الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وعلى جميع رسل الله وأنبيائه وعلى جميع ملائكته وأصفيائه، وعلى جميع أهل طاعته أجمعين حمدا يقربنا إلى مرضات الله تعالى وكرامته[ وصلاة ](1) تبلغنا إلى محبة الرسول وشفاعته وبعد :
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني مصطفى بن زكريا بن [أيد](2) غمش القرماني [ سدده الله تعالى في القول والعمل وعصمه من الطغيان والزلل ](3) [-رحمه الله-](4) : لما رأيت مختصر مقدمة الصلاة المنسوب تأليفه إلى الشيخ الإمام قطب المجتهدين، ختم المجتهدين، [نصر](5) بن محمد الفقيه أبي الليث السمرقندي تغمده الله [بالرحمة والرضوان](6) ، وأسكنه [أعلى](7) منازل [الجنان](8)، قد اشتهر فيما بين الأنام [مكانه](9) وشملتهم فوائده وكشف عن وجوه طلاب العلم المبتدئين قناع الجهل،[ فزايده](10) ، أردت أن أكتب له شرحا يحل مشكلاته ويفصل مجملاته إجابة [للظالمين](11) وتيسيرا على الراغبين، معترفا بقلة البضاعة ،وعدم التقديم في الصناعة، فالمأمول ممن وقف عليه أن يعذرني أن عثر على زلل، ويصلح ما وجد فيه من [خلل](12) ، فسميته التوضيح وسألت الله أن ينفع به كما نفع بأصله والله المستعان وعليه التكلان .
قوله : بسم الله الرحمن الرحيم .
جرت[ سنة](13) السلف والخلف بذكر التسمية والحمد له في [أوائل](14) تصانيفهم اقتداء بكتاب الله تعالى، فإنه معنون بهما وعملا بقوله عليه[ الصلاة](15) والسلام : ( كل أمر ذي بال لم يبدءا فيه ببسم الله فهو أبتر ).
(1) - في ب : وصلوةً .
(2) - في ب : بن ايدو.
(3) - ساقطة من أ .
(4) - ساقطة من ب .
(5) - في ب : نصير .
(6) - في ب : برحمته ورضوانه .
(7) - في ب : أعلا .
(8) - في ب : جنانه .
(9) - في ب : بركاته .
(10) - في ب : فوائده .
(11) - في ب : للطالبين .
(12) - في ب : الخلل .
(13) - في ب : سلة .
(14) - في ب : أول .
(15) - ساقطة من ب .
الجزء 1 · صفحة 2
وقوله عليه [الصلاة والسلام](1) :
( كل أمر ذي بال لم يبدءا فيه بالحمد لله فهو أقطع ).
قال المصنف -رحمه الله في تفسيره -:كان النبي [- عليه السلام - ](2) يكتب بسمك اللهم ، فلما نزلت في سورة هود { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } (3) ،كتب بسم الله ،فلما نزلت في سورة بني إسرائيل : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } (4) كتب بسم الله الرحمن .
فلما نزلت في سورة النمل: { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } (5) كتب بسم الله الرحمن الرحيم.
[ فأما](6) قوله بسم الله : [تقديره إبتدآى](7) في هذا [التأليف](8) بسم الله ، أي كائن بسم الله .
وهذا عند البصريين .
وقال الكوفيون : تقديره بدأت أو [أبداء](9) فيه بسم الله كما أن المسافر إذا أرتحل يقول بسم الله[ كان المعنى](10) ارتحالي أو أرتحل ، [وكذا](11) الذابح والآكل وكل يبدءا [فعل](12) بسم الله كان مضمرا ماجعل التسمية مبداء له وأصله باسم الله بالألف ، ولكن حذف الألف من الخط لكثرة الإستعمال ،وإنما طولت الباء ليكون افتتاح كتاب الله بحرف معظم، وكان[ عمر بن عبد العزيز](13) - رحمه الله- يقول لكتابه طولوا الباء، وأظهروا السين، وفرجوا بينهما ودوروا الميم تعظيما لكتاب الله [عز وجل](14) كذا في معالم التنزيل .
وقال بعضهم معنى قوله بسم الله يعني : بدأت بعون الله وتوفيقه وبركاته ، فإن قلت كيف أضيف الاسم إلى الله والله هو الاسم لأن الاسم والمسمى شيء واحد عند أهل السنة والجماعة .
(1) - في ب : - عليه السلام - .
(2) - في ب : صلى الله عليه وسلم .
(3) - سورة هود آية 41 .
(4) - سورة الإسراء آية 110.
(5) - سورة النمل آية 30.
(6) - في ب : وأما .
(7) - يعني ابتدا .
(8) - في ب : الكتاب .
(9) - في ب : ابتدا .
(10) - ساقطة من أ.
(11) - فب ي كذلك .
(12) - في ب : فعله .
(13) - في ب : عمرو بن العزيز .
(14) - في ب : تعالى .
الجزء 1 · صفحة 3
قلت : قيل الاسم هنا بمعنى التسمية وهي التلفظ بالاسم فيكون تقديره بذكر الله [أبتدئ](1) .
وقيل أنه زيادة، كما في قول القائل داعٍ يناديه باسم [الماءِ، أي يناديه بالماءِ](2) فيكون تقديره حينئذٍ بالله[ أبتدئ](3) .
قوله: الله.
هو أسم تفرد به الباري سبحانه، لا شركة فيه لأحدٍ، قال الله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } (4) أي هل تعلم أحداً [سمي](5) بهذا الاسم غيره ، ثم هو أسم [موضوع](6) للمعبود بالحق ليس له اشتقاق ، وهو أجلُ من أن يذكر له الاشتقاق ، وهو اختيار أبي حنيفة والخليل رحمهما الله .
قوله: الرحمن الرحيم.
هما صفتان مشتقان من الرحمة، واختلفوا فيهما هل هما بمعنى واحدٍ أو بينهما فرق، [ فقيل هما بمعنى واحد، مثل ندمان ونديم، ومعناهما ذوا الرحمة، ذكر أحدهما بعد الأخر تطميعاً لقلوب الراغبين، قال المبرد: هو إنعام بعد إنعام، وتفضلٌ بعد تفضل] (7) .
وقيل بينهما فرق فالرحمن بمعنى العموم فإن معناه العاطف على جميع خلقه بالرزق لهم في الدنيا لايزيد في رزق التقي لأجل تقاه ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره ، والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة.
والعفو في الآخرة مختص بالمؤمنين [ولذا](8) قيل في [الدعاء](9) يارحمن الدنيا ،و رحيم الآخرة كذا في معالم التنزيل .
(1) - في ب : ابتدأ .
(2) - في ب : الما أي يناديه بلما .
(3) - في ب : ابتدا .
(4) - سورة مريم آية 65.
(5) - في ب : يسمى .
(6) - ساقطة من أ .
(7) - ساقطة من أ.
(8) - في ب : وكذا .
(9) - في ب : الدعا .
الجزء 1 · صفحة 4
وقال في الكشاف : وفي الرحمن[من](1) مبالغة ما ليس في الرحيم ، وكذلك قالوا رحمن الدنيا والأخر، ورحيم الدنيا ،فعلى ماذكر في الكشاف يكون عموم الرحمن فيه باعتبار عدم اختصاصه [بأحد](2) الدارين من الدنيا والآخرة ، وخصوص الرحيم باعتبار اختصاصه بالدنيا ، بخلاف ماذكر في معالم التنزيل ، فإن عموم الرحمن فيه يكون باعتبار عدم اختصاصه ببعض المخلوقين دون بعض ، وخصوص الرحيم باعتبار اختصاصه ببعض المخلوقين وهم المؤمنون خاصة ، ولا يجوز أن يقال لغير الله [الرحمن](3) ، وأما قولهم في مسيلمة رحمان اليمامة ،وقولهم فيه وأنت غيث الورى لا زلت رحماناً ، فمن باب تعنتهم بكفرهم .
قوله الحمد لله :
الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل ، وقيد الجميل احتراز عن القبيح ، وقيد التفضيل[جهة](4) احتراز عن الاستهزاء ، واللام فيه [للاستغراق الجنسي](5) ، أي جميع المحامد لله تعالى.
وعند صاحب الكشاف : هو لتعريف الجنس أي ما يعرفه كل واحدٍ من أن معنى الحمد ماهو ثابت لله تعالى، وقيل يجوز أن يكون إشارة إلى الحمد المذكور في الفاتحة ، على [ما](6) معنى أن ما أراد الله تعالى من الحمد في الفاتحة هو لله تعالى، وما قيل أن هذه المسألة بناً على مسألة خلق الأفعال فمزيف ، وإنما قال الحمد لله، ولم يقل الشكر لله أو المدح لله ، أو [المدح](7) للعالم ، أو للخالق[ لما](8) قلنا إنه لاقتداء كتاب الله وللعمل بالسنة ، ولأن لفظ الجلالة أسم للذات ، مستجمعُُ لجميع صفات الكمال ، فتكون إضافة الحمد إليه إضافة له إلى جميع أسمائه وصفاته ، ولا كذلك العالم والخالق ، فإنه لا تدل إلا على العلم والخلق .
قوله : رب العالمين.
(1) - ساقطة من أ .
(2) - في ب : بإحدى.
(3) - في ب : رحمن .
(4) - ساقطة من أ.
(5) - في ب : لاستغراق الجنس .
(6) - ساقطة من أ .
(7) - في ب : الحمد .
(8) - في ب : كما .
الجزء 1 · صفحة 5
الرب يستعمل بمعنى المالك ، يقال رب الدار ، ورب الدابة أي مالكهما ، ويستعمل بمعنى المربي والمصلح ،[ وقيل أصله ](1) رآبّ ، ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفاً، وإنما يقالُ [ربُ](2) الدارِ ونحوهِ مضافاً .
والعالمين جمعُ عالمٍ وهو أسم لذوي العلم من الملائكة والإنس والجن والشياطين، فيكون مشتقاً من العلمِ.
وقيل إنه اسم لكل ما سوى الله تعالى من [الموجود فيكون مشتقاً من العلامة](3) ، فإن قلت لم جُمِعَ قلت : ليشتمل كل جنس مما سُمى به كذا في الكشاف .
قوله والعاقبة للمتقين :
أي العاقبة المحمودة للذين يتقون عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه.
وقال قتادة : الجنة للمتقين وأصل الكلمة من الوقاية وهي الحفظ ، والتوقي هو التحفظ ، والاتقاء[هو](4) : الاحتفاظ أي الاحتراز ، ثم التقوى قسمان : أصل، وفرع فالأصل الإيمان وهو اتقاءً عن الكفر ، والفرعُ هو الإتقاء عن الذنوب بعد تمام الإيمان ، فبالأول تحصل النجاة من العذاب المؤبد ، وبالثاني النجاة من العذاب المؤقت .
قوله: ولا عدوان إلى على الظالمين.
أي ولا سبيل إلى على الظالمين ، ويدل عليه قوله تعالى حكايةً عن قول [موسى لشعيب عليهما السلام](5) : { أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ } (6) . أي فلا سبيل علىَّ.
وقال أهل المعاني : العدوانُ الظلم [فتكون](7) تسمية جزآءِ الظالمين ظُلماً على سبيل المشاكلةِ والمقابلةِ كما في قوله تعالى { :وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } (8) .
(1) - ساقطة من أ.
(2) - في ب : لرب .
(3) - في ب : الموجودات فيكون مشتقاً من العلم بفتح اللام بمعنى العلامة .
(4) - ساقطة من أ.
(5) - في ب : موسى - عليه السلام - لشعيب - عليه السلام - .
(6) - سورة القصص آية 28.
(7) - في ب : فيكون .
(8) - سورة الشورى آية 40.
الجزء 1 · صفحة 6
والظلمُ: وضع الشيء في غير موضعه، وإنما سمي الكافر ظالماً لأنهُ يضعُ العبادة في غير موضعها، فإن قيل ما المناسبة في ذكر قوله { :وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1) } .
{ فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } (2) .
عقيبَ الحمد للهِ رب العالمين، أليس أن تقديمه على الصلاة على الرسول مخل للواجب وهو اقتران ذكر الرسول بذكر الله في الخُطبة؟
قلت : المناسبة أنه أعنى قوله والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين ،بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين وأنه لا مؤاخذة عليهم ، فيكون ذكره تحريضاً على الاشتغال بكل سبب من أسباب التقوى ، والثناء على الله من جملة أسباب التقوى ، فكأن هذا في قوة قولهِ ، الحمد للهِ الذي جعل العاقبة ، أو على [جعلِ](3) العاقبة للمتقين ، ولا يؤاخذ إلا الظالمين [فحينئذٍ](4) يكون ذكره بيان السبب، كما في قوله الحمد لله على نوالهِ ، والحمد لله على ما أنعم ، والحمد لله على عظمة جلالهِ ، وأشباه ذلك فكان واقعاً في مَحَزِّهِ ، فلا يكون ذكره مخلاً لاقتران ذكر الرسول بذكر اللهِ ، كما في تلك الصور .
قوله: والصلاةُ.
إنما يُصلى على النبي- عليه السلام- بعد الثناءِ على الله تعالى عملاً بقوله تعالى:
{ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (5) .
أي لا أُذكر إلا وتذكر معي، وقد فسر الشيخُ المصنف رحمهُ الله الصلاة في الفصل الثاني بقوله:
ثم اعلم بأن الصلاة من الله تعالى الرحمة إلى أخرهِ ، فما يتيسر من البيان يأتيك ثمة إن شاء الله تعالى.
قوله: والسلام.
وهو السلامة من الآفات ، وسميت الجنة دار السلام لهذا ، وسُمِىَ الله به لتنزهِهِ عن النقائص والرذائل .
قوله : خير البرية .
(1) - سورة الأعراف آية 128.
(2) - سورة البقرة آية 193.
(3) - في ب : جعله .
(4) - في ب : فح .
(5) - سورة الشرح آية 4.
الجزء 1 · صفحة 7
أي سيد الخلق وأكرمهم . أما خيريته -صلى الله عليه وسلم-من [سائر](1) بني آدم فمما لايشك فيه مسلم ، قال عليه السلام : ( أنا سيد ولدِ آدمَ يومَ القيامة ولا فخر ) .
[و](2) قال عليه السلام : ( أنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ) والحديثان في المصابيح .
وأما خيريته عليه السلام من الملائكة فمسلمة أيضاً عند أهل السنة[والجماعة](3) خِلافاً للمعتزلة فإنهم يفضلون الملائكة على البشر مطلقاً .
واتفق أهل السنة والجماعة على أن خواص بني آدم، وهم الأنبياء والرسل- عليهم السلام- أفضل من جملة الملائكة ، واختلفوا في حق عوامهم ، قال بعضهم جملةُ البشرِ أفضل من جملة الملائكة .
والمذهب المرضى أن عوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. كذا في فتاوى قاضي خان .
قوله: مُحمدٍ.
عطفُ بيانٍ: يعني المراد من خير البرية هو محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أعلم أن كلامنا هنا يقع في ثلاثة مقامات الأول في معنى بيان محمدٍ ، والثاني في ب :يان من سماهُ به ، ومتى تسمى به ، والثالثةُ في ب :يان نسبه -صلى الله عليه وسلم- أما الأول فنقول أن معناه هو المحمود المشكور مرةً بعد أخرى ، كالمُكرمِ للذي أكرم مرةً بعد مرةٍ ، فهو المحمود في الدنيا بما نفع به الخلق من العلم والحكمةِ ، والمحمودُ في الآخرة بشفاعته عند ربه عليهِ أفضل الصلاة والسلام .
وأما الثاني فنقول : إنَّ آمنة أم النبي عليه السلام هي التي سمتهُ بهِ حين ولدتهُ بإشارة إلاهيةٍ ، قال عليه السلام : ( إن اسمي محمدً الذي [سماني به أهلي](4) ) .
(1) - ساقطة من أ .
(2) - ساقطة من ب .
(3) - ساقطة من أ .
(4) - في ب : الذي سمتني به أمي .
الجزء 1 · صفحة 8
وروى ثوبان مولى رسول الله أن آمنة لما حملت بالنبي[ عليه السلام ](1) أُتيت فقيل لها حملت بسيد هذهِ الأُمة فإذا وقع على الأرض فقولي أُعيذهُ بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمداً، فلما وضعته سمتهُ محمداً.
وأما الثالث [فنقول](2) : هو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب[ بن](3) هاشم بن [عبد](4) مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب[ ابن](5) لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة [بن خزيمة](6) بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وعدنان من أولاد إسماعيل ابن إبراهيم -صلوات الله عليهما- وهذا النسب متفق عليه إلى عدنان ، وأما ما بين عدنان إلى إسماعيل عليه السلام فقد اختلف أهل النسب في أسمائهم .
ثم اعلم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لهُ أسماءٌٌ أُخرُ غيرُ محمدٍ [وذلك](7) مثل أحمد ، والماحي، والحاشر، والمبشر، والنذير ومصطفى، وطهَ .
وجملة أسمائه -صلى الله عليه وسلم- ألف على ما ذكرهُ أبو بكر[ بن](8) العربيّ في شرحِ كتاب الترمذي ، فإنه قال فيهِ إن لله تعالى أَلفَ اسمٍ ،وللنبي [- صلى الله عليه وسلم - ](9) أيضاً ألفُ اسمٍ .
قوله: وآلِهِ.
أي أهلهُ واختلفوا فيه فقيل: آلهُ ذريتهُ وقيل: الأتقياءُ من المؤمنين، قال عليه السلام: ( آلي كُلُ [مؤمن ](10) تقي ) .
وقال فخر الإسلام [ رحمه الله](11) : آل الرسل من اتبعهم وآمن بهم ، ثم الأول وإن كان في الأصل هو الأهلُ إلا أنهُ قد خُص استعمالهُ بالأشراف ، فلا يقال آل الحايكِ ، وآل الحجام ، وإنما قيل آلُ فرعون لتصورهِ بصورة الأشراف .
(1) - في ب : - صلى الله عليه وسلم - .
(2) - في ب : فيقول .
(3) - في ب : ابن .
(4) - ساقطة من ب .
(5) - في ب : بن .
(6) - ساقطة من أ.
(7) - ساقطة من ب.
(8) - في ب : ابن .
(9) - ساقطة من أ.
(10) - في ب : مسلم .
(11) - ساقطة من أ.
الجزء 1 · صفحة 9
ثم الصلاة على غير الأنبياء جائزة على سبيل التبعِ ، وأما على سبيل الأصالةِ فمكروه ، والقياس جواز ذلك على كل مؤمن لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ } (1).
وقوله عليه السلام: ( اللهم صلي على آلِ أبي أوفى ).
إلا أن العلماء كرهوا إفراد غير الأنبياء بذلك ، لأن ذلك صار شعاراً للأنبياء ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض ، وقال عليه السلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يقف مواقف التهم ) .
وجملة القول فيه أن لفظ الصلاة في لسان السلف مخصوص بالأنبياء -عليهم السلام فلا يُفردُ به غيرهم ، فلا يقال أبو بكر أو علي صلى الله - عليه السلام -، وإن كان معناه صحيحاً ،كما أن قولنا- عز وجل- مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فلا يقال محمد -عز وجل- وإن كان عزيزاً جليلاً .
وأما السلام : فقيل هو بمعنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ، ولا يفرد به غيرُ الأنبياءِ ، فلا يقال عليٌ عليه السلام ، والأحياءُ والأموات فيه سواء ، غير أن الحاضر يخاطب به فيقالُ : السلام عليكم ، ويستحب الترضي للصحابة ، والترحم للتابعين ومن بعدهم من العلماءِ والعبادِ وسائر الأخيارِ .
وهل يجوز عكسُهُ ؟
فقال بعض العلماءِ لا يجوز بل الترضي مخصوص بالصحابة ، ويقال لغيرهم -رحمه الله- فقط .
وقال النووي : هذا غير صحيح ، بل الصحيحُ الذي عليه الجمهور استحبابهُ ، ودلائله أكثر من أن تحصى ، وأما إذا ذكر من اختلف في نبوته كذي القرنينِ ولقمانَ فقالَ [بعضهم](2) كلاماً يفهم منه أن يقال : صلى الله على الأنبياءِ وعليه وسلم .
وقال النووي: والذي أَراهُ أن هذا لا بأس به وأن الأرجح أن يقال رضي الله عنه، لأن هذا مرتبةُ غير الأنبياء ولم يثبت كونهما نبياً.
قوله : قال الفقيه أبو الليث [رحمةُ الله عليه إلى أخرهِ](3) .
(1) - سورة الأحزاب آية 43.
(2) - في ب : بعض العلماء .
(3) - في ب : رحمه الله .
الجزء 1 · صفحة 10
الفقيه عند الإطلاق ينصرف إلى الكاملِ منهُ كما هو الأصل في الإطلاقاتِ ، فالفقيه الكامل هو : العالم بعلم المشروع المتقنِ به بمعرفة النصوص بمعانيها ، وضبط الأُصول بفروعها ، ثم العامل بذلك ، فمن لم يجمع هذهِ الجملة بل اقتصر على بعضها كان فقيهاً من وجهٍ دون وجه.
[و](1) إليه أشار فخرُ الإسلامِ رحمهُ الله ، ثم إن كون الشيخ المصنف [رحمهُ الله](2) فقيهاً مسلم مشهودٌ بين العلماءِ ، حتى بين سائر المذاهب.
لقد رأيت[أن](3) بعض العلماء [رضي الله عنهم](4) من أكابر الشافعية وغيرهم ينقلون روايتهُ في كتبهم معتمدين على صحتها ، ويقولون : قال الفقيه أبو الليث[رحمه الله](5) كذا وكذا .
ثم الظاهر أن هذا اللفظ أعني قوله في المتن قال الفقيه أبو الليث تغيرٌ من تلاَمِذَةِ المصنفِ ومحبيهِ ، وليس هو بعبارتهِ،لأن تقواه [ تأبى](6) أن يسمي نفسهُ باسم يدل على غاية التعظيم ، وهو لفظ الفقيه على ما قلنا ، ثم إن مثل هذا التغير سنةٌ بين أهلِ العلمِ يعظمون أستاذهم ، ويكتبون [موضعَ](7) لفظهِ الذي يدل على التواضع ما يدل على تعظيمهِ ولا يبعدُ أن تكون عبارة الشيخ المصنف[رحمه الله](8) هكذا : قال العبدُ الضعيفُ أو الفقيرُ أو نحو ذلك .
قولهُ اعلم.
هو أمر وخطاب لكل من يفهم من غير تعين أحدٍ، [فكأنه قال: أَيها السامعُ اعلم](9) ، وإنما يذكر في ابتداءِ الكلام ليتنبه السامعُ له ويصغي إليه ويحضرُ قلبه ويقبلُ [ عليه ](10) بكليتهِ لئلا يضيعَ الكلامُ .
روي أنه عليه السلام قال[سبعة أيام](11) لمعاذٍ – - رضي الله عنهم - - : ( اسمع ما أقولُ لك ثم حدثهُ بعد ذلك )
(1) - ساقطة من أ .
(2) - ساقطة من ب .
(3) - ساقطة من أ.
(4) - ساقطة من أ.
(5) - ساقطة من أ.
(6) - في ب : يأبى .
(7) - في ب : مواضع .
(8) - ساقطة من أ .
(9) - ساقطة من ب.
(10) - ساقطة من أ.
(11) - ساقطة من أ.
الجزء 1 · صفحة 11
كذا ذكرهُ الشيخ علأُ الدين عبد العزيز رحمهُ اللهُ في [الكشف](1) .
قوله فريضة قائمة :
الفريضةُ والفرض بمعنىً واحدٍ وهو: القطع. والتقدير لغةً وفي [الشريعة](2) عبارة عن حكم مقدرٍ لايحتملُ زيادةً ولا نقصان[ثبت](3) بدليل قطعي لا شبهة فيه كالكتاب ، والسنة المتواترة إذا لم يلحقهما خصوص ، وكالإجماعِ إذا لم ينقل بطريق الآحاد ، وكالقياسِ المنصوص عليه على ما عرف في الأصول .
والقائمة: هي الدائمةِ، من قام على الشيء إذا داوم عليه.
قوله وشريعة ثابتة :
كالتفسير لقوله فريضة قائمة ، وشريعة هنا بمعنى مشروعةٍ ، كما أن فريضةً بمعنى مفروضةٍٍٍٍٍِِِ ، وإن كان كثيراً ما يطلقُ الشريعة ويراد بها هذا الدين المشتمل على الأحكام والأصول ، يعني أن الصلاةَ مفروضة مشروعة ثابتة غيرُ منسوخةٍ ، على كل مسلم عاقلٍ بالغٍ ، غيرِ حائضٍ ونفساء وهذا احتراز عما كان مشروعاً ثم أنتسخ، مثل الوصية للوالدينِ والأقربين ، والتوجهِ إلى [بيت المقدس ](4) وغير ذلك .
ثم اعلم [بأن](5) الأصل في فروعِ الإيمان الصلاة ، ولهذا لم [تخلُ](6) عنها شريعة من شرائع المرسلين ، ثم إنها وإن وجبت بقدرةٍ ممكنةٍ كما عرف في الأصول، لكن في شرعها نوعُ يسرٍ، من حيثُ أنها وجبت خمس مراتٍ في اليوم والليلة ، ولم تجب خمسين مرةً كما في الأممِ الماضية فإنها كانت خمسين على من كان قبلنا ، وكذا فُرضت علينا ليلة [في ] (7) ليلة المعراج ثم حُطت إلى خمسٍ تخفيفاً وثبت جزاءُ الخمسين تضعيفاً. كذا في التيسير [والكشف](8) .
قوله : عُرِفت فرضيتها بالكتابِ والسنة وإجماعِ الأُمة .
المراد من الكتاب القرآن .
(1) - في ب : الكشاف .
(2) - في ب : الشرع .
(3) - ساقطة من أ.
(4) - في ب : إلى بيت الله المقدس .
(5) - في ب : أن .
(6) - في ب : يخل .
(7) - ساقطة من أ .
(8) - في ب : الكشاف .
الجزء 1 · صفحة 12
والسنة في اللغة: هي طريقة مرضيه كانت أو غير مرضية ٍ ، وفي الشريعة هي طريق مسلوكة في الدين من غير افتراضٍ ولا وجوب وهي تتناول قول الرسول – - صلى الله عليه وسلم - - وفعله .
وهل يتناول إطلاقها سنة الصحابي ؟ فيها خلافً يعرفُ في الأصول.
اعلم أن المصنف رحمهُ الله قد فسر الفرض والسنة في آخر الكتاب بوجهٍ أخر على ما يأتيك ثَمَّ.
والإجماع في اللغة: هو العزم والقصد البليغُ ويجيء بمعنى الاتفاق أيضاً والأمةُ هي الجماعة في اللغة، وتطلق على أُمةِ المُتابِعةِ وهم المؤمنون، وعلى أمةِ الدعوة وهم الكفارُ، ولكنها إذا أطلقت يراد بها أُمة المتابعة دون أمة الدعوة. وإجماع الأمة في الاصطلاح:[ اتفاق](1) أراء علماء العصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكمٍ .كذا في الشامل .
قوله: أقيموا الصلاة.
أي عدلوا أركانها واحفظوها من أن يقع زيغٌ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العَود، إذا قومَهُ ،[ أو](2) معناهُ أديموها من أَقَامَ السوقَ، إذا أنفقها ، أو معناهُ أدوها ، عبر عن الأداءِ بالإقامة لأن القيام بعض أركانها. الكلُ مستفاد من الكشاف .
ثم[إن](3) الصلاة وإن ذكرت بلفظ الوحدانِ لكن المراد بها الصلوات الخمس ، كما أن الكتاب في قوله تعالى: { [وَأَنْزَلَ](4) مَعَهُمُ الْكِتَابَ } (5) .
بمعنى الكتب. كذا في ب :عض التفاسير .
فإن قلت : إذا كان لفظ أقيموا في الآية محتملاً للوجوهِ المذكورة ومتردداً فيها كيف تثبتُ به فرضية الصلاة ، فإن الفرض لا يثبت عند علمائنا إلا بدليل قطعي لا شبهة فيه ، ولا قطع مع الاحتمال[ الفرض ولئن سلمنا أنه يثبت مع الاحتمال](6) .
(1) - في ب : الاتفاق هو أراء .
(2) - في ب : أي .
(3) - ساقطة من أ .
(4) - في ب : وأنزلنا .
(5) - سورة البقرة آية 213.
(6) - ساقطة من أ .
الجزء 1 · صفحة 13
فكان ينبغي أن يكون تعديل الأركان أيضاً فرضاً، لكونه من محتمِلاتِ الآية على ما مر والإمام الأعظم [- - رضي الله عنهم - - ](1) لايقول به وكذا محمد ،فيلزمكَ أحد الأمرين وهو إما القول بعدم [الصحةِ](2) ِ الاستدلال بالآية ، أو القول بفرضية تعديل الأركان .
[فإن](3) قلت : لا تردد ولا احتمال في نفس دلالةِ الآية على نفس الصلاة ، وإنما [ترددُ](4) والاحتمال في كيفية دلالتها عليها ، وهذا لأنه على تقديرِ أن يكون معنى قولهُ : { أَقِيمُوا الصَّلاةَ (5) } أي عدلوا أركانها يكون أيضاً دالاً على نفس الصلاة ، لأن تعديل أركان الصلاة صفة لها ، والدال على صفةِ الشيءِ دالٌ على ذلك الشيء ، من غير عكس .وإن كان تقديرهُ أي أديموها أو أدوها فدلالته على المطلوب أوضح ، [ولا تكون] (6) له [دلالة حينئذٍ](7) على تعديلِ الأركان فتثبت بما قلنا أن دلالة الآية على نفس الصلاة قطعية، وعلى تعديل الأركان ظنية ، فقلنا بفرضية نفس الصلاة دون تعديل الأركان ، هذا ما وقع في خاطري بالإلهام الرباني من السؤالِ والجواب في هذا المقامِ وكفى بالله هادياً ونصيرا.
قوله : وأتوا الزكاة .
أي أعطوها، ثم إنه لا تعلق لذكر الزكاة هنا، بل المقصود إثبات فرضية الصلاة وإنما ذكر الزكاة مع الصلاة لأنهما كثيراً ما[يتقارنان](8) في الذكر في القرآن، كما في هذه الآية وغيرها من الآي، فصارتا كالأخوين التوأمين فلم يهن التفريق بينهما فذكرهما معاً .[ والله أعلم](9)
قوله : فالله سبحانه وتعالى .
(1) - ساقطة من ب .
(2) - في ب : صحة .
(3) - ساقطة من أ .
(4) - في ب : التردد .
(5) - سورة الأنعام آية 72 .
(6) - في فلا يكون .
(7) - ففي ب : ح دلالة .
(8) - في ب : يقترنان .
(9) - ساقطة من أ .
الجزء 1 · صفحة 14
أعلم إنه يجب على كل من سمع اسم الله تعالى أن يقول سبحان اللهِ، أو تبارك اللهُ أو - جل جلاله - أوعز اسمه أو جلت قدرته أو غير ذلك مما يدل على تعظيمه تأدباً مع الله تعالى لأن رعاية الأدب مع أهله واجبة قال -- عليه السلام - - : ( من حرمَ الأدب حرمَ الخير ) .
فالله سبحانه وتعالى أحق بأن يراعى معه الأدب سراً وعلانية قولاً وفعلاً ، واليه أشار النبي [–- عليه السلام - -](1) بقوله في ب :يان الإحسان : ( فإن لم تكن تراه فإن يراك ).
فلأجل هذا [ذكر](2) المصنف -رحمه الله- .
[لفظ](3) سبحانه وتعالى عند ذكر أسم الله تعالى ،ثم التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من صفات النقص ، وقوله سبحانهُ منصوبٌ بمضمر ٍأي أعتقد نزاهته وأبريه ُ من كل نقيصة براةً .
ومعنى تعالى[ أي](4) أرتفع والمراد منه التنزيه أيضاً يعني أنه منزه مرتفع عما لا يليق بحضرته - جل جلاله - .
قوله : والأمر من الله تعالى يدل على الوجوب .
أي الأمر المطلق المجرد عن القرينة الصارفةِ عن الوجوب ممن هو مفترض الطاعة ، للوجوب عندنا ،خلافاً للواقفية على ما عرف في الأصول، لا أن كل أمر من الله تعالى مطلقا كان أو مقيداً يكون للوجوب، فإنه لم يذهب إليه ذاهب ، لأن كثيراً من أوامر الله ليس للوجوب نحو قوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } (5).
وقوله تعالى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } (6) . وقوله [تعالى](7) : { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } (8) .
(1) - في ب : - صلى الله عليه وسلم - .
(2) - في ب : ذكره .
(3) - في ب : لفظه .
(4) - ساقطة من أ.
(5) - سورة الجمعة آية10.
(6) - سورة المائدة آية 2.
(7) - ساقطة من ب .
(8) - سورة النور آية 33.
الجزء 1 · صفحة 15
فإن الأمر في هذه المواضعِ ليس للوجوب، ثم الأمر فيما نحن فيه، أعني الأمر بالصلاة مطلق فيدل على الوجوب أي الثبوت، ِ على سبيل القطعِ واليقين، فكانت الصلاة فرضاً بهذا الأمر.
قوله : والصلاة الوسطى.
الوسطى : تأنيث الأوسطِ ،والأوسطُ من كل شيْ أعدلهُ وكذا [الوسطُ](1) .
قال الله تعالى: { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } (2) . أي خيرهم وأعدلهم . وقال جل ذكره : { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } (3) .
أي عدلاً .كذا في التفاسير .
[ ويقال أيضاً شيء وسط: أي بين الجيد والرديء ](4)
والأوسط أيضاً اسم لفردٍ تَقَدمَ عليه مثلُ ما تأخر عنه ، ثم إنه يجوز حمل الوسطى في الآية على كل واحدٍ من المعنيينِ.
قال في الكشاف : أي الوسطى بين الصلواتِ أو الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط . إلى هنا لفظه .
واختلف الصحابة - رضي الله عنهم – في الصلاة الوسطى.
فقال بعضهم : هي صلاة الفجر ، وإليه ذهب مالك والشافعي [- رضي الله عنهما –](5) وقال بعضهم هي صلاة الظهر ، وأكثرهم قالوا إنها صلاة العصر ، كذا في ب :عض التفاسير ، وهذا هو مذهب علمائنا [- رضي الله عنهم ](6) ، والذي يؤيد هذا المذهب قوله عليه السلام يوم الأحزاب : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر ملأَ الله بيوتهم ناراً ) ، وقال - - عليه السلام - - إنها الصلاة التي شُغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب . كذا في الكشاف .
وقال – - عليه السلام - - ( من ترك صلاة العصرِ فقد حبطَ عملهُ ) ، ولأن وقتها وقت [إشغال](7) الناس بتجارتهم ومعايشهم، فيخافُ فوتها مالا يخاف لساير [الصلاة](8) ، فكانت محل التأكيد بالذكر.
(1) - في ب : الأوسط .
(2) - سورة القلم آية 28.
(3) - سورة البقرة آية 143.
(4) - ساقطة من أ .
(5) - ساقطة من ب .
(6) - ساقطة من أ.
(7) - في ب : اشتغال .
(8) - في ب : الصلوات .
الجزء 1 · صفحة 16
وقال بعضهم : هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها ، أبهمها الله تعالى تحريضاً للعباد على أدإِ جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، واسمه الأعظم في الأسماء ليحافظوا على الجميع .
قوله : أَمَرَنَا بمحافظةِ خمسِ صلواتٍ .
وفي ب :عض النسخ بمحافظةِ الصلوات الخمس ، وكلاهما صحيح .
ثم وجه دلالة الآية الكريمة على كون الصلاةِ خمساً هو أن النص يقتضي عدداً له وسطى ، [وراءَ](1) الجمعِ للعطف المقتضي للمغايرة ، وأقله خمسٌ ضرورةً كذا قالوا .
قلت : هذا الاستدلال إنما يصح إذالم[ تُحمل](2) الوسطى بمعنى الفضلى وأن لا يبطل معنى الجمعيةِ من الصلوات بدخول الألف واللام ، [فأما](3) إذا كان بمعنى الفضلى كما هو رأي الأكثرين ، أو بطل معنى الجمعية بدخول الألف واللام ،كما هو المقرر من القاعدة فلا يصح هذا الاستدلال فافهم .
والأولى أن يقال ثبت كون الصلاةِ (4) الخمس مراداً من الآية بالإجماع ، وقد فسر أيضاً بذلك [ابن](5) عباس – رضي الله عنهما - . وقال ابن الأزرق لابن عباس – رضي الله عنهما -: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن: قال: نعم وقراء قوله تعالى: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ [تُصْبِحُون](6) } (7) .
الآية. وقال : جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها .
قوله : أي فرضًا مؤقتا .
يعني محدوداً بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها، لكن تلك الأوقات مجملةٌ بينها الرسول – - عليه السلام - - بقوله وفعله .
[قوله ](8) : وأما السنة .
فما روي عن عبد الله بن عمر ،وجرير ابن عبد الله البجلىِ – رضي الله عنهما -: ( بجيلة حي من اليمن والنسبةُ إليهم بجلي بالتحريك ) . كذا في الصحاح .
(1) - في ب : و واء .
(2) - في ب : يجعل .
(3) - في ب : فالما .
(4) - في ب : الصلواة
(5) - في ب : بن .
(6) - في ب : تظهرون
(7) - سورة الروم آية 17.
(8) - ساقطة من ب .
الجزء 1 · صفحة 17
وجرير ابن عبد الله البجلي منسوب إليهم ، وأصل أبي يوسف – - رضي الله عنهم - - أيضاً من هذه القبيلة ، فإنه هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد [بن يحيى بن معاوية البجلي وأُمُّ سعدٍ حبتَةٌ ، وكان سعد](1) بن حَبتَةَ ممن عُرِضَ على رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - - يوم أحد مع رافع بن خديج وابن عمر – رضي الله [عنهم](2) – وتوفي سعد [في الكوفة](3) وصلي(4) عليه زيد بن أرقم – - رضي الله عنهم - - .
قال أبو يوسف [رحمه الله](5) : أُتي (6) بجدي سعدٍ إلى النبي – - صلى الله عليه وسلم - - يوم الخندق فاستغفر له ،ومسح برأسهِ فتلك المسحة فينا إِلى الساعة. كذا في غاية البيان .
قوله : بني الإسلام على خمس .
أي على خمسِ خصالٍ والكلام علي(7) الإسلام يأتي إن شاء الله تعالى في أخر الكتاب عند قوله : فإن قيل ما الإيمان وما الإسلام .
ثم وجه دلالة هذا الحديث على فرضية الصلاة ظاهرٌ لأنه -- عليه السلام - - عد إقامتها من جملة أساسِ الإسلام وأركانه ،[ فكما](8) أن الإسلام فرض، فكذلك ما يكون ركناً له ، لأن تحصيل الشيء بدون أساسه وأصله محالٌ ، ثم إن هذا الحديث علي(9) تقدير أن لا يكون بين الإيمان والإسلام فرق يدل على كون العمل بالأركان داخلاً في الإيمان كما هو مذهب الشافعي[ – - رضي الله عنهم - -](10) والكلام فيه طويل لا يحتملُ هذا المختصر .
أما الكلام في الفرق بين الإيمان والإسلام فسيأتيك إن شاءَ اللهُ تعالى.
قوله[تعالى](11) : من استطاع إليه سبيلا .
[سبيلاً](12) أي من كان قادراً على طريق الحج، بأن قدر على الزاد والراحلة بِالمِلكِ، وله شروط وتفريعات تُعَرَفُ في موضعهِ .
قوله : في حجة الوداع .
(1) - ساقطة من ب .
(2) - في ب : عنه .
(3) - في ب : بالكوفة .
(4) - في ب : وصلى
(5) - ساقطة من أ .
(6) - في ب : أتى
(7) - في ب : على
(8) - في ب : كما .
(9) - في ب : على
(10) - في ب : رحمه الله .
(11) - ساقطة من أ.
(12) - ساقطة من أ.
الجزء 1 · صفحة 18
وهي الحجة التي حجها النبي – - صلى الله عليه وسلم - - في سنة عشرٍ من الهجرةِ، بعد ما مكث في المدينة تسعَ سنين من غير حج .
والوداع بالفتحِ اسم للتوديع عند الرحيل كذا في الصحاح . وإنما سمي هذا الحج بحجة الوداع لأنه – - عليه السلام - - ودع الناس فيها، وعلمهم في [خطبةٍ](1) فيها أمر دينهم ، وأوصاهم بتبليغِ الشرع إلى من غاب . [كذا](2) ذكره محيي الدين النووي في شرح صحيح مسلم . وكان من جملة ما قال في خطبتهِ [– - صلى الله عليه وسلم - -](3) ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب اللهِ [تعالى](4) ) .
وأنتم تُسألونَ عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد [أَن](5) قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بإصبعهِ السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُهَا إلى الناس : ( اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، ثلاث مرات وقُبض [ رسول الله](6) – - صلى الله عليه وسلم - - في تلك السنة وكان عمرةُ ثلاثاً وستين سنة على الصحيح .
قوله : صلوا خمسكم .
أي : خمس صلواتكم المعهودة .
قوله : طيبةً بها أنفسكم .
أي : بأداء [الصلاة](7) ،والصوم، والحج، والزكاة ، يعني إن فعلتم هذه الخصال في حال كون أنفسكم طيبةً، أي راضية مخلصةً بها غيرَ كارهةٍ فيها دخلتم جنة ربكم ، بسبب هذه الأعمال بفضل الله وكرمه .
وهذا احترازً عن أعمال المنافقين، والمرائين، فإن أعمالهم لا تكون سبباً لدخول الجنة لعدم الإخلاص.
ويجوز أن يكون الضمير في ب :ها راجعاً إلى الزكاة وحدها، ولكنه خلاف الظاهر لأنه [حينئذٍ](8) كان ينبغي أن يقول بهِ ، ليكون راجعاً إلى أداء الزكاة المفهوم من أدوا ، وعلى تقدير رجوعه إلى الزكاة وحدها يكون زيادة تأكيد ووصيةً بأدائها من بين ساير العبادات المذكورة .
(1) - في ب : خطبته .
(2) - ساقطة من ب .
(3) - ساقطة من ب .
(4) - ساقطة من ب .
(5) - في ب : أنك .
(6) - ساقطة من أ.
(7) - في ب : الصلوة .
(8) - ي ب ح .
الجزء 1 · صفحة 19
وحال البشر يقتضي ذلك لأن المال شقيق الروح ، وجبلت النفوس على حبه فصار بذلهُ سبباً لتطهير النفس عن دنس البخل وخساسة الضِنةِ ودنأة الشح ، الذي هو مذموم عند جميع الملةِ ، عند من تدين بدين أو لا يتدين به.
نحو الزنادقة فإن الزنديق تراهُ يكون عند من أحسن إليه ، فإن السخي يحبهُ كلُ برٍ وفاجر، ومؤمن وكافر ، وانظر إلى حاتم الطائي من العرب كيف[ تحبه](1) الطباع [وتنقاد](2) له الأتباعُ ، حتى أنهُ لا يذكر باللعنِ والإبعادِ وإن كان كافراً من ذوي العناد. وقيل أن أُم ذي القرنين دخلت على ابنها بعدما ملك الأرض بأقطارها فقالت :
يابني ملكت البلاد بالفرسان فَاملِكِ القلوب بالإحسان ، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
قوله : تدخلوا جنة ربكم .
جواب للأوامر السابقة ، يعني إن فعلتم هذه الأفعال دخلتم الجنة ، وهي في لسان الشرع اسم للدار التي أُعدت للمتقين في الآخرة .وعند العرب الجنة هي البستان المتكاثفُ المتظلل بالتفاف أغصانه ، وسميت دارُ الثواب جنةً لما فيها من الجنان [والبساتين](3) .
قوله : بلا حساب ولا عذاب .
معناه إذا اجتنبتم الكبائر ، كما ورد صريحاً[به](4) في ب :عض الأحاديث نحو قوله – - عليه السلام - - : ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتُ ما بينهن إذا [اجتنبت](5) الكبائر ) .
والحديث والقرآن يفسر بعضه بعضاً والأولى أن يحمل هذا وأمثاله على الحث والترغيب لا على التحقيق والتثبيت .
قوله : فقد هَدَمَ الدين .
(1) - في ب : يحبه .
(2) - في ب : وينقاد .
(3) - في ب : والبستان .
(4) - ساقطة من أ .
(5) - في ب : اجتنب .
الجزء 1 · صفحة 20
جعل النبي [- - عليه السلام - -](1) الصلاة عماد الدين ، فكما أن الخيمة لا تضرب إلى إلا بنصب عمادها أَولاً، فكذا الدين لا يقوم إلى بعماده وهو الصلاة ، ثم إن هذا الحديث يدل على أن من ترك الصلاة كَفَرَ بتركها وهو ليس من مذهبنا ، فلا بد من تأويله وهو أنه محمول على تركها جحوداً أو على الزجر والوعيد .
قوله : من غير نكير منكر ولا ردِ رآدٍ .
[أي](2) : من غير مخالفة أحد ممن [تعتبرُ](3) مخالفته ، والنكير بمعنى الإنكار .
قوله : وإجماع الأمة من أقوى الحجج .
أي : من أقوى الأدلة ، يعني أن درجات الحجج [متفاوتة في القوة](4) فبعضها أقوى من بعضٍ.
وإجماع الأمة من جملة أقواها ، بيانهُ أن دلائل الشرع أربعة الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، والثلاثة الأُوَلُ حجج موجبة للأحكام على سبيل القطع ،وظنيتها بعارضٍ بأن تكون الآية مؤولة وأن[ تنقل ](5) السنة أو الإجماع بطريق الآحاد.
والقياس حجة موجبة للأحكام أيضاً ، لكن مع ضرب شبهةٍ، وقطعيُتهُ بعارضٍ بأن [تكون](6) علته منصوصة ، وباقي الكلام يعرف بممارسة الأصول.
فصار معنى قوله وإجماع الأمة من أقوى الحجج :[ أي](7) أن إجماع الأمة من قبيل الكتاب والسنة لا من قبيل القياس ، فجاز إثبات الفرض به كما جاز بهما .
ثم إن هذا الكلام أعني قوله وإجماع الأمة من أقوى الحجج ،جواب عن سؤال مقدرٍ كأن قائلاً قال : أنت تثبت فرضية الصلاة بإجماع الأمة [فهل](8) للإجماع قوة تثبت بها فرضيه الصلاة ؟
فقال : نعم لأنها من أقوى الحجج .
(1) - في - صلى الله عليه وسلم - .
(2) - ساقطة من ب .
(3) - في ب : يعتبر .
(4) - في ب : في القوة متفاوتة .
(5) - في ب : ينقل .
(6) - في ب : يكون .
(7) - ساقطة من أ.
(8) - في ب : وهل .
الجزء 1 · صفحة 21
ثم استدل على كونه من أقوى الحجج بقوله – - عليه السلام - - : ( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) .ودلالة الحديث على ذلك ظاهرة ، ويؤيده قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } (1) . وقوله تعالى: { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } (2) .
أي خيراً وعدلاً وهذا لأن خيريتهم تدل على حقية ما اتفقوا عليه .
قوله : لا تجتمع أمتي على الضلالة .
أي على الباطل،وخلاف الاهتداء ، يعني إذا رأيتم أن أمتي قد اتفقوا على حكمٍ من الأحكام، فتفاقهم يدل على حقية ذلك الحكم ، عند الله تعالى لأن الله تعالى أكرمهم وعصمهم عن الاجتماع على الضلالة، فاعتَقِدوا حقية ذلك ، ولا تشكوا فيه ، [ثم إنهم](3) قد اتفقوا على فرضية الصلاة والزكاة إلى يومنا هذا فكانتا فرضين .
فصل
قوله : كالصوم .
وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية .
ثم المراد من الصوم هنا صوم رمضان أداءً وقضاءً، لا الصوم المنذور، ولا الصوم [التطوع](4) ، وهو ظاهر بالمقام فإن الكلام في الفرض وهما ليسا بفرضين، بل احدهما واجب والأخر[ نفل](5) . والدليل على فرضية صوم رمضان قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } (6) .
وعلى[ فَرَضِيةِ](7) انعقد الإجماع ،ولهذا يكفر جاحده، وله تفاصيل تعرف في كتاب الصوم.
قوله : والحج .
والدليل على فرضيته قوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (8) . وعليه انعقد الإجماع.
ثم إنه على من[ يجب](9) ؟ [وما ](10) شروطهُ ؟ وتفاصيلهُ تعرف في كتاب الحج .
قوله : والوضوء .
والدليل على فرضيته وبيان فرائضه وسننه وسائر تفاصيله يأتي من بعد .
(1) - سورة آل عمران آية 110.
(2) - سورة البقرة آية 143.
(3) - في ب : هذا لأنهم .
(4) - في ب : المتطوع .
(5) - في ب : نفلا .
(6) - سورة البقرة آية 183.
(7) - في ب : فرضيته .
(8) - سورة آل عمران آية 97.
(9) - في ب : تجب .
(10) - في ب : وأما .
الجزء 1 · صفحة 22
قوله : والاغتسال من الجنابة .
والاغتسال اسم لغسل جميع البدن .
والجنابة في اللغة : حالة تحصل عند خروج المني على وجهه الشهوة ، فيصير من قامت به جنباً ، يقال أجنبَ الرجلُ إذا قضى شهوته من المرأة، ثم الجنابة تحصل بشيئين أحدهما انفصال المني عن شهوةٍ ، والثاني الإيلاج في الآدمي بأن توارت الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ منه .
والدليل على فرضية الاغتسال من الجنابة قوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1) ، ثم الغسل أنما يجب على من كان أهلاً للخطاب بأن كان عاقلاً بالغاً ، [فلو جامَعَ غلامٌ](2) امرأته البالغة يجب الغسل على المرأة لا على الغلام، لانعدام الخطاب في حقه إلا أنه يؤمر بالغسل ليتعود ويتخلق ، كما يؤمر بالطهارة والصلاة .
ولوكان الرجلُ بالغاً والمرأة صغيرةً فالواجب على العكس.
والإيلاج في البهائم لا يوجب الغسل مالم يُنزِل ، وكذا في الميتة وكذا في الصغيرةِ التي لا يجامع مثلها عند محمدٍ .
ولو احتلم وانفصل المني عن موضعه إلا أنه لم يظهر على رأس [الإحليل](3) لا يلزمه الغسل .
وفي المرأة [المعتبر](4) الخروج من الفرج ، الداخلِ إلى الفرج الخارِج ، وقيل إذا وجدت المرأة لذة الإنزال كان عليها الغسل ، وإن انتبه [فرأى](5) على فخذه أو فراشه بللاً منياً أو مذياً يلزمه الغسل سواء تذكر الاحتلام أو لم يتذكر .
وعند أبي يوسف في المذي لايلزمه مالم يتذكر الاحتلام.
ثم العبرة عندهما لانفصال المني عن مكانه على وجه الشهوة [لا على وجه الشهوة](6) .
(1) - سورة المائدة آية (6)
(2) - في ب : ابن عشر سنين .
(3) - في ب : إحليله .
(4) - في ب : يعتبر .
(5) - في ب : ورأى .
(6) - ساقطة من ب .
الجزء 1 · صفحة 23
وعند أبي يوسف لظهورهِ [أيضاً ](1) ،[ عند أبي حنيفة ومحمد لا لا لظهوره أيضاً](2) وفائدة الخلاف تظهر فيمن استمتع بالكف، فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة أمسَكَ ذكره، حتى سكنت أو احتلم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته، فسال منه مني ، أو اغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المني يجب الغسل عندهما خلافاً له ، ولو بال فاغتسل نام فخرج منه لايجب إجماعاً ، وليس في المذي [ والودي](3) غسل .
وإذا استيقظ الرجل من منامه فوجد على طرف إحليله بلةً لا يدري أنها مني أو مذي ، إن كان ذكره قبل النوم[غير](4) منتشراً يجب الغسل وإلا فلا .
هذه المسألة يكثر وقوعها، والناس عنها غافلون فلا بد من حفظها .كذا قاله شمس الأئمة ، الحلوانى [– رحمه الله-](5) . والكافر إذا أجنب ثم اسلم يلزمه الغسل .
ولو حاضت الكافرة ثم طهرت من حيضها ثم أسلمت لا غسل عليها .كذا[ قاله](6) شمس الأئمة السرخسي .
وقال بعضهم لاغسل عليهما .
وهذه فصول أربعة الأول والثاني ما قلنا . والثالث الصبي إذا بلغ بالاحتلام، والرابع المرأة إذا بلغت بالحيض .
بعضهم قالوا :في المرأة يجب الغسل وفي الصبي لا يجب ،ولأحوط وجوب الغسل في الفصول كلها .كذا ذكره فخر الدين قاضي خان في [فتاويه](7) .
ثم اعلم أن فرض الغسل، المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن ، وسننه أن يبدأ بغسل يديه، وفرجه، وإزالة نجاسة بدنه إن كانت ، ثم يتوضأ [وضوء الصلاة ](8) ،إلا رجليه إن لم يكن على مُرتفع ، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً ، وليس على المرأة أن تنقض ظفائرها إذا بلغ الماء أصول شعرها .
قوله : والحيض .
وهو دم يخرج من رحم المرأة البالغة، مقدرٌ أقله بثلاثة أيام، وأكثره بعشرةِ أيام .
(1) - ساقطة من ب .
(2) - ساقطة من أ .
(3) - ساقطة من أ .
(4) - ساقطة من أ .
(5) - ساقطة من أ .
(6) - في ب : قال .
(7) - في ب : فتاواه .
(8) - في ب : وضوءه للصلاة .
الجزء 1 · صفحة 24
ثم الدليل على كون الغسل فرضاً بالحيض عند انقطاعهِ قوله تعالى : { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } (1) [ بالتشديد](2) أي يغتسلن.
وجه الاستدلال بالآية[هو](3) أن الله تعالى منع الزوج من الوطء قبل الاغتسال ، ونحن نعلم أن الوطء حقه بقوله تعالى : { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } (4).
فلو لم يكن الاغتسال واجباً لما منع من حقه ، ولأنه لما منع عن القربان إلى غاية الاغتسال حرم عليها التمكين ضرورةً ، ثم إذا انقطع الدم وجب عليها التمكين، إذا طلب منها لثبوت حقه حال الانقطاع، ولا يتوصل إليه إلا بالغسل، وما لا يتوصل إلى إقامة الواجب إلا به يجب كوجوبه ، وإذا وجب الغسل فيما دون العشرةِ وجب في العشرةِ أيضاً بدلالة النص ، لأن وجوب الغسل باعتبار الخروج عن الحيض قد وُجِدَ ثمة . كذا قالوه .
قوله : والنَفاسِ .
وهو الدم الخارج عقيب الولادة ، ثم إن وجوب[ الغسل](5) بالنفاس ثابت بالإجماع ، ولأنه أقوى من الحيض، إذ هو يثبت بنفس السيلان بخلاف الحيض ، بل وجوب الغسل بعد الولادة لا يتوقف على السيلان عند أبي حنيفة - رحمه الله -.
قال في الشامل : لو ولدت ولم تَرَ دماً ما يجب عليها الغسل عند الإمام لا عند صاحبيه .
قوله : إذا كان النفير عاماً .
النفير في اللغة : تارةً يطلق ويراد به القوم الذين يتقدمون في الأمر ، يقال: جأت نفرة بني فلان ، ونفيرهم أي جماعتهم الذين ينفرون في الأمر. كذا في الصحاح .
ويقال في المثل لمن لا يصلح لُهِمٍ ( لا أنت في العير ولا في النفير) .
(1) - سورة البقرة آية 222
(2) - ساقطة من أ.
(3) - ساقطة من أ .
(4) - سورة البقرة آية 223
(5) - في ب : الاغتسال .
الجزء 1 · صفحة 25
وتارة يطلق ويراد به نفس التقدم والخروج إلى أمر من الأمور، وبهذا فسر صاحب النهاية [لفظ الهداية ](1) إلا أن يكون النفير عاماً حيث قال : ( أي إلا أن يكون الخروج إلى الحرب عاماً ،من نفر القوم في الأَمرِ، أو إلى الثغرِ نفراً ونفيراً [أي](2) خرجوا ). [هذا لفظ النهاية](3) .
ثم إنما يكون النفير عاماً إذا احتيج إلى [جميع ](4) المسلمين ، بأن هجم العدو وعجز عن مقاومتهم من كان بقربهم من المسلمين.
أو لم يعجزوا إلا أنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا ، ثم من يليهم كذلك، ثمَّ وثَمَّ إلى [أن ](5) يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً، على هذا التدريج .كذا في الذخيرة .
لكن بغير هذه العبارة ، [فحينئذٍ](6) يخرج جميع المسلمين بعدم حصول المقصود ببعضهم ، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن مولاه .
ونقل في المستصفى عن الشيخ الإمام بدر الدين[- رحمه الله -](7) أنه قال : ( إذا وقع النفير من قبل أهل الروم فعلى كل من يقدر على القتال أن يخرج إلى العدو، إذا ملك الزاد والراحلة ، وإذا سبيت المرأة في المشرق كان على أهل المغرب أن يستنقذوها مالم يدخِلوها دار الحرب ) .
قوله : كرد السلام .
الأصل فيه قوله تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(8).
يعني إذا سلم عليكم ردوا جوابه بأحسن منه وهو أن يقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتهُ ، إذا قال السلام عليكم.
(1) - في ب : قول صاحب الهداية .
(2) - ساقطة من أ .
(3) - في ب : الى هنا لفظ النهاية .
(4) - ساقطة من أ.
(5) - في ب : من .
(6) - في ب : فح .
(7) - ساقطة من ب .
(8) - سورة النساء آية 86 .
الجزء 1 · صفحة 26
أو ردوا مثله وهو أن [يقول](1) : وعليكم السلام ، وروي عن سول الله – - صلى الله عليه وسلم - - ( أن رجلاً دخل عليه فقال : السلام عليكم ، فقال له : وعليكم السلام فلك عشرُ حسناتٍ ، ودخل آخر فقال : السلام عليكم ورحمه الله ، فرد عليه فقال : لك عشرون حسنه ، ودخل آخر فقال : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ، فرد عليه فقال : لك ثلاثون حسنة ) .
وورد النهي عن أن يقال : السلام عليك ، بل يقال : السلام عليكم ، لأن المؤمن لا يكون وحده بل [تكون ](2) معه الملائكة . كذا في تفسير المصنف - رحمه الله -.
وفي هذه الآية دليل على أن السلام سنة ، والرد فرض ، لأن الله تعالى أمر بالرد والأمر للوجوب، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها لا في نفس الرد ، وإنما صار فرض كفاية لحصول المقصود برد البعض وهو إكرام المسلم برد سلامه .
قال في الكشاف : ولا يرد السلام في الخُطبة ، وقرأه القرآن جهراً ، ورواية الحديث ، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة .
وفي فتاوى قاضى خان : إن سُلم على من كان في الخلاء فعند أبي حنيفة – - رضي الله عنهم - - يردهُ بقلبه لا بلسانه ، وقال أبو يوسف : لا يرده مطلقاً ، وقال محمد : يرده بعد الفراغ من الحاجة ، ولا يجب رد سلام السائلِ ، وكذا إذا سُلم على القاضي في المحكمة ، وقيل لا يسلم المتفقه على أستاذه ، ولو فعل لا يجبُ رد سلامهِ والرواية في القنية .
وإذا قال المسلم : السلام عليك يا فلان فرد عليه بعض القوم سقط عنه ، وقيل لا يسقط ، وإذا سُلم على رجل فرد وما سمِعَ قال أبو بكر الإسكافُ : [ رحمه الله ](3) أخاف أن لا يسقط عنه فرض الرد ، فقيل له : لو كان المردود عليه أصم ماذا يصنع ؟ قال : ينبغي أن يريه تحريك شفتيه .
(1) - في ب : تقول .
(2) - ي ب يكون .
(3) - ساقطة من أ .,
الجزء 1 · صفحة 27
وقال في الكشاف : وعن أبي يوسف لا يُسلم على لاعب النرد، والشطرنج ، والمغني ،والقاعد لحاