تخريج أحاديث أصول البزدوي
للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي
توفي سنة (879هـ)
اعتنى به
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
تخريج أحاديث أصول البزدوي
للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي
توفي سنة (879هـ)
اعتنى به
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
(3)بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين، اللهمّ صلّي على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد: فيقول فقيرُ رحمةِ ربّه قاسم بن قطلوبغا الحنفيّ: هذا تخريجُ ما ذكر في كتاب البزدويّ في أصولِ الفقه من الأحاديث والآثار علّقته على وجهِ الإيجازِ والاختصار معوّلاً فيما لم يصرّح به الماتن على تصريح الشارح عبد العزيز البخاريّ رحمه الله، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
(4)الخطبة قوله: وقد فسّر ابن عبّاس الحكمةَ في القرانِ بعلمِ الحلال والحرام، ابن جرير الطبريّ، ثنا المثنى، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا معاويّة عن عليّ عن ابن عبّاس في قوله: {تؤتي الحكمة من تشاء ومن يؤت الحكمة من الحكمة فقد اوتي خيرا كثيراْ}، قال: يعني المعرفةُ بالقران ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّره، وحلاله وحرامه، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي صالح به سنداً ومتناً، وأخرج عن مجاهد، قال: هو العلم والفقه والقرآن.
حديث: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا))، وفي الصحيحين: عن أبي هريرةَ قال: سئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الناسِ أكرم؟ قال: ((أكرمهم عند الله أتقاهم))، قالوا: ليس عن هذا نسئلك، قال: ((فيوسفُ نبيّ الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسئك)).(5) قال: فعن معادن العرب تسئالوني؟ قالوا: نعم، قال: ((فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).
وفي رواية قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).
حديث: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيراً يفقّهه في الدين؛ أخرجه ابن عبد البرّ في كتاب العلم بلفظ: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فقَّهه في الدين))، فقال: قرأت على عليّ بن سعيد بن سيد وخلف بن سعيد أن عبد الله بن محمّد حدثهما: ثنا أحمد بن خالد، ثنا علي بن عبد العزيز، نا حجّاج بن منهال ناحمّاد بن سلمة عن حنظلة، عن عبد الله بن محيريز، عن معن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظ الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن يرد الله به خيراً تفقهه في الدين)).
(8) القسم الأول: حديث: ((مَن فسّر القران برأيه فليتبوّأ مقعده من النار))، أخرجه أبو داود والنسائيّ والترمذيّ عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوّأ مقعده من النار))، ورواه ابن جرير مرَّةً موقوفاً، ومرّةً مرفوعاً، وأخرج أبو داود والترمذيّ والنسائيّ وابن جرير عن جندب أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قال في القرآن برأيه فقد أخطأ))، قال الترمذيّ: غريب، وقد تكلّم بعض أهل العلم في سهيل، وفي لفظٍ لهم: ((مَن قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ))، ولفظ: فسّر لم أقف عليه.
(11) القسم الرابع: حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) ابن ماجه عن جابر: إنّ رجلاً قال: يا رسول الله إنّ لي مالاً وولداً وإنّ أبي يريدَ أن يحتاج مالي، قال: ((أنت ومالك لأبيك))، قال ابن القطّان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، ولابن حبّان في ((صحيحه)) من حديث عائشة أنّ رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاصمُ أباه في دينٍ له عليه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك)).
(12) باب بيان معرفة أحكام الخصوص
قوله: بخبر الواحد؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجدَ فدخلَ رجلٌ فصلّى، ثمَّ جاءَ فسلَّم على النبي صلىّ الله عليه وسلم فقال: ارجع فصلِّ فإنّك لم تصلِّ، فرجعَ فصلَّى كما صلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصلِّ، فإنّك لم تصلّ ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلّمني، فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبّر، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثمّ اركع حتى تطمئنَّ راكعاً ثمّ ارفع (13) حتى تعدل قائماً ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمّ ارفع حتى تطمئنَّ جالساً، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجداً، ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلّها))، متَّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثمّ استقبل القبلة فكبّر… ))، الحديث، وأخرجه الترمذيّ، وفيه بعد قوله: ((حتى تطمئنَّ جالساً، ثمّ قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمّت صلاتك، وإذا نقصت من ذلك شيئاً فقد انتقصت من صلاتك))، قال: وكان أهون عليهم من الأوّل أنّه مَن انتقصَ من ذلك شيئاً انتقصَ من صلاته، ولم تذهب كلّها.
وفي روايةٍ لأبي داود: ((فإذا أصنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنّما تنتقصه من صلاتك.
قوله: فلا يصحّ بخبرِ الواحد:
عن أبي هريرةَ رض قال: بعثني أبو بكرٍ الصديق في الحجّة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجَّة الوداع في رهطٍ يؤذّنون في النّاس يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، متفق عليه، ولم أقف فيه على لفظ محدث.
وأخرج ابن حبّان والحاكم من طريق سفيان، عن عطاء ابن السائب، عن طاؤس عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أنّ الله قد أحلّ فيه المنطق، فمَن نطقَ فلا ينطق إلا بخير)).
وسفيان ممّا روى عن عطاء قبل الاختلاط، وأخرجه البيهقيّ من رواية موسى بن أعين عن ليث، عن طاووس، عن ابن عبّاس مرفوعاً، ومن رواية الباغنديّ يبلغ به ابن عيينه، عن إبراهيم ابن ميسرة عن طاووس عن ابن عبّاس مرفوعاً، وروي موقوفاً، ولا يضرّه لما علمت من المتابعات على الرفع، وروى الطبرانيّ عن طاووس عن ابن عمر: لا أعلمه إلا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((الطوافُ بالبيت صلاة، فأقلّوا فيه الكلام))، وللترمذيّ نحوه، وعن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف فطمثت، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ((ما لك لعلّك نفست، فقالت: نعم، فقال: هذا شيءٌ كتبه الله عزّ وجل على بناتِ آدم، افعلي ما يفعلُ الحاج غير أن لا تطوفي بالبيتِ حتى تطهري))، متَّفق عليه.
ولمسلم في رواية: ((فاقضي ما يقضي الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي)).
(14) قوله: رفع حكم خبر الواحد، أراد ما عن عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّما الأعمال بالنيّة، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى))، الحديث رواه الجماعة، وما أخرج أبو داود عن بقيّة عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلّي وفي قدمِه لمعةً لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوءَ والصلاة، قال الشيخ (15) تقيّ الدين في الإمام: وبقية مدلّس، إلا أنّ الحاكم رواه في ((المستدرك)) فقال فيه: حدّثنا بحير بن سعيد، فزالت التهمة، لكن أخرجَه مسلمٌ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ: ((ارجع فأحسن وضؤك، ثمّ صلٍّ))، وأخرجه أبوداود وابن ماجه من حديثِ أنس بلفظ: ((ارجع فأحسن وضؤك))، وسنده ثقات، وأخرجه الطبرانيّ والدارقطنيّ بلفظ: ((اذهب فأتمّ وضؤك))، وسنده ضعيف، وما في الصحيحين عن عبد الله بن زيد أنّه حكى وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم متوالياً، وعن ابن عبّاس مثله عند البخاريّ، وما رواه الدارقطنيّ من طريق المسيّب ابن واضح عن عبد الله بن عمر أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ مرَّة مرَّة، وقال: ((هذا وضوء مَن لا يقبلُ الله الصلاة إلا به)) الحديث، قال عبد الحق: هذا من أحسن طرقِ هذا الحديث، وقال ابن أبي حاتم: المسيّب صدوق لكنّه يخطئ كثيراً، وقال البيهقيّ روى من أوجهٍ كلّها ضعيفه، وجه الاستدلال به أنّه لا يخلو أن يكون والى في هذا أوّلا لا جائز أنّه لم يوال، وإلا لزمَ عدم صحَّته توالياً، فثبتَ أنّه والى، ويلزمُ أن لا يصحّ إلا متوالياً؛ لأنّه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يقبل الله الصلاة إلا به))، وماروي أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبلُ الله صلاة امرئ حتى يضعِ الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه)) الحديث، وثمّ للعطفِ والترتيب وهذا الحديث قال مخرّجو أحاديث الرافعيّ: لم نجده في شيء ممّا رأينا من كتب الحديث،
وإنّما جاء في رواية لأبي داود عن رفاعةَ بن رافع أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتمّ صلاة لأحدٍ حتى يصبغ الوضوء، كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسحُ برأسه، ويغسلُ رجليه إلى الكعبين، ثمَّ يكبّر))، الحديث.
وما روى النسائيّ والدارقطنيّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال عند السعي: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فابدأوا بما بدأ الله به))، والعبرة لعمومِ اللفظ، وما تقدّم من حكاية فعلِه صلى الله عليه وسلم الذي كان يواظبُ عليه، وقوله: ((هذا وضوء لا يقبلُ الله الصلاة إلا به))، وتقدّم وجهُ الاستدلال به، وما أخرجه ابن ماجه من طريق كثير بن زيد عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا وضوءَ لمَن لم يذكرْ اسمَ الله عليه))، وأخرج عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان أنّه سمعَ جدَّته بنت سعيد بن زيد أنّها سمعت أباها سعيد بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمَن لا وضوء له، ولا وضوءَ لمَن لم يذكر اسم الله عليه))، وفي(16) الإسناد مقال، إلا أنّ البخاريّ قال: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن وسأل اسحق بن راهويه: أيّ حديثٍ أصحّ في التسمية، فذكر حديث أبي سعيد، وقد وثّقت رجاله.
حديث:
حديث العسيلة، وله طرق وألفاظ منها عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ رجلاً طلَّق امرأته ثلاثاً فتزوّجها رجلٌ ثمَّ طلَّقها، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((لا حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاقَ الأوّل)).
وفي رواية قالت: طلَّق رجلٌ زوجته فتزوّجت زوجاً غيره، فطلّقها وكان معه مثل الهدبة فلم تصل منه إلى شيء تريده، فلم يلبث أن طلّقها ، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي طلَّقني، وإنّي تزوّجت زوجاً غيره، فدخل بي، فلم يكن معه إلا مثل هذه الهدبة فلم يقربني إلا هبة واحدة، لم أصل منه إلى شيء، فأحلّ لزوجي الأوّل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلّين لزوجك الأوّل حتى يذوقَ الآخر عسيلتك، وتذوقي عسيلته)).
وفي أخرى قالت: جائت امراةُ رفاعةَ القرظيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعةَ القرظيّ فأبتّ طلاقي، فتزوّجت عبد الرحمن بن الزبير، وإنّما معه مثل هدبةِ الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك))، زاد في روايةٍ وأبو بكرٍ جالس عنده، وخالد بن سعد ابن العاص بالباب ينتظرُ أن يؤذنَ له، فقال: ((يا أبا بكرٍ ألا تسمع إلى هذه وما تجهرُ به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وفي الأخرى: ((ألا تزجرُ هذه بما تجهرُ به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم، وفيه وما معه إلا مثل هذا الهدبة لهدبة أخذتها من جلبابها، وفي أخرى: ((إنّ رفاعةَ طلّقها آخر ثلاث تطليقات))، أخرجه البخاريّ ومسلم.
وأخرج النسائيّ وأبو داود الرواية الأولى وأخرج الترمذي الرواية الثانية إلى قوله: ((ويذوق عسيلتك))، وأخرج أيضاً النسائيّ الثالثة بتمامها، ومثله ابن ماجه وأحمد، وأخرج مالك في ((الموطأ)) عن الزبير بن العوام: إنّ رفاعة بن شموال طلَّق امرأته تميمة بنت وهب في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فعارضَ عنها، فلم يستطع أن يمسّها فقارقها، فأراد رفاعة أن ينكحَها وهو زوجها الأول الذي كان طلّقها وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزويجها، وقال: ((لا تحل لك حتى تذوق العسيلة)).
وعن ابن عمرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئلَ عن الرجلِ يطلّق امرأته ثلاثاً، فيتزوّجها (17) الرجل، فيغلقُ الباب ويرخي الستر ثمّ يطلّقها قبل أن يدخلَ بها، قال: ((لا تحلّ للأوّل حتى يجامعَها الآخر)).
وفي رواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الرجلِ يكون له المرأة فيطلّقها ثم يتزوّجها رجل فيطلّقها قبل أن يدخلَ بها فترجعُ إلى زوجها الأوّل، قال: ((لا، حتى يذوق العسيلة))، أخرجه النسائيّ وأخرجه الطبرانيّ بلفظ: ((إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المطلقة ثلاثاً لا تحلّ لزوجها الأوّل حتى تنكحَ زوجاً غيره، ويخالطها ويذوق عسيلتها، ورواه أبو يعلى بمثل حديث عائشة، وعن عبيد الله والفضل بن العبّاس أنّ العميصاء أو الرميصاء جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ((إنّه لا يصل إليها))، قال: فقال: كذبت يا رسول الله إنّي لأفعل، ولكنّها تريد أن ترجعَ إلى زوجها الأوّل))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلّ له حتى تذوقَ عسيلتها))، رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الرحمن بن الزبير أنّ رفاعة بن شموال طلَّق امرأته فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، قد تزوّجني عبد الرحمن وما معه إلا مثل هذه، وأومأت إلا هدبة من ثوبها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن كلامها، ثم قال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك))، رواه البزَّار والطبرانيّ و رجاله ثقات.
وعن أنسٍ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئلَ عن رجل كانت تحته امرأة فطلّقها ثلاثاً، فتزوّجها بعده رجل فطلّقها قبل أن يدخلَ بها، أتحلّ لزوجها الأوّل ، فقال: لا، حتى يذوق الآخر ما ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته))، رواه أحمد والبزّار وأبو يعلي، وقد تتبعتُ ألفاظ هذا الحديث جهدي، فلم أقف على قوله: تعودي والله أعلم.
حديث:
حديث: ((لعن الله المحلل))، عن عتبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّ، لعن اللهُ المحلِّل والمحلَّل له))، رواه ابن ماجه ورجاله ثقات.
وعن عبد الله بن مسعود قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له، رواه أحمد والنسائيّ والترمذيّ، وصحّحه، وللخمسة إلا النسائيّ من حديث عليّ مثله.
(19) الحديث:
الحديث: ((صلّوا كما رأيتموني أصّلي))، عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرينَ ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً، فظنّ أنّا اشتقنا أهلنا، فسأل عمَّن تركنا من أهلنا، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلّموهم ومروهم ليصلّوا صلاةَ كذا في حينِ كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم، وصلّوا كما رأيتموني أصلي))، أخرجه البخاريّ، واتّفقا عليه بدون قوله: وصلّوا… الخ.
(20) حديث:
حديثُ خلع النعال عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بأصحابه في نعلِهِ إذ خلعهما فوضعَهما عن يساره، فلمّا رأى ذلك أصحابه ألقوا نعالهم، فلّما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ((ما حملكم على خلعِ نعالكم، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ جبريلَ أتّاني فأخبرني أنّ فيهما قذراً))، وقال: ((إذا جاء أحدكم المسجدَ فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما))، وفي رواية: خبثا في الموضعين، أخرجه أبو داود، ورواته من رجال الصحيح، إلا أبا نعامة السعدي، فإنّه عند مسلم.
(21) حديث النهي عن الوصال: عن ابن عمرَ أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال: قالوا: إنّك تواصل، قال: ((إني لستُ كهيئتكم، إنّي أطعم وأسقى))، وفي رواية: ((لست مثلكم))، متَّفق عليه.
وللبخاريّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم واصل فواصلَ الناسُ فشقّ عليهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواصلوا، قالوا: إنّك تواصل، قال: ((لست كهيئتكم، إني أظلّ أطعم وأسقي)).
وأخرج ((الموطأ)) وأبو داودَ الروايةَ الأولى، وعن أنس قال: واصلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهرِ رمضانَ فواصلَ ناسٌ من المسلمين(22) فبلغه ذلك، فقال: ((لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدعُ المتعمّقون تعمّقهم، إنّكم لستم مثلي، أو قال: لست مثلكم، إنّي أظلّ يطعمني ربي ويسقيني))، وفي رواية قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تواصلوا، قالوا: إنّك تواصل، قال: ((لست كأحدٍ منكم إنّي أبيت أطعم وأسقى))، أخرجه البخاريّ ومسلم، وأخرجَ الترمذيّ الثانية: ((إنّ ربّي يطعمني ويسقيني))، وأخرجاه من حديث أبي هريرة، وفيه: ((إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني)).
(23) باب موجب الأمر في معنى العموم والخصوص
حديث الأقرع بن حابس عن ابن عبّاس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أيّها الناس، كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كلّ عامٍ يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجّ مرّة فمَن زاد فهو تطوّع))، رواه أحمد والنسائيّ بمعناه.
ولمسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أيّها الناس قد فرضَ عليكم الحجّ فحجّوا، فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول الله، فسكتَ حتى قالها ثلاثاً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم)).
(25) باب بيان صفة حكم الأمر
حديث: ((مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإنّ ذلك وقتها))، وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رقدَ أحدكم عن الصلاةِ أو غفلَ عنها فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله تعالى يقول: {أقم الصلاة لذكري})).
وفي رواية: ((مَن نسيَ صلاةً فليصلّها إذا ذكرها، لا كفاّرة لها إلا ذلك))، أخرج الأولى مسلم، والثانيةُ متَّفق عليها، وعن أبي قتادة قال: ذكروا للنبيّ صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاةِ فقال: ((إنّه ليس في النومِ تفريط، إنّما التفريطُ في اليقظة (26) فإذا نسيَ أحدكم صلاةً أو نامَ عنها فليصلّها إذا ذكرها))، رواه النسائيّ والترمذيّ، وصحّحه، وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن نسى صلاةً فوقتها إذا ذكرها))، رواه الطبرانيّ في الوسط، وفيه حفص ابن عمر ضعيف.
(27)حديث الخثعمية: إنّها قالت: يا رسول الله إنّ أبي أدركه الحجّ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستمسك على الراحلة، أفيجزئني أن أحجّ عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أرايت لو كان على أبيك دين، فقضيتيه أكان يقبلُ منك، فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق)).
عن ابن عبّاس قال: كان الفضلُ بن عباس رديفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امراةً من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسولُ الله إنّ فريضةَ الله على عباده الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطع أن يثبتَ على الراحلة، أفاحجّ عنه، قال: نعم))، وذلك في حجّة الوداع، أخرجه البخاريّ ومسلم، و((الموطأ)) وأبو داود، زادَ ابن ماجه: ((فإنّه لو كان على أبيك دين فقضيتيه)).
ومنهم مَن أخرج هذا من مسندِ الفضل نحو لفظِ الترمذيّ عن ابن عبّاس عن أخيه، ومنهم مَن جعله من مسند (28) ابن عبّاس نحو رواية النسائيّ وغيره عن ابن عبَّاس أنّ امرأة من خثعمٍ، وعن عليّ رضي الله عنه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءته امراةٌ شابّةٌ من خثعم فقالت: إنّ أبي كبيراً، وقد أفند وأدركته فريضةُ الله في الحجّ ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤدّيها عنه، قال: نعم))، رواه أحمد والترمذيّ وصحّحه.
وعن عبد الله بن الزبير قال: جاءَ رجلٌ من خثعمٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أدركه الإسلامُ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ ركوبَ الرحلِ والحجّ عليه، أحجّ عنه؟ قال: أنت أكبر ولده، قال: نعم، قال: أرأيت لو كان على أبيك ديت فقضيته عنه أكان ذلك يجرئ عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجج عنه))، رواه أحمد، ولفظ النسائي: ((أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحجّ عنه)).
وعن سودة قال: جاءَ رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبي شيخٌ كبير لا يستطيع، قال: أرايت لو كان على أبيك دين، قضيت عنه قبل منك؟ قال: نعم، قال: فالله أرحم، حجّ عن أبيك))، رواه أحمد والطبرانيّ في ((الكبير))، ورجاله ثقات.
قوله: إلا أنّ الشفع الأوّل تعيّن بخبرِ الواحد، قال الشارح: هو ما روى عن عليّ رضي الله عنه القراءة في الأوليين قراءة في الاخريين، قلت: فيه تأمل، و أصرحُ منه ما روى ابن أبي شيبةَ عن عليّ رضي الله عنه وابن مسعود قالا: إقرأ في الأوليين، وسبّح في الأخريين. (30) وعن ابن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهرِ في الأوليين بأمّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأمّ الكتاب، ويسمعنا الآية أحياناً، متّفق عليه. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سنّة القراءةِ في الصلاة أن يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتابِ وسورة، في الأخريين بأمّ القرآن)) رواه الطبرانيّ في ((الوسط)).
(32) قوله: والعفو عن القصاصِ مندوبٌ إليه: قلت: روى الإمام أبو حنيفةَ عن عطاء عن ابن عبَّاس أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن عفا عن دمٍ لم يكن له ثوابٌ إلا الجنّة))، أخرجه الحارثيّ في ((المسند)).
(35) باب بيان صفة الحسن
قوله: لكنّه خلافَ الخبر عن عمران بن حصين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزالُ طائفةٌ من أمّتي يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على مَن ناوأهم، حتى يقاتلُ آخرهم المسيحَ الدجال))، أخرجه النسائيّ وأبو داودَ عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزالُ هذا الدينُ قائماً، تقاتلُ عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقومَ الساعة))، أخرجه البخاريّ.
قلت: وفي باب عن أنس أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من أصل الإيمانّ: الكفّ عمَّن قال: لا إله إلا الله، (36) لا نكفّره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهادُ ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن تقال آخر أمّتي الدّجال، لا يبطله جورُ جائرٍ ولا عدل عادل، والإيمان بالإقرار))، رواه أبو داود، وحكاه أحمد في روايةِ ابنه عبد الله، وفي سندِه يزيد بن أبي نشبة، قال المنذري: في معنى المجهول، وقال عبد الحق: هو رجلٌ من بني سليم، لم يروِ عنه إلا جعفر بن برقان.
(39) حديث: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم))، أخرجه محمّد في ((الأصل)): ثنا أبو معشر عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يأمرهم أن يؤدّوا صدقةَ الفطرِ قبل أن بخرجوا إلى المصلّى، وقال: ((أغنوهم عن المسألة في مثلِ هذا اليوم))، وأخرج الحاكمُ في علومِ الحديثِ من هذا الوجه بلفظ: ((أغنوهم عن الطوافِ في هذا اليوم))، ومن جهته ذكرَه المخرّجون لأحاديث ((الهداية))، والواقعُ في كتب علمائنا هو اللفظُ الأوّل.
حديث: ((لا صدقة إلا عن ظهرِ غنيّ))، أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)): (40) ثنا يعلى بن عبيد، ثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صدقةَ إلا عن ظهرٍ غنيّ، واليدُ العليا خيرٌ من يد السفلى، وابدء بمَن تعول))، وذكره البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً مقتصراً على الجملةِ الاولى، فقال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لاصدقة إلا عن ظهر غني))، وتعليقاته المجزومة لها حكم الصحة، ورواه مسنداً بغير هذا اللفظ.
(51) باب النهي:
قوله: لأنّ الإحرام منهيّ لقوله تعالى: { فلا رفث}، والرفثُ الجماع، قال الله تعالى: {احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم}، وأخرج أبو يعلى من طريق خصيف عن ابن عبّاس قال: لا رفث، قال: الرفث الجماع، ولا فسوق، قال: الفسوق المعاصي، ولا جدال في الحجّ: المراء؛ لأنّه من محظوراته بدليل ما أخرجه أبو داودَ في المراسيل عن أبي توبةَ الربيعُ بن نافع، عن معاوية بن سلام عن يحيى بن كثير قال: أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم، شكّ أبو توبة أن رجلاً من جذامَ جامعَ امرأته وهما محرمان، (52) فسأل الرجلُ ؟؟؟ صلى الله عليه وسلم فقال لهما: ((اقضيا نسككما واهديا هدياً))، وفيه: ((وعليكما حجّة أخرى)) الحديث.
وأخرجه البيهقيّ عن زيدٍ بغير شكّ، وعلى هذا فكلّهم ثقات.
قوله: ولا يلزمُ الطلاقُ في حالةِ الحيضِ أو في طهرٍ جامعها فيه؛ لأنّه منهيّ عنه… الخ، عن ابن عمرَ أنّه طلَّقَ امرأته وهي حائض، فذكرَ ذلك عمرُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ((مُره فليراجعها، ثم ليطلّقها طاهراً أو حاملاً))، رواه الجماعة إلا البخاري.
وفي روايةٍ عنه أنّه طلَّق امرأةً له وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فتغيّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: ((ليراجعها ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيضَ فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها قبل أن يمسّها، فتلك العدّة كما أمر الله، وفي لفظ: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء)) رواه الجماعة إلا الترمذيّ، فإنّ له منه إلى الأمر بالرجعة.
وعن عكرمة قال: قال ابن عبّاس: الطلاقُ على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فأمّا اللَّذان هما حلال فأن يطلّق الرجلُ امرأته طاهراً من غير جماع، أو يطلّقها حاملاً مستبيناً حملها، وأمّا اللذان هما حرام، فأن يطلّقها حائضاً أو يطلّقها عند الجماعِ لا يدري اشتملَ الرحمُ على ولدٍ أم لا، رواه الدارقطنيّ. قوله: سبباً للرخصة للنهي، أخرج الطبرانيّ في ((الوسط)) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيّما عبدٍ مات في إباقه دخلَ النار، وإن قتلَ في سبيل الله))، ورجاله موثقون، وفي المحارس نصّ القران.
قوله: للنهي أيضاً، منه ما أخرجه الدارقطنيّ عن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحلّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)).
(53) قوله: صيام العيد وأيّام التشريقِ منهيّ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر، متَّفق عليه.
وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: أمرني النبيّ صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيّام منى: إنّها أيّام أكلٍ وشربٍ ولا صومَ فيها، يعني أيّام التشريق، رواه أحمد، وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن صومِ خمسة أيّام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيّام التشريق، رواه الدارقطنيّ.
(54) قوله: والصلاة الحرام، قال الشارح: هي الصلاةُ في الأرضِ المغصوبة سيأتي لي في هذا الكلام، قال: والأوقات المكروهة فيه عن عقبة بن عامر الجهني قال: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيهن، وأن نقبرَ فيهن موتانا حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب))، رواه الجماعة إلا البخاريّ، واللفظ لمسلم، قال: والمواطن السبعة، أخرج ابن ماجه والترمذيّ من طريق زيد بن جبيرة عن ابن عمر أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلّى في سبعِ مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله تعالى، قال الترمذي: ليس إسناده بذاك القوي، وقد تكلّم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، قلت: قد قالوا: إنّ الحرامَ ما كان بقطعيّ، فكيف أطلق هنا ولا قاطع.
قوله: والصوم المحظور؛ يوم الشك، عن صلة بن زفر قال: كنّا عند عمّار بن ياسر في اليومِ الذي يشكَ فيه فأتي بشاةٍ مصلية، فتنحّى بعض القوم، فقال عمّار: مَن صام هذا اليوم فقد عصا أبا القاسم، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبّان، وأخرجه الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) عن ابن عبّاس قال: مَن صامَ اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى الله ورسوله، وذكر له متابعاً، ووقعَ في ((الهداية)) بلفظ: لا يصامُ اليوم الذي يشك فيه، مرفوعاً، قال المخرّجون: لا يعرف ولا أصل له، قلت: بل له أصل، وهو ما روى الإمامُ أبو حنيفة رضي الله عنه عن عبد الملك بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامِ اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان.
قوله: إنّ البيع بالخمرِ منهيّ عنه، عن جابر إنّه سمعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله حرّم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام))، الحديث رواه الجماعة، وعن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم التجارة في الخمر، متّفق عليه، وروى ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله إذا حرّم على قومٍ أكل شيء، حرّم عليهم ثمنه))، رواه أحمد وأبو داود.
(56) قوله: منسوب إلى الشيطان، كما جاءت به السنّة، فيه عن عمرو بن عبسة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((صلٍّ صلاةَ الصبح ثمّ أقصر عن الصلاةِ حين تطلعُ الشمس، حتى ترتفع، فإنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرني الشيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفّار، ثمّ صلِّ فإنّ الصلاةَ مشهودة محضورة حتى يستقبلَ الظلّ بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة، فإنه حينئذٍ تسجرُ جهنّم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإنّ الصلاةَ مشهودة محضورة حتى تصلّي العصر،(57) ثمّ اقصر عن الصلاةِ حتى تغرب الشمس، فإنّها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفّار، رواه أحمد ومسلم وأبو داود في لفظه: ((ثمّ اقصر عن الصلاةِ حتى تطلعَ الشمسُ فترتفع قيدَ رمحٍ أو رمحين، فإنّها تطلعُ بين قرني شيطان، فتصلّي لها الكفّار، ثمّ صلِّ ما شئت، فإنّ الصلاةَ مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظلّه، ثمّ اقصر، فإنّ جهنّم تسجرُ وتفتحُ أبوابها، فإذا زاغت الشمسُ فصلِّ ما شئت، فإنّ الصلاةَ مشهودة، حتى يصلّيَ العصر ثمّ اقصر حتى تغرب الشمس، فإنّها تغرب بين قرني شيطان، ويصلّي لها الكفّار))، ولفظُ النسائي: ((فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس، فإنّها تطلع بين قرني الشيطان، وهي ساعةُ صلاةِ الكفّار، فدع الصلاةَ حتى ترتفعَ قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثمّ الصلاةُ محضورة مشهودة حتى تعدلَ الشمسُ اعتدال الرمحِ بنصف النهار، فإنّها ساعةُ تفتح فيها أبواب جهنّم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيئ
الفيء، ثمّ الصلاةُ محضورة مشهودة حتى تغيبَ الشمس، فإنّها تغيب بين قرني الشيطان، وهي صلاةُ الكفّار)).
وعن عبد الله الصنابحي رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الشمسَ تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها))، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاةِ في تلك الساعات، أخرجه ((الموطأ)) و((النسائي)).
قوله: والنهي عن الصلاة في الأرضِ المغصوبة، لم أقف على نصٍ فيه نهى عن نفسِ الصلاة، وإنّما جاء النهيّ عن الغصب، فمنه ما تقدّم من قوله: صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه))، ومنه في الأرض ما رواه البخاريّ ومسلمٌ عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن ظلمَ شبراً من الأرض، طوّقه من سبع أرضين، وما رواه أحمد والطبرانيّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الظلمِ أظلم؟ فقال: ذراع من أرضٍ ينتفعُ به المرءُ المسلم من حقّ أخيه، فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولايعلم قعرها إلا الله الذي خلقها))، وإسنادُ أحمد حسن.
قوله: فصار النهي، عن عبد الله بن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلى، قال: والمضامين ما في أصلابِ الإبل، والملاقيحُ ما في بطونها، وحبلُ الحبلة، ولد ولد هذه الناقة))، أخرجه عبد الرزاق، وعنه: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتجَ الناقة، ثمّ تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك متّفق عليه.
قوله: فصار النهي؛ هو في حديثِ الوصال، وقد تقدّم في بابِ بيانِ معرفة أحكام الخصوص حديث: ((لا نكاح إلا بشهود))، قال مخرّجو(58) أحاديث ((الهداية)): لم نجده، وإنّما أخرج الترمذيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((البغايا اللاتي ينكحنّ أنفسهنّ بغير بيّنة))، ورجَّح الترمذيّ وفقه على ابن عبّاس، وقيل: لا يقدح الوقف، فإنّ الذي رفعه عبد الأعلى، وهو ثقة، ودفعه زيادة فتقبل، قلت: أخرجه محمّد في ((الأصل)) بلاغاً مرفوعاً بلفظ الكتاب، وأخرجه الدارقطنيّ عن أبي سعيد موقوفاً، والله أعلم.
(59) باب معرفة أحكام العموم:
حديث العرنيين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رهطاً من عكل، أو قال عرينة قدموا فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، متَّفق عليه.
حديث: ((استنزهوا من البول))، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استنزهوا من البول، فإنّ عامّة عذابِ القبر منه))، رواه الدارقطنيّ، وللحاكم: ((أكثرُ عذابِ القبر من البول))، وإسناده صحيح، أخرجه الدارقطنيّ.
(60) من جهة أزهر بن سعد السمان، وقد وثَّقه ابن سعد، عن ابن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وهذان ممّن روى له الجماعة، وقال الحاكم: صحيح، لا أعلم له علّة.
حديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة، ولا فيما ؟؟؟ خمسة ذود صدقة))، رواه الجماعة.
حديث: ((ما سقته السماء ففيه العشر))، عن عبد الله بن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فيما سقت السما والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقى بالنضح نصفُ العشر))، رواه الجماعة إلا مسلماً، ولمسلم من حديث جابر نحوه. قوله: وخبر الواحد؛ قال الشارح هو حديث: ((المسلم يذبح على اسمِ الله سمّى أو لم يسمٍّ))، قال المخرّجون لأحاديث ((الهداية)): لم نجده بهذا اللفظ، وإنّما أخرج الدارقطنيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمّي حين يذبح فليسمّ وليذكر اسم الله، ثمّ ليأكل))، وصحّح وقفه على ابن عبّاس، وفي سنده مقال، قلت: وهذا لا حجّة فيه للمخالف، بل هو دليلٌ لنا في الناسي، وأولى منه في الاستدلال لهم ما أخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن الصلت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكرَ اسم الله أو لم يذكر))، لكنّهم لا يرون المرسل حجّة، والله أعلم. قوله: بالآحاد؛ قال الشارح هو حديث قتل ابن خطل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دخلَ عام الفتح وعلى رأسه مغفر، فلمّا نزعه جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، ابن خطل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه)) متّفق عليه.
قال: وحديث: ((إنّ الحرم لا يعيد عاصياً))، المحفوظ أنّ هذا من كلام عمرو بن سعد الأشدق، أخرجاه في حديث أبي شريحٍ العدويّ رضي الله عنه.
(61) قوله: واحتجّ عبد الله بن مسعود عن الحمل؛ عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: مَن شاء لاعنته لنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشراً، رواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجه، وللبزّار: مَن شاء حالفته، ولمحمّد في ((الأصل)): مَن شاء باهلته، وهو في البخاريّ بلفظ: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون فيها الرخصة، لنزلت سورة النساءِ القصرى بعد الطولى، {وأولات الاحمال اجلهن ان يضعن حملهن}.
قوله: واحتجّ عليّ أخرجه ابن أبي شيبة: (62) ثنا عبد الله بن الإدريس، ووكيع عن شعبة عن أبي عون عن أبي صالح الحنفي أنّ ابن الكواء سأل علياً رضي الله عنه عن الجمع بين الأختين، فقال: أحلّتهما آية، وحرّمتهما أخرى، ولست أفعله أنا ولا أهلي، قلت: وروي مثله عن عثمان رضي الله عنه، وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن قبيصة بن ذؤيب أنّ رجلاً سألَ عثمانَ بن عفّان رضي الله عنه عن أختين مملوكتين هل يجمعُ بينهما، فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، فأمّا أنا فلا أحبّ أن أصنع ذلك، فخرجَ من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عنه، فقال: أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحداً فعل ذلك إلا جعلته نكالاً.
قال ابن شهاب: أراه عليّ بن أبي طالب، قلت: قد صرَّح به في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، كما أخرجها ابن أبي شيبة: ثنا غندر عن معمّر عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: سأل رجلٌ عثمانَ عن الأختين يجمعُ بينهما، فقال: أحلّتهما آية وحرّمتهما آية، ولا آمرك ولا أنهاك، فلقي عليَّاً بالباب فقال: عمّ سألته فأخبره، فقال: لكنّي أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل، ثمَّ فعلتَ ذلك لأوجعتك.
(63)باب العام إذا لحقه الخصوص.
قوله: لأنّ ما دون ثمنَ المجنّ؛ خصّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لم تكن يد السارقِ تقطعُ في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمنِ المجنِ حجفة أو ترس، وكلامها دونه ثمنه، متّفق عليه.
قوله: لأنّ مواضعَ الشبهةِ منها مخصوصة؛ ما أخرج الحارثيّ في ((مسند أبي حنيفة)) أنّه قال: ثنا مقسم عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إدرؤوا الحدود بالشبهات)).
(64) وأخرج معناه الترمذيّ من حديث عائشةَ رضي الله عنها، والدارقطنيّ من حديث عليّ، وابن ماجه وأبو يعلى من حديث أبو هريرة.
قوله: إجماع السلف إلى قوله: والآحاد؛ منها ما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فاطمةَ رضي الله عنها قالت لأبي بكر: مَن يرثك إذا متّ، قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرثُ النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: النبيّ لا يورث ولكن أعول مَن كان رسول صلى الله عليه وسلم يعول، وأنفق على مَن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق، رواه أحمد والترمذيّ وصحّحه.
وعن عائشةَ رضي الله عنها أنّ أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم حين توفّى أردن أن يبعثنَ عثمان إلى أبي بكرٍ يسألنه ميراثهنّ، فقالت عائشة: أليس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لا نورّث، ما تركنا صدقة))، متَّفق عليه.
ومنها: ما أخرج البخاريّ عن زيد بن ثابت أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أملى عليّ: {لا يستوي القاعدونَ من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله}، فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ، فقال: والله يا رسولَ الله لو أستطيع الجهادَ لجاهدت، وكان أعمى، فأنزلَ الله عزَّ وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفتُ أن ترض فخذي، ثمّ سري عنه، فأنزل الله عزو جل: {غير اولى الضرر}، وأخرجه الترمذيّ والنسائيّ.
ومنها: ما عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: لمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلفَ أبو بكر بعده، وكفرَ مَن كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصمَ منّي ماله ونفسه إلا بحقّه، وحسابه على الله))، فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ مَن فرَّق بيي الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: والله ما هو إلا أن رأيت أنّ اللهَ شرحَ صدر أبي بكرٍ للقتال، فعرفت أنّه الحق، أخرجه الجماعة.
(68) باب ألفاظ العموم:
قوله: قال ابن عبّاس في قوله تعالى: {فلولا نفر من كلّ فرقةٍ منهم طائفة} أنّه يقع على الواحدِ فصاعداً، لم أقف عليه مسنداً عنه، وإنّما قاله ابن جرير بغيرِ سند، وأسند هو وابن أبي حاتم وابنِ المنذرعنه أنّه قال: الطائفة العصبة، أخرجوا ذلك من طريقِ معاوية عن عليّ بن أبي طلحة عنه وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد: الطائفةُ رجل، والله أعلم.
حديث: ((من دخل دار أبي سفيانَ فهو آمن))، أخرجه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرةَ في فتح مكَّة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من أغلق بابه فهو آمن، ومَن دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن)) الحديث.
(70) قوله: قول ابن عبّاس في قوله تعالى: {ان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا}، لن يغلبَ عسر يسرين.
قلت: حكاه عنه ابن الجوزي في تفسيره المسمّى بـ((زاد المسير))، والزمخشريّ في ((الكشاف))، وقال الزيلعيّ في ((تخريج أحاديث الكشّاف)): هو غريب، ومراده أنّه تتبّع مظانّه فلم يجده، قلت: لكنّه روي من وجه آخر مرفوعاً وموقوفاً، فأمّا المرفوعُ فأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره))، والحاكم في ((المستدرك)) عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك، وهو يقول: (71) ((لن يغلبَ عسر يسرين، إنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسرِ يسراً))، ورواه عن عوف الأعرابيّ ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلاً، وأمّا الموقوف فأخرجه ابن المنذر في ((تفسيره)): ثنا عبد، ثنا مسلم، ثنا شعبة: عن معاويه بن قرة قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عنه: لن يغلبَ عسر يسرين، لو كان العسرُ في حجر لأدخل عليه اليسر، وأخرج ابن أبي حاتم هذا مرفوعاً من حديث أنس، وفي سنده عائذ بن شريح، قال أبو حاتم في حديثه ضعف.
(73) حديث: ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الاثنان فما فوقهما جماعة))، رواه ابن ماجه.
حديث: ((الواحد شيطان)) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب))، أخرجه مالك وأبو داود والترمذيّ.
(75) باب أحكام الحقيقة والمجاز.
حديث: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلاسواء بسواء))، أخرجه الشافعيّ في ((المسند)): بلفظ: ((لا تبعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البرّ بالبرّ، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء))، هذا لفظه في حديثِ عبادة، وللشيخين من حديثِ أبي بكرةٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن الفضّة بالفضَّة والذهبَ بالذهبِ إلا سواءً بسواء.
حديث ابن عمر (76): ((لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين))، عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، إنّي أخافُ عليكم الرما))، والرما هو الربا أخرجه أحمد والطبرانيّ في ((الكبير)).
(85) قوله: لأنّ هجران الصبي مهجور شرعاً، الترمذيّ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منّا مَن لم يرحمْ صغيرنا ويوقّر كبيرنا))، وأخرجه من حديث أنس ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بلفظ: ((ويعرف شرف كبيرنا))، ولفظ أبي داود: ((ويعرف حقّ كبيرنا)).
(89) باب جملة ما يترك به الحقيقة
قوله: عن عليّ رضي الله عنه: إنّما بذلوا الجزية لتكونَ دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، وروى الشافعيّ في ((مسنده)): ثنا محمّد بن الحسن، ثنا إبراهيم بن محمد ثنا محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: مَن كانت له ذمّتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا.
حديث: ((إنّما الأعما ل بالنيّات))، تقدّم في القسم الرابع.
حديث: ((رفع عن أمّتي))، أخرجه ابن ماجه عن ابن عبّاس أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله وضعَ عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، وصحَّحه ابن حبّان، واستنكره أبوحاتم ولابن عديّ من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً: الخطأ والنسيان والأمر يكرهونَ عليه وضعف)).
(90) باب حروف المعاني.
حديث: ((نبدأ بما بدأ الله بذكره))، أخرج مسلم في حديثِ جابر في صفة الحجّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ من باب الصفا، فلمّا دنا من الصفا قرأ {إنّ الصفا والمروة من شعائرِ الله}، ابدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا)) الحديث.
(96) حديث: ((لن يجزي ولد والده))، عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه))، رواه الجماعة إلا البخاري.
98)حديث: ((مَن حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأت بالذي هو خير، ثمّ ليكفّر عن يمينه ـ وروى: ((فليكفّر يمينه)) ـ ثمّ ليأت بالذي هو خير))، أخرج الأوّل السرقسطي في ((الدلائل))، والثاني متَّفق عليه، وله ألفاظ: فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حلفتَ على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها فآت الذي هو خير، وكفَّر عن يمينك))، وفي لفظ: ((فكفّرعن يمينك، وآت الذي هو خير))، متّفق عليهما، وفي لفظ: ((إذا حلفتَ على يمينٍ فكفّر عن يمنيك ثمّ آت الذي هو خير))، (99) رواه النسائيّ وأبو داود، وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى خيراً منها فليكفّرها، وليأت الذي هو خير))، رواه مسلم، وفي لفظ: ((مَن حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّرعن يمينه))، رواه أحمد ومسلم والنسائيّ وابن ماجه، وهذا مثل لفظ الكتاب إلا أنّه بالواو، وعن أبي هريرةَ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليكفّر عن يمينه، وليفعلْ الذي هو خير))، رواه أحمد ومسلم والترمذيّ، وصحّحه، وفي لفظ: ((فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه))، رواه مسلم.
(100) وعن أبي موسى الأشعري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحلّلها))، وفي لفظ: ((إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يمينه))، وفي لفظ: ((إلا كفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير))، متفق عليه.
(102)قوله: وردَ بيانه بالسنّة، عن حديث جبريل، حين نزلَ بالحدّ على أصحاب أبي بردة على التفصيل، أخرجَه الثعلبيّ في ((تفسيره))، من رواية ابن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس، ولفظه: ((فنزلَ جبريل عليه السلام فيهم بهذه القصة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلبهم فقال: مَن قدرت عليه منهم، وقد قتلَ ولم يأخذ مالاً، فاقتله، ومَن وجدته قد أخذ المالَ ولم يقتل فاقطع يده ورجله ومن أعجزك أن تدركه فهو بهرج، مَن لقيه قتله))، فهذا لنفي لقوله عز وجلّ (103) {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخره عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم}، فمَن جاءَ منهم تائباً قبل أن يقدرَ عليه هدرَ الإسلام ما كان قبله في الشرك، {وكان الله غفوراً رحيماً}.
(109)باب حرف الجر:
حديث: ((التيمم ضربتان))، أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر بهذا اللفظ، وفيه على بن ظبيان فيه مقال.
(116) باب الصريح والكناية
قوله: وقد جاءت السنّة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لسودة: ((اعتدي ثمّ راجعها))، استغربه المخرّجون، وهو في ((الآثار)) لمحمّد بن الحسن: ثنا أبو حنيفة، عن الهيثم ابن أبي الهيثم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال لسودة: ((اعتدي))، فجعلها تطليقة تملكها، فجلست على طريقِهِ يوماً: فقالت" يا رسول الله، راجعني، فوالله ما أقول هذا حرصاً منّي على الرجال، ولكن أريد أن أحشر يومَ القيامةَ مع أزواجك، واجعل يومي منك لبعضِ أزواجك، قال: فراجعها، وأخرجه ابن خسر، وفي ((المسند)) بهذا إلا أنّه قال: قالت: أنشدك الله راجعني، فإنّي قد وهبتُ يومي وليلتي لعائشةَ فراجعها)).
(117) وأخرج الحارثيّ بعضه عن أبي حنيفة عن حمّاد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشةَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسودةَ حين طلّقها: ((اعتدّي))، وأخرج البيهقيّ من طريقِ حفصِ بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم طلّق سودةَ فلمَّا خرجَ إلى الصلاة أمسكت بثوبه، فقالت: ((والله مالي في الرجالِ حاجة، ولكن أريد أن أحشر في أزواجك، قال: فراجعها وجعل يومها لعائشة))، وأصلُ الحديثِ في الصحيحين وغيرهما بدون طلاق.
(118) باب وجودِ الوقوف على أحكام النظم.
قوله: إلا أنّا جوّزنا تقديمَ النيّة على الفجرِ بالسنّة؛ عن حفصة أمّ المؤمنين أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يبيّت الصيامَ قبل الفجرِ فلا صيام له))، ورواه أصحابُ السنن الأربعة، وفي لفظ: ((لا صيامَ لمن لم ينو الصيام من الليل))، وفي لفظ يجمعُ بالتشديد، وفي لفظ بالتخفيف.
(120)حديث: واقعت امرأتي في شهرِ رمضان؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيعُ أن تصوم شهرين متتابعين، قال: لا، قال: فهل تجدُ ما تطعم ستّين مسكيناً؟ قال: لا، ثمّ جلسَ فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرقٍ فيه تمر، فقال: تصدّق بهذا، قال: أعلى أفقر منا، فما بين لابتيها أهلُ بيتٍ أحوجُ إليه منّا، فضحكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثمّ قال: اذهب فأطعمه أهلك))، رواه السبعة، واللفظُ لمسلم، ولفظُ الطبرانيّ في ((الوسط)): جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي أفطرت يوماً من رمضانَ متعمّداً ووقعت على أهلي فيه.
(121)قوله: النصّ وردَ في عذر الناسي؛ هو ما عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نسى وهو صائم فأكل أو شربَ فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه الله وسقاه))، متَّفق عليه، ولفظُ ابن حبَّان أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّي كنت صائماً فأكلت وشربت ناسياً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((أتمّ صومك فإنّ الله أطعمك وسقاك))، وزاد الدارقطني: ((ولا قضاء عليك)).
حديث: ((لا قود إلا بالسيف))، أخرجه ابن ماجه من حديث أبي بكرة، والنعمان بن بشير، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود، والدارقطنيّ من حديث أبي هريرة وابن أبي شيبةَ من مرسلِ الحسن، وفي أسانيدها مقال.
(125) حديث: ((رفع عن أمّتي))، تقدّم في باب ما يتركُ به الحقيقة.
حديث: ((إنّما الأعمال بالنيّات))، تقدّم في القسم الرابع.
(127) حديث: ((الماء من الماء))، أخرجه مسلم من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه.
قوله: فهم الأنصارُ من ذلك أنّ الغسلَ لا يجب بالاكسال، روى مسلم عن أبي موسى الأشعريّ، قال: اختلف في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجبّ الغسل الحديث.
حديث: ((في خمسٍ من الإبل السائمة شاة))، أخرجه الطبرانيّ عن عمرو بن حزم أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى أهل اليمن بكتابٍ فيه الفرائضُ والسنن والديات، فذكره، وفي كلّ خمسٍ من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغَ أربع وعشرين.
(129) قوله: روى أنّه عليه السلام سهى فسجد، عن أنس أنّ النبيَّض صلى الله عليه وسلم صلّى صلاةً فسهى فيها، فسجد، أخرجه الطبرانيّ في ((معجم الصغير)).
(130) قوله: وروى أنّ ماعزاً زنى فرجم، أخرجه مسلمُ من حديث جابر بن سمرة.
(132) حديث: ((في خمس من الإبل شاة))، أبو يعلى بهذا اللفظ ، وهو في البخاريّ بدون هذا اللفظ.
قوله: كما قيل في نصوص العدالة فيه ما أخرجه ابن حبّان عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لانكاح إلا بوليّ وشاهديّ عدل)). (133) قوله: وقال عبد الله بن عبّاس: أبهموا ما أبهم الله، وهو قول العامّة من أمّهات النساء ـ بياض في الأصل ـ الطحاويّ في أحكام ثنا يزيدُ بن سنان، نا معاذ بن هشام، ثنا مطر عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وأمّهات نسائكم}، قال: مبهمة، ثنا أبو غسّان، قال: ثنا عبد السلام عن قاتادة عن الحسن عن عمران بن حصين، قال: أمّهات نسائكم، قال: هي مبهمة، ثنا يونس ثنا ابن وهب أنّ مالكاً أخبره عن يحيى بن سعيد (134) قال: سئل زيدُ بن ثابتٍ عن رجلٍ تزوّج امراةً ففارقها قبل أن يصيبها، هل تحلّ له أمّها قال زيد: لا الأمّ مبهمة، ليس فيها شرط، وإنّما الشرطُ في الربائب.
قوله: السنّة العروفةُ في إبطالِ الزكاة عن العواملِ والحواملِ في ((مسند أبو حنيفة)) رضي الله عنه من حديثِ عليّ مرفوعاً: ((ليس في العوامل والحوامل صدقة))، أخرجه طلحة العدل، وأخرجه محمّد في ((الآثار)) موقوفاً، والله أعلم، وللدارقطنيّ عن عليّ رضي الله عنه: ليس في العوامل صدقة، وأخرج الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عبّاس رفعه: ليس في البقر العوامل صدقة.
قوله: بحديث مشهور، وهو قراءةُ عبد الله بن مسعود، ابن أبي شيبة عن الشعبيّ قال: قرأ عبد الله بن مسعود فصيامُ ثلاثةِ أيّام متتابعات، ولعبد الرزاق عن عطاء: بلغنا في قراءةِ ابن مسعود فذكر مثله، وعن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود
ثلاثة أيّام متتابعات، وعن أبي اسحق والأعمش قالا: في حرفِ ابن مسعود مثله.
(135)حديث: ((أدّوا عن كلّ حرّ وعبد))، عن عبد الله بن ثعلبة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((أدّوا صاعاً من برٍّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعاً من تمرٍ أو شعير عن كلّ حرّ وعبد، صغير أو كبير)) رواه عبد الرزاق وأبو داود، وللدارقطنيّ عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أدّوا صدقة الفطرِ عن كلّ صغير وكبير، ذكر أو أنثى، يهوديّ أو نصرانيّ، حرّ أو مملوك))، وفيه ضعف شديد.
قوله: وفي حديث آخر، عن ابن عمرَ فرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطرِ من رمضانَ صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعير، على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، رواه الجماعة.
(137) باب العزيمة والرخصة
قوله: وخبر الواحد يعيّن الفاتحة؛ عن عبادة بن الصامت أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب))، رواه الجماعة وفي لفظ: ((لاتجزئ صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، رواه الدارقطنيّ وقال: إسنادٌ صحيح.
قوله: وخبرُ الواحدِ يوجب التعديل، هو حديث أبي هريرةَ المتقدّم في باب بيان معرفة أحكام الخصوص.
قوله: وكذلك الطواف مع الطهارة تقدّم في أحكام الخصوص.
قوله: وكذلك السعي؛ عن صفيّة قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار الاتي أدركن (138) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قلن: دخلنا دار ابن أبي حسن فرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناسُ بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركتبه من شدة ما يسعى وهو يقول: ((اسعوا فإنّ اللهَ تعالى كتب عليكم السعي)) رواه الدارقطنيّ، قال ابن الهادي: له إسنادٌ صحيح,
قوله: ثبت بخبر الواحد، هو ما عن أسامة بن زيد قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلمّا بلغَ الشعبَ الأايسر الدي دونَ المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببتُ عليه الوضوء، فتوضَّأ وضوءاً خفيفاً، ثمّ قلت: الصلاة، قال: الصلاة أمامك، متَّفقٌ عليه.
قوله: وكذلك الترتيب واجب لخبر الواحد؛ هو ما أخرج الدارقطنيّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نسي صلاةً فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليتمّ صلاته، فإذا فرغَ من صلاتِهِ فليعد الصلاة التي نسي، ثمّ ليعد الصلاةَ التي صلاها مع الإمام)).
قوله: وثبت كون الحطيم ممن البيت بخبر الواحد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحجرِ أمن البيت هو، قال: نعم، الحديثُ متَّفقٌ عليه، وفي روايةٍ عنها: كنتُ أحبّ أن أدخل البيتَ أصلّي فيه، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر، فقال: ((صلّ في الحجرِ إذا أردت دخولَ البيت فإنّما هو قطعةٌ من البيت))، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصحّحه الترمذي.
(139) قوله: لقول سعيد بن المسيب السنّة ابن أبي شيبة عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم في هذه من الدية، يعني الخنصر، فقال: عشر من الإبل، قال: قلت: وفي هذه، يعني الخنصر والتي تليها؟ قال: عشرون، قلت: فهؤلاء، يعني الثلاثة، قال: ثلاثون، قال: قلت: ففي هؤلاء، وأومأ إلى الأربع، قال: عشرون، قال: قلت حين آلمت جراحتها وعظمت مصيبتها كان الاأل لأرشها، قال: أعراقي أنت، قال: قلت: عالمٌ متثبّت أو جاهلٌ متعلّم، فقال: يا ابن أخي السنّة.
قوله: وقال ذلك في قتلِ الحر بالعبد ـ بياض ـ
قوله: كان السلف يقول: سنة العمرين ـ بياض ـ
(141)حديث: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم رخَّص في السلم، قال القرطبيّ في ((شرح مسلم)): وممّا يدلّ على اشتراطِ الأجل في السلمِ الحديثُ الذي قال فيه: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيعِ ما ليس عندك، وأرخص في السلم. انتهى. ولم أقف عليه، هكذا وعندي أنّه مركّب، فحديثُ النهي هو حديث حكيم بن حزام، وحديثُ الرخصةِ هو حديثُ ابن عبّاس، قال: قدمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهم يسلفونَ في الثمارِ السنةَ والسنتين، فقال: ((مَن أسلفَ في تمرٍ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) رواه الجماعة. (142)حديث عمر: أنقصرُ الصلاةَ ونحن آمنون ـ بياض ـ عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمرَ بن الخطَّاب: {فليسَ عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاةِ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}، فقد أمن الناس، فقال: عجبتٌ ممّا عجبتَ منه، فسألتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((صدقةٌ تصدّق الله بها، عليكم فاقبلوا صدقته))، رواه الجماعةُ إلا البخاري.
(144) بابُ حكمِ الأمر والنهي في أضدادهما
حديث: ((لا نكاحَ إلا بشهود))، تقدّم في باب النهي.
قوله: كان من السنّة لبس الإزار؛ عن ابن عبّاس انطلقَ النبي صلى الله عليه وسلم من المدينةِ بعدما ترجَّل وادَّهن ولبسَ إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينهَ عن شيء من الأردية، والأزر تلبس إلا المزعفر التي تردعُ الجلد، الحديث رواه البخاري.
(145) قوله: بدليل محتمل؛ هو ما أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: نادى منادي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاةَ إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب))
(147) باب بيان أسباب الشرائع
حديث: أدّوا عن كلّ حرٍّ وعبد، تقدّم في بابِ وجوه الوقوف على أحكام النظم. (148) حديث: وأعمن تمونون ـ بياض ـ وللبيهقيّ عن ابن عمرَ قال: أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصدقةِ الفطر عن الصغير والكبير، والحرّ والعبد ممّن تمونون، وأخرجه الدارقطنيّ من حديث علي، وفي إسناد هذا ضعف.
(150) باب المتواتر
قوله: وأما أخبار زرادشت… الخ؛ نقل الحافظُ أبو محمّد بن حزم في كتاب ((الملل والنحل)): له اختلافُ أهلِ الإسلامِ في نبوّة زرادشت، وحينئذٍ لا يضرّ ما نقلَ عنه، وإن تواتر، والله أعلم.
قوله: وأخبار اليهود، قلت: روى ابن اسحق أنّهم جعلوا للدّال جعلا ثلاثين درهماً، وكذا أخرجه ابن جرير، ومثل هذا لا يصدرُ عن جمعٍ لا يتوهّم تواطئهم على الكذب، وقد روى القصّة ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس بسندٍ صحيح، ورواها النسائيّ وابنُ جرير، ولم يتعرّض أحدٌ منهم لعدَّة اليهود، والله أعلم.
(152) باب المشهور
قوله: مثلُ حديثِ المسح على الخفّين والرجم، أمّا المسحُ فروي من حديث جرير والمغيرةُ بن شعبة، وبريدة أخرجهما الستة، ومن حديث سعد ابن أبي وقّاص وعمرو بن أمّية أخرجهما البخاريّ، ومن حديث: حذيفةَ وبلال، أخرجهما مسلم، ومن حديث صفوان أخرجه الترمذيّ والنسائيّ و ابن ماجه، وحديثُ خزيمةَ عند أبي داود والترمذي وابن ماجة، وحديث ثبوبان عند أبي داود، وحديث أسامة عند النسائيّ، وحديث عمر بن الخطّاب عند ابن ماجه، وحديث أبيّ بن عمارة عند أبي داود (153) وابن ماجه، وحديث سهل بن سعد الساعدي وأنس بن مالك أخرجهما ابن ماجه، وحديثُ عائشة أخرجه النسائيّ في ((الكبرى))، وحديث أبي هريرة عند أحمد، وحديث أبي أيوب عند اسحق بن راهويه، وحديث أبي بكرةَ والبراءُ بن عازب، وأبي عوسجة وأبي طلحة، وأبي أمامة، وعبادة وعبد الرحمن بن بلال، وعبد الله بن رواحة، وعبد الرحمن بن حسنة، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، ويعلى بن مرة عند الطبرانيّ، وحديث أبي برزة وابن عبّاس، وعوف ابن مالك، وابن مسعود، وحابر عند البزّار، وحديث مالك بن سعد، ومالك بن ربيعة عند أبي نعيم في الصحابة، وحديث أوس الثقفيّ عند ابن أبي شيبة، وحديث يسار عند العقيليّ في ((الضعفاء))، وأمّا الرجم فعن عمر: رجمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، متّفق عليه، وسيأتي في النسخِ بأتمّ من هذا، وروى من حديث عبادة عند مسلم وأبي داود والترمذي، ومن حديث وائل بن حجر عند أبي داود، والترمذيّ ومن حديث النعمان بن بشير عند أبي داود والترمذيّ والنسائيّ، ومن حديث بريدة عند مسلم وأبي داود، ومن حديث جابر عند أبي داود، ومن حديث عمران بن حصين عند مسلم وأبي داود والترمذيّ والنسائيّ، ومن حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهنيّ، متفقٌ عليه، ولأبي هريرةَ حديثٌ آخر عند أبي داود، ومن حديث ابن أبي أوفى متَّفق عليه، ومن حديث عليّ عند البخاري، ومن حدث ابن عمر عند البخاريّ وأبي داود.
قوله: والتتابع في صيامِ الكفّارة، تقدّم في بابِ وجوه الوقوف على أحكامِ النظم.
(154)باب خبر الواحد
قوله: وقد ورد الآحاد في أحكامِ الآخرة، مثل عذابِ القبرِ ورؤيةُ الله تعالى بالأبصار، عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ يهوديّة دخلت عليها فذكرت عذابَ القبر، فقالت: أعاذك اللهُ من عذابِ القبر، فسألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن عذابَ القبر، فقال: نعم، إنّ عذابَ القبرَ حقّ وإنّهم يعذّبون في قبورهم عذاباً يسمعه البهائم، ثم قالت: فما رأيته بعد صلّى صلاةً إلا تعوّذ فيها من عذابِ القبر، متفق عليه وعن ابن عبّاس قال: مرَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على قبرين (155) فقال: إنّما ليعذبان الحديث، متّفقٌ عليه، وفي الباب عن زيدِ بن ثابت عند مسلم، وعن أبي أيوب عند الشيخين والنسائي، وعن جرير بن عبد الله قال: نظرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمرِ ليلةَ البدر، فقال: ((إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته))، متّفق عليه، وعن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخلَ أهلُ الجنّة يقولُ الله تبارك وتعالى: تريدونُ شيئاً أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنّة، ألم تنجّنا من النار، قال فيكشفُ الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظرِ إلى ربّهم تبارك وتعالى))، رواه مسلم والترمذيّ.
قوله: مثل خبر بريرة في الهدية، وخبر سلمان في الهدية والصدقة، عن أنس أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحمٍ تصدّق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة، ولنا هدية، متّفق عليه، ومن حديثِ عائشةَ نحوه، وعن سليمان قال: أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بطعامٍ وأنا مملوك، فقلت: وهذه صدقة، فأمرَ أصحابه فأكلوا ولم يأكل، ثمّ أتيته بطعام فقلت: هذا هديةٌ أهديتها لك أكرمك بها، فإنّي رأيتك لا تأكل الصدقة، فأمر أصحابه فأكلوا وأكل معهم، رواه أحمد، قلت: لا دلالة له في كلا الحديثين على المطلوب، فإنّهما إنّما أخبرا عن فعلِ أنفسهما، وليس الكلام فيه.
قوله: مثل عليّ ومعاذ وعتاب ودحية وغيرهم، أخرج أبو داودَ والترمذيّ عن عليّ رضي الله عنه قال: بعثني النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمنِ قاضياً… الحديث، وأخرجا أيضاً عن معاذ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له لمّا بعثه إلى اليمن: كيف تقضي؟… الحديث، ولابن ماجه عنه، قال: ((لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال لا تقضينّ أو لا تفصلنّ إلا بما تعلم، ولاحمد عنه قال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن، وعن عتاب بن أسيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا بعثه إلى مكّة نهاه عن شفّ ما لم يضمن، رواه ابن ماجه، ورواه أبو يعلى، فقال: نهاه عن سلفٍ وبيع، وعن دحية الكلبي قال: بعثني النبيّ صلى الله عليه وسلم بكتابٍ إلى قيصر، رواه أبو نعيم، ومن غيرهم عبيد الله بن عبد الخالق الأنصاري، عن ابن عمر: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن يذهبُ بكتابي إلى طاغيةِ الروم وله الجنة، فقامَ رجلٌ يدعى عبيد الله بن عبد الخالق الأنصاري، فقال: أنا أذهب به))، الحديثُ أخرجه في ((جامع المسانيد)).
قوله: وكذلك أصحابه عملوا بالآحاد عن قبيصة بن ذويب قال: جاءت الجدة (156) إلى أبي بكر فسألت ميراثها، فقال: مالك في كتابِ الله شيء، وما علمت لك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس ، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك، فقام محمّد بن مسلمة الأنصاريّ فقالَ مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، ثمّ جاءت الجدّة الأخرى إلى عمرَ بن الخطاب فسألته ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتها فهو بينكما، وأيّكما خلت به فهو لها، رواه الخمسةُ إلا النسائيّ، وصحّحه الترمذيّ، وأخرج البخاريّ عن بجالة بن عبدة أتانا كتابُ عمر قبل موتِهِ بسنة: فرّقوا بين كلّ ذي رحمٍ محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهدَ عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوسِ هجر، وعن أبي هريرةَ أنّ فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر: مَن يرثك إذا متّ، قال ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرثُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ النبيّ لا يورّث، الحديث رواه أحمد والترمذيّ وصحّحه، وعن فريعة بنت مالك قالت: خرجَ زوجي في طلب علاجٍ له فأدركهم بطريقِ القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دارٍ شاسعةٍ من دور أهلي، فأتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ذلك له، فقلت: إنّ نعي زوجي أتاني في دارٍ شاسعةٍ من دور أهلي، ولم يدع نفقةً ولا مالاً، ورثته وليس المسكن له، فلو تحوّلت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني، قال: تحوّلي، فلمّا خرجت إلى المسجدِ أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي، فدعيت، فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجَك حتى يبلغَ الكتابُ ،أجله قالت: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً قال فأرسلَ إليّ عثمان، فأخبرته فأخذ به، رواه الخمسة،
وصحّحه الترمذيّ، ولم يذكر النسائيّ وابن ماجه إرسالُ عثمان.
قوله: ذكر محمّد في هذا غير حديث في كتاب الساتحسان، قلت: لفظه فيه: ألا ترى أنّ أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه شهدَ عنده المغيرةُ بن شعبة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أعطى الجدّة أمّ الأم السدس، فقال: إئت بشاهدٍ آخر، فجاء محمّد بن مسلمة فشهدَ على مثل شهادته فأعطى أبو بكر الجدة السدس، وعمر شهد عنده أبو موسى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع، فقال: إئت معك بشاهدٍ على ذلك، فهذا أفضل للاحتياط، والواحد يجزئ، ألا ترى أنّ عمر قَبِل شهادة عبد الرحمن بن عوف، شهد عنده وحده أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده المجوس، فقال: سنو بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الخراج، فأجاز عمر قوله وحده، وأجازعمر قول عبد الرحمن (157) بن عوف في الطاعون حين أرادَ أن يدخلَ الشام وكان بها الطاعون فاستشارَ عمر في الدخول، فأشارَ إليه بعض المهاجرين بالدخول، وقال أبوعبيدة بن الحراج: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قدرِ الله، وقال قومٌ من أهل مكّة لا تدخل فأمّا عبد الرحمن بن عوف فقال: إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا وقعَ هذا الرجز بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها))، وأخذ عمر بقوله، وحديث آخر أراد عمرُ بن الخطاب أن لا يورث امرأة من ديةٍ زوجها شيئاً، حتى شهدَ له الضحّاك بن سفيان أنّ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أن تورثَ امرأة اتيم الضبابيّ من ديةِ زوجها أشيم، فأخذ بقوله، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي وحده إلى قيصر ملكُ الرومِ بكتابه يدعوه إلى الإسلام، فكان حجَّة عليه، قال علي بن أبي طالب: كنت إذا لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثني به غيره استحلفته على ذلك، وحدّثني به أبو بكرٍ الصديق وصدق أبو بكر، وبلغنا أنّ نفراً من أصحابِ رسول الله
صلى الله عليه وسلم كانوا يشربون شراباً لهم من الفضيخ فأتاهم آتٍ فأخبرهم أنَّ الخمرَ قد حرّمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، قمْ إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إليها فكسرتها، حتى أهرق ما فيها، قال محمد: وثنا وكيع عن سفيان عن سماّك عن عكرمة أنّ أعرابيّاً شهدَ عند النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الهلال قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فقال: نعم، فأمر الناس فصاموا، هذا حاصل ما فيه، والله أعلم.
(159)باب تقسيم الراوي
حديث المصراة: عن ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد أنّه سمعَ أبا هريرةَ رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن اشترى غنماً مصراة فاحتلبها، فإن رضي أمسكها، وإن سخطها ففي حلبها صاعٌ من تمر، رواه البخاريّ، وللترمذيّ عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((مَن اشترى مصرة فهو بالخيارِ ثلاثةُ أيّام، فإن ردّها ردّ معها صاعاً من طعام لا سوراء))، وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: والسنّة المعروفة عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مَن أعتق شركاً له في عبد، وكان له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدَ قوم العبد عليه قيمة عدل فأعدل شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتقَ عليه ما عتق، رواه الجماعة،وعن أبي هريرةَ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((مَن أعتق شقصاً من مملوك، فعليه خلاصه من ماله، فإن لم يكن له مال قوّم المملوك قيمةَ عدل، ثمّ استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه، رواه الجماعة إلا النسائيّ.
(160) قوله: بأن لم يعرفْ إلا بحديث أو حديثين، مثل وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق، ومعقل بن سنان، قلت: وابصة بن معبد أخرجَ له أبو داود والترمذيّ وابن ماجه، قال: أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أريدُ أن لا أدعَ شيئاً من البرّ والإثم إلا سألته عنه الحديث، وحديث أنًّ رجلا صلّى خلفَ الصف وحده فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعيد، وحديث رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع سوّى ظهره، حتى لو صبّ عليه الماء لاستقرّ، رواه ابن ماجه، وأخرج له الطبرانيّ.
(161) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تتخذوا ظهور الدواب منابر))، وسمعته يقول: ((إنّ شرّ الدواب البغل))، وأخرج له أيضاً قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلّ شيء حتى سألته عن الوسخِ الذي يكون في الأظفار، فقال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وأخرج له أيضاً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجّة الوداع: ((ليبلّغ الشاهد الغائب))، وأمّا سلمة بن المحبق، واسمُ المحبق صخر، فأخرجَ له الطبرانيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجلٍ وقعَ على جاريةِ امرأته، إن كان استكرهها فهي حرّة، وعليه لسيّدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، ولها عليه مثلها))، رواه النسائيّ وأبو داود، وأخرجَ عنه أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في سفرٍ فأتى على قربةٍ معلّقة فاستسقى، فقيل: ميتة، فقال: ذكاة الأديم دباغه، وأخرجه النسائيّ وأبو داود، وأخرج عنه أيضاً أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببدنتين مع رجلٍ فقال: ((أشعرهما من منحرهما)) الحديث، ورواه أحمد، وأخرج عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كانت له حمولة، ويأوى إلى شبعٍ وريّ، فليصم رمضانَ حيث أدركه))، وعنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَّ يوم خيبرَ بقدورٍ فيها لحم حمر، الناس فأمر بها فأكفئت، رواه أحمد، وعنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البكر بالبكر جلد مئة، ونفي سنة))، رواه أحمد، وحديث: ((أرايت لو وجدت مع امرأتك رجلاً))، رواه ابن ماجه، وهذا خلاف ما يذكرُ عنها، والله وليّ الإعانة.
وأمّا معقلُ بن سنان فروى النسائيّ عنه أنّه قال: مرّ عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا احتجمُ في اثنتى عشرةَ ليلةٍ خلت من رمضان، فقال: ((أفطر الحاجمُ والمحجوم)).
وعنه أنّه قال لعبد الله بن مسعود: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا، مثل ما قضيت، رواه الخمسة، وصحّحه الترمذيّ.
قوله: عمل به ابن مسعود، يفيده ما تقدّم، وقد أخرجه ابن أبي شيتة، وفيه: فما رأيتُ ابنَ مسعودٍ فرحَ بشيء ما فرحَ يومئذٍ به.
قوله: وردّه عليّ فما خالفَ رضي الله عنه،أيه وقال: ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه، لم أقفْ عليه بهذا اللفظ، وإنّما أخرج عبد الرزاقِ عن الحكم بن عتيبة أنّ عليّاً كان يجعلُ لها الميراث، وعليها العدّة، ولايجعلُ لها صداقاً، قال الحاكم: وأخبرَ بقولِ ابن مسعود، فقال: لا نصدّق الأعرابيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه ابن أبي شيبة، ثنا ابن عيينة، عن عمرو وعطاء بن السائب عن خير يرى أنه عن علي قال لها: الميراث ولاصداق لها، ثنا أبومعاوية عن الشيبانيّ عن عمر بن مرّة عمن أخبره عن عليّ قال لها: الميراثُ ولا صداق لها. (162)قوله: وقد روى عنه الثقات، مثل عبد الله بن مسعود وعلقمة ومسروق ونافع بن جبير والحسن، أمّا روايةُ ابن مسعودٍ فلم أقف عليها بصريحِ التحديث عنه وإنّما قبلَ منه وصدّقه وفرحَ بما أخبره به، وأمّا روايةُ علقمةَ عنه، فعند الأربعة، ورواية مسروق عنه عند أبي داودَ والنسائيّ وابن ماجه، ورواية نافع بن جبير عند أحمد في ((المسند))، ورواية الحسن البصريّ عنه عند النسائيّ÷، وكذا الأسود بن يزيد، والله أعلم.
قوله: وساعده عليه ناس من أشجع، منهم: أبو الجراح وغيره، أمّا رواية أبي الجراح فأخرجها أبو داود، فقال الجراح: ولفظه فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعودَ نحن نشهد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قضاها فينا في بروعِ بنت واشق، وأنّ زوجها هلالُ بن مرة الأشجعيّ كما قضيت الحديث.
وقال أبو موسى في معرفةِ الصحابة: أبو الجراح، وعند النسائيّ: أتى عبد الله بن مسعود في امرأة توفّي عنها زوجَها قبل أن يفرضَ لها الحديث، وفيه: فقام سلمة وفلان وفلان، فشهدوا أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروعَ بنت واشق الحديث، وعنده في رواية: فقام رجلٌ من أشجع، فقال منصور: أراه سلمة بن يزيد، فقال: مثل هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع… الحديث، وعند أحمد: فقامَ رجلٌ من أشجعٍ فقال: أشهد على النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قضى بذلك، قال: هلمّ مَن يشهد لك بذلك، فشهد أبو الجرّاح بذلك، وفي رواية، فقال: هلمّ شاهداك، فشهد أبو سنان والجرّاح ورجلان من أشجع، وفي رواية: فقام رهطٌ من أشجع منهم: الجرّاح وأبو سنان.
(163) حديث فاطمة بنت قيس عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم في المطلّقة ثلاثاً، قال: ((ليس لها سكنى ولا نفقة))، رواه أحمد ومسلم، وفي روايةٍ عنها قالت: ((طلّقني زوجي ثلاثاً، فلم يجعلْ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقه))، رواه الجماعةَ إلا البخاري.
قوله: وقد ردّه عمر عن الشعبيّ أنّه حدّث بحديث فاطمةَ بنت قيس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعلْ لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسودُ بن يزيد كفاً من حصى فحصبه به، وقال: ويلك تحدّث بمثل هذا، قال عمر: (164) لا نترك كتابَ الله وسنة نبيّنا لقولِ امرأة لا ندري لعلّها حفظت أو نسيت، رواه مسلمٌ والترمذيّ، وزاد: وكان عمرُ يجعلُ لها السكنى والنفقة، وأخرجه الطحاويّ، وفيه: فأخبرت بذلك إبراهيم النخعي فقالت قال عمر وأخبر بذلك لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا، وفي رواية: لسنا بتاركي كتاب ربّنا وسنّ’ نبينا بقول امراةٍ لعلّها كذبت وفي رواية: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لعلها وهمت، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لها النفقة والسكنى)).
قوله: وقد ردّه غيره من الصحابة أيضاً، عن عروة بن الزبير أنّه قال لعائشةَ: ألم ترى فلانةَ بنت الحكم طلّقها زوجها البتة، فخرجت، فقالت: بئسَ ما صنعت، فقال: ألم تسمعي إلى قولِ فاطمة، فقالت: أمّا إنّه لا خير لها في ذلك، متّفق عليه.
وفي رواية: إنّ عائشةَ عابت ذلك أشدّ العيب، وقالت: إنّ فاطمةَ كانت في بيت وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخصَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواهُ البخاريّ وأبو داود وابن ماجه، وأخرج الطحاويّ عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن قال: كانت فاطمةَ تحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال لها: اعتدّي في بيت ابن أمّ مكتوم، وكان محمّد بن أسامة بن يزيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمةُ من ذلك شيئاً رماها بما كان في يده، وروى الدارقطنيّ عن جابر بن عبد الله أنّه قال: ((المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة))، وعن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أرسل مروان إلى فاطمة فسألها فأخبرته أنّها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب، يعنى على بعض اليمن، فخرجَ معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وأمر عيّاش بن أبي ربيعةَ والحارثَ بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة إلا أن تكون حاملاً، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا نفقةَ لك ولا سكنى ألا أن تكوني حاملاً))، واستأذنته في الانتقالِ فأذن لها، فقالت أين انتقل يا رسول الله، قال: عند ابن أمّ مكتوم، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك حتى مضت عدّتها فأنكحها النبيّ صلى الله عليه وسلم أسامة، فرجع قبيصةَ إلى مروان، فأخبره ذلك، فقال مروان: لمْ نسمع مهذا الحديث إلا من امرأة، فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناسَ عليها، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائيّ . عن ميمونة قالت: قلت لسعيد بن المسيّب: أين تعتدّ المطلقة ثلاثاً، فقال: في بيتها، فقلت له: أليس قد
أمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاطمةَ بنت قيس أن تعتدي في بيت ابن أمّ مكتوم، فقال: تلك امرأة أفتتنت الناس، استطالت على (165) أختانها بلسانها، فأمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتدّ في بيت ابن أم مكتوم، الحديث.
وعن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن أنّ فاطمةَ أخبرته أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: اعتدّي في بيت ابن أمّ مكتوم، فأنكرَ الناسُ عليها ما كانت تحدّث به من خروجها قبل أن تحلّ، رواهما الطحاويّ وغيره.
قوله: وكذلك حديث بسرة بنت صفوان أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من مسَّ ذكره فلا يصلّي حتى يتوضّأ)) رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذيّ عن أرقم بن شرحبيل أنّه سأل عبد الله بن مسعود فقال: إنّي أحكّ فأمضي بيدي إلى فرجي، فقال ابن مسعود: إن علمت أنّ منك بضعةً نجسة فاقطعها.
وعن قيس(166) قال: قال عبد الله: ما أبالي مسست ذكري أو أذني أو إبهامي أو أنفي، وعن حذيفة أنّه قال: ما أبالي مسست ذكري أو أذني، وعن سعيد بن حبير عن ابن عبّاس مثله، وعن عمّار بن ياسر أنّه سئل عن مسّ الذكر في الصلاة، فقال: ما هو إلا بضعة منك، وعن قيس قال: سألٌ رجلً سعدا عن مسّ الذكر، فقال: إن عملت أنّ منك بضعة نجسة فاقطعها، وعن الحسن أنّ عمران بن حصين قال: ما أبالي أيّاه مسست أو بطن فخدي، يعني ذكره، وعن قابوس عن أبيه قال: سئل علي رضي الله عنه عن الرجل يمسّ ذكره، قال: لابأس، أخرجها ابن أبي شيبة.
(167)باب تفسير الشروط
قوله: بشهادة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خيركم))، وفي لفظ: ((خيرُ الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يشهدون ولايستشهدون))، الحديث متّفق عليه.
قوله: ألا ترى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم استوصف عن ابن عباس أنّ أعرابياً، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا اله الا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أنّ محمَّداً رسول الله (168) قال نعم، قال فأذّن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً، رواه الأربعة وابن خزيمة وابن حبّان في صحيحيهما.
قوله: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمتحنُ الأعراب بعد دعواهم الإيمان، وروى الطبرانيّ في ((الصغير)) عن عائشةَ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمتحنُ من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: {يا أيها النبيّ إذا جاءك المؤمنات}.
حديث: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ الجماعةَ فأشهدوا له بالإيمان))، رواه الترمذيّ وابن ماجه من حديث أبي سعيد، بلفظ: ((يعتاد المسجد)).
حديث: ((مَن صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فاشهدوا له بالإيمان))، أخرجه النسائيّ من حديث أنس، وهو طرفٌ من حديثٍ طويلٍ أخرجه البخاريّ، وأبو داود والترمذيّ إلا أنّهم قالوا بدل فاشهدوا: فهو المسلّم، وأخرجه الطبرانيّ في ((الكبير))، إلا أنّه قال بدل: ((فاشهدوا له، فذاك المسلم، له ذمّة الله وذمّة رسوله))، أخرجه من حديث جندب، وأخرجه من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: ((مَن صلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذاكم المسلم، له ذمّة الله وذمّة رسوله)). (170) وفيه زيادةُ قصّة مالك بن الدخشم، ولا أعلم له غيره، والله أعلم.
وأمّا ابن عبّاس فقد عميَ في آخر عمره، وكذا ابن عمر على ما يشهد به كثير من الآثار، ففي ابن أبي شيبةَ عن ابن عبّاس: كيف أؤمّهم وهم يعدلوني إلى القبلة، وفيه عن شعبة قال: كنت أقود ابن عبّاس يومَ العيد فسمعَ الناس يكبّرون الحديث.
وأمّا ابن عمر ـ بياض ـ .
وأما جابر: فقي مسلم عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسألته وهو أعمى، وذكر الحديث في الحجّ.
وأمّا واثلة: فقال في ((معرفة الصحابة)) لابن الأثير قد عمي في آخر عمره، وكذا قال في ((جامع المسانيد)).
وأمّا النساء، ففي النسائيّ عن ابن عمر، وأمّا الركعةُ قبل الفجر فأخبرتني بهما حفصة.
وأمّا العبيد؛ فقال الشارح مثل: نافع وسالم وعبد الله بن ،جبير ومحمّد بن جبير، أمّا نافع، فقيل: إنّه من العرب، وقيل: من نيسابور، وقيل: من سبي كابل، قال: الذهبي: قال الأصمعي: ثنا العمريّ عن نافع قال، دخلت مع مولاي على عبد الله بن جعفر فأعطى فيّ اثنا عشر ألفاً، فأبى ابن عمرَ واعتقني أعتقه الله.
وأمّا سالم، فلعلّه ابن أبي أمية، أبو النضر المدنيّ، مولى عمر بن عبد الله التيمي، روى له الجماعة.
وأمّا عبد الله بن جبير، فلعلّه ابن حينن، تصحف على النساخ، وهو مولى العبّاس، وقيل: مولى علي، روى له الجماعة.
وأمّا محمّد بن جبير فلم أعرفه، والله أعلم.
وأمّا رجوعهم إلى عائشة فلم يمثل له بشيء، وفي مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق، أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالطَ فقد وجب الغسل، قال: فقال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أمّاه أو يا أمّ المؤمنين، إني أريد أن اسئلك عن شيء، واني استحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عمّا كنت سائلاً عنه أمّك التي ولدتك، فإنّما أنا أمك، قلت: فما يوجبُ الغسل، قالت: على الخبيرِ سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جلسَ بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان، فقد وجت الغسل)).
وفي حديث رفاعة من هذه القصة أنّ عمرَ رجعَ إلى خبرِ عائشة، أخرجه أحمد.
أمّا قوله: وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر بريرة وسلمان، فقد تقدّم.
وأمّا قوله: وغيرهما، فمن ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله ابن بشر قال: كانت أختي تبعثني بالشيء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تطرفه إياه، فيقبله مني، وفي لفظ/ كانت تبعثني إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالهديةِ فيقبلها.
(171) باب بيان قسم الانقطاع
قوله: روى أبو هريرةَ أخرجَ النسائي عن أبي بكرٍ بن عبد الرحمن قال: ((إنّي لأعلم الناسَ بهذا الحديث.
قال: بلغَ مروان أنّ أبا هريرة يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه مَن أدركه الصبح وهو جنب فلا يصومُ يومئذ، فأرسله إلى عائشةَ ليسألها عن، ذلك فانطلقت معه فسألها فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبحُ جنباً من غير احتلامٍ، ثم يصوم، فرجعَ إلى مروانَ فحدّثه، فقال: ألقَ أبا هريرة فحدّثه، فقال: إنّه لجاري، (172) وإني لأكره أن استقبله بما يكره، فقال: اعزم عليك لتلقّنه، قال: فلقيه فقال: يا أبا هريرةَ، والله إن كنت أكره أن استقبلك بما تكره، ولكنّ الأميرَ عزم عليّ، فقال: فحدّثته فقال: حدّثنيه الفضل، وأخرجه مسلم، ولفظه قريبٌ من هذا، والله أعلم.
قوله: وروى ابن عبّاس، أخرج الطحاويّ عن عطاء بن سار عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: قلت لابن عبّاس: أرايتُ الذي تقول: الدينارين بالدينار، والدرهم بالدرهمين، أشهد لسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضلَ بينهما))، فقال ابن عبّاس: أنتَ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: نعم، فقال: إنّي لم أسمع هذا إنّما أخبرنيه أسامة بن زيد، وقال أبو سعيد: ونزعَ عنها ابن عبّاس، ولفظ الصحيحين: عن أبي سعيد: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم مثلاً بمثل، مَن زاد وأزاد فقد أربى))، فقلت له: فإنّ ابن عبّاس لا يقوله، ولفظُ مسلمٍ يقول غير هذا، فقال قد لقيت ابن عباس فقلت: أرأيت هذا الذي تقوله، أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو وجدته في كتاب الله تعالى، فقال: كلّ ذلك لا أقول وأنتم أعلم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم منّي، ولكنّي أخبرني أسامةَ بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم قال: ((لا ربى إلا في النسيئة)).
قوله: وقال البراء رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وأخرج الطبرانيّ مثله عن أنس، ورجاله رجال الصحيح أيضاً.
(173) حديث: ((تكثر لكم الأحاديث))، أخرجه البيهقيّ في المدخلِ بطرقٍ كلّها ضعيفة، قال الشارح رواهُ البخاريّ في كتابه، قلت: هذا يوهم أنّه في ((الصحيح))، وليس كذلك، وإنّما قال في ((التاريخ)): قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((ما سمعتم من حديث تعرفونه فصدّقوه))، وقال يحيى بن آدم: عن أبي هريرة، قال البخاريّ: هو وهم، ليس فيه أبو هريرة، وقال البخاريّ: قال لنا عبد الله بن صالح انا بكر عن عمر، وعن بكير عن (174) عبد الملك بن سعيد، حدّثه عن عبّاس بن سهل عن أبيّ: إذّا بلغكم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يعرفُ ويلين الجلد، فقد يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم الخير، ولا يقول إلا الخير، قال البخاريّ: وهذا أصحّ، يعني من رواية من روى عن أبي حميد وعن أبي اسيد، كما أخرجه أحمد مرفوعاً، وهذا ليس حديث الكتاب، وحاصل طرقِ الحديث وألفاظه عن أبي جعفرَ رفعه: ((إنّ الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم عنّي يوافقُ القرآن، فهو عنّي، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي)) رواه البيهقيّ، وضعّفه، وعن عليّ رفعه: ((إنّها تكون بعدي رواة يرون عنّي الحديث، فأعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافقَ القرآن فحدّثوا به، وما لم يوافقْ القرآن فلا تأخذوا به))، رواه الدارقطني، وقال: صوابه مرسل، قلت: ولا حجّة فيه لمن تأمّل، وعن أبي هريرةَ رفعه: ((إنّه سيأتيكم عنّي أحاديثُ مختلفة، فما أتاكم موافقاً لكتابِ الله وسنّتي فهو منّي، وما أتاكم مخالفاً لكتاب الله ووسنّتي فليس منّي))، رواه ابن عدي، وضعّفه بالطلحي، وللبيهقيّ: ((إذا رويتم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله))، الحديث، وعن ثوبان أنّ رسول الليه صلى الله عليه وسلم قال: ((اعرضوا حديثي على كتاب الله، فما وافقه فهو منّي وأنا قلته))، رواه الطبرانيّ، وفيه يزيد بن ربيعة متروك، وعن عبد الله بن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إنّه
ستفشو عنّي أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه، فما وافقَ كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله))، رواه الطبرانيّ، وفيه أبو خلف منكر.
(175)حديثُ مسّ الذكر تقدّم في تقسيم الراوي.
حديثُ فاطمة بنت قيس تقدّم في تقسيم الراوي.
حديثُ القضاءِ بالشاهدِ واليمين، رواه مسلم وأبو داود والنسائيّ وابن ماجه من حديث ابن عبّاس بلفظ: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاهدٍ ويمين)). حديث المصراة تقدّم في تقسيمِ الراوي.
حديثُ: ((البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر))، رواه البيهقيّ من حديث ابن عبّاس بهذا اللفظ، ولفظُ الصحيحين: (176) ((قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم باليمين على المدَّعى عليه)).
حديث سعد عن سعد بن أبي وقّاص أنّه قال: سئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراءِ الرطب بالتمر، فقال: ((أينقص الرطبُ إذا يبس، قال: نعم، فنهى عن ذلك))، قال الترمذيّ: حسنٌ صحيح، ولفظ ابن حبّان في ((صحيحه)): إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئلَ عن بيعِ الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جفّ، قال: نعم، قال: فلا إذن)).
حديث: التمر بالتمر، عن أبي هريرةَ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمَن زاد واستزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه))، رواه مسلم، ورواه مسلم وأحمد في أثناءِ حديث عبادةَ بن الصامت، ولفظ: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذا الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد))، وللبخاريّ من حديثِ أبي سعيد الخدريّ مثل حديثِ عبادة إلا أنّه قال بعد: ((يداً بيد، فمنزاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)).
(177) حديث الجهر بالتسمية: روى الحاكمُ والدارقطنيّ عن ابن عبّاس كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية: جهر، صحّحه الحاكم، وللنسائيّ عن نعيم المجمر: صليت وراء أبي هريرةَ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ قرأ بأمّ القرآن حتى بلغَ ولا الضالين، فقال: آمين، ثم يقول إذا سلّم: والذي نفسه بيدِه إنّي لأشبهكم صلاةً برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، صحَّحه ابن خزيمة، وهذا ان أمثل أحاديث الجهر، والله أعلم، والثاني لا يستلزم ذلك لجواز السماع مع الإخفاء للقرب، (178) وفيه حجّة عليهم لعطفِهِ أمّ القرآن على التسمية، والله أعلم.
حديث مسّ الذكر تقدّم.
حديث الطلاق بالرجال، والعدّة بالنساء، قال المخرّجون لأحاديثِ ((الهداية)): لم نجده، والله أعلم.
قوله: وإنّ الصحابة اختلفوا ولم يرجعوا إليه، أخرج ابن أبي شيبةَ عن ابن عبّاس: الطلاقُ بالرجال، والعدّة بالنساء، وأخرج عن عثمان بن عفان ويزيد بن ثابت أنّهما قالا لنفيع: طلاقك عبد، وعدّتها عدّة حرة، وكان نفيع مملوكاً تحته حرّة، وأخرج عن ابن عمر مثله وكذا أخرجه مالك في ((الموطأ)) عنه، وأخرج ابن أبي شيبة عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: الطلاقُ والعدّة بالنساء، وعن عبد الله بن مسعود أنّه قال: السنّة بالمرأة في الطلاق أو العدة، وعن أيّوب قال: ثبتَ عن ابن عبّاس: العدّة والطلاقُ بالنساء، والله أعلم.
قوله: وكذلك اختلفوا في زكاة الصبيّ، أخرج ابن أبي شيبةَ عن ابن أبي ليلى أنّ علياً زكّى أموال بني أبي رافع أيتام في حجره، وعن الزهريّ قال: قال عمر: ابتغوا لليتامى في أموالهم، لاتستغرقوها الزكاة.
وعن عبد الله بن دينار قال: دعي ابن عمر إلى مال يتيم، فقال: إن شئتم ولّيته على أن أزكّيه حولاً إلى حول.
وعن القاسم قال: كنّا أيتاماً في حجرِ عائشةَ، فكانت تزكّي أموالنا.
وأخرج عن ابنِ مسعود أنّه كان يقول: أخصّ ما يجبُ في مالِ اليتيم من الزكاة، فإذا بلغَ وآنس منه الرشد، فأعلمه، فإن شاءَ زكّاه وإن شاءَ تركه، وأخرج البيهقيّ عن ابن عبّاس: ليس في مالِ اليتيم زكاة، وأخرجَ الطحاويّ في ((أحكام القرآن)) بلفظ: لا تجبُ على اليتيمِ زكاة، حتى تجب عليه الصلاة، قوله: ولم يرجعوا إلى قوله: ابتغوا في أموالِ اليتامى خيراً كيلا تأكلها الزكاة، قلت: رواهُ الشافعيّ في ((مسنده)) عن عبد المجيد ابن أبي داود، عن ابن جريج، عن يوسف بن ماهك أنّه عليه الصلاة والسلام قال: ((ابتغوا في أموالِ اليتامى، لا تأكلها الزكاة))، وهذا مرسل، وروى الترمذيّ من طريق المثنّى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن ولي يتماً فليتّجر له، ولايتركه حتى تأكله الصدقة))، وضعّفه بالمثنى ابن الصباح، وقال مهنّا: سألت أحمد عنه، فقال: ليس بصحيح، ورواه الدارقطنيّ من طريقِ مندل بن علي، وهو ضعيف، ومن طريق عزرمى وهو ضعيف، ورواه ابن عدي من طريقِ الإفريقيّ وهو ضعيف، وقال الدارقطنيّ في ((العلل)) رواه حسين المعلّم عن مكحول عن عمرم ابن شعيب عن ابن المسيب عن عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر، ولم يذكر ابن المسيّب، وهذا أصحّ، قلت: فآل الأمر إلى أنّه موقوف الذي أخرجه ابن أبي شيبة، ولم يبقَ في البابِ مرفوع إلا مرسل بن ماهك، والمرسل ليس بحجّة عندهم، والله أعلم.
(179) قوله: ألا ترى أنّ الصحابةَ تحمّلوا في صغرهم، ونقلوا في كبرهم مثّل لذلك بابن عبّاس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، فأمّا عبدُ الله بن عبّاس فقال المزيّ في ((التهذيب)): روي عنه أنّه قال: توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثَ عشر، وقال أبو اسحاق السبيعيّ عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: توفّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنُ خمسَ عشرَ سنة، قال أحمد ابن حنبل: وهذا الصواب، وكذا ذكره المصنّفون في الصحابةِ كأبي نعيم، وابن مندة، وابن عبد البرّ وغيرهم، وممّا تحمّله ابن عبّاس في الصغر ما أخرجه (180) البخاريّ عن عبد الرحمن بن عبّاس: سمعت ابن عبّاس وسئل: هل شهدتَ العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، ولولا مكاني منه ما شهدته من الصغر، صلّى ركعتين، ثمّ خطبَ ثمّ أتى النّساء فذكّرهنّ فجعلن يلقينَ في ثوب بلالِ صدقة، تصدقن بها الحديث، وما أخرجه أحمد والترمذيّ والدارقطنيّ عنه قال: ردفت، وفي لفظ: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا غلام، ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك…)) الحديث.
وأمّا ابن الزبير فاتّفق أهلُ السيرِ والأخبارِ على أنّه أوّل مولودٍ ولدَ في الإسلام بالمدينة من قريش، وأنّه ولدَ في السنة الثانية، وكذا من صنّف في الصحابة، وممّا حفظه ابن الزبيرِ في الصغرِ ما أخرجه البخاريّ عنه أنّه قال: لمّا كان يوم الخندق كنتُ أنا وعمر بن أبي سلمة في الاطم الذي فيه نساءُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان رفعني وأرفعه، رأيت أبي حين يمر إلى بني قريظة وكان يقاتلُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((مَن يأتي بني قريظة، فذهبَ الزبير، فلمّا رجعَ قلت: يا أبة، لقد رأيتك تمرّ إلى بني قريظة، وفي لفظ: فذكرتُ ذلك لأبي، فقال: ورأيتني يا بنيّ، قلت: نعم، قال: أما والله لقد جمعَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ أبويه، فقال: فداك أبي وأمي، وكانت الخندق، إمّا في الرابعةِ أو الخامسة، فيكون عمره أربع سنينَ وبعض أشهر، والله أعلم.
وأمّا النعمانُ بن بشير، فأوّل مولود ولدَ للأنصار بعد الهجرة، قال الواقديّ: ولد على رأسِ أربعةَ عشرَ شهراً من الهجرة، قال في ((التهذيب)): قال ابن معين: أهلُ المدينةِ يقولون لم يسمعْ من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأهلُ العراق يصحّحون كافة منه، وليس يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في حديثِ الشعبيّ: ((إنّ في الجسد مضغة))، والباقي يقول عن وهذا الحديث الذي صرّح فيه بالسماعِ متَّفق عليه، والله أعلم.
(181) باب بيان محلّ الخبر
قوله: بالخبر الغريب، هو ما روى الخمسة إلا النسائيّ عن عكرمةَ عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من وجدتموه يعملُ عملَ قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: ((فارجموا الأعلى والأسفل))، قال ابن الطلاع: حديثُ أبي هريرة لا يصحّ، وحديث ابن عبّاس مختلفٌ في ثبوته.
(183) باب بيان القسم الرابع من أقسامِ السنة، وهو الخبر
قوله: ألا ترى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى الكتاب تبليغاً، عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى قيصرَ يدعوهُ إلى الإسلام، متّفقٌ عليه، وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى كسرى وقيصر والنجاشيّ، وإلى كلّ جبّار يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس بالنجاشيّ الذي صلّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم، وعن عبد الله بن عكيم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كتب إلى جهينةَ قبل موته بشهر أن لاينتفعوا من الميتةً بإهاب ولا عصب، (184) رواه الخمسة، وابن حبّان، وعن يزيد بن عبد الله قال: كنّا بالمربد فجاءَ رجلٌ أشعثُ الرأس بيدِهِ قطعة أديم أحمر، فقلنا له: كأنّك من أهلِ البادية، قال: أجل، قلنا: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فناولناها، فقرأناها، فإذا فيها: ((من محمّد رسول الله إلى بني زهير بن اقيش)) الحديث رواه أبو داود، وعن أنس: ((إنّّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى بكر بن وائل أن أسلموا تسلموا))، رواه ابن حبّان، وعن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى يهود خيبر، الحديث رواه أبو نعيم في ((دلائل النبوة))، وعن ابن أبي خيثمة قال: بعثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى منذر بن ساوى، وكتب إليه كتاباً… الحديث.
وعن الشفا بنت عبد الله أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وبعث معه كتاباً مختوماً… الحديث، رواهما الواقديّ.
وروى كتابه صلى الله عليه وسلم إلى مقوقس وغيره.
قوله: ألا ترى أنّ تبليغَ الرسولِ كان بالإرسال أيضاً، فيه ما رواه الجماعةَ عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا بعثَ معاذاً إلى اليسن فقال: ((إنّك تأتي قوماً من أهلِ الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله، وأنّي رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذُ من أغنياءهم فتردّ على فقرائهم، فإنهم أطاعوك لذلك فإياك وكدائم أموالهم، واتقّ دعوةَ المظلوم، فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب)).
وفي الصحيحين عن ابن عبّاس، إن وفدَ عبد القيس قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمرنا بأمرٍ فصلٍ نخبرُ به من والانا، وندخلُ به الجنّة، فأمرهم بأربع… الحديث.
وعن أبي بكرٍ الصدّيق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخرج فنادِ في النّاس: مَن شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنّة))، رواه أبو يعلى.
وعن عمرَ بن الخطَّاب أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذّن في النَّاس أنّه مَن شهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له مخلصاً دخلَ الجنة، رواه أبو يعلى والبزّار.
عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا بلال نادِ في الناس: مَن قال لا إله إلا الله قبل موتِهِ بسنةٍ دخلَ الجنّة أو شهرٍ أوجمعة أو يومٍ أو ساعة))، رواه الطبرانيّ في ((الكبير)).
وفيه عن زيد بن خالد الجهنيّ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشّر الناس أنّه مَن شهدَ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له دخل الجنة.
(185) قوله: وكانوا لا يكتبون ليس كلّهم بل بعضهم، فمّمن كره ذلك عليّ رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة أعزمَ على كلّ مَن كان عنده كتاباً إلا رجعَ فمحاه، فإنّما هلكَ الناسَ حيث تتبّعوا أحاديث علماءهم، وتركوا كتاب ربّهم، وأبو سعيدٍ الخدريّ قد روى عنه ابن أبي شيبة: خذوا عنّا كما أخذنا عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وابن مسعود وأخرجَ عنه أنّه كان يكره كتاب العلم، وروى عن الشعبيّ أنّ مروانَ دعا زيد بن ثابت وقوماً يكتبون وهو لا يدري، فأعلموه، فقال: لعلّ كلّ حديث (186) حدّثتكم ليس كما حدثتكم، وعن سعيد بن جبير قال: كنّا نختلف في أشياء، فكتبتها في كتابٍ ثمّ اتيت بها ابن عمر أسأله عنها خفياً، فلو علمَ بها كانت الفيصل فيما بيني وبينه، وعن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عبّاس أنّه رخص له أن يكتب، ولم يكد.
وحجّة هذا ما رواهُ أبو داودَ عن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت إلى معاوية، فسأله معاوية عن حديثٍ فحدّثه فأمرَ معاوية إنساناً يكتبه، فقال زيد: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نكتبَ شيئاً من حديثه، فمحاه، ومارواه مسلمٌ عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكتبوا عنّي غير القرآن، ومَن كتب غير القرآن فليمحه)).
وممّن أجاز ذلك عمرُ بن الخطّاب، فروى عنه ابن أبي شيبة أنّه قال: قيّدوا العلم بالكتاب، وابن عبّاس فروي عنه مثل لفظ عمر، والبراء وأبو هريرة.
روى ابن أبي شيبةَ عن عبد الله بن خنيس قال: رأيتهم عند البراء يكتبونَ على أكفّهم بالقصب، وعن بشير ين نهيك قال: كنت أكتب ما أسمعه من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابي، فقلت: هذا سمعته منك، قال: نعم.
وعن معن قال: أخرجَ إليّ عبد الرحمن بن عبد الله كتاباً، وحلفَ لي أنّه خطّ أبيه بيده، وقد تقدّم عنه أنّه كره ذلك، والتوفيقُ فيه سهل، وحجّة هذا ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال: كنت أكتب كلّ شيء سمعتُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، قالوا: تكتبُ كلّ شيء، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلّم في الرضا والغضب، فأمسكت في الكتابة، حتى ذكرت ذلك لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقاً))، ومارواه الترمذيّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: شكى رجلٌ من الأنصارِ فقال: يا رسولَ الله إني أسمعُ منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال: ((استعن بيمينك))، وأومأ إلى الخطّ، ومارواه عنه أيضاً، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكرَ قصَّةً في الحديث، فقال أبو شاة: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاة.
وما أخرج البخاريّ والترمذيّ عنه قال: ما كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً عنه منّي إلا عبد الله بن عمرو، فإنّه يكتب، ولم أكتب، وما رواه الطبرانيّ عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله إنّا نسمع منك أشياء فنكتبها، قال: اكتبوا ولا حرج، وعن أنس بن مالك قال: شكى رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءَ الحفظِ فقال: ((استعن بيمنك))، وعنه أنّه قال: ((قيّدوا العلم بالكتاب))
(188) باب شرط نقل المتون
حديث: ((نضر الله ابن امرأ سمعَ منّا مقالةً، فوعاها وأدّاها كما سمعها))، قلت: له ألفاظ بمعناه، فمنها: ما روى الترمذيّ وابن ماجه وابن حبّان وأبو يعلى الموصليّ، وابن أبي حاتم في مقدّمة ((الجرح والتعديل))، وابن أبي خيثمة، وعبد الغنيّ بن سعيد في كتاب ((أدب المحدّث))، والخطيب والعقيلي عن ابن مسعود قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأ سمعَ منّا شيئاً فبلّغه كما سمعه، فربّ مبلِّغ أوعى من سامع))، وفي لفظ حديثاً بدل شيئاً وفي لفظ: (نضر الله عبداً سمع مقالي فحفظها فأدّاها))، (189) وفي لفظ: ((نضر الله إمرأ سمعَ مقالتي فوعاها، فبلّغها))، وما رواه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وأحمد وابن حبّان والطبرانيّ وابن أبي حاتم في ((المقدمة)) عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأ سمعَ منّا حديثاً فبلّغه)) وفي لفظ: ((نضر الله امرأ سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يبلّغه غيره)) الحديث، وما روى الطبرانيّ عن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي هذه فبلّغها، فربّ حاملَ فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه)) الحديث، وفي لفظٍ عند الدارميّ: ((نضر الله امرأ سمعَ منَّا حديثاً، فبلّغه كما سمعه فربّ مبلّغ أوعى من سامع)) الحديث، وعن عبيد بن عمير عن أبيه عن جدّه ان النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم فقال: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها، فربّ حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله عبداً سمع كلامي فلم يزدْ فيه، فربّ حامل فقه إلى أوعى منه، وفي لفظ: ((نضر الله عبداً سمعَ مقالي فبلَّغه ثمَّ لم يزد فيه، فربّ حاملِ كلمةٍ إلى مَن هو أوعى لها منه)).
وعن النعمان بن بشير أنّه قال في خطبةٍ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف فقال: ((نضر الله وجه عبدٍ سمعَ مقالتي فحملها، ربّ حامل فقهٍ غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه)).
وعنه عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((رحمَ الله عبداً سمعَ مقالتي فحفظها، فربّ حاملَ فقهٍ عن فقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه)).
وعن أبي قرصافة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها وحفظها، فربّ حاملَ علمٍ إلى مَن هو أعلم منه)).
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها، ثمَّ بلّغها، فربّ مبلغٍ أوعى من سامع)).
وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله عبداً سمعَ مقالتي فوعاها، فربّ حاملُ فقهٍ وهو غير فقيه، وربّ حاملَ فقهٍ إلى من هو أفقه منه)).
وعند أنس بن مالك قال: خطبنا رسول اله صلى الله عليه وسلم بمسجد الخيف من منى، فقال: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي فحفظها، ثمّ ذهبَ بها إلى مَن لم يسمعها، فربّ حاملَ فقهٍ ليس بفقيه، وربّ حاملَ فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه)).
وفي لفظ: ((نضر اللهُ مَن سمعَ قولي ثم لم يزد فيه)) الحديث واخرج هذا أيضاً الدارقطنيّ في ((الأفراد))، وأبو يعلى وابن أبي حاتم في ((المقدّمة))، وعن جبير بن مطعم قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ بالخيف منى: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها فربّ حاملَ فقهٍ لا فقه له، وربّ حاملَ فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه))، وفي لفظ: ((نضر اللهُ وجه اميرئ سمعَ مقالتي، فوعاها حتى يبلّغها مَن لم يسمعها))، (190) وهذا رواه أحمد أيضاً، وهو في ابن ماجه باختصار، وما روى البزّار عن أبي سعيدٍ الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال في حجّة الوداع: ((نضر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها، فربّ حامل فقه، ليس بفقيه)). انتهى ما علمتُ من ألفاظه، وهو حجّة على المحتجّ به، ونضر بتخفيف الضاد، والله أعلم.
قوله: ولأنّه صلى الله عليه وسلم مخصوصٌ بجوامعِ الكلم، عن أبي هريرةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((بعثت بجوامعِ الكلم))، متّفق عليه.
وعن عبد الله بن عمر قال: خرجَ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً كالمودّع، فقال: ((أنّا النبيّ الأميّ، قالها ثلاث مرّات، ولا نبيّ بعدي، أوتيت فواتحَ الكلمِ وجوامعه))، الحديث رواه أحمد.
قوله: عن ابن مسعود عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطات ابنَ مسعود عشيّة خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول لشيء قطّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا كان ذات عشيّة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم فنكس، فنظرتُ إليه وهو قائمٌ محلّلة أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه قال: أو دون ذلك أو فوق ذلك أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك، أخرجه أحمد وابن ماجه والطبرانيّ من طريق آخر.
قوله: وغيره عن أبي إدريس الخولاني قال: رأيت أبا الدرداءَ إذا فرغَ من الحديثِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا أو نحوه أو شكله، رواه الطبرانيّ، ورجاله ثقات، وعن أنسٍ أنّه كان إذا حدّث حديثاً قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه ابن ماجه.
حديث: ((أنزل القرآن على سبعةِ أحرف))، متّفق عليه من حديثِ عمرَ بن الخطّاب، بلفظ: ((إنّ هذا القرآن أنزلَ على سبعةِ أحرف، فاقرؤوا ما تيسّر منه)).
(191) حديث الخراج بالضمان
عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخراج بالضمان))، رواه أحمد، وهذا لفظه، ورواه أصحابُ السنن الأربعة، وقال الترمذيّ حسن.
باب مايلحقه النكير من قبلِ راويه
حديث ذي اليدين: عن معدي بن سليمان ثقة، قال: أتيت وادي القرى لأسئلَ مطيراً عن حديث ذي اليدين، فأتيته فسألته فإذا هو شيخٌ كبيرٌ لا يفقه الحديثُ من الكبر، فقال له ابنه شعبت: يا أبتِ أنت حدّثتني أنّ ذا اليدين لقيكَ بذى خشت فحدَّثك أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صلّى بهم (192) إحدى صلاتي العشي ركعتين، وهي العصر، ثمّ سلَّم وخرجَ السرعان من المسجدِ فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القومِ أبو بكر وعمر، فقال ذو اليدين: يا رسولَ الله أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: لم أنسَ ولم تقصر، ثمّ أقبل على أبي بكرٍ وعمر، فقال: ماذا يقول ذو اليدين، قالا صدقَ يا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فرجعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثابَ الناس، فصلّى ركعتين، ثمّ سجدَ سجدتي السهو))، رواه الطبرانيّ، وفي الصحيحين: عن أبي هريرةَ قال: صلّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي، فصلّى بنا ركعتين، ثمّ سلّم فقامَ إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد فأتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبكَ بين أصابعه، ووضع خدهّ الأيمن على ظهرِ كفّه اليسرى، وخرجت السرعانُ من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلّماه، وفي القوم رجلٌ يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فقامَ صلى الله عليه وسلم فصلّى اثنتين أخريين. الحديث.
وفي رواية قال: أصدقَ ذو اليدين، قالوا: نعم، وليس لمسلم وضعُ اليد ولا التشبيك. (193) حديث عمّار عن عبد الرحمن بن أبزى أنّ رجلاً أتى عمرَ بن الخطاب، فقال: إنّي أجنت، ولم أجد الماء، فقال: لا تصل، فقال عمّار، ما تذكرُ يا أميرَ المومين إذ أنا وأنت في سريةٍ فأصابتنا جنابة، فلم نجدْ ماء، فما أنت فلم تصلّ، وأمّا أنّا فتمعّكت في الترابِ وصلّيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّما يكفيك أن تضرتَ بيدك الأرضَ ثمّ تنفخ، ثمّ تمسحُ بهما وجهكَ وكفّيك))، فقال عمر: اتقّ الله ياعمار، فقال: إن شئت لم أحدّث به، فقال عمر: نولّيك ما توليت، متّفق عليه، ولهما عن أبي موسى أنّه قال لعبد الله بن مسعود: ألم تسمع قولَ عمّار لعمر (194) بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة وساقة، فقال عبد الله أو لم ترَ عمر لم يقنعْ بقولِ عمّار.
حديث ربيعة: عن ربيعةَ عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهدِ الواحد، رواه ابن ماجه والترمذيّ وأبو داود، وزاد قال عبد العزيز الدراورديّ، فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة، وهو عندي ثقة أنّي حدَّثته إيّاه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصابَ سهيلاً علّة أذهبت بعض عقلِهِ ونسيَ بعض حديثه، وكان سهيل بعد يحدّثه عن ربيعة عنه عن أبيه. انتهى.
لكن له طرق أخر لايكفى فيها هذا إلا أنّه هنا مثال، والله أعلم.
حديث عائشة: عن سليمان بن موسى عن الزهريّ عن عروة عن عائشةَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل))، الحديث رواه أبو داود والترمذيّ وابن ماجه، ورواه أحمد من طريقِ اسماعيل عن ابي جريج: أخبرني سليمان بن موسى عن الزهريّ عن عروة عن عائشة به قال ابن جريج، فلقيتُ الزهريّ فسألت عن هذا فلم يعرفه: قال وكان سليمان ثابتاً عليه، ورواه ابن عديّ ولفظه، قال ابن جريج: فلقيت الزهريّ فسألته، فقال: أخشى أن يكون سليمان وهم.
قوله: ثم إنّها زوجّت بنت أخيها، أخرج مالك في ((الموطأ)): عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه أنّ عائشة زوَّجت حفصةَ بيت عبد الرحمن من المنذر ابن الزبير، وعبد الرحمن كان بالشام، فلمّا قدمَ عبد الرحمن قال: ومثلي يصنعُ هذا به، ويفتات عليه، فكلّمت عائشةُ المنذرُ بن الزبير فقال المنذر فإن ذلك بيد عبد الرحمن، قال عبد الرحمن: ما كنت لأردّ أمراً أقضيتيه، فقرّت حفضة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً، قلت أجاب البيهقيّ عن هذا بأنّ قوله: زوّجت أي مهَّدت أسبابَ التزويج لا أنّها وليت عقد النكاح، واستدلّ لتأويله بما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم، قال كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدةُ النكاح قالت لبعض أهلها زوّج فإنّ المرأة لا تلي عقدَ النكاح.
حديث ابن عمر عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقام إلى الصلاة رفعَ يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثمّ يكبّر، فإذا أراد أن يركعَ رفعهما مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربّنا لك الحمد، متّفق عليه، وللبخاريّ: ولا يفعلُ ذلك حين يسجد، ولا حين يرفعُ رأسه من السجود.
قوله: برواية مجاهد، أخرجهما ابن أبي شيبة، حديث أبو بكر بن عيّاش عن حصين عن مجاهد قال: (195) مارأيت ابن عمرَ يرفعُ يديه إلا في أوّل ما يفتتح الصلاة، وأخرجه الطحاويّ ولفظه عنه: ((صلَّيت خلفَ ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة)).
حديث ابن عمر: عن عبد الله بن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر))، وربّما قال: ((أو يكون بيع الخيار وفي لفظ: ((إذا تبايعَ الرجلان فكلّ واحدٍ منهما بالخيار، ما لم يتفرّقا))، وكان جميعاً أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الاخر فتبايعا على ذلك فقد وجبَ البيع، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحدٌ منهما البيع فقد وجب البيع، متفقٌ على ذلك كلّه.
وفي لفظ: ((كل بيعين لا بيعَ بينهما حتى يتفرّقا إلا بيع الخيار))، متّفق عليه أيضاً.
وفي لفظ: ((المتبايعان كلّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا إلا بيع الخيار)).
وفي لفظ: ((إذا تبايعَ المتبايعان بالبيعِ فكلّ واحدٍ منهما بالخيار من بيعه، ما لم يتفرّقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيارٍ فقد وجب البيع)).
قال نافع: وكان عبدُ الله بن عمر رحمهما الله تعالى إذا أراد أن يبايعَ رجلاً فأراد أن لا يقيله قامَ فمشى هنية ثمّ رجع، أخرجاهما، وهذا أراد المصنّف بقوله: حمله على افتراقِ الأبدان.
حديث ابن عباس: عن عبّاس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن بدَّل دينه فاقتلوه))، لفظ ابن ماجه، وأخرجه البخاريّ وبقيّة أصحاب السنن في قصة.
قوله: وقال ابن عبّاس: لا تقتل المرتدّة أخرج ابن أبي شيبة، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، ووكيع عن أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عبّاس قال: ((لا تقتلُ النساء إذا ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام، ويجبرن عليه)).
وأخرجه الدارقطنيّ من طريق أبي مالك النخعيّ عن عاصم قلت: وقد قالوا محل هذا إذا لم يكن المرفوعُ عامَّاً، وهنا المرفوعُ عام، فأنّى يستقيم، والله أعلم.
(196) باب الطعن يلحق الحديث من قبل غير راويه
حديث: ((البكر بالبكر))، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عنّي خذوا عني، قد جعلَ الله لهنّ سبيلاً: البكرُ بالبكر، جلد مئة وتغريب عام))، رواه الطحاوي.
وفي رواة مسلم بلفظ: ((جلد مئة ونفي سنة)).
وللبخاريّ في حديث العسيف: ((وعلى ابنك جلدُ مئة وتغريب عام)).
قوله: وقد حلفَ عمر، أخرجَ الكرخي في ((مختصره)): عن سالم بن عبد الرحمن أنّ عمرَ بن الخطَّاب ضربَ رجلاً من قيس ونفاه إلى الشام، فارتدَّ الرجلُ عن الإسلامِ ولحقَ بالروم، فقال عمر حين بلغَه: لا أنفي بعده أحداً أبداً.
قوله: وقال علي أخرجه الكرخيّ في ((المختصر)) من طريق إبراهيم عنه وفيه انقطاع.
قوله: امتنعَ عمرُ من القسمة، أخرج أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، وسعيد بن منصور في ((سننه)) من طريق إبراهيم التيميّ قال: لمّا فتحَ المسلمون السواد، قالوا لعمر: قسّمه بيننا، فإنّا فتحناه عنوة، قال: فأبى، ثمّ أقرّ أهل السوادِ على أرضهم، وضربَ على رؤوسهم الجزية وعلى أرضهم الخراج.
قوله: وقال محمّد بن سيرين في متعةِ النساء: هم شهدوا بها وهم نهوا عنها، وما عن رأيهم رغبة، ولا في نصحهم تهمة.
قوله: لم يعمل بأخذ الركب، عن مصعب بن سعيد قال: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفيّ ثمّ وضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب، رواه الجماعة.
قوله: بل عمل بالتطبيق، عن علقمة والأسود أنّهما دخلا على عبدِ الله فقال: أصلّي من خلفكما قال: نعم، فقام بيهما فجعل أحدهم عن يمينه والآخر عن شماله،ّ ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، ثمّ طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه، فلمّا صلّى قال: هكذا فعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، رواه مسلمٌ من ثلاثِ طرق، فلم يرفعْه في الأوليين ورفعه في الثالثة.
قوله: ماروى عن أبي موسى، روى ابن أبي شيبةَ عن حميد بن هلال قال: كانوا في سفرٍ فصلّى بهم أبو موسى فسقطَ رجل أعور في بئر أو شيء، فضحكَ القوم كلّهم غير أبي موسى والأحنف، فأمرهم أن يعيدوا الصلاة، واعلم أنّ ما ذكر إشكالاً، فإنّ أبا موسى هو راوي حديث الوضوء من القهقهة، كما رواه الطبرانيّ. (198) قوله: مثل قول سفيان، ثنا أبو سعيد، وهو يحتملُ الثقة وغير الثقة، قال الشارح: الثقةُ الحسنُ البصريّ، وغيرُ الثقةِ مثلُ: محمّد بن السائب الكلبيّ، ومثل عطية العوفي يدلّس فيهما، موهماً أنّه أبو سعيد الخدريّ، روى عنه الجوزجانيّ في تاريخه نحو هذا.
قوله: وليس كل مَن اتّهم من وجهٍ ما يسقطُ كل حديثه، مثل الكلبىّ وأمثاله، ومثل سفيان الثوري مع جلالةِ قدرة ـ بياض ـ.
حديث: عبد الله بن ثعلبة بن صعير (199)، أخرجه أبو داود عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صاع من بر أو قمح عن كلّ اثنين: صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى))، واختلفَ فيه على الزهريّ، ففي رواية مسدّد عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية سليمان بن داود: عن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية بكر بن وائل: عن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي رواية عبد الله بن يزيد، عن همام عن بكر، وفي رواية موسى بن اسماعيل عن همام عن بكر أنّ الزهريّ حدّثه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : خطبنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورواه عبد الرزاق والطبرانيّ والدارقطنيّ والحاكم.
حديث: أبي سعيد، روى الجماعة عنه أنّه قال: كنّا نخرجُ إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير او صاعاً من زبيب، أو صاعا من أقطٍ، فلم نزل كذلك حتى قدمَ معاوية المدينة فقال: أني لأرى مدّين من سمراء تعدل صاعاً من تمر، فأخذَ الناسُ بذلك.
قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت، أخرجه لكنّ البخاريّ لم يذكر فيه.
قال أبو سعيد: وابن ماجه لم يذكرْ لفظ أو في شيء منه، وإنّما قال: صاعُ من طعام، صاعٌ من تمر.
قلت: وهو أقرب إلى الصواب، وفي رواية أبي داود: لا أخرجُ أبداً إلا صاعا، وأخرجَ الحاكمُ والطحاويّ.
قال أبو سعيد: وذكرَ عنده صدقةَ الفطر، فقال: لا أخرجُ إلا ما كنتُ أخرجه في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، فقال له رجل: أو مدّين من قمح، فقال: لا تلك قيمةُ معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها. انتهى.
قلت: وهذه الروايةُ نحو تلك في القربِ إلى الصواب، فقد أخرجّ البخاريّ في ((صحيحه في باب الصدقة قبل العيد)) عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: كنّا نخرجُ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ الفطرِ صاعاً من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، فانتفى أن يكون الطعام قسم الشعير وما بعده، وبه ظهر خطأ روايةِ الحاكمِ القائلة : صاعاً من حنطة بدلَ طعام.
حديث: ابن عبّاس، أخرجه الحاكمُ وصحّحه، ولفظُه عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرَ صارخاً يصرخُُ في بطنِ مكَّة يأمرُ بصدقة الفطر ويقول: هي حقٌّ واحبٌ على كلّ مسلم، ذكر أو انثى، صغير أو كبير، حر أو عبد، حاضر أو باد، مدّان من قمحٍ أو صاع من شعير أو تمر.
(200) حديث الأعرابيّ في رؤيةِ الهلال، تقدّم في بابِ تفسير الشروط .
202) باب المعارضة
قوله: لمّا اتعارضت الدلائلُ قال الشارح: فإنّ عبدَ الله ابن أبي أوفى روى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم لحمَ الحمر الأهليّة يوم خيبر، وروى غالب بن ابجر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أباح لحمَ الحمرِ الأهخلية، وابن عمر كان يكره التوضؤ بسؤرِ الحمار والبغل، وابن عبّاس يقول: سؤره طاهر لا بأس به.
قلت: حديثُ عبد الله بن أبي أوفي رواه البخاريّ في ((صحيحه))، والإمام أحمد في ((مسنده))، وحديث غالب بن أبجر (203) رواه أبو داود، وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، وأثر ابن عبّاس لم أقف عليه.
ولقائل أن يقول: لا تعارضَ في هذا، فقد قلتم أنّ المعارضةَ تقابلُ الحجَّتين على السواء، لا مزية لأحدهما على الأخرى في حكمين… الخ، بشرط اتّحاد الوقت والمحلّ… الخ، وليس شيء من هذا موجوداً فيما نحن فيه، فحديثُ التحريم صحيح، وحديثُ الإباحة مضطرب فلم يوجد ركنُ المعارضة.
وحديث ابن أبجر متأخّر، ففي لفظه: قلت يا رسولُ الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمن حمر، وإنّك حرّمت لحمَ الحمرِ الأهليّة، فقال: ((أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنّما حرّمتها من أجل جوالي القرية))، فلم يوجدْ شرطُ المعارضة فنَزلنا، أليس فيه علّة التحريم، وهو كونها جلالة، ثم يقال: ما الموجب لترجيحِ التحريكِ في الأكل وعدمه في السؤر، والله أعلم.
(204) حديث ابن مسعود: من شاءَ باهلته، تقدّم في بابِ معرفة أحكامِ العموم. حديث: إنّه عليه السلام حرّم الضب، روى أبو داودَ في ((سننه)): ثنا محمد بن عوف الطائي أنّ الحكم بن نافع حدّثهم: ثنا ابن عيّاش عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي راشه الحبرانيّ، عن عبد الرحمن ابن شبل أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلِ لحم الضبّ، قال المنذريّ: اسماعيلُ وضمضم فيهما مقال، وقال الخطابيّ: ليس إسناده بذلك، وقال البيهقي: لم يثبت إسناده، (205) إنّما تفرَّد به اسماعيل وليس بحجة.
قلت: ليس كلّ مقالٍ مسقطُ للاحتجاج، ولم يثبت.
قوله: لم يثبت، وليس التفرد بضائر وله شواهد، وبيان ذلك أنّ محمّد بن عوف قال: عبد الله بن أحمد بن حنبل ما كان بالشامِ منذ أربعين سنة مثله.
وقال ابن عدي: هوعالمٌ بحديث الشامِ صحيحاً وضعيفاً، وكان ابن جوساء عليه اعتماده، ومنه يسئل، وخاصّة حديث حمص، والحكمُ بن نافع حمص محتجّ به في الصحيحين واسماعيل بن عيّاش الحمصي، قال يعقوب الفسوي: وتكلّم قوم في اسماعيلَ وهو ثقةٌ عدل، أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلّموا فيه قالوا عن ثقات الحجازيين.
وقال عبّاس عن ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معينَ عن اسماعيلَ فقال: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دحام: هو في الشاميّين غاية، وقال البخاريّ: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح، وهذا من حديث عن أهل بلدة :فإن ضمضماً هو ابن زرعة بن ثوب الحضرميّ الحمصي، وثّقه عثمانُ الدارميّ عن ابن معين، وضعفه أبو حاتم من غيرِ تفسير، وخالفه ابن حبّان، فذكرَه في الثقات، وشريح بن عبيد أبو الصلتِ الحمصي، وثّقه دحيم، وقال النسائيّ: ثقة، وكذا وثقه غيرهما، وأبو راشد الحبراني الحمصي، قال العجلي: ثقةٌ تابعي، لم يكن بدمشقَ في زمانه أفضل منه، وعبد الرحمن بن شبل الأنصاريّ، أحد علماءِ الصحابة، وأمّا الشواهدُ فأخرج ابن أبي شيبة ثنا عبيد بن سعيد عن سفيان عن منصور عن إبرهيم عن الأسود عن عائشةَ قالت: ((أهديَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضبّ فلم يأكل منه، قالت: فقلت: ألا أطعمه السوال، قال: لا تطعمين السوال إلا ممّا تأكلين))، وأخرج أحمد بن منيع، ولفظه عنها قالت: ((أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهه، أو نها عنه))، الحديث، وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده))، والطبرانيّ في ((الكبير))، وأبو يعلى والبزار، ورجال الجميعُ رجال الصحيح، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قال: فنَزلنا أرضاً كثيرة الضِّباب، قال: فأصبنا منها وذبحنا، قال: فبينا القدور تغلي بها إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنّ أمّة من بني اسرائيل فقدت، وإني أخاف أن تكون هي، فاكفئوها)) فكفيناها، وإنّا لجياع.
وأخرج الطبرانيّ بإسنادٍ حسن عن ابن عمرَ أنّه سأل عن الضبّ فقال: أنّا منذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال فإنّا قد انتهينا عن أكله، وأخرج في ((الكبير)) عن ابن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلّ الضبّ وفي سنده مقال.
قوله: وروى عنه أنّه أباحه، عن ابن عبّاس عن خالدٍ بن الوليد أنّه أخبره أنّه دخل مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على ميمونةَ وهي خالته، وخالة ابن عبّاس فوجد عندها ضباً محنوداً قدمت بها (206) أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدّمت الضبّ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأهوى بيده إلى الضبّ فقال: امرأة من النسوةِ الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمت له، قلن: هو الضب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال خالد بن الوليد: أحرامٌ الضبّ يا رسول الله، قال: لا، ولكن لم يكن بأرضِ قومي، فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظرُ فلم ينهاني، رواه الجماعةُ إلا الترمذيّ.
قوله: وحرّم لحمُ الحمر الأهليّة، وروى أنّه أباحه، تقدّم في هذا الباب.
قوله: وكذلك الضبع؛ عن عبدِ الرحمن بن عبد الله بن أبي عمّار قال: قلت لجابر: الضبع صيد هي؟ قال: نعم، قلت: أكلها؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذيّ، ولفظ أبي داودَ عن جابر: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: ((هي صيد))، وجعلَ فيه كبش إذا صاده المحرم، وعن أبي ثعلبةَ الخشنيّ: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كلّ ذي ناب من السباع، رواه الجماعة.
حديث بريرة أنها أعتقت وزوجها حرّ، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشةَ قالت: كان زوجُ بريرةَ حرَّاً، فلما أعتقت خيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، رواه الخمسة.
قوله: وروى أنّها أعتقت وزوجها عبد، عن القسم عن عائشة: إنّ بريرةَ خيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها عبداً، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
وعن عروة عن عائشة: إنّ بريرةَ أعتقت وكان زوجها عبدً،ا فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان حرَّاً لم يخيّرها، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذيّ وصححه.
قلت: قوله: ولو كان حرّاً… الخ، من كلام عروة، بيّنه النسائيّ في روايته، وقال البخاريّ: قول الأسود منقطع، ثمّ عائشة عمّة القسم، وخالةُ عروة، فروايتهما عنها أولى من روايةِ أجنبيّ يسمعُ من وراء حجاب.
قلت: هذا ترجيح بما لا يفيد بعد تصحيحِ الرواية عنها من وراء الحجاب في غير هذا، وقد روى النسائيّ عن علقمةَ والأسود أنّهما سألا عائشةَ رضي الله عنها عن زوجِ بريرة، فقاالت: كان حرّاً يوم أعتقت، وبهذا اتّفق الروايات، والله أعلم.
حديث: تزوّج ميمونة وهو حلال، عن يزيد بن الأصم عن ميمونةَ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تزوّجها حلالاً، وبنى بها حلالاً، وماتت بسرف، فدفنَها في الظلّة التي بنى بها فيها، رواه أحمد والترمذي، ورواه مسلم وابن ماجه، ولفظهما: تزوجهما وهو حلال وقال كانت خالتي وخالة ابن عبّاس.
حديث تزوّج ميمونة وهو محرم، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم (307)تزوج ميمونة وهو محرم، رواه الحماعة، وللبخاريّ: تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونةِ وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف.
قوله: واتّفقت الروايات، فقي روايةِ الطحاويّ وغيره عن يزيدَ بن الأصمّ عن ميمونةَ قالت: تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، ونحن حلالان بعد أن رجعَ من مكّة، والمرادُ عامّة الروايات، وإلا فقد أخرج مالك في ((الموطأ)): عن سليمان بن يسار قال: بعثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا رافعٍ مولاه ورجلاً من الأنصار فزوّجاه ميمونةَ بنت الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لم يخرج.
قوله: وروى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ ابنته زينب بنكاحٍ جديد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسولَ صلى الله عليه وسلم ردّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بنكاحٍ جديدٍ. رواه الترمذي وابن ماجه.
قوله: وروى أنّه ردّها بالنكاح الأوّل، عن ابن عبّاس: ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأوّل، أخرجه أصحاب السنن إلا النسائيّ من طرق داود بن حصين وأخرجه ابن منيع من طريقه بلفظ: ردّ ابنته زينت إلى أبي العاص بمهرٍ جديد.
(208) قوله: لأنّه فسّر القصة، أخرج الطحاويّ من طريق مجاهد وعطاء عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّج ميمونةَ بنت الحارث وهو حرام، فأقام بمكّ’ ثلاثاً فأتاه حويطب بن عبد العزي في نفر من قريش في الثالث، فقالوا: إنّه قد انقضى الأجل فاخرجْ عنّا، فقال: ((وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم، فصنعنا لعكم طعاماً، فحضرتموه، فقالوا: لا حاجةَ لنا في طعامك فاخرج عنّا، فخرج نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وخرجَ بميمونةَ حتى عرّس بها بسرف)).
(209)باب البيان
حديث: ((إنّ من البيان لسحرا))، رواه البخاريّ وأبو داود، عن أبيّ بن كعب قال: جاءَ أعرابيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعلَ يتكلّم بكلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّ من البيانِ لسحراً، وإنّ من الشعر لحكماً))، وفي رواية: ((إنّ من الشعر حكمة)).
وعن ابن عمرَ قال: قدمَ رجلان فخطبا، فعجبَ الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ من البيانِ لسحراً))، متّفق عليه.
قوله: ثمّ لحقه البيان بالسنّة، ففي حديث أبي حميد أنّه قال: أنا أعلمكم بصلاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، (210) قال: كان إذا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمّ يكبّر حتى يقرّ كل عظمٍ في موضعه معتدلاً، ثمّ يقرأ ثمّ يكبّرُ ويرفعُ يديه، فذكرَ صفةَ صلاتِه صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاريّ وأبو داود والترمذيّ، وهذا بيانٌ بالفعل، وأخرجَ أبو داودَ والترمذيّ والنسائيّ عن رفاعةَ بن رافعٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأعرابيّ: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضّأ كما أمرك الله، ثمّ تشهّد فأقم، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله، وكبّر وهلّل ثمّ اركع فاطمئن)) الحديث، وهذا بيانٌ بالقول، وأخرج البخاريّ عن أبي سعيد رفعه: ((ليس فيما دون خمس أواقٍ من الفضّة صدقة))، وأخرج البخاري بيانه صلى الله عليه وسلم في صدقة السوائم، وللجماعة إلامسلماً عن ابن عمر رفعه: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقىَ بالنضح نصف العشر)).
وللشيخين عن عائشةَ رضي الله عنه قالت: ((لم تكن اليد تقطعُ في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمنِ المجنّ)).
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا قطعَ فيما دونَ عشرة دراهم))، رواه أحمد، وأخرج الدارقطنيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ بقطعِ السارق من الزند، وقد ذكرنا في ((تخريج أحاديث الاختيار)) ما في كلّ بابٍ من الأبواب من الأحاديث، والله الموفّق.