مباشرة للعقد؛ لأن المجلس متّحد، فيبقى الأب الذي هو الوكيل: سفيراً ومعبراً، فيكون شاهداً مع الرجل، فوجد شاهدان في هذه المسألة.
فإن كانت غائبة عن مجلسِ العقدِ فلا يصح؛ لأنّ المجلس مختلف، فلا يمكن أن تجعل مباشرة، فلا ينتقل كلامه إليها، فيبقى الرجل وحده شاهداً، وبه لا ينعقد الزواج.
(1) مادة 7 لا يصح عقد النكاح إلا بحضور شاهدين حرين أو حر وحرتين عاقلين بالغين مسلمين لنكاح مسلم مسلمة سامعين قول العاقدين معاً فاهمين أنه عقد نكاح لو كانا أعميين أو فاسقين أو ابني الزوجين أو ابني أحدهما والأصم لا يصلح شاهداً في النكاح ولا النائم ولا السكران الذي لا يعي ما يسمع ولا يذكره فلا ينعقد النكاح صحيحاً بحضورهم
والأصل في جنس هذه المسائل أنّه متى أمكنَ مباشرة الموكّل حقيقة، يجعل مباشراً حكماً، وإلا فلا، ولذا لو كان لرجل بنت صغيرة ووكّل رجلاً في زواجها فزوَّجها لرجلٍ بحضور شاهد واحد، فإن كان الأب حاضراً في هذا المجلس صحّ الزواج، وإن لم يكن حاضراً فلا يصحّ؛ لأنّ الوكيل في الزواج كما عرفت سفير ومعبر، ينقلُ عبارة الموكّل، فإذا كان الموكّل حاضراً كان مباشراًَ؛ لأنّ العبارةَ تنتقلُ إليه، وهو في المجلس، وليس المباشر سوى هذا، بخلاف ما إذا كان غائباً؛ لأنّ المباشر مأخوذ في مفهومه الحضور.
ولو زوّجت المرأة ابنتها البالغة برضاها بحضرة رجل وامرأة: جاز إن كانت البنت حاضرة؛ لأنّ البنتَ تجعلُ مباشرة للعقد، وتعتبر الأم مع المرأة شاهداً، والرجل شاهداً، فقد وجد شاهدان، وإن كانت البنت غائبةً فلا يصحّ لما ذكر، وإن كانت البنت صغيرة في هذه المسألةِ لم يجز مطلقاً؛ أي سواء كانت حاضرة أو غائبة؛ لأنّ الانتقال إليها غير ممكن؛ لأنّها لا تصلح لمباشرة العقد، ومثلها الأب إذا زوّج ابنته الصغيرة بحضرة رجل واحد، فإنّه لا يجوز مطلقاً.
ومن هذا الجنسِ ما لو وكّل رجلاً أن يزوّجه امرأة، فعقد الوكيل بحضرة رجل واحد أو امرأتين، فإن كان الموكّل حاضراً جاز العقد، وإلا فلا، ومثله ما إذا وكّلت امرأة رجلاً في زواجها فعقد عليها بحضرةِ رجلٍ أو امرأتين: صحّ العقد إن كانت حاضرة، وقس على هذا ما أشبهه انظر مادة 8(1) .
(1) مادة 8 إذا زوج الأب بنته البالغة العاقلة بأمرها ورضاها وكانت حاضرة بنفسها في مجلس العقد صح النكاح بمحضر شاهد واحد رجل أو امرأتين وكذلك إذا أمر الأب غيره أن يزوج بنته الصغيرة فزوجها بمحضر رجل أو امرأتين والأب حاضر بالمجلس صح النكاح
وقد عرفت من شرح (مادة 6) أنّ من شروطِ انعقادِ الزواج: اتّحاد مجلس الإيجاب والقبول، إذا كان العاقدان حاضرين: أي في مجلسٍ واحد، فإن كان أحدهما غائباً، سواء كان في بلد آخر أو في البلد الذي هو فيه ولكن في محل آخر صحّ عقدُ الزواجِ بالكتابة، وإن اختلفَ مجلس الإيجاب والقبول.
فإذا كتب رجلٌ لامرأة يخطبها، فعندما بلغها الكتاب أحضرت الشهود وقرأته عليهم، وقالت: زوّجتُ نفسي منه، أو أمرت غيرها بقراءته، وبعدها قالت: زوّجتُ نفسي منه، أو بعدما أحضرت الشهود قالت لهم: زوّجتُ نفسي منه، أو بعدما أحضرت الشهود قالت لهم: فلان بعث إليّ يخطبني فاشهدوا أنّي زوّجتُ نفسي منه: صحّ الزواج وإن كان مجلسُ الإيجاب والقبول مختلفاً؛ لأنهما ليسا في مجلس واحد، فإذا لم تقل بحضرتهم سوى زوّجتُ نفسي من فلان فلا ينعقد؛ لأنّ سماعَ الشطرين شرطٌ لصحّة الزواج، وبإسماعهم الكتاب أو التعبير عنه منها قد سمعنا الشطرين، بخلاف ما إذا لم يوجد واحد منهم.
ولذا قال بعضُ المحققين: إنّ هذا الشرط: الذي هو اتّحاد مجلس الإيجاب والقبول لا استثناء منه أصلاً، حتى في مسألة الزواج بالكتابة؛ لأنّ سماعَ الشهود الكتاب، سواء كان منها أو من غيرها، أو التعبير عنه منها إيجاب، فكأن الكاتب أوجب في هذا المجلس، وقولها: زوجت نفسي منه، في هذا المجلس قبول، وحينئذ فمجلسهما متّحد، فلا استثناء، وهو حسن(1). أنظر: مادة (9)(2).
(2) مادة 9 لا ينعقد النكاح بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين وينعقد بكتابة الغائب لمن يريد أن يتزوجها بشرط أن تقرأ أو تقرئ الكتاب على الشاهدين وتسمعهما عبارته أو تقول لهما فلان بعث إلي يخطبني وتشهدهما في المجلس أنها زوجت نفسها منه.
وبما أنّ اللفظَ أدّل على مقصود كل شخص من غيره، والمعقود عليه في الزواج أمر خطير، فلا يعدل عن اللفظ إلى غيره إلا لضرورة، فإذا كان أحد المتعاقدين أخرس فلا يشترط اللفظ؛ لأنّه غير ممكن منه، وحينئذ يصحّ زواجه بإشارته، إذا كانت معلومة مؤدية إلى فهم مقصوده. أنظر مادة (10)(1).
فإذا وجد عقدُ الزواج مستوفياً شرائطه المتقدّمة صح، ولا يحتاج إلى الخطبة، ولا إلى تسميةِ المهر؛ لأنّ الخطبة سنّة، فلا تتوقّف صحّة الزواج عليها، ولا يتعيّن فيها لفظٌ مخصوص، ولكن الأحسن الخطبة بما ورد.
ومنه: الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضلّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيّدنا محمداً عبده ورسوله.
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.
وكما أنّ الخطبة ليست بشرط، فكذا تسمية المهر ليست بشرط في صحّة العقد، فيصحّ بدون تسمية المهر اتّفاقاًً، ومع نفيه أصلاً عند الحنفيّة، كما إذا قال لها: تزوّجتك بدون مهر وقبلت، فإنّ العقدَ يصحّ، ولكن يجب للزوجةِ مهرُ المثلِ الآتي بيانه في (مادة 77).
وقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: لا يصحّ الزواجُ مع نفي المهر.
وقال بعض الشافعية: إن تزوّجها بلا مهر في الحال ولا في المستقبل لا يصحّ.
(1) مادة 10 ينعقد نكاح الأخرس بإشارته إذا كانت معلومة مؤدية إلى فهم مقصوده.
ووجه قولهما: أنّ الزواج عقدُ معاوضة، كالبيع، والمهر كالثمن، والبيع بشرط أن لا ثمن لا يصح، فكذا الزواج بشرط أن لا مهر.
وكان مقتضى هذا أن يفسدَ بترك التسمية أيضاً، إلا أنه تُرِك بحديث ابن مسعود في المفوضة.
وقالت الحنفية: إنّ الزواج عقد انضمام وازدواج، فليس المال جزءاً في مفهومه، فيتم بدونه، خصوصاً وأنّ المقصود منه التوالد والتناسل والازدواج، دون المال، فلا يشترط فيه ذكره، بخلاف البيع، بل المهر حكم من أحكامه، والحكم لا يشترط فيه ذكره في العقد، كملك المشتري المبيع في عقد البيع، فإن ذكر الحكم في العقد فبها، ويجب على الزوج أداؤه، وإن لم يذكر فالواجب مهر المثل؛ لأنّ العادة أنّ المرأةَ لا تتزوّج إلا بمهر مثلها، فرجعنا إليه عند تعذّر إيجاب المسمّى.
والأحسن أن يتزوّج امرأة صالحة، معروفة النسب والحسب والديانة، فإنّ العرقَ نزّاع، ولا يتزوج امرأة لحسبها وعزها ومالها وجمالها، بل لدينها، فإن تزوّجها لذلك فلا يزدادُ به إلا ذلاً وفقراً ودناءة.
والأحسن أيضاً أن يتزوّج مَن هي فوقه في الخلق والأدب والورع والجمال، ودونه في العزّ والحرفة والحسب والمال والسن، فإن ذلك أبعد من احتقارها له وافتتانها بغيره، ويختار أيسر الناس خطبة ومؤنة.
وتزوّج البكر أحسن؛ للحديث: (عليكم بالأبكار، فإنهنّ أعذب أفواهاً، وأنقى أرحاماً، وأرضى باليسير)(1). انظر مادة 11(2).
وعقد الزواج إما أن يكون: منجزاً، أو معلقاً على شرط، أو مقروناً بشرط، أو مضافاً إلى زمن مستقبل.
(1) في سنن ابن ماجه 1: 568، وسنن البيهقي الكبير 7: 81، والمعجم الأوسط 1: 144، والآحاد والمثاني 4: 5، والمعجم الكبير 7: 140، والفردوس 3: 21، وفي مصنف ابن أبي شيبة 4: 52 وقفه على عمر (.
(2) مادة 11 ينعقد النكاح صحيحاً بدون تسمية المهر ومع نفيه أصلاً وبالعقد يجب مهر المثل للمرأة.
فالمنجز: هو ما صدر بصيغة مطلقة غير مقيدة بشيء ما؛ كما إذا قال رجل لامرأة: تزوّجتك، فقالت: قبلت.
وهذا لا كلام في صحته بعد استيفائه الشروط المتقدمة.
والمعلق على شرط: هو ما علّق فيه مضمون جملة على مضمون جملة أخرى، بأداة من أدوات التعليق؛ كأن حضر ابني من سفر فقد زوجتك له.
فقد علّق فيه مضمون جملة الجزاء، وهو التزويج، على مضمون جملة الشرط وهو حضور ابنه من السفر.
وهذا فيه تفصيل، وبيانه: أن مضمون فعل الشرط إما أن يكون كائناً أي محققاً وقت التكلّم، أو مستقبلاً محققاً، أو معدوماً يتوقع وجوده.
فإن كان محققاً وقت التكلم: كأن خطب رجل بنتاً لابنه، فقال أبوها: إنّي زوّجتها من فلان، فكذّبه، فقال أبوها: إن لم أكن زوّجتها لفلان فقد زوّجتها لابنك، فقبل أو الولد، ثمّ علم كذبه، ففي هذا المثال مضمون فعل الشرط، وهو عدم تزويج البنت لفلان الذي ادّعاه أبوها محقق في الماضي، وحكم هذا الصحة.
ومثل هذا ما إذا قال رجل لآخر: إن كان ابنك حضر من سفره الآن زوجته ابنتي، فقبل أبو الابن، وكان الابن وقت التكلم بهذه العبارة حضر من سفره، فإنّ الزواج ينعقدُ صحيحاً؛ لأنّ مدلول فعل الشرط فيه محقق.
وإن كان مستقبلاً محققاً، كما إذا قال رجل لامرأة: إن جاء الغد فقد تزوجتك، فإنّ مجيء الغد وهو اليوم التالي ليومك الذي أنت فيه محقق، وحكم هذا عدم الصحة.
وإن كان معدوماً يتوقّع وجوده، كما إذا قال: إن رضي أبي تزوجتك، وقبلت، فإنّ رضا الأب وقت التكلم معدوم، ويجوز رضاه وعدمه، وحكم هذا أنّ العقدَ لا يصحّ(1)، وصاحب ((الدرر))(2) يقول: إنّ العقد صحيح، والتعليق لاغٍ(3).
وقال بعضهم: إن وجد الشرط في المجلس صحّ العقد(4).
والمقرون بالشرط: هو ما صدر فيه الإيجاب غير مقيد بشيء أولاً، ثم أعقب بشرط زائد عليه، كما إذا قال رجل لامرأة: تزوجتك بشرط أن لا أدفع لك مهراً فقبلت، ففي هذا المثال صدر الإيجاب، وهو قوله: تزوجتك منجزاً في أول الأمر، ولكن أتى بعده الشرط وهو عدم المهر.
وهذا فيه تفصيل؛ لأنّ الشرط إمّا أن يكون من مقتضيات العقد، كما إذا قال رجل لامرأة: تزوجتك بشرط أن أنفق عليك.
(1) وتفصيل هذه الصورة: أن يعلقه على شرط تحقَّق وجود في المجلس، كأن تقول: تزوجتك إن رضي أبي أو فلان، فإن كان أباه أو فلان في المجلس ورضي في المجلس صحّ النكاح استحساناً؛ لزوال التعليق حقيقة، وأما إذا لم يكن أو رضي بعد المجلس لا يصحّ النكاح. ينظر: البحر 6: 204-205، والدر المختار 3: 53، ورد المحتار 3: 53-54، وغيرها.
(2) درر الحكام 1: 344.
(3) اشتبه النكاح المعلق على شرط بالنكاح المشروط معه شرط فاسد على صاحب درر الحكام 1: 344، وبينهما فرقٌ واضحٌ فحكم بصحة النكاح المعلَّق، وقد صرح بعدم صحة النكاح المعلق في الفتح 3: 198-199، والخلاصة والبزازية عن الأصل والخانية والتتارخانية وفتاوى أبي الليث وجامع الفصولين والقنية. وردَّ عليه صاحب البحر 6: 204، والدر المختار 3: 53، والشرنبلالية 1: 344، وردّ المحتار 3: 53، وغيرها.
(4) هذا ما عليه المذهب وحكاه المحققون كابن عابدين في رد المحتار 3: 54، وغيره، وبالتفصيل السابق ذكره اتضح هذا.
وإمّا أن لا يكون من مقتضياته: كما إذا شرط في العقد عدم المهر، ففي الأوّل يصح العقد والشرط، وفي الثاني يصحّ العقد ويلغو الشرط، ويجب مهر المثل، وستأتي هذه المسألة مفصلة إن شاء الله تعالى في الباب الرابع في شروط المهر.
والمضاف إلى زمن مستقبل: هو ما لم يقصد حصوله الآن، بل قصد حصوله بعد زمن معين، كما إذا قال رجل لامرأة: تزوجتك غداً أو بعد شهر، فإنّ غرضه أنّ التزوج لا يحصل في هذا الوقت، وإنّما يحصل في الغد أو بعد شهر من تاريخه، وهذا لا ينعقدُ ولو جاء الزمن المضاف إليه. انظر مادة 12(1).
وزواج المتعة غير منعقد، وصورته أن يقول: أتمتعُ بك كذا مدة بكذا من المال، أو يقول: خذي مني هذه العشرة لأستمتع بك أياماً، أو متّعيني نفسك أياماً أو عشرة أيام أو لم يقل أياماً.
وهذا العقد باطل وإن حضره الشهود، ويترتَّبُ على بطلانه أنّه إذا مات أحدهما فلا يرثه الآخر؛ لأنّ التوارث إنما يكون بالعقدِ الصحيح، وقال بعضهم: إنّه جائز؛ لأنّه كان مشروعاً، فيبقى إلى أن يظهرَ ناسخ له، ويستدلون على قولهم بقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}، وبقول عطاء: سمعت جابراً يقول: تمتّعنا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر ونصف من خلافة عمر، ثم ّ نهى الناس عنه، وإلى هذا القول ذهبت الشيعة، وخالفوا سيّدنا علياً(2) كرم الله وجهه وأكثر الصحابة.
(1) مادة 12 لا ينعقد النكاح المعلق بشرط غير كائن أو حادثة غير محققة الحصول ولا يبطل النكاح المقرون بالشرط الفاسد بل يبطل الشرط دونه كما إذا اشترط الزوج في العقد عدم المهر فشرطه فاسد والعقد صحيح.
(2) كما في صحيح مسلم 2: 1028، وصحيح البخاري 4: 1544، 5: 1966، من أنه قال: نهى رسول الله ( عن المتعة….
والحجة على هؤلاء ما روى أنّه ( قال: (كنتُ أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وقد حرم الله تعالى ذلك إلى يوم القيامة)(1).
وروي عن ابن عباس أنّه أمسك عن الفتوى بها، فقال له سيدنا علي (: إنّك تائه؛ لأنّ النبي ( (نهى عن متعة النساء)(2).
وقال بعضهم: ثلاثة أشياء نسخت مرتين: المتعة، ولحوم الحمر الأهلية، والتوجه إلى بيت المقدس.
ولا دليل لهم في الآية المتقدمة؛ لأنّ الاستمتاع معناه التزوّج، والمهر يسمى أجرة، بدليل قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن}؛ أي مهورهن.
والجواب عن حديث جابر: إنّ الذين كانوا يفعلون ذلك لم يبلغهم النسخ، ثمّ بلغهم فتركوه، وهو ظاهر من كلامه غير خفي.
ومثل زواج المتعة الزواج المؤقت بوقت، كما إذا قال رجل لامرأة: تزوجتك شهراً أو سنة، سواء قصر الوقت أو طال.
وقال زفر: هو صحيح لازم؛ لأنّ التوقيت شرط مخالف لمقتضى عقد الزواج، والزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة، فيصحّ العقد ويبطل الشرط.
وغيره يقول: إنّ الزواج المؤقت في معنى زواج المتعة؛ لأنّ معنى المتعة هو الاستمتاع بالمرأة لا لقصد مقاصد الزواج، وهو موجود فيما نحن فيه؛ لأنّها لا تحصل في مدة قليلة، والعبرة للمعاني دون الألفاظ، ألا ترى أنه لو قال شخص لآخر: جعلتك وكيلاً بعد موتي يكون وصياً، ولو قال: جعلتك وصياً في حياتي، يكون وكيلاً، والكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة، وما ذاك إلا لاعتبار المعنى دون اللفظ، وإذا اعتبر المعنى صار متعة، ولا فرق بين ما إذا طالت مدة التأقيت أو قصرت.
(1) في صحيح مسلم 2: 1025 عن سبرة الجهني (: قال (: (يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا).
(2) في سنن النسائي 3: 328، والمجتبى 6: 125،
وروى الحسن عن أبي حنيفة: إنّ المدة التي عينت في العقد إن كان الزوجان لا يعيشان إليها في الغالب كمائة سنة مثلاً صحّ العقد؛ لأنّه في معنى المؤبد، وهو حسن.
وجه الأول: أنّ التأقيت معين لجهة المتعة، فإنّ قوله: تزوّجتك للنكاح، ومقتضاه التأبيد؛ لأنه لم يوضع شرعاً إلا لذلك، ولكنّه يحتمل المتعة، فإذا قال: إلى عشرة أيام عيّن التوقيت جهة كونه متعة معنى، وفي هذا المعنى المدة القليلة والكثيرة سواء.
ويرد على هذا اشتراط الطلاق بعد شهر مثلاً وقت العقد، فإنّ العقد صحيح، والشرط باطل، ولا فرق بينها وبين ما نحن فيه.
وأجيب بأنّ الفرق بينهما ظاهر؛ لأنّ الطلاق قاطع للنكاح، فاشتراطه بعد شهر لينقطع به دليل على وجود العقد مؤبداً، ولهذا لو مضى الشهر لم يبطل النكاح، فكان النكاح صحيحاً والشرط باطلاً.
وأمّا صورة النزاع فالشرط إنّما هو في النكاح لا في قاطعه، ولهذا لو صحّ التوقيت لم يكن بينهما بعد مضي المدّة عقد، كما في الإجارة.
والفرق بين زواج المتعة والزواج المؤقت: أنّ المؤقت يكون بلفظ التزويج، وفي المتعة بلفظ أتمتع أو استمتع، وقال صاحب ((الفتح))(1): الذي يظهر مع ذلك عدم اشتراط الشهود في المتعة، وتعيين المدة، وفي المؤقت: الشهود وتعيينها. أنظر: مادتي 13(2) و14(3).
(1) فتح القدير 3: 248.
(2) مادة 13 لا ينعقد النكاح المؤقت على الصحيح كنكاح المتعة.
(3) مادة 14 نكاح المتعة هو أن يعقد الرجل عقداً على امرأة بلفظ المتعة وهو باطل لا ينعقد أصلاً وإن حضره الشهود ولا يتوارث به الزوجان.
وزواج الشغار صحيح؛ وهو أن يزوّج رجل موليته، على أن يزوجه الآخر موليته، ليكون بضع كل من المرأتين مهراً للأخرى، سواء كانت المولية بنتاً أو أختاً أو غيرهما، وصورته أن يقول رجل لآخر: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، ليكون بضع كل منهما مهراً لأخرى فإن قبل الثاني على هذا الشرط كان هذا زواج الشغار وهو صحيح، ولكن يجب لكل من البنتين مهر مثلها على زوجها؛ لأنّهما سميا ما لا تصلح تسميته مهراً، إذ المسمى ليس بمال، فوجب مهر المثل.
وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى والإمام أحمد يفسد الزواج بهذا الشرط لقوله ( (لا شغار في الإسلام) (1)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه واستدلت الحنفية بأن الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة وهذا شرط فيه فلا يفسده بل يفسد الشرط ألا ترى أنه لا يفسد بتسمية ما ليس بمال، ولا بترك التسمية بالكلية، والنهي الوارد فيه إنّما كان من أجل إخلائه عن تسمية المهر، واكتفائه بذلك من غير أن يجب فيه شيء آخر من المال على ما كانت عليه عادتهم في الجاهلية، ونحن لا نخليه من المهر، بل نوجب مهر المثل، فكان صحيحاً، فإن لم يقولوا في العقد: إن بضع كل واحدة مهر للأخرى ولا معناه، بل قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، ولم يزد عليه فقبل، جاز الزواج اتفاقاً، ولا يكون شغاراً، ولو زاد قوله: على أن يكون بضع بنتي صداقاً لبنتك فلم يقبل الآخر، بل زوّجه بنته ولم يجعلها صداقاً، كان الزواج الثاني صحيحاً اتفاقاً، والأوّل على الخلاف.
وأصل الشغور الخلو، يقال بلدة شاغرة: إذا خلت عن السلطان، والمراد هنا: الخلو عن المهر؛ لأنّهما بهذا الشرط كأنّهما أخليا البضع عنه. انظر مادة 15(2).
(1) في صحيح مسلم 2: 1035، وصحيح ابن حبان 7: 416،
(2) مادة 15 نكاح الشغار وهو أن يجعل بضع كل من المرأتين مهراً للأخرى ينعق صحيحاً ويجب بالعقد مهر المثل لكل منهما.
وبعض العقود يثبت فيه خيار الرؤية، وخيار الشرط، وخيار العيب، مثل البيع؛ فإذا اشترى شخص من آخر شيئاً وُصِف له ولم يكن رآه قبل الشراء، فعند رؤيته له يخير بين إمضاء عقد البيع وفسخه، وإذا اشترى شيئاً وجعل لنفسه الخيار مدّة ثلاثة أيام صحّ العقد والشرط، وهو في المدة التي عيّنها مخيّر بين إمضاء البيع وفسخه.
وإذا اشترى شيئاً ووجد به عيباً لم يكن عالماً به قبل الشراء ولم تحصل البراءة منه فله ردّه على البائع، وأخذ ما دفعه من الثمن.
وكل من خيار الرؤية والعيب يثبت، وإن لم يشترط في العقد؛ لأنّ السبب في ثبوتهما الرؤية والعيب، فمتى وجد السبب وجد المسبب، بخلاف خيار الشرط فإنه لا يثبت إلا باشتراطه في العقد، إذ لا يتأتى وجود المسبب الذي هو الخيار إلا إذا وجد السبب وهو الشرط.
وبعض العقود لا تثبت فيه هذه الخيارات، ومنها: عقد الزواج؛ فإذا تزوّج رجل امرأة ولم ير أحدهما صاحبه قبل التزوج، فليس لواحد منهما فسخ العقد مدّعياً أن له خيار الرؤية؛ لأنّ الشارعَ أباح لكل منهما نظر صاحبه قبل العقد، كما عرفته في شرح مادة 3، فإذا لم يحصل كان التقصير من جهة كل منهما، فلا يثبت له الخيار؛ ولأنّه يترتّب على الفسخ ضرر لكلّ منهما، وإذا تزوج بها، واشتراط أحدهما الخيار لنفسه في مدّة ثلاثة أيام صحّ العقد وبطل الشرط، فليس للمشروط له الخيار أن يفسخ العقد في المدّة؛ لأنّ فائدةَ هذا الشرط أنّ الإنسان يختار ما هو الصالح له من الأمرين ويمضيه، فكان عليه أن يبحث قبل إقدامه على العقد؛ لأن الفسخ هنا يترتّب عليه ضرر، بخلاف البيع.
وإذا تزوّجها واشترطَ الزوج في العقد شفاها، أو بالكتابة جمال المرأة، أو بكارتها، أو سلامتها من العيوب، أو اشترطت المرأة سلامته من الأمراض والعاهات، فالعقد صحيح، والشرط فاسد، حتى إذا وجدَ أحدهما صاحبه على خلاف ما اشترط فليس له الخيار في فسخ الزواج، وإنّما يثبت الخيار للمرأة إذا وجدت زوجها مجبوباً أو خصياً أو عنيناً.
فالمجبوب: هو مقطوع الأعضاء المعلومة.
والخصي: منزوع الخصيتين لا العضو المعلوم.
والعنين: هو مَن لا يمكنه أن يصل إلى النساء عجزاً، أو لا يريدهن.
فمتى وجدت المرأة زوجها متّصفاً بإحدى هذه الصفات لها الخيار في فسخ النكاح، فإن شاءت أقامت معه، وإن شاءت رفعت الأمر للقاضي ليفرّق بينهما، كما سيأتي بيانه في مادة 298.
وقال محمّد: لا يخير الزوج بعيب في الزوجة أصلاً، وتخير هي إذا وجدت زوجها معيباً بواحد من ثلاث: وهي الجنون والجذام والبرص، إذ لا تطيق المقام معه، فيتعذّر عليها الوصول إلى حقها لمعنى فيه، فكان كالجب والعنة، بخلاف ما إذا كان بها عيب؛ لأنّ الزوج قادر على دفعِ الضرر عن نفسه بالطلاق، ويمكنه أن يستمتع بغيرها، وهذا حسن، وغيره يقول: إنّ المستحق بالعقد هو الوطء، وهذه العيوب لا تفوته بل توجب فيه خللاً، فلا يثبتُ الرد.
والجذام هو داء يشقّ الجلد ويقطع اللحم فيتساقط منه، والفعل جذم، على ما لم يسم فاعله، بمعنى أصابه الجذام، وهو مجذوم، ويقال: أجذم.
والبرص: هو بياض شديد مبقع.
وجن الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مجنون، وأجنه الله تعالى فهو مجنون، ولا يقال: مجن، ولا جنه الله تعالى، وإنما يقال: أجنه الله تعالى فهو مجنون.
وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: يثبت الخيار لكل من الزوجين إذا اتّصف صاحبه بالجنون أو الجذام أو البرص، سواء كانت هذه العيوب موجودة قبل العقد أو وجدت بعده، وهذا الخيار ثابت لكل منهما، وإن كان هو معيباً بالعيب الذي قام بصاحبه؛ لأنّ الإنسان يعاف من غير ما لا يعافه من نفسه؛ ولأنّ هذه الأشياء تعاف طبعاً، وأيّد بالشرع، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))، وقيس عليه غيره بجامع النفرة في كلّ.
ويثبت الخيار لوليها بكلّ من العيوب المتقدمة إن قارن العيب العقد، وإن رضيت هي؛ لأنّه يعيَّر بذلك، بخلاف ما إذا وجدت بعد العقد، فإنّه لا يعيّر به.
ويثبت الخيار للزوج إذا وجدَ بزوجته رتقاً أو قرناً، وهما عبارة هو وجود لحم أو عظم في المحل المعلوم.
ويثبت الخيار للزوجة إذا وجدت زوجها مجبوباً أو عنيناً قبل وطء.
فالعيوب ثلاثة أقسام:
قسم مشترك، وهو: الجنون، والجذام، والبرص.
وقسم خاص بالنساء، وهو: الرتق، والقرن.
وقسم خاص بالرجال، وهو: الجبّ والعنّة.
ولا خيار لهما بغير ذلك كخنوثة واستحاضة وقروح سيالة.
وكل هذا عند عدم الشرط، فلو شرط في أحدهما وصف لا يمنع صحة الزواج سواء كان هذا الشرط كمالاً: كالجمال والبكارة والحرية.
أو نقصاً: كضدها.
أو لا كمالاً ولا نقصاً: كالبياض والسمرة.
فإن وجد المشروط فبها، وإن لم يوجد فالعقد صحيح، ويثبت الخيار لمَن شرط من الزوجين إن ظهر الموصوف أقل ممّا شرط، فإن ظهر مثله أو فوقه فلا خيار.
وكذا لا يثبت الخيار لكلّ من الزوجين إن ظنّ أنّ صاحبه متّصف بوصف فبان خلافه، كأن ظنته عدلاً كفؤاً فظهر فسقه، أو دناءة نسبه، أو حرفته، أو ظنها مسلمة، أو حرة، فتبين أنها كتابية أو رقيقة؛ لأنّ كلاً منهما مقصّر بترك البحث أو الشرط.
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: يثبت الخيار لكلّ من الزوجين إذا كان صاحبه معيباً، بشرط أن لا يسبق له علم بالعيب قبل العقد، ولم يرضَ بالعيب حال اطلاعه عليه.
والظاهر أنّ هذا ليس خاصاً بمذهب الإمام مالك، بل يقول به كل مَن يثبت الخيار بالعيوب، فإن علمَ العيب قبل العقد فلا خيار له، وكذا إن رضي بالعيب حال اطلاعه عليه، سواء كان رضاه صريحاً أو ضمناً، بأن تلذّذ بصاحبه بعد اطلاعه على العيب، فلا خيار له، وهذا الخيار ثابت لكلّ منهما، ولو كان هو معيباً بنفس العيب الذي عند صاحبه؛ لأنّ الإنسان يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه.
وبعضهم وهو اللخمي يقول: إن كان معيباً بغير عيب صاحبه فله الخيار، وإن تماثلا في العيب ثبت الخيار له لا لها؛ لأنّه بذل الصداق لسالمة فوجدها ممّن يكون صداقها أقل.
وظاهر كلامهم ترجيح الأول.
وقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:
قسم مشترك بين الرجال والنساء، وهو أربعة: الجنون وإن وقع مرة في الشهر، والجذام، والبرص، والعذْيَطة.
وقسم يختص بالرجال وهو أربعة: الخصاء، والجبّ، والعنّة، والاعتراض.
وقسم يختص بالنساء وهو خمسة: الرتق، والقرن، والعفل، والإفضاء، والبخر.
ومحل ثبوت الخيار لكلّ من الزوجين بالعيوب المتقدّمة إن كانت موجودة وقت العقد، ولم يعلم بها كما تقدم.
فإن حدثت بعد العقد، فإما أن تكون بالزوجة أو بالزوج، فإن كانت بالزوج فلها رده ببرص وجذام وجنون لشدّة التأذي بها، وعدم الصبر عليها، وليست العصمة بيدها حتى تفارقه، وإن كانت بالزوجة فليس له ردّها؛ لأنّ العصمة بيده، فإمّا أن يطلّق أو يرضى.
ولا يثبت الخيار لكل من الزوجين في غير هذه العيوب: كالعمى، والعور، والعرج ممّا يعدّ في العرف عيباً، وكل هذا عند عدم الشرط، فإن وجد اتبع، وله الرد أو لها بكل عيب اشترطت البراءة منه.
وإذا وصفها وليها عند الخطبة بقوله: هي سليمة العينين، طويلة الشعر، لا عيب بها، فوجدت بخلافه فله الرد؛ لأنّ وصفه لها منزل منزلة الشرط، وكذا وصف غيره كأمها بحضوره وهو ساكت.
ولا يثبت الخيار لكل منهما بخلف الظن، فإذا ظنّ أحدهما صاحبه متّصفاً بوصف مخصوص، وتبيّن خلوه منه، فليس له ردّه؛ لأنّ التقصير حاصل من جهته بترك البحث أو الشرط.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: يثبت الخيار لكلّ من الزوجين بالعيب في صاحبه، وقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام أيضاً:
فالمختص بالرجل: الجب، والخصاء، والشلل، والعنة.
ففي الثلاثة الأول لها طلب الفسخ، ومتى ثبت ذلك يجاب للحال؛ لأنّه لا فائدة في التأجيل، وهذا باتّفاق كل المذاهب، وفي العنّة يؤجّل سنة هلالية، فإن حصل المقصود فبها، وإلا يفسخ القاضي بالطلب، وهذا باتّفاق الكل أيضاً.
والمختص الأنثى: انسداد المحل بأي شيء كان، أو بخره، أو تقرحه بقروح سيالة، أو كانت مفضاة، أو مستحاضة في الأصح.
والمشترك بينهما: الجنون ولو أحياناً، والجذام، والبرص، وبخر الفم، والباسور، والناسور، واستطلاق البول والغائط، فيفسخ بكل عيب تقدّم سواء كان مختصاً أو مشتركاً.
ولا يثبت الخيار بغير ما ذكر من العيوب: كالعرج، والعور، والعمى، والخرس، والطرش، والقرع إذا لم تكن له رائحة؛ لأنّ ذلك كله لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه، بخلاف العيوب المتقدمة.
ومحل ثبوت الخيار لكل من الزوجين بالعيوب المتقدمة إذا لم يعلم به وقت العقد، ولم يَزُل بعده، ولم يرضَ به حال اطلاعه عليه، سواء كان رضاه صريحاً؛ كقول مَن له الخيار: أسقطت الفسخ، أو دلالة؛ كالوطء بعد العلم إن كان الخيار له، وتمكينها منه إن كان الخيار لها؛ لأنّ كلا منهما يدلّ على الرغبة في صاحبه، وما ذهب إليه غير الحنفية في باب الرد بالعيوب هو الأوجه. انظر مادة 16(1).
(1) مادة 16 لا يثبت في النكاح خيار رؤية ولا خيار شرط ولا خيار عيب سواء جعل الخيار للزوج أو للزوجة فإذا اشترط الزوج في العقد شفاها أو بالكتابة جمال المرأة أو بكارتها أو سلامتها من العيوب أو اشترطت المرأة سلامته من الأمراض والعاهات فالعقد صحيح والشرط باطل حتى إذا وجد أحدهما صاحبه بخلاف ما اشترط فليس له الخيار في فسخ النكاح وإنما يكون الخيار بشروطه للمرأة إذا وجدت زوجها عنيناً أو نحوه.
[أحكام الزواج]
وأما أحكامه: فهي المترتبة عليه عند حصوله؛ إذ حكم كلّ عقدٍ: هو ما يترتب عليه. فمتى انعقد الزواج مستوفياً كلَّ الشرائط المتقدمة ترتبت عليه الأحكام التي تناسبه، وحينئذٍ:
تثبت الزوجية بين الرجل والمرأة، وتلزم كلاً منهما أحكامه سواء زفت إليه الزوجة أو لم تزف.
فيترتب عليه المهر بالعقد، ولو كان مجرّداً عن الزفاف، فان سميا مهراً وقت العقد وكانت التسمية صحيحة، فهو الواجب، وإن لم يسميا ما لا تصلح تسميته مهراً، فالواجب عليه مهر المثل.
وتلزمه نفقتها بأنواعها الثلاثة، وهي: الكسوة والسكنى والأكل على حسب حال الزوجين إلا إذا كانت ناشزة: أي خارجة عن طاعته بغير حقّ، أو كانت صغيرة بحيث تكون غير صالحة للوطء، ولا للاستئناس بها في بيته، فلا تلزمُه النفقة.
ويترتب عليه أيضاً حل استمتاع كلّ منهما بالآخر بعد أن لم يكن جائزاً قبل العقد.
وتثبت له ولاية التأديب عليها(1).
وتجب عليها طاعته فيما هو مباح شرعاً، فإن أمرها بما ليس كذلك كشرب الخمر أو ترك الصلاة أو الصوم مثلاً، فلا يجب عليها الطاعة، بل الواجب مخالفته فيما ذكر.
وتتقيد بملازمة بيته فلا تخرج بغير حقّ شرعيّ إلا بإذنه، ولها الخروج بحقٍّ شرعيٍّ ولو أبى: كالخروج لزيارة أبويها في كل أسبوع مرّة وباقي المحارم في كلّ سنة مرّة.
ولا تمنعه من الاستمتاع بها بلا عذر شرعيّ، فمعه يجب عليها المنع إذا كانت حائضاً أو نفساء، وكذا إذا لم يوفِّها معجّل مهرها، فلها منعُه من ذلك لأنه إذا لم يقم بحقوقها، فلها منعُه من حقوقه.
(1) كما هو ثابت في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النساء:34]
ويترتب عليه أيضاً ثبوت حرمة المصاهرة: وهي حرمة الزوجة على أصول الزوج وفروعه سواء دخل بها أو لم يدخل، وحرمة أصول الزوجة على الزوج دخل أو لم يدخل وحرمة فروعها عليه إن دخل بها.
ويترتب عليه أيضا ثبوت الإرث من الجانبين فإذا مات الرجل بعد العقد على المرأة أو ماتت هي ولو قبل الدخول ورث الحي منهما المتوفّي. أنظر المادة (17)(1)
[أحكام العقد الفاسد]
ومتى انعقد الزواج غير صحيح بأن فقد شرطاً من الشروط التي عرفتها ممّا تقدّم:
فلا تثبت الزوجية ولا تترتب عليه الأحكام.
فيلزمهما أن يفترقا؛ لأن كلاً من المتعاقدين يجب عليه عدم الإمضاء في العقد الفاسد، فإذا لم يفترقا وَجَبَ على القاضي التفريقَ بينهما؛ لأنه نصب ناظراً للمصالح الدينية والدنيوية.
(1) مادة 17 ) متى انعقد النكاح صحيحاً ثبتت الزوجية، ولزم الزوج والزوجة أحكامه من حين العقد ولو لم يدخل بالمرأة فيجب عليه بمجرّد العقد مهر مثلها إن لم يكن سمى لها مهراً وتلزمه نفقتُها بأنواعها ما لم تكن ناشزة أو صغيرة لا تطيق الوطء ولا يستانس بها في بيته . ويحل استمتاع كل منهما بالاخر ويثبت له ولاية التأديب عليها، وتجب عليها طاعته فيما كان مباحاً شرعاً، وتتقيد بملازمة بيته ولا تخرج بغير حقٍّ شرعيٍّ إلا بإذنه ولا تمنعه من الاستمتاع بها بلا عذر شرعي بعد إيفائها معجّل مهرها، وتثبت حرمة المصاهرة، ويثبت الإرث من الجانبين إلى غير ذلك من أحكام النكاح.
ولا تثبت به حرمة المصاهرة فلا تحرم المرأة على أصول الرجل وفروعه ولا تحرم عليه أصولها وفروعها، ولكن محلّ عدم حرمة المصاهرة إن تركَها أو فرَّقَ القاضي بينهما قبل الوطء أو ما يقوم مقامه: وهو اللمس والنظر بشهوة(1)، فان حَصَلَ ما ذُكِرَ بعد واحد من هذه الأشياء ثبتت حرمة المصاهرة المتقدّمة كما ستعرفُه في مادة (24).
ولا يتوارث به الزوجان فإذا مات أحدُهما ولو بعد الدخول، فلا يرثه الآخر؛ لأن التوارثَ إنما يكون بعد العقد الصحيح لا الفاسد.
ولا يلزم الزوج المهر المسمّى في العقد ولا مهر المثل إن لم تكن هناك تسمية إن حصل التفريق قبل الوطء أو فض البكارة إن كانت بكراً، فإن كان بعد واحد منهما لزمه مهر المثل؛ لأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عُقر: بالضم وهو المهر، أو عَقر: بالفتح وهو الحد، وقد انتفى الثاني لوجود الشبهة، وهو العقد، فيجب الأول. انظر مادة (1)(2).
الباب الثالث
في موانع النكاح الشرعية
وبيان المحللات والمحرمات من النساء
(1) الحدُّ المعتبرُ في حقِّ الشيخ والعنين الاشتهاءُ والتلذُّذ، وأما في الشبّان يعتبرُ انتشار الذكر إن لم يكن موجوداً قبله، وإن كان فالمعتبرُ زيادتُه، وهذا كلُّه إنِّما يُحَرِّمُ إذا لم يُنْزل، فإن أنْزلَ بالمسّ، أو النظر فلا حرمةَ؛ لأنّه بالإنْزال تبيَّن أنّه غيرُ مفضٍ إلى الوطء. ينظر: ((عمدة الرعاية))(2: 12)، و((المبسوط))(4: 208)، و((العناية))(3: 130).
(2) مادة 18) كلّ عقد نكاح لم تحضره الشهود أو فقد شرطاً آخر من شروط الصحة فهو فاسد لا تترتب عليه أحكام النكاح ويجب التفريق بين الزوجين إن لم يفترقا، ولا تثبت به حرمة المصاهرة إذا وقع التفريق أو المتاركة قبل الوطء أو ما يقوم مقامه، ولا يتوارث فيه الزوجان وإذا لم يسم الزوج مهراً للمرأة وقت العقد فلا يلزمه مهر مثلها إلا بعد إتيانها في القُبل أو فض بكارتها إن كانت بكراً.
لما كانت من بنات آدم من أخرجها الله تعالى عن محلية الزواج بالنسبة إلى بعض بني آدم سواء كان هذا الإخراج دائميا أو مؤقتاً بوقت مخصوص أفرد الفقهاءُ له باباً على حدَّته، وبيَّنوا فيه أسباب التحريم فمتى وُجِدَ سببٌ منها حَرُمَ التزوُّجُ، ومتى انتفى السبب حلَّ.
ولكن لا يجوز للرجل أن يجمع في عصمته من المحللات ما شاء من العدد بل يقتصر على أربع نسوة في عصمته سواء كان تزوجهنَّ في عقود متفرِّقة كما إذا تزوَّج كلّ شهر مثلاً واحدة أو في عقد واحد بأن وكَّلَ أربعُ نسوةٍ رجلاً في أن يزوجهنَّ لفلان فقال: هذا الوكيل للرجل زوجتك موكلاتي فلانة وفلانة… الخ، فقَبِلَ الرجلُ صحَّ هذا العقد بالنسبة إلى الجميع إذا لم يكن متزوجاً بغيرهن، فقد حصل في هذا المثال تزوُّج أربع في عقد واحد ويمكنك الاتيان بعدة أمثلة.
والدليل على أن الرجل لا يجوز له إلا تزوج أربع قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}(1) والنصّ على العدد يمنع الزيادة عليه.
وقال القاسم بن إبراهيم: يجوز التزوج بالتسع؛ لأن الله تعالى أباح نكاح ثنتين بقوله: {مَثْنَى} ثم عطف عليه {ثُلاثَ وَرُبَاع} بالواو، وهي للجمع فيكون المجموع تسعاً، ومثله عن النخعي وابن أبي ليلى.
وقال بعض الشيعة والخوارج: يجوز ثماني عشرة امراة؛ لأن قولَه: {مَثْنَى} يفيد التكرار؛ لكونه معدولاً به عن اثنين اثنين مكرراً، وكذلك {ثُلاَثَ وَرُبَاع} وأقل التكرار مرّتان، فيكون ثماني عشرة.
وبعض النّاس يقول: إن للرجل أن يتزوَّج ما شاء من العدد؛ لأن {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع} يفيد التكرار من غير حصر.
(1) من سورة النساء، الآية(3).
وهؤلاء خرقوا الإجماع؛ لأن الأمة أجمعت على أنه لا يجوز أكثر من أربع، ولا حجّة لهم فيما ذُكِرَ؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً كما تقول: رَكِبَ القومُ دوابَّهم(1). والواو بمعنى: أو(2).
(1) حاصله أنّه قد تقرَّر في مقرِّه أنّ مقابلةَ الجمعِ بالجمع تقتضي انقسامَ الآحادَ على الآحاد، كقولهم: ركبوا دوابّهم، بمعنى أنّ كلّ واحدٍ ركبَ دابَّته، ومقابلةُ الجمعِ بالمثنى لا تقتضي ذلك كقولهم: لبسوا ثوبين، فإنّ معناه: إنّ كلّ واحدٍ منهم لبسَ ثوبين ثوبين. ينظر: ((عمدة الرعاية)).
(2) هذه الأقوال مع دلائلها مذكورة في ((التبيين))(2: 112-113)، وفيه تفصيل في ذكر الرد يرفع إيهام عبارة المصنف، وهذا التفصيل هو: لأن كلمة مثنى وثلاث ورباع وإن كانت تقتضي التكرار لكن تفيد تكرار الناكح; لأن الخطاب للجمع والواو بمعنى أو فلا تفيد الجمع، فصار نظير قوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}[فاطر: 1] ليس معناه أن لكل واحد منهم تسعة أجنحة أو ثمانية عشر أو إلى ما لا يتناهى، وإنّما معناه أن لطائفة منهم اثنين اثنين ولطائفة أخرى ثلاثاً ثلاثاً ولطائفة أخرى أربعاً أربعاً، ولهذا لو قال اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثاً ثلاثاً يفهم منه أن كل واحد منهم يصيبه درهمان أو ثلاث, ولا يفهم أن كلّ واحد منهم يأخذ درهمين درهمين مراراً, وإنما أتى بلفظ ينبئ عن التكرار ليستقيم هذا المعنى ألا ترى أنه لو قيل اقتسموا هذا المال درهمين ليس له معنى فكذا هذا.
وحجة الإجماع ما صحّ أن النبي ( فرَّقَ بين غيلان الثقفي ( وبين ما زاد على الأربع من النسوة حين أسلم وتحته عشرة نسوة(1) وغيره(2) ممن أسلم وهو متزوج أكثر من أربع، ولم يُنْقَلْ عن أحد في زمن النبي ( ولا بعده إلى زماننا هذا أنه جَمَعَ بين أكثر من أربع نسوة بالزواج.
ولو كان المعنى كما زعموا لَمَا كان لذكر {ثُلاَثَ وَرُبَاع} معنىً؛ لأن {مَثْنَى} يفيد التكرار لا إلى نهاية وحصر، وكلام الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن التكرار وعدم المعنى، وهذا إذا كان الرجلُ حراً.
فلو كان رقيقاً فلا يجوز له إلا تزوُّج اثنتين وهو قول سيدنا عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف (؛ لأن الرقَّ منصفٌ للنعمة، فيَتَنَصَّفُ العددُ ... المباحُ للحرّ بالنسبة للزواج.
ومع هذا فالأحسن لمَن خافَ عدم العدل بين الزوجات أن لا يتزوَّجَ إلا واحدة لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}(3). انظر المادة (19)(4).
(1) فقال له ( : (أمسك أربعاً وفارق سائرهن) في صحيح ابن حبان9: 465، وجامع الترمذي 3: 435، والمستدرك 2: 209-210، وسنن البيهقي الكبير7: 181، ومسند الشافعي 274، وفي المعجم الكبير 12: 315 وسنن ابن ماجة 1: 628، ومسند أحمد2: 13: (اختر منهن أربعاً).
(2) كقيس بن الحرث ( قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ( فقلت ذلك له، فقال: (اختر منهن أربعاً) في سنن ابن ماجة 1: 628، واللفظ له، وسنن سعيد بن منصور 2: 46، سنن الدارقطني3: 270 ، وسنن البيهقي الكبير7: 149، وغيرها.
وفي مسند الشافعي(274) وسنن البيهقي الكبير7: 184 عن نوفل بن معاوية (، قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال النبي (: (أمسك أربعاً وفارق الأخرى).
(3) من سورة النساء: الآية(3).
(4) مادة 19 ) يجوز للحر ان يتزوج اربع نسوة في عقد واحد او في عقود متفرقة .
فمتى كان هذا العدد بالنسبة للحرّ والعبد محلاً للعقد صحّ الزواج، وإن كان غير محلّ له بأن كانت المرأة محرّمة على مَن يريدُ التزوُّج بها لأي سبب كان العقد فاسداً. أنظر مادة (20)(1).
أسباب التحريم
وأسباب تحريم المرأة على الرجل تنقسم إلى قسمين: مؤبدة، ومؤقتة.
فالمؤبدة تنحصر في ثلاثة أنواع:
الأول: المحرمات بسبب النسب.
الثاني: المحرمات بسبب المصاهرة.
الثالث: المحرمات بسبب الرضاع.
والمؤقتة تنحصر في خمسة أنواع:
النوع الأول: حرمة الجمع بين المحارم.
الثاني: حرمة الجمع بين الأجنبيات زيادة على أربع.
الثالث: عدم الدين السماوي.
الرابع: التطليق ثلاثاً.
الخامس: تعلق حقّ الغير بزواج أو عدة.
(1) مادة 20 ) يشترط لصحة النكاح أن تكون المرأة محلاً له غير محرمة على مَن يريد التزوج بها.
والأصل في هذا قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيل. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما. وَالمُحْصَنَات مِنَ النِّسَاء}(1). وآيات أخرى سترد عليك. انظر مادة (21)(2)، ولنذكر لك كلاً منها على حدته فنقول:
المحرمات بسبب النسب
يحرم بالنسب أنواع أربعة:
الأول: أصول الشخص.
الثاني: فروعه ولو بعدت الوسائط.
الثالث: فروع بوية وإن نزلوا.
الرابع: فروع أجداده وجداته إذا انفصلوا بدرجة واحدة.
فيحرم عليه بالأول والثاني: أمّه وجدّته وإن علت سواء كانت من جهة الأم أو من جهة الأب، وبنته وبنت بنته وبنت ابنه وإن نَزَلت كل منهما؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}، ولا يقال: إن النصّ قاصرٌ على الأم والبنت فلا يتناول الجدّة ولا بنت البنت ولا بنت الابن فلا تحرم كل منهن.
(1) من سورة النساء، الآيات(22-24).
(2) مادة 21 ) اسباب التحريم قسمان مؤبدة ومؤقتة فالمؤبدة هي القرابة والمصاهرة والرضاع والمؤقتة هي الجمع بين محرمين والجمع بين الاجنبيات زيادة على اربع وعدم الدين السماوي والتطليق ثلاثا وتعلق حق الغير بنكاح او عدة .
لأنّا نقول: إن الجدات أمهات إذ الأم معناها في اللغة: الأصل، والبنت: الفرع، قال الله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}(1): أي أصله. وقال (: (الخمر أم الخبائث)(2): أي أصلها وعلى هذا تكون حرمة من ذُكِرَ ثابتة بهذه الآية.
أو نقول: ثبتت حرمة الجدات وبنات الأولاد بالإجماع.
أو نقول: ثبتت حرمتهن بدلالة النصّ؛ لأن الله تعالى حرَّمَ العمات والخالات وَهُنَّ أولاد الجدات فهن أقرب من أولادهن فيحرمن من باب أولى، وكذا حَرَّمَ بناتَ الأخ وبنات الأخت ولا شكّ أن بنات الأولاد أقرب منهن، فكن أولى بالتحريم؛ لأن الحكمة في تحريم هؤلاء:
تعظيم القريب وصونه عن الاستخفاف؛ لأن في الاستفراش استخفافاً به، وتعظيمه واجب شرعاً.
ولأن تزوجهنّ يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن التزوُّجَ لا يخلو من مباسطات تجري بين الزوجين، فيكون ذلك بسبب جريان الخشونة بينهما، فيفضي إلى قطع الرحم، فيمنع منه أصلاً، فكلّ مَن كان أقرب، فهو أولى بالمنع.
ويحرم عليه بالثالث والرابع: أخته وبنتها وبنت أخيه وإن نزلت درجتُهما وعمّته وعمّة أصوله وخالته وخالة أصوله؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: {وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}.
ويشمل النصُّ الأخت لأبوين أو أب أو لأم، وبنت كلٍّ منهنّ.
ويشمل أيضاً: بنت الأخ الشقيق أو لأب أو لأم.
وكذلك يشمل العمات والخالات المتفرقات؛ لأن الاسم يشمل الجميع.
وكذا يدخل في العمات والخالات بطريق الحقيقة عمّة الأب والجدّ وإن علا وخالة كلّ منهما، وعمّة الأمّ والجدّة وان علت وخالة كل منهما.
فإذا علمت ما تقدم تعلم أن بنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات تحلّ.
(1) من سورة آل عمران، الآية(7).
(2) في سنن الدارقطني 4: 247، والمعجم الأوسط4: 81، ومسند الشهاب 1: 68 بسند حسن كما في كشف الخفاء 1: 459.
وليست الحرمة والحلّ المتقدمان قاصرين على المذكر، بل يشملان المذكر والمؤنّث فكما يحرمُ على الرجل أن يتزوَّجَ بأصوله وفروعه من الإناث يحرمُ كذلك على المرأة التزوَّج بأصولها وفروعها من الذكور، وكما يحرمُ على الرجل أن يتزوّج بنات أخواته وأخوته يحرمُ على المرأة التزوّج بأبناء أخواتها وإخوتها وهكذا، وكما يحل للرجل بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات يحلّ للمرأة أبناء الأعمام والعمات… الخ. أنظر مادة (22)(1) .
المحرمات بسبب المصاهرة
ويحرمُ بالمصاهرة أنواع أربعة أيضاً:
الأول: فرع زوجته المدخول بها.
الثاني: أصول زوجته.
الثالث: زوجة فروعه وإن سلفوا.
الرابع: زوجة أصوله وإن علوا.
فبالأول: يحرم على الرجل أن يتزوَّج بنت زوجته التي دخل بها؛ لقوله تعالى في الآية السالفة {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}؛ لثبوت قيد الدخول سواء كانت في حجره أو حجر غيره:
لأن ذكر الحجور في الآية خَرَجَ مخرجَ العادة لا الشرط؛ إذ العادة أن المرأة إذا تزوَّجت كانت لها بنت تأخذها معها إلى منزل زوجها وحينئذ تكون في حجره.
(1) مادة 22) يحرم على الرجل أن يتزوَّجَ من النَّسب أمه وجدته وإن علت وبنته وبنت بنته وبنت ابنه وإن سفلت، وأخته وبنت أخيه وإن سفلت، وعمّته وعمّة أصوله وخالته وخالة أصوله، وتحلّ له بنات العمات والأعمام وبنات الخالات والأخوال، وكما يحرم على الرجل أن يتزوج بمَن ذُكِرَ يحرمُ على المرأة التزوج بنظيره من الرجال، ويحل للمرأة أبناء الأعمام والعمات وأبناء الأخوال والخالات.
ويجوز أن يكون ذكر الحجر للتشنيع عليهم بذكر قبيح فعلهم لا لتعلق الحكم به، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَة}(1)، وقوله: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً}(2).
ويدلك على هذا أنه اكتفى في الإحلال بنفي الدخول في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، ولو كان الحجر شرطا لَمَا اكتفى بنفي الدخول، بل كان يقول: فان لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم فلا جناح عليكم.
وبعضهم(3) يقول: لا تَحْرُمُ بنت الزوجة إلا إذا دَخَلَ الزوج بأمّها وكانت في حجره، مستدلاً بظاهر هذه الآية، وقد عرفت الجواب عنه.
ويشترط في التحريم بالدخول أن يكون هو مشتهي وهي مشتهاة أيضاً بأن كانا بالغين أو مراهقين، فإن كان كل منهما غير مشتهى وقته، أو كان هو مشتهى وهي غير مشتهاة، أو بالعكس وحصلت الفرقة بينهما فلا يثبت التحريم ولو بعد الدخول، فإذا تزوَّجَ صغيرةً لا تشتهى فدخلَ بها وطلَّقَها وانقضت عدتها فتزوَّجت بغيره وأتت منه ببنت جازَ للأول التزوُّجَ ببنتها؛ لعدم الاشتهاء، ومثله ما إذا تزوَّج صغيرٌ امراةً مشتهاةً ودخلَ بها وافترقا قبل اشتهائه، وكان لها بنت جازَ له التزوج بها.
وبنت خمس لا تكون مشتهاة اتفاقاً، وبنت تسع فصاعداً مشتهاة اتفاقاً، وفيما بين الخمس والتسع اختلاف الروايةِ والمشايخِ، والأصح أنها لا تثبت الحرمة(4)
(1) من سورة آل عمران، الآية(130).
(2) من سورة النساء، الآية (6).
(3) أي الظاهرية ينظر: المحلى 9: 140-141.
(4) اختلفوا في حدّ المشتهاة على قولين:
الأول: إن ما دون تسع سنين ليست بمشتهاة، وبنت التسع قد تكون مشتهاة وقد تكون لا. وبه أفتى أبو الليث، وبه يفتى كما ذكر برهان الشريعة وصدر الشريعة في ((شرح الوقاية))(ص285)، وصاحب ((الملتقى))(ص50)، و((الدر المختار))(2: 282)، و((فتح باب العناية))(2: 15)، وصححه صاحب ((المعراج)).
والثاني: إن بنت خمس لا تكون مشتهاة اتفاقاً، وبنت تسع فصاعداً مشتهاة اتفاقاً، وبنت ثمان، أو سبع، أو ست إن كانت ضخمة مشتهاة وإلاَّ فلا. قاله أبو بكر محمد بن الفضل. قال الشمني: وعليه الفتوى. وينظر: ((التبيين))(2: 108-109)، و((الفتح))(3: 223)، و((البحر))(3: 107)، و((مجمع الأنهر))(1: 328)، و((رد المحتار))(2: 283).
، والذي حقَّقه ابن عابدين(1) في الغلام: أنه يكون مراهقاً إذا بلغ سنة اثنتي عشرة سنة.
ومثل هذا ما إذا وقعت الفرقةُ بينهما قبل الدخول بأن ماتت المرأة أو طلَّقَها قبله فلا تحرم عليه بنتها لاشتراط الدخول في الآية، ولم يوجد.
وبالثاني: يحرمُ على الرجل أن يتزوَّجَ أمّ زوجته وجدتها من أي جهة كانت سواء دخل بزوجته أو لم يدخل؛ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}، ولم يشترط الدخول كما اشترطه في البنت، ولفظ الأمهات: يشمل الجدات كما عرف ذلك مما تقدم.
وبالثالث وبالرابع: تحرمُ زوجة أبيه وزوجة ابنه وإن بعد الأب والابن بأن كان أب الأب أو أب الأم أو أب أم الأب(2) وإن علا، أو كان ابن الابن وان سفل.
أما حرمة زوجة الأصل؛ فلقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء}، ولفظ الآباء يتناول الآباء والأجداد.
وأمّا حرمة زوجة الفرع؛ فلقوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ}، وذكر الأصلاب؛ لإسقاط اعتبار التبني لا لإحلال حليلة الابن من الرضاع، ولفظ الأبناء يتناول أبناء الأولاد وان سلفوا.
(1) ينظر: رد المحتار 6: 153-154.
(2) في الأصل: أبا الأب أو أبا الأم أو أبا أم الأب.
ولا يشترط في التحريم دخول الفرع والأصل بالزوجة؛ لإطلاق النصّ، ولكن محلّ الإطلاق إذا كان العقد صحيحاً، فلو فاسداً لم يثبت التحريم إلا بالدخول، أو ما يقوم مقامه، فالذي عُلِمَ ممّا تقدَّمَ أن الزوجةَ تحرُمُ على أصول الزوج وعلى فروعه ويحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها فقط، وأما فروع الزوجة وأصولها فلا تحرم على أصول الزوج وفروعه، فيجوز أن يتزوَّج ابنه أو أبوه أمها أو بنتها من غيره. أنظر مادة (23)(1).
وأبو حنيفة يقول: مَن زنى بامرأة أو لمسَها أو نظرَ إلى العضو المخصوص منها بشهوة ترتبت حرمات المصاهرة، فيحرم على الزاني التزوُّج بفروع المزني بها وأصولها، وتحرمُ المزنيّ بها على أصول الزاني وفروعه، ولا تحرم على أصول الزاني وفروعه أصول المزنيّ بها ولا فروعها، فيجوز لابن الزاني أن يتزوج أمّ مزنية أبيه وبنتها، ويجوز لأبى الزاني التزوّج بأم المزني بها وبنتها متبعاً في ذلك سيدنا عمر وعمران بن الحصين وجابر بن عبد الله وأبى بن كعب وعائشة وابن مسعود وابن عباس ( وجمهور التابعين.
(1) مادة23) يحرم على الرجل أن يتزوَّجَ بنت زوجته التي دخَلَ بها وهو مشتهى وهي مشتهاة سواء كان في نكاح صحيح أو فاسد، فان دخلَ بها وهو غير مشتهى أو هي غير مشتهاة، أو ماتت قبل الدخول أو طلقَها ولم يكن دخل بها فلا تحرم عليه بنتها. وتحرم عليه أمّ زوجته بمجرد العقد الصحيح عليها وإن لم يدخل بها وزوجة فرعه وإن سفل وأصله وإن علا، ولو لم يدخل بها في النكاح الصحيح.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء} بناءً على أن النكاح هو الوطء حقيقة؛ ولهذا حَرُمَ على الابن ما وَطِئَ أبوه بملك اليمين، وبقوله (: (ملعون من نظر إلى فرج امرأة وبنتها)(1)، وبقوله (: (من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمّها ولا ابنتها)(2).
وقال الشافعي: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة. واستدل بقوله (: (لا يحرم الحرام الحلال)(3)؛ ولأنها نعمة فلا يكون المحظور سبباً في زوالها، ولأن الزنا لو كان مؤثراً لحلل المزني بها للمطلق ثلاثاً. ومذهب الإمام الشافعي هو الظاهر. أنظر مادة (24)(4).
المحرمات بسبب الرضاع
(1) في مصنف عبد الرزاق 7: 194: عن عمرو بن دينار قال سمعت وهب بن منبه يقول في التوراة: ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها.
(2) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 481، وضعفه البيهقي في سننه الكبير 7: 169.
(3) في سنن ابن ماجه 1: 649، والمعجم الأوسط 5: 105، 7: 183، وسنن البيهقي الكبير 7: 168، وضعفه الكناني في مصباح الزجاجة 2: 123، والهيثمي في مجمع الزوائد 4: 268.
(4) مادة 24) يحرم على الرجل أن يتزوج أصل مزنيته وفرعها، وتحرمُ المزني بها على أصوله وفروعه ولا تحرم عليهم أصولها وفروعها.
يحرم بالرضاع كلُّ مَن يحرمُ بالنسب والمصاهرة، وهن: أمّه، وبنته، وأخته، وبنات أخوته، وأخواته، وعمته، وخالته، وأمّ امرأته وبنتها، وامرأة أبيه، وامرأة ابنه، كلّ ذلك يحرم من الرضاع كما يحرم من النسب والمصاهرة؛ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}، وهذه الآية وإن لم ينص فيها إلاّ على الأمّ والأخوات من الرضاعة، ولكن ثبتت حرمة الباقي بقوله (: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(1).
فلو أرضعت امرأة صبياً:
حرم عليه زوجة زوج المرضعة الذي نَزَل لبنُها منه؛ لأنها امرأة أبيه من الرضاعة.
ويحرم على زوج المرضعة امرأة هذا الصبي؛ لأنها امرأة ابنه من الرضاعة.
وحرم على هذا الصبي أيضاً بنات المرضعة وبناتهن؛ لأنهن أخواته وبنات أخواته، وهكذا الباقي.
وهناك مسائل مستثناة من عموم هذا الحديث ووجه الاستثناء أن المعنى الذي لأجله حرم في النسب ليس موجوداً فيها، فمن هذه المسائل:
أمّ أخيه رضاعاً فإذا أرضعت امرأة صبياً، وكان لها ابن من النسب يجوز لابنها أن يتزوج بأمّ الصبي الذي رَضَعَ من أمّه مع أنها أمّ أخيه رضاعاً؛ لأن أم الأخ من النسب إنّما حرمت؛ لكونها أمّه إن كانا شقيقين أو زوجة أبيه إن كان لأب، وهذا المعنى منتف في الرضاع.
ومنها: أخت ابنه رضاعاً، فإذا أرضعت امرأة ولداً، ولهذا الولد أخت لم ترضع من تلك المرآة، يجوز لزوج المرأة أن يتزوج أخت ذلك الولد الذي هو ابنه من الرضاع؛ لأن أخت الابن من النسب إنّما حرمت لأنها أم(2) ابنته أو بنت زوجته المدخول بها، وهذا المعنى منتف في الرضاع.
(1) في صحيح البخاري 2: 935، وصحيح مسلم2: 1072، ولفظه: عن بن عباس (، قال قال النبي ( في بنت حمزة: (لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب هي بنت أخي من الرضاعة)، وصحيح ابن حبان 10: 36، ومسند أي عوانة 3: 115، وجامع الترمذي 3: 452، وغيرها.
(2) في الأصل: أما.
وأما أخت الأخ فإنّها تحل نسباً فرضاعاً من باب أولى، فإذا كانت لامرأة بنت، وتزوَّجت هذه المرأة بغير أبى البنت ورزقت منه بابن، وكان لهذا الرجل ابن من غير تلك المرأة جاز لهذا الابن أن يتزوج تلك البنت مع أنها أخت أخيه من النسب، وسيأتي لك زيادة إيضاح في باب الرضاع.
وإنّما كانت حرمة من ذكر مؤبدة: أي لا تحل أصلاً؛ لأن سبب الحرمة موجودٌ على الدوام فمتى ثبتت الأمومة أو زوجية الأصل أو الفرع فلا تنفك ما داما موجودين، بخلاف ما يأتي؛ لأن سبب الحرمة قد يزول فالحرمة ثابتة ما دام السبب موجودا،ً فان زال زالت الحرمة وثبت الحلّ كزوجة الغير مثلاً، فإنّها تحرم ما دامت هذه الزوجية قائمةً فإن زالت الزوجية زالت الحرمة بعد انقضاء العدة، وثبت الحل. أنظر مادة (25)(1).
الجمع بين محرمين
يحرمُ على الرجل أن يجمعَ بين الأختين فإذا كانت امرأة في عصمته فلا يجوز له أن يتزوَّج أختها، وكذلك إذا طلَّقَها ولم تنقض عدّتها سواء كان الطلاقُ رجعياً أو بائناً؛ لأن آثارَ الزواج باقية ما دامت العدة، فإذا انقضت العدّة جاز له التزوُّج بأختها، ومثل أخت الزوجة: عمّتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها فلا يجوز له أن يتزوّج على مَن في عصمته أو في عدّته عمّتها ولا خالتها ولا بنت أخيها ولا بنت أختها؛ لقوله تعالى في الآية السالفة: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}، وسرى حكمهما إلى كل امرأتين أيّتُهما فُرِضَت مُذَكَّراً حَرُمَتْ الأخرى عليه بعلّة قطعية الرحم سواء كان في النسب أو الرضاع:
كالجمع بين المرأة وعمّتها.
أو المرأة وخالتها.
أو بنت أخيها.
أو بنت أختها.
لأننا إذا قدرنا المرأة مُذَكَّراً حرمت عليه عمّته، ولو قدرنا العمّة مُذَكَّراً حَرُمَ عليه تزوّج بنت أخيه.
(1) مادة 25) كلّ مَن تحرم بالقرابة والمصاهرة تحرمُ بالرضاع إلا ما استثنى من ذلك في باب الرضاع.
ولو قدرنا المرأة في الثاني مُذَكَّراً حَرُمَ عليه تزوّج خالته ولو قدرنا الخالة مُذَكَّراً حرُمَ التزوّج ببنت أخته.
ولو قدرنا المرأة مُذَكَّراً في الثالث حَرُمَ عليه التزوج ببنت أخيه ولو قدرنا بنت الأخ مُذَكَّراً حَرُمَ عليه تزوج عمّته وهكذا.
وقد ثبت هذا أيضا بقوله (: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)(1)، وهذا الحديث فيه تكرار الحكم الواحد بصفتين مختلفتين في موضعين؛ لأن المراد من قوله: (لا تنكح المرأة على عمتها) هو أن لا يجمع بينهما في النكاح، ثمّ الجمع بين المرأة وعمّتها هو عين الجمع بينها وبين بنت أخيها، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها هو عين الجمع بينها وبين ابنة أختها، وفائدته: إزالة الإشكال؛ لأنه رُبّما يظنّ ظانٌ أن نكاح ابنة الأخ على العمّة لا يجوز ونكاح العمّة على ابنة الأخ يجوز؛ لتفضيل العمّة كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويجوز نكاح الحرة على الأمة، فبَيَّنَ النبي ( ثبوت هذه الحرمة من الجانبين لإزالة الأشكال.
وينشأ عن الأصل الذي عرفتَه حرمةُ الجمع بين العمّتين أو الخالتين؛ لأنه إذا فرضت واحدة منهما مُذَكَّراً حَرُمَت الأخرى عليه، وذلك أن يتزوج كلٌّ من الرجلين أمّ الآخر فيولد لكلٍّ منهما بنت فتكون كلّ من البنتين خالة للأخرى.
(1) في صحيح البخاري 5: 1965، وصحيح مسلم 2: 1029 بدون زيادة: ولا على ابن اختها … الخ. وفي جامع الترمذي 3: 433 وسنن أبي داود 2: 224: عن أبي هريرة أن رسول الله ( (نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها أو المرأة على خالتها أو الخالة على بنت أختها ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولفظ: (فإنكم إذا فعلم ذلك قطعتم أرحامكم) في المعجم الكبير 13: 337. وينظر: نصب الراية 3: 169.
وإنّما قالوا في القاعدة المتقدّمة: أيّتُهما فُرِضَتْ مُذَكَّراً حَرُمَت عليه الأخرى؛ لأنه لو جاز تزوُّجُ إحداهما على تقدير مثل المرأة وبنت زوجها أو امرأة ابنها، فإنه يجوز الجمع بينهما عند الأئمة الأربعة، وقد جمعَ عبد الله بن جعفر بين زوجة عليّ وبنته ولم ينكر عليه أحد.
وبيان ذلك أنه لو فُرِضَت بنت الزوج مُذَكَّراً بأن كان ابن الزوج لم يجز له أن يتزوَّج بها؛ لأنها زوجة أبيه، ولو فرضت المرأة مُذَكَّراً لجاز له أن يتزوّج ببنت الزوج؛ لأنها بنت رجل أجنبي.
وكذلك بين المرأة وامرأة ابنها، فإن المرأة لو فُرِضَت مُذَكَّراً لحرم عليه التزوج بامرأة ابنه، ولو فرضت امرأة الابن مُذَكَّراً لجاز له التزوّج بالمرأة؛ لأنه أجنبيّ عنها، ومن باب أولى ما إذا انتفت الحرمة من بين الجانبين: كالجمع بين بني العمّ أو امرأتين لا علاقة بينهما أصلاً، فإنك لو قدرت أيّتُهما مُذَكَّراً لم يحرم عليه التزوّج بالأخرى فيجوز الجمع بينهما.
وبما أن المُحَرَّمَ إنّما هو الجمع بينهما فإذا وقعت الفرقة بين الرجل والمرأة المانعة بأي سبب كان جاز له أن يتزوج بأختها أو غيرها من المحارم اللاتي لا يجوز له الجمع بينهما؛ لأنه والحالة هذه لا يصدق عليه أنه جمع بين محرمين؛ لأنه ليس في عصمته إلا واحدة.
فلو كانت الفرقةُ بموتها جاز له في الحال التزوّج بالأخرى لعدم العدّة.
وإن كانت بطلاق فإن كان رجعياً فلا يجوز له التزوّج بالثانية إلا بعد انقضاء العدّة بالاتفاق.
وان كان بائنا فعند أبى حنيفة ( هو كالرجعي، وقال الشافعي(1) (: له التزوج بالثانية، ولو في العدّة. واستدلّ الشافعي بأن القاطع وهو الطلاق موجودٌ على الكمال إذ ليس فيه شائبة الرجوع كما في الرجعي، فلا بُدّ من إعماله، وإعمال القاطع وهو الطلاق الكامل يقتضي القطع بالكلية فيثبت الحكم بقدر دليله.
(1) ينظر: النكت في المسائل المختلف فيها 55.
وقال أبو حنيفة (: لا نُسَلِّم انقطاع النكاح بالكلية؛ لأن النكاح الأوّل قائمٌ لبقاء بعض أحكامه: كالنفقة والمنع عن الخروج والفراش، وهو صيرورة المرأة بحال لو جاءت بولد يثبت نسبه منه، وهذه كذلك ما دامت في العدّة ولا خلاف في أن هذه الأشياء مترتبة على النكاح فلو لم يكن النكاح قائماً حال العدّة تخلف الحكم عن علّته، وهو باطل، وإذا كان النكاح قائماً كان عمل القاطع متأخراً كما في الطلاق الرجعي، ولهذا بقي القيد فلو جاز نكاح الأخت في العدّة لَزِمَ الجمعُ بين الأختين، وهو حرام.
ومثل البائن: الخلع، فانه طلاق بائن وإن كان مختصاً ببعض أحكام ستأتي في بابه، فإذا قال رجل لامرأته: خالعتك في نظير عشرين جنيهاً مثلاً وقبلت وقع الطلاق البائن، ولزمها المال المسمَّى، وحصلت الفرقة بينهما بالخلع، فإذا أراد أن يتزوَّج بأختها مثلاً في العدّة، فهو على الخلاف المتقدم بين أبى حنيفة ( والشافعي (.
ومثله: ما إذا وقعت الفرقة بينهما بالفسخ لا بالطلاق، كأن زوَّجَ رجلٌ أختَه لآخر وهي صغيرة، وكان الزوج كفؤاً ودفع لها مهر المثل، فإن هذا التزوج صحيح نافذ غير لازم، فلها أن تفسخ هذا العقد عند بلوغها فإذا حصل هذا بعد الدخول فقد وقعت الفرقة بين الزوجين بسبب الفسخ، وعليها العدّة فإذا أراد زوجُها العقدَ على عمّتها مثلا يجوز له ذلك ما دامت إمراه في العدّة.
ويشترك الطلاق والفسخ في حصول الفرقة بين الزوجين، ولكن الطلاق ينقص العدد بخلاف الفسخ فإذا فرض في المثال المذكور أنّها تزوجته ثانياً ولم يكن طلّقها أصلاً ملك عليها ثلاث طلقات بخلاف ما إذا أوقع على زوجته طلاقاً وردها إلى عصمته بعده، ولم يكن وقع عليها سوى هذا الطلاق، فلا يملك عليها إلا طلقتين. انظر مادة (26)(1).
تعلق حق الغير بزواج أو عدة
يحرمُ على الرجل أن يتزوّجَ امرأة غيره حفظاً للأنساب ولعدم الفائدة ولسبق حقوق الزوج؛ لأننا لو جاوزناه فإمّا أن نقول يختصّ بها الأول أو الثاني أو تكون مشتركة.
فإن كان الأول فلا فائدة في الزواج.
وإن كان الثاني يكون تعدياً على حقوق الزوج الأول فلا تهضم.
وإن كان الثالثُ اختلطت الأنساب، وهو لا يجوز، وهذا هو السرّ في أن الرجل يتزوّج أكثر من واحدة بخلاف المرأة.
وكما لا يجوز للرجل أن يتزوَّج امرأة غيره، كذلك لا يجوز له أن يتزوَّجَ معتدّته سواء كانت معتدّة لطلاق أو وفاة؛ لأن من فوائد العدّة تعرُّف براءة الرحم، فمن الجائز أن تكون حاملاً، والحمل غير معروف فلو جاز تزوّجها وأتت بولد فلا يدري أهو من الأول أو الثاني فتختلط الأنساب، وهو غير جائز لما يترتب عليه من خلل في النظام، ولذا لو انقضت العدّة جاز لغيره التزوج بها لانتفاء ما ذكر.
(1) مادة 26) لا يحل للرجل أن يتزوج أخت امرأته التي في عصمته، ولا أخت معتدته ولا عمّة أحد منهما ولا خالتها ولا بنت أخيها ولا بنت أختها. فإذا ماتت المرأة المانعة أو وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بطلاق أو خلع أو فسخ زال المانع وجاز بعد انقضاء عدتها أن يتزوّج أختها أو غيرها من محارمها المتقدم ذكرهن.
ولما كانت الحكمة ما ذكر عمَّموا عدم تزوّج المعتدة ولو كانت العدّة بعد فرقة من نكاح فاسد أو وطء بشبهة: كما إذا تزوّجَها بعقد لم يستوف جميع شروطه أو زُفَّت إليه امرأة، وقيل له: هي زوجتك فدخل بها وتبيَّنت الحقيقة بعد ذلك، فَفُرِّقَ بينهما؛ لأن كلاً من هاتين لو أتت بولد وادّعاه الرجلُ يثبتُ نسبُه منه، فمنع التزوّج لحقّه وعدم اختلاط الأنساب. أنظر مادة (27)(1).
ومن تعلُّقِ حقِّ الغير: إذا كانت المرأة حاملاً وإن كان الحمل ثابت النسب، بأن كان أبوه معروفاً فإنه لا يجوز تزوّجها؛ لأنها والحالة هذه تكون في العدّة، وقد عرفت أنه لا يجوز تزوّج المعتدة، فإن كان الحمل غير ثابت النسب بأن كان من الزنا يجوز تزوّجها ولا يوقعها الزوّجُ حتى تَلِدَ إلا إذا كان الذي تزوَّجَها هو الذي زنى بها، ففي هذه الحالة يجوز له وقاعها.
وقال أبو يوسف ومالك وأحمد بن حنبل وزفر (: لا يجوز تزوّج الحبلى من الزنا بغير الزاني أيضاً؛ لأن هذا الحملَ محترمٌ لذاته لا لصاحب الماء، ولذا لا يجوز إسقاطه ولو أذن الزاني للزوج في وقاعِها فلا يجوز، ولأن الزواجَ شُرِعَ لحكمة، فإذا لم تترتب عليه حكمته لم يشرع أصلاً بخلاف ما إذا تزوَّجت بالزاني الذي حَبِلَت منه؛ لأن الأحكام مترتبة عليه من حل الوطء ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك.
(1) مادة 27) يحرم نكاح زوجة الغير ومعتدته قبل انقضاء عدتها سواء كانت معتدة لطلاق أو وفاة أو فرقة من نكاح فاسد أو وطء بشبه.
واستدلّ أبو حنيفة ( ومحمد ( : بأن امتناعَ النكاح لحرمة صاحب الماء لا للحمل بدليل جواز التزوّج بها لصاحب الماء في ثابت النسب وغيره ولا حرمة للزاني، وامتناع الوطء كي لا يسقي ماؤه زرعَ غيره؛ لأن به يزداد سمعه وبصره حدة لقوله (: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماؤه زرعَ غيره؛ لأن به يزداد سمعه وبصره حدة)(1)، وليس من ضرورة الحرمة بعارض على شرف الزوال فساد النكاح كحرمته بالحيض والنفاس. وإنّما لا تجب النفقة؛ لعدم التمكّن من الوطء ففات الاحتباس.
وقال الشافعي(2) (: يحلّ وطؤها؛ لأنها زوجته ولا حرمة لماء الزنا. أنظر مادة ( 28 )(3) .
التطليق ثلاثاً
إذا طلَّقَ رجلٌ زوجتَه طلاقاً رجعياً أو بائناً سواء كان واحدة أو اثنتين جازَ له مراجعتها في الطلاق الرجعي بدون عقد ومهر جديدين ما دامت في العدّة، فإن خرجت من العدة، فلا بُدّ من العقد والمهر وجاز له ردُّها في البائن بعقد ومهر جديدين سواء كان في العدّة أو بعدها؛ لقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(4).
(1) بلفظ: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره) في سنن أي داود 2: 248، وسنن البيهقي الكبير 7: 449، مصنف ابن أبي شيبة 4: 28، ومسند أحمد 4: 108، والمعجم الكبير 5: 26، وغيرها، قال الترمذي: حسن. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 239.
(2) ينظر: النكت 61.
(3) مادة 28 ) يحرم نكاح الحامل الثابت نسب حملها ويصح نكاح الحامل من الزنا، ولا يوقعها الزوج حتى تضع حملها ما لم يكن الحمل منه.
(4) من سورة البقرة، الآية (229).
فإن طلقَها ثلاثاً سواء كان وقوعُ الثلاث مرّة واحدةً أو متفرّقاً، فلا يحلّ له التزوّج بها، إلا إذا انقضت عدّتها منه وتزوجت بغيره ودَخَلَ بها هذا الغير دخولاً حقيقياً وحَصَلَتْ الفرقةُ بينهما بأي سبب كان سواء كان بالطلاق أو بالموت وانقضت عدّتها من هذه الفرقة؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}(1).
ومعلوم أن غيرَه لا يتزوّجها ما دامت في عدّته، والزوج الأوّل لا يتزوجها ما دامت متزوّجة بالثاني ولا في عدّته، وإنّما اشترط دخول الثاني دخولاً حقيقياً؛ لأنه ورد عن ابن عمر ( أنه قال سأل نبي الله ( عن الرجل يطلقُ امرأته ثلاثاً فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخى الستر، ثم يطلقُها قبل أن يدخلَ بها هل تحل للأول، قال: (لا تحلّ للأول حتى يجامعها)(2)، وسيأتي لك في شرح مادة (248) زيادة الاستدلال على هذا. أنظر مادة ( 29 )(3).
الجمع بين الأجنبيات زيادة على أربع
قد علمت في شرح مادة (19) أن الحر لا يجوز له أن يجمع بين أكثر من أربع بالدليل، فإذا تزوَّجَ أربعاً بعقود صحيحة فليس له أن يتزوَّج خامسة حتى يطلق إحدى الأربع وينتظر حتى تنقض عدّتها سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً.
وقال الإمام الشافعي (: إذا كان الطلاق بائناً، فله أن يتزوّج خامسة ولو قبل انقضاء العدّة. والدليل ما تقدم في شرح مادة (26).
(1) من سورة البقرة، الآية(230).
(2) في سنن النسائي 3: 354، واللفظ له، والمجتبى 6: 149.
(3) مادة 29) يحرم على الرجل أن يتزوج حرّة طلقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويدخل بها حقيقة، ثم يطلِّقها أو يموت عنها وتنقضي عدتها.
فإن طلَّقَ الأربع فلا يجوز له أن يتزوَّج امراة قبل انقضاء عدتهن فإن انقضت عدّة الكلّ جاز له أن يتزوَّج أربع وإن واحدة فواحدة وهكذا. فلو كان عقد واحدة أو اثنتين منهن غير صحيح جاز له التزوج حتى يكمل في عصمته أربع نسوة بعقود صحيحة ومع هذا فالأحسن أن لا يتزوج أكثر من واحدة متى خاف الجور لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}(1). أنظر مادة (30)(2).
عدم الدين السماوي
يجوز للمسلم أن يتزوَّج الكتابية: وهي التي تعتقد ديناً سماوياً، ولها كتابٌ مُنْزَلٌ كصحفِ إبراهيم ( وشيث ( وزبور داود ( والتوراة لموسى ( والإنجيل لعيسى (؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}(3): أي وأحل لكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم.
وقيد بعضهم: حلّ التزوّج بما إذا لم تعتقد أن المسيح إله أو أن العزير إله، فلو اعتقدت ذلك لم يجز. ولكن بالنظر الى الأدلة ينبغي أن يجوز الأكل من ذبائحهم والتزوّج بنسائهم.
ومتى أقرت بنبيٍّ وآمنت به يجوز التزوّج بها ذميةً كانت أو مستامنةً أو حربية.
فالذميّة: هي المقيمة في ديار الإسلام تدفع الجزية وليس من نيَّتِها العود إلى بلادها.
والمستامنة: هي من دخلت دار الإسلام بأمان، والواجب على المسلمين معاملة الذميين والمستأنسين معاملة حسنة، كما يعاملون به بعضَهم فلا يتعرضُّون لأموالهم ولا لدمائهم ولا لأعراضهم قولاً أو فعلاً.
(1) من سورة النساء، الآية(3).
(2) مادة 30) من له أربع نسوة بنكاح صحيح فلا يجوز له أن ينكح خامسةً حتى يطلق إحدى الأربع ويتربَّص حتى تنقض عدتها.
(3) من سورة المائدة، الآية (5).
والحربيّة: هي المقيمة في غير ديار الإسلام، وهذه يكره تزوُّجها؛ لانفتاح باب الفتنة من التعلّق بها المستدعى للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد للتخلق بأخلاق أهل الكفر. أنظر مادة (31)(1).
ولا يجوز للمسلم أن يتزوَّجَ غير الكتابية وهي التي لا تقرّ بنبيٍّ ولا تؤمن بكتاب مُنْزَل كالوثنية: وهي التي تعبد الصنم. والمجوسية: وهي التي تعبد النار. والصابئة: وهي التي تعبد النجوم؛ إذ كلّ الرسل ( أتوا بعبادة الخالق جلّ وعلا، وإن اختلفت الشرائع في كيفية العبادة، ولم يأت رسول قط بعبادة غيره.
وحرمةُ تزوج الصائبة هو قول الصاحبين، وقال أبو حنيفة (: يجوز تزوُّجها، وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنّهم عبدة أوثان أم لا.
فعندهما: هم عبدة أوثان؛ لأنهم يعبدون النجوم.
(1) مادة 31) يحل نكاح الكتابيات المؤمنات بكتاب مُنْزَل سواء كُنَّ ذميات أو غير ذميات، مستأمنات أو غير مستأمنات مع الكراهة.
وعند أبي حنيفة ( ليسوا بعبدة أوثان، وإنّما يعظّمون النجوم كتعظيم المسلم للكعبة، فإن كان كما فسَّرَه أبو حنيفة ( يجوز بالإجماع؛ لأنهم أهل كتاب، وإن كان كما فسَّراه لا يجوز، فلا خلاف في الحقيقة، وإنما الخلاف مبنيٌّ على الاشتباه في مذاهبهم، فكل أجاب بما عنده من أحوالهم، والدليل على عدم حلّ التزوج بغير الكتابية قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}(1)، وقوله (: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم)(2). أنظر مادة (32)(3).
الباب الرابع
في الولاية على النكاح
وفيه فصلان:
الفصل الأول
في بيان الولي وشروطه
اعلم أن الوَلاية بفتح الواو معناها: النّصرة.
وعند الفقهاء: هي حقّ تنفيذ القول على الغير رضي أو لم يرض.
وهي نوعان:
عامة
وخاصة.
والخاصة قسمان:
ولاية على النفس.
وولاية على المال.
والولاية على النفس قسمان:
(1) من سورة البقرة، الآية (221).
(2) لفظ: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) في الموطأ 1: 278، وسنن البيقهي الكبير 9: 189، ومسند الشاشي 288، ومسند البزار 3: 265، والمعجم الكبير19: 437، ومسند الشاميين 2: 100، أما زيادة: (غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائهم) فقد قال الزيلعي في نصب الراية 3: 170: غريب بهذا اللفظ، وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي أن النبي ( كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم. قال ابن القطان: هذا مرسل ومع إرساله ففيه قيس بن مسلم وهو بن الربيع وقد اختلف فيه، وهو ممن ساء حفظه بالقضاء. وقريب منه في طبقات ابن سعد.
(3) مادة 32) لا يحل نكاح الوثنيات ولا المجوسيات ولا الصائبات اللاتي يعبدن الكواكب ولا يؤمن بكتاب مُنْزل.
ولاية ندب (استجاب)، وهي: الولاية على البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً.
وولاية إجبار، وهي: الولاية على الصغير والصغيرة بكراً كانت أو ثيباً، ومَن يلحق بهما من الكبار غير المكلفين.
والولاية على النفس هي المقصودة هنا.
ونثبت الولاية بأسباب أربعة:
القرابة.
والملك.
والولاء.
والإمامة.
والوَلي في اللغة خلاف العدو: أي الناصر.
وفي أصول الدين: هو العارف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته حسبما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب للمعاصي.
وعند الفقهاء، وهو المقصود هنا: الحرّ البالغ العاقل.
فيشترط فيه عندهم أن يكون:
حراً.
عاقلاً.
بالغاً.
فلا ولاية لعبد ولا لصغير ولا مجنون:
لأن الولايةَ المتعدية فرعُ عن الولاية القاصرة، فمن لا ولاية له على نفسه فأولى أن لا تكون له ولاية على غيره.
ولأن هذه الولاية نظرية، ولا نظر في التفويض إلى هؤلاء؛ لعجز كل منهم عن تحصيل الكفء؛ لاشتغال العبد بخدمة مولاه، ولعدم العقل عند المجنون، وقصره عند الصبي.
وهذه الشروط الثلاثة يلزم اتصاف الوَلي بها سواء كانت المولية مسلمة أو غير مسلمة.
ويشترط في الولي أيضاً الإسلام إذا كان من يراد تزويجه مسلماً سواء كان مذكراً أو مؤنثاً.
ومتى وجدت هذه الشروط في الشخص ثبتت له الولاية على غيره ولو كان فاسقاً فالفسق لا يسلب أهلية التزويج لكن إذا كان متهتكاً: وهو الذي لا يُبالي بهتك ستره لا ينعقد تزويجُه إلا بشرط المصلحة، كما سيظهر لك قريباً. أنظر مادة (33)(1).
وليس كل عقد زواج تتوقف صحته على الولي بل بعض العقود، وبيان ذلك أن مريدَ التزوّج:
إما أن يكون صغيراً أو كبيراً.
والكبير: إما أن يكون عاقلاً أو غير عاقل.
والعاقل: إما أن يكون حرّاً أو رقيقاً.
(1) مادة 33) يجب أن يكون الولي حراً عاقلاً بالغاً مسلماً في حقّ مسلم ومسلمة ولو فاسقا.
فالشخص الكبير العاقل: إن كان حراً مذكراً يصحّ تزوجه وينفذ لازماً بلا ولي، ولا حقّ لأحد من الأقارب في الاعتراض عليه، ولو كانت الزوجة أقل منه شرفاً، ودفع لها أكثر من مهر مثلها.
وإن كان حراً مؤنثاً(1) يصحّ تزوجها وينفذ لازماً إذا كان الزوج كفءاً والمهر مهر المثل:
فإن كان الزوج كفءاً والمهر أقل من مهر المثل صحّ العقد نافذاً غير ملزم، فللولي إذا كان عصبة حقّ الاعتراض حتى يتمّ مهر المثل أو يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد.
وإن كان غير كفء، فلا يصحّ العقد أصلاً كما سيظهر لك كل ذلك في المواد الآتية.
والولاية هنا(2) لا ولاية استحباب.
وإن كان الشخصُ الكبيرُ رقيقاً سواء كان مذكراً أو مؤنثاً صحّ تزوّجه موقوفاً على إجازة سيِّده، فإن أجازه نفذَ وإن لم يجزه بطل.
وان كان صغيراً غير مميز.
أو كبيراً غير عاقل فلا يصحّ عقد الزواج إلا بالولي.
والولاية هنا(3) ولاية إجبار. أنظر مادة (34)(4).
وتثبت هذه الولاية بواحد من أربعة:
الأول: الملك.
الثاني: القرابة.
الثالث: الولاء.
الرابع: الإمامة.
فالأول لم يتعرض له الكتاب وإن كان أشار إليه في المادة السابقة، فتثبت الولاية للمالك على مملوكه في الزواج وغيره بسبب الملك، وتثبت الولاية أيضاً بسبب من الأسباب الثلاثة الأخرى بالترتيب الذي يلقى عليك.
(1) أي الكبير.
(2) أي في الكبير في الصورتين السابقتين.
(3) أي في الصور الثلاثة الأخيرة، وهي الكبير الرقيق والصغير غير المميز والكبير غير العاقل.
(4) مادة 34) الولي شرط لصحة نكاح الصغير والصغيرة ومن يلحق بهما من الكبار غير المكلفين، وليس الولي شرطاً لصحة نكاح الحر والحرة العاقلين البالغين، بل ينفذ نكاحهما بلا ولي.
فتثبت الولاية أولاً للعاصب بنفسه على ترتيب الإرث والحجب(1).
والعصبة تنقسم انقساماً أولياً إلى قسمين:
عصبة نسبية: وهي الآتية من جهة القرابة.
وعصبة سببية: وهي الآتية من العتق.
والعصبة النسبية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
عاصب بنفسه.
وعاصب بغيره.
وعاصب مع غيره.
وكلامنا الآن إنما هو في العاصب بنفسه، وهو ينحصر في أربع جهات:
بنوة.
وأبوة.
وأخوة.
وعمومة.
فالبنوة تشمل: الابن وابن الابن وإن نزل.
والأبوة تشمل: الأب والجدّ الصحيح: وهو أبو الأب وإن علا.
والأخوة تشمل: الأخ الشقيق والأخ لأب وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب وإن نزل كل منهما.
والعمومة تشمل: العمّ الشقيق، والعمّ لأب، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزل كل منهما.
فإن وُجِدَ واحدٌ فقط من هؤلاء ثبتت له الولاية إذ لا مزاحم له.
وإن وجد اثنان أو أكثر فان كان هناك مرجِّح في أحدهما قُدِّمَ صاحبُه وإن لم يكن هناك مرجِّح استويا.
والترجيح يكون:
أولاً: بالجهة، فتقدَّمُ جهة البنوة ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة. فمتى وُجِدَ واحدٌ من جهة من هذه الجهات، وإن بعدت درجته، قُدِّمَ على مَن بعده وإن قربت درجته: فابن ابن الابن مقدَّمٌ على الأب، ويسمَّى هذا تقديماً بالجهة.
وثانياً بالدرجة، فإن وُجِدَ شخصان من جهة واحدة: كالابن وابن الابن أو الأخ وابن الأخ ترجِّح الأقرب درجة فيقدَّم الابن على ابن الابن، والأخ على ابن الأخ؛ لأنه أقرب درجةً ويسمَّى هذه تقديماً بالدرجة.
(1) قيد بالحجب مع ترتيب الإرث؛ لأنه بترتيب الإرث وحده لا يقدم الابن على الأب، بل يقدم بأن يأخذ فرضه أولاً، ثم يأخذ الابن ما بقي منه، وأما مع ترتيب الحجب يقدم الابن على الأب؛ لأنه يحجبه حجب نقصان. ينظر: مجمع الأنهر 1: 337، وفتح باب العناية 2: 39.
وثالثاً: بالقوة، فإن وُجِدَ شخصان من جهة واحدة ودرجة واحدة أيضاً كأخ شقيق وأخ لأب ترجَّح الأخ الشقيق؛ لأنه أقوى من الأخ لأب، إذ الأول ينتسب بجهتين، والثاني بجهة واحدة، ويسمَّى هذه تقديماً بالقوة.
فإن لم يوجد مرجِّح بأن كانت الجهة والدرجة والقوة واحدة كابنين أو أخوين شقيقين أو لأب استويا؛ لأننا لو قدمنا أحدهما لزم عليه الترجيح بلا مرجِّح.
فقد علمت ممَّا تقدم أن التقديم يكون أولاً بالجهة، فان اتَّحدوا فيها يكون بالدرجة، فإن اتَّحدوا فيها أيضاً يكون بالقوّة، فإن اتحدوا فيها أيضاً: استووا في الولاية.
