الجزء 1 · صفحة 1
الدرر المباحة
في
الحظر والإباحة
تاليف
خليل بن عبد القادر
الشيباني الشهير بالنحلاوي
مقدمة المؤلف
مقدمة المؤلف (1) رحمه اللَّه تعالى.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم.
-الحمد للَّه الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنعم عليه بجلائل النعم، وأباح له الطيبات، وحظّره عن المحرّمات، وعلّمه ما لم يكن يعلم.
والصلاةُ والسلام على خَاتم أنبيائه، ونخبةِ أصفيائه سيدنا ومولانا محمد، المبعوث رحمةً للأمم، وعلى آله السادة الأطهار، وأصحابه القادة الأخيار، أولي الفضائلِ والهمم.
وبعد فيقول العبد المفتقر إلى مولاه، الواثقُ بعفوه وكرمه ورضاه:
خليل بن عبد القادر الشيبانيُ الشهير بالنحلاوي، غفر اللَّه له، ولوالديه، ولمن له حقُُ عليه: لما كانت مسائلُ الحظرٍ والإباحة - المسطورة في كتب أئمتنا العلماء الأعلام - هي من أهم المسائل، لتعلقها بالحلال والحرام، فاستخرتُ اللَّه تعالى باقتناص شواردها، وجمعِ ما تبدَّدَ منها في مُؤلف على حِدة، ليسهل مطالعتُه. وسمّيته (الدرر المباحة في الحظر والإباحة)، ورتّبته على مقدمة وخمسة أبواب، وخاتمة. أسأله سبحانه أن ينفع به المطالعين، وهو الكريم المعين.
-------------------
(1) خليل بن عبد القادر الشيباني، الشهير بالنحلاوي، فقيه حنفي، ولد في دمشق، في حي القنوات، وتتلمذ على كبار مشايخ عصره، أمثال الشيخ أمين سويد، والشيخ سليم سمارة، والشيخ عبد الحميد الطرابيشي. كان أحد وجهاء دمشق، عمل أولاً بالتجارة، ثم عُيّن موظفاً في المعارف. وكان من أعضاء مجلس الأوقاف، فكانت له سمعة جيدة، واشتهر بالنزاهة.
توفي ليلة الخامس عشر من شعبان سنة (1350 هـ) الموافقة لسنة (1931 م). اهـ. معجم المؤلفين، ومنتخبات تواريخ دمشق، وتراجم أعيان دمشق.
الجزء 1 · صفحة 2
نبذة عن المعلق: محمد سعيد بن عبد الرحمن بن محمد سعيد بن مصطفى بن محمد بن علي بن ولي، ابن محمد بن بني جان، البرهاني، الداغستاني. علامة، فقيه، أصولي، صوفي، مشارك في العلوم. ولد في دمشق، بسويقة ساروجان بمنزل والده، الكائنة في زقاق النوفرة عام (1311 هـ - 1892 م)، لأبوين صالحين، فقيرين، نشأ في حجرهما، وورث عنهما الفضائل. عرفت أسرته في الشام سابقاً بأسرة الداغستاني، نسبة إلى - داغستان - ولاية روسية، في جهة بحر قزوين، قدم جد الأسرة الأول علي الداغستاني، إلى دمشق عام (1150 هـ) فاستوطنها، وأعقب ذرية، سميت فيما بعد بأسرة البرهاني، لقوة حجة أحد أفرادها، وبرهانه الساطع، فنسب الأسرة إليه.
قرأ القرآن في المكاتب، ثم ألحقه والده بمدرسة "عبد اللَّه باشا العظم" وبالمكتب الإعدادي الملكي في دمشق. وفي أواخر الحرب العالمية الأولى، التحق بالجيش العثماني (في 15 كانون الأول 1918 م) برتبة ملازم ثان، ثم سرح بناء على طلبه لإكمال تحصيله العلمي، ثم التحق بالجيش العربي، بعد قيام الدولة العربية بالشام، برتية ضابط احتياط (في 4 كانون الثاني 1919 م)، ثم سرح بعد خمسة وعشرين يوماً، ثم شارك في معركة ميسلون 1920 م، وسرح بعد أيام في 27 تموز. ثم التحق بسلك التعليم، فتنقل بين عدد من المدارس في القرى، حتى استقر في دمشق.
لازم علماء عصره، أمثال الشيخ عبد القادر الإسكندراني، والمحدث الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ عطاء اللَّه الكسم، والشيخ محمد القطب، والشيخ محمود العطار، والشيخ صالح الحمصي، والشيخ أبي الخير الميداني، الذي أخذ عنه الطريقة النقشبندية، والشيخ محمود ياسين.
الجزء 1 · صفحة 3
خَلَفَ والده، بعد وفاته، على الخطابة، والإمامة، في مسجد التوبة، ولما أحيل على التقاعد سنة (1945 م) تفرغ للتدريس في المسجد نفسه، حيث أخذ عن الشيخ محمد الهاشمي التلمساني، الطريقة الشاذلية، فأجازه فيها، وجعله خليفة بعده فيها. أُجيز من كثير من العلماء كالشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ محمد صالح الآمدي الديار بكر لي، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ محمود العطار.
كان آية في التواضع، وصفاء السريرة، وحسن الظن، كثير الذكر، باراً بوالديه، لطيف المعاملة، زاهداً، محباً للأولياء. اخذ عنه العلم كثير من أفاضل دمشق، وغيرها، وأخذ عنه الطريق علماء أفاضل، حيث اجازهم فيه، كالشيخ القاضي أحمد عبد الدائم من حمص، والشيخ أحمد الشامي مفتي دوما، والشيخ عبد الغني عيون السود من حمص، والشيخ سعد الدين مراد من حماة، والشيخ إسماعيل الصباغ من دمشق، وغيرهم.
وأسس، بمشاركة الشيخ عارف عثمان، مجالس الصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وسلم، في مختلف المدن السورية.
من آثاره: التعليقات المرضية على الهداية العلائية، وتعليقاته على الدرر المباحة، في الحظر والإباحة، وهو هذا الكتاب، ورسائل صغيرة في مختلف العلوم، وكتب مخطوطة لم تطبع.
توفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من شوال 1386 هـ، الموافق للخامس والعشرين من كانون الثاني م.اه. تاريخ علماء دمشق، الهداية العلائية ط /4/.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
المقدمة في تعريف الحظر والإباحة
الحظر: هو المنع والحبس، وهو هنا: عبارة عما منِع من استعماله والمحظور: ضد المباح.
والمباح: ما خيّر المكلفُ بين فعله، وتركه، من غير استحقاق ثواب ولا عقاب.
والإباحة: الإطلاق (1).
كلُّ مكروه - كراهة تحريم - كالحرام عند مُحَمّدٍ (2) في باب الحظر والإباحة، وعندهما (أبي (3) حنيفة، وأبي يوسف)(4): إلى الحرام أقرب.
-------------------
(1) ع - 5 - 214.
الجزء 1 · صفحة 4
(2) محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، ابو عبد اللَّه، إمام في الفقه، والأصول. وهو الذي نشر علم أبي حنيفة رحمهما اللَّه تعالى. أصل أبيه من الشام، من قرية - حرستة - في غوطة دمشق، قدم أبوه إلى العراق، ولد - رحمه اللَّه - بواسط (عام 131 هـ - 748 م)، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع عن مسعر، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وصحب أبا حنيفة، وأخذ عنه الفقه، وسمع عليه مذهبه، وعرف به. وانتقل إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء بالرقة، ثم عزله. ولما خرج الرشيد إلى خراسان، صحبه، فمات في الري سنة (189 هـ - 804 م).
قال الشافعي: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت، لفصاحته اه. واكن أعلم الناس بكتاب اللَّه، ماهراً في العربية، والنحو، والحساب. وقال الشافعي أيضاً: أخذتُ من محمد وقر بعير من علم. قيل: إنه صنف تسعمائة وتسعين كتاباً، كلها في العلوم الدينية.
من أشهر كتبه في الفقه، والأصول: المبسوط في فروع الفقه، والزيادات، والجامعان الكبير والصغير، والسيران الكبير، والصغير، وهي المسامة ظاهرة الرواية، والآثار، والموطأ، والأمالي. اهـ الأعلام، والفوائد البهية.
(3) النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد، المحقق، أحد الأئمة الأربعة، ولد عام (80 هـ - 699 م) في الكوفة، ونشأ بها. وكان يبيع الخز، ويطلب العلم في صباه، ثم للتدريس، والإفتاء. امتنع من القضاء، ورعاً، وكان قوي الحجة، من احسن الناس منطقاً. قال الإمام مالك يصفه: رأيت رجلاً، لو كلمتُه في هذه السارية أن يجعلها ذهباً، لقام بحجته. كان كريماً في أخلاقه، جواداً، حسن المنطق، والصورة، جهوري الصوت، إذا حدّث انطلق في القول، وان لكلامه دوي. ويروي عن الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. له مسندٌ في الحديث، والمخارج في الفقه. توفي ببغداد سنة (150 هـ - 767 م)، وأخباره كثيرة. الأعلام بتصرف.
الجزء 1 · صفحة 5
(4) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الكوفي، البغدادي، صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه. فقيه، علامة، من حفاظ الحديث، ولد في الكوفة عام (113 هـ - 731 م)، وتفقه بالحديث، والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي. ولي القضاء ببغداد أيام المهدي، والهادي، والرشيد، ومات في خلافته ببغداد سنة (182 هـ - 798 م)، وهو على القضاء. وهو أول من دعي القضاة، ويقال له: قاضي قضاة الدنيا، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة. كان واسع العلم بالتفسير، والمغازي، و أيام العرب. من كتبه: الآثار، وهو مسند أبي حنيفة، والخراج، والنوادر، واختلاف الأمصار، وأدب القاضي اهـ، أعلام بتصرف.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
المقدمة في تعريف الحظر والإباحة.
مطلب في المكروه:.
مطلب في المكروه:
فالمكروه تحريماً، نسبتُه إلى الحرام، كنسبة الواجب إلى الفرض، والمكروه كراهة تنزيه، (نسبته) إلى الحل أقرب، فلا يعاقب فاعلَه أصلاً، ولكن يثاب تاركه أدنى ثواب (1).
-------------------
(1) هـ - 173.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
المقدمة في تعريف الحظر والإباحة.
مطلب في المباح:.
مطلب في المباح:
حكمة مشروعية المباح: ترويحُ النفوس المكلفة، من مشقة القيام بتلك الأحكام الأربعة الباقية، التي هي: الفرض، والمندوبُ فعلاً، والحرامُ والمكروه تركاً.
والمباح قابلٌ أن يصير طاعة، بالنية الحسنة - كالأكل مقدار الشبع، ليتقوى به على طاعة اللَّه تعالى - ، وأن يصير معصية، بالنية القبيحة - كلبس الثياب الفاخرة، لأجل التكبر على الغير - (1).
-------------------
(1) ص - 5.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في تقسيم الأكل، (وبيان حكم كل قسم).
الأكل، منه :
الجزء 1 · صفحة 6
فرض، يثاب عليه وهو: بقدرْ ما يندفع به الهلاك، ويُمكنُ معه الصلاة قائماً، فإنْ ترك الأكل، والشرب حتى هلك، فقد عصى، لأن فيه إلقاءَ النفس إلى التهلكة، وإنه منهي عنه في محكم التنزيل (1)، بخلاف مَن امتنع من التداوي، حتى مات، إذ لا يتقين أنه يشفيه.
ومندوب، وهو: ما يُعينه على تحصيل النوافل، وتعليم العلم، وتعلمه.
ومباح، وهو: ما كان منتهياً إلى الشبع، لتزيد قوته.
ومكروه، وهو: ما زاد على الشبع قليلاً، ولم يتضرر به.
وحرام، وهو: ما فوق الشبع، إلا أن يقصد قوةَ صوم الغد، أو لئلا يستحي ضيفه، أو نحو ذلك(2).
-------------------
(1) بقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: 196).
(2) ع - 5 - 215.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في سنن الكل، وآدابه:.
مطلب في سنن الكل، وآدابه:
وينوي بالأكل التقويَ على العبادة، فيكون مطيعاً، ولا يقصد به التلذذ والتنعم، فإنْ قلت : لا بد من أن يتلذذ بالأكل عند الجوع، فاعلم أن ذلك لا يَضر، إذا لم يكن يقصد التلذذ، بل الضررُ يكون: إذا قصد بالأكل التلذذَ، والتنعمَ، وامتلاء بطنه(1).
ويستحب الأكل على السُّفرة الموضوعة على الأرض، فإنه أقرب إلى التواضع، لا على الخُوان (2) وهو: ما يجعل من خشب ونحوه، مرتفعاً عن الأرض، بأرجل ثلاث أو أربع(3). ويتقدم الأكل على الطعام، ولا يأمر بتقديمه إليه، فإنه استهانة وترفُّع، ويجلس على الطعام جلسة المتواضعين: لا يتكئ، ولا يضطجع، ولا يعتمد على شيء، بل السُّنة فيه: أن يقعد عند الأكل، مائلاً إلى الطعام، منحنياً نحوه، ويجلس على رِجْله اليسرى، وينصب اليمنى.
الجزء 1 · صفحة 7
ويجتهد في تكثير الأيدي على الطعام - ولو من أهله، وولده - فإنّ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي. وينبغي أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع، فيكون الجوع أحد ما لا بَّد من تقديمه على الأكل. ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشَّبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب(5)، ولا يقومَ عن الطعام إلا ان يقضيَ حاجته، ولا يقومَ لأحدٍ على المائدة، ولا يعيب ما قدّم إليه من طعام وشراب، ولكنْ إن اشتهاه أكل، وإلا تركه (6).
ومن سنة الأكل: غسل اليدين قبله، وبعده، ولا يمسح يده بالمنديل قبله، ليبقى أثر الغَسل، ويمسحها بعده، ليزول أثر الطعام، وجاء: أنه بركةُ الطعام، ولا بأس به بدقيق. وهل غسلُ فمه للأكل سنة، كغسل يده؟ الجواب: لا، لكنْ يكره للجنب (عدم غسل فمه) قبلهُ، بخلاف الحائض (والنفساء).
والبسملة أوله، والحمد آخره، فإنْ نسي البسملةَ، فليقل: باسم اللَّه على أوله وآخره، وإذا قلتَ: باسم اللَّه، فارفع صوتك، حتى تُلقنَ منْ معك.
ولا يرفع (صوته) بالحمد، إلا أنْ يكونوا فرغوا من الأكل. وإنما يسمي إذا كان الطعام حلالاً، ويحمد في آخره، كيفما كان(7).
ومن السنة: البداءة بالملح، والختم به، بل فيه شفاءٌ من سبعين داء، ولعق القصعة، وكذا الأصابع قبل مسحها بالمنديل.
ومن السنة: أن لا يأكل من وسط القصعة، فإنّ البركة تنزل في وسطها، وأن يأكل من موضعٍ واحد، لأنه طعام واحد، بخلاف طبقٍ فيه ألوان الثمار، فإنه يأكل من حيث شاء، لأنه ألوان، وأن يأكل بيمينه إلاّ من عذر، ولا بأس بأن يستعين بيساره. ويأكلُ بثلاث أصابع: الإبهامِ، والمُسَبّحة، والوسطى. والأكل بإصبع واحدة من المقت، وبإصبعين من التكبر، وبثلاث من السنة، وبأربع، وخمس من الشَّرَه، والأولى أن يأكل باليد، لا بالملعقة، مراعاة للسنة.
الجزء 1 · صفحة 8
حكي أنه أحضرت الأطعمة لهارون الرشيد (8)، فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف(9)، فقال له: جاء في تفسير قوله تعالى {ولقد كَرمْنَا بني آدم}(2): جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق، وله ملعقة مخصوصة، من العاج - وهو عظم الفيل - ، فرماها هارون، وأكل بأصابعه(10).
ومن سنة الأنبياء عليهم السلام: أكل خبز الشعير، فذلك أكثر طعامهم، فلا يأكل المؤمن إلا منه، أو يخلط البُر بالشعير للبيت، لا للبيع، ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم "أكرموا الخبزَ، فإن اللَّه تعالى أنزله من بركات السماء، فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان ثلاثمائة وستون صانعاً، أولهم: ميكائيل عليه السلام - الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة - وآخرهم: الخبازُ".
ومن إكرام الخبز: أن لا ينتظر الإدام إذا حضر، ومن إكرامه: أن يلتقط الكِسرة من الأرض، وإنْ قلّت، ويأكلها تعظيماً لنعمة اللَّه تعالى، وفي الحديث "من أكل ما يَسْقط من المائدة، عاش في سَعةٍ، وعُوفي في ولده" ويقال: إن التقاط الفُتات مهورُ الحور العِين. ولا يضع كسيراتِ الخبز في الطريق، إلا لأجل النمل. وينبغي للإنسان إذا وجد خبزاً، أو غيره مما له حرمة: أن يرفعه عن موضع المهنة، إلى محل طاهر يصونُه، لكن لا يُقَبّله، ولا يضعه على رأسه، كما تفعله العامة، فإنه بدعة، وهذا الباب مجرب، كلُّ من عَظّم اللَّه تعالى، بتعظيم نعمه، لَطف به، وأكرمه، وإن وقع بالناس شدة، جعل له فرجاً ومخرجاً.
التوسعة على العيال - يومَ عاشوراء(11) - مندوبةٌ في المأكل، والملابس، وغير ذلك(12)، ومما يصدق عليه التوسعة: استعمال أنواع من الحبوب.
الجزء 1 · صفحة 9
يجوز أكل الطعامين، والتوسيع في الأطعمة، ولا خلاف بين العلماء في جوازه. وما نقل عن بعض السلف من خلافِ هذا، محمول على كراهية اعتياد التوسيع والترفيه، والإكثارِ منه، بغير مصلحة دينية، فإنّ الأعضاء كلّها تنطق بالشكر اختياراً عند تناول ما تستلذه من الأطعمة المباحة اللذيذة(13).
-------------------
(1) ت - 121.
(2) وهو الطاولة.
(3) ط - 2 - 476.
(4) ش - 243.
(5) غ - 2 - 4.
(6) هـ - 278.
(7) ع - 5 - 216.
(8) هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، العباسي، أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم. ولد بالري عام (149 هـ - 766 م)، ونشأ ببغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي عام /170 هـ/، فقام بأعبائها، وازدهرت الدولة في أيامه. كان عالماً بالحديث، والفقه، والأدب، وأخبار العرب، فصيحاً، شجاعاً، كثير الغزوات، حازماً، كريماً، متواضعاً، يحج سنة، ويجاهد سنة. وكان يطوف أكثر الليالي متنكراً. توفي في (سناباذ) من قرى طوس سنة (193 هـ - 809 م)، وبها قبره.اهـ. أعلام بتصرف.
(9) انظر ترجمته في صفحة - 8 - .
(10) سورة الإسراء - 70 - .
(11) ع - 5 - 216، هـ - 175 - ش 249 - غ - 2 - 4.
الجزء 1 · صفحة 10
(12) العاشر من المحرم، وهو اليوم الذي نجّى اللَّه تعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام من الغرق، وأغرق فرعون، وقومه، وروى مسلم عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود، يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر اللَّه فيه موسى، وبني إسرائيل، على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له. فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه". وحذراً من التشبه باليهود قال صلى اللَّه عليه وسلم:" لئن بقيت إلى قابل، لأصومنّ التاسع". وقال صلى اللَّه عليه وسلم:"صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على اللَّه، أن يكفر السنة التي بعدها" رواه ابن ماجه - صحيح مسلم - الترغيب والترهيب.
(13) لما رواه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، قال صلى اللَّه عليه وسلم "من أوسع على عياله، وأهله، يوم عاشوراء، أوسع اللَّه عليه سائر سنته". رواه البيهقي، وغيره. ترغيب.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في مكروهات الأكل.
مطلب في مكروهات الأكل.
الجزء 1 · صفحة 11
يكره السكوت حالة الأكل، لأنه تشبهٌ بالمجوس، ويتكلم بالمعروف، ولا يذكر على الطعام ما يقذّر الطبع: من ذكر الموت، والمرض، ولا يأكل الطعام حاراً، ولا يشمه. ولا بأس(1) بالأكل متكئاً، او مكشوف الرأس. والأكل في الظلمة منهي عنه. يكره وضع المملحة، والقصعة على الخبز، ومسحُ اليد، والسكين به، إذا لم يأكل ما يمسح به، وبعض المشايخ أفتى بالمنع مطلقاً. ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز، ويدعَ حواشيه، أو يأكل ما انتفخ منه، إلا أن يكون غيرُه يأكل ما تركه، أو اختار ما كان منه ليناً لعدم أسنانه، فلا بأس به، كما لو اختار رغيفاً دون رغيف. ويكره إلقاء الخبز على الأرض. واتخاذ الأطعمة سرف، إلا إذا قصد الطاعة: بأن مَلّ من لون، فاستكثر من الألوان، ليستوفي من كل نوع شيئاً. فيحصل له قدْر ما يتقوى به على طاعة اللَّه عز وجل، أو قصد دعوة الأضياف قوماً بعد قوم.
ومن السرف: وضع الخبز فوق الحاجة، وأن لا يترك لقمة سقطت من يده، فإنه إسراف، بل أن يبتدئ بها. لا يكره قطع الخبز بالسكين، إذا كان لحاجة، ولا يأكل الصحيح من الرغفان، إن وجد مكسوراً. يكره الأكل في السوق بمرأى الناس، بخلاف ما (إذا) توارى عنهم خلفَ ستر، أو غلقٍ، أو جدار، فإنه لا يكره.
الجزء 1 · صفحة 12
ويكره الأكل في الطريق، لأنه مما يخل بالمروءة، خصوصاً بأصحاب الهيئات. ويكره الأكل في المقابر، لما فيه من التهاون باحترام قبور المؤمنين، والإخلالِ بالعِبرة التي إنما تزار القبور لأجلها. ويكره الضحك أيضاً عندها، وعند الجنازة، ولا يصدر ذلك إلا من كل مَطْمُوس البصيرة، أعمى القلب. ويكره أكل طعام الميت (أي المتخذ من مال التركة، قبل القسمة) خصوصاً إذا كان على الميت دين، أو كان في الورثة أيتام. واتخاذ الضيافة من أهل الميت مكروهة، لأنه شرع في السرور، لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة، فيستحب لجيران أهل الميت، والأقرباء الأباعد، تهيئة طعام لهم، يُشبعهم يَومهم وليلتهم، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم "اصنعوا لآل جعفرٍ(2) طعاماً، فقد جاءهم ما يَشغلهم"، ولأنه بِرٌّ معروف. ويُلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم ن ذلك، فيضعفون.
لا يأكل كلَّ ما يشتهيه، لأنه من السرف، ولا يأكل شيئاً بشهوة نفسه، فيُحْرَمَ الحكمة، ومهما كان أجوعَ، فليكن أدبه في الأكل أحسنَ، فيكون على التأني والوقار، لا على الحرص والعجلة(3).
-------------------
(1) كلمة - لا بأس - تفيد خلاف الأولى.
(2) جعفر بن أبي طالب، صحابي، هاشمي، لُقب بالطيار، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم "دخلتُ الجنة، فرأيت جعفراً، يطير مع الملائكة، وجناحاه مضرجان بالدم". أخو علي، وأسنّ منه، بعشر سنين، من السابقين للإسلام، هاجر إلى الحبشة، الهجرة الثانية، وبقي فيها حتى هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فقدم عليه سنة 7 هـ وهو بخيبر. حضر موقعة "مؤتة" بالبلقاء، فنزل عن فرسه، وقاتل حتى وقع شهيداً، وفي جسمه نحو تسعين طعنة، ورمية فعوضه اللَّه عن يديه جناحين في الجنة. أعلام بتصرف.
(3) ع 5 - 216، ع 1 - 603، هـ - 173 - 174 - 175 - 178.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في إجابة الدعوة.
مطلب في إجابة الدعوة.
الجزء 1 · صفحة 13
اختلف في إجابة الدعوة، قال بعضهم: واجبة لا يسع تركها، وقال العامة: هي سنة، والأفضل: أن يجيب إذا كانت وليمة، وإلاّ فهو مخير، والإجابة أفضل، لأن فيها إدخالَ السرور في قلب المؤمن، وإذا أجاب فَعَلَ ما عليه، (سواء) أكل أو لا، والأفضل: أن يأكل لو غيرَ صائم، (و) لا يقصد بالإجابة قضاءَ شهوة البطن، فيكونَ عاملاً في أبواب الدنيا، بل يحسّن نيته، ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة، وذلك بأن تكون نيته الاقتداءَ بسنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وينوي إكرام أخيه المؤمن، وإدخالَ السرور عليه. ولا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقْر الداعي، وعدم جاهه، بل كلُّ مسافة يمكن احتمالها في العادة، لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك.
و(ينبغي) أن لا يميز الغنيَّ عن الفقير، فذلك هو الكِبْر المنهي عنه. وينبغي أن لا يدعوَ مَنْ يعلم أنه يشق عليه الإجابة، وإذا حضر تأذى بالحاضرين، بسبب من الأسباب.
ولا يدعو مِن دارٍ واحدة الأبَ دون الابن، والأخَ دون أخيه، إذا كانا كبيريْن، فإن ذلك جفاء. وإذا دعاه اثنان، فليجب أقرَبهما باباً، إن استوت مراتبهم، وإلاّ فأقرَبهم مودة ورحمةً.
دُعي إلى وليمة - وفي المنزل، (لا على المائدة)، لعب، او غناءُُ، لا يحل(1) - ، قَعَدَ، وأكل، فإنْ قَدَر على المنع فَعَل، وإلا يقدرْ، صبر إن لم يكن ممن يقتدى به، فإن كان مقتدى (به)، ولم يقدر على المنع، خرج، ولم يقعد.
أما لو كان اللعب، أو الغِيْبة على المائدة، فإنه لا يقعد، وهذا كلّه إن لم يعلم أولاً، فلو علم أولاً، (فإنه) لا يحضر أصلاً، سواء كان ممن يقتدى به، أو لا.
يكره الأكل اتُخذ للرياء، والسُّمعة، والمباهاة، إذا علم ذلك، أو غلب على ظنه بالقرائن، قال ابن مسعود(2) رضي اللَّه عنه (نُهينا أن نجيبَ من يرائي بطعامه). وهذا كلُّه إذا علم بالقرائن الواضحة، لا مطلق القرينة، لأنها من سوء الظن المحرم(3).
-------------------
الجزء 1 · صفحة 14
(1) أي لعب، أو غناء محرمان.
(2) عبد اللَّه بن مسعود، بن غافل، بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من أكابرهم فضلاً، وعقلاً، وقرباً من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، مكي، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، خادم النبي الأمين، وصاحب سره، ورفيقه في حِله، وترحاله، وغزواته، ولي بعد النبي صلى اللَّه عليه وسلم، بيت مال الكوفة. كان قصيراً جداً، يحب الطيب، يعرف به من طيب رائحته. له في الصحيحين (848) حديثاً. أعلام.
(3) ع 5 - 221، غ 2، 11 - 12، هـ - 176 - 186، ط 2 - 476 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في الضيافة وآدابها:.
مطلب في الضيافة وآدابها:
تعجيل الطعام من إكرام الضيف، فإذا حضروا، وتأخر واحد، أو اثنان، عن الوقت الموعود، فإكرام الحاضرين أولى، إلا أن يكون المتأخر فقيراً، أو ينكسر قلبه بذلك، فلا بأس بالتأخير، يقال: ثلاث تورث السّل: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، وطعامُُ يُنْتَظر عليه مَنْ يجيء.
ومن الأدب: أن لا يأخذ الضيفُ أحسن المواضع، ولا يتصدَر، بل يتواضع، ولا يطيلُ الانتظار عليهم (بتأخره)، ولا يعجلُ بحيث يفاجئهم، قبل تمام الاستعداد، ولا يضيقُ المكان على الحاضرين، بالزحمة، بل إنْ أشار إليه صاحب الدار بموضعٍ، لا يخالفه البتة، وإن أشار إليه بعضُ الضيفان بالارتفاع إكراماً، فليتواضع إلى الدون من المجلس.
الجزء 1 · صفحة 15
ولا يخرج الضيف إلاّ برضى صاحب المنزل، وإذنه، ويراعي قلبه في هذه الإقامة، ولا يستأنس للحديث، إلا أنْ يُجلسَه ربُّ البيت. ويأكل الضيف بمثل ما يأكل في بيته، فإنّه الإنصاف، أو فوق ما يأكل في بيته، فإنّه تفضّل، فإنْ نقص فذلك نفاق. وليس للضيف أن يسأل صاحب الطعام: أمِن حلٍّ، أم حرام؟ ولا يبتدئ الطعامَ، ومعه مَنْ يستحق التقديم، بكبر سنٍ، أو زيادةِ فضل، إلا أن يكون هو المتبوعَ، والمقتدى به، فحينئذ ينبغي أن لا يطيل عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له(1). ولا ينبغي للضيف أن يشتهي على صاحب البيت إلا الماءَ، والملح، ولا يَعيبُ طعامه، فما وجد أكل، وحمِد، ولا ينظر إلى أصحابه، ولا يراقب أكلهم، فيستحوا، بل يغضُّ بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يُمسك قبل إخوانه، إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، بل يَمدّ اليد، ويقبضها، ويتناول قليلاً قليلاً، إلى أن يستوفوا، فإن امتنع لسببٍ، فليعتذر إليهم، دفعاً للخَجْلة عنهم، ولا ينبغي أن يَجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشَره. ولا ينبغي أن يدعَ شيئاً مما يشتهيه، لأجل نظر الغير إليه، فإن ذلك تَصَنّع، بل يجري على المعتاد، ولا ينقص من عادته شيئاً، ولكن يعوّد نفسه حسنَ الأدب في الوحدة، حتى لا يحتاجَ إلى التصنع عند الاجتماع. ولا يفعل ما يستقذره غيره، فلا ينفض يده في القصعة، ولا يقدّم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فِيْه، وإذا أخرج شيئاً من فِيْه، صرف وجهه عن الطعام، وأخذ بيساره. ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل، ولا الخلَّ في الدسومة، واللقمةُ التي قطعها بسنه، لا يغمس بقيتها في المرقة، والخل. وما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذُه، وهو الذي تسميه الصوفية الزَّلةَ، إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه. وليكن بصرُه إلى ما يأكل بين يديه، ولا يلتفت يميناً وشمالاً، ويُصغّر اللقمة، ويُجيد مضغها، ولا يرفع
الجزء 1 · صفحة 16
رأسه، ولا يفتح فاه فتحاً بليغاً، ولا يمسّ شيئاً من جسده، ولا من ثيابه، وإذا عطس، أو سعل، حوّل وجهه، أو جعل يده على فمه. وللضيف أن يطعم الهرة، لا الكلب - ولو كلبَ صاحب البيت - ولا يعطي سائلاً، ولا لمن أتى لحاجة، ولا يذهبْ بأحد إلى الضيافة، إلا بإذن المضيف، وإذا كان ضيفاً عند إنسان، فناول لقمةً من طعام مائدته، لمن كان عليها، يحل للمتناوِل الأخذ، ولو أعطى لمن على مائدة أخرى: إنْ أعطاه من جنس ما على المائدة الثانية، يحل، وإلاّ لا .
الجزء 1 · صفحة 17
وكرّه جماعة من السلف التكليفَ للضيف بما يَشق على صاحب البيت مشقةً ظاهرة، لأن ذلك يمنع من الإخلاص، وكمالِ السرور بالضيف. ويستحب لصاحب الضيافة أن يقول للضيف: كُلْ، من غَير إلحاح(2)، وأن يُلَقَم الضيف بيده، وأن لا يهمل أقاربه في ضيافته، ولا يُجلس مع الأضياف من يُثَقّل، فإن الثقيل ينغص الطعام، ولا يغضب على خادمه عند الأضياف، فيدخلَ عليهم الوحشة، ولا يُقتّر على عياله لأجل الضيف. ويخدم الضيف بنفسه، ولا يقصد بدعوته المباهاةَ، والتفاخرَ، بل يقصد السنةَ. وأن يقدم من الطعام قدْر الكفاية، فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنعٌ ومرآة، إلا أن يقدم الكثير، ونوى بذلك التبرك بفضلة طعامهم، إذ جاء: أنه لا يحاسب عليه، وأن لا يبادر إلى رفع الألوان، قبل تمكنكم من الاستيفاء، حتى يرفعوا الأيديَ عنها، وأن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم، بل ينبغي أن يكون آخرَهم أكلاً، وإذا فرغوا من الطعام، واستأذنوا، ينبغي أن لا يمنعهم، فإن ذلك ربما يُثَقّل عليهم، وأن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهو سنة، وذلك من إكرام الضيف. وتمام الإكرام: طلاقةُ الوجه، وطيبُ الحديث، ولا يواكل الأشرار، ولا يشاربهم، ويواكل مع أهل التقوى، وأهل العلم، فإنه يورث الحكمة، قال عليه الصلاة والسلام "لا تصاحبْ إلا مؤمناً، ولا يأكلْ طعامَك إلاّ تقي"، فإن في إطعام الفاجر إعانةً له على فجوره. ويستحب إطعام مَنْ في إطعامه إعانة على الطاعة، وإذا لم يعلم، فلا حرج عليه في الإحسان، وليس الشك بمعتَبَر، ولا الظن، والحِساب، ولا سيما إذا استند إلى قول فاسق، أو جاهل(3).
-------------------
(1) قال الشاعر الجاهلي (الشنفري)، (من الطويل):
وإن مُدّت الأيدي إلى الزاد، لم أكن * بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجلُ
(2) ولا يحلف على الطعام، لقول الحسن بن علي رضي اللَّه تعالى عنه: الطعام أهون من أن يحلف عليه.
الجزء 1 · صفحة 18
(3) ط - 2 - 438 - 565 - 635 - ، غ - 2 - 6 - 7 - 13 - 15 - 16 - ،هـ - 176 - 177 - 178 - 179.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في ترتيب الأطعمة:.
مطلب في ترتيب الأطعمة:
وترتيب الأطعمة: بتقديم الفاكهة أولاً، إن كانت، فذلك أوفق في الطِّب، فإنها أسرع استحالةً، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي قوله تعالى {وفاكهةٍ مَمّا يَتَخَيّرون، ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهون}(1) تنبيهٌ على تقديم الفاكهة. ثم أفضل ما يُقدم بعد الفاكهة: اللحم، والثريد، فإنْ جَمعَ إليه حلاوةً بعده، فقد جمع الطيبات.
قال أبو سليمان الداراني(2)، قُدّس سره: (أكل الطيبات يُورث الرضى عن اللَّه سبحانه)، وتتم هذه الطيبات بشُرب الماء البارد، وصبِّ الماء الفاتر، على اليد عند الغسل. ويقدّم من الألوان ألطفَها، حتى يستوفي منها مَنْ يريد، ولا يكثر الأكل بعده. وعادة المترفين تقديم الغليظ، ليستأنف حركة الشهوة، بمصادفة اللطيف بعده، وهو خلاف السنة، فإنه حيلة في استكثار الأكل. وكان مِنْ سنة المتقدمين: أن يقدّموا الألوان دفعة، ليأكل كلُّ واحد مما يشتهي، وإن لم يكن عنده إلاّ لون واحدٌ ذَكَرَه ليستوفوا منه. ويحكى عن بعض أصحاب المروآت، أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان، ويعرضها على الضيفان. ويُحضر البقول على المائدة، فإنها مطردة للشيطان. وعن إبراهيم النخعي(3) رحمه اللَّه تعالى (المائدة بلا بقل، كشيخ بلا عقل).
ومن آداب التقديم: ترك التكلف، وتقديمُ ما حضر، ولا يقول لزائره: هل أُقَدّم لك طعاماً؟ بل ينبغي أن يقدّم إنْ كان، فإنْ أكل، وإلا فيرفعه، وأنْ لا يقترح الزائر، ولا يتحكم بشيء بعينه، فربما يشق على المزور إحضارُه، فإن خيّره بين طعامين، فليختر أيسرهما عليه، فإن علم أنه يُسر باقتراحه، ويتيسر عليه ذلك، فلا يكره له الاقتراح.
الجزء 1 · صفحة 19
ليس من السنة أن يقصد قوماً، متربصاً لوقت طعامهم، فيدخلَ عليهم وقتَ الأكل، فإن ذلك من المفاجأة، وقد نُهي عنه، أما إذا كان جائعاً، فقصد بعض إخوانه ليطعمه، ولم يتربص به وقتَ أكله، فلا بأس به، وفيه إعانة لأخيه على حيازة ثواب الإطعام، (وهي عادة السلف)، فإن دخل، ولم يجد صاحب الدار - ، وكان واثقاً بصداقته، عالماً بفرحه، إذا أكل من طعامه - فله أن يأكل بغير إذنه، ويَرفق برفيقه في القصعة، فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك حرام، إن لم يكن موافقاً لرضى رفيقه، مهما كان الطعام مشتركاً، بل ينبغي أن يقصد الإيثار. ولا يأكل تمرتين في دفعة، إلا إذا فعلوا ذلك، أو استأذنهم، فإن قلّل رفيقه، نشّطه، ورغّبه في الأكل، وقال: كُلْ، ولا يزيد في قوله - كُلْ - على ثلاث مرات، فإن ذلك إلحاح وإفراط.
الجزء 1 · صفحة 20
تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير، قال علي(4) رضي اللَّه (تعالى) عنه:(لأَنَ أَجمعَ إخواني على صاعٍ من طعام، أحبُّ إلىّ من عتق رقبة). وكان ابن عمر(5) رضي اللَّه تعالى عنهما يقول: (مِنْ كرم المرء طيبُ زاده في سفره، وبذله لأصحابه). وكان الصحابة رضي اللَّه عنهم يقولون: (الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق)، وكانوا رضي اللَّه تعالى عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن ذَواق، وفي الحديث:"إنّ في الجنة غرفاً، يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، هي لمنْ أَلاْنَ الكلامَ، وأطعمَ الطعام، وصلّى بالليل والناسُ نيام". قيل لبعض الأطباء: صف لي صِفةً آخذ بها، ولا أَعْدُها، قال (لا تنكِح من النساء إلا فتاة، ولا تأكل من اللحم إلاّ فتياً، ولا تأكل من المطبوخَ حتى ينعم نضجه، ولا تشربن دواء إلا من عِلة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجَها، ولا تأكل طعاماً إلا أجدت مضغه، وكُلْ ما أحببت، ولا تشربن عليه، فإذا شربت، فلا تأكلن عليه شيئاً، ولا تحبس الغائط، والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام، ولو مائة خطوة). وليقل بعد أكل طعام الغير: اللَّهم أكثر خيره، وبارك له فيما رزقته، ويسّر له أن يفعل فيه خيراً، وقنّعه بما أعطيته، واجعلنا وإياه من الشاكرين. وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون، وأكلَ طعامَكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة. وليقل إذا أكل لبناً(6): اللَّهم بارك لنا فيما رزقتنا، وزدنا منه. فإن أكل غيرَه قال: اللَّهم بارك لنا فيما رزقتنا، وارقنا خيراً منه(7).
-------------------
(1) الواقعة - آية /20 - 21/.
(2) عبد الرحمن بن احمد بن عطية، العنسي، المذحجي، زاهد مشهور، من أهل داريا، (بغوطة دمشق) رحل إلى بغداد، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى الشام، وتوفي في بلده. من كبار المتصوفين، وله أخبار في الزهد. والأرجح أن وفاته سنة (215 هـ). أعلام.
الجزء 1 · صفحة 21
(3) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحً، وصدق رواية، وحفظاً للحديث، ولد عام (46 هـ - 666 م)، من أهل الكوفة، مات متخفياً من الحجاج، فقيه العراق، إمام مجتهد، له مذهب. قال الشعبي لما بلغه موته: واللَّه ما ترك بعده مثله. توفي سنة (96 هـ - 815 م). أعلام.
(4) علي بن أبي طالب الهاشمي، القرشي، أبو الحسن، أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، وأول الناس إسلاماً بعد السيدة خديجة، ولد عام (23 هـ - 600 م) وربي في حجر النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وكان اللواء في يده في أكثر المشاهد، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان عام (35 هـ)، وأقام في الكوفة، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، غيلة في مؤامرة رمضان في السابع عشر منه المشهورة سنة (40 هـ - 661 م). أعلام بتصرف.
(5) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من اعز بيتوتات قريش في الجاهلية، كان جريئاً، جهيراً، نشأ في الإسلام، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وشهد فتح مكة، ومولده في مكة عام (10 ق.هـ - 613 م) ووفاته فيها كذلك سنة (73 هـ - 692 م)، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، أبي الخلافة بعد مقتل عثمان، وهو آخر من توفي بمكة من الصاحبة. له في الصحيحين (2630) حديثاً. أعلام.
(6) يعني: حليباً.
(7)غ - 2، 6، 7، 8، 10، 14، 15، 17.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في حكم أكلِ الثمار الساقطة.
مطلب في حكم أكلِ الثمار الساقطة.
إذا مرّ الرجل بالثمار في أيام الصيف، وأراد ان يتناول منها - والثمارُ ساقطة تحت الأشجار - :
فإن كان ذلك في المصر (فإنه) لا يسعه التناول، إلا إذا علم أن صاحبها أباح إمّا نصاً، وإما دلالة.
الجزء 1 · صفحة 22
وإن كان في البستان: فإن كان من الثمار التي تبقى - مثل الجوز وغيره - (فإنه) لا يسعه الأخذ، إلاّ إذا علم الأذن. وإن كان من الثمار التي لا تبقى، فلا بأس بالتناول، ما لم يعلم النهي إما صريحاً، أو دلالة.
وإن كان في القرى، فإن كان من الثمار التي تبقى (فإنه) لا يسعه الأكل، إلا إذا علم الإذن - وإن كان من الثمار التي لا تبقى، فالمختار أنه لا بأس بالتناول، ما لم يتبين النَّهي، أما إذا كانت الثمار على الأشجار، فالأفضل أن لا يأخذ، إلاّ أن يكون في موضع كثير الثمار، ويعلمَ أنه لا يشق عليهم أكلُ ذلك، وَسِعَه الأكلُ، ولا يسعه الحمل(1).
رفع الكُمّثري، ورفعُ التفاح من نَهَرٍ جارٍ، وأكلُها يجوز. ولو وجد جوزةً، ثم أخرى، حتى بلغت عشراً، أو صار لها قيمة: إن وجدها في موضع واحد، فهي كاللقطة، وإن وجدها في مواضعَ متفرقة يحلّ له ذلك، كمن جمع نواةً، أو بزراً، من أماكن متفرقة حتى صار لها قيمة، فإنه يطيب له، وكذا الجوز بعد فرطه، ووجدَ بقيته متفرقةً في الأرض، يلتقطها، كالسنابل إذا بقيت في الأرض.
دخل كرم صديقه، وتناول منه شيئاً بغير أمره - وهو يعلم أن صاحبه لو علم به لا يبالي - لا بأس به(2).
-------------------
(1) قلت: هذا التفصيل كان ينطبق على زمانهم، عند عدم وسائط النقل من القرى، إلى المصر، أما اليوم فقد صار لهذه الثمار ثمن غالٍ، بسبب الوسائط التي توفرت، لدرجة أنها لم تُبق شيئاً بدون ثمن، سواء من الثمر الذي يبقى، أم من الثمر الذي لا يبقى، فلذا لا يحل التناول مطلقاً، إذا لم يتحقق الإذن والسماح بذلك، سواء في القرى، أو في المصر، أو في غيرهما. اه.
(2) هـ182 - 183.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في شراء المكيل، أو الموزون، قبل كيله، أو وزنه:.
مطلب في شراء المكيل، أو الموزون، قبل كيله، أو وزنه:
الجزء 1 · صفحة 23
اشترى مكيلاً بشرط الكيل، أو موزوناً، أو معدوداً كذلك(1)، يكره تحريماً بيعه، أو أكله، حتى يكيله، أو يزنه، ويعدّه بعد البيع، وكفى كيلُه بحضرته - وإن لم يره، أو لم يعرف الأواقي - . لا يحرمُ التصرف في المذروع قبل ذرعه، وإن اشتره بشرطٍ، إلاّ إذا أفرد لكل ذراع ثمناً(2). (فلا يجوز عندئذ التصرف فيه قبل ذَرْعه).
-------------------
(1) أي اشترى الموزون، أو المعدود، وشرط أثناء الشراء الوزن، أو العدد.
(2) هـ183.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب فيما يؤكل من الحيوان، وما لا يؤكل: لا يؤكل من حيوان الماء إلاّ السمكُ خاصة، فإنه يحلّ أكله بسائر أنواعه، إلا ما طفا منه، وهو: الذي يموت حتف أنفه بلا سبب، ثم يعلو فوق الماء، وبطنُه من فوقُ، لم يؤكل، فلو ظَهْرُه من فوق، فإنه يؤكل، لأنه ليس بطافٍ....
مطلب فيما يؤكل من الحيوان، وما لا يؤكل: لا يؤكل من حيوان الماء إلاّ السمكُ خاصة، فإنه يحلّ أكله بسائر أنواعه، إلا ما طفا منه، وهو: الذي يموت حتف أنفه بلا سبب، ثم يعلو فوق الماء، وبطنُه من فوقُ، لم يؤكل، فلو ظَهْرُه من فوق، فإنه يؤكل، لأنه ليس بطافٍ. وأما طير الماء فيؤكل كلَه.
والحيوان الذي يعيش في البر ثلاثة أنواع:
ما ليس له دم أصلاً - مثلُ الجرادِ، والزُّنْبور، والُّباب، والعنكبوت، والخُنْفَساء(1)، والعقرب - لا يحل أكله، إلا الجرادَ خاصة.
وما ليس له دم سائل - مثل الحيةِ، والوَزَع، وسام أبرص(2)، وجميع الحشرات، وهوامّ الأرض: من الفأر، والقُرَاد(3)، والقنافذ(4)، والضًّب(5)، واليربوع(6)، وابن عرس(7) ونحوها - ولا خلاف في حرمة هذه الأشياء، إلاّ في الضب، فإنه حلال عند الشافعي(8) رحمه اللَّه تعالى.
وما له دم سائل، وهو نوعان: مستأنس، ومتوحش.
الجزء 1 · صفحة 24
أما المستأنس من البهائم - نحو الإبل، والبقر، والغنم - فيحل بالإجماع، ولا تحل البغالُ والحمر الأهلية، وفي الخيل اختلاف.
وأما المتوحش - نحو الظباء، وبقر الوحش، وحُمُر الوحش، وإبل الوحش - فحلال بإجماع المسلمين.
وأما المستأنس من السباع - وهو الكلبُ، والسّنور(9) الأهلي - فلا يحل، وكذلك المتوحشُ منها المسمى بسباع الوحش والطير، وهو: كلُّ ذي ناب من السباع، وكلُّ ذي مِخْلَب من الطير، والمراد من (ذي نابٍ): الذي يصيد بنابه، ومن (ذي مخلب): الذي يصيد بمخلبه، لا كلُّ ذي ناب ومخلب، فإن الحمامة لها مخلب، والبعير له ناب.
فذو الناب من سباع الوحش: مثلُ الأسد، والذئب، والضبع، والنَّمر، والفهد، والثعلب، والسنور البري، والسُّنجاب(10)، والفَنَك(11)، والسَّمُّور(12)، والدلق(13)، والدب، والقرد، والفيل ونحوها، فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة، إلا الضبع، فإنه حلال عند الشافعي(14) رحمه اللَّه تعالى. ولا بأس بأكل الأرانب.
وذو المخلب من الطير - كالبازي(15)، والباشق(16)، والشاهين(17)، والحدأة(18)، والبغاث(19)، وما أشبه ذلك - فيدخل تحت نهي النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن كل ذي مخلب من الطير.
وما لا مِخْلَب له من الطير: فالمستأنس منه - كالدجاج، والبط - والمتوحش - كالحمام، والفاختة(20)، والعصافير، والقَبَج(21)، والكُرْكِي(22)، والغراب يأكل الحب والزرع، والعقْعق(23) ونحوها - حلالٌ بالإجماع، كذا في البدائع(24) قال في غرر الأفكار(25): عندنا يؤكل الخُطّاف(26)، والبوم، ويكره الصُّرَد(27)، والهدهد(28)، وفي الخُفّاش(29) اختلاف، وأما الدُّبْسِي(30)، والصلصل، والعقعق(31)، واللَّقْلَق(32)، واللحام، فلا يستحب أكلها - ولإن كانت في الأصل حلالاً - لتعارف الناس بإصابة آفة لآكلها، فينبغي أن يتحرز عنه(33).
وحرّم الإمام الشافعي(34) الخطّاف، والبَبّغاء(35) والطاووس(36) والهدهد(37).
الجزء 1 · صفحة 25
ويكره أكل لحك الإبل، والبقر، وغيرها من الجلاّلة(38) (التي لا تأكل إلا النجاسات والجلة)، إلا بعد حبسها إلى أن تزول عنها الرائحة الكريهة، أمّا إذا كانت تُخلِّط، ولا يظهر في لحمها، فلا بأس بأكلها - كالدجاج - .
وحل أكل جَدْي غذي بلبن خنزير، لأن لحمه لا يتغير. ولو سُقي ما يؤل لحمه خمراً، فذبح من ساعته، حلّ أكله، ويكره.
ويحرم من أجزاء الحيوان المأكول: الدّم المسفوح، والذّكرُ والانثيان، والقُبل، والغُدّة، والمثانة، والمرارة.
لا يجوز أكل ذبيحة ذبحت لقدوم الأمير، تعظيماً له، ولو(39) ذُكر اسمُ اللَّه تعالى عليها. وإن قصد الإكرام تحل. ولا يجوز أكل ذبيحةِ مرتدٍ، وتارك تسمية عمداً. لا يجوز أكل جَنينٍ ميت، خرج من بطن ذبيح. ولو خرج حياً، يذبح ويؤكل. لا يجوز أكل دود الجبنِ، والفاكهة إذا أفردت، لأنها كالذباب والخنفساء(40)، أما ما لا يفرد من دود الجبنِ والفاكهة - كما إذا أكلها مع الطعام، أو لم يكسرها، أي الفاكهة، فإن الاحتراز عنها غيرُ ممكن - فلا بأس، أما إذا طبخ دود اللحم في المرق، وتفسخ فيه فلا يؤكل - كَضِفْدِع(41) تفتت في الماء - فإنه لا يشرب، ولو يتفسخ يؤكل. ودودُ الزُّنْبور(42) والقَزّ(43)، قبل أن ينخ فيه الروح لا بأس به، وكره أكل بيوت الزنابير. يحرم أكل لحم انتن(44). وتحلُّ ذبيحة كتابي ذمي، أو حربي، لقوله تعالى {وطعامُ الذين أوتوا الكتابَ حِلٌّ لكم}(45). والمراد به: مذكاتهم، لأن مطلق الطعام، غير المذكى، يحل من أي كافر(46).وذكاة ما لا يؤكل تُطهر لَحمه، وشحمه، وجلده، حتى ولو وقع في الماء القليل لا يفسده، إلا الخنزير، فإنه لا يطهر، لأن كل أجزائه نجسة، وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل(47)؟ قيل: لا يجوز اعتباراً بالأكل، وقيل: يجوز، كالزيت إذا خالطه ودَاك الميتة(48)، والزيتُ(49) غالب لا يؤكل، ويُنتفع به في غير الأكل.
الجزء 1 · صفحة 26
وبالاصطياد يطهر لحمُ غيرِ نجسِ العين، وجلده، وقيل: يطهر جلده لا لحمه، وهذا أصح ما يفتى به. وحل اصطياد ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، لمنفعة جلده، أو شعره، او ريشه، أو لدفع شره. وكلُّه مشروع لإطلاق النص(50).
-------------------
(1) الخُنْفَس، والخُنْفَساء، والخُنْفَساءة، جمع خنافس: دويبّة سوداء، أصغر من الجعل، كريهة الرائحة.اه منجد.
(2) هو - أبو بريص - بلغة العامة. والوزع: جمعوَزَغَة - مُحَركة - سام أبرص، سميت كذلك لخفتها. قاموس.
(3) القُرَاد: جمع قُرْدَة، وقَرادة: دويبّة تتعلق بالبعير، ونحوه، وهي كالقمل للإنسان. منجد.
(4) القُنفذ: جمع قنافذ، والأنثى: قُنفذة: دويبّة من فصيلة القنفذيات، أعلاها مغطى بريش حاد، تقي به نفسها، إذ تجتمع مستديرة، تحته، وتسدد رؤوسه عندما تكون مهددة، تختبئ في النهار، وتكثر الذهاب، والإياب في الليل، توجد منها أنواع عديدة اهـ منجد.
(5) الضب: ج أضُبّ، وضُبّان، وضِباب، ومضبة: حيوان من الزحّافات، شبيه بالحرذون، ذنبه كثير العقد. منجد.
(6) اليربوع: جمع يرابيع - نوع من الفأر، قصير اليدين، طويل الرجلين. منجد.
(7) ابن عِرس: (بالكسر) دُوَيبّة معروفة، دون السِّنّور، تشبه الفأر بعض الشبه، لها ناب، أشتر، أصلم، أسكّ، مستطيل الجسم، تفتك ببيوت الدجاج، والحمام. والشتر: انقلاب في جفن العين، من أعلى، وأسفل، وانشقاقه، أو استرخاء أسفله. والصلم، قطع الأذن، والأنف من أصله، والسكك: محركة - :الصمم، وصغر الأذن، ولزوقها بالرأس، وقلة إشارفها اهـ التاج، والقاموس، ومختار الصحاح، والمنجد.
الجزء 1 · صفحة 27
(8) محمد بن إدريس بن العباس، بن عثمان شافع الهاشمي، القرشي، المطلبي، أبو عبد اللَّه، أحد الأئمة الأربعة، ولد في غزة عام (150 ه - 767 م) بفلسطين، وحمل منها إلى مكة، وهو ابن سنتين، وتوفي في مصر سنة (204 هـ - 820 م) وقبره معروف في القاهرة، كان أشعر الناس، وآدبهم، وأفقههم، وأقرأهم، وأحذقهم بالرمي، أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان ذكياً مفرطاً. له تصانيف كثيرة، أشهرها: الأم، والمسند في الحديث، وأحكام القرآن، والسنن، والرسالة في الأصول. اهـ أعلام بتصرف.
(9) السنور: الهِرّ، جمع سنانير. اهـ منجد.
(10) السُّنجاب: (بالكسر، والضم): حيوان أكبر ن الجُرذ، له ذنب طويل، كثيف الشعر، يرفعه صعداً، يتسلق الشجر بسرعة، ويضرب به المثل في خفة الصعود، تتخذ منه الفِراء، لونه أزرق رمادي. اهـ منجد.
(11) الفَنَك: حيوان صغير من فصيلة الكلبيات، شبيه بالثعلب، لكنّ أذنيه كبيرتان، لا يتجاوز طوله أربعين سنتيمتراً، مع الذنب، فروته من اعظم الفراء، معروف في مصر. اهـ منجد.
(12) السَّمُّور: جمع سمامير: حيوان بري، يشبه ابن عِرس، وأكبر منه، لونه أحمر، مائل إلى السواد، تتخذ من جلده فراء ثمينة. اهـ منجد.
(13) الدَّلق: في حجم السِّنور، أصفر اللون، بطنه، وعنقه مائلان إلى البياض. اهـ منجد.
(14) انظر حاشية رقم 8 من صفحة رقم - 26 - .
البازي: طير من الجوارح، له أنواع كثيرة، منجد.
(15) الباشق: طائر من أصغر الجوارح، منجد.
(16) الشاهين: طائر من جنس الصقر، طويل الجناحين، منجد.
(17) الحِدأة: طائر من الجوارح، تسميه العامة الشوحة، منجد.
(18) البغاث: مثلث الباء: شرار الطير، وما لا يصيد منها، وهو اسم للذكر، والأنثى. مختار الصحاح.
(19) الفاختة: نوع من الحمام البري، المطوق، والفاختة من الفخت، وهو ظل القمر، ولونها كذلك. منجد.
(20) القَبج: طائر يشبه الحجل (مُعرّب كبك بالفارسية) والقبجة: تطلق على الذكر والأنثى. منجد.
الجزء 1 · صفحة 28
(21) الكُرْكي: جمع كراكي: طائر كبير، من فصيلة الكركيّات، ورتبة طوال الساق، أغبر اللون، طويل العنق، والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوي أحياناً إلى الماء. منجد.
(22) العقعق: طائر على شكل الغراب، أو هو الغراب: والعامة تسميه العقق، و كانت العرب تتشاءم به. منجد.
(23) كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدين، ملك العلماء، شرح بكتابه البدائع تحفة الفقهاء للسمرقندي، علاء الدين محمد السمرقندي، الذي أخذ عنه العلم، وعن أبي اليسر البزودي، وعن أبي المعين ميمون المكحولي، وعن مجد الأئمة السرخكي وله كتاب: السلطان المبين في أصول الدين، تفقه عليه ابنه محمود، وأحمد بن محمود الغزنوي، صاحب المقدمة الغزنوية، توفي في عاشر رجب سنة (578 هـ)، ودفن بظاهر حلب عند قبر زوجته فاطمة، ابنة صاحب التحفة، الفقيهة، العالمة، والدعاء عند قبريهما مستجاب، وفاطمة هذه كانت من حسان النساء، تحفظ التحفة، لأبيها، وقد طلبها جماعة وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك. وكاسان ويقال قاسان: بلد كبير بتركستان، خلف سيحون، وأهلها يقولون: كاسان. كانت من محاسن الدنيا، خرجت باستيلاء الترك عليها. الفوائد البهية. وهـ - 35 - .
(24) غرر الأفكار، شرح جواهر البحار، لأبي عبد اللَّه، شمس الدين، محمد بن يوسف بن إلياس القونوي، المتوفي سنة (788 هـ - 1386 م)، عالم فاضل، كامل، جامع للفروع، والأصول، مبرز في المعقول، والمنقول، إمام أهل زمانه علماً، وعملاً مصنفاته تدل على غزارة علمه، ودقيق فهمه، منها: شرح تلخيص المفتاح، وشرح مجمع البحرين، واختصر المفصل للزمخشري، ودرر البحار، جمع فيه بين: - مجمع البحرين في الفقه الحنفي، وبين مذهب ابن حنبل، والشافعي، ومالك، وله كذلك شرح عمدة النسفي، في أصول الدين، وغير ذلك. اهـ الفوائد البهية، وفهرس مخطوطات الفقه الحنفي، وكشف الظنون.
الجزء 1 · صفحة 29
(25) الخُطاف: طائر يشبه السنون، طويل الجناحين، قصير الرجلين، أسود اللون. منجد.
(26) الصُّرد: طائر ضخم الرأس، أبيض البطن، أخضر الظهر، يصطاد صغار الطير. منجد.
(27) الهدهد: طائر ذو خطوط، وألوان كثيرة، يقولون: أبصر من هدهد، لأنه يرى الماء تحت الأرض. منجد.
(28) الخُفّاش: الوطواط. منجد.
(29) الدُّبس: طائر صغير، أدكن (مائل إلى السواد) يقرقر، ويقال: إنه ذكر الحمام، منسوب إلى طيردبس الرطب. تاج العروس.
(30) انظر صفحة - 28 - حاشية رقم - 9 - .
(31) اللقلق: طائر طويل العنق، والرجلين، يأكل الحيات، ويوصف بالذكاء، والفطنة. منجد.
(32) ولمزيد البيان، ارجع إلى رسالة: فتوى الخواص، في حل ما صيد بالرصاص، لمفتي دمشق في زمانه، المرحوم أفندي حمزة، فقد بين فيها ما يحل من الحيوان، وما لا يحل، وكذلك الهدية العلائية، وتعليقاتها.
(33) مرت ترجمته في صفحة - 26 - .
(34) الببغاء: طائر اخضر، يسمع كلام الناس، فيعيده، وهو اسم للذكر والأنثى، وهو بسكون الباء الثانية، وقد تشدد. قاموس - منجد.
(35) الطاووس: طائر حسن الشكل، حاد الصوت، له عنق طويل، ورأس صغير، تزينه قنبرة. منجد.
(36) ع 5 - 194 - .
(37) الجَلاّلة: البقرة التي تتبع النجاسات. والجلة (مثلثة): البَعَر، أو البَعَرَة، أو الذي لم ينكسر. وجَلّ البَعَر: جمعه بيده. قاموس.
(38) لو - هنا - وصلية.
(39) انظر حاشية رقم - 1 - صفحة - 26 - .
(40) الضفدع: الواحدة: ضِفدِعة، وهي دابة مائية، معروفة، تتغذى بالحشرات، والسمك الصغيرة. منجد.
(41) حشرة، لونها أصفر، وأسود، يستدق جسمها بين الصدر والبطن، منها الأجناس الكبيرة، فلسعتها مؤلمة، والأجناس الصغيرة، كالزرقطة، تبني أعشاشها على الجدران، وعلى أغصان الأشجار. منجد.
(42) دود القز: دود الحرير.
(43) هـ - 180 - 182 - .
(44) المائدة - 5 - .
(45) م 2 - 489. والمقصود من الطعام غير المذكى: مطلق الطعام غير اللحم المذبوح.
الجزء 1 · صفحة 30
(46) انظر صفحة (88) من هذا الكتاب.
(48) الوَدَك: الدسم من اللحم، ولعله الدهن. مختار الصحاح.
(49) الواو: حالية، أي والحال أن الزيت أكثر من وَدَك الميتة.
(50) وهو قوله تعالى:{أحل لكم صيد البحر، وطعامه متاعاً لكم، وللسيارة...} (المائدة: 96) - وانظر 5 - 195 - 305 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في أكل الميتة، وما يضرُّ البدن:.
مطلب في أكل الميتة، وما يضرُّ البدن:
متى اضطر إلى أكل الميتة - أي دعته الضرورة إلى أكلها: بأن لا يجد غيرها في حالة المخمصة، والمجاعة - ، ولم يأكل حتى مات، دخل النار، وبالجملة: كل شيء حرام، أو نجس، لا يجوز أكله، إلا عند الاضطرار. وإن كان ما أكَله، عند الاضطرار، حقَّ العباد، يجب عليه ضمانه. وكما لا يجوز أكلُ النجس والانتفاع به، كذلك لا يجوز أن يُمْسكه في بيته. وذبيحةُ المجوس، والمرتدِ، والصبيِّ الذي لا يعقل، والمُحْرِمِ في ذبح الصيد، ومتروكِ التسمية عمداً، ملحقة بالميتة.
خاف الموتَ جوعاً، ومع رفيقه طعامٌ، أخذ - بالقيمة منه - قدْرَ ما يسد جَوعته، وكذا يأخذ قَدْرَ ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خاف الرفيق الموتَ جوعاً، أو عطشاً، ترك له البعضَ. وإن قال له آخرُ: اقطع يدي وكُلْها، لا يحل، لأن لحم الإنسان لا يُباح في الاضطرار، لكرامته(1).
يكره أكلُ ما يَضر البدن - كالتراب والطين ونحوهما - وشربُه.
اعلم أن المضرات للبدن من المأكولات، والمشروبات ثلاثةُ أقسام:
قسم ضرره ظاهر مُهْلك - كالسُّم، والزجاج، والحديد، والزيبق، والجص، وما أشبه ذلك - فيحرم أكله جامداً، وشربُه مائعاً.
وقسم ضرره ظاهر، ولكنه غير مُهْلك - كالتراب، والحجر، ونحوهما - فيكره أكلها جامدة، وشربها مائعة، إلا قليلَ تراب في ماء.
الجزء 1 · صفحة 31
وقسم ضرره غير ظاهر وهو: ما يضر الأمزجة المستعدة لضرره، دون غيرهما - كالمبردين يضرهم أكل السمك، وشربُ اللبن، والمحرورين يضرهم شربُ العسل، والزيت، وأكلُ الفلفل ونحو ذلك - فلا يحرم ولا يكره، غير أن من عَرف تغيرَ مزاجه به، ينبغي أن يتركه، لئلا يؤدي إلى المرض الشديد(2)، وأما السُّم إذا خرج عن كونه سُمّاً - بقتله وتعجينه - فلا يحرم(3).
-------------------
(1) ت - 17 - 2 - ع - 5 - 215 - .
(2) ط - 4 - 463 - .
(3) هـ - 181 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في شرب القهوة، والدخان:.
مطلب في شرب القهوة، والدخان:
قال النّجْم الغَزَّي(1) في تاريخه، في ترجمة أبي بكر بن عبد اللَّه الشاذلي، المعروف بالعيدروس(2): إنه أول من اتخذ للقهوة، لمّا مرّ في سياحته بشجر البُن، فاقتات من ثمره، فوجد فيه تجفيفاً للدماغ، واجتلاباً للسهر، وتنشيطاً للعبادة، فاتخذه قوتاً، وطعاماً، وأرشد أتباعه إليه، ثم انتشرت في البلاد.
واختلف العلماء في أول القرن العاشر (في حكمها): فحرمها جماعةٌ، ترجّج عندهم أنها مُضرة، و الأكثرون إلى أنها مباحة، وانعقد الإجماع بعدهم على ذلك.
وأما التتن الذي حدث بدمشق، في سنة خمس عشرة بعد الألف، فقد اضطربت آراء العلماء فيه، فبعضهم قال بكراهته، وبعضهم قال بحرمته، وبعضهم بإباحته، وأفردوه بالتآليف، والذي اعتمده سيدي عبد الغني النابلسي(3) - في رسالته التي سماها: (الصلحَ بين الإخوان في إباحة الدخان) - انه مباح(4).
-------------------
الجزء 1 · صفحة 32
(1) نجم الدين الغزي، محمد بن محمد الغزي العامري، القرشي، الدمشقي، أبو المكارم، مؤرخ، باحث، أديب، ولد في دمشق عام (977 ه - 1570 م)، وتوفي في دمشق سنة (1061 ه - 1651 م). من كتبه: - الكواكب السائرة في تراجم أعيان المائة العاشرة، لطف السمر، من تراجم أعيان الطبقة الأولى، من القرن الحادي عشر، والتنبه في التشبه - سبع مجلدات. اهـ أعلام.
(2) أبو بكر بن عبد اللَّه الشاذلي العيدروس، مبتكر القهوة، المتخذة من البن المجلوب من اليمن، كان صالحاً، زاهداً، ولد في (تريم) بحضرموت عام (851 ه - 1447 م)، وقام بسياحة طويلة، ورأى البن في اليمن، فاقتات به، فأعجبه، فاتخذه قوتاً، وشراباً، وأرشد أتباعه إليه، فانتشر في اليمن، ثم في الحجاز، والشام، ومصر، ثم في العالم كله. أقام بعدن (25) عاماً، وتوفي بها سنة (914 ه - 1509 م). له كتاب تصوف سماه الجزء اللطيف، في علم التحكيم الشريف - على الطريقة الشاذلية. أعلام بتصرف.
(3) عبد الغني النابلسي بن إسماعيل بن عبد الغني، شاعر، عالم بالدين، والأدب، مكثر من التصنيف، متصوف. ولد في دمشق (1050 ه - 1641 م) ونشأ فيها، ورحل إلى بغداد، وعاد إلى سوريا، فتنتقل في فلسطين، ولبنان، وسافر إلى مصر، والحجاز، واستقر في دمشق، وتوفي سنة (1143 ه - 1731 م)، ودفن في الصالحية في مسجد سمي باسمه، ومقامه ظاهر هناك يزار. له مصنفات كثيرة. منها الرسالة المذكورة، مخطوطة. اه. أعلام.
الجزء 1 · صفحة 33
(4) ع 5 - 295 - 297 - . أقول" يجب القول بالمنع مطلقاً من شرب الدخان، بعد الجزم بأضراره، وكونه يستهدف القضاء على النفس، والما، وهما من الضروريات الخمس التي قرر الفقهاء أن المقصد العام من تشريع الأحكام هو تحقيق مصالح الناس، بجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم، ومصالحهم تشمل الضروريات الخمس التي ترجع إلى حفظ:(الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال)، والحاجيات، والتحسينات وفي المنع من الدخان جلب نفع للناس، ودفع ضرر عنهم. قال تعالى:{يحل لهم الطيبات، ويحرّم عليهم الخبائث} - أعراف - 157 - ولا أحد يقول: إن الدخان من الطيبات، فهو لا بدّ إذاً من الخبائث.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في حكم استعمال أواني الذهب، والفضة: كره الأكل، والشرب، والادّهان، والتطيب، من إناء ذهب، وفضة، للرجل والمرأة، وكذا الأكل بملعقة الفضة، والذهب، والاكتحال بميلها، وما أشبَه ذلك من الاستعمال كمُكحُلة، ودواة، وقلم، ومرآة، ومجمرةٍ، وظرفِ فنجان قهوة، ...
مطلب في حكم استعمال أواني الذهب، والفضة: كره الأكل، والشرب، والادّهان، والتطيب، من إناء ذهب، وفضة، للرجل والمرأة، وكذا الأكل بملعقة الفضة، والذهب، والاكتحال بميلها، وما أشبَه ذلك من الاستعمال كمُكحُلة، ودواة، وقلم، ومرآة، ومجمرةٍ، وظرفِ فنجان قهوة، وساعة، وأركيلة، وصحنها التي توضع عليه، ومنصبها. وإن كا لا يمس الفضةَ بيده، ولا بفمه، ولا بشيء من جسده - لأنه استعمال فيما صنعت له، بخلاف شنبر القصبة، أو الذهب، والقصب من الفضة، الذي يُلف عليها، فإنه تزويق، لأنه من المفضض، فتعتبر حرمته بمَسّه باليد، والفم، لأنه لو رفع الشنبر، أو القصب لا يبطل الاستعمال.
الجزء 1 · صفحة 34
ولو وضع ماء الزهر، والورد في قمقمة الفضة، أو الذهب، حرم على الواضع، فلو صبّ منه: إن أخذه على وجه الاستعمال ابتداءً حَرُمَ، وإن صبه بيده على وجه النقل، ثم أخذه ليده الأخرى لأجل التطيب فلا بأس به، وكذا لو قُدّم إليه بآنية محرمة: إنْ أخذه على وجه الاستعمال حرم، وإن نقله إلى الخبز، أو إلى إناء آخر لا يحرم(1).
-------------------
(1) هـ184 - 185 - قال عليه الصلاة والسلام من حديث:" ومن شرب في آنية الذهب، والفضة، لم يشرب بها في الآخرة - " الحديث. رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد. وروى البخاري عن حذيفة رضي اللَّه عنه، قال:" نهى رسول صلى اللَّه عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب، والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير، والديباج، وأن نجلس عليه".
(2) ترغيب وترهيب.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في الأكل في أواني النُّحاس، والخزف:.
مطلب في الأكل في أواني النُّحاس، والخزف:
يكره الأكل في النحاس قبل طليه بالقزدير (القصدير) والشَّب(1)، لأنه يدخل الصدأ في الطعام فيورث ضرراً عظيماً، وأما بعد طليه فلا كراهة فيه. واتخاذها (أي الأواني) من الخزف أفضل، إذ لا سرف فيه، ولا مخيلة، وفي الحديث "مَنِ اتخذ أواني بيته خَزفاً، زارته الملائكة". وفي الجوهر(2): وأما الآنية من غير الفضة، والذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيها، والانتفاع بها - كالحديد، والصُّفر، والنحاس، والرصاص، والخشب، والطين، والخزف، وهو ما عُمل من طينِ وشُويَ بالنار حتى يكون فخاراً - (3).
-------------------
(1) حجارة الزاج، وهو ملح معدني، قابض، لونه أبيض، ومنه أزرق. قاموس ومنجد.
الجزء 1 · صفحة 35
(2) الجوهرة النيرة، أو المنيرة، وهو مختصر كتاب: السراج الوهاج، الموضح لكل طالب محتاج، وهو شرح لمختصر القدوري، والجوهرة، والسراج كلاهما تأليف أبي بكر بن محمد بن علي المعروف بالحدادي العبادي المتوفى في حدود سنة (800 ه - 1398 م) ومختصر القدوري تأليف أبي الحسن، أحمد بن محمد القدوري البغدادي، المتوفى سنة (428 ه - 1037 م). فهرس مخطوطات الفقه الحنفي.
(3) ع 5 - 218 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الأول في الأكل والشرب.
مطلب في أحكام الشرب، وآدابه:.
مطلب في أحكام الشرب، وآدابه:
ومن آداب الشرب، ان يأخذ الكوز بيمينه، ويسمى اللَّه (تعالى)، ويشرَبه مَصاً لاعبّاً، فإن الكُبادَ من العَبّ، والكُبَاد: وجع الكبد.
ويشرب في ثلاثة أنفاس، ويراعي أسفل الكوز، حتى لا يقطر عليه، وينظر في الكوز قبل الشرب، ولا يتنفس في الكوز، بل ينحيه عن فمه بالحمد، ويرده بالتسمية. والكوزُ، وكلُّ ما يدار على القوم يُدار يَمنْة(1).
لا بأس بالشرب قائماً، فلو شرب قاعداً فهو أحسن، ويشرب من فَضْل وَضوئه قائماً مستقلَ القِبلة، كماء زمزم. لا يشرب ماشياً، فإنه مكروه، إلا للمسافر. لا يجوز نقل الماء عن السِّقاء ليشربه في بيته، أو حانوته.
يَحْرم شرب الماء على صفة الخمر، ويكره شرب الماء المستعمل. الزروع المسقية بالنجاسات لا تحرم، ولا تكره عند أكثر الفقهاء. كان ابنُ عباس(2) رضي اللَّه تعالى عنهما يحب الشربَ من الزجاج، لأنه يبصر ما فيه.
الجزء 1 · صفحة 36
ولا يشربْ أحد من النهر، أو الحوض كَرْعاً، ولا من فم السِّقاء، ولا من ثلمة الإناء، ولا من عُروته. ويُخَمّر الإناء، ويوكي(3) السقاء بالليل، ويجيف(4) الأبواب، ويطفئ المصابيح، ويكفِت(5) الصبيان إلى البيوت ليلاً. ومن لم يجد إناء يشرب فيه، فليشرب بيده، فإنها أفضل آنية، ويختار أبرد الشراب، فإنه أنفع للغُلّة(6)، وأبعثُ على الشكر. ولا يشرب ماءً على الريق، فإنه يوهن البدن. ويتبرك بسؤر أخيه المسلم، لا سيما بسؤر الكبار، ولا يردّ ماءَ زمزم إذا عُرض عليه، كما لا يرد الطّيب. وإذا استسقاه قوم، بدا بالشيوخ فسقاهم، ويشرب هو في آخر القوم، وفي الحديث "مَنْ كَثُرتْ ذنوبُه فليسقِ الماء".
يكره للمرأة سؤر الرجل، و(يكره) سؤرها له، والعلة فيها: ان الرجل يصير مستعملاً لجزءٍ من أجزاء الأجنبية، وهو ريقها المختلط بالماء، وبالعكس فيما لو شربت سؤرَه، وهو لا يجوز. قال الرملي(7): يجب تقييده بغير الزوجة والأقارب(8).
-------------------
(1) غ 2 - 5 - .
(2) عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، القرشي، الهاشمي، أبو العباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن، والعالم في كل فنّ، الصحابي الجليل، ولد بمكة عام (3 ق.ه)، ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي الجمل وصفين. سكن الطائف، وتوفي بها سنة (68 ه) له في الصحيحين (1660) حديثاً. الأعلام.
(3) أوكيت السقاء: شددت فمه بالوكاء، والوكاء: حبل يشد به رأس القربة. مصباح.
(4) أجاف الباب: رده. اه - منجد.
(5) الكفت: الصم، وكَفَتَه: ضمه إليه، وفي الحديث "اكْفِتُوا صبيانكم بالليل، فإن للشيطان خطفةٌ"، والكفات: الموضع الذي يكفت فيه شيء، أو يضم، ومنه: قوله تعالى{ألم نجعل الأرض كفاتاً} المرسلات - 25 - اه - مختار الصحاح.
(6) الغلة: شدة العطش. مختار الصحاح.
الجزء 1 · صفحة 37
(7) خير الدين بن أحمد بن علي، الأيوبي، العليمي، الفاروقي، فقيه حنفي، باحث، له نظم، من أهل الرملة بفلسطين، ولد ومات فيها (993 - 1081 ه - 1585 - 1671 م)، رحل إلى مصر عام (1007)ه، فمكث في الأزهر ست سنين، وعاد إلى بلده، فأفتى، ودرس، إلى أن توفي. من كتبه: الفتاوى الخيرية، ومظهر الحقائق، وحاشية على البحر الرائق في فقه الحنفية. أعلام.
(8) هـ181 - ش - 278 - ع 5 - 274 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة
الكسوة (لها أحكام مختلفة)، منها:
فرض، وهو: ما يستر العورة، ويدفع الحَرّ والبرد. والأوْلى: كونُه من القطن، أو الكتان، أو الصوف، على وفاق السنة، بأن يكون ذيله لنصف ساقه، وكُّمه لرؤوس أصابعه، وفمه قدرَ شبرٍ، بين النفيس والخسيس، إذ خير الأمور: أوساطها، وللنهي عن الشهرتين وهو: ما كان في نهاية النفاسة أو الخساسة.
ومستحب، وهو: الزائد لأخذ الزينة، وإظهار نعمة اللَّه تعالى، قال عليه الصلاة والسلام:"إنّ اللَّه يحبُ أن يرى أثر نعمته على عبده".
ومباح، وهو: الثوب الجميل للتزين في الأعياد، والجُمَع، ومجامع الناس، لا في جميع الأوقات، لأنه صلف(1)، وخيَلاء، وربما يغيظ المحتاجين، فالتحرز أولى.
ومكروه: وهو: اللبس للتكبر(2).
يستحب لبس الأبيض، وكذا الأسودَ، لنه شعار بني العباس، وكان له، صلى اللَّه عليه وسلم، عِمامة سوداءُ، يلبسها في العيدين، ويرخيها خلفه، قال شمس الأئمة السرخي(3) :(ينبغي أن يلبس عامة الأوقات الغَسيل من الثياب، ويلبس أحسن ثوبٍ يجده في بعض الأوقات، إظهاراً لنعم اللَّه تعالى عليه، فإن ذلك مندوب إليه، ولا يلبس أحسن ما يجد في جميع الأوقات، لأن ذلك يؤذي المحتاجين)(4).
الجزء 1 · صفحة 38
لا يجوز إسبال الثوب تحت الكعبين، إنْ كان للخيَلاء، والتكبر، وإلاّ جاز، إلا أنّ الأفضل أن يكون فوق الكعبين، ويكره لبس ثيابٍ كثياب الفَسقة وزيِّهم، فإن اعتاد الناس لبسها، وصارت شعارَهم، (ف) لا يكره.
لا يجوز للمرأة أن تصبغ ثوبها أسود، لموت أقاربها، إلا لزوجها ثلاثة أيام، أما ما فوقها فتأثم(4).
وكره لبس المعصفر، والمزعفر الأحمر، والأصفر، للرجال، ولا بأس بسائر الألوان(5)، لبس السراويل سنةُ الأنبياء عليهم السلام، وهو من أستر الثياب للرجال والنساء، وكذا لبسُ الصوف، والشعرِ، وإنه آية التواضع، ولبس العباءة أيضاً مستحب، وأول من لبسها (سيّدنا) سليمان عليه السلام، وينوي بلبس الثياب سترَ العورة، والتزينَ بها، تودداً إلى أهل الإسلام، ويبدأ بالأيمن في لبس اللباس، وبالأيسر في خلعه، ويحمد اللَّه تعالى قائلاً:" الحمد للَّه الذي كساني هذا، ورزقنيه من غيرِ حولٍ مني ولا قوة(6)، اللَّهم إني أسألك من خيره، وخيرِ ما صُنع له، وأعوذ بك من شره، وشرِّ ما صنع له"(7). وكان النبي، صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، إذا استجدّ ثوباً يومَ الجمعة.
ومن سنة الأنبياء عليهم السلام، لبسُ القميص، قبل السراويل. ويلبس السراويل قاعداً، ولا ينزع ثوباً، حتى يرقعه، ويكسو المنزوعَ فقيراً، ليكون في حرز اللَّه، ويطوي ثوبَه كلما نزعه، لئلا يلبسه الشيطان.
ولا تلبس المرأة رقيقَ اللباس، الذي يصف ما تحته، فإنه يوجب اللفتة، وترخي إزارها أسفل، من أزرّة الرجل شبراً، ليستر ظهر قدمها(8).
-------------------
(1) الصَّلف: مجاوزة قدر الظَرْف، والادعاء فوق ذلك تكبراً، والخيلاء: الكبر، من الفعل اختال. مختار.
(2) ع 5 - 223 -
الجزء 1 · صفحة 39
(3) محمد بن احمد بن أبي سهل، أبو بكر السرخسي، من أهل سَرَخس (في خراسان) المتوفى سنة (483 ه - 1090 م) شمس الأئمة، فاض، مجتهد، من كبار علماء الحنفية، لازم شمس الأئمة الحلواني. أشهر كتبه: المبسوط في الفقه والتشريع (ثلاثون جزءاً) أملاه من خاطره، من غير مطالعة كتاب، وهو محبوس في الجب. قال عند فراغه من شرح العبادات: هذا آخر شرح العبادات، بأوضح المعاني، وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات. وبعد خروجه من سجنه سكن - فرغانة - وكان قد أملى نصف كتابه في السجن، حيث وصل إليه الطلبة، فأكمل الإملاء. وسرخس: اسم رجل سكن هذا الموضع، وعمّر، ثم أتم بناءه ذو القرنين. اه. الفوائد البهية، والأعلام.
(3) هـ - 229.
(4) لقوله صلى اللَّه عليه وسلم:" لا يحل لامرأة، تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً" رواه الشيخان وغيرهما. والإحداد: الحزن، ولبس ثياب الحزن ما عدا الأسود، وترك الزينة. والأسود لا يجوز أن تلبسه على أحد في الأحزان، إلا على موت زوجها، ولمدة ثلاثة أيام فقط. يقال: أحدت، تحد، فهي محد. تغريب وترهيب وانظر هـ - 230.
(5) ع 5 - 228.
(6) رواه أبو داود، والحاكم. ترغيب وترهيب.
(7) انظر الأذكار صفحة - 16 لكن ورد بدل - ما صنع له - ما هو له.
روى أبو داود، عن عائشة رضي اللَّه عنها، أن أسماء بنة أبي بكر رضي اللَّه عنهما، دخلت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق (تظهر ما تحتها وتشفه)، فأعرض عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وقال:" يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه. ترغيب. وانظر ش 282 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
الجزء 1 · صفحة 40
مطلب في لبس الحرير: يحرم لبس الحرير - ولو بحائل بينه وبين بدنه، او في الحرب - على الرجال، إلاّ قدرَ أربع أصابع من أصابع (سيّدنا) عمر(1) رضي اللَّه عنه، على أطراف الثوب، والأكمام، وذلك قِيْسُ شبرنا(2)، ولا يُجمع المتفرق إلا إذا كان خَطٌّ منه قزاً، وخطٌّ...
مطلب في لبس الحرير: يحرم لبس الحرير - ولو بحائل بينه وبين بدنه، او في الحرب - على الرجال، إلاّ قدرَ أربع أصابع من أصابع (سيّدنا) عمر(1) رضي اللَّه عنه، على أطراف الثوب، والأكمام، وذلك قِيْسُ شبرنا(2)، ولا يُجمع المتفرق إلا إذا كان خَطٌّ منه قزاً، وخطٌّ منه غيرَه، بحيث يرى كله قزاص، فلو لبس ثوباً مطرزاَ بالحرير تطريزاً أو نسجاً، ولم تبلغ كل واحدة من نقوشه أربع أصابع - وإن زادت بالجمع - فإنه يحل، ما لم يُرَ كلُّه حريراً. وكذا المنسوجُ بالذهب، يحل إذا كان هذا المقدارَ، وإلاّ لا يحل للرجل.
أما المرأة فيحل لها التحلي بالذهب، والفضة، ولبسُ الحرير، كيفما كان(3).
وأما استعمال الحرير - لوسادة، او فراش أو نحو ذلك - فحلال، وكذا إسجاف القنباز، واللّاطة، والبِنش، وبيتُ تِكةِ السروايل، وقيطانها، والعروة، والزر، وقيطان الكبود، وما على أكتاف العباءة، ورقعةُ ثوبٍ، وحاشيته، وخَرْجه، وسجفه، إذا كان كلُّ ذلك عرضَ أربع أصابع. ولو كان على أطراف الثوب كلَّها لا يحرم، سواء كان من الحرير، أو فضة، أو ذهب، كَتيْل الفضة للعمامة، إذا خيط بها.
الجزء 1 · صفحة 41
ولو جعل الحرير حشواً لا يكره، بخلاف ما إذا جعله ظهارة، أو بطانة، وزاد على أربع أصابع فلا يحل. وكيس الحمايلي، والمصحفِ، إذا كان حريراً، يكره إن حمله في عنقه، لا إن علقه في البيت، وكيس الدراهم من الحرير لا يحرم، إذا جعله في جيبه بدون تعليق بعنقه. ولا تكره الصلاة على سَجادة من الحرير، لأن الحرام منه على الرجال: اللبسُ - ولو حكماً، كاللحاف - أما الانتفاع بسائر الوجوه فليس بحرام(4)، فلا يحرم قيطان السُّبحة، من الحرير، ولا بندُ المفاتيح، والميزانِ، وبقجةُ الثياب، وشرشف الفرشة، وبرداية الباب، والشباكِ، ومنديل الوضوء. واختلف في لبس التكة من الحرير، وكذا في عصابة المفتصِد بالحرير، قيل: يكره بالاتفاق، وإن كانت أقل من أربع أصابع، لأنها أصل بنفسه(5).
ولا بأس بالنوم في ناموسية الحرير للرجال، وتكره القلنسوة منه، وإن كانت تحت العمامة. فإذا كانت منقشة بالحرير، وكان أحد نقوشها اكثرَ من أربع أصابع (ف) لا تحل، وإن كان أقلّ تحل، وإنْ زاد مجموع نقوشها على أربع أصابع، بناءً على ما مرَّ: من أن ظاهر المذهب عدمُ جمع المتفرق(6).
-------------------
(1) عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي، العدوي، أبو حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، الصحابي الجليل. الشجاع الحازم، صاحب الفتوحات، يضرب بعدله المثل. أحد العمرين اللذين أعز اللَّه الإسلام بأحدهما، ولد عام (40 ق.ه)، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين. فتح الشام والعراق في خلافته، والقدس، والمدائن، ومصر، والجزيرة، حتى انتصب اثنا عشر ألف منبر في الإسلام، أول من وضع التاريخ الهجري، وأمر ببناء البصرة، والكوفة، لقبه النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالفاروق، وكناه بأبي حفص، كان أبيض عاجي اللون، طوالاً، مشرفاً على الناس، كث اللحية، قتله أبو لؤلؤة، فيروز الفارسي المجوسي غيلة، بخنجر في خاصرته، وهو في صلاة الفجر سنة (23 ه)، عاش بعدها ثلاث ليال. أعلام بتصرف.
الجزء 1 · صفحة 42
لما روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال: (نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن لبس الحرير، إلا في موضع إصبع، أو إصبعين، أو ثلاث، أو أربع). تعليقات الترغيب والترهيب لمصطفى عمارة.
(2) روى أبو داود، والنسائي، عن علي رضي اللَّه عنه قال: (رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، اخذ حريراً، فجعله في يمينه، وذهباً في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي". ترغيب.
(3) لما روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، جلس على مرفقة حرير. وكان على بساك ابن عباس، رضي اللَّه عنهما، مرفقة حرير. وروي أن أنساً، رضي اللَّه عنه، حضر وليمة، فجلس على وسادة حرير. ولأن الجلوس على الحرير استخفاف، وليس بتعظيم، فجرى مجرى الجلوس على بساط فيه تصاوير. مح.
(4) ه - 188 - .
(5) ع - 5 - 225 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في حل لبس ما سَداه حرير:.
مطلب في حل لبس ما سَداه حرير:
ويحلّ لبس ما سَداه حرير، ولُحمته غيرُه(1)، - ككتان وقطن - سواء كان مغلوباً، أو غالباً، أو مساوياً للحرير، ولو خُلطت اللحمة بحرير اعتبر الغالب، وما كان لحمته حريراً، وسَداه غيرَ حرير، يباح لبسه في الحرب فقط، لو صفيقاً، (ضد الرقيق) للضرورة، وهي شيئان: التهيّب بصورته - وهو بريقه، ولمعانه - والثاني: دفع مَعَرّة السلاح، أي مضرتِه، فإذا كان رقيقاً لم تتم الضرورة، فحرم إجماعاً بين الإمام وصاحبيه(2).
-------------------
(1) لأن الثوب إنما يصير ثوباً بالنسج، والنسج باللحمة، فكانت هي المعتبرة، دون السدى. در.
(2) ع 5 - 227 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب: ويبسط في بيته ما شاء:.
مطلب: ويبسط في بيته ما شاء:
الجزء 1 · صفحة 43
ويبسط في أرض بيته ما شاء، من الثياب المتخذة من الصوف، والقطن، والكتان، والحرير، المصبوغة، وغير المصبوغة، والمنقشة، وغير المنقشة، وله أن يستر الجدران باللِّبد وغيره، للحر و البرد، ويجوز أن يبسط أيضاً ما فيه صورة، لأنه إهانة لها، ولا يجوز أن يعلق على موضع شيئاً فيه صورةُ ذاتِ روح(1).
-------------------
(1) (1) ه - 230 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في سنة البناء:.
مطلب في سنة البناء:
والسنة في البناء: مقدارُ الكفاية، وينوي لدفع الحر والبرد، وإيوائه، وإيواء عياله، ليكون من النفقة التي يُثاب عليها. وما ورد من الذم: من أنه لا خيرَ في مال ينفق في الماء والطين، ففيما زاد عن الحاجة، وفيما لا يقصد به الخير والثواب(1).
ومن سنة البناء: أن يبني فيه مرحاضاً للغائط، والبول، وموضعاً للغُسل والوضوء، وبيتاً للضيافة(2).
-------------------
(1) ه - 230 -
(2) ش - 307 - ه - 230 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في حكم الفرو، وجلودِ السباع:.
مطلب في حكم الفرو، وجلودِ السباع:
ومن اللباس المعتاد، لبسُ الفرو، ولا بأس به من السباع كلها، وغير ذلك من الميتة المدبوغة، والمذكاة، ودباغها: ذكاتها. ولا بأس - بجلود النَّمر والسباع كلها إذا دبغت - أن تجعلَ مصلَّى، أو منبراً لسرج(1).
-------------------
(1) ع - 5 - 224 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في لبس الخاتم من الفضة:.
مطلب في لبس الخاتم من الفضة:
الجزء 1 · صفحة 44
ولا يتزين الرجل بذهب وفضةٍ: إلاّ بخاتم فضة قدْر درهم، ومنطقة لشدّ وسطه، وحليةِ سيف، وحمائله من الفضة، لا من الذهب، بشرط أن لا يضع يده على موضع الفضة. ولا بأس بأن يجعل في أطراف سيور اللجام الفضةَ، ويكره أن يجعل جميعه أو عامته.
ولا يتختم بذهب، وحديدٍ، وصُفر، ولا برصاص، وزجاج، وغيرها(1)، والعبرةُ: للحلْقة، لا للفص، فيجوز الفَصّ من حَجرِ، وعقيق، وياقوت، وغيرها، ويحرم إذا كان على غير هيئة خاتم الرجال، بأن كان له فَصان، أو عقيق.
وترك التختم لغير ذي حاجة(2) إليه أفضل.
-------------------
(1) لما روى الطحاوي، بإسناده إلى عمران بن حصين، وأبي هريرة قالا: (نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن خاتم الذهب). وروى صاحب السنن بإسناده إلى عبد اللَّه بن بريرة، عن أبيه، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وعليه خاتم من شَبه (نحاس أصفر)، فقال له: "ما لي أجد منك ريح الأصنام"؟! فطرحه. ثم جاء، وعليه خاتم من حديد، فقال: "ما لي أجد عليك حلية أهل النار"؟! فطرحه. فقال: يا رسول اللَّه، من أي شيء أتخذه؟ قال: "اتخذه من وَرِق، ولا تتمه مثقالاً".
(2) كالسلطان، والقاضي، والمباشر، ومتولي الأوقاف، وغيرهم ممن يحتاج إلى الختم، لضبط المال. وقوله "أفضل" يفيد أن التختم للزينة جائز. لما روي عن يونس بن أبي إسحاق، قال: رأيت قيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن الأسود، والشعبي، وغيرهم يتختمون في يسارهم، وليس لهم سلطان، ولأن السلطان يلبس للزينة، وحاجة الختم، وغيره في حاجة الزينة، والختم سواء، فجاز لغيره، وبه نأخذ - در - ومح - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في كراهة إلباس الصبيذهباً، أو حريراً:.
مطلب في كراهة إلباس الصبيذهباً، أو حريراً:
الجزء 1 · صفحة 45
وكره إلباس الصبي ذهباً، أو حريراً، فإن ما حرم لبسه وشربه، حرم إلباسه، وإشرابه، لأن النص حرّمَ الذهب والحرير على ذكور الأمة، بلا قيدِ البلوغ، والحرية، والإثمُ على من ألبسهم، لأننا أُمرنا بحفظهم. وكذا يكره للولي إلباس الخلخال، أو السوارِ للصبي، لأنه من زينة النساء. ولا بأس بثقب أُذن البنت لتعليق القُرط، وهو من زينة النساء. ولا يشد سِنّه بذهب، بل بفضة، وجوّزهما محمد(1) (أي جَوَّز الشدَّ بهما)، ويتخذ أنفاً منه (أي من الذهب) لأن الفضة تنتن(2).
-------------------
(1) انظر ترجمته في صفحة - 7 - .
(2) ع - 5 - 231 - 27 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في خرقة الوضوء، والرتيمة:.
مطلب في خرقة الوضوء، والرتيمة:
لا يكره خِرقةٌ لوضوء، أو مخاط، او عرق. ولا تكره الرّتيمة، وهي: خيط يربط بإصبع، أو خاتم، لِتَذَكُّرِ الشيء.
بساط، أو مصلى، كتب عليه في النَّسج: المُلك للَّه، يكره استعماله، وبَسطه، والقعودُ عليه. ولو قُطِع الحرف من الحرف، أو خِيط على بعض الحروف، حتى لم تبق الكلمة متصلةً، لا تزول الكراهة، لأن للحروف المفردة حرمة(1).
-------------------
(1) ع - 5 - 232 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب: لا يَتخذ فراشاً زائداً عن حاجته:.
مطلب: لا يَتخذ فراشاً زائداً عن حاجته:
الجزء 1 · صفحة 46
ولا يتخذ من الفرش فوق ثلاثة: فراش له، وفراش لها، وفراش للضيف، ذكر في الحديث أن الرابع للشيطان. ولا يخفى عليك أنّ المراد أنه لا يتخذ فراشاً زائداً على حاجته، لأنه إسراف، وهو من فعل الشيطان، فليس فيه منعٌ عن الزائد من الواحد للضيف، إذا احتاج إليه المضيف، لكثرة الضيفان. وليكن الفراش متوسطاً بين اللين والخشونة، فإنه أقرب إلى السنة، لقد كان فراش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الذي ينام عليه أدماً، حَشْوُه ليف، وكذا كانت وسادته(1).
-------------------
(1) ش - 290 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في لبس النعال:.
مطلب في لبس النعال:
ويستكثر الرجل من النعال، فإنها مراكب الرجال، وفي الحديث "مَنْ لبس نعلاً صفراءَ، لم يزل في سرورٍ، ما دام لابسَها". ويبدأ في لبس النعلِ، والخف بالجانب الأيمن، ويبدأ في نزعهما بالأيسر، ويلبسهما قاعداً، ولا يمشي في نعل واحد، أو خفّ واحد، وينفض الخفين حين يلبسهما، لئلا يكون فيهما شيء يؤذيه، (وينبغي) أن يحتفي أحياناً، تواضعاً للَّه تعالى، وأن يحمل أخاه المسلم على نعلٍ، أو خفّ، فإن ثوابه كمن حمله على فرس في سبيل اللَّه، وأن يخلع نعليه حين يجلس، ويضعهما بجنبه، (وإن كان في المسجد)، ليكون في أمن وحضور(1).
وللإنسان أن يلبس النعل الأسود، والمخصوفَ بمسامير الحديد - كالكندرة، والكالوش، والبوتين - من غير كراهة، لأن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاحُ العباد، لا يضر، فلا يكون ذلك تشبهاً بالكفار، ولأن التشبهَ بهم لا يكره في كلِّ شيء، إلا في المذموم، وفيما يقصد به التشبه(2).
-------------------
(1) ش - 290 - .
(2) ه - 230 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في تنظيف البدن:.
مطلب في تنظيف البدن:
الجزء 1 · صفحة 47
ويستحب حلق عانته، وتنظيفُ بدنه بالاغتسال، في كل أسبوع مرة، والأفضل يومَ الجمعة، وإزالةُ الشعر من إبطيه، والحلقُ أو النتف، وجاز في كل خمسةَ عشر (يوماً)، وكره تحريماً تركُ ذلك وراءَ الأربعين(1). وينقّي البراجن(2)، واللثاث، والأسنان، والصماخين ما استطاع، فإن ما يعلوها من الوسخ ينفر الملائكة. ويبتدئ بحلق العانة من تحت السرة. ولو عالج بالنُّورة(3) يجوز، والسُّنة في عانة المرأة: النتف(4).
ويستحب قلم أظافيره يومَ الجمعة، إلا إذا أخره إليه تأخيراً فاحشاً فيكره، لأن مَنْ كان ظفره طويلاً، كان رزقه ضيقاً. وينبغي الابتداءُ باليد اليمنى، والانتهاءُ بها، فيبدأ بسبابتها، ويختُم بإبهامها، وفي الرِّجل: بخنصر اليمنى، ويختم بخت\نصر اليسرى. إلقاء قُلامة الظفر، أو الشعر في الكنيف، أو المغتَسل مكروه، يورث داءً، فإذا قلَّم أظفاره، أو جَزّ شعره، ينبغي أن يدفنه، فإن رمى به فلا بأس(5).
-------------------
(1) لما روى مسلم عن أنس بن مالك قال: (وُقت لنا في تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط: ألا نترك أكثر من أربعين ليلة). وهو من المقدرات، التي ليس للرأي فيها مدخل، فيكون كالمرفوع. مح.
(2) لعل الصحيح البراجم، قال في القاموس: البُرجمة: بالضم، المَفْصل الظاهر، او الباطن من الأصابع، أو مفاصل الأصابع كلها، او رؤوس السلاميات، إذا قبضت كفّك، نشزت وارتفعت. قاموس.
(3) النورة: حجر الكلس، ثم غلب على أخلاط تضاف إلى الكلس، من زرنيخ وغيره، يستعمل لإزالة الشعر. منجد.
(4) ع 5 - 261 - ش - 300 - .
(5) ع - 5 - 260 - ط - 2 - 447 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في دخول الحمام:.
مطلب في دخول الحمام:
الجزء 1 · صفحة 48
ولا بأس بدخول الحمام، ولا يدخل إلا متستراً، ويغضُّ بصره، ويستر عورته، وينهى غيرَه عن كشف العورة، ولا يدخل لأجل الدنيا، بل يقصد به التنظيف للصلاة، وأن يعطيَ الحمامي الأجرة قبل الدخول، ويتعوذُ باللَّه عند دخوله، ويقدّم رِجله اليسرى، ويدخلُ وقت الخلوة، ولا يُسلم، ولا يكثر الكلام، ولا يقرأ القرآن فيه إلا سراً، ولا يعجل بدخول البيت الحار، ولا يمكثُ فيه، إلا مكثاً متعارفاً، ولا يُكثر صَبّ الماء لأنه إسراف، بل يقتصر على قدْر الحاجة. ودخوله فيما بين العشائين، وقريباً من المغرب مكروه، لأن ذلك وقت انتشار الشياطين، ودخوله في الغُدوة ليس من المروءة، لأن فيه إظهاراً لما يجب إخفاؤه.
ويمنع النساء من دخول الحمام، فإنه فتنة، إلا بعذر - كحيض أو نفاس - . وغسل الرِّجلين بالماء البارد، بعد الخروج من الحمام أمان من الصداع، ومن النِّقْرس(1).
ويكره صب الماء البارد على الرأس عند الخروج منه، وكذا شربه. وقيل: نومته في الصيف بعد الحمام دواءٌ يعدل شربة، كذا في الإحياء(2).
-------------------
(1) داء معروف، يصيب الرّجل، وهو ورم يحدث في مفاصل القدم، وفي إبهامها أكثر. منجد.
(2) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، انظر ترجمته في صفحة - 103 - وانظر - (3) ش 304 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في التطيب، والاكتحال، والترجيل:.
مطلب في التطيب، والاكتحال، والترجيل:
الجزء 1 · صفحة 49
ومن السنة: التطيب، والتعطر بالمسك ونحوه، ويتطيب الرجل بما يَظهر ريحه، ويخفى لونه، والمرأة بضدّ ذلك، والاكتحال سنة، وفي الحديث "اكْتَحِلوا بالإثمد، فإنه يَجلو البصرَ، وينبت الشعر". ويكتحل في كلّ عين ثلاثاً ثلاثاً. والادّهان والترجيل سنة، والترجيل: تسريح الشعر بالمشط، وفي الحديث "مَنْ كان له شعرٌ فليكرمه" أي بالتدهين، والترجيل، والتنظيف بالغسل، ولا يتركه متفرقاً متوسخاً. ويختضب بالصفرة والحمرة. ويوقر الشيب، ولا يركه، ولا ينتفه، فإنه نور المؤمن، ووقاره.
والسّنة في شعر الرأس: إما الفرق، أو الحلق. والنظرُ في المرآة، أو في الماء الصافي - ليصلح من هيئته شيئاً - سنةٌ، ويقول إذا نظر فيها (الحمد للَّه الذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي وحسّنها، وجعلني من المسلمين، اللَّهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي)(1).
-------------------
(1) ش - 294 - و - 304 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في قصّ الشارب:.
مطلب في قصّ الشارب:
والقص من الشارب - حتى يوازيَ الحرف الأعلى من الشفة العليا - سنة بالإجماع، وأما نتف شعر الشفة السفلى فبدعة، ولا بأس بنتف الشيب، وأخذ أطراف اللحية، والسنة فيها القبضة، وما زاد يقطعه. ولا بأس بأخذ الحاجبين، وشعرِ وجهه ما لم يُشبه المُخنث. وفي حلق شعر الصدر، والظهر تركُ الأدب. ولا ينتف أنفه لنه يورث الآكلة(1).
ويكره القَزَع، وهو: أن يحلق بعضَ الرأس، ويترك البعض، قطعاً مقدار ثلاث أصابع.
ولو قطعت المرأة شعر رأسها أثمت، ولعنت ولو بإذن الزوج، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والعلة في إثمها: التشبهُ بالرجال، فإنه لا يجوز بالتشبه بالنساء(2).
-------------------
(1) داء في العضو يأتكل منه. منجد.
(2) ع - 5 - 239 - 161 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
الجزء 1 · صفحة 50
مطلب في الختان:.
مطلب في الختان:
والختان سنة، وهو من شعائر الإسلام، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر، ووقته: غير معلوم، قيل: سبع، وقيل: عشر، وقيل: أقصاه اثنتا عشرة سنة، وقيل: العبرة بطاقته. وختان المرأة ليس سنة، بل مكرمة للرجال، وقيل: سنة(1).
-------------------
(1) ع - 5 - 478 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثاني في اللُّبس، والكسوة.
مطلب في التَّميمة:.
مطلب في التَّميمة:
وتكره التميمة، وهي: خرزاتٌ كانت العرب تُعَلّقها على أولادهم، يتّقون بها العينَ في زعمهم، فأبطلها الإسلام، وفي الخانية(1): امرأةٌ أرادت أن تضع تعويذاً ليحبّها زوجها، ذكر في الجامع الصغير(2) أن ذلك حرام لا يحل. ولا بأس بالمعاذات إذا كُتب فيها القرآن، أو أسماء اللَّه تعالى، وإنما تكره العوذة إذا كانت بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو، ولعله يُدخلُه سِحراً أو كفراً وغيرَ ذلك(3).
واختلف في الاستشفاء بالقرآن: بأن يقرأ على المريض أو الملدوغ الفاتحة، أو يكتب في رَقّ ويعلق عليه، أو في طست، ويغسل ويسقى، وعلى الجواز عمل الناس اليوم، وبه وردت الآثار. ولا بأس بأن يَشد الجنبُ والحائض التعاويذ على العُضد، إذا كانت ملفوفة(4).
-------------------
(1) أي الفتاوى الخانية، المعروفة بفتاوى قاضيخان، للإمام فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي، الفرغاني الحنفي، المتوفى سنة (592)ه. من أهل الترجيح، وكتابه هذا من أصح الكتب التي يعتمد عليها في الإفتاء والعمل. الفوائد.
الجزء 1 · صفحة 51
الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، انظر ترجمته في صفحة - 7 - وهو أحد الكتب الستة له المسماة بكتب ظاهر الرواية، وهي المبسوط، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، والسير الصغير، والزيادات، والجامع الصغير: كتاب جامع لأمهات المسائل، وأصولها، وفيه زيادات في مسائل، لم تذكر في المبسوط، وفيه فائدة النص عن أبي حنيفة، في كل مسألة، وقد جمع فيه أربعين كتاباً من كتب الفقه. وقد شرحه قاضيخان المتوفى سنة (592) صاحب الفتاوى الخانية اه. الفوائد - وفهرس مخطوطات الفقه الحنفي.
قال عليه الصلاة والسلام، "مَنْ عَلّق تميمة، فلا أتّم اللَّه له". لأنهم كانوا يعتقدون أنها من تمام الدواء، والشفاء، بل جعلوها شركاء، لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير اللَّه تعالى، الذي هو دافعه - مح - .
(2) ع 5 - 232 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
الباب الثالث في النظر والمسِّ
إن مسائل النظر أربع:
نظر الرجل إلى المرأة،. ونظرها إليه. ونظر الرجل إلى الرجل. ونظر المرأة إلى المرأة.
والأولى على أربعة أقسام:
نظره إلى الأجنبية الحرّة. ونظره إلى من تحلّ له من الزوجة والأمة.
ونظره إلى ذوات محارمه. ونظره إلى أمة الغير.
(المسألة الأولى: نظر الرجل إلى المرأة).
(القسم الأول) فينظر الرجل من الأجنبية الحرّة - ولو كافرةً - إلى وجهها وكفيها، فقط للضرورة، قيل: والقدم، والذراع، والمِرفقِ إذا آجرت نفسها للخَبْزِ ونحوه من الطبخ، وغسل الثياب، لأنه يبدو منها عادة، وتمنع الشابة من كشف وجهها، لا لنه عورة، بل لخوف الفتنة، وعبدُها كالأجنبي معها، إلا انه يدخل عليها بلا إذنها إجماعاً. ولا يسافر بها إجماعاً.
الجزء 1 · صفحة 52
فإن خاف الشهوة، امتنع نظره إلى وجهها، إلا لحاجة - كقاضٍ، وشاهدٍ، يحكم ويشهد عليها، وكذا مريدُ نكاحها ولو عن شهوةٍ، بنية السُّنة، لإقضاء الشهوة - والخَصُّي(1)، والمجبوب(2)، - في النظر إلى الأجنبية - كالفحل. ويباح للطبيب النظرُ إلى موضع مرضها بقَدْر الضرورة، وكذا نظرُ قابلةٍ، وخَتّان، وحقّان، إذا لم يمكن الحصول على امرأة تحقنها.
(القسم الثاني): وينظر الرجل من زوجته، وأَمته، إلى جميع البدن، من الفرق إلى القدم، ولو عن شهوة، وكذا هي منه، والأولى: أن لا ينظر كلُّ واحد منهما إلى عورة صاحبه، لأن ذلك يُورث النسيان، ويُضعف البصر.
(القسم الثالث): وينظر من محرمه إلى الرأس، والوجه، والصدر، والساق، والعَضدُ، إن أَمِنَ شهوته، وشهوتها. لا ينظر إلى الظهر، والبطن، والفَخِذ مع ما يتبعها، من نحو الجنبين، والفرجين، والأَليتين، والركبتين.
(القسم الرابع): وينظر من أمة غيره - ولو مُدَبّرة(3)، أو أمّ ولدٍ(4)، أو مكاتبة(5)، أو معتقةَ البعض - كمحرمة، لأنها تخرج لحوائجِ مولاها، وتخدم أضيافه، وهي في ثياب مهنتها، فصار حالُها خارج البيت كحال المرأة داخله، في حق محارم الأقارب.
(المسألة الثانية: نظر المرأة إلى الرجل):
وتنظر المرأة من الرجل الأجنبي: كنظر الرجل للرجل، إنْ أَمِنَت شهوتها، فأما إذا علمت أنْ يقع في قلبها شهوة، أو شكّت، - ومعنى الشك: استواء الظَّنَّين - فيستحب أن تغض بصرها.
(المسألة الثالثة: نظر الرجل إلى الرجل):
وينظر الرجل من الرجل، ومن غلام بلغَ حدّ الشهوة: سوى ما بين سرته، إلى ما تحت ركبته، فالركبة عورة لا السرة.
-------------------
(1) الخصي: مقطوع الخصية، أو الخصيتين. مصباح.
(2) المجبوب: من استؤصل ذكره وخصيتاه، مصباح.
(3) المدبرة: أَمةٌ قال لها سيدها، أنت حرة بعد موتي.
(4) أم الولد: أَمة، وطئها سيدها، وولدت له، وأقر بالمولود منه، تعتق بموته، وفيها قال عليه الصلاة والسلام: "أعتقها ولدها".
الجزء 1 · صفحة 53
(5) المكاتبة: أمة، كاتبها سيدها على أدائها إليه مبلغاً من المال، ليعتقها، فإن أدته، عتقت.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في النظر إلى الأمرد:.
مطلب في النظر إلى الأمرد:
لا يجوز النظر إلى الأَمرد - الصبيحِ الوجه، إذا بلغ حدّ الشهوة - بشهوة، ولا يجوز أن يكون الحلاق أمردَ صبيحاً مشتهى، إذا وجد المحلوقُ له لذةً، وعلى الأخص تغميزُ الأعضاء(1) وتكبيسها بالحمّام.
والغلام إذا بلغ مبلغ الرجال، ولم يكن صبيحاً، فحكمه حكم الرجال، وإن كان صبيحاً فحكمه حكم النساء، وهو عورة من قَرْنه إلى قدمه، لا يحل النظر إليه عن شهوة. فأما الخلوة والنظرُ إليه - لا عن شهوة - فلا بأس به، ولذا لم يؤمر بالنقاب.
(المسألة الرابعة: نظر المرأة إلى المرأة):
وتنظر المرأة المسلمة من المرأة، كالرجل من الرجل. لا يحل لمسلمة أن تَنْكشف بين يدي مشركة، أو كتابية، إلا أن تكون أَمةً لها. ولا ينبغي للمرأة الصالحة أن تنظر إليها المرأةُ الفاجرة، لأنها تصفها عند الرجال، فلا تضعْ جلبابها ولا خمارها.
وما حَلّ نظره، حل لمسه، إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها(1)، إلا من أجنبية، فلا يحل مَسُّ وجهها وكفّها، وإنْ أمن الشهوة، لأنه أغلط، وله مسُّ ما حلّ نظرهُ إليه من الأمة، إذا أراد الشراء، وإن خاف شهوته. ويجوز للشيخ الفاني أن يصافح العجوز، إذا أمنا الشهوة، وكلُّ عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال، لا يجوز النظر إليه بعده، ولو بعد الموت - كشعر عانة، وشعر رأسها، وعظم ذراع حرة ميتة، وساقها، وقُلامة ظُفُرِ رِجلها، دون يدها، - ولا ينظر إلى عورة غيره، فوق ثوب ملتصق بها، يصف حجمها، ولا يجوز رؤية الثوب، بحيث يصف حجم عضوها - ولو كثيفاً لا تُرى البشرة منه، ولو بلا شهوة - والنظرُ إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام، أما بدونها فلا بأس به.
-------------------
الجزء 1 · صفحة 54
(1) تغميز الأعضاء: جسها، وكبسها باليد. منجد.
(2) لأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يقبل رأس فاطمة، رضي اللَّه عنها. وقال صلى اللَّه عليه وسلم: "من قبّل رِجْل أمه، فكأنما قبل عتبة الجنة". در.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في حدّ الشهوة:.
مطلب في حدّ الشهوة:
وحدُّ الشهوة - التي هي مناط الحرمة - أن يتحرك قلب الإنسان، ويميل بطبعه إلى اللذة، وربما انتشرت آلتُه إن كَثُر ذلك الميلان. وعدم الشهوة: أن لا يتحرك قلبه إلى شيء من ذلك، بمنزلة من نظر إلى ابنه الصبيح الوجه، وابنته الحسناء.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في الخلوة بالأجنبية:.
مطلب في الخلوة بالأجنبية:
والخلوة بالأجنبية الحرة - في بيت واحد - مكروه تحريماً، غلا إذا كانت المختلى بها عجوزاً شوهاء، أو لملازمة مديونة هربت، ودخلت خَربة. والخلوة بالمَحْرَم مباحة، إلا الأخت رضاعاً، والصهرَ الشابةَ (أمَّ الزوجة) ونحوها.
وأصهار الرجل: كلُّ ذي محرم من زوجته(1).
-------------------
(1) فيجيب ألا يخلو، لأن الغالب هناك، الوقوع في الجماع - ع - 272 - و - 5 - 233 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في عورة الرجل:.
مطلب في عورة الرجل:
وعورة الرجل: ما بين سرته إلى ما تحتَ ركبته، وحكمُ العورة في الركبة، أخفُّ منه في الفخذ، وفي الفخذ أخفُّ منه في السوأة، حتى إن كاشف الركبة ينكر عليه برفق، وكاشف الفخذ يُعنف عليه، وكاشف السوأة يؤدب عليه إن لجَّ. ولا عورة للصغير جداً، ثم ما دام لم يُشْتَه فقُبُل، ودُبُر، ثم تتغلظ إلى عشر سنين، ثم كالبالغ، ويدخل على النساء إلى خمس عشرة سنة(1).
-------------------
(1) ع 5 - 233 - 234 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الجزء 1 · صفحة 55
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في كشف العورة:.
مطلب في كشف العورة:
وكشف العورة - في الخلوة، لغير ضرورة - خلاف الأدب، إلا بعذر حلق العانة، والغُسلِ من الجنابة، في زمن يسير، والتغوط، والبول، والاستنجاء، والتداوي بقدْر الحاجة. ولا يجوز الكشف عند أحد أصلاً، لأنه حرام، يُعْذر به في ترك طهارة النجاسة، إن لم يمكنه إزالتها من غير كشف، وأما الاغتسال من الجنابة فلا يدعه وإن رأوه، والمرأة بين الرجال تُؤَخّرُ، وبين النساء لا(1).
-------------------
(1) ط - 2 - 528 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في استحباب غض البصر:.
مطلب في استحباب غض البصر:
يستحب للرجل - إذا خرج من المنزل - أن يَغُضَّ بصره، فلا ينظر يميناً، وشمالاً من غير حاجة، أما المحتسب، فإنه محتاج لإزالة التعدي عن الطريق، فيجوز أن ينظر إلى ما يحتاج إليه للاحتساب(1).
-------------------
(1) ه - 240 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في المسّ بشهوة، (ما يترتب عليه من أحكام):.
مطلب في المسّ بشهوة، (ما يترتب عليه من أحكام):
وإذا مسّ الرجل امرأة مشتهاةً، حيّة، تم لها تسعُ سنين، بشهوةٍ من أحدهما، او منهما، - ولو لشعرٍ على الرأس، ولو بحائل لا يمنع الحرارة، وكانت الشهوةُ حالة اللمس، ولم يُنزل معه، - حرم عليه أُصولها، وفروعها، وحرم عليها أُصوله، وفروعه.
ومثله لو نظر إلى فَرْجها الداخل، بشهوة منه عند النظر، ولم يُنزل معه، أو نظرت إلى ذكره بشهوة منها، ولو كان النظر من زجاجٍ، او ماءٍ هي، أو هو فيه(1). لا يُحرّمُ أصلَ، وفرعَ المنظور، النظرُ بشهوة - إلى فرجها الداخل وذَكَره، - من مرآة، أو ماءٍ كان أحدهما فوقه، فرآه الآخر منه بالانطباع والانعكاس.
الجزء 1 · صفحة 56
فلو(2) قبّل الرجل بنت امرأته المشتهاةَ، أو مسّها بشهوةٍ من أحدهما، حرمت عليه أمّها حرمة مؤبدة.
وكذا لو مسّته أمُّ زوجته، أو قبّلته، بشهوة من أحدهما، حرمت عليه بنتها، وأصولها، وفروها، ولو رضاعاً، حرمةً مؤبدة.
وكذا لو قبّلت ابنَ زوجها المشتهى، الذي تمّ له من السّن اثنتا عشرة سنة فأكثر، أو مسّته بشهوة، حرمت على أبيه حرمة مؤبدة. وكذا لو قبّل زوجةَ ابنه المشتهاة، أو لمسها بشهوة، حرمت على ابنه حرمةً مؤبدة. فلو تزوج صغيرة لا تُشتهى، فدخل بها، فطلقها، وانقضت عدتها، وتزوجت بآخر، جاز للأول التزوج ببنتها، لعدم الاشتهاء. أما أُمُّها فحرمت عليه بمجرد العقد(3).
وكذا تشترط الشهوة في الذَّكر، فلو جامع ابنُ أربع سنين زوجةَ أبيه، لا تثبت الحرمة. ولا فرق في ثبوت الحرمة - بالجِماع، أو اللمس، أو النظر بشهوة، - بين كونه عامداً، أو ناسياً، أو مكرهاً، أو مخطئاً.
فلو أيقظ زوجته، أو أيقظته هي لجماعها، فمسّت يدُه بنتها المشتهاة بشهوة، أو مسّت يدُها ابنه المراهق بشهوة، حرمت الأم أبداً.
-------------------
الجزء 1 · صفحة 57
(1) وسبب التحريم أن المسّ، والنظر داعيان إلى الوطء، فيُقامان مُقامه، احتياطاً للحرمة. فلو أنزل من اللمس، أو النظر، لا تثبت الحرمة، لأن اللمس، والنظر، عندئذٍ، يتبين أنهما ليسا بمفضيين إلى الوطء. قال عليه الصلاة والسلام: "مَن نظر إلى فرج امرأةٍ بشهوة، أو لمسها بشهوة، حرمت عليه أمها، وابنتها، وحرمت على ابنه، وأبيه". وحكى الطحاوي إجماع السلف على أن التقبيل، واللمس عن شهوة، يوجب حرمة المصاهرة. والأصل فيه قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية (النساء:22). ومعنى الآية: لا تطؤوا من وطئ آباؤكم مطلقاً، فيدخل في النهي، النكاح، والسفاح. وإنما حملنا النكاح على الوطء، لأن حقيقة النكاح هي الوطء. وإذا ثبت هذا الحكم في موطوءة الأب، ثبت في موطوءة الابن، وفي وطء أم امرأته، وسائر ما يثبت بحرمة المصاهرة بالنكاح، لأن أحداً لم يفصل بينهما. اهـ اختيار.
(2) تفريغ على ما سبق.
(3) لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، ووطء الأمهات يحرّم البنات، لقوله تعالى {وربائبكم اللاتي في حُجوركم، من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} (نساء:23).
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في حدّ الشهوة لأجل حرمة المصاهرة:.
مطلب في حدّ الشهوة لأجل حرمة المصاهرة:
وحدّ الشهوة - في المسِّ، والنظر، لأجل حرمة المصاهرة - تحركُ آلته، أو زيادتُه إن كان موجوداً قبلهما، وفي امرأة وشيخ كبير، وعِنِّيْن(): تحركُ قلبه على وجهٍ يُشوش الخاطر، فلا يضرُّ مجرد ميلان النفس، أما لأجل حرمة النظر إلى نحو وجه أمرد صبيح الوجه، أو امرأةٍ ونحوهما، فهي مجرد ميل اللذة، ولو بلا تحرك آلته كما تقدم(2).
-------------------
(1) العِنّين: مَنْ لا يقدر على ايتان النساء، أو لا يشتهيهنّ اهـ مصباح.
(2) في صفحة - 53 - وانظر ه 244 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الجزء 1 · صفحة 58
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب فيمن يَحْرمُ التزوجُ به(1):.
مطلب فيمن يَحْرمُ التزوجُ به(1):
(النوع الأول: القرابة): يحرم على الرجل - على التأبيد - التزوجُ بأحد محارمه، كفروعه(2) وإن سَفَلن، وأصوله(3) وإن عَلَوْن، وفروعِ أبويه(4) وإن نزلن، وفروعِ أجداده وجداته ببطن واحد، فتحرم العمات(5) والخالات، وتحلُّ بناتُهن، وبناتُ الأعمام، والأخوال.
(النوع الثاني: المصاهر): ويحرم التزويج بمن بينه، وبينها، حرمةُ المصاهرة - على التأبيد - ، كفروع نسائه المدخول بهن، وإنْ نزلن، وأمهاتِ الزوجات، وجداتهن، بعقد صحيح، وإنْ علون، وإن لم يدخل بالزوجات.
وتحرم موطوآت آبائه، وأجداده، وإن عَلَوْا، ولو بزنى(6)، والمعقوداتُ لهم عليهن بعقد صحيح، و موطوآت أبنائه، وأبناء أولاده، وإن سَفَلوا ولو بزنى، والمعقودات لهم عليهن بعقد صحيح. وكذا المقبّلات، أو الملموسات بشهوة، لأصوله، أو فروعه، أو مَنْ قَبّل أو لَمَس أصولَهن، أو فروعهن.
(النوع الثالث: الرضاع): ويحرم التزوج - على التأبيد - أيضاً بَمنْ بينه، وبينها رضاع، فيحرم به، ما يحرم من النسب، إلا ما استُثني في كتاب الرّضاع من الصور(7).
(النوع الرابع، والخامس: الجمع، وإدخال أمة على حرة): ويحرم الجمع بين المحارم، كأختين ونحوهما، مما لا يحلّ لأحدهما تزوجُ الأخرى، لو كانت إحداهما ذكراً(8)، أو بين الأجنبيات، زيادة على الأربع، وحرمة الجمع بين الحرة، والأَمة، و(الحال أن) الحرةَ غير متأخرة(9).
(النوع السادس: الملك): ويحرم تزوج مملوكته، والمرأة مملوكَها، ولو الملك لجزءٍ منها، أو منه(10).
(النوع السابع: الشّرك): ويحرم تزوج مَنْ لا دين لها سماوياً، كمجوسية، ومُشركة، ودرزية، ونصيرية، وإسماعيلية، ومرتدةٍ، ونافية الصانع تعالى(11).
الجزء 1 · صفحة 59
ويحرم(12) تزوج مطلقةٍ ثلاثاً، قبل زوج آخر، يَدخل بها، ويطؤها، وإن لم ينزل. ويحرم تزوج زوجةِ الغير، أو معتدته، والْخُنْثَى المشكلِ، والْجِنّية، وإنسان الماء، والْمُلاعنة(13)، فكما يحرم على الرجل التزوج بمن ذكر، يحرم على الأنثى التزوج أيضاً بنظير مَنْ ذكر(14).
-------------------
(1) أسباب التحريم سبعة أنواع: - قرابة، - ومصاهرة، - ورضاع، - وجمع، - وملك، - وشرك، - وإدخال على حرة. وأضيف لهذه السبعة ستة أخرى: - الخنثى المشكل، لجواز ذكورته، - والجنيه، - وإنسان الماء، لاختلاف الجنس، - والملاعنة، - والمطلقة ثلاثاً، - والتي تعلق بها حق الغير، بنكاح، أو بعده.
وقد نظمها ابن عابدين رحمه اللَّه بقوله: (رجز)
أنواع تحريم النكاح سبع * قرابةٌ، ملك، رضاع، جمع
كذاك شِركٌ، نسبة المصاهرة * وأَمةٌ عن حرة مؤخرة
-وزيد خمسةٌ أتتك بالبيان * تطليقه لها ثلاثاً، واللعان
-تعلقٌ بحقِ غيرٍ من نكاح * أو عدة، خنوثة - بلا اتضاح
-وآخر الكل: اختلاف الجنس * كالجن، والمائي لنوع الإنس.
اه در، مح.
(2) وهم بناته، وبنات أولاده - مح -
(3) وهم أمهاته، وأمهات أمهاته، وآبائه، - مح -
(4) فتحرم بنات الأخوة، والأخوات، وبنات أولاد الأخوة، والأخوات - مح -
(5) تفريع على قوله: وفروع أجداده، وجداته ببطن واحد.
(6) لأن الزنى، يوجب حرمة المصاهرة، لأن الوطء سبب الجزئية، بواسطة الولد، والولد جزء مَنْ هو من مائة، والاستمتاع بالجزء حرام. قال عليه الصلاة والسلام: " مَنْ زنى بامرأة، حرمت عليه أنها، وبنتها" أي أصولها، وفروعها. اختيار.
(7) كأم أخيه، وأخته، وأخت ابنه، وبنته، وجدة ابنه، وبنته، وأم عمه، وأم خاله، وخالته، وعمة ولده، وبنت عمته، وبنت أخت ولده، وأم أولاد أولاده. فهؤلاء - من الرضاع - حلال للرجل. ولمزيد البيان راجع - مح - .
(8) كالعمةـ والخالة.
الجزء 1 · صفحة 60
(9) فلو تزوجهما بعقد واحد، صح نكاح الحرة، وبطل نكاح الأمة. ويجوز نكاح الحرة، والأمة على الأمة، ومعها، وفي عدتها، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة عليها". اختيار.
(10) للتنافي، وذلك لأن المالكية تنافي المملوكية - مح -
(11) لقوله تعالى: {وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ولقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم". اختيار.
(12) شروع في ذكر ستة الأنواع الأخرى المسببة للتحريم.
(13) التي قذفها زوجها، والملاعنة: مفاعلة من اللعن، ولا يكون هذا الوزن إلا بين اثنين، إلا ما شَذّ. واللعان: يجب بقذف الزوجة بالزنى، أو بنفي الولد، فيشد الزوج أربع مرات باللَّه إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى، أو من نفي الولد، أو بهما معاً. ثم تشهد الزوجة أربع مرات باللَّه إنه لمن الكاذبين، فيما رماها به من الزنى، وفي الخامسة تقول: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به، من الزنى، أو نفى الولد.
فإذا التعنا فرّق الحاكم بينهما، ولا بدّ من تفريق الحاكم، فلا فرقة قبل حكمه، واعتبرت تطليقة بائنة عند الطرفين، وتحريماً مؤبداً عند أبي يوسف. اهـ اختيار.
(14) ه - 246 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في العدل بين النساء:.
مطلب في العدل بين النساء:
الجزء 1 · صفحة 61
لو خاف الرجل أن لا يعدل بين النساء، يَحْرم عليه أن يتزوجَ أكثرَ من واحدة. ويجب عليه أن يعدل بين نسائه، بالتسوية: في الملبوس، والمأكول،والمشروب، والسكن، إن استوى حالُهُن غنىً، أو فقراً، وفي البيتوتة، والصحبة، مطلقاً، لا المجامعة، كالمحبة، بل تستحب التسوية في جميع الاستمتاعات من الوطء، والْقُبلة، وكذا بين الجواري، وأمهات الأولاد، لُيحَصنهن عن الاشتهاء للزنى، والميل إلى الفاحشة، ولا يجب عليه شيء من ذلك.
ويسقط حَقُّ الزوجة بمرةٍ في القضاء(1)، أما في الدّيانة، فيجب في حقه أن لا يتركها أحياناً، وقدّره في الفتح(2) - بحثاً - أن لا يبلغ أربعة أشهر، إلا برضاها، وطيب نفسها به(3). ويحرم عليه وطء زوجته، أو أمته، إذا كانت لا تطيق الوطء، ولا تتحمله، وتتضرر به، لصغرها، أو لهزالها، او ضَعْفها، أو لكبر آلته.
ويكره للزوج أن يأخذ من الزّوجة مهرَها في الْخُلع برضاها، إذا لم يكن النشوز منها، بل منه(4)، أما إذا كان منها، فيجوز أن يأخذ منها بقدْر ما أعطاها(5)، ولا يجوز له إمساكُها، إضراراً، وتضييقاً، ليقطع مالها، في مقابلة خلاصها من الشّدة، التي هي فيها معه، إلا أنه لو أخذ، جاز في الحكم، لا في الديانة.
ويحرم الترهيب، وهو: الاعتزال عن النساء، وتحريم غشيانهن(6).
-------------------
(1) لأنه إذا أصابها مرة واحدة، علم أنه غير عِنّين، وقت العقد.
الجزء 1 · صفحة 62
(2) فتح القدير، وهو شرح الهداية، والهداية شرح البداية، فالهداية: تأليف برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، المتوفى سنة (593 ه - 1197 م)، وفتح القدير: تأليف كمال الدين، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي، الشهير بابن الهمام المتوفى سنة (861 ه - 1457 م). شرع في تأليفه عام (829 ه)، ووصل فيه إلى أثناء كتاب الوكالة، ثم أكملها أحمد بن قودر، المعروف بقاضي زاده، المتوفى سنة (988 ه) وسماها: نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار. فهرس مخطوطات الفقه الحنفي.
(3) حيث قال: واعلم أن ترك جماعها - مطلقاً - لا يحلّ له. صرح أصحابنا بأن جماعها أحياناً، واجب ديانة، لكنه لا يدخل تحت القضاء، والإلزام، إلا الوطأة الأولى. ولم يقدروا فيه مدة. ويجب أن لا يبلغ به مدة الإيلاء، إلا برضاها، وطيب نفسها به، اهـ - فتح - . قلت: ومدة الإيلاء أربعة أشهر بقوله تعالى {لِلَّذيِنَ يُؤلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ...} الآية {البقرة: 266}.
(4) قال تعالى {وَ إنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ، وَ آتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً، فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً...} الآية {النساء: 20} فحملناه على الكراهية عملاً بقوله تعالى {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...} الآية {البقرة:299}. اختيار.
الجزء 1 · صفحة 63
(5) لما روي أن جميلة بنة عبد اللَّه بن أبي بن سلول، وقيل: حبيبة بنة سهل، كانت تحت ثابت بن قيس، فأتت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه، لا أنا، ولا هو. فأرسل عليه الصلاة والسلام إلى ثابت، فقال: قد أعطيتها حديقة، فقال لها: "أتردين عليه حديقته، وتملكين أمرك؟" فقالت: نعم، وزيادة. قال أما الزيادة، فلا. فقال عليه الصلاة والسلام: "يا ثابت خذ منها ما أعطيتها، ولا تزدد، وخلِّ سبيلها"، ففعل، وأخذ الحديقة، فنزل قوله تعالى" {وَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا...} الآية {البقرة: 229}. اه. اختيار.
(6) ه - 228 - و - 247 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في كِتْمان الحيض، والحبل:.
مطلب في كِتْمان الحيض، والحبل:
يحرم على المرأة كتمانُ الحيض، إذا كانت مُطَلقةً، وكذا كتمانُ الحبل، كما يحرم عليها ادعاؤها بقاءَ العدة، والحالُ أنها انقضت، ويحرم عليها أن تقول لزوجها: إني حائض، إذا دعاها لفراشه، والحال أنها في الحيض ولم تَطْهُر منه(1).
-------------------
(1) ه - 244 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في إيتان الحائض، والنفساء:.
مطلب في إيتان الحائض، والنفساء:
ويحرم على الرجل إيتانُ الحائض، والنفساء، والاستمتاع بهما تحتَ الإزار، أي ما بين السرة والركبة بلا حائل، وهو المراد بما تحت الإزار، ولو بلا شهوة(1)، وحَلّ ما عداه مطلقاً، بشهوة وبدون شهوة. فيجوز الاستمتاع بالسُّرة، وما فوقها، وما تحت الركبة، ولو بلا حائل، وكذا بما بينهما، بحائل بغير الوطء، ولو تلطخ دماً(2). ولا يكره طبخُها، ولا استعمال ما مسته من عجينٍ، أو ماءٍ، أو نحوهما، إلا إذا توضأت بقصد القربة، كما هو المستحب، فإنه يصير مستعملاً. ولا ينبغي أن ينعزل عن فراشها، لأن ذلك يشبه فعلَ اليهود(3).
الجزء 1 · صفحة 64
فإن وطئها في الفرج، عالماً بالحرمة، عامداً، مختاراً، كان كبيرة، لا جاهلاً، ولا ناسياً، ولا مكرَهاً، فليس عليه إلا التوبةُ والاستغفار. ويستحب أن يتصدق بدينار، أو نِصفه، وقيل: بدينار إن كان أول الحيض وبنصفه إن وطئ في آخره(4)، ومصرفُه: مصرف الزكاة(5).
-------------------
(1) قال تعالى {وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ...} الآية {البقرة: 222} والنهي للتحريم.
(2) لقول ابن عمر رضي اللَّه عنهما: "سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: ما يحل للرجل من امرأته الحائض؟ قال: ما فوق الإزار". وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، يأمرني، فأتزر، فيباشرني، وأنا حائض. ولقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "له ما فوق الإزار، وليس له ما دونه".
(3) ع - 1 - 194 -
(4) لقوله صلى اللَّه عليه وسلم، فيما رواه أبو داود، وصححه الحاكم: "إذا واقع الرجل أهله، وهي حائض، إن كان دماً أحمر، فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فبنصف دينار". اختيار.
(5) ط 2 - 488 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب حرمة وطء الأمة، قبل الاستبراء:.
مطلب حرمة وطء الأمة، قبل الاستبراء:
ومَنْ مَلك أمةً - ولو بكراً - رحم عليه وطؤها، ودواعيه، حتى يستبرئها بحيضة، فيمن تحيض، وبشهرٍ في ذات أشهر، وبوضع الحمل في الحامل، ولا يُعْتَدُّ بحيضةٍ، مَلَكَها فيها، ولا التي قبل قبضها. ولا بأس بحيلة إسقاط الاستبراء، إذا علم أن البائع لم يَقْرَبْها في طهرها ذلك، وإلا لا يفعلها. قيل: إنّ الرشيد(1) أحضر أبا يوسف(2) ليلاً، وعنده عيسى بنُ جعفر(3)، فقال: طلبتُ من هذا جاريتَه، فأخبر أنه حلف أن لا يبيعَها، ولا يهبَها، فقال أبو يوسف(4): بِعْه النصف، وَهَبْه النصف، ففعل، فأراد الرشيد سقوطَ الاستبراء، فقال: أعتقها وأُزَوّجُكَها، ففعل وأمر له بمائة ألف درهم، وعشرين دستِ ثياب(5).
الجزء 1 · صفحة 65
-------------------
(1) مرت ترجمته في صفحة - 13 -
(2) مرت ترجمته في صفحة - 8 -
(3) عيسى بن جعفر بن المنصور العباسي، قائد من أمراء بني العباس، أخو زبيدة، وابن عم هارون الرشيد، بعثه الرشيد عاملاً على عُمان، في ستة آلاف مقاتل، فلم يكد يستقر فيها، حتى سيّر إليه إمام الأزد - الوارث الخروصي - جيشاً قاتله، فانهزم عيسى، فأسر، وسجن في صحار. ثم تسوّر عليه بعضهم السجن فقتلوه فيه. أعلام.
(4) العم أن أبا يوسف رحمه اللَّه قال: لا بأس بحيلة إسقاط الاستبراء مطلقاً، سواء علم أو لم يعلم، لأنه يمتنع من التزام حكمها، خوفاً من ألا يتمكن من الوفاء به لو لزمه. وكرهه محمد مطلقاً، لأنه فرار من الأحكام الشرعية، وليس من أخلاق المؤمنين. ويفتى بقول أبي يوسف، إن علم أن البائع لم يقر بها، وبقول محمد إذا أقر بها، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل لرجلين يؤمنان باللَّه، واليوم الآخر، أن يجتمعا على امرأة واحدة، في طهر واحد". فإذا لم يقربها البائع في هذا الطهر، لم يتحقق النهي، وإذا لم يعلم شيئاً، فالظاهر الإفتاء، بقول محمد، لتوهم الشغل. انظر - مح -
(5) الدست: لغة في الدشت، ثم عرب بالإهمال. وله ثلاثة معانٍ: - الثياب، والورق، وصدر البيت، واستعمله المتأخرون بمعنى الديوان، ومجلس الوزارة، والرآسة. تاج - وانظر ع 5 24 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في العزل عن الأَمة، والزوجة:.
مطلب في العزل عن الأَمة، والزوجة:
وجاز عزله(1) عن أَمته بغير إذنها، وعن زوجته بإذنها، وجاز لهما سدُّ فم رحمهما لئلا تحبل إنْ بإذنه، وإلا لا يجوز. ويكره لها أن تشرب دواءً لإسقاط حملها، قبلَ التصور وبعده، إلا لعذر - كالمرضعة إذا ظهر بها الحمل، وانقطع لبنها، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به المرضعة، ويخافُ هلاكَ الولد، ما دام الحمل مضغةً، أو علقةً، ولم يخلق له عضو(2).
الجزء 1 · صفحة 66
-------------------
(1) العزل: أن يجامع، فإذا جاء وقت الإنزال، نزع، فأنزل خارج الفرج. ثم هذا في الزوجة البالغة، أما الصغيرة، فله العزل عنها بلا إذن.
(2) ه - 194 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في الطلاق:.
مطلب في الطلاق:
ولا يجب على الزوج تطليق الفاجرة، ولا عليها تسريحُ الفاجر، إلا إذا خافا أن لا يقيما حدودَ اللَّه، فلا بأس أن يتفرقا. والفجور: يعم الزنى، وغيرَه(1).
ولا يطلق امرأة ثلاثاً في دّفعة واحدة، فإنه بدعة، فإذا فعل ذلك، وقع الطلاق، وبانت منه، وكان عاصياً(2).
وأحسن الطلاق: أن يطلق امرأته تطليقةً واحدة، في طهرٍ لم يجامعها فيه، ويتركَها حتى تنقضيَ عدتها(3).
-------------------
(1) ع 5 - 274 - قال صلى اللَّه عليه وسلم، لمن لا تردُّ يد لامس، وقد قال: إني أحبها: "استمتع بها" - مح -
(2) لما روي عن إبراهيم النخعي، أن أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كانوا يستحبون ألا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غيرها، حتى تنقضي عدتها. وفي رواية: وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً، في ثلاثة أطهار، وهو الطلاق الحسن، ولأنه إذا جامعها، لا يؤمن الحبل، وهو لا يعلم به، فإذا ظهر ندم، فكان ما ذكرناه أبعد من الندم، فكان أولى. أما كونه بدعة، فلأنه خلاف السنة. وأما كونه عاصياً فلمخالفته السنة أيضاً، وإجماع الصحابة، لما روي أن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال للنبي صلى اللَّه عليه وسلم، وقد سأله عن طلاق زوجه ثلاثاً دفعة واحدة: "أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، أكانت تحلُّ لي؟ قال: لا، ويكون معصية". وأما وقوع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، فللحديث السابق، ولقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "كل طلاق واقع" الحديث. اختيار.
(3) ج 2 - 100 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
الجزء 1 · صفحة 67
مطلب في التقبيل، والمصافحة:.
مطلب في التقبيل، والمصافحة:
ويكره - تحريماً - تقبيلُ الرجل فَم الرجل، أو يدَه، أو شيئاً منه، وكذا تقبيل المرأة المرأةَ عند لقاءٍ، أو وداع، لو عن شهوة(1)، أما لو كان على وجه البر فجائز(2).
قبلته للولد الصغير مأجورٌ عليها، لأن فيها شفقةً على ولده، وكذا قبلةُ ولد صديقه، وغيرِه من الصغار، والأطفال على هذا الوجه. وتسمى قُبلةُ الوالدين للولد قبلةَ المودة، وقبلة الولد للوالدين قبلةَ الرحمة، وقُبلةُ الشهوة تكون بين الزوجين، أو الأمة على الفم، وقبلة التحية قبلةَ المؤمنين فيما بينهم على اليدِ، وقُبلةُ الشفقة - وهي قُبلةُ أخيه - على الجبهة، وقُبلة الدَيانة للحجر الأسود، وعتبةِ الكعبة، والمصحفِ.
ولا بأس بتقبيل يدِ العالم، والسلطان العادل، وقيل: سنة، وتقبيلُ رأس العالم أجود.
طلب من عالمٍ، أو زاهد أن يمكّنه من قدمه ليقبله، أجابه(3)، وقيل: لا يرخص فيه.
وتقبيل يد نفسه - إذا لقيَ غيرَه - مكروه تحريماً، وتقبيلُ الأرض بين يدي العلماء والعظماءِ، إنْ على وجه العبادة والتعظيم يُكْفَر(4)، وإن على وجه التحية لا يُكْفر، بل يأثم.
وتكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حَال(5)، أما عند لقاء المسلم لأخيه - بعد السلام بكلتا يديه، مع أخذ الإبهام، وبغير حائل من ثوب أو غيره، - فسنة.
-------------------
(1) لما روي أنه عليه الصلاة والسلام، نهى عن المكامعة، وهي المعانقة، ونهى عن المكاعمة، وهي التقبيل - مح - .
(2) لما روي أنه عليه الصلاة والسلام، عانق جعفراً حين قدم من الحبشة، وقبّله بين عينيه - مح - .
الجزء 1 · صفحة 68
(3) لما أخرجه الحاكم، ان رجلاً أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، أرني شيئاً أزداد به يقيناً، فقال: "أذهب إلى تلك الشجرة فادعها" فذهب إليها، فقال، إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يدعوك. فجاءت حتى سلمت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال لها: "ارجعي"، فرجعت. قال: ثم أذن له، فقبّل رأسه، ورجليه...الحديث .مح.
(4) بالبناء للمجهول، أي ينسب إلى الكفر، من أكفره: إذا دعاه كافراً، وأما يكفر (بالبناء للمعلوم) من التكفير، فغير ثابت هنا، وإن كان جائزاً لغة، كما في المُغرب. والأصل: حتى يكفر الشارع جاحده مح.
(5) قال الإمام الشيخ عبد الغني النابلسي، رحمه اللَّه تعالى، عند ذكر (الفتنة)، وهي الخلق الثامن والأربعون، من الأخلاق المذمومة، في كتابه: الحديقة الندية، شرح الطريقة المحمدية، بعد أن ذكر أمثلة لها، قال: ومن هذا القبيل: نهي العوام عن المصافحة، بعد صلاة الصبح، والعصر، فإن بعض المتأخرين من الحنفية، صرح بالكراهة في ذلك، ادعاء بأنه بدعة، مع انه داخل في عموم سنة المصافحة مطلقاً، فلا يبقى إلا مجرد التخصيص بالوقتين المذكورين، فيقتضي ابتداع ذلك. وصرح في كتابه - الأذكار - وغيره من الشافعية، بأنها في هذين الوقتين بدعة مباحة، فلا ينبغي للواعظ، أو المدرس، ان ينهى العوام عما أفتى بجوازه بعض أئمة الإسلام، ولو كان في مذهب الغير، خصوصاً، وأن العوام لا مذهب لهم، والتقليد للمذاهب الأربعة جائز لكل أحد .شط.
والنووي يحيى بن شرف بن مِرّي، بن حسن الحِزامي، الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محي الدين، علامة بالفقه، والحديث، مولده في نوا (من قرى حوران) عام (631 ه - 1233 م) - ووفاته فيها عام (676 ه - 1277 م)، وإليها نسبته، تعلم في دمشق، وأقام بها زمناً طويلاً، اهـ أعلام. وانظر ترجمة النابلسي في صفحة - 33 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الجزء 1 · صفحة 69
الباب الثالث في النظر والمسِّ.
مطلب في معانقة الرجلين:.
مطلب في معانقة الرجلين:
وكره معانقة الرجلين في إزار واحد. ولو كان على كل واحد منهما قميصٌ، او جبة، جاز، إن عُدمت الشهوة. ولا يجوز للرجل مضاجعةُ الرجل في ثوب واحد، لا حاجز بينهما، وكذا المرأتان. وإذا بلغ الصبي، أو الصبية، عشرَ سنين، يجب التفريق بينهما عند النوم، ويُحال بين ذكور الصبيان، والنسوان، وبين الصبيان، والرجال. ولا ينام في فراش أمه، وأبيه إذا ناما معاً، وكذا البنت. بخلاف ما إذا كان نائماً وحده، أو مع أبيه وحده، أو البنت مع أمها وحدها.
ولا يُتركُ الصبيُّ ينام مع رجل أو امرأة أجنبيين.
الصبي - إذا بلغ حَدّ الشهوةِ - كالبالغ في النظر إلى العورة، والمضاجعة.
ما يفعلونه من تقبيل الأرض بين يدي العلماءِ، والعظماءِ، فحرام، والفاعلُ والراضي به آثمان، ولا يُكْفَر بهذا السجود، لأنه يريد التحية.
التواضع لغير اللَّه تعالى - بإذلال النفس، لنيل الدنيا - حرام(1). أما خفض الجناح، لَمن دونه، فمأمورٌ به (سيد الأنام عليه الصلاة والسلام)(2).
-------------------
(1) لما روى البيهقي، عن ابن مسعود، رضي اللَّه عنه: "من خضع لغني، ووضع له نفسه، إعظاماً له، وطمعاً فيما قبله، ذهب ثلثا مروءته، وشطر دينه". مح.
(2) قال اللَّه تعالى: {واخفضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} الشعراء - 215 - . وانظر ع - 5 - 244 - ، ه - 194 - 195 - 196 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
الباب الرابع في الكسب والحرفة
الكسب (تعتريه الأحكام الأربعة)، منه:
-فرض، وهو: قدْر الكفاية، لنفسه، وعياله، وقضاء ديونه، لأنه لا يتمكن من أداء العبادات إلا بقوة بدنه، وقوةُ بدنه بالقوت عادةً، وخِلقة، وتحصيلُ القوت بالكسب، وما يحتاج إليه لإقامة الفرض فرضٌ.
الجزء 1 · صفحة 70
-ومستحب، وهو: الزائد على قدر الكفاية، ليواسي به فقيراً، أو يصلَ به قريباً، فإنه أفضل من التخلي لنفل العبادة، لأن النفع المتعديَ أفضل من القاصر.
-ومباح، وهو: الزيادة للتجمّل، والتنعم.
-وحرام، وهو: الجمع للتفاخر، والبَطر، وإن كان من حِلٍّ(1).
-------------------
(1) م - 507 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في الاعتدال بالإنفاق:.
مطلب في الاعتدال بالإنفاق:
وحلَّ السّؤال عند العجز، ويُنْفق على نفسه، وعياله، بلا إسراف ولا تقتير، ولا يتكلف لتحصيل جميع شهواتهم، ولا يمنعهم جميعَها، بل يكون وسطاً، قال اللَّه تعالى {والَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا، لَمْ يُسْرِفوا، ولَمْ يَقْتُروا، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}(1). ومن قدَر على الكسب لزمه، وإن عجز عنه، لزمه السؤال، لأنه نوع اكتساب، لكن لا يحل إلاّ عند العجز، فإن تركه، حتى مات من جوعه أثن، لنه ألقى نفسه إلى التهلكة. وإن عجز عن السؤال، يفرض على مَنْ علم به، أن يُطعمه، أو يدل عليه مَن يطعمه، ويكره إعطاء سؤّالِ المسجد، وقيل: إن كان السائل لا يتخطّى رقابَ الناس، ولا يمّر بين يدي مصلٍ، (ف) يكره إعطاؤه(2).
-------------------
(1) (الفرقان: 67).
(2) م - 2 - 508 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في أفضل الكسب:.
مطلب في أفضل الكسب:
وأفضل الكسب: الجهاد، لأن فيه الجمعَ بين حصول الكسب، وإعزازِ الدين، ثم التجارة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حَثّ عليها فقال "التاجر الصدوق مع الكرام البررة"، ثم الحراثة، وأول من فعله (سيدنا) آدمُ عليه السلام، ثم الصناعة، لأنه عليه الصلاة والسلام حَرَّض عليها، فقال "الحرفة أمانٌ من الفقر".
الجزء 1 · صفحة 71
لكن في الخلاصة(1) ثم المذهب عند جمهور العلماء والفقهاء، أن جميع أنواع الكسب - في الإباحة على السواء - ، هو الصحيح(2).
-------------------
(1) خلاصة الفتاوى، لافتخار الدين، طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد الحسين، البخاري، المتوفى سنة (542 ه - 1147 م). قال: إنه جمع في فنّ الواقعات كتابين، أحدهما: خزانة الواقعات، والثاني: كتاب النصاب. فسأله بعض أحبابه كتاباً مختصراً، يضبط الواقعات، ويتيسر به حفظها، فكتب هذا الكتاب، جامعاً للروايات، مع بيان مواضع المسائل، وكتب فهرست الفصول، والأبواب، عند رأس كل كتاب، ليكون عوناً لمن ابتلي بالفتوى. فهرس مخطوطات الفقه الحنفي.
(2) م 2 - 508 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في فوائد الكسب:.
مطلب في فوائد الكسب:
طلب الكفاف، من الحلال الطيب - تَعَفُّفاً لا تكثراً - فرض، بعد الفرائض، وطلبُ ذلك - بالكسب المشروع - سنَّةُ الأنبياء عليهم السلام، والسلفِ الصالحين، وأيضاً: في الكسب فوائدُ كثيرة منها: الزيادة على رأس المال، ومنها: اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللَّهو، ومنها: كسر النفس، وصيرورتها قليلةَ الطغيان، ومنها: أن الكسب واسطة الأمان من الفقر.
ولكن ما يجب أن يعتقد: أن الكسب غيرُ مؤثر في الرزق، فإن اللَّه هو الرزاق، كما أن الشّبِع لا يحصل بالطعام، بل بخلق اللَّه تعالى، وفي الحديث "مَنْ بات تَعِبَاً من كسب الحلال، وجبت له الجنة، وبات واللَّه راض عنه"، وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يحترفون، ويكتسبون.
وينوي بالاكتساب التعففَ عن السؤال، والاستغناءَ عن الخلق، والسعي على العيال.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب فيما يلزم المكتسب فعله:.
مطلب فيما يلزم المكتسب فعله:
الجزء 1 · صفحة 72
والمباكرة في طلب الرزق سنةٌ، فإن في الغدوِ بركةً ونجاحاً، لكن لا يكون أولَ الناس دخولاً إلى السوق، وآخرَهم خروجاً منها.
ويكون جسوراً في التجارة، فإذا رزق في شيء فيلزمه، وإن اتّجر في شيء، ثلاثَ مرات، فلم يُرزق منه، فليتركه، ولا يذم ما يشتري، ولا يمدح ما يبيع، ولا يكتم شيئاً من عيوب المبيع، ولا يغشّ مسلماً، ولا يغبنه في بيع، ولا شراء، ولا ينجش عليه، فينزعَ اللَّه بركة رزقه، والنجش: هو أن يتقدمَ إلى البائع، بين يدي المشتري، ويطلب السلعة بزيادة، وهو لا يريدها، وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها، فهذا إن لم يجرّ مواطأة مع البائع، فهو فعل حرام، والبيع منعقد. وإن جَرَّ مواطأة، ففي ثبوت الخيار خلافٌ.
ولا يستامُ على سوم أخيه، والسوم: هو إذا تراضيا - يعني البائعَ، والمشتري - وقَرُب الانعقاد بينهما، فجاء آخر يريد شراءها، بزيادة على الثمن المقرر بينهما، وهذا الفعل مكروه، والبيع صحيح.
ويقيل البيع(1) إن استقاله، ولا يماطل بالثمن مع الغِنى، ويقبل الحوالة بالمال، ويؤجل غريمه إلى أجل، ولا يأخذه على عُسرته، ولا يروّج سلعته بالحلف، لا صادقاً، ولا كاذباً، إذ الدنيا أخسُّ من أن يقصِد ترويجها بذكر اللَّه تعالى، من غير ضرورة.
ويكره أن يصلي على النبي صلى اللَّه عليه وسلم في عَرْض السلعة، ولا يبيع في السوق، إلا مَنْ تفقه في العلم، فإن السوق موضعُ الغفلة عن ذكر اللَّه تعالى، وعن الصلاة، بفرط الاشتغال بالمعاملات، وجريانِ الهذيان، والفحشِ في الكلام، فمن لم يتفقه في العلم، قلّما يَخْلُص في مبايعاته عن هذه الأمور.
ويعجّل أجرة الأجير قبل أن يجف عرقه، ويحسن قضاء الدين، فيقضي أحسنَ مما عليه.
الجزء 1 · صفحة 73
ومن الإحسان فيه: أن يمشي إلى صاحب الحق، ولا يكلفَه أن يمشي إليه، ويَزِن، ويُرجح ما كان عليه من الموزون، ويستدين عند الحاجة على نية القضاء، ويُدين المحتاج، لأنه من حقوق الدِّيْن، ويتجاوز عن المعسر، او يضع له، ولا يستكثر من الدِّين، فإنه يوجب الضجرة. ويتوقى في التجارة الرّبا، أو ما يشبهه: من قرضٍ يجرُّ نفعاً، ولا يُقرض شيئاً على شرط المنفعة، ولا يقبل شيئاً من مستقرضه وإن قلَّ، ولا يشتري شيئاً من ظالم، أو سارق، أو غالٍّ(2).
-------------------
(1) الإقالة: مصدر أقاله، وهي: لغة - الرفع، وشرعاً: رفع العقد، وهي جائزة، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "من أقال نادماً بيعته، أقال اللَّه عثرته يوم القيامة"، وهي مندوبة للحديث. وتجب في عقد مكروه، وفاسد، وفيما إذا غرّه البائع يسيراً. اختيار.
(2) الغالّ الخائن، وغل غلولاً: خان. أو أنه خاص بالخيانة في الغنائم، بأن يأخذ منها قبل القسمة سرقة. قاموس.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في الحِرَف المكروهة:.
مطلب في الحِرَف المكروهة:
كرّه النبي صلى اللَّه عليه وسلم لرجب أن يكون سياً، وهو الذي يبيع الأكفان، لأنه يوجب انتظار موتِ الناس، أو حناطاً، وهو الذي يبيع الحنطة، لما فيه من انتظار الغلاء، أو جزاراً وهو القصّاب، لما فيه من قساوة القلب، أو صائغاً، لما من تزيين الدنيا، أو نخاساً، وهو الذي يبيع الجواريَ، أو حجاماً، أو كناساً، أو دباغاً، وما في معناه، لما فيه من مخالطة النجاسة. وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشرَ صنائع: التجارة، والغرز(1)، والحمل، والخياطة، والحذو(2)، والوراقة، والقصارة، وعمل الخفاف، وعمل الحديد، وعمل المغازل.
الجزء 1 · صفحة 74
ومن أفضل المال: الحراثة إذا قام عليها الرجل بسنن الدين، وهو أن لا يشغله تعاهدُها، ويشح على دينه، وقد كان للصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم محارثُ من الفيء، يأكلون منها. ويكون صحيحَ التوكل على ربه، فيما يرزقه اللَّه من غرس يده، أو حراثته، فإن لم يصحَّ توكله، لم يسلم من الشرك الخفي، فإذا صحّ توكله، كان الحرث من أفضل المكاسب، لأنه معاش بني آدم، ويقول عند إلقاء البذر على الأرض: (إلهي أنا عبدك الضعيف، إلهي إليك سلَمت هذا، فبارك لي فيه) ويصلي على النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فإنه تعالى يحفظ هذا الزرعَ عن الآفات. وينوي بالغرس والحرث منفعةَ العامة، من الناس، والطيرِ، والدواب، ويتصدق بشيء من الرّيع على المساكين عند رفعها، ويتعاهد المزرعة، بالزبل، والبعر، ويتعاهد الأشجار بالتلقيح، وبما اعتاد الناس به من المباح الجائز. ولا يمنع فضلَ الماء عن جاره، فيُمنعَ عنه فضلُ اللَّه تعالى في الدارين.
-------------------
(1) الغرز: صنع الركائب من الجلد للفرس وغيرها. قاموس.
(2) الحذو: قطع النعل، وتقديرها. يقال: حذا الرجل نعلاً، ألبسه إياها. قاموس.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في اتخاذ الغنم والدّجاج:.
مطلب في اتخاذ الغنم والدّجاج:
ومن المكاسب الطيبة: اتخاذ الغنم للدّر، والنّسل، واتخاذ الدجاج للنّسل والنفع، والسَُنة فيه: أن يتخذ صنفاً مختلطاً من السُّود والبيض، ولا يتخذ إبلاً للنسل، لأنها على أخلاق الشيطان، فإنها تركب، وتحلب من جانبها الأشأم.
ومن سنة الراعي: أن يرعاها في الظَّلف(1)، وهو المكان الصلب كيلا يتبين أثرها، ولا يُرَمّض، أي لا يرعاها عند اشتداد الحر(2).
الجزء 1 · صفحة 75
ويكره الاستقصاء في حلب البهيمة، إذا كان ذلك يضرُّ بها، لقلة العلف، ويكره ترك الحلب أيضاً، لأنه يضر بالبهيمة، ويستحب أن يقص الحالبُ، أظفاره، لئلا يؤذيها، وأن لا يأخذ من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، ما دام لا يأكل غيره.
إذا كان له نحل، يستحب أن يبقى لها في كُوَارَتها شيئاً من العسل، وأن يكون ذلك في الشتاء أكثَر، لأنه يتعذر عليها الخروج في أيام الشتاء، وإن قام شيء لغذائها مقام العسل، لم يتعين عليه إبقاء العسل.
ومَنْ ملك بهيمة، لزمه علفها وسقيها، فإن امتنع من ذلك، لم يجبر عليه، ولا يجبر على بيعها، إلا أنه يؤمر به ديانة، ولو كانت الدابة بين شريكين، فامتنع أحدهما من الإنفاق عليها، أُجبر على ذلك. يكره تكليف الدابة مالا تطيقه من ثقيل الحمل، وإدامةِ السير، وغيره(3).
-------------------
(1) الظَّلف: الأرض الغليظة الحجرة. منجد.
(2) ش 223 - 238 -
(3) ج 2 - 176 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في يقال عند رؤية الأزهار:.
مطلب في يقال عند رؤية الأزهار:
ومن السنة: - أن يذكر النُّشور في الربيع - ، إذا نظر في زينة الأرض، وزخرفها، واهتزازها بعد همودها، ففيها عبرة ظاهرة، وآية شاهدة على قدرة الباري تعالى، على إحياء الموتى لليوم الموعود، ويقول عند رؤية الأزهار والرياحين: (سبحان مَنْ تعزّز بالقدرة والبقاء، وقهرَ العباد بالموت والفناء)(1).
-------------------
(1) ش - 239 - .
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب فيما يجوز بين المسلم، والحربي(1):.
مطلب فيما يجوز بين المسلم، والحربي(1):
الجزء 1 · صفحة 76
أخذُ مالِ الحربي - بطريق القمار - لا بأس به(2)، يعني إذا دخل المسلم دارَ الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم، بأي وجه كان، لأن أموالهم لا تصير معصومةً، بدخوله إليهم بأمان، ولكنه ضمن، بعقد الأمان، أن لا يخونَهم، فعليه التحرز عن الخيانة، وبأي سبب طَيّب أنفسهم، حين أخذ المال، فإنما أخذ المباح، على وجهٍ متَعرٍّ عَن الغدر، فيكون ذلك طيباً له، الأسيرُ والمستأمَن في ذلك على سواء، حتى لو باعهم درهماً بدرهمين، أو باعهم ميتة بدراهم، او أخذ منهم مالاً بطريق القمار، فذلك كلَُه طيَبٌ له، وبه يُعلم انه يجوز بين المسلم والحربي مالا يجوز بين المسلمين.
-------------------
(1) قسّم جمهور فقهاء المسلمين الدنيا إلى دارين: - دار إسلام، ودار حرب. فدار الإسلام: هي كل ما دخل من البلاد في محيط سلطان الإسلام، ونفذت فيها أحكامه، وأقيمت شعائره. ودار الحرب: هي الدار التي لا تطبق فيها أحكام الإسلام الدينية، والسياسية، لوجودها خارج نطاق السيادة الإسلامية. والساكنون فيها هم الحربيون. اهـ آثار الحرب.
(2) والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا ربا بين المسلم، والحربي، في دار الحرب". وهو حديث مرسل، مروي عن مكحول، وهو ثقة، مقبول الإرسال، ولأن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه، قبل الهجرة، لما نزل قوله تعالى: {غلبت الروم...} الروم 2 - قالت له قريش: ترون أن الروم تغلب؟ قال: نعم. فقالوا: هل لك أن تخاطرنا، أي تراهننا، فخاطرهم، وأخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال له: اذهب إليهم، فزد في الخطر، ففعل، وغلبت الروم فارساً، فأخذ أبو بكر خطره، فأجازه عليه الصلاة والسلام - وهو القمار - وكانت مكة يومئذ دار شرك. اهـ فتح وس - 215 - ع 4 - 188.
الجزء 1 · صفحة 77
وقال في در المختار، تعليقاً على قول صاحب الدر: ولا ربا بين حربي، ومسلم مستأمن، ولو (كان الربا بسبب) عقد فاسد (من غير الأموال الربوية، كبيع بشرط) - أو قمار، ثمة (أي في دار الحرب، لأنه لو دخل الحربي دارنا بأمان، فباع منه مسلم درهماً بدرهمين، لا يجوز اتفاقاً) - لأن ماله ثمة مباح - قال: قال في فتح القدير: لا يخفى أن هذا التعليل (أي تعليل صاحب الدر بقوله في جواز الربا: لأن ماله مباح) إنما يقتضي حِلّ مباشرة العقد، إذا كانت الزيادة ينالها المسلم، والربا أعم من ذلك، إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان - أي في بيع درهم بدرهمين - من جهة المسلم، ومن جهة الكافر. وجواب المسألة بالحل، عام في الوجهين. وكذا القمار، قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر (المراهنة) للكافر، بأن يكون الغلب له. فالظاهر أن الإباحة (مقيّدة) بقيد نيل المسلم الزيادة، وقد ألزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حِلّ الربا، والقمار، ما إذا حصلت الزيادة للمسلم، نظراً إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه، واللَّه، سبحانه، أعلم بالصواب اهـ كلام الفتح.
قال ابن عابدين - في التعقيب على كلام الفتح - : ويدل على ذلك ما في السير الكبير، وشرحه، حيث قال: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم، بطيب أنفسهم، بأي وجه كان، لأنه إنما أخذ المباح، على وجهٍ عري عن العذر، فيكون ذلك طيباً له. والأسير، والمستأمن سواء، حتى لو باعهم درهماً بدرهمين، أو باعهم ميتة بدراهم، أو أخذ مالاً منهم، بطريق القمار، فذلك كله طيب له اهـ ملخصاً، فانظر كيف جعل موضوع المسألة الأخذ من أموالهم برضاهم، فعلم أم المراد من الربا، والقمار، في كلامهم، ما كان على هذا الوجه، وإن كان اللفظ عاماً، لأن الحكم يدور مع علته غالباً. اهـ كلام ابن عابدين، اهـ مح - .
قلت: ويتلخص مما سبق أنّ الجواز أخذ المسلم مال الحربي، في دار الحرب شروطاً، لا يحلُّ بدونها وهي:
الجزء 1 · صفحة 78
أن يكون المسلم في دار الحرب، مستأمناً، أو أسيراً، بدليل قوله: دخل المسلم دار الحرب بأمان.
أن تكون الدار دار الحرب، لا دار الإسلام، فلا يصح أبداً ذلك في دار الإسلام.
أن يكون أخذ المسلم المال من الحربي في داره، بطيب نفس الأخير، بعيداً عن أي وجه من وجوه الغدر، والخيانة، والظلم، وما إلى ذلك...
أن يتحقق المسلم حصول الزيادة له من المراباة، والقمار، وغير ذلك من وجوه التعامل عند الحربيين، بدليل أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، لم يجز أبا بكر رضي اللَّه عنه، هذا الرهان، إلا استناداً على تحقق ربح أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه، المبني على إخبار الحق سبحانه في صريح كتابه بأن الروم ستَغْلِب بعد أن غُلِبت، وخبر الحق سبحانه، الوارد على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، واقع لا محالة، وهذا ما نص عليه في الفتح، والسير الكبير، كما رأينا.
وبناء على ذلك نقول: إن المقيمين اليوم من المسلمين، في بلاد الحرب (وفقاً للتعريف السابق لبلاد الحرب) لا يحلُّ لهم التعامل مع الحربيين، بأي شكل من الأشكال السابقة، إلا إذا تحقق الشرط الرابع. والملاحظ أن تحققه متعذر، لأن أموالنا، وإن حصل لنا منها زيادة، لكنها في الحقيقة، قوة نقوي بها أعداءنا، بحيث يرجح نفعهم منها، على نفعنا منها. هذا ما ظهر لي، قليحرر، واللَّه تعالى أعلم.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب إذا اشترى شيئاً بدرهم حرام:.
مطلب إذا اشترى شيئاً بدرهم حرام:
الدرهم الحرامُ، إذا اشترى به شيئاً، وعيّنَه للبائع، بأن قال: بعني بهذا الدرهم الرغيفَ، ودفعه إليه، يحرم أكلُ هذا الرغيف. وأمّا إذا اشترى رغيفاً بدرهم، واستلمه، ثم سلّمه الدرهم، فلا يحرم أكلُه(1).
-------------------
الجزء 1 · صفحة 79
(1) لأن الثمن إذا كان حراماً، ولم يُعَيِّنْه، بالإشارة إليه، في وقت الشراء به، وقع الشراء، بثمنٍ موصوف بالذمة، ثم إذا دفع بعد تمام البيع، من الدراهم المغصوبة، حلّ الأكل منه، فيما كان يفتي به الإمام أبو الليث، كما ذكره في شرح الدرر، من كتاب الغصب، واقتصر عليه في متن التنوير. اهـ شط. وانظر - ه - 182 - ، وصفحة - 105 - من هذا الكتاب في ترجمة أبي الليث.
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب فيمن ورث مالاً حراماً:.
مطلب فيمن ورث مالاً حراماً:
ورث مالاً (حراماً): لأن علم أربابَ الموال، وجب ردُّه عليهم، وإلاّ يعلْمهم - فإن علم عينَ الحرام، لا يحل له، ويتصدق به، بنية صاحبه - وإن كان مالاً مختلطاً، مجتمعاً من الحرام، ولا يعلم أربابَه، ولا شيئاً منه بعينه، حلّ حكماً، والأحسنُ - ديانةً - التنزهُ عنه(1).
-------------------
(1) ه - 184 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في الصَّرْف(1):.
مطلب في الصَّرْف(1):
ويشترط في الصّرف: التقابضُ قبل الافتراق، والتساوي إن اتحد الجنس، وإن كان أجودَ من الآخر(2). أما لو اختلف الجنس - كفضة بذهب - فلا يشترط التماثلُ، بل التقابض فقط، قبل الافتراق بالأبدان.
ولا يتصرفُ في بدل الصرف قبل قبضه(3)، والدراهمُ، والدنانير إذا صرفت بجنسها، لا يجوز - إلاّ وزناً، ولو تعورف قبضها عدداً - إلا عند أبي يوسف رحمه اللَّه تعالى(4)، إذا تعورف كذلك، وهو الأرفق بالناس.
وما غلب فِضّتُه فضةٌ، وما غلب ذهبه ذهبٌ، وأما ما كان الغالب الغشَّ منهما، فهو في حكم الْعُروض، فيصح بيعه بالخالص، إن كان الخالص أكثرَ مما في المغشوش، وبجنسه متفاضلاً، وزناً، وعدداً، بشرط التقابض في المجلس.
واعلم بأن البيوع الفاسدة بمعنى الربا(5).
-------------------
الجزء 1 · صفحة 80
(1) الصرف: - لغة - : الدفع، والرّد، ومنه: الدعاء، اصرف عنا كيد الكائدين. - وشرعاً - : بيع الأثمان، بعضها ببعض. سمي به لوجوب دفع ما في كل واحد من المتعاقدين إلى صاحبه، في المجلس. اختيار.
(2) لقوله عليه الصلاة والسلام: "الذهبَ بالذهب، مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا"، ولقول عمر، رضي اللَّه عنه: وإن استنظرك إلى وراء السارية، فلا تنظره، وقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "جيدها ورديئها سواء"، لأن علة الربا - عند الحنفية - القدر، وهو الكيل، أو الوزن، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم، في آخر حديث الربا: "وكذا كل ما يكال، ويوزن". فإن اجتمع القدر، والجنس، حرم الفضل، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "إذا اختلف النوعان، فبيعوا كيف شئتم" اه. اختيار.
(3) لأنه يفوت القبض المستحق بالعقد. اختيار.
(4) مرت ترجمته في صفحة - 8 - .
(5) البيع الفاسد: ما كان مشروعاً بأصله، لا بوصفه. ومعنى مشروعية أصله: كونه مالاً متقوّماً، لا جوازه، وصحته، لأن فساده يمنع صحته. وأطلقوا المشروعية عليه، نظراً إلى أنه لو خلا عن وصفه غير المشروع، لكان مشروعاً، وذلك مثل بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، الذي لا يرجع بعد إرساله من يده، قبل صيدهما، واللحم في الشاة، قبل ذبحهما. اه. اختيار. ه - 184 -
-------------------
*** : ***
[متن الكتاب].
الباب الرابع في الكسب والحرفة.
مطلب في السَّفَاتِج:.
مطلب في السَّفَاتِج:
وتكره السُّفتجة(1)، وهي: إقراض لسقوط خطر الطريق، وصورته: أن يقرض مالاً، إذا خاف عليه الفواتَ، لردّه عليه في موضع الأمن.
وفي الفتاوى الصغرى(2): السُّفْتج إذا كان مشروطاً في القرض، فهو حرام، والقرضُ بهذا الشرط فاسد، وإن لم يكن مشروطاً جاز.