الجزء 1 · صفحة 1
العلامة محمد زاهد الكوثري و موقفه من النزعة الظاهرية في عصره
بقلم الدكتور عبد الرزاق وورقية
أستاذ الدراسات الإسلامية ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ، المغرب .
تقديم:
إن من بين النزعات السلبية التي تنامت في العصور المتأخرة نزعة الظاهرية ، حيث تأثر بعض المتعلمين بالتعلق بالألفاظ دون المعاني رافضين التأويل بإطلاق ، جامدين على نصوص الأحاديث دون نظر كلي يراعي المقاصد الشرعية ، و يعتبر العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله من أبرز العلماء الذين تابعوا النزعة الظاهرية بالنقد و التمحيص و الرد العلمي ، و قد حاول الالتزام في موقفه من هذه البدعة العلمية منهجا وسطا حيث قال في تقديمه لكتاب " قانون التأويل " للغزالي(ت505هـ) : "وكذلك الكتاب و السنة ، فمن أبى التأويل فيهما مطلقا فهو متحجر الدماغ جامد خامد ، ومن توخى التأويل في الجميع فهو قرمطي(1) هالك ، و أهل الحق يرون الأخذ بالظاهر في محله ، و التعويل على التأويل في موضعه "(2)
و حاول الدفاع عن أهل القياس و المقاصد و على رأسهم الأئمة المجتهدون ، و انتقد بعض الظاهريين من أهل الحديث و الحشوية ، و من يقرأ مقالاته المجموعة يلفي أن الرجل كان عميق الفهم بمقاصد الشريعة ، جامعا لعلومها و مراميها ، ملتزما بمنهج علمي دقيق في طرق الاستدلال و الاستنباط و في مسالك التوثيق، حتى ذكرنا بنموذج الأئمة الكبار الذين حرروا الفقه و قعدوا الأصول .
(1) نسبة إلى القرامطة وهم فرقة باطنية أسسها رجل اسمه حمدان قرمط من الكوفة ، ينظر : الفرق بين الفرق ، عبد القاهر بن طاهر البغدادي : 266ـ267 ، الطبعة الثانية: 1977 ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت .
(2) مقدمات الإمام الكوثري ص 123 ، الطبعة الأولى 1418/1997 ، دار الثريا للطباعة و النشر و التوزيع ، دمشق ، بيروت .
الجزء 1 · صفحة 2
و إذا تقرر هذا فإنه من الأليق أن ندرس ما خلفه هذا الإمام من تراث علمي زاخر، و بالخصوص في مجال الفقه و الأصول ، حيث باعه طويل في محاربة النزعة الظاهرية و نصرة منهج الجمهور الجامع بين اللفظ و المعنى، و المراعي لمقاصد الشريعة ، و يليق من الناحية المنهجية تناول هذا الموضوع حسب المباحث و المطالب التالية :
المبحث الأول :النزعة الظاهرية و أثرها السلبي على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري
المطلب الأول : التعريف بالنزعة الظاهرية وجذورها
المطلب الثاني : المطلب الثاني :الأثر السلبي للنزعة الظاهرية على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري
المبحث الثاني :العلامة زاهد الكوثري و موقفه من الظاهرية :
المطلب الأول: موقفه من خلال منهج الاستدلال
المطلب الثاني: موقفه من خلال بعض القضايا العقدية
المطلب الثالث: موقفه من خلال القضايا الفقهية
المطلب الرابع: موقفه من خلال ترجمته لبعض الأئمة
المبحث الأول :النزعة الظاهرية و أثرها السلبي على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري
المطلب الأول : التعريف بالنزعة الظاهرية وجذورها
الظاهرية نسبة إلى ظاهر اللفظ ، وهو عند أهل الأصول " ما دل على معنى دلالة راجحة بحيث يظهر منه المراد للسامع بنفس الصيغة، ويكون محتملا للتأويل والتخصيص"(1) ، لذلك تبقى دلالته ظنية(2).
(1) التعاريف ، محمد عبد الرؤوف المناوي :1/489 ، تحقيق د. محمد رضوان الدية ، الطبعة الأولى 1410 ، دار الفكر المعاصر ، بيروت دمشق .
(2) الحدود الأنيقة، زكريا الأنصاري : 1/80 ،تحقيق د.مازن البركة ، الطبعة الأولى 1411، دار الفكر المعاصر ، بيروت .
الجزء 1 · صفحة 3
و على هذا فالنزعة الظاهرية يرتبط أصحابها بالدلالة الظاهرة الظنية، و يهملون ما عاداها ، وتبعا لصنيعهم هذا فإننا نعني بالظاهرية في هذا التقييد المنتسبين إلى العلم الشرعي ، المكتفين بالدلالة الظاهرة للألفاظ طريقا لاستنباط الأحكام من النص الشرعي ، و بهذا المعنى قد لا يقتصر مسمى الظاهرية على أصحاب المذهب الفقهي المشهور الذي أسسه الإمام داود بن علي الأصبهاني(ت290هـ) رحمه الله ، و إنما يشمل كل من جمد على اللفظ و أهمل المعنى أي الحكمة و المقصد ، حيث لم يخل زمان من نزعة ظاهرية تتفاوت درجات تشددها و شذوذها من عصر إلى آخر ، فيمكن التمثيل للظاهريين قديما بالحروريين(1) ، و الخوارج ، و الحشوية(2) المشبهة ، و المجسمة ، و المذهب الظاهري الفقهي ، و أغلب الحنابلة ، و بعض الشافعية ، و بعض الفرق الكلامية الأخرى ... ، و في العصر الحديث يمكن عد أغلب المنتسبين إلى السلفية التيمية(3) و الحنبلية من ذاك القبيل ...مع بعض الفروق في التطبيق على الرغم من الاشتراك في المبدأ...
(1) "والحروري نسبة إلي حروراء وهو موضع بظاهر الكوفة اجتمع فيه أوائل الخوارج ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي" إحكام الأحكام ، ابن دقيق العيد : 1/128 , ط.د.ت ، دار الكتب العلمية .
(2) هي فرقة كلامية على مذهب التشبيه و "سموا حشوية لأنهم كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري أمامه فلما أنكر كلامهم قال جردوهم إلى حشو الحلقة أي جانبها" ينظر : " شرح قصيدة ابن القيم 2 / 77 ، أحمد بن إبراهيم بن عيسى ، تحقيق: زهير الشاويش ، الطبعة الثالثة 1406 المكتب الإسلامي ، بيروت .