فإن لم يوجد أحد من هؤلاء أصلاً تنتقل ولاية التزويج إلى العصبة السببية وهي الأتية من ولاء العتاقة، فتثبت للمعتق ولو أثنى، ثم لبنوته، ثم لأبوته، ثم لأخوته ثم لعمومته على الترتيب والترجيح والاستواء الذي عرفته في العصبات النسبية.
إذا عرفت كل ما تقدم تعرف بداهةً أنه إذا اجتمع ابن المجنونة وأبوها قُدِّمَ ابنُها ومثلها المجنون.
وقال محمد (: يقدَّمُ الأب؛ لأنه أوفر شفقةً من الابن.
ودليل أبي حنيفة ( وأبي يوسف (: أن الابن هو المقدَّم في العصوبة، وهذه الولاية مبنيّة عليها، ولا عبرة بزيادة الشفقة كأبي الأم مع بعض العصبات.
والأحسن أن يأمر الابنُ الأب بالنكاح حتى يجوز بلا خلاف؛ لأن في الابن قوّة العصوبة، وفي الأب زيادة الشفقة فيجتمعان. انظر مادة (35)(1).
(1) مادة 35) الولي في النكاح العصبة بنفسه على ترتيب الإرث والحجب فيقدم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد الصحيح وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم ولاء العتاقة، فولي المجنونة في النكاح ابنها وإن سفل دون أبيها عند الاجتماع.
فإذا لم توجد عصبة نسبية ولا سببية تنتقل ولاية الإجبار بالنسبة للصغار ومَن يلحق بهم إلى الأصول غير العصبات ما عدا أبا الأم مع ملاحظة الدرجة والقوة، فحينئذ تقدّم الأم على أم الأم وأم الأب لقربها، وتقدّم أم الأب على أم الأم لقوّتها إذ هي منتسبة بالعاصب: وهو الأب بخلاف أم الأم.
فإن لم يوجد واحد من الأصول انتقلت الولاية إلى الفروع مع الملاحظة المذكورة، وحينئذ تقدم البنت على بنت الابن وبنت البنت لقربها، وتقدم بنت الابن على بنت البنت؛ لقوتها، إذ هي منتسبة بعاصب: وهو الابن، بخلاف بنت البنت، وهكذا الترتيب.
فإن لم يوجد أحد من الفروع انتقلت الولاية إلى الجد الغير الصحيح: وهو أبو الأم.
فإذا لم يوجد انتقلت إلى طبقة الأخوات مطلقاً والأخوة لأم مع الملاحظة المذكورة أيضاً، وحينئذ تقدم الأخت الشقيقة على الأخت لأب والأخت لأم، وتقدم الأخت لأب على الأخت والأخ لأم لما تقدم.
فإذا لم يوجد من هذه الطبقة أحد انتقلت الولاية إلى أولادهم حسب ترتيبهم المتقدّم.
فإن لم يوجد أحد من هذه الطبقة ولا أولادها انتقلت الولاية الى طبقة العمات والأعمام لأم مع الملاحظة المذكورة.
فإن لم يوجد أحد منهم انتقلت إلى الأخوال والخالات.
فإن لم يوجد أحد منهم انتقلت الولاية إلى أولادهم حسب الترتيب المذكور.
وقال أبو يوسف ( ومحمد (: لا ولاية لغير العصبات:
لقوله (: (الإنكاح إلى العصبات)(1)، ففي هذا الحديث عرف الإنكاح باللام في غير معهود، فيكون معناه هذا الجنس مفوَّضٌ إلى هذا الجنس: أي جنس الإنكاح مفوَّضٌ إلى جنس العصبات فلا يكون لغيره فيه مدخل.
ولأن الولاية إنّما تثبت صوناً للقرابة عن نسبة مَن لا يكافئهم، وذلك يحصلُ من العصبة؛ لأنهم يعيّرون بعدم الكفاءة فيكون ذلك باعثاً لهم على صيانة القريب عن غير الكفء.
(1) قال ابن حجر في الدراية 2: 62: لم أجده.
واستدل أبو حنيفة (: بأن ثبوتَ الولايةِ للنظر إلى المولى عليه، والنظرُ يحصل بالشفقة الباعثة إليه، وهي موجودة في الأم وغيرها من الأقارب، فتثبت لهم ولاية التزويج إلا أن أقارب الأب يقدَّمون باعتبار العصوبة، وهذا لا ينفي ثبوتها لهم عند عدمه، والمعمول عليه مذهب الإمام (. أنظر مادة (36)(1).
فإذا عدمت جميع الأقارب من العصبات وغيرهم، فالذي يزوّج الشخصَ الصغيرَ ومَن يلحق به مولى الموالاة إن وجد: وهو الذي اسلم أبو الصغير على يده ووالاه بأن قال له: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عنِّي إذا جنيت.
فإن لم يوجد انتقلت الولاية إلى السلطان؛ لقوله (: (السلطان ولي مَن لا ولي له)(2)، ولكن لَمَّا كان السلطان لا يتولى مثل هذه العقود، فيتولاها القاضي الذي كُتِبَ له ذلك في منشوره، ولما كان القاضي العام الذي له هذا الحق لا يمكنُه أن يتولَّى كلّ عقدٍ فيتولاه نوابُه إن أذن لهم بذلك. أنظر مادة (37)(3).
(1) مادة 36) إذا لم يكن عصبة تنتقل ولاية النكاح للأم، ثم لأم الأب، ثم للبنت، ثم لبنت الابن، ثم لبنت البنت، ثم لبنت ابن الابن، ثم لبنت بنت البنت، وهكذا ثم للجد الفاسد، ثم للأخت الشقيقة، ثم للأخت لأب، ثم لولد الأم، ثم لأولادهم، ثم لباقي ذوي الأرحام العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام، ثم أولادهم بهذا الترتيب.
(2) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 284، ومسند أحمد 6: 165، والمنتقى 1: 175، وصحيح ابن حبان 9: 384، والمستدرك 2: 182، ومسند أبي عوانة 3: 77، وجامع الترمذي 3: 407، وقال: هذا حديث حسن، وغيرها، وتمامه: عن عائشة أن رسول الله (، قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
(3) مادة 37) السلطان وَلِيّ في النكاح لمَن لا وَلِي له، ثمّ القاضي الذي كُتِبَ له بذلك في منشوره.
وليس لغير مَن ذكروا ولاية التزويج ولو كان وصياً؛ لأن ولايتَه على المال لا على النفس، فليس للوصي أن يزوِّجَ اليتيم واليتيمة سواء أوصى إليه الأب بذلك أم لا.
وفي رواية عن أبي حنيفة (: إن الأبَ إن أوصى إليه بذلك ثبتت له الولاية في التزويج أيضاً ـ وهذا حسن ـ.
والوصي لا تثبت له الولاية على الصغير والصغيرة من جهة كونه وصياً، فلو كان قريباً لهم بأن أقام رجلٌ أحدَ أولاده وصياً على باقي أولاده، وفيهم صغير، فهذا الوصي له أن يزوِّجَ الصغيرةَ إذا لم يكن هناك مَن هو مقدَّمٌ عليه في الولاية، فإن وُجِدَ مَن يُقَدَّمُ عليه كأبي الأب أو كان هذا الوصي أخاً لأب الصغير، وله أخ شقيق فليس للوصي ولاية التزويج، بل تثبت لمَن هو أقرب منه.
ولو كان الوصي حاكماً بأن أقام رجلٌ الحاكمَ الذي له ولاية التزويج وصياً على أولاده، وفيهم صغير فلهذا الحاكم أن يزوِّج الصغير لكن لا من جهة كونه وصياً، بل من جهة كونه حاكماً، ومحل كونه يملك التزويج إذا لم يكن هناك مَن هو أولى منه، فان وجد كإن كان للصغير أخ أو أم فليس للحاكم ولاية التزويج.
وقال الإمام مالك (: للوصي ولاية الإجبار إن عيَّنَ له الأبُ الزوجة، أو أمره بالجبر صراحةً، أو ضمناً كما إذا قال له: زوِّجها قبل البلوغ أو بعده، أو على أي حالة شئت، أو أمره بالنكاح ولم يعين له الزوج ولا الإجبار بأن قال: زوِّجها. أنظر مادة (38)(1).
(1) مادة 38) ليس للوصي أن يزوِّجَ اليتيم ولا اليتيمة مطلقاً وإن أوصى إليه الأب بذلك ما لم يكن قريباً لهما أو حاكماً يملك التزويج، ولم يكن ثمة مَن هو أولى منه.
ويشترط في الولاية الخاصّة اتحاد الدين؛ وحينئذٍ فلا ولاية في النكاح ولا في المال لمسلم على ذمي كما أنه لا ولاية للذمي على المسلم أصلاً. ولا يشترط اتحاد الدين في الولاية العامة، فللسلطان أو نائبه الولاية على المسلمين والذميين في المال وفي الزواج. وللذمي الولاية في الزواج وفي المال على ذمي مثله لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}(1).
فذا فرضنا ثلاثة أخوة أحدهم مسلم والآحران ذميّان وأحدهما صغير، فالولاية على نفسه وماله لأخيه الذمي ولو كان مسلماً، فالولاية لأخيه المسلم. أنظر مادة (39)(2).
فقد عُلِمَ لك من ترتيب الأولياء فيما تقدم أنه لا يجوز للولي البعيد أن يزوِّجَ الصغيرَ والصغيرة مع وجود الوليّ القريب، فإذا كانت بنت لها أخوان أحدهما شقيق والآخر لأب، فليس للأخ لأب أن يزوِّجَ الصغيرةَ والشقيق موجود، وإلا لَمَا كانت هناك فائدة في الترتيب، ولكن محل ذلك إذا كان الأخ الشقيق مستوفياً شرائط الولي، فإن فقد شرط من الشروط التي عرفتها بأن كان الأخ الشقيق صغيراً أو مجنوناً، فالولاية تنتقل إلى الأخ لأب؛ لأن الشقيقَ في هذه الحالة كأنه غير موجود؛ لعدم صلاحيته للولاية، وتنتقل الولاية للولي البعيد أيضاً إذا غاب الوليُّ القريبُ.
واختلفوا في الغيبة التي بسببها تنتقل الولاية للبعيد على أقوال كثيرة(3)
(1) الأنفال: 73.
(2) مادة 39) لا ولاية في النكاح ولا في المال لمسلم على ذمي إلا إذا كان سلطاناً أو نائباً عنه، وللذمي الولاية في النكاح والمال على ذمي مثله.
(3) وقد اختلفوا حد الغيبة المنقطعة:
الأول: ما لم ينتظر الكفؤ الخاطب، واختاره أكثر المشايخ وصاحب ((المختار))(2: 130)((الملتقى))(ص51)، وصححه شمس الأئمة السرخسي ومحمد بن الفضل، وفي ((الهداية))(1: 200): إنه أقرب إلى الفقه. وفي ((الفتح))(2: 185): إنه الأشبه بالفقه، وفي ((الدر المنقى))(1: 339) عن ((الحقائق)): إنه أصح الأقاويل، وفي ((البحر))(3: 135): الأحسن الافتاء بما عليه أكثر المشايخ.
والثاني: مسافة القصر: وعليه أكثر المتأخرين، واختارها صاحب ((الكنْز))(45)، و((التنوير))(2: 315)، وقال صاحب ((الكافي))، و((التبيين))(2: 127): وعليه الفتوى.
والثالث: أن يكون في بلدة لا تصل إليه القافلة في السنة إلا مرَّة واحدة، واختاره القدوري وابن سلمة. وذكر غير ذلك، ينظر: ((التبيين))(2: 127).
، ولكن المعوّل عليه أنها بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء أخذ رأي الولي الغائب القريب، ولو كان مختفياً في البلد الذي يحصل فيه العقد، ولا يبطل تزويج الوليّ القريب؛ لأنه عقدٌ صدر عن ولاية تامّة، فلا يبطل.
وقال زفر (: لا يزوجها أحد.
وقال الشافعي (: يزوِّجها الحاكمُ في هذه الحالة اعتباراً لها بحالة ما إذا امتنع الولي القريب عن تزويجها، فإن الولاية تنتقل إلى الحاكم بالاتفاق.
واستدل زفر ( بأن ولايةَ الأقرب قائمة؛ ولهذا لو زوَّجها حيث هو جاز، ولا ولاية للبعيد، ولا للسلطان مع ولايته، فصار كما إذا كان حاضراً.
واستدلّ الباقون بأن هذه الولاية نظرية، وليس من النظر التفويض إلى مَن ينتفع برأيه، ففوَّضناه إلى البعيد؛ لأنه مقدَّمٌ على السلطان، فصار كما إذا كان الأقرب مجنوناً أو رقيقاً أو صغيراً.
وقول زفر (: لو زوجها الأقرب حيث هو جاز لا رواية فيه، فلنا أن نمنع؛ لأنه لو جاز أدى إلى مفسدةٍ، بيانه: أن الحاضر لو زوَّجَها بعد تزويج الغائب؛ لعدم علمه بذلك لدخل عليها الزوج، وهي في عصمة غيره، وفساد هذا لا يخفي فلم يبق إلا ولاية البعيد.
ولئن سلمنا ما قاله كما هو رأى الكثيرين فنقول: للأبعد بعد القرابة وقرب التدبير، وللأقرب بعد التدبير وقرب القرابة، فَنَزلا مَنْزلة وليين متساويين، فأيهما عَقَدَ أولاً نفذَ ولا يرد. أنظر مادة (40)(1).
(1) مادة 40) لا ولاية للولي الأبعد مع وجود الوليّ الأقرب المتوفرة فيه شروط الأهلية، فإذا غاب الأقرب بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه جاز لمَن يليه في القرب أن يزوَّج الصغيرة ولا يبطل تزويجه بعود الأقرب، وكذا إذا كان الأقرب غير أهل للولاية جاز للأبعد أن يتولّى تزويج الصغيرة.
فإذا كان الولى القريب موجوداً ومتوفرةٌ فيه شروط الولاية، فليس للبعيد التزويج، فإن زوَّجَها والحالة هذه يكون هذا العقد موقوفاً على إجازة القريب، فإن أجازَه نفذَ وإن لم يجزه بطل، ولا تكون الإجازة في هذه الحالة إلا برضاه صراحةً أو دلالة، فسكوته لا يعتبر إجازة لهذا العقد، ولو كان حاضراً مجلسه؛ لأنه لا يدلّ قطعياً على الرضا إذ يحتمل أن يكون لعدم المبالاة بهذا العمل الذي صدر من غير ولاية معتبرة.
فلو امتنع القريب عن تزويج الصغيرة:
فإما أن يكون امتناعه بحق.
أو بغير حقّ.
فان كان الأول بأن أبدى سبباً مقبولاً كإن كان الخاطبُ لا يدفع مهر مثلها، ولو كان كفؤاً، فلا حقّ لأحد في تزويجها.
وإن كان الثاني بأن لم يبد سبباً مقبولاً في عدم الزواج، كأن كان الخاطب كفؤاً ويدفع مهر مثلها، فلا يزوجها البعيد أيضا،ً بل الذي يزوِّجها في هذه الحالة هو القاضي، أو نائبه، سواء كان التزويج منصوصاً له في منشوره، أو لا، ولو كان الممتنع هو الأب.
والفرق بين العاضل والغائب:
أن العاضلَ ظالمٌ فتنتقل الولاية إلى الحاكم؛ لأن رفعَ الظلم إليه.
والغائب غير ظالم لا سيما إذا كان سفره للحج والجهاد، فافترقا، فأشبه النفقة والحضانة فإنها تنتقل إلى البعيد.
فإن كان امتناعُ الأب من تزوجها للخاطب الكفء الذي يدفع مهر مثلها لتعلّق إرادته بتزويجها لكفء آخر، فإن كان حاضراً فلا يكون ممتنعاً بغير حقّ، فليس لأحد تزويجها؛ لأن شفقتَه دليلٌ على أنه اختار لها الأنفع، أما إذا كان الكفء الذي يريد تزويجها له غائباً وامتنع من تزويجها للحاضر، فهو عاضل؛ لأنه متى حضر الكفء فلا ينتظر غيره خوفاً من فواته، ولذا تنتقل الولاية إلى البعيد إذا غاب القريب.
وبعضهم يقول: تنتقل الولاية للبعيد عند امتناع القريب بغير حقّ، كما في حال غيبته، ولكن الصحيح ما تقدم لك من انتقالها للقاضي في هذه الحالة. أنظر مادة (41)(1).
وكلّ هذه الأحكام فيما إذا اختلف الأولياء جهة أو درجة أو قوّة، فإذا استوى وليان في القرب كأخوين مثلاً وكلٌّ منهما مستوف لشروط الولاية، فأيهما تولَّى الزواج وكان مستوفياً كل الشرائط جاز هذا العقد سواء أجازه الآخر أو لم يجزه؛ لأن الولايةَ ليست متجزئة، وفي كلٍّ منهما جزء منها حتى يلزم اجتماعهما، بل هي ثابتةٌ لكل منهما على انفراده، فله أن يتولَّى العقد بمقتضى هذه الولاية، ومتى باشر شخص: أي عقد مستوف لجميع شرائطه بولاية تامّة نفذ ولا ينقض.
ومن العلماء من قال: لا يجوز ما لم يجتمعا على العقد والعمل.
فإن زوَّجَها كلٌّ منهما، فالصحّة للسابق، فإن لم يعلم السابق أو وقعا معاً بطلا لعدم الأولوية بالتصحيح.
(1) مادة 41) إذا عضلَ الأقربُ وامتنع من تزويج الصغيرة، فليس للأبعد ولاية تزويجها، بل يزوّجها القاضي، أو نائبه بطريق النيابة عن العاضل، ولو كان أب( ) الصغيرة إذا تحقق القاضي من امتناعه كان بغير سبب مقبول، أن الزوج كفء لها والمهر مهر مثلها، وليس لأحد نقض النكاح الذي عقده القاضي أو نائبه، ولو لم يكن التزويج منصوصاً عليه في منشوره، فإن كان امتناع الأقرب من تزويجها لكون الزوج غير كفء لها أو لكون المهر دون مهر المثل، فلا يعد عاضلاً ولا يجوز للقاضي أن يزوِّجها.
ولو زوَّجها أبوها وهي بكر بالغة بأمرها وزوجت هي نفسها من آخر فأيهما قالت هو الأول، فالقول قولها، وهو الزوج؛ لأنها أقرت بملك النكاح له على نفسها وإقرارها حجّة تامّة عليها، وإن قالت: لا أدري الأول. ولا يُعْلَمُ من غيرها، فُرِّقَ بينها وبينهما؛ لعدم أولوية واحد منهما على الآخر، فلو قدمنا واحداً منهما لزم الترجيح بلا مرجِّح ومثل هذا إذا زوَّجَها وليّان بأمرها. أنظر مادة (42)(1).
ومتى ثبتت الولاية للحاكم فله أن يزوِّجها ممن شاء واستثنوا من ذلك تزويجها لنفسه ولأصوله كأبيه وفروعه كابنه وابن ابنه وإن سفل، فإنه لا يجوز كما إذا باع مال اليتيم لنفسه أو لأحد من هؤلاء فإنه غير جائز، والسبب في ذلك: أن فعل القاضي حكمٌ، وحكمُه لنفسه أو لأحد من هؤلاء غير جائز.
/68/ومن هنا يعلم أن فعل القاضي حكم وإن عرا عن الدعوى ولا منافاة بين هذا وقولهم: شرط نفاذ القضاء في المجتهدات أن يصيرَ الحكم في حادثة تجري فيها خصومة صحيحة عند القاضي من خصم على خصم؛ لأن ما هنا محمول على الحكم الفعلي، وما قالوه محمول على الحكم القولي، ومثل ما هنا القضاء الضمني فلا تشترط له الدعوى والخصومة كما إذا شهدا على خصم بحقّ وذكرا اسمه واسم أبيه واسم جده وقضى بذلك الحقّ كان قضاءً بنسبه ضمناً وان لم يكن في حادثة النسب، وكذا لو شهدا بأن فلانة زوجة فلان وكَّلت زوجها فلاناً في كذا على خصم منكر، وقضى بتوكيلها كان قضاءً بالزوجية بينهما، ونظيره الحكم بثبوت الرمضانية في ضمن دعوى الوكالة أو بثبوت الدين وأمثلته كثيرة/69/: أنظر مادة (43)(2).
الفصل الثاني
في نكاح الصغير والصغيرة
ومن يلحق بهما والكبير والكبيرة المكلفين
(1) مادة 42) إذا استوى وليّان في القرب فأيهما تولَّى النكاح بشروطه جازَ سواء أجازَه الآخر أو لم يجزه.
(2) مادة 43) لا يجوز للحاكم الذي له ولاية الإنكاح أن يزوِّج اليتيمة التي لا ولي لها من نفسه ولا من أصوله وفروعه.
قد علمت ممّا تقدم أن الولاية في الزواج قسمان:
ولاية إجبار.
وولاية استحباب.
فالأولى: تكون بالنسبة للصغير والصغيرة، ومن يلحق بهما.
والثانية: بالنسبة للكبيرة المكلفة.
فمتى ثبتت الولاية لواحد من الأولياء المتقدمين سواء كان أباً أو جداً أو غيرهما، وسواء كان عصبة أو غير عصبة، وسواء كان قريباً أو غير قريب، جاز له أن يزوج الصغير والصغيرة بكراً كانت أو ثيباً، والمجنون والمجنونة، والمعتوه والمعتوهة جبراً: يعني رضي كل واحد منهم بهذا التزوج أو لم يرض؛ لأن كلاً ممّن ذُكِرَ ناقص العقل أو فاقده فلا يَهْتَدي إلى الصالح له، فجعل الشارعُ الوليَّ ناظراً لمصالحهم.
فمتى رأى المصلحة في شيء فعله ولا فرق بين أن يكون الجنون أو العتة أصلياً: كأن بلغ كل من الصغير والصغيرة مجنوناً أو معتوهاً، أو طارئاً: كان بلغ كل منهما عاقلاً ثم طرأ عليه الجنون أو العتة بعد ذلك.
غير أنه في الحالة الأولى: لم تنقطع الولاية؛ لأنها كانت موجودة في حالة الصغر، واستمرت ببلوغ كل منهما غير صالح لتوليته شؤون نفسه.
وفي الحالة الثانية: تنقطع الولاية بالبلوغ عاقلاً لزوال السبب الموجب لها، وهو قصر العقل ثم تعود بطروء ما يوجبها، ولكن لا تعود إلا إذا استمر شهراً على ما هو المعتبر، واختلفوا في المعتوه على أقوال كثيرة، والمرتضى أنه سيئ التدبير قليل الفهم مختلط الكلام إلا أنه لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون. أنظر مادة (44)(1)1).
والأولياء ليسوا في حكم واحد بالنسبة لتزويج الصغير والصغيرة ومن يلحق بهما، بل هم منقسمون إلى قسمين:
الأول: الأصل المذكّر العصبة: وهو الأب والجدّ الصحيح وإن علا، والفرع المذكّر أيضاً: وهو الابن وابن الابن وإن سفل.
(1) مادة 44) للأب والجد وغيرهما من الأولياء ولاية إنكاح الصغير والصغيرة بشروطه جبراً ولو كانت ثيباً، وحكم المعتوه والمعتوهة والمجنون والمجنونة شهراً كاملاً كالصغير والصغيرة.
الثاني: غير مَن ذُكِر ولو كان الحاكم.
وكلّ من القسمين له حكم يخصه. وبيانه: أنه إذا وَلِي واحدٌ من القسم الأول عقدَ الزواج بأن وَلِي الأب أو الجدّ عقد زواج الصغير والصغيرة ومَن يلحق بهما عند عدم وجود الابن، أو وَلِي الابنُ عند وجوده عقدَ زواج مَن يلحق بهما، فهناك حالتان لكل منهم:
الأولى: أن يكون كلٌّ منهم غير معروف قبل العقد بسوء الاختيار مجانة وفسقاً.
الثانية: أن يعرفَ بسوء الاختيار سواء كان آتياً من جهة المجانة أو الفسق.
والماجن: هو الذي لا يُبالي بما يصنع وبما قيل له. ومصدره المجون، والمجانة اسم منه، والفعل من باب طلب.
ففي الحالة الأولى:
يصحّ الزواج وينفذ ويلزم: يعني أنه لا يثبت خيار فسخ هذا العقد عند البلوغ في حالة الصغر، والإفامة في حالة الجنون والعته في جميع الصور التي تتأتى هنا وهي أربع:
الأولى: أن يكون الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل.
الثانية: أن يكون الزوج كفؤاً والمهر أقل من مهر المثل.
الثالثة: أن يكون الزوج غير كفء والمهر أكثر من مهر المثل.
والرابعة: أن يكون الزوج غير كفء والمهر أقل من مهر المثل أو مساوياً له.
وكلّ من النفاذ واللزوم ظاهر في الصورة الأولى لظهور المصلحة حيث كان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل.
وأما في باقي الصور فكان الظاهر في أول الأمر الجواب بعدم الصحة؛ لعدم المصلحة، ولكن بإمعان النظر نَجِد ما قالوه موافقاً للصواب؛ لأن وراء الكفاءة والمهر مقاصد أخرى في النكاح من سوء الخلق وحسنه ولطافة العشرة وغلظها وكرم الصحبة ولؤمها وتوسيع النفقة وتقتيرها، وهذه المقاصد أهم من الكفاءة والمهر في نظر العقلاء.
فكلّ من الأصل والفرع المتقدّمين يَجِدّ جدّاً بليغا وينظر نظراً صائباً بما عنده من وفور الشفقة في اختيار الأهم وتقديمه على المهم خصوصاً وأنه لم يعرف بسوء الاختيار، بل بحسن النظر في العواقب لخوفه من اللوم في المستقبل، فهو لا يَقْدِمُ على عمل من الأعمال إلا بعد التدبر والتفكير فيما يترتب عليه، فهذا كله يدلّ على أنه ما زوَّجَ لغير كفء أو أقل من مهر المثل إلا لترجيحه المصالح الأخرى على الكفاءة والمهر فصححنا عقده نافذاً لازماً.
وقال الصاحبان: لا يجوز الحطّ والزيادة إلا بما يتغابن الناس فيه؛ لأن الولاية مقيّدة بشرط النظر، فعند فواته يبطل العقد، وهذا لأن الحطّ عن مهر المثل ليس من النظر في شيء، كما في البيع، ولهذا لا يملك غيرهما.
ولأبي حنيفة (: أن الحكمةَ تدار على دليل النظر، وهو قرب القرابة، وفي النكاح المقاصد تربو على المهر. أما المالية فهي المقصودة في التصرّف المالي، والدليل في غيرهما غير موجود. والمعول عليه مذهب الإمام.
ومثل الزوجة في هذه الصور الزوج؛ لأنه كما لا يجوز للأب والجد والابن أن يزوّج الأنثى التي له الولاية عليها لغير كفء أو بأقل من مهر المثل، يجوز له أيضاً أن يزوّج المذكّر بامرأة أقل منه أو بأكثر من مهر مثلها.
ولا فرق في النقص الذي يحصل في مهر المثل بالنسبة للأنثى والزيادة التي تحصل فيه بالنسبة للمذكّر بين ما إذا كان الغبن يسيراً أو فاحشاً.
فالغبن اليسير: هو الذي يدخل تحت تقويم المقومين. والغبن الفاحش: هو الذي لا يدخلُ تحت تقويم المقومين. أنظر مادة (45)(1).
وأما في الحالة الثانية:
وهي التي عرف كل منهم بسوء الاختيار قبل العقد مجانة أو فسقاً فلا يصحّ العقدُ إلاّ في الصورة الأولى: وهي ما إذا كان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل؛ لأن المصلحةَ ظاهرةٌ بخلاف الصور الباقية، فإنّه لا يمكننا تصحيح العقد فيها؛ لأن الأسباب التي بنيت عليها صحّة العقد في الحالة الأولى: وهي ما إذا لم يعرف كل منهم بسوء الاختيار قبل العقد، منتفية؛ ولذا لو كان سكران وزوَّج بنتَه من فاسق أو شرير أو فقير لا يصحّ العقد أصلاً؛ لأنه حال السكر لا يهتدي إلى ما قلناه. أنظر مادة (46)(2).
وإن وَلِيَ واحدٌ من القسم الثاني عقدَ الزواج وهو غيرُ الأب أو الجدّ و إن علا والابن وإن سفل ولو كان الأم أو القاضي بأن زوَّج الأخ أخته، أو زوَّجت المرأة بنتها، أو القاضي اليتيمة التي لا وَلِيَّ لها من الأقارب فلا يصحّ العقد أصلاً إذا كان الزوج غير كفء سواء كان المهر أقلّ من مهر المثل أو مساوياً له أو لأكثر، أو كان الزوج كفؤاً والمهر أقلّ من مهر المثل، وكان الغبن فاحشاً إذ اليسير مغتفر.
(1) مادة 45) إذا وَلِي الأبُ أو الجدُّ بنفسه نكاح الصغير والصغيرة ومَن يلحق بهما من غير المكلفين وكان غير معروف قبل العقد بسوء الاختيار مجانة وفسقاً لَزِمَ النكاح بلا خيار لهما بعد البلوغ، ولو كان النكاح بغبن فاحش زيادة في المهر الذي دفعه الصغير ونقصاً في مهر الصغيرة، أو كان الزوج غير كفء لها، والمجنونة إذا زوّجها ابنُها الذي هو وليها بغبن فاحش في المهر أو بغير كفء لزمها النكاح ولا خيار لها بعد إفاقتها.
(2) مادة 46) لو كان الأبُ أو الجدُّ مشهوراً قبل العقد بسوء الاختيار مجانةً أو فسقاً وزوَّج صغيرة أو صغيرته بغبن فاحش في المهر أو بغير كفء، فلا يصحّ النكاح أصلاً.
ويصح الزواج وينفذ غير لازم إذا كان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل، ويترتب على كون العقد غير لازم في هذه الصورة ثبوت الخيار في إمضاء هذا العقد وفسخه لكلّ من الصغير والصغيرة عند البلوغ أو الإفاقة، ولو بعد الدخول:
فإن كان كلّ من الصغير والصغيرة يعلم بهذا التزوّج قبل البلوغ ثبت له الخيار عند البلوغ.
وإن لم يعلم به قبل البلوغ ثبت له الخيار وقت العلم به؛ لأنه لا يتصوّر ثبوت الخيار في شيء قبل العلم به، فأثبتناه عند تصوّره وهو وقت العلم.
فقد عُلِمَ من هذا أنه عندما يتولَّى أحدٌ من القسم الثاني الزواجَ يصحّ وينفذُ ولا يلزم في الحالة الأولى المتقدّمة وهي ما إذا كان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل، ولا يصحّ أصلاً في باقي الصور.
وبعضهم روى عن أبي حنيفة ( أن المزوِّج إذا كان القاضي أو الأم يكون العقد لازماً فلا يثبت الخيار في الفسخ. واستدل على هذا: بأن ولاية القاضي تامّة؛ لأنها تجمع المال والنفس، وشفقة الأم فوق شفقة الأب، فكانا كالأب، ولكن الصحيح عدم الفرق بين الأم والقاضي وغيرهما:
لأن ولاية الإلزام تبنى على الرأي الكامل والشفقة الوافرة، والموجود في كل واحد منهما أحدهما.
ولأن ولايتَهما متأخِّرة عن ولاية الأخ والعمّ، فإذا ثبت الخيار في الحاجب ففي المحجوب من باب أولى.
وقال أبو يوسف (: لا يثبت الخيار للصغير والصغيرة بالبلوغ، ولو كان المزوّج غير الأب والجدّ؛ لأن النكاح عقدٌ لازمٌ وقد صدر من الوَلِيّ فلا يفسخ قياساً على الأب والجد؛ لأن الولايةَ لم تشرع في غير موضع النظر صيانة عن الإفضاء إلى الضرر، وإذا صحّ النظر قام عقد الوليّ مقام عقده هو بعد بلوغه، فلا يجوز له فسخه أصلاً.
لأبي حنيفة ( ومحمد (: