الجزء 1 · صفحة 1
منهج الإمام الكوثري في محاربة البدع العقدية
ورقة مقدمة إلى
المؤتمر الدولي عن الإمام الكوثري
تنظمه كلية الإلهيات بأنقرة – تركيا
وينعقد فيها في 22-23 نوفمبر 2007م
إعداد
الدكتور/ دين محمد محمد ميرا صاحب
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة قطر
منهج الإمام الكوثري في محاربة البدع العقدية
تمهيد:
تعتبر العقيدة الأصل الأصيل، والركن الركين في كل بناء ديني، يقوم عليها كل ما عداها من تشريع ونظم، وأحكام ومواقف، وثقافة وحضارة، وأخلاق وقيم، وأفكار وفلسفات، لأن العقيدة تمثل "الرؤية الكونية" التي يتبناها "المتدين"، ويعتمد عليها، ويستند إلها، ويستقي منها، والتي بدون أن يكون لديه تصور واضح لها، والتزام دقيق بها ومعطياتها، وفهم سليم لأبعادها ونتائجها لا يستطيع أن يحدد مواقفه من المشكلات التي يواجهها، أو التيارات الفكرية والسلوكية التي يعاصرها، أو الرؤى الحياتية المختلفة التي يزامنها.
وإذا كان الإنسان "حيواناً ناطقاً" يتمتع بنعمة العقل الذي وهبه الله له، ويبحث – تبعاً لذلك – عن "المعنى" وراء كل حركة تصدر عنه، وكل سعي ينشط فيه، وكل إنجاز – نظري أو عملي – يحاول أن يقوم به ولا يستريح إلا إذا وجده واقتنع به، فإن الذي يقنعه بهذا المعنى بصورة يستريح له قلبه، وتطمئن به نفسه، وتعطيه دفعةً قوية للتقدم إلى الأمام وتحقيق ما يريد تحقيقه بنجاح هو "انسجام ذلك الإنجاز والسعي، أو تلك الحركة والمحاولة، أو ذلك الموقف والنشاط مع رؤيته الكونية التي آمن بها واطمأن إليها والتي تمثلها "العقيدة" في صفاءها ووحيية مصدرها، وتغذيها فهوم العلماء شرحاً وتوضيحاً. وتجربة الأمة على مدار التاريخ تمكيناً وتثبيتاً.
الجزء 1 · صفحة 2
ومن هنا احتلت الدراسات الخاصة بالعقيدة مكانة أساسية في المنهج التعليمي الإسلامي، وأولوية مطلقة في بناءه حتى عرفت بعلم أصول الدين و"الفقه الأكبر" وأنشئت لأجل تدريسه كليات مستقلة باسم "أصول الدين" أو "الإلهيات" في المؤءسسات التعلمية العالية في العالم الإسلامي بهدف توفير "فهم سليم" للعقيدة، والعمل على المحافظة عليها من الانحرافات الفكرية في فهمها وتناولها، وتمكين المتخصصين فيها من الوقوف أمام هجمات الملحدين، وشبهات المشككين، وتأويلات الجاهلين. ومن هنا جاء تعريف هذا العلم كما عبّر عنه صاحب المواقف بأنه: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه"
أو كما جاء في تعبير ابن خلدون: "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة والمنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنة".
الجزء 1 · صفحة 3
فلا غرابة والحالة هذه أن نجد علماء الإسلام – عندما وجدوا فرقاً عقدية تظهر وابتعدت قليلاً أو كثيراً عن صفاء العقيدة التي جاء بها الكتاب والسنة، وعن فهم السلف الصالح الجامع بين الوحي والعقل، والمنطق والواقع وتحاول أن تتمكن من الساحة الفكرية والاجتماعية، ورأوا انحرافات في فهم العقيدة وتفسيرها يتزعمها أفراد يحاولون بمساندة السلطة حيناً, وتقلبات الظروف الإجتماعية أحياناً النفوذ إلى عقول الجماهير والتأثير فيهم- أقولن فلا غرابة – والحالة هذه – أن نجد علماء الإسلام يجمعون صفوفهم والجماهير معهم تحت لواء "المحجة البيضاء" التي ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة عليها بإسم "أهل السنة والجماعة" مستأنسين بجهود من سبقهم من السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن جاء على هداهم من أمثال الإمام أحمد ومن كان معه. وأن يبذلون قصارى جهدهم في التصدي لتلك الإنحرافات, والوقوف في مواجهة تلك الفرق والتيارات, والإنتصار لعقيدة الإسلام كما قررها القرآن الكريم, وبينتها السنة النبوية الشريفة وفهمتها أجيال السلف الصالح.
وتمت هذه المحاولة بنجاح على يدي من عرف بأمامي أهل السنة والجماعة الإمام أبي منصور الماتريدي والإمام أبي الحسن الأشعري في منتصف القرن الرابع الهجري. وانضوت جماهير أمة الإسلام تحت لواءهما, واستقرت عقيدة الإسلام, عقيدة الكتاب والسنة وفق تصورهما وصياغتهما، توجه المسلمين, وتعينهم على مواجهة مستجدات الحياة.
الجزء 1 · صفحة 4
وتتابع علماء هذه المدرسة - التي عرفت بمدرسة أهل السنة والجماعة والتي إذا أطلقت انصرفت إلى الأشعرية والماتريدية - في الظهور(1), وقاموا بجهادهم وجهودهم العظيمة في تبصير الناس بعقيدتهم, وتثقيفهم ضد كل إنحراف في فهمها, واعدادهم ضد كل تيار يحاول الوقوف في وجهها. حتى وجدنا - نتيجة لهذا – كوكبة من العلماء الأجلاء, والأئمة الأعلام يزخر بهم تراث الفكر الإسلامي, وتفخر بهم حضارته. وأصبح بهم للفكر الإسلامي عطاءه الإنساني العالمي, وإسهامه الحضاري والعلمي. فالأئمة العظام مثل البيهقي وإمام الحرمين, والقشيري، والغزالي, والاسفرائيني والبغدادي والشهرستاني, وفخر الدين الرازي, والايجي, والتفتازاني بعض تلك الأسماء التي ازدان بهم تاريخ الإسلام على مر العصور. فقد وقف هؤلاء الأعلام في وجه كل محاولة في عصرهم للإنحراف بالعقيدة, أو الابتعاد عن السنة والجماعة، وأبلوا في تلك الوقفة بلاءً حسناً, وحافظوا على "بيضة الإسلام" تلك المحافظة التي وفقوا فيها بإخلاصهم الذي اتصفوا به، وجهودهم المضنية التي تفانوا فيها، والقوة العلمية التي تميزوا بها، والإيمان العميق الذي احتموا في حضنه والصبر الذي تحلوا به.
لقد ورث هذه الخصائص عنهم من جاء بعدهم حتى وجدنا في القرن الرابع عشر الهجري مجموعة منهم استمروا في نفس ذلك الجهاد الذي نذروا لهم أنفسهم وجعلوها قضية حياتهم لا يبغون منها سوى مرضاة ربهم. ولعل من أهمهم شيخ الإسلام مصطفى صبري، والإمام محمد زاهد الكوثري، والشيخ سلامة العزامي، والشيخ الجليل يوسف الدجوي، والشيخ الإمام محمد بخيت المطيعي والشيخ الجليل عبد الله الصديق الغماري. لقد كان لكل واحد منهم جهود جبارة في محاربة البدع التي ظهرت في باب العقيدة والشريعة أينعت ثمارها، وأتت أكلها فاستطاعت أن تخمد الفتن، وتميت تلك البدع والانحرافات.
الجزء 1 · صفحة 5
وهذه الورقة محاولة متواضعة للتعرف على واحد منهم في جهاده في مواجهة البدع العقدية في عصره، وربما كان من أشدهم قوةً وتأثيراً، وأقواهم استعداد، وأكثرهم تحقيقا، وأكثرهم معاناةً وابتلاءً وأخصبهم عطاء. ألا وهو الإمام الجليل محمد زاهد الكوثري.
