الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وجنده وبعد
فهذا جواب مختصرٌ لسؤالكم عن حكم اللحية ومقدارها، وقد ذكرت فيه أحاديث المسألة ومذاهب
الفقهاء المتبوعة وحققت مذهب الحنفية تحقيقاً نافعاً مختصراً ورتبته على مبحثين راجياً من الله تعالى القبول والنفع ومنكم صالح دعواتكم.
المبحث الأول
في الآثار الواردة في إعفاء اللحية وبيان الحكم الشرعي عند الفقهاء:
(وروى البخاري في صحيحه عن إبن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى (¬1) » .
(وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس (¬2) » .
قال النووي في شرح مسلم: وقوله «أرخوا» فهو بقطع الهمزة وبالخاء المعجمة كذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع عند إبن ماهان: «أرجوا» بالجيم أصله أرجئوا بالهمزة فحذفت تخفيفاً، وجاء في رواية البخاري «وفِّروا اللحى (¬3) »
(وروى الطحاوي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى، ولا تشبّهوا اليهود (¬4) » .
(وروى مسلم عن إبن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية (¬5) » .
قال النووي في شرح مسلم: فحصل خمس روايات: أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا معناها كلها تركها على حالها (¬6) . أهـ
واللحية: أسم لما نبت على الخدين والذقن، والإعفاء الترك كذا في فتح الملهم شرح صحيح مسلم (¬7)
¬
(¬1) ج7ص206.
(¬2) ج1ص222.
(¬3) ج3ص151.
(¬4) ج1ص230.
(¬5) ج1 ص222.
(¬6) ج3 ص151.
(¬7) ج2ص507.
الجزء 1 · صفحة 2
ومعنى أرخوا: أطيلوا، ومعنى أرجئوا: أخروها، والحاصل: أن معنى الإعفاء: الترك، ويفيد الإرجاء والتوفير وغيرهما مما ورد في الآثار السابقة الإطالة والتكثير. كما في شروح الصحيحين والسنن، ومنهم من فسَّر الإعفاء بالتكثير فقد تجوَّز بذكر السبب وإرادة المسبب؛ إذ التكثير مسببٌ عن الترك، ومعلوم أن ترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها. كذا أفاده الإمام إبن دقيق العيد كما في الفتح للحافظ (¬1)
وإليك الآن تفصيل وتحقيق كلام الفقهاء فنقول:
ذهب فقهاء الحنفية إلى وجوب إعفاء اللحية لأن أمر الصيغة أعني «أعفوا» يدل على الوجوب وهو الأصل في كل أمر إذا لم يوجد صارف يصرفه عنه، ولفظ الإعفاء هو الترك كما مرَّ فلو ترك تهذيب اللحية كما هو الظاهر من لفظ إعفوا بمعنى إتركوا لكان فيه تشويه الصورة بأفراط طول الشعر وعرضه، ومن ثمة نقول: الإعفاء المفهوم من لفظ «أعفوا» مجمل حيث لم يعلم مقدار ما يترك منها، وعند إستعراض آثار الباب كما هو شأن الفقهاء في النظر في دلائل الأحكام وجد الفقهاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. رواه الترمذي. وأن إبن عمر رضي الله عنهما كان إذا حج أو أعتمر قبض على لحيته فما فضل منه أخذه كما في الصحيح. فألتحق هذا بياناً، فيحمل الأمر بالأعفاء على غير الحالة التي تشوّه فيها الصورة بأفراط طول الشعر أو عرضه وهو أخذ ما زاد على القُبضة. قال الأمام محمد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: تركها حتى تكثُّ وتكثر، والتقصير فيها سنة، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد على قبضته قطعه.
قال في الإختيار بعد هذا النقل: لأن اللحية زينة وكثرتها من كمال الزينة وطولها الفاحش خلاف السنة (¬2) . أهـ
¬
(¬1) ج10 ص431.
(¬2) ج2ص401.
الجزء 1 · صفحة 3
ونقل في الفتاوى الهندية قول محمد ثم قال: كذا ذكره محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: قال وبه نأخذ (¬1) . كذا في محيط السرخسي (¬2) .
