الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى سمو الأمير الملكي السيد غازي بن محمد،
مستشار جلالة الملك عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، حفظه الله تعالى ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد إهداء أطيب التحيات وأسمى آيات التقدير لجهود تبذلونها في سبيل جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم ولمّ شتاتهم، فقد تسلمت رسالتكم الكريمة المشتملة على ثلاثة أسئلة طلبتم مني الإجابة عنها وتلبية لرغبتكم الكرمية فإلى سموكم الإجابات المطلوبة:
السؤال الأول
قبل أن أجيب على هذا السؤال بشيء من التفصيل لا بد أن أشير إلى ظاهرة مؤسفة نشاهدها في أوساط وطننا الإسلامي، وهي أن كثيراً من الناس اليوم وقعوا في هذه المسألة في التطرف المؤدي إما إلى الإفراط أو إلى التفريط وذلك أن بعضهم يسارعون في تكفير من لا يقول بقولهم أو لا يسلك مسلكهم في المسائل الفرعية التي ليست من أصول الدين القويم.
وإنما هي محلّ اجتهاد وقع فيها الخلاف العلمي منذ أول نشأة الإسلام كأن الإسلام عرصة ضيقة كلما خرج عنها الإنسان قدر أنملة خرج عن الإسلام، وفي جانب آخر هناك رجال يقبلون دعوى كل مَن يدعي الإسلام ولا يجوزون تكفيره بحال من الأحوال، وإن أنكر أصول الدين التي يتميز بها الإسلام عن غيره من الأديان كأن الإسلام ليست له حقيقة ثابتة، وإنما هو ثوب متخلخل يمكن أن تدخل فيه جميع النظريات الباطلة الهدامة ما دام الإنسان يدعي أنه مسلم وكلتا الوجهتين باطلتان أثارتا الفتن والشقاق فيما بين المسلمين.
والحقّ أن الإسلامَ أو الإيمان حقيقة ثابتة منظبطة لا بُدّ من ثبوتها للحكم على أي أحد بالإسلام، وإن هذه الحقيقة الثابتة تتسع لكثير من الخلافات الفرعية التي سوغها الإسلام نفسه فلا يجوز تكفير أحد لمجرد هذه الخلافات الفرعية، وكذلك لا تنتفي هذه الحقيقة ببعض أخطاء فرعية يرتكبها الإنسان في عمله أو في عقيدته ما دام أنه يؤمن بالأصول التي هي مدار الإسلام والكفر.
الجزء 1 · صفحة 2
فإن أردنا توحيد صفوف المسلمين فلا بد من إبعاد كلا النوعين من التطرف وكما يجب علينا أن نتبرأ من الذين يكفرون المسلمين بالخلافات الفرعية يجب علينا كذلك أن نتبرأ من الذين يريدون أن يدخلوا في الإسلام كل نظرية باطلة تعارض أصول الدين المعتبرة لدى الأمة الإسلامية عبر القرون.
وعلى هذا فيجب علينا أن نعرف تلك الحقيقة الثابتة التي يعبر عنها بالإسلام حتى نستطيع أن نتمسك بالوسطية التي تبعدنا عن كلا النوعين من التطرف وتعريف الإسلام في ضوء القرآن والسنة التي اتفقت عليه الأمة الإسلامية هو تصديق ما علم مجيئ الرسول - صلى الله عليه وسلم - به بالضرورة. ((شرح العقائد للتفتازاني))(ص 119)، و((روح المعاني))(1: 110).
فكل من دخل في هذا التعريف فإنه مسلم لا يجوز تكفيره وعلى هذا الأساس فالمذاهب التي تدعي الإسلام على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الذين يدعون الإسلام ولكنهم ينكرون شيئاً ممَّا عُلِم كونه من الدين ضرورة فيعتقدون مثلاً أن النبوة مستمرة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويؤمنون بنبوة أحد الدجالين المدعين للنبوة بعد النبي الكريم خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - مثل القاديانيين، أو يعتقدون أن القرآن الكريم الذي هو بأيدينا اليوم محرف والعياذ بالله وليس قرآناً حقيقياً كما تفوه به بعض المتطرفين والغلاة من الشيعة، أو يعتقدون الألوهية أو بعض صفاتها المخصوصة في أحد من البشر كما نسب إلى العلويين وغيرهم فهؤلاء ليسوا مسلمين ويجب تكفيرهم.
الجزء 1 · صفحة 3
الفرع الثاني: المذاهب التي تؤمن بجميع ما عُلِمَ كونه من الدين ضرورة، ولكنها تختلف فيما بينها بفروع فقهية أو في بعض تفاصيل العقيدة التي للاجتهاد فيها مجال وبالرغم من هذه الخلافات الفرعية فيما بينها، فإن كل واحد منها على حق حسب اجتهاده وليس أحد منها باطلاً فضلاً أن يكون خارج الإسلام، ويدخل في هذا النوع جميع المذاهب الفقهية التي عرف فيها الخلاف فيما بين الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - مثل المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي.
وكل ما روي بطريق صحيح عن غير هؤلاء من المجتهدين سواء عرفوا بكونهم أهل الحديث أو أهل الرأي أو أهل الظاهر مثل الشعبي والحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد الباقر وجعفر الصادق والأوزاعي والليث بن سعد وداود الظاهري وكذلك يدخل في هذا النوع الأشعريون والماتريديون رحمهم الله جميعاً. وشرط الدخول في هذا النوع أن لا يكفّروا ولا يفسقوا المذاهب الأخرى وأن لا يقعوا في أحد من الأئمة بالطعن وسوء الأدب.
والحق أن المناقشات التي جرت فيما بين هذه المذاهب هي مناقشات علمية اجتهادية تؤدي إلى تطوير الفكر وتفسيح المجال لالتماس الحلول في مشاكل الحياة ومن هنا قيل إن هذه الخلافات العلمية رحمة للأمة والموقف الصحيح لكل مذهب من هذه المذاهب أنه يعتبر مذهبه صواباً يحتمل الخطأ ويزعم أن مذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، وبهذا صرح أهل هذه المذاهب في كتبهم فمثلاً يقول العلامة الحصكفي في مقدمة ((الدر المختار))(1: 48): ((إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا قلنا وجوباً مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب)).
وإن هذا الموقف مبني على قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) ((صحيح البخاري)) كتاب الاعتصام، حديث رقم 735.
الجزء 1 · صفحة 4
النوع الثالث من المذاهب: يدخل فيه المذاهب التي ليس في معتقداتها ما يؤدي إلى الكفر؛ لأنها لا تنكر شيئاً مما علم كونه من الدين بالضرورة، ولكنها تتخالف فيما بينها في أمور لا تقتصر على الفروع الاجتهادية وإنما ترجع إلى قضايا عقدية مهمة فكل واحد من أهل هذه المذاهب يعتقد أنه على حقّ ومخالفه على خطأ ولكن خطأه لا يصل إلى درجة الكفر، وهذا مثل الاختلاف بين أهل السنة والشيعة العاديين الذين لا يعتقدون بتحريف القرآن الكريم ولا ينكرون شيئاً آخر مما علم من الدين بالضرورة، وكذلك الخلاف بين أهل السنة والزيدية وبينهم وبين الإباضية يدخل في هذا النوع ما لم ينكروا شيئاً مما علم من الدين بالضرورة.
وبهذا تبين أن جميع هذه المذاهب ليست على قدم المساواة في كونها تمثل الإسلام الحقيقي، ولكن لا يحكم بالكفر والخروج عن الإسلام إلا للنوع الأول الذي ينكر شيئاً مما علم كونه من الدين ضرورة.
السؤال الثاني:
قد ذكرنا في الإجابة عن السؤال الأول أن من لا ينكر شيئاً مما علم كونه من الدين بالضرورة فإنه مسلم لا يجوز تكفيره فلا يجوز تكفير المذاهب الإسلامية التقليدية من النوع الثاني والثالث وقد ذكرنا من يدخل في هذين النوعين من المذاهب المعروفة اليوم.
الجزء 1 · صفحة 5
أما الصوفي فلهم مدارس مختلفة فمنهم من يقصر نفسه على إصلاح نفسه لاتباع الشريعة على وفق أحد المذاهب الفقهية المعتبرة وليس له عقيدة مخالفة لظاهر الشريعة ولا طريقة عملية تعارض أحكامها ولكنه يركز على تزكية الأخلاق وتربيتها بطرق مباحة شرعاً فإن مثل هؤلاء داخلون في مذاهب النوع الثاني وهنالك طوائف سموا أنفسهم صوفية ولهم عقائد ينفون بها أحد ما ثبت من الدين بالضرورة مثل أنكارهم أحكام الشريعة الظاهرة واختراع أحكام باطنة ليس لها أساس في القرآن والسنة فإنهم داخلون في النوع الأول ومنهم من لا ينكر الشريعة الظاهرة ولا شيئاً مما علم من الدين بالضرورة ولكنهم تفردوا في إيجاد بدع في العمل أو في العقيدة تخالف جمهور الأمة وهؤلاء داخلون في النوع الثالث ولكن لا يجوز تكفيرهم وأما السلفية فإن منهم من يتبع مذهب أصحاب الحديث ولكنه لا يطعن في الأئمة المجتهدين ولا في الذين يتبعون مذاهبهم فهؤلاء داخلون في النوع الثاني ومنهم من يعتقد بطلان المذاهب الفقهية المتبوعة ويطعن في كل من خالفه ولو في مسائل فرعية فهؤلاء داخلون في النوع الثالث وعلى كل فلا يجوز تكفيرهم في كلتا الحالتين.
السؤال الثالث:
الجزء 1 · صفحة 6
إن الإسلام لا يعترف بنظام الكهنوت الموجود في المسيحية وغيرها من الأديان فالحكم كله لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - أما العلماء فإنهم لا يشرعون الأحكام وإنما يشرحون ما ثبت من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبالرغم من نفي نظام الكهنوت فإنه لا بد لشرح أحكام الشريعة من مؤهلات تمكن الشارح من الفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنة فالمفتي في الإسلام ليس شارعاً للأحكام وإنما هو شارح ومبين لما شرعه الله تعالى في كتابة أو في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولما استقرت عليها الشريعة عبر القرون وبعبارة العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله: إنه موقّع عن الله - عز وجل - فلا يجوز الإفتاء لكل من هب ودب فإنه مسؤلية عظيمة لا يؤديها إلا من تبحر في العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والعقائد وأصولها كل ذلك لدى أساتذة مهرة ورثوا هذا العلم جيلاً بعد جيل وكذلك يجب لمن يتصدر للإفتاء أن يكون عنده معرفة تامة بأحوال أهل زمانه وأعرافهم المتبعة.
والطريق المتوارث الذي عملت به هذه الأمة عبر القرون أن مجرد دراسة العلوم الشرعية لم تعتبر كافية في تأهيل المرء للإفتاء حتى يتدرب لذلك لدى مفت موثق من علماء عصره فإن الإفتاء يحتاج إلى بصيرة دينية وملكة فقهية لا تكاد تحصل بمجرد دراسة الكتب وإنما يجب لذلك تجربة عملية وهذا مثل الطبيب الذي لا يسمح له بمعالجة المرضى بمجرد دراسة علم الطب وإنما يشترط لذلك أن يتدرب على ذلك عملياً لدى طبيب ماهر له تجربة واسعة في هذا المجال وهذا المعنى أكد عليه العلماء الذين ألفوا كتباً في أصول الفتوى وليراجع مثلاً آداب الفتوى للنووي وشرح عقود رسم المفتي في رسائل ابن عابدين 1: 15.
الجزء 1 · صفحة 7
ومن المؤسف أن هذه النقطة أغفلها اليوم كثير من الناس فكل من اشتهر اسمه كزعيم سياسي أو كقائد لحركة من الحركات فإنه لا يبالي بإصدار فتاوى ولو لم تكن عنده كفاءة مطلوبة في العلوم الشرعية وإن الناس يغترون بشهرته فيعتبرون فتواه حكماً شرعياً ولو كان مخالفاً لما استقرت عليه الأمة طوال القرون فلا بد من نبذ مثل هذه الفتاوى الشاذة التي لا تزيد المسلمين إلا شقاقاً وخلافاً والتي تمزق جمع المسلمين وتكسر قوتهم وتعضد مؤتمرات أعدائهم.
هذا ما فهمته في ضوء القرآن والسنة النبوية المطهرة واتفاق أهل العلم الصحيح من الأمة الإسلامية والله سبحانه أعلم وإياه نسأل أن يسدد خطانا ويتولى هدانا ويعصمنا من جميع أنواع الضلالة في فكرنا وأعمالنا ويرشدنا إلى ما فيه رضاه سبحانه وتعالى وأسأل الله تعالى لكم دوام التوفيق والنجاح وأن ينفع بكم العباد والبلاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مفتي محمد تقي العثماني