ولن يستطرد هذا البحث لتناول حياة هذا العالم الفذ، أو لمناقشة جهوده العلمية المتعددة وجهاده العملي المتنوع في مختلف ميادين الحياة الإسلامية ومجالات العلم الشرعي تفسيراً أو قراءات، حديثاً أو رجالاً، فقهاً أو أصولاً، لغة أو أدباً، تاريخاً، أو سيرةً، ومنطقاً وفلسفة، عقيدة أو أدياناً وغيرها. إنما سيحاول أن يركز وبصورة مباشرة وموجزة على منهجه في محاربة البدع العقدية بمنهج يتفق مع أصول البحث العلمي ومقتضياته.
ما هي البدع العقدية:
أقصد بالبدع العقدية كل انحراف عن مقررات الوحي في مجال أصول الدين المقسم حسب التقليد العلمي لأهل السنة إلى الإلهيات والنبوات والسمعيات، كما فهمها السلف الصالح ومضى عليها جمهور الأمة جيلاً بعد جيل. وهذا الانحراف يأخذ صوراً متعددة، ومظاهر مختلفة وأحكاماً تتفق مع تلك الصور والمظاهر. فهذه البدع إذن لا تقبل القسمة الخمسية التي نعرفها في فروع الشريعة، لأن هذا المجال – مجال العقيدة – ليس محلاً للاجتهاد، ولا هو متغيراً وفق ظروف الزمان والمكان، ولا هو قابلاً للتجديد والتحديث، إنما هو مجال الاتباع والالتزام، والمضي مع الوحي كيف مضى، والسير مع مقرراته حيثما سار، فهو إذن مجال التقليد المطلق لمقررات الكتاب والسنة، ومجال تقليد الأئمة والعلماء في فهمها التزاماً بقوله تعالى: "فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
الجزء 1 · صفحة 6
فالبدع العقدية إذن ليس فيها حسنة وسيئة، إنما هي سيئة كلها. وحسب مراتبها تأخذ أحكاما تدور بين الكفر، والضلال وهي البدع التي ينطبق علها قوله صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" بصورة مطلقة دون تفصيل أو استثناء. فالإخلال بالوحدانية – ذاتا وصفات وأفعالاً – والقول بالتجسيم والتشبيه، والقول بالجهة، أو القول بحلول الحوادث في ذاته تعالى، وإنكار البعث الجسماني أو علم الله بالجزئيات، أو إنكار نزول عيسى عليه السلام قبل الساعة كلها بدع عقدية تشترك جميعها في "الضلال" ثم حسب مراتبها يرتقي بعضها إلى باب الكفر والإلحاد. والمصطلحات العلمية التي نجدها في الكتاب والسنة وفي تراث علمائنا الأجلاء مثل "الكفر" و"الإلحاد" و"الفسق" و"الضلال" و"الشذوذ" تدلنا على هذه المراتب والمستويات في الانحراف والضلال.
لقد بدأ ظهور مثل هذه البدع العقدية في القرن الثاني وفي الثالث أشد، فقد أميتت كلها في حينها بفضل جهود العلماء الغيورين على دينهم، والحريصين على أمتهم. وكلما حاولت هذه البدع أو مثيلاتها في الظهور قام لها رجال من أهل العلم والتقوى وأعادوا للعقيدة أصالتها ونضارتها، وللأمة استقامتها ورشدها(2).
والبدع العقدية في هذه المجالات الثلاثة بما يتفرع عنها، ليس لها صورة نمطية واحدة، إنما تختلف صورها، وتتنوع مظاهرها، وتتعدد لغتها حسب كل عصر ويشترك جميعها في كونه "ضلالا" و"انحرافاً" وفي بعض الأحيان "كفراً" وإن كان الذي يقرأ تاريخ الفكر الإسلامي يدرك أن معظم هذه البدع – في باب العقائد – يكاد يكون نفسه في كل العصور وإن تفاوتت في حدتها وأسلوبها، إنها نفس البدع في كثير من الأحيان تلبس لباساً جديداً، وتحاول النفوذ من خلال لغة جديدة وأسلوب مختلف.
أبرز البدع العقدية في عصر الكوثري
الجزء 1 · صفحة 7
إذا كان لكل عصر بدعه الظاهرة، أو انحرافاته العقدية الملاحظة فإن عصر الكوثري قد اتسم ببعض البدع العقدية القديمة التي أحييت بسبب الجهل المنتشر بين الناس وبين بعض من عد في زمرة العلماء نتيجة التحديث والتطوير اللذين أصابا العلوم الإسلامية في المقتل، وضعف النفوس أمام مفاتن الدنيا وإغراءات المال، وتقاعس بعض العلماء عن القيام بواجبهم.
كان من أبرز هذه البدع:
التجسيم والتشبيه في صورهما المختلفة الفاضحة الجلية.
القول بالجهة.
إحياء القول بحوادث لا أول لها.
تكفير المتوسل بالأنبياء والصالحين واعتباره مشركاً.
تكفير جمهور المسلمين وأئمتهم الذين لا يدينون بالوهابية السلفية.
لقد تولت كبر نشر هذه الضلالات جماعات كان لها من النفوذ المادي، والثراء المالي، ونصرة بعض ولاة الأمور في بعض البلاد وبخاصة في بلاد الحرمين وإمكانات النشر ما استطاعت به أن تجذب إليها بعضا من أهل العلم الذين رضوا شراء دنياهم بآخرتهم، واشباع أجسامهم دون أرواحهم، حتى وصل تأثيرها إلى الأزهر الشريف الذي ظل منذ أن طهره صلاح الدين الأيوبي كعبة أهل السنة العلمية، وأكبر محافظ على عقائدهم. استغلت تلك الجماعات جهل العامة وضعف بعض الخاصة، وهوان بعض من انتسب إلى العلم، وشعار الدعوة إلى الكتاب والسنة – وهم من تعاليهمها الصحيحة في باب العقائد بعيدون – في إغراء العامة وإغواء بعض الخاصة.
وفي هذه الحالة من الفوضى الدعوية العقدية ظهر الإمام الكوثري، الذي اعتبره بحق مجدد الأمة في القرن الرابع عشر الهجري، والذي اعترف الجميع بعلمه وتحقيقه، وحفظه وفضله، والذي جمع المعقول والمنقول، والأصول والفروع بطريقة قل أن نجد له نظيراً في تاريخ علماء الإسلام(3).
منهج الكوثري:
الجزء 1 · صفحة 8
إن الذي يتأمل في تراث الكوثري العلمي يكتشف أنه لم يكن من الذين يرسلون القول إرسالاً، ولا من الذين يعتمدون على الجو السائد، أو قبول العامة في تقرير رؤيته، أو تثبيت مذهبه والانتصار له والدفاع عنه. إنه كان ذا منهج علمي رصين لا يحيد عنه وعن مقتضياته قيد أنملة.
وإذا كان تراثه العلمي في محاربة البدع العقدية يمكن أن يدخل في باب "الجدل الديني المحمود" فإنه في هذا استخدم مناهج علمية عديدة، حسب ما اقتضته القضايا التي كان يناقشها، وهذا ما تقتضيه الطبيعة العلمية للمناهج. والمنهج لا يكون علمياً إذا لم يكن مناسباً لموضوع البحث أي أن موضوع البحث هو الذي يحدد "المنهج"، وهذا واضح من القاعدة المنهجية التي وضعها علماؤنا الأوائل عندما قالوا: "إن كنت ناقلاً فالصحة أو مدعيا فالدليل".
وتراث الكوثري يوقفنا على أنه كان يستخدم جميع المناهج المعروفة لنا اليوم ويوظفها خير توظيف في توجهه النقدي لمحاربة الباطل وإحقاق الحق. أي أنه يقوم بالهدم والبناء، هدم للباطل، وبناء للحق، وقد اقتضى هذا منه استخدام المنهج التاريخي، والتحليلي، (التحليل المنطقي والفيلولوجي) والمنهج العقلي، والاستقرائي والاستنباطي، ولا يمكن الاستغناء عن هذه المناهج في أي محاولة علمية للوقوف أمام الانحرافات العقدية خاصة والفكرية عامة.
وتمثل مقالاته التي تناول فيها شبه المجسمة، والقائلين بالجهة، ومنكري التوسل ومعتبريه شركاً وأصحابه مشركين، والقائلين بحلول الحوادث في ذات الله، وكذلك تعليقاته على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل التي أسماها "تكملة الرد على نونية ابن القيم"، إضافة إلى مقدماته للأسماء والصفات للبيهقي، و"العقيدة النظامية" لإمام الحرمين وغيرهما من الكتب النماذج الرفيعة لتطبيقات هذه المناهج لدى الإمام الكوثري.
الجزء 1 · صفحة 9
فهو في تصديه لكل بدعة من تلك البدع، محلل لها بكافة جوانبها وأبعادها، ومؤرخ لظهورها وتطورها، ومستقرئ لممثليها وناقد في ضوء القواعد العقلية والمعطيات النصية والدلالات اللغوية، ومستقص للتراث العلمي الخاص بها، ومستوعب لأوجه الضلال والانحراف فيها، ثم في النهاية مقرر للمذهب الحق من خلال جمع بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا بعلوم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وجاءت بها السنة النبوية المطهرة المبينة له، ومستأنساً ببدهيات العقل وقواعد الفطرة.
وهذا الجمع لكل هذه العناصر التي تميز المنهج العلمي لديه قد امتاز به الكوثري بصورة نادرة فكان حقاً بأن نعتبره إمام الأئمة في عصره، وحجة الحق في كل حين، والسيف المسلط على رقاب المبتدعين.
ولعل من المستحسن في هذا المقام أن نقدم بعض النماذج يتبين من خلالها ما قلناه إلى الآن بشأن منهجه العلمي، النموذج الأول: هو تكملته للرد على نونية ابن القيم، والنموذج الثاني مقالته في الرد على الذين يحكمون بالكفر والشرك على المتوسلين بعنوان "محق التقول في مسألة التوسل".
وإذا كان الرد على نونية ابن القيم التي تعتبر كما قال الكوثري بحق "من أبشع كتب ابن القيم وأبعدها غوراً في الضلال، وأشنعها إغراءً للحشوية ضد أهل السنة، وأوقحها في الكذب على العلماء"(4) فإن تكملة الرد للكوثري تمثل قمة العطاء العلمي للكوثري في التصدي للبدع الزفيلية العقدية، وجاءت في صورة تعليقات على ما كتبه الإمام تقي الدين السبكي رداً على هذه النونية التي كفر فيها جمهور المسلمين عامتهم وخاصتهم لرفضهم القول بالجهة، والنزول إلى التشبيه والتجسيم، شنع فيها على أئمة أهل السنة من أشاعرة وماتريدية واعتبرهم جميعاً جهمية معطلة وبعضهم أضل من اليهود والنصارى.
الجزء 1 · صفحة 10
ورد الإمام السبكي على جلالة قدره وعظم منزلته في العلم والعمل والفتوى والتقوى جاء خفيفاً، وفي بعض الأحيان ضعيفاً، وبالمقارنة مع عصرنا مبهماً، وكما قال الكوثري نفسه: "والتقي السبكي أوجز في رده مكتفيا بلفت النظر إلى كلمات الناظم الخطرة في الغالب بدون أن يناقشه فيها كثيراً"(5)، وتطلب لهذا كله نشراً جديداً يمتاز بتعليقات توضح وتكمل وتفصل وتقرر. وهذا ما فعله الإمام الكوثري وأنجزه على أتم ما يكون الإنجاز العلمي. وإن كانت هذه التعليقات هي الأخرى في حاجة ماسة إلى شرح وتوضيح بسبب الضعف العلمي في عصرنا وفتور الهمم في جيلنا.
وعمل الإمام الكوثري في هذا الكتاب يتلخص في مقدمة علمية موجزة مستوعبة لتاريخ ظهور هذه البدع ثم في تعليقات ضافية توضح اشكالات المبتدعة، وتناقش شبههم وتكمل الرد على مقالاتهم، وتنتصر لمذهب أهل السنة والجماعة بقوة حجة، ونصاعة بيان، وزيادة برهان.
وبهذه الطريقة جاء هذا الكتاب فريداً في بابه، وعديم النظير في مجاله، غير مسبوق في منهجه ومبرهناً على شخصية الكوثري العلمية الموسوعية. وعلى امتلاكه ناصية اللغة والبيان، وقوة المنطق، وبراعة الجدل والعمق العقلي، والتحقيق العلمي، والتمكن من النقل استقصاء للرواية واستيعاباً للدراية، وفوق هذا كله يدل الكتاب على الحس السيكولوجي الذي كان الإمام يتمتع به حيث يدرك أغوار نفوس أهل البدع ادراكاً جيداً وواقعيا، انظر إليه وهو يتحدث عن ابن القيم – مؤلف النونية – "أن ابن القيم كلما تراه يزداد تهويلاً وصراخاً باسم السنة في كتابه هذا يجب أن تعلم أنه في تلك الحالة متلبس بجريمة خداع خبيث وأنه في تلك الحالة نفسها في صدد تلبيس ودس شنيعين، وإنما تلك التهويلات منه لتخدير العقول عن الانتباه لما يريد أن يدسه في غضون كلامه من بدعه المخزية كما يظهر من مطالعة النونية بتبصر ويقظة، وإنما اختار طريق النظم في ذلك ليسهل عليه أن يهيم في كل واد"(6).
الجزء 1 · صفحة 11
ولم يكن هدفه من وراء هذه التعليقات الجاه أو الشهرة، إنما هو خدمة الإسلام وإفادة الناس والقيام بواجب العلم، يقول الكوثري: "ولولا أنها (أي النونية) طبعت مراراً وتكراراً ممن لا بغية له من طبعها غير عدد من القرش يملأ به الكرش، قام بذلك الدين أم قعد، بدون أن يقوم أحد من العلماء المعاصرين بالرد عليها لكان إهمال الرد عليها أنسب، لكن لم يبق بعد تكرار طبعها مع تقاعس أهل العلم عن ردّها مساغ للإهمال، فوجب تقويض دعائمها بنشر كتاب السبكي مع تعليق كلمات عليه في مواضع رأيناها في حاجة إلى التعليق"(7).
فهذه القدرة الفذة على سبر أغوار النفوس جاءته نتيجة استيعابه لمقتضيات تلك المناهج العلمية التي قلنا إنه استخدمها في جداله وسجاله، والتي تجلت في كل تعليق من تعليقاته التي ناقش فيها كل شبه المجمسة والحشوية بأوجز العبارات وأعمق التحقيقات. تجد هنا التحقيق العلمي للمسائل، والتحقيق التاريخي والعقلي في المناقشة والإلزام.
وأحب هنا أن أحيل القارىء إلى تعليقات محددة في تكملة الرد على نونية ابن القيم، وهي تعليقات اخترتها بعناية لدلالتها الواضحة على ما قلته بشأن المنهج العلمي لدى الكوثري.
تعليقه على قول ابن القيم بقيام الحوادث في ذات الله ص16، وص71-72.
تعليقه على محاولة ابن القيم تهوين أمر التجسيم ص39-40.
تعليقه على شبهة اعتقاد الصوت في كلام الله ص41-47، وص63-64.
تعليقه على مسألة الإستواء والاستقرار على العرش ص47-48 و172-173.
تعليقه على كلام ابن القيم استنباطاً من قوله تعالى "والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة" ص49-50.
تعليقه على مسألة "أصابع الرحمن" ص50-52.
تعليقه على حديث الجارية وفهم المجسمة لها ص94-96.
تعليقه على حديث أبي رزين ص96-99 وص127-129.
تعليقه على بدعة القول بالجهة ص100-105 و107-111.
التعليق على حديث حصين بن المنذر ص123-124.
تعليقه على مسألة التأويل ص 129-135.
الجزء 1 · صفحة 12
تعليقه على تصريح المؤلف بالجلوس في حق الله تعالى ص176-182.
تعليقه على "الاستواء" ص 112-120.
وهذه التعليقات تقدم براهين ساطعة على كل وصف ذكرته بشأن المنهج العلمي للكوثري في قمته، ويقدم لنا الدليل تلو الدليل بأننا أمام بحر لا ساحل له حفظاً واطلاعاً، ودقة واتقانا واستيعاباً واستقصاء وقدرةً على المناظرة.
ولأجل هذا كانت مواقف الكوثري في مناقشة أهل الأهواء قويا، ومواجهته لأباطيلهم قامعة ومميتة، الأمر الذي جعل معارضيه يلجأون إلى أساليب الضعفاء وأهل السوق حيث بدأوا يصرفون الناس عن تراثه العلمي الذي يعتبر فخراً للإسلام والمسلمين بإثارة الناس ضده باتهامه بالشعوبية والتعصب وبغض الحديث وأهله، وعداوة الإسلام والسنة(8).
أما رسالته: "محق التقول في مسألة التوسل" – الذي اعتبرته النموذج الثاني فما رأيت فيما قرأت في هذا الموضوع على كثرته ما يرتفع إلى مستوى هذه الرسالة على وجازتها – في استيعابها، وحسن تقريرها، ودقة مناقشاتها العلمية، وقوة ردودها، ووضوحها وشمولها. لقد قال في ثماني صفحات ما قاله غيره في أكثر من ثلاثمائة صفحة(9). وهذا هو منهج الكوثري الذي اتسم بخصائص أثرته وأبقته وخلدته كإمام الأئمة في عصره، وكبير دهره، وعالم الأمة في زمنه.
خصائص منهج الكوثري
يمكن تلخيص أبرز خصائص المنهج الكوثري التي استقصيناها من كتاباته فيما يلي:
الإخلاص لله وطلب مرضاته.
التسلح بالمعرفة المتعمقة والتحقيق العلمي والتاريخي بطريقة موسوعية خارقة.
الاستيعاب الكامل لجوانب القضايا التي يتعامل معها والاستقصاء الدقيق لها.
المعرفة الدقيقة بشبه المعارض وأساليبه، وقوته وضعفه.
الحرص على التراث العلمي الإسلامي، والتمكن منه.
الالتزام بتراث السلف من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء وجمهور أهل السنة والجماعة.
الشجاعة العلمية والقوة المنطقية.
الجمع بين العقل والنقل، والرواية والدراية.
الجزء 1 · صفحة 13
التمكن التام من أدوات البحث العلمي وعلوم الآلة التي يحتاج إليها.
الوضوح والشمول مع الإيجاز والإحكام.
الشدة في الحق والبعد عن المجاملات.
ويحتاج كل عنصر من هذه العناصر إلى وقفة موجزة نتعرف بها على طبيعته ومظاهره في جهاد الإمام الكوثري. ولضيق الزمان والمكان أترك القارىء يتابع هذا في مصادره ومظانه. وقد أشرت إلى بعض ما يشهد له آنفاً، إلا أني أحب أن أنهي هذه الورقة بما ذكره الشيخ محمد أبي زهرة مما يدل على أول خصوصية من خصائص المنهج لدى الإمام الكوثري: ألا وهو "الإخلاص".
والإخلاص لله عنصر منهجي قد لا تعرفه المناهج الحديثة ولكنه أصيل في الإسلام، وقاعدة أساسية لنجاح كل ما هو إسلامي، ويتجلى هذا العنصر من دراسة حياة الكوثري العلمية ومواقفه الحياتية المختلفة. لقد فرّ بدينه إلى الله، واستقر في مصر، ينشر العلم الشرعي بدون أن يبتغي من وراءه مالاً ولا جاهاً، مواجها امتحانات الحياة، وصابراً على ابتلاءاتها، وراضيا بقدر الله. وسيرته تدل على أنه رفض كل متع الحياة في سبيل المحافظة على الإسلام والتعاليم الإسلامية. يقول الشيخ أبو زهرة: "لقد اختص رضي الله عنه بمزايا رفعته وجعلته قدوة للعالم المسلم، لقد علا بالعلم عن سوق الاتجار، وأعلم الخافقين أن العالم المسلم وطنه أرض الإسلام، وأنه لا يرضى بالدنية في دينه، ولا يأخذ من يذل الإسلام بهوادة، ولا يجعل لغير الله والحق عنده إرادة، وأنه لا يصح أن يعيش في أرض لا يستطيع فيها أن ينطق بالحق ولا يعلي فيها كلمة الإسلام وإن كانت بلده الذي نشأ فيه، وشدا وترعرع في مغانيه".
الجزء 1 · صفحة 14
ويقول: "إن نظرة عابرة لحياة ذلك العالم الجليل ترينا أنه كان العالم المخلص المجاهد الصابر على البأساء والضراء، وتنقله في البلاد الإسلامية والبلاء بلاء، ونشره النور والمعرفة حيثما حل وأقام، ولقد طوّف في الأقاليم الإسلامية فكان له في كل بلدٍ حل فيه تلاميذ نهلوا من منهله العذب، وأشرقت في نفوسهم روحه المخلصة المؤمنة، يقدم العلم صفواً لا يرنقه مراء ولا التواء، يمضي في قول الحق قدما لا يهمه رضى الناس أو سخطوا ما دام الذي بينه وبين الله عامراً". ثم يقول: "لقد أردت أن يعم نفعه، وأن يتمكن طلاب العلم من أن يردوا ورده العذب وينتفعوا من منهله الغزير.
لقد اقترح قسم الشريعة على مجلس كلية الحقوق بجامعة القاهرة أن يندب الشيخ الجليل للتدريس في دبلوم الشريعة من أقسام الدراسات العليا بالكلية، ووافق المجلس على الاقتراح بعد أن علم الأعضاء الأجلاء مكان الشيخ من علوم الإسلام وأعماله العلمية الكبيرة، وذهبت إلى الشيخ مع الأستاذ رئيس قسم الشريعة إبان ذلك، ولكننا فوجئنا باعتذار الشيخ عن القبول بمرضه ومرض زوجه وضعف بصره، ثم يصر على الاعتذار، وكلما ألححنا في الرجاء لجّ في الاعتذار، حتى إذا لم نجد جدوى رجوناه في أن يعاود التفكير في هذه المعاونة العلمية التي نرقبها ونتمناها، ثم عدت إليه منفرداً مرة أخرى أكرر الرجاء وألحف فيه، ولكنه في هذه المرة كان معي صريحاً، قال الشيخ الكريم: إن هذا مكان علم حقاً، ولا أريد أن أدرس فيه إلا وأنا قوي ألقي دروسي على الوجه الذي أحب، وأن شيخوختي وضعف صحتي وصحة زوجي وهي الوحيدة في هذه الحياة كل هذا لا يمكنني من أداء هذا الواجب على الوجه الذي أرضاه، خرجت من مجلس الشيخ وأنا أقول أي نفس علوية كانت تسجن في ذلك الجسم الإنساني، إنها نفس الكوثري(10)".
ولا أظنني في حاجة إلى تعليق أو زيادة كلام بعد هذا الذي نقلته من الشيخ الإمام أبي زهرة.
الجزء 1 · صفحة 15
أما الخصائص الأخرى لمنهج الإمام فقد تضمنت نقولنا السابقة أو إحالاتنا إليها ما يبرهن عليها لكل ذي عقل رشيد.
ومع ذلك أود أن أبرز مثالاً واحداً وهو ما علق به الكوثري في إبطال القول بالجهة لإبراز منهجه العلمي وخصائصه، فقد درجت الحشوية والمجسمة على إثبات الجهة لله تعالى وتخصيصها بجهة الفوق واعتبارها قضية القضايا وركناً أساسيا في الاعتقاد، واختبار إيمان الإنسان وعقيدته بأين الله مشهور عندهم على مر التاريخ، وكثير من الأساتذة الذين يقابلون للتوظيف في بعض الجامعات يمتحنون بهذا السؤال الذي يفتح الباب واسعاً أمام أولئك الأساتذة للنفاق العلمي.
وجاءت ردود الإمام السبكي على كلام ابن القيم في هذه القضية في جمل موجزة، وكانت تعليقات الكوثري على جميع الوجوه التي ذكرها ابن القيم ردوداً مفحمة، تجمع بين التحقيق التاريخي، والتحليل اللغوي، ونقد الروايات واستقصاءها واستخدام الدراية وتحكيم القواعد العقلية.
فقد ذكر الإمام السبكي في رده على استدلال ابن القيم بحديث الجارية "أقول أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله؟ قالت في السماء، فقد تكلم الناس عليه قديماً وحديثاً والكلام معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشاء على بدعته لا يقبل غيرها.
الجزء 1 · صفحة 16
هذا الذي قاله السبكي لا يرقى إلى مستوى الرد العلمي، وجاء تعليق الكوثري ليكمل هذا النص ويبين المشكلة ويقنع القارىء بما يقول كأوفى ما يكون البيان، انظر الكوثري وهو يعلق على هذا الحديث، وأحب أن أنقله كاملا ليعرف القارىء بنفسه طبيعة المنهج العلمي لدى الكوثري وقوته، يقول: "وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له "فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما من في السماء الحديث" فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعاً مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لألفاظ الرسول عليه السلام.
"ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة – دون كتاب الإيمان – حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث، وليس في رواية الليثي عن مالك لفظ (فإنها مؤمنة)".
الجزء 1 · صفحة 17
"وأما عدم صحة الاحتجاج به في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات قال الله تعالى (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله) وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى (وله ما سكن في الليل والنهار) وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى، فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما في أساس التقديس للفخر الرازي، ولأن الحديث فيه اضطراب سنداً ومتناً رغم تصحيح الذهبي وتهويله راجع طرقه في كتاب العلو للذهبي وشروح الموطأ وتوحيد ابن خزيمة حتى تعلم مبلغ الاضطراب فيه سنداً ومتناً".
وحمل ذلك على تعدد القصة لا يرضاه أهل الغوص في الحديث والنظر معاً في مثل هذا المطلب. فالروايات عن رجل مبهم محمولة على ابن الحكم، ولم يصح حديث كعب بن مالك ولا حديث يروى عن امرأة، فمالك يرويه عن عمر بن الحكم غير مقر بأن يكون غالطاً فيه، ومسلم عن معاوية بن الحكم ولفظهما كما سبقت الإشارة إليه مع نقص لفظ (فإنها مؤمنة) في رواية مالك. ولفظ ابن شهاب في موطأ مالك عن أنصاري – وهو صاحب القصة في الرواية الأولى – (فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم قال أتشهدين أن محمداً رسول الله؟ قالت نعم) وأين هذا من ذاك؟. وستعرف حال الذهبي في أواخر الكتاب فلا تلتفت إلى تهويله وتخويفه في هذا الباب فلعل لفظ (أين الله) تغيير بعض الرواة على حسب فهمه. والرواية بالمعنى شائعة في الطبقات كلها وإذا وقعت الرواية بالمعنى من غير فقيه فهناك الطامة وصاحب القصة لم يكن من فقهاء الصحابة ولا له سوى هذا الحديث في التحقيق بل كان أعرابيا يتكلم في الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 18
على أن (أين) تكون للسؤال عن المكان وللسؤال عن المكانة حقيقة في الأول ومجازاً في الثاني أو حقيقة فيهما قال أبو بكر ابن العربي في شرح حديث أبي رزين في العارضة: المراد بالسؤال بأين عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه وأين مستعملة فيه، وقيل إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكان مجاز وقيل هما حقيقتان وكل جار على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند كل فريق أ.هـ. وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى يقال مكان فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه فلعل الجارية تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو أ.هـ. فيكون معنى (أين الله) ما هي مكانة الله عندك ومعنى (في السماء) أنه تعالى في غاية من علو الشأن فيتحد هذا المعنى مع معنى (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم)" فإن قيل فليكن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم هو (أين الله) ولفظ الراوي هو (أتشهدين ....) رواية بالمعنى على الصورة السابقة، فالجواب أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلقين الإيمان طول أداء رسالته السؤال بأين أو ذكر ما يوهم المكان ولا مرة واحدة في غير هذه القصة المضطربة، بل الثابت هو تلقين كلمة الشهادة فاللفظ الجاري على الجادة أجدر بأن يكون لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم على أن المحقق السيد الشريف الجرجاني أجاز في شرح المواقف أن يكون السؤال للاستكشاف عن معتقد الجارية هل هي عابدة وثن أرضي أم هي مؤمنة بالله رب السموات.
الجزء 1 · صفحة 19
ومن أهل العلم من يعد العامي معذوراً في اللفظ الموهم اعتداداً بأصل اعتقاده بالله سبحانه وإن أوهم بعض إيهام في وصفه تعالى، وإليه يشير القرطبي في المفهم في شرح حديث الجارية في صحيح مسلم. قال ابن الجوزي: قد ثبت عند العلماء أن الله لا تحويه السماء ولا الأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق جل جلاله عندها أ.هـ. وعلى تقدير ثبوت لفظ (أين) فالمعنى الذي ذكره الباجي وابن العربي معنى لا حيدة عنه أصلا، وجلالة مقدار هذين الإمامين في الحديث واللغة وأصول الدين والفقه لا يجحدها إلا الجاهلون. وقول ذلك الصحابي الذي كان يبغي فوق السماء مظهراً، ومن الأدلة على ما أشار إليه الباجي" (السيف الصقيل ص 92- 96 هامش).
وعندما حكى ابن القيم اجماع رسل عن الجهة عن عبد القادر الجيلاني قام الكوثري بعد بيان فساد هذه الحكاية بالتعليق على الموضوع بما يلي: "ولم يرد لفظ الجهة في حديث ما، بل قال ابو يلعى الحنبلي في "المعتمد في المعتقد": ولا يجوز عليه الحد ولا النهاية ولا قبل ولا بعد ولا تحت ولا قدام ولا خلف لأنها صفات لم يرد الشرع بها وهي صفات توجب المكان أ.هـ. ولعله آخر مؤلفاته بدليل أن امتحانه في الصفات كان سنة 429 قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة.
الجزء 1 · صفحة 20
فمن أثبت له تعالى جهة فقد أثبت له أمثالا وأشباها مع أنه لا مثل له ولا شبيه له تعالى، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) وقال تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق" فلعائن الله على من يثبت له تعالى ما لم يثبت له الكتاب ولا السنة من الجهة ونحوها، وأما ابن رشد الحفيد ففيلسوف ظنين يسعى في إثارة وجوه من التشكيك حول آراء المتكلمين من أهل السنة لينتقم منهم بسبب ردودهم على الفلاسفة إخوانه ولا سيما من أبي المعالى الجويني وأبي حامد الغزالي فمن طالع فصل المقال ومناهج الأدلة لابن رشد وخاصة في بحث قدم العالم قدما زمانياً وعلم الله بالجزئيات والبعث الجسماني يتيقن ما قلناه في حقه على أنه يقول في فصل المقال (ص13): إن ههنا ظاهراً من الشرع لا يجولا تأويله فإن كان تأويله في المبادىء فهو كفر وإن كان فيما بعد المبادىء فهو بدعة وههنا أيضا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره كفر في حقهم، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول أ.هـ.
وهذا الكلام يهد على رأس ابن تيمية وتلميذه ما يريدان أن يبنيا على كلامه ولو علما مغزى كلامه لأبيا كل الإباء أن يحوما حول كلامه في مثل هذه الأبحاث. فما يكون كفراً في حق طائفة عند ابن رشد يكون إيمانا في حق طائفة أخرى عنده وبالعكس وهذا هو الذي يحتج ابن تيمية في التأسيس وغيره بقوله في الجهة من غير أن يعقل مغزى كلامه الطويل في مناهج الأدلة.
وأما ما وقع في كلام ابن أبي زيد وابن عبد البر مما يوهم ذلك فمؤول عند محققي المالكية، ولو كان ابن عبد البر لم يكتف بالطلمنكي في أصول الدين ورحل إلى الشرق كالباجي لم يقع في كلامه ما يوهم.
الجزء 1 · صفحة 21
ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة. وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلا فضلا عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة.
وأول من وقع ذلك في كلامه ممن يدعي الانتماء إلى أحد الأئمة المتبوعين – فيما أعلم – وهو أبو يعلى الحنبلي المتوفى سنة 458هـ حيث قال عند إثباته الحد له تعالى في كتابه (إبطال التأويلات لأحاديث الصفات): "إن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل، والعرش محدود، فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة له، وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية، فلذلك لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة، وجهة العرش تحاذى ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها أ.هـ". تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً، وهو عين ما ينسب إلى المانوية الحرانية من تلاقي النور من جهة الأسفل مع الظلمة وعدم تناهيه من الجهات الخمس – سبحانك ما أحلمك – ثم تابعه أناس من الحنابلة في نسبة الجهة إلى الله سبحانه، منهم أبو الحسن علي بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527هـ، ووقع بعده في غنية الشيخ عبد القادر وقد سبق رده، وإثبات ذلك له تعالى ليس بالأمر الهين عند جمهور أهل الحق، بل قال جمع من الأئمة إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العلم العراقي، وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري الباقلاني أ.هـ، فانظر قول ابن تيمية في التسعينية (ص3): أما قول القائل الذي نطلب منه أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفياً وإثباتاً بدعة أ.هـ، وهذه مغالطة فإن مالم يثبته الشرع في الله فهو منفي
الجزء 1 · صفحة 22
قطعاً لأن الشرع لا يسكت عما يجب اعتقاده في الله وقوله سبحانه (ليس كمثله شيء) نص في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنف عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى تعالى الله عن ذلك – ثم ا نظر قوله في منهاجه (1-462): فثبت أنه في الجهة على التقديرين أ.هـ" لتعلم كيف رماه الله بقلة الدين وقلة الحياء في آن واحد.
وأما ما ينقله الذهبي وغيره من الحشوية من تفسير القرطبي في قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) من أنه قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله فتساهل منه في العبارة فإنه لم يرد لفظ الجهة في عبارة السلف ولا في كتاب الله، ولو أراد ورود هذا اللفظ لكذبه كتاب الله وسنة رسوله والآثار المروية عن السلف، لأن الوارد لفظ (وهو القاهر فوق عباده) و(ثم استوى على العرش) ونحو ذلك بدون تعرض للتكييف بالجهة وهكذا الوارد في السنة وآثار السلف وتعين قوله (كما نطق به كتابه) أن مراده الفوقية والعلو بلا كيف وذكر الجهة سبق قلم منه، فلا يكون متمسك للحشوية فيما ذكره القرطبي في تفسيره كيف وهو القائل فيه: "متى اختص بجهة يكون في مكان وحيز فيلزم الحركة والسكون أ.هـ". وهو القائل أيضا في (التذكار في أفضل الأذكار) ص13: "يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصورا أو محدوداً ولو كان ذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق أ.هـ". وفي (ص207) من الكتاب المذكور: "ثم متبعوا المتشابه لا يخلو أتباعهم من أن يكون لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وغير ذلك من يد وعين وجنب وأصبع تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون
الجزء 1 · صفحة 23
فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد أ.هـ".
فبذلك تبين أن تمسك الحشوية بقول القرطبي السابق من قبيل الاستجارة من الرمضاء بالنار، وبه يظهر مذهب المالكية فيمن يقول بذلك كما يظهر قول الشافعية فيه من كفاية الأخيار للتقي الحصني، حيث قال فيها بعد أن أشار إلى كلام الرافعي في كتاب الشهادات: "جزم النووي في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المسجمة: قلت. وهو الصواب الذي لا محيد عنه أ.هـ".
ومن حذاق النظار من استدل على بطلان القول بالجهة بقوله تعالى: (وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق) باعتبار أن فيه استدلالاً على بطلان التعدد ببطلان لازمه الذي هو انحياز الإله إلى جهة. راجع شعب الإيمان للحليمي. وفي الإكمال شرح مسلم للقاضي عياض "ثم من صار من دهماء الفقهاء والمحدثين وبعض متكلمي الأشعرية وكافة الكرامية إلى الجهة أول (في) بـ (على). ومن أحال ذلك – وهم الأكثر – فلهم فيها تأويلات... وقد أجمع أهل السنة على تصويب القول بالوقف من التفكر في ذاته تعالى لحيرة العقل هنالك، وحرمة التكييف. والوقف في ذلك غير شك في الوجود ولا جهل بالموجود فلا يقدح في التوحيد بل هو حقيقته. وقد تسامح بعضهم في إثبات جهة تخصه تعالى أو يشار إليه بحيز يحاذيه وهل بين التكييفين (أي التكييف المحرم إجماعاً والتكييف بالجهة) فرق؟!!!. وبين التحديد في الذات والجهة فرق؟!!. وقد أطلق الشرع أنه القاهر فوق عباده وأنه استوى على العرش فالتمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في العقل غيره وهي قوله تعالى (ليس كمثله شيء) عصمة لمن وفقه الله تعالى أ.هـ.
الجزء 1 · صفحة 24
فقد تعقبه الأبي تعقباً شديداً وقال ما نسب من القول بالجهة إلى الدهماء ومن بعدهم من الفقهاء والمتكلمين لا يصح ولم يقع إلا لأبي عمر في الاستذكار (والتمهيد) ولابن أبي زيد في الرسالة وهو عنهما متأول. ثم نقل عن الفقهاء التونسيين كابن عبد السلام وابن هارون والفاسيين كالسطي وابن الصباغ اتفاقهم على إنكار ذلك في مجلس الأمير أبي الحسن ملك المغرب. راجع شرح مسلم (2-241) للأبي.
أقول إنما ذكر القاضي عياض من صار من الدهماء إلى القول بالجهة وأين في ذلك نسبة ذلك إلى الدهماء، على أن لفظ الجهة لم يقع في كلام أبي عمر ولا في كلام ابن أبي زيد وإن كان ظاهر كلامهما يوهم ذلك وقد تأول كلامهما المالكية ليكونا مع الجمهور في هذه المسألة الخطيرة، ولو ترك كلامهما على الظاهر لهويا في هاوية التجسيم وذلك عزيز عليهم أيضا، وقول القاضي عياض ليس يشمل المشارقة حيث لم يرحل إلى الشرق وإنما قوله بالنظر إلى معنى كلام بعض الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أهل بلاده من أصحاب الطلمنكي وابن أبي زيد وأبي عمر بل لا أذكر وقوع لفظ الجهة في كلام أحد منهم، وإنما جرى ابن رشد الفيلسوف في المناهج على التساهل بذكر مالم يجر على لسانهم باعتباره معنى كلامهم كما سبق. والحاصل أن التكييف غير جائز إجماعاً، ويمكن جمع جزء من الآثار الواردة في المنع من التكييف والتشبيه – ولا شك أن القول بالجهة تكييف لم يقع إلا في عبارات أناس هلكى، وأما تأويل القائلين بالجهة ما يوهم كونه في السماء بمعنى على السماء، كما ذكره القاضي عياض فلا ينجيهم من ورطة التجسيم لأن (في) في "ولأصلبنكم في جذوع النخل) لم تزل تفيد تمكين المصلوب في الجذع كتمكين المظروف في الظرف وكذلك قوله تعالى (قل سيروا في الأرض) فحمل لفظ في على معنى لا يجدي في الإبعاد عن التمكين. وإنما التأويل الصحيح ما أشار إليه الباجي من استعمال العرب لفظ (هو في السماء) يعنون علو شأنه ورفعة منزلته بدون
الجزء 1 · صفحة 25
ملاحظة كونه في السماء أصلاً كقول الشاعر:
علونا السماء مجدنا وجدودنا وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وظاهر أنه لم يرد إلا علو الشأن. وليس قوله تعالى (أأمنتم من في السماء) من هذا القبيل بل الظاهر أن المراد خاسف سدوم وعد (في السماء) بمعنى على السماء ثم جعل على السماء بمعنى (على العرش) باعتبار أن السماء مأخوذة من السمو، غفلة عن شمولها للسقف والسحاب على هذا التقدير غير المتبادر وتخصيصها بالعرش عن هوى مجرد كما لا يخفى. وفيما ذكرناه كفاية لأهل التبصر" (السيف الصقيل ص101-105).
وعندما حكى ابن القيم إجماع أهل العلم على أن الله فوق العرش فوقية حسية ردّ عليه الكوثري بقوله: "الناظم يروي عن إمامه أحمد بن حنبل في إعلام الموقعين أن من ادعى الإجماع فهو كاذب. فكيف صاغ له أن يروي هنا الإجماع على الفوقية المكانية على خلاف البراهين العقلية والنقلية القائمة. فابن عباس ومجاهد لم يرو عنهما ما يوهم ذلك إلا أناس هلكى لا تقبل أقوالهم في حيض النساء فضلا عن المسائل الاعتقادية. ومقاتل بن سليمان المروزي شيخ أهل التجسيم في عصره، وقد أفسد جماعة من المراوزة. والكلبي هالك عند أهل النقد. وأبو العالية رفيع الرياحي فسر الاستواء بالارتفاع كما ذكره ابن جرير بطريق أبي جعفر الرازي وهو متكلم فيه حتى عند الناظم. وروى الفريابي عن مجاهد تفسير استوى بقوله علا بطريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. والكلام فيه مشهور. ولذا ذكر هذا وذاك البخاري من غير سند، ومع ذلك أين الدلالة في هذا وذاك على الفوقية المكانية؟ وأبو عبيدة معمر بن المثنى الشعوبي ماذا تكون قيمة كلامه في مثل هذه الأبحاث؟
الجزء 1 · صفحة 26
والأشعري إن كنتم تعتقدون فيه أنه قائل بالفوقية المكانية فما سبب طعن الحشوية كلهم فيه؟ وإنما له رأيان أحدهما عدم الخوض في الصفات مع إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تمثيل والآخر تأويل ما يجب تأويله بما يوافق التنزيه إذاً عن ضرورة، وليس في هذا ولا في ذاك القول بالفوقية المكانية.
وتأليف الإبانة كان في أوائل رجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاري إلى معتقد أهل السنة، ومن ظن أنها آخر مؤلفاته فقد ظن باطلا. وقد تلاحقت أقلام الحشوية بالتصرف فيها ولا سيما بعد فتن بغداد فلا تعويل على ما فيها مما يخالف نصوص أئمة المذهب من أصحابه وأصحاب أصحابه.
وابن درباس غير مأمون في روايتها لأنه أفسده شيخه في التصوف مع تأخر طبقته.. والبغوي الشافعي إنما نقل في تفسيره ما يروى عن مثل مقاتل بن سليمان والكلبي تعويلا على قول أهل النقد فيهما ودلالة على أن هذا القول قول أهل الزيغ. ومالك قائل بالاستواء بلا كيف وكذا الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وابن المبارك، وهم براء مما يوجد في روايات عبدالله بن نافع الصائغ والعشاري والهكاري وابن أبي مريم ونعيم ابن حماد والاصطخري وأمثالهم.
الجزء 1 · صفحة 27
و(اعتقاد الشافعي) المذكور في ثبت الكوراني كذب موضوع مروي بطريق العشاري وابن كادش وسيأتيان في أواخر الكتاب. وابن خزيمة على سعته في الفقه والحديث جاهل بعلم أصول الدين وقد اعترف بذلك هو نفسه كما في الأسماء والصفات للبيهقي (ص200) وكتاب التوحيد له يعده الرازي كتابا في الشرك. ويستخف عقله وفهمه في تفسير قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وينقل جزءاً من سخفه ويرد عليه رداً مشبعا فيجب الاطلاع عليه ومن الشافعية من يعد من الشافعية كل من تلقى بعض شيء من بعض الشافعية وهذا ليس بصواب لأن كل متأخر يأخذ عمن تقدمه على أي مذهب كان المتقدم كما لا يخفى على من درس أحوال الرجال. وابن خزيمة هذا وإن تلقى بعض شيء من المزني في شبيبته لكن لم يكن شافعيا، بل ثبتت مساعدته لمحمد بن عبد الحكم في تأليفه ذلك الرد القاسي على الشافعي. وعلى فرض أنه شافعي لا محاباة في المعتقد أيا كان مذهب من زاغ عن السبيل. وهذا المسكين ممن إذا أصاب مرة في المعتقد يخطىء فيه مرات، فليسمح لي ساداتنا العلماء أن أعجب غاية العجب من طبع مثل كتاب التوحيد هذا بين ظهرانيهم بدون أن يقوم أحد منهم بالرد عليه كما يجب. أيقظ الله أصحاب الشأن لحراسة السنة.
وابن خزيمة الذي يروي عنه الطحاوي غير ابن خزيمة صاحب كتاب التوحيد وليعلم ذلك. والإجماع الذي يرويه ابن عبد البر إنما يصح في العلو والفوقية بمعنى التنزه والقهر والغلبة لا بمعنى إثبات المكان له تعالى. وأبو بكر محمد بن وهب شارح رسالة ابن أبي زيد مسكين مضطرب بعيد عن مرتبة الحجة. وقد ذكرنا ما يتعلق بابن أبي زيد فيما علقناه على تبيين كذب المفترى وقد أغنانا ذلك عن تكرير الكلام. ورأى القاضي أبي بكر بن العربي فيه مدون في القواصم.
الجزء 1 · صفحة 28
وأبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب الفصول مجسم صريح كأبي الخير يحيى العمراني وقد كفانا مؤنة الرد عليهما ما قاله فيهما ابن السبكي واليافعي الشافعيان. وعثمان الدارمي السجزي صاحب النقض – وهو غير صاحب المسند – قد سبق القول فيه وهو يثبت الحركة لله تعالى كحرب بن إسماعيل السيرجاني. وقد نقلت فيما كتبت على شروط الأئمة الخمسة ما قاله الحافظ الرامهرمزي في حرب السيرجاني هذا.