أقول: ويمكن حملُ الأمر بالأعفاء على الحالة التي ليس فيها تشويه أو تشبه بالمشركين من المجوس وأهل الكتاب أو تشبه بالفسقة والمخنثة فيكون أخذ إبن عمر إثباتاً لمشروعية تهذيب اللحية وذلك بالأخذ مما زاد في طولها أو عرضها، وهذا الحمل وأن لم يذهب إليه جمهور الحنفية لكن لا تأباه قواعدهم نفعنا الله بهم ويؤيده ما في البزازية من كتب المذهب حيث لم يخصص الأخذ بمقدار مخصوص بل يكفي الأخذ بما هو خال عن التشبه ونص عبارة البزازية: وينبغي للرجل أن يأخذ لحيته إذا طالت أيضاً ومن أطراف لحيته (¬3) .
وفي عمدة القاري للمحدث العيني ما نصه: قال عطاء: لا بأس بأن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها وعرضها إذا كبرت وعلت كراهة الشهرة وفيه تعريض نفسه لمن يسخر به، وقال آخرون: يأخذ من طولها وعرضها مالم يفحش أخذه (¬4) .
وهذا قيد لابد منه حتى لا يصل تقصير اللحية إلى حد الفحش وهو التشبه المنهي عنه وسيأتي تحقيقه بعد قليل.
وقال الفقيه المحدث العيني في العمدة في توجيه هذا القول: ولم يجدوا ـ أي هؤلاء الذين أجازوا تهذيبها بدون التخصيص بالقبضة ـ حداً غير أن معنى ذلك عندي مالم يخرج عن عرف الناس (¬5) . والمراد بعدم الخروج عن العرف مالم يكن فيه متابعة ممنوع شرعاً أو قصد تشبه.
¬
(¬1) وعليه جمع من المتابعين وأستحسنه الشعبي وإبن سيرين وكرهه الحسن وقتادة والأصح كراهة مالم يتشعب ويخرج عن السمت مطلقاً كذا أفاده المناوي في فيض القدير ج2 ص198.
(¬2) ج5ص358.
(¬3) ج5ص358.
(¬4) ج22ص43.
(¬5) ج22ص43.
الجزء 1 · صفحة 4
وأما حلقها كلها كما يفعله كثير من المسلمين اليوم فلم يبحه أحد للمخالفة الصريحة للآثار الصحيحة وإطباق علماء الأمة على المنع ولا يفعله إلا اليهود والأعاجم ومن سار بسيرتهم ممن لا خلاق له في الدين من أدعياء نشر الدعوة الأسلامية والمتصوفة الأدعياء الذين لا صلة لهم بالسادة الصوفية الأتقياء إلا في الإسم المجرد. وكذا ما يفعله كثير من المسلمين من حلق بعض اللحية وترك بعضها كترك شعر العنفقة وحده أو الذقن أو من تقصيرها إلى حد التشبه بالمشركين كما نراه اليوم فقد قال الفقهاء: إن قصها سنة المجوس وفيه تغيير خلق الله ولحوق أهل السؤدد برعاء الناس وسقطاتهم (¬1) .
وزاد بعض متأخري الحنفية وجهين في كراهة تحريم حلقها مطلقاً أو قصها تشبهاً بالمشركين والمخنثة والفسقة.
الوجه الأول: أن في حلقها تشبهاً باليهود والنصارى والأعاجم ولا فرق بين حلقها كلها أو بعضها كأكتفاء كثير من المسلمين بشعر الذقن أو العنفقة تشبّهاً بالفسقة والمخنثين والكفار وكذا يقال هذا في قصها، ودليل وجوب مخالفة هؤلاء مارواه البخاري عن إبن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خالفوا المشركين ووفّروا اللحى وأحفوا الشوارب " وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس " وروى البخاري عن إبن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " قال الحافظ إبن حجر ناقلاً عن الشيخ إبن أبي جمرة ج10 ص409 أن الحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء جل جلاله وقد أشار إلى... ذلك في لعن الواصلات بقوله: " المغيِّرات خلق الله ".
¬
(¬1) أنظر فتح الملهم للشيخ شبير العثماني ج2 ص507.
الجزء 1 · صفحة 5
وروى البخاري عن إبن عباس رضي الله عنهما قال:" لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المخنّثين من الرجال والمترجلات من النساء "
وحكمة الأمر بالمخالفة أن المشابهة تورث نوع من الموالاة فيما تشبّه به ومودة وميل في الباطن فتذوب بالتدرج الهوية الإسلامية بالشخصية المنحرفة والمخالفة والمعادية لله ورسوله.
فإن قلت: نحن اليوم نجلس على كراسي عالية مثلهم ونركب مركبات صنعها الكفار، ونستعمل أدوات مختلفة مثلهم ونلبس ما يصنعونه من ملابس ساترة ويلبسونها وغير ذلك فهل هناك ضابط للتشبّه لنعرف ما يجوز عمله وما لا يجوز خشية الوقوع فيما نهينا عنه من التشبه بهم؟
قلت في الجواب: ورد لفظ لا تشبَّهوا، وهو مشتق من التشبه ومعلوم أن باب التفعل يدل على أن صاحب الفعل قاصد ومتكلف لشيء يريده لذا قال العلامة النجم الغزي الشافعي في معنى التشبه: هو محاولة الأنسان أن يكون شبه المتشبَّه به وعلى هيئته وحليته ونعته ووصفه أو عبارةُ تكلّف ذلك وتقصده وتعلّمه، وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزي والتحلي والتخلق (¬1) . وهذا صريح في أن المتشبه قاصد ومتكلف لذا سمي فعله تشبَّهاً سواء كان الفعل ظاهراً أو باطناً كالأعتقادات والأرادات.
وورد أيضاً في الصحيح لفظ " خالفوا " وهو أعم من أن يكون المخالف للمشركين قد قصد التشبه بهم أو لا.
¬
(¬1) كذا في حسن التنبه لما ورد في التشبّه ق2/2.
الجزء 1 · صفحة 6
فبانَ أن المخالفة فيما هو ممنوع شرعاً عندنا، وأن عدم التشبه بهم فيما قصده المتشبه وتكلفه قال شيخ الإسلام العلامة محمد العباسي المهدي الأزهري الحنفي في فتاواه: ثم التشبه بالكفار قد يكون صورياً بأن يفعل كفعلهم من غير قصد التشبه بهم وقد يكون حقيقياً بأن يفعل ذلك قاصداً التشبه بهم وعلى كل إما أن يتشبه بهم في محرم أو لا فأن فعل في الأول فهو آثم مطلقاً قصد أو لم يقصد وأن فعل في الثاني إن قصد أثم وإلا فلا، يدل على ذلك ما في شرح الدرر من باب مفسدات الصلاة ونصه: وقراءته من مصحف أي ما فيه قرآن مطلقاً.... ثم قال: للتشبه بأهل الكتاب أي إن قصد لأن التشبه بهم لا يكره في كل شيء فأنا نأكل ونشرب كما يفعلون. كذا في البحر عن شرح الجامع الصغير لقاضي خان ثم قال: فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال التي لها شعر. وأنها من لباس الرهبان، فقد أشار إلا أن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العبد لا تضره. أهـ بتصرف. ص307، 308.
وبهذا يتضح جواب السؤال، وملخصه: أن من فعل فعلاً ممنوعاً شرعاً يوافق فيه المشركين أو قصد التشبه بهم فيما يخصهم فقد عصى الله ورسوله، وذلك فيمن حلق لحيته فأنه قد فعل فعلاً ممنوعاً شرعاً قصد المشابهة أو لم يقصدها وكذا فيمن قصرها فأنه قد فعل فعلاً ممنوعاً شرعاً إن قصد التشبه بالمشركين أو الفسقة، أما إذا لم يقصد فقد خالف السنة كما مرَّ، ويدل على ذلك تعليل فقهاءنا أخذها دون حلقها بما فيه تشبه بالمخنّثة وغيرهم، قال في الدر المختار ج2 ص113: أما الأخذ منها وهي دون ذلك " أي القبضة " كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم. أهـ
الجزء 1 · صفحة 7
ولم يصرح أحد من فقهائنا أن قصَّها بلا قصد محاكاة المشركين أو الفسقة ممنوع، بل صريح عباراتهم بأن السنة أخذ ما زاد على القبضة، فيفهم أن أخذ الأقل منها مخالفة صريحة للسنة وهو معنى قولهم: فلم يبحه أحد. والله تعالى أعلم، فأحفظ هذا التحقيق فأنه في غاية النفع.
والثاني: أن في حلق اللحية نوعاً من تغيير خلق الله تعالى، وقد نص المفسر المحقق الآلوسي في قوله تعالى چ ? ? ? ? چ النساء: 119 على أنه يندرج فيه تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها وقد روى مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، وإستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وإنتقاص الماء» وإعفاء اللحية من الفطرة فيكون الحلق مغيراً لها، بل صرَّح شيخ الإسلام التهانوي في تفسيره بيان القرآن بأن حلق اللحية داخل في هذا التغيير (¬1) .
وذهب المالكية إلى حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به المثلة، وأما إذا طالت قليلاً ولم يحصل بالقص مثلة فهو خلاف الأولى أو مكروه كما يؤخذ من شرح الرسالة لأبي الحسن وحاشيته للعدوي (¬2) ، وفي فتح الملهم للشيخ العلامة أحمد شبير العثماني ما نصه ج2 ص507: قال عياض يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها. أهـ
وقال الأبي المالكي في شرح مسلم ج2ص38: فأن قلت تحسينها بالأخذ منها طولاً وعرضاً منافِ لقوله " وأعفوا اللحى ". قلت: الأمر بالأعفاء إنما هو لمخالفة المشركين لأنهم كانوا يحلقونها، ومخالفتهم تحصل بأخذ اليسير الذي فيه تحسين. أهـ بحذف يسير.
¬
(¬1) ذكره المحدث الشيخ زكريا الكاند دهلوي في رسالة وجوب إعفاء اللحية ص45.
(¬2) نفس المصدر ص57.
الجزء 1 · صفحة 8
وذهب الشافعية إلى أن الصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً بل يتركها على حالها كيف كانت. المجموع للحافظ النووي ج1 ص290.
وقال العلامة إبن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج لأبن حجر: وأنه قيل بحرمة إزالة شعر اللحية بخلاف غيرها. أهـ
وقال شيخ مشايخنا العلامة البالكي الشافعي في جامع الفتاوى ص240: الأذرعي يحرمه أي الحلق، وأقره عليه إبن حجر في شرح العباب ونقله إبن الرفعة عن بعض الشافعية والزركشي عن الحليمي وأستاذه القفال الشاشي، وذهب الشيخان الى كراهته. وقال أيضاً: وجزم ـ أي إبن حجر ـ في شرح العباب بحرمته وعليه جرى صاحب فتح المعين. أهـ
وذهب الحنابلة إلى حرمة حلقها قال العلامة المرادي في كتاب الإنصاف ج1ص121: ويعفي لحيته، وقال إبن الجوزي في المذهب: ما لم يستهجن طولها، ويحرم حلقها. ذكره الشيخ تقي الدين، ولا يكره أخذ مازاد على القبضة، ونصه: لابأس بأخذ ذلك، وأخذ ما تحت حلقه، وقال في المستوعب وتركه أولى. أهـ
وصرح البهوتي في شرح منتهى الإرادات ج1ص85: بحرمة الحلق، وكذا في الروض المربع ص27.
تتمة: إختلف الفقهاء في السبالين (¬1) فقيل: إنهما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة اللحية كذا في أوجز المسالك ج14 ص223. لما روى أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة.
المبحث الثاني
في حكم الشارب
قد قدمنا في المبحث الأول الآثار الواردة في إحفاء (¬2) الشارب وإعفاء اللحية وخصصنا بيان حكم اللحية فيه عند فقهاء المسلمين، والآن نذكر حكم الشارب عندهم فنقول وبالله التوفيق:
ذهب الحنفية إلى أن إحفاء الشارب أفضل من القص قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (¬3) : وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. أهـ
¬
(¬1) السبال: جمع سَبَلَ وهي ماطال من شعر اللحية. أفاده الحافظ إبن حجر في فتح الباري ج10 ص430.
(¬2) الإحفاء: هو الإستئصال.
(¬3) ج4ص229.
الجزء 1 · صفحة 9
وذكر أن جماعة من الصحابة كانوا يحفون شواربهم حتى يرى بياض الجلد، ومنهم أبو هريرة الذي يروي حديث القص ثم قال: فدل ذلك أن قص الشارب من الفطرة، وهو مما لا بد منه وأن ما بعد ذلك من الإحفاء هو أفضل وفيه من إصابة الخير ما ليس في القص (¬1) . أهـ
وهذا أحسن الوجوه التي جمع فيها بين حديث الإحفاء وحديث القص. وقال الفقيه المحدث العيني في عمدة القاري ج22 ص44: وقال الطحاوي وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يستحب إحفاء الشوارب ونراه أفضل من قصها، قلت: أراد بقوله " الآخرون " جمهور السلف منهم أهل الكوفة ومكحول ومحمد بن عجلان ونافع مولى إبن عمر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى فأنهم قالوا: المستحب إحفاء الشوارب، وهو أفضل من قصها، وروي ذلك من فعل إبن عمر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أسيد وعبد الله بن عمر ذكر ذلك كله إبن أبي شيبة
بأسناده إليهم. أهـ
أقول: ذهب الى الإحفاء أيضاً فقهاء النفوس من الصوفية نفعنا الله بهم كما في أوجز المسالك شرح موطأ مالك ج14ص223.
وحديث إبن عمر رواه البخاري ونصه: أن إبن عمر رضي الله عنه كان يحفي شاربه حتى ينظر الى بيان الجلد. ج7 ص205.
وذهب المالكية الى منع الحلق والإستئصال في الشارب قال عياض: وهذا مذهب مالك أيضاً، وكان يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه، والمستحب أن يأخذ منه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة. كذا في العمدة. ج22ص44.
وقال إبن القاسم عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثلة والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين. وقال أشهب سألت مالكاً عن من يحفي شاربه فقال: أرى أن يوجع ضرباً وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس. كذا في فتح الملهم ج2 ص507.
¬
(¬1) ج4 ص229.
الجزء 1 · صفحة 10
وذهب الشافعية الى القص حتى يبدو طرف الشفة، ومعنى الإحفاء عند من إختار القص إزالة ما طال على الشفتين. كذا ذكره النووي في شرح صحيح مسلم (¬1) . وفي شرح المهذب (¬2) ، وقد أغرب إبن العربي فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب وليس ذلك معروفاً عند أصحابه كذا ذكره العلامة أحمد شبير العثماني في فتح الملهم (¬3) .
وذهب الحنابلة الى القص أيضاً قال في الشرح الكبير (¬4) : ويستحب قص الشارب لأنه من الفطرة. وقال العلامة أحمد شبير العثماني في فتح الملهم (¬5) : قال الأثرم: كان أحمد يحفي شاربه إحفاءً شديداً ونص على أنه أولى من القص، وقال إبن قدامة في المغني (¬6) : هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه من غير إحفاء. أهـ فتحصل من هذا كله أن من الفقهاء من ذهب الى الإحفاء ومنهم الى القص ومنهم الى التخيير بين الأمرين، ولم يُبح أحدٌ إعفاء الشوارب قط لأنه منهي عنه بلا خلاف وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» أخرجه أحمد والنسائي والترمذي عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
قال العبد الفقير قاسم بن نعيم الحنفي عفا الله عنه: وفي هذا القدر كفاية ومقنع والله ولي
من إتقى اللهم صلي وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم زنة لا إله إلا الله.
¬
(¬1) ج3 ص150
(¬2) ج1 ص287.
(¬3) ج2 ص507
(¬4) ج1 ص105
(¬5) ج2 ص507
(¬6) ج1 ص105