(3) نسبة إلى ابن تيمية الحراني المتوفي 728هـ.
الجزء 1 · صفحة 4
و قد أطلق الكوثري عدة أسماء على أصحاب هذه النزعة منها : الحشوية(1) ، المجسمة(2) ، الوثنية(3) ، أدعياء السلف(4) ، المتسلفون(5) ، دعاة اللامذهبية(6) ، المتمجهدون(7) ...
وتعدد هذه الأسماء عند الإمام الكوثري مُشْعِرٌٌ بتعدد جوانب تجلي النزعة الظاهرية، فعند طائفة غلبت عليها هذه النزعة في الجانب العقدي فسقطت في التجسيم ، و عند طائفة غلبت عليها في الجانب الفقهي فدعت إلى تجاوز المذاهب ، و عند طائفة أخرى تجلت النزعة الظاهرية في الاتباع السطحي للسلف، و ادعاء الاقتداء بهم مع مخالفة الواقع لذلك ...وهكذا فكلما تعددت الأسماء إلا وتعددت المجالات العلمية التي وقعت ضحية النزوع إلى الظاهرية .
و قد حاول الإمام الكوثري أثناء صياغة موقفه من النعرة الظاهرية أن يكون منهجيا إلى حد كبير حيث بحث في جذور نشأتها، و مسار تطورها ، يقول في بيان ذلك " مضت فقهاء الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم على الأخذ بالكتاب و السنة وبما جرت عليه جماعة الفقهاء ، وبرد الشيء الذي لم يرد فيه نص إلى نظيره الذي ورد فيه نص و إن اختلفوا في وجوه دلالة تلك الأدلة وشروط الأخذ بها . وبعد انعقاد الإجماع على تلك الأصول حاول محاولون التشكيك في كل منها ...ثم إلى أن جاء داود بن علي الأصبهاني ...ثم انتحل القول بالظاهر ونفى القياس في الأحكام قولا، واضطر إليه فعلا فسماه دليلا ..."(8)
(1) مقالات الإمام الكوثري ، محمد زاهد الكوثري ، ص: 52 ، الطبعة الأولى : 1418هـ/ 1998م ، دار السلام للطباعة و النشر و التوزيع .
(2) المقالات: 239 .
(3) المقالات: 229.
(4) ألف الكوثري كتاب خاصا في الرد على أدعياء السلف سماه :"تحذير الخلف من مخازي أدعياء السلف "
(5) المقالات: 261.
(6) المقالات: 106ـ111.
(7) المقالات: 135 .
(8) الفقه و أصول الفقه ، من أعمال الإمام محمد زاهد الكوثري ، ص: 481 ،ط1، 1425ـ2004 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان .
الجزء 1 · صفحة 5
و قد ارتبطت نشأة الظاهرية بنوع من الفوضى و التسيب في المجال العلمي حتى أصبحت العامة لا ترى بأسا في الخوض في الأمور الشرعية دون علم، و قد شجع الظاهريون الأوائل على هذا النمط من التطفل ، قال العلامة الكوثري واصفا عمل داود الظاهري في تشجيع هذا السلوك التطفلي :" وقد جرأ داود العامة على ما لا قبل لهم به من أخذ الأحكام مباشرة من الكتاب و السنة حيث حرم عليهم التقليد "(1).
و قال الكوثري في ابن حزم ونزوعه للأخذ بالظاهر : " قام ابن حزم بعد أن اكتهل يتفقه إلى أن أصبح يناهض فقهاء الملة، فأخذ يدعو إلى الأخذ بالظاهر ونبذ التمذهب ، وعلى سعة علمه كان كثير التهجم والاستطالة حتى عد لسانه كسيف الحجاج ...وكان ابن حزم شديد الانحراف عن الأشاعرة، وكانت أشد حملاته على المالكية ، ثم الحنفية ، ثم الشافعية ، وحيث كانت نشأته في بيت عز و اعتزاز كان يطمح إلى التفرد بمذهب ليكون متبوعا لا تابعا، ففعل بين ضوضاء الأخذ و الرد، ولم يؤد قوله بالظاهر إلى مذهب الحشوية في المعتقد بل كان شديدا عليهم أيضا، وكان يرى التنزيه البالغ هو مقتضى الأخذ بظاهر الكتاب و السنة ."(2)
وبالرغم مما قيل عن ظاهرية ابن حزم فإنها تبقى ظاهرية إيجابية بحسب نظرنا لأنها أذكت روح الاجتهاد في المجال العلمي مع احترام أغلب قواعد البحث العلمي، أما الظاهرية الحديثة فقد أثرت بشكل سلبي على الواقع العلمي كما الواقع الاجتماعي ، وأحدث شروخا في العالم الإسلامي لا انسداد لها مع ازدهارها أكثر في الأوساط الأمية .
(1) الفقه و أصول الفقه:481.
(2) الفقه و أصول الفقه:482ـ483.
الجزء 1 · صفحة 6
فالعلامة الكوثري كان موضوعيا إلى حد كبير حيث لم يحشر الناس في سلة واحدة، و إنما ميز بين الظاهرية القديمة ـ و لا سيما الحزمية ـ و الظاهرية الجديدة ذات الأثر السلبي ، لذلك بالرغم من نقد الكوثري لابن حزم فإنه لا يرى غضاضة في الاستشهاد به في مواطن كثيرة من كتاباته(1) ، بل في بعض الأحيان يحتج به على الظاهريين المحدثين(2) أنفسهم في قضايا يدعون فيها الانتساب للسلف، كبعض القضايا العقدية حيث لم يؤد القول بالظاهر ابن حزم إلى مذهب الحشوية(3) الذي جنح إليه المتأخرون كما سيأتي بيانه .
المطلب الثاني :الأثر السلبي للنزعة الظاهرية على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري
إن النزعة الظاهرية في العصر الحديث ترافقت مع مرحلة من الفتور العلمي في العالم الإسلامي، و لاسيما في مرحلة الاستعمار ، مما شجع تطفل المتعلمين على ميدان العلوم الشرعية ، و لما اجتمعت قلة العلم مع الحماس للانتصار للدين جاءت النتيجة فهما ظاهريا لعلوم الدين، و تأثرت كثير من علوم الشريعة بهذا المنهج ، و اتسع ذلك الأثر ليشمل جميع العلوم الإسلامية، و يمتد إلى كثير من المسلمين بما فيهم أتباع المذاهب المشهورة، و لاسيما المذهب الحنبلي ، فأصبح الأخذ المباشر من الكتاب و السنة شعار المتمسكين بهذه النزعة دون مراعاة لشروط الاجتهاد و لا لقواعد الشريعة الكلية .
(1) ينظر : الفقه و أصول الفقه: 483 ، و المقالات : 52.
(2) ينظر كلامه في رفض عقيدة التجسيم في المقالات : 51ـ52.
(3) الفقه و أصول الفقه ، الكوثري : 483.
الجزء 1 · صفحة 7
قال الكوثري في بيان تأثر بعض الأوساط المتعلمة في عصره بالاتجاه الظاهري " والغريب أن بعض أصحاب المجلات ممن لم ينشأ نشأة العلماء ، اتخذ مجلته منبرا يخطب عليه للدعوة إلى مذهب ، ولا يدرى أصله و فرعه ، فألف قبل عشر سنوات رسالة في أصول التشريع ، و جمع فيها آراء ابن حزم في نفي القياس ، و آراء بعض مثبتيه ، على طريق غير طريق الأئمة المتبوعين ، وآراء أخرى لبعض الشذاذ ، يبني مذهبه على ما يعده مصلحة فقط ، و إن خالف صريح الكتاب و السنة ، فصار بذلك جامعا لأصول متضادة ، تتفرع عليها فروع متضادة ، لا يجتمع مثلها ، إلا في عقل مضطرب ، و ما هذا إلا من قبيل استيلاد البشر من البقر ، ونحوه ."(1)
(1) الفقه و أصول الفقه ، الكوثري ، ص: 86.
الجزء 1 · صفحة 8
و لما انتشرت النزعة الظاهرية في المجتمعات الإسلامية مع مطلع العصر الحديث انعكست على سلوك الناس بتصرفات سلبية في عباداتهم ، ومعاملاتهم، و حياتهم، فوقعت الفتن ، وانتشر التكفير و التبديع لأسباب غير معقولة ، ففعل الفهم الحرفي الظاهري فعلته فسفكت دماء و انتهكت أعراض(1) ، و ما زالت تبعات ذلك تطارد المسلمين إلى الآن ، وقد ألف عدد كبير من علماء العصر الحديث في الرد على هذه النزعة السيئة حيث يمكن تقديرهم بأكثر من مائتين من المشايخ من جميع المذاهب، و من جميع الأصقاع ، توزعت مؤلفاتهم بين شتى فروع العلوم الإسلامية(2)
(1) لاسيما ما قام به غلاة الحنابلة المائلين إلى الظاهرية في العصور المتأخرة ، و في مطللع العصر الحديث ، انظر :"ما أبرزته الأقدار في نصرة ذوي المناقب و الأسرار " المشهورة ب"رسالة الوتري " ، علي بن طاهر الوتري المدني الحنفي (ت1322هـ) ، منشورة في مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية بفاس ، عدد 1985م . وانظر أيضا : الصواعق الإِلهية في الرد على الوهابية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب أخ محمد بن عبد الوهاب ، فتنة الوهابية لأحمد بن زيني دحلان (ت 1304 هـ) ، ويراجع أيضا ابن عابدين في حاشيته ، والصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين ، و محمد لبيب البتنوني في الرحلة الحجازية ، ومرآة الجزيرة العربية لأيوب صبري باشا وتاريخ الدولة العثمانية لمحمد فريد بك، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة والفكر الإسلامي في تطوره لمحمد البهي .
(2) نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : فرقان القرآن بين جهات الخالق وجهات الأكوان ، للشيخ سلامة العزامي القضاعي الشافعي ، فتنة الوهابية لأحمد بن زيني دحلان المتوفى سنة 1304 هـ ، مصباح الأنام وجلاء الظلام للسيد علوي بن أحمد الحداد ، المتوفى سنة 1222 ، البصائر لمنكري التوسل بأهل المقابر لحمد الله الداجوي الحنفي الهندي ، تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد ، للشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي ، التحفة الوهبية في الرد على الوهابية للشيخ داود بن سليمان البغدادي النقشبندي الحنفي ، التوسل بالنبي والصالحين وجهلة الوهابيين لأبي حامد بن مرزوق الدمشقي الشامي.
الجزء 1 · صفحة 9
، مؤكدين على نبذ الفتوى بغير علم ، و تجنب الفهم الظاهري للنص الشرعي في غياب المقاصد الشرعية ، داعين المسلمين إلى التمسك بأئمة المذاهب الفقهية المشهود لهم بالعلم و الصلاح .
المبحث الثاني : العلامة زاهد الكوثري و موقفه من الظاهرية :
إن العلامة الكوثري في صياغة موقفه من النعرة الظاهرية ـ كما يسميها ـ حاول الانطلاق من تأثيرها العلمي و ما نتج عنه من أزمة امتدت إلى مجالات أخرى و أصبحت انعكاسا لها حيث " يرى الشيخ الكوثري أن أزمة عالمنا الإسلامي في العصر الحديث تتلخّص في الخلل الطارئ على عرض المسألة الفقهية والعقدية أكثر مما ترجع إلى أسباب أخرى"(1).
لذلك رأيت من اللائق تقسيم الحديث عن موقفه هنا إلى أربعة جوانب علمية كانت محل نقاش طويل ومرير بين الكوثري وأصحاب النزعة الظاهرية و هي كالتالي :
المطلب الأول موقفه من خلال منهج الاستدلال
في أي علم من العلوم يمتلك منهج الاستدلال أهمية كبرى لكونه الطريق البرهاني إلى التحقق من النتائج ، أما في الفقه الإسلامي و أصوله لا يعتبر المنهج وسيلة للبحث عن الأحكام و استخراجها فحسب و إنما يعتبر أيضا علامة تميز بين الطرائق الاجتهادية و المذاهب الفقهية ، وقد حاول أئمة الفقه نهج طرق علمية جامعة بين مقتضيات اللغة و المقاصد الشرعية لأجل فهم النص مع اختلافهم في التفصيلات ، و في اعتماد بعض الأدلة و عدم اعتمادها ، دون المس بالجذع المشترك بين المذاهب ، إلا أنه اختلف الأمر لما ظهر الظاهرية حيث حاولوا سد كثير من الطرق البرهانية و المقصدية للتوصل إلى الأحكام ، و فيما يلي سوف نعرف بمنهج الظاهرية ثم نعقبه بموقف الإمام الكوثري منه :
"منهج الاستدلال الظاهري" قديما وحديثا:
(1) شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري مقال د.عمار جيدل ، منشور بمجلة حراء العدد : 6 ، يناير ـ مارس ، 2007 .
الجزء 1 · صفحة 10
تفرد دعاة الظاهرية ب"منهج" شاذ مخالفين إجماع الأمة في ترتيب الأدلة و مناهج الاستدلال المعتمدة ، حيث لا يتجاوزون ظواهر الألفاظ ، و يمجون رائحة المقاصد والمعاني الشرعية ، إذ رتبوا الأدلة الشرعية على صورة انتفت معها جميع الأدلة المقصدية ، قال ابن حزم الظاهري(ت456هـ) ـ وهو من أهل هذا المنهج قديما ـ «… بينا أقسام الأصول التي لا يعرف شيء من الشرائع إلا منها، وأنها أربعة وهي: نص القرآن، ونص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي إنما هو عن الله تعالى مما صح عنه عليه السلام نقل الثقات أو التواتر وإجماع جميع علماء الأمة، أو دليل منها لا يحتمل إلا وجها واحدا»(1).
وبهذا البيان الحصري مهد ابن حزم الظاهري إبطاله للقياس والاستحسان وخصص أجزاء من كتابه الأصولي(2) لهذا الغرض ، بل أبطل كل ما تشم فيه رائحة التعليل كدليل الخطاب انسجاما مع موقفه المبدئي من نفي التعليل وإبطال القول بالمصالح(3). فهكذا نفى الظاهرية أي امتداد معنوي أو مقصدي لنصوص الكتاب والسنة، ولما كانت الظواهر معدودة العدد ولا تكفي لاستيعاب الوقائع اللامتناهية لجأ الظاهرية إلى استصحاب الإباحة الأصلية، قال ابن حزم: «فقد كان الدين والإسلام لا تحريم فيه ولا إيجاب، ثم أنزل الله تعالى الشرائع، فما أمر به فهو واجب، وما نهى فهو حرام، وما لم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح مطلق، حلال كما كان…»(4).
(1) الإحكام في أصول الأحكام ،ابن حزم الظاهري: 1/69 ، الطبعة االثانية : 1413هـ/1992م، دار الحديث، القاهرة .
(2) الجزء الثامن من كتاب الإحكام لإبطال القياس والعلل.
(3) انظر ضوابط الاجتهاد التنزيلي في ضوء الكليات المقاصدية, د.عبد الرزاق وورقية : ص:109 و ما بعدها ، ط2003 ، دار لبنان للطباعة و النشر و التوزيع ، بيروت .
(4) الإحكام, ابن حزم الظاهري: 8/487.
الجزء 1 · صفحة 11
و سعى الظاهرية ـ كما صرح الجويني(ت478هـ) ـ إلى «حل الرباط، وقطع أسباب الاستنباط، وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط»(1) فحالة الإباحة في غياب الظواهر التي يبقون عليها المكلفين هي منافية للمقاصد الشرعية، فإن ما نص على تحريمه باللفظ قليل وعلى هذا الميزان الظاهري آلت كثير من الأمور إلى الإباحة ولو حملت مفاسد وأضرارا…و آلت كثير من الأعمال إلى التحريم ولو جلبت مصالح و منافع ، قال الشاطبي(ت790هـ) :«فاتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول… معلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض، ويضاد المشي على الصراط المستقيم»(2)، وعلى هذا ذم العلماء الراسخون رأي داود الظاهري ، وقالوا: إنها بدعة بعد المائتين(3).
(1) البرهان , إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت 478هـ) : 2/496 ، تحقيق د. عبد العظيم محمود الديب، طبعة 3، 1412هـ/1992م، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع المنصورة.
(2) الموافقات , أبو إسحاق الشاطبي: 4/129، تحقيق الشيخ عبد الله دراز.ط.دت.دار المعرفة بيروت .
(3) المصدر السابق ، و انظر أيضا الديباج المذهب, ابن فرحون المالكي: ص: 54 ، دراسة وتحقيق مأمون بن محي الدين الحبان، طبعة1، 1417هـ/1996م، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان
الجزء 1 · صفحة 12
و إذا كان هذا منهج الظاهرية قديما فإن "الظاهريين الجدد"(1) في العصر الحديث وإن انطلقوا من المبادئ نفسها إلا أنهم يختلفون مع القدماء في الحالة التي تغيب فيها الظواهر، فهم لا يطلقون الأمور على الإباحة في الغالب وإنما يعتبر عندهم كل ما لم يثبت بظواهر النصوص داخلا في مفهوم البدعة فالقضايا المسكوت عنها لا تحمل عندهم على العفو أو الإلحاق بالمنصوص عليه، وإنما تحمل على المخالفة الشرعية، لذلك حملوا الأمة في هذا العصر على الشدة والحرج و بدَّعوا و فسقوا من لم يخضع لمنهجهم ، وأدخلوا كثيرا من الامتدادات المقاصدية للخطاب القرآني في سلك الفهم البدعي المحظور . وقد تنبه المقاصديون ـ قديما ـ لهذا المزلق الظاهري فقرروا أن سكوت الشارع أنواع، وليس كل ما سكت عنه صاحب الشريعة يحمل على التحريم، وعلى مسمى "البدعة"، وقد أجاد الشاطبي وأفاد في هذه المسألة بالذات في كتابيه الموافقات(2) والاعتصام(3).
وإذا كان من أهم مزالق الظاهريين الارتباط باللفظ وإهمال المقصد الذي من أجله كان ذلك اللفظ فهم يقتصرون في كثير من الأحكام العادية على المنصوص في دلالته الوضعية الظاهرة .
ومن ثم وإن كانوا من الرائمين للاجتهاد فخطأهم حتمي ولازم إذ القاعدة المقررة عند أهل المقاصد أن «كل من وقف عند ظواهر النصوص الجزئية وأهمل المقاصد الكلية، يتعرض للخطأ في الاجتهاد».
ويمكن تلخيص منهج الظاهرية ـ ولاسيما الحديثة منها ـ في دعوتها إلى أمور من جملتها ما يلي :
الاستدلال الظاهري بالأحاديث.
التمسك بقراءة ظاهرية لتراث السلف الصالح.
تجاوز المذاهب الفقهية المعتمدة والدعوة إلى اللامذهبية.
(1) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، يوسف القرضاوي :ص: 47 ، طبعة2، 1410هـ/1989م، دار القلم ـ الكويت.
(2) الموافقات 2/310 فما بعدها.
(3) كتاب الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي كله في موضوع البدع والمصالح المرسلة.
الجزء 1 · صفحة 13
استبعاد الأدلة المقاصدية و المصلحية كالقياس و المصالح المرسلة و الاستحسان ...
هذه المعالم المنهجية الظاهرية كانت محل نقد و تمحيص من قبل العلامة الكوثري مثبتا مواطن الخلل فيها ، و منتصرا لمنهج جمهور الأمة ، وفيما يلي سوف نورد موقف الكوثري في كل نقطة من هذه النقاط :
نقد الإمام الكوثري للاستدلال الظاهري بالأحاديث:
انتقد الشيخ التركيز على رواية الحديث دون فهمه فهما صحيحا ، ذلك أن كثيرا من أدعياء السلف تراهم يجمعون الأحاديث ويستدلون بها على الأحكام دون عمق فهم حتى يؤدي بهم ذلك إلى إلصاق التناقض بالشريعة المباركة ، هذا التصرف الاستدلالي أرجعه العلامة الكوثري إلى قلة في النظر و ضعف في الفقه قال منتقدا :" وكان بين رواة الحديث أناس لم يتقنوا النظر، و لم يمارسوا استنباط الأحكام فإذا سئل على مسألة فقهية لا يجهلها صغار المتفقهين ، يجيب عنها بما يكون وصمة عار له أبد الآبدين"(1)
و يورد الشيخ نماذج لهذا الفهم السطحي لدى أصحاب النزعة الظاهرية من جامعي الأحاديث نذكر منها :
حديث : " من استجمر فليوتر"(2) المقصود منه الإيتار في الجمار عند الاستنقاء ، بينما فهموا منه صلاة الوتر بعد الاستجمار .
حديث النهي عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة(3) المقصود منه الحلق ـ بكسر الحاء ـ وهي الاجتماعات في المسجد للعلم أو غيره، نهي عنها لما فيها من تضييق على الجمعة، بينما فهموا منه النهي عن حلق الرأس.
(1) تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من أكاذيب ، الإمام محمد بن زاهد الكوثري ، ص : 12، الطبعة الجديدة : 1410هـ/1990م، تعليق محمد خيري .
(2) صحيح البخاري ، كتاب الوضوء ، باب الاستنثار في الوضوء ، رقم :156 ، تحقيق د.مصطفى ديب البغا ، الطبعة الثالثة : 1407هـ/1987م، دار ابن كثير ، اليمامة ، بيروت .
(3) مسند الإمام أحمد ، رقم :6389 ، ط:1985م، ، المكتب الإسلامي .
الجزء 1 · صفحة 14
إلى غير هذا من النماذج التي افتتح بها الكوثري رده على الخطيب البغدادي(1) و بين فيها سوء فهم الحشوية للنصوص الشرعية.
رفض دعوتهم للامذهبية
من المنزلقات الخطيرة التي انجرت إليها الجماعات ذات النزعة الظاهرية منزلق الدعوة إلى اللامذهبية ، فالأمر في نظرهم أبسط لو امتدت أفهام الناس مباشرة إلى الكتاب و السنة، و ألغت المذاهب الفقهية المشهورة ، وقد يميل بعضهم إلى المذهب الحنبلي في أول أمره و لكن بصورة مرحلية حتى يجمع بضعة أحاديث ، ثم يدعي الفهم المباشر للمصدرين : الكتاب و السنة ، و قد تصدى العلامة الكوثري لهذه الدعوة واعتبرها بمثابة دعوة إلى اللادينية ، فاللامذهبية عنده قنطرة اللادينية،معللا موقفه بأن رجال العلم على اختلاف مبادئهم لا يقيمون وزنا لرجل يدعي الفقه والعلم وليس له مبدأ يسير عليه ويكافح عنه باقتناع وإخلاص(2)، واعتبر عدم التمذهب طريقا لعدم التدين من جهة وإهمالا لجهود العلماء جميعا من جهة أخرى.
و أرجع كثيرا من الفوضى الواقعة في الفقه إلى اللامذهبية التي ستؤول إن تمادى بها الزمن إلى اللادينية وفق رأيه،فبعدما أورد في مقالاته تحت عنوان "اللامذهبية قنطرة اللادينية" نبذة موجزة عن تاريخ تأسيس المذاهب مؤكدا اتفاقها على ثلثي مسائل الفقه(3) قال :" فمذاهب تكون بهذا التأسيس و هذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها ، محاولا تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبنى عليها غير شهرة الظهور."(4)
(1) ينظر : تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من أكاذيب ، محمد بن زاهد الكوثري ،ص: 12ـ13 ، الطبعة الجديدة 1410/1990 .
(2) المقالات: 106.
(3) المقالات : 108.
(4) المقالات : 108.
الجزء 1 · صفحة 15
وقال أيضا:" وأما إن كان الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين ، وأن المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم على خطإ ، وأنه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم ، فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية .
ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة ، وكذا الإجماع والقياس ، بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط . "(1) .
ومن المصائب التي رافقت هذه الدعوة التي حاربها الشيخ التجرؤ على الفتوى حيث انتصب اللامذهبيون للإفتاء مستسهلين الأمر ، ينتقد ذلك الكوثري مبينا منهج السلف الصالح فيقول :" ولولا خوف السلف من إثم كتم العلم لما كانوا يتصدون للإفتاء بالمرة ...ولكن نرى الناس اليوم على خلاف ذلك يتزاحمون على الفتيا و يتسابقون في حمل التبعة ، فما من مجلة أو صحيفة في البلد إلا وفيها فتاوى عن مسائل ، وكذلك ليس لطائفة اللامذهبية مجلس وعظ وتذكير إلا وفيه افتئات على الفتوى في التوحيد و الفقه ، حتى إن الكاتب البسيط لا يرى بأسا في أن يفتي الناس في أعوص المسائل و أكثرها تشعبا ..."(2)
دحض تمسكهم بقراءة ظاهرية لتراث السلف الصالح
(1) المقالات : 110.
(2) المقالات : 112.
الجزء 1 · صفحة 16
ينتقد الكوثري الظاهرية الحديثة في ادعائها الانتساب إلى السلف وقراءة تراثهم قراءة ظاهرية و تقويلهم ما لم يقولوا ، وبالأخص في الأمور العقدية حيث ألف كتابا سماه "تحذير الخلف من مخازي أدعياء السلف"(1) ضمنه الرد على أرباب الإثبات والتجسيم ، ولاسيما في الأخذ بظاهر النصوص، وعدها الشيخ محاولة لتقويل السلف ما لم يصرحوا به ، و نتيجة هذا الادعاء نسبوا للسلف الصالح كثير من الآراء العقدية غير الصحيحة كالتجسيم و التشبيه و القول بالجهة... و الملاحظ على هذه الآراء أنها ترجع في أغلبها إلى فهم ظاهري سطحي لنصوص الكتاب و السنة و لمقولات السلف الصالح كما سيأتي بيانه.
انتقاد ردهم لبعض الأدلة الشرعية
استغنى الظاهرية الجدد بفهمهم المباشر الظاهري للأحاديث عن اللجوء لأي دليل مقصدي أو عقلي كالقياس و المصالح المرسلة و الاستحسان ... وكل ما خالف لديهم الدلالة الظاهرية للفظ الحديثي لا يعتبر دليلا عندهم ، لهذا و في سياق تفسير مفهوم الاستحسان عند السادة الحنفية و نفي شبه الظاهرية عنه قال الإمام الكوثري:" ظن أناس ممن لم يمارس العلم ، ولم يؤت الفهم ، أن الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان ، ويهواه ، ويلذه حتى فسره ابن حزم في "إحكامه " بأنه ما اشتهته النفس ووافقها ، خطأ كان أو صوابا . لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء ، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان ، لكان للمخالفين ، ملء الحق في تقريعهم ، والرد عليهم ، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم ، و طاشت أحلامهم ، ففوقوا سهاما إليهم ، ترتد إلى أنفسهم ، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم ، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته ."(2)
(1) تاريخ الكوثري ، أحمد خيري : 60 .
(2) الفقه و أصول الفقه ، الكوثري: 88.
الجزء 1 · صفحة 17
ولم يستسغ الكوثري ردهم للقياس أيضا ، واعتبر ذلك جمودا وسدا لباب الاجتهاد حيث علق في مقالاته " وبرد القياس الشرعي يسدون على أنفسهم باب الاجتهاد و مسالك العلة ـ على طرقها المعروفة المألوفة ـ منحازين إلى نفاة القياس من الخوارج و الروافض و جامدي أهل الظاهر."(1)
المطلب الثاني موقفه من خلال بعض القضايا العقدية
إن المسائل العقدية هي تلك القضايا المتعلقة بأصول الدين التي ينبني عليها الإيمان و تعتبر نصوص القرآن و الأحاديث المتواترة الأصل في هذه المسائل ، وفهمها ينبغي ألا يخالف القطعيات الاعتقادية الثابتة في الإسلام ، و أي تصور يفضي إلى ضرب كلية من هذه الكليات يصبح خللا عند من يعتقده ، وفي هذا الصدد ذهب الشيخ الكوثري إلى " أن من أهم أسباب بعد المسلمين عن عقائدهم في العصر الحديث ظهور بدعة التجسيم على يد الحنابلة الجدد ذوي النزعة الظاهرية الحرفية ممثلين أساسا في أدعياء السلف الجدد ومن سلك مسلكهم، وقد ظهر الاحتفال بهذا الاتجاه في العصر الحديث بطبع مؤلفات بعيدة عن العقيدة الإسلامية الصافية وفق تصوره، وبهذا الصدد حمل حملة شنيعة على طبع كتاب الدارمي وكتاب ابن خزيمة وكتاب عبد الله بن أحمد بن حنبل…وكل ما من شأنه الانتصار إلى ذلك الاتجاه على حساب الاتجاهات الغالبة في البيئة الإسلامية منذ أمد بعيد"(2).
(1) المقالات: 110.
(2) انظر شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري مقال د.عمار جيدل ، منشور بمجلة حراء العدد : 6 ، يناير ـ مارس ، 2007 .
الجزء 1 · صفحة 18
و في بحثه عن مظاهر الانحرافات العقدية الحديثة توصل إلى أن النزعة الظاهرية أسقطت أصحابها في كثير من المزالق قديما و حديثا و جرتهم إلى آراء شاذة منها : القول بالتجسيم ، و التشبيه ، و الجهة ، وغيرها كثير ...و كل هذه الاعتقادات الظاهرية حاول الكوثري بيان شذوذها و كشف خطئها، و من أمهات تلك الاعتقادات الباطلة التي حاربها كثيرا عقيدة التجسيم ، فالتجسيم عقيدة قديمة يعتقد أصحابها بجسمية الذات الإلهية و اتصافها بخصائص الجسم من التحيز و الجهة و ما إلى ذلك ومازالت الفرق ذات النزعة السطحية تفسر قوله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا"(1) بالنزول على الحقيقة(2) ، و في عصر الكوثري طفا هذا الزلل العقدي من جديد إلى الوجود فقام الشيخ برده ، و الغريب في الأمر أنه احتج عليهم بقول ابن حزم الظاهري الذي يتفق مع جمهور الأمة في تنزيه الله تعالى من التجسيم، فبعدما أورد شرحه للحديث بأن النزول هنا هو فتح لقبول الدعاء، و استقبال توبة التائبين ، وختم مقاله بتنبيه للظاهرية الحديثة إلى رأي ابن حزم هذا ، حيث قال " هذا ما يقوله ابن حزم الظاهري في حديث النزول ، و اين هذا من حشوية اليوم الذين يدعون الأخذ بالظاهر فيما يخرجهم من الملة و الله ولي الهداية ."(3)
(1) أخرجه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل ، رقم 1077 .
(2) الإنصاف ابن السيد البطليوسي: 1/82 ، تحقيق د.محمد رضوان الداية ، الطبعة الثانية : 1403 ، دار الفكر بيروت .
(3) المقالات 51ـ52
الجزء 1 · صفحة 19
و لا غرابة في تبكيت الكوثري لهؤلاء على التجسيم لأن مرده إلى التفسير "الظاهري" للنصوص الدالة على العقائد ، وقد حاولت الظاهرية الحديثة إحياء عقيدة المجسمة بنشرها مجموعة من الكتب في الباب ، ككتاب النقض للدارمي(1) الذي تصدى له الكوثري بالنقد مستنكرا إباحة نشره من قبل الأزهر(2) لما فيه من عقائد التجسيم(3) ، مستشهدا بأقوال بعض الشيوخ التي أكد فيها أنه :" لا يجوز أن يتحكم أولئك الجهلة في تفسير القرآن و الحديث النبوي و يحملوا الألفاظ على ظاهرها فيوقعوا الناس في التجسيم و لوازم التجسيم."(4)
وقد حارب الكوثري الظاهرية الحشوية بلا هوادة، كاشفا عن مواطن خطئهم العقدي من وصف لله تعالى بما لا يجوز شرعا و لا عقلا ، كإثبات الحركة له و النقلة و الحد و الجهة و القعود و الإقعاد ، و الاستلقاء و الاستقرار ...(5)
و أمام هذا التيار التجسيمي في العقائد و الآخر المغرق في التأويل اتخذ الكوثري طريقا وسطا بين الفريقين بتبنيه للعقيدة الأشعرية لاعتدالها و وسطيتها و في ذلك يقول الشيخ : " والأشعرية هم العدل الوسط بين المعتزلة و الحشوية ، لا ابتعدوا عن النقل ، كما فعل المعتزلة ، ولا عن العقل كعادة الحشوية ، ورثوا خير من تقدمهم ، و هجروا باطل كل فرقة ، حافظوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه ، و ملؤوا العالم علما"(6)
المطلب الثالث موقفه من خلال بعض القضايا الفقهية
(1) هو عثمان بن سعيد السجستاني المتوفى سنة 282هـ ، تنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 13/319. وهو غير الدارمي صاحب السنن المتوفي 255هـ .
(2) انظر استنكاره في المقالات: 217 .
(3) انظر نماذج من عقائد التجسيم للدارمي : المقالات : 227ـ233.
(4) المقالات : 226 .
(5) مقدمات الكوثري : 45.
(6) مقدمات الكوثري: 50.
الجزء 1 · صفحة 20
أرجع الكوثري الأزمة الواقعة في الفقه إلى الفهم الظاهري للنصوص الشرعية الذي فتح الباب أمام كثير من الأمراض " العلمية " في العالم الإسلامي كالتطفل على الإفتاء بغير علم ، و الدعوة إلى اللامذهبية كما سبق بيان ذلك ، و الانتساب إلى السلف زورا... ، و في جميع هذه السلبيات خالف أصحاب هذه النزعة الإجماع ، فقد لاحظ الشيخ أن هؤلاء المتمجهدين قد استحدثوا آراء لهم شذوا بها عن جمهور الأمة ، متمسكين بظواهر الألفاظ مما أسقطهم في أحكام مخالفة لروح التشريع الإسلامي، محطمين بذلك الكليات للدفاع عن بعض الجزئيات، وقد عانى الكوثري من صنيعهم هذا ، و أورد في مقالاته الكثير من القضايا التي أثاروا حولها زوابع، و قد رد عليهم الشيخ ردا حسنا ، و من أمثلة هذه المسائل :
المحاريب :
أثار أصحاب النزعة الظاهرية ضجة محرمين اتخاذ المحراب في المسجد ، وقد استنكر الشيخ التفاتهم لصغائر الأمور وتكبيرها على وجه يخل بالكليات الشرعية حيث قال " من العجب أن نرى بين آونة و أخرى أناسا يسعون جهدهم في إثارة ضجات حول مسائل تافهة ، متغاضين عن موبقات ملأت البقاع و آذت الشرع الإسلامي في جوهره و صميمه "(1) وأورد أدلة دامغة في جواز اتخاذ المحاريب و قرر أن " المسائل الاجتهادية لا تتخذ مثار إنكار "(2).
مسألة التوسل:
(1) المقالات : 117 .
(2) المقالات :117.
الجزء 1 · صفحة 21
هذه المسألة ذات بعدين أحدهما عقدي و الثاني فقهي و في كليهما كانت الظاهرية أو الحشوية الحديثة في نظر الإمام الكوثري على جانب كبير من الخطأ حتى أدى به الأمر إلى تأليف كتاب يفصل فيه القول عنونه ب "محق التقوّل في مسألة التوسّل"، عرض فيه أدلة منكري التوسّل وبيّن أنهم محجوجون بالكتاب والسنة والعمل المتوارث والمعقول….,قال الكوثري :" فإنا نرى طائفة من الحشوية يحاولون إكفار الأمة جمعاء بين حين وآخر بسبب أنهم يزورون القبور ويتوسلون الله تعالى بالأخيار . فكأنهم بذلك أصبحوا عباد الأوثان فحاشاهم من ذلك"(1)
المطلب الرابع : موقفه من خلال ترجمته لبعض الأئمة
(1) تنظر مقدمة كتاب "محق التقوّل في مسألة التوسّل" للكوثري .
الجزء 1 · صفحة 22
بناء على المواقف السابقة من البديهي أن يلقى الشيخ الكوثري هجوما من قبل أصحاب النزعة الظاهرية في عصره(1)، و لاسيما و أن شوكتهم كانت قد قويت في عدة بلدان إسلامية متلبسين بحماة السنة وأتباع السلف ، و قد مس هذا الهجوم الشيخ بشكل خاص(2) و امتد إلى الأئمة الأحناف عامة بل إلى الأئمة عموما ، فحاول الشيخ نهج طريق حكيم في الرد عليهم تمثل في قيامه بترجمة الأعلام الذين بخست الظاهرية حقهم و اتهمتهم بالخروج عن الشريعة لمجرد اجتهادهم ، و يتعلق الأمر بالأئمة الأحناف على رأسهم أبو حنيفة النعمان و تلميذاه أبو يوسف و محمد بن الحسن ، وقد أثنى أبو زهرة على عمله هذا قائلا " أما اشتغال الكوثري بتراجم أئمة الأحناف من أمثال أبي يوسف و محمد بن الحسن و زفر و الطحاوي و ابن الهمام و غيرهم ، ففضل كبير يعزى إليه ، فقد درس الرجل الكبير أقوال هؤلاء الأئمة وسرد ما يعرفه من مبتكراتهم الفقهية الرائعة ، ورد على تهافت من قاوموا بعض هذه الآراء بمنطق جيد لا يغلب ، فليت أبناء المذاهب المختلفة يتجرؤون لكتابة تراجم الأئمة من أعيان المذهب ، فتكون لنا ثروة علمية وسير تاريخية تنشئ جوا فكريا نحن في حاجة إليه في مضمار التشريع "(3)
(1) ومن ذلك هجوم المعلمي اليماني على الكوثري في كتابه الموسوم " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من أباطيل " .
(2) "حاصرته التيارات الظاهرية في العصر الحديث،فأصبح بموجب ذلك تحت طائلة الإقصاء والإبعاد عن مراكز القرار الثقافي و التعليمي،بل عدت كتبه شبيهة بالهروين والكوكايين إن لم تكن أخطر لدى البعض" ينظر : مقدمة الطبعة الأولى من كتاب العلامة محمد بن زاهد الكوثري :عصره وآراؤه ، الدكتور عمار جيدل.
(3) جزء من كلمة أبي زهرة في الشيخ الكوثري نقلا عن مقدمات الإمام الكوثري ، ص :30ـ31.
الجزء 1 · صفحة 23
و هكذا ترجم الشيخ الكوثري لكثير من أئمة الحنفية كأبي يوسف القاضي(ت182هـ)(1) ومحمد بن الحسن الشيباني(ت189هـ)(2) و الإمام زفر(ت158هـ)(3) و أبي جعفر الطحاوي(ت321هـ)(4) ، وغيرهم وكان مقصوده عموما الدفاع عن أعلام الفقه الإسلامي و نفي الشبه عنهم ، و الدفاع عن أعلام الحنفية خصوصا ، ولم يكن ذلك بدافع التعصب أبدا و إنما ردا للحق إلى أهله ، و هذا ما يؤكده تلميذه النجيب الشيخ أبو زهرة بقوله "ذاع عن الكوثري ـ بغيا دون حق ـ أنه شديد التعصب للمذهب الحنفي ، وأنه يراه المذهب الحق ، و أن ما عداه لا يرتفع إلى مستواه ، و الحق أن الفقيه الكوثري قد درس الفقه الحنفي دراسة مستوعبة فاحصة ، و آثر اتباعه و الالتزام بأحكامه ، وهذا مما لا غضاضة فيه ، ولكن هجوم بعض الأدعياء على الإمام أبي حنيفة دون دليل ، وحرصهم على نشر كتب منسوبة لبعض الأئمة تتضمن تجريح أبي حنيفة ، خطأ لا يجب السكوت عنه ، فتصدى الكوثري لتفنيد كل ما يروى عن أبي حنيفة من افتراءات ."(5)
و من خلال تراجم الشيخ الكوثري للأئمة الأحناف نستنتج جملة أمور منها :
ترجمته لهؤلاء الأعلام جاءت بعد ملاحظته حملة تنقيص وتشويه في حقهم قادها المتطفلون على العلم و العلماء، و أغلبهم من ذوي النزعة الظاهرية الرافضين للرأي و الاجتهاد...
(1) ألف الشيخ الكوثري كتابا خاصا في ترجمته سماه : " حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي " هذا الكتاب طبعته المكتبة الأزهرية للتراث .
(2) ألف الشيخ الكوثري كتابا في ترجمته سماه : "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني "
(3) ألف أيضا كتابا خاصا في ترجمته سماه : " لمحات النظر في سيرة الإمام زفر ".
(4) ألف في ترجمته كتابا خاصا سماه : "الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي "
(5) من كلمة أبي زهرة في الشيخ الكوثري نقلا عن مقدمات الإمام الكوثري ، ص : 29ـ30 .
الجزء 1 · صفحة 24
انتصاره للاتجاه الاجتهادي لهؤلاء الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث، الناظرين في النصوص في ضوء المقاصد الشرعية مجتنبين النظرة السطحية الظاهرية.
دفاعه عن مشروعية أدلة جمهور الأمة من قياس واستحسان ... في مقابل رفض الظاهرية لها و تكفير القائلين بها .
خاتمة :
إن العلامة الكوثري هو أبرز من تنبه لخطورة ما يفعله الفهم السطحي الظاهري بالمسلمين و بدينهم ، حيث وضع أصبعه على موطن الضعف عند كثير من المتعلمين و أتباعهم من العوام ، وتصدى للنزعة الظاهرية بطريقة علمية تنم عن عمق في الفهم، و علو شأن في العلم ، وترفع في الأدب ، فهو و إن هاجموه بعنف من سب و شتم و تكفير لم ينزل إلى مستواهم ، و إنما حاول مخاطبتهم علميا رائما بُرْأهم من تلك النعرة السلبية ، آخذا بأيديهم إن شاؤوا إلى الحلقة العلمية الهادئة ، و معلما لهم كيفية ترتيب الأدلة الشرعية ، و منبها لهم على طريقة السلف الحقيقية في البحث العلمي ، و مؤدبا لهم على سلوك احترام الأئمة و على قبول الخلاف في الفروع دون تبديع و لا تكفير .
إن موقف الكوثري من النزعة الظاهرية كان دفاعا على عقيدة أهل السنة و فقههم و طريقتهم في الاستنباط ، حماية لهم من التنطع و التشدد ، و ناهجا بهم طريق العدل الوسط حيث لا إفراط و لا تفريط .
و أخيرا ننبه السادة الباحثين إلى ضرورة العناية بتراث هذا العلامة و لاسيما في عصرنا هذا حيث تطورت النزعة الظاهرية لتمتد إلى دائرة التنفيذ لكثير من تبديعاتها و تكفيراتها ، حتى أساءت إلى مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها ، فلنجعل من تراث الكوثري العلمي دليلا ومرشدا إلى النظر في قضايا الشرع في ضوء كلياته المقاصدية، و تجاوز تلك التمسكات الجزئية .
فهرس الموضوعات :
تقديم:…1
المبحث الأول :النزعة الظاهرية و أثرها السلبي على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري…3
المطلب الأول : التعريف بالنزعة الظاهرية وجذورها…3
الجزء 1 · صفحة 25
المطلب الثاني :الأثر السلبي للنزعة الظاهرية على العلوم الإسلامية في عصر الإمام الكوثري…6
المبحث الثاني : العلامة زاهد الكوثري و موقفه من الظاهرية :…7
المطلب الأول موقفه من خلال منهج الاستدلال…7
1.…"منهج الاستدلال الظاهري" قديما وحديثا:…8
2.…نقد الإمام الكوثري للاستدلال الظاهري بالأحاديث:…10
3.…رفض دعوتهم للامذهبية…11
4.…دحض تمسكهم بقراءة ظاهرية لتراث السلف الصالح…13
5.…انتقاد ردهم لبعض الأدلة الشرعية…13
المطلب الثاني موقفه من خلال بعض القضايا العقدية…14
المطلب الثالث موقفه من خلال بعض القضايا الفقهية…16
1.…المحاريب :…16
2.…مسألة التوسل:…17
المطلب الرابع : موقفه من خلال ترجمته لبعض الأئمة…17
خاتمة :…19