وخشيش بن أصرم صاحب كتاب الاستقامة يعرف أهل الاستقامة مبلغ انحرافه، ومن جملة ما هذى به قوله: فإن زعمت الجهمية فمن يخلفه إذا نزل؟ قيل لهم: فمن خلفه في الأرض حين صعد؟ أ.هـ. ولا ينجيه من ورطته كونه من مشايخ أبي داود كما لا ينجي عمران بن حطان كونه من رجال البخاري. وعبد الله بن أحمد إذا ثبت عنه كتاب السنة المنسوب إليه فلا حب ولا كرامة. وابن أبي حاتم أقر على نفسه بأنه يجهل علم الكلام كما في الأسماء والصفات للبيهقي (ص199) وحق مثله أن لا يخوض في أمثال هذه المباحث وأن يهجر قوله إذا خاض.
ومحمد بن أبي شيبة صاحب كتاب العرش مشبه كذاب، ومن جملة تخريفاته في كتابه المذكور أن الله تعالى أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش أ.هـ. تعالى الله عن تخريفات المجسمة.
وابن أبي داور كفانا مؤنة الرد عليه كلام أبيه فيه. وابن أسباط لا يحتج به في الرواية فكيف يعول على مثله في الصفات. سامح الله اللالكائي والطلمنكي وإسماعيل التيمي فإنهم تكلموا في غير علومهم. والباقون كلهم بخير خلا ما أدخل على ابن سلمة ولن يثبت عن هؤلاء سوى أنهم كانوا يقولون: إنه تعالى استوى على العرش بلا كيف وإنه القاهر فوق عباده بلا كيف وأين هذا مما يدعو إليه الناظم؟".
الجزء 1 · صفحة 29
تنبيه – روى الناظم في أعلام الموقعين عن أحمد: أن من ادعى الاجماع فهو كاذب. ثم حكى هو نفسه في الكتاب نفسه في (1-56 و114، 275، 389) وفي (2-33 و48 و53 و241 و290) وغيرها الاجماع والقول بالإجماع في مسائل عن أحمد وغيره، ومثل هذا التناقض لا يصدر إلا من مثل الناظم. وذكر أيضا في عدة من كتبه في صدد الرد على من يقول بإجماع الصحابة على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه لم يرو ذلك عن عشر الصحابة بل عن عشر عشرهم بل عن عشر عشر عشرهم بل لا تطيقون أن ترووه عن عشرين نفساً منهم. وهو يرمي بذلك إلى أن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا برواية نص عن مائة ألف صحابي مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا تخريف لم يقل به أحد قبل الناظم، لأن الظاهرية يكتفون باتفاق فقهاء الصحابة إلا أنهم يكثرون عدد الفقهاء منهم ويبلغون عددهم إلى نحو مائة وخمسين صحابيا على خلاف الواقع – ثم يناقض نفسه فيقول في إعلام الموقعين (3-379): (إن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم هو حجة وليس لا يكون إجماعاً ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً أ.هـ. ثم ذكر وجه النظر.
الجزء 1 · صفحة 30
وهذا القول هو الصواب، لكن الناظم يناقض هذا حينما يؤول كلام أحمد المذكور على خلاف تأويل الجمهور في (1-33) من إعلام الموقعين، وعند ما يشذ عن الجماعة في مسائل كالطلاق ونحوه في كثير من كتبه ويهون أمر الإجماع بل ينكره ويتابعه الجهلة الأغرار من أبناء الزمن، وفي ذلك عبرة بالغة نلفت إليها أنظار المنصفين، والحق أن الناظم ليس له أصل يبنى عليه وإنما يلبس لكل ساعة لبوسها كما شأن أصحاب الأهواء والله ولي الهداية. والحق أن تكذيب أحمد لمن يدعي الإجماع على تقدير ثبوته عنه لا بد من حمله على ادعاء من لم يتأهل لنقل الإجماع إلا الإجماع في مسألة، وإلا لتناقض كلامه وعمله" (السيف الصقيل ص107-111).
وعندما استدل ابن القيم بآية الاستواء قائلاً: إن "استوى" جاء في سبع آيات بغير لام، ولو كانت بمعنى استولى لجاءت في موضع، علق الكوثري بقوله: "ويقال لهذا المتعالم بل لو كان استوى بمعنى جلس لأتى لفظ جلس في أحد المواضع السبعة (ص85) وفي الكوثري التحليل اللغوي والروائي لمصطلح "الاستواء" حقه في تعليقات أخرى (انظر صفحة 111-112 وصفحة 119، وانظر أيضا ما ذكره تعليقا على فهم ابن القيم الاستواء بالجلوس في صفحة 176-182).
الدكتور/ دين محمد محمد ميرا صاحب
الهوامش
الجزء 1 · صفحة 31
"البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة" ص 191 حيث يقول بعد عرض ممتع لظهور أهل السنة والجماعة كطائفة: "وقد علم الخاص والعام منذ ظهر الإمامان أبو الحسن وأبو منصور في القرن الرابع أنهما وأتباعهما ناصرو السنة وناشروها، وكاتبو البدعة وفاضحوها في المشارق والمغارب قرناً بعد قرن، تشهد أعمالهم بفضائلهم، وينطق تاريخهم بصادق جهادهم حق الجهاد في إعلاء منار السنة، ولا عجب فهم أهلها وخفض علم البدعة، ولا غرو فهم أعداؤها، فلا ترى فقيها محققا، الا وهو في عقيدته أشعري أو ماتريدي، ومن خرج منهم فعن السنة خرج، وفي البدعة ولج، ولا يرتاب في ذلك خبير بما عليه جماعة الصحابة والتابعين لهم بإحسان".
انظر لعرض دقيق لتاريخ البدع العقدية في المجتمعات الإسلامية:
سلامة القضاعي العزامي: "البراهين الساطعة في ردّ بعض البدع الشائعة" تصدير محمد زاهر الكوثري (مطبعة السعادة) ص 168-198.
محمد زاهر الكوثري: "تخدير الأمة من دعاة الوثنية" و"فتن المجسمة وصنوف مخازيهم" في "مقالات الكوثري" (المكتبة الأزهرية للتراث 1414هـ - 1994م) ص378-383 و391-398.
انظر في مكانته العلمية ما كتبه الشيخ الجليل الإمام أبو زهرة في تقديمه للمقالات، وكذلك ما كتبه عالم باكستان الكبير الشيخ يوسف البندري في نفس المقالات. وللوقوف على جهاده وجهوده وحياته انظر محمد خيري: كلها مخطبوعة مع المقالات.
السيف الصقيل، ص11.
السيف الصقيل، ص10.
نفس المصدر.
نفس المصدر.
انظر مناقشة الدكتور طه حبشي لهذه القضية في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن جهبل المسي: "العقائد الجلية في الرد على ابن تيمية" فيما أورده في الفتوى الحموية" (مكتبة الفجر الجديد 1978).
قارن "محقق التقول" للكوثري بكتاب معاصره وصديقه العالم الجليل الحافظ عبدالله الصديق الغماري "الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين".
مقدمة الشيخ محمد أبي زهرة لكتاب "مقالات الكوثري" ص 16 و21.
مصادر البحث ومراجعه
الجزء 1 · صفحة 32
أبو زهرة محمد: الإمام الكوثري، "المقالات" (المكتبة الأزهرية للتراث 14-21).
البنوري، محمد يوسف: "مقدمة النشر للمقالات (المكتبة الأزهرية للتراث).
طه الحبشي (تحقيق) "الحقائق الجلية في الرد على ابن تيمية، فيما أورده في الفتوى الحموية" لشهاب الدين ابن أبي جهبل (مكتبة الفجر الجديد 1987).
العزامي: سلامة القضاعي: "البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة" تقديم محمد زاهد الكوثري (مطبعة السعادة).
الكوثري: محمد زاهد "مقالات" (المكتبة الأزهرية للتراث 1414هـ - 1994م).
الكوثري: محمد زاهد "تكملة الرد على نونية ابن القيم" في "السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل" للسبكي (مطبعة السعادة، الطبعة الأولى 1356هـ - 1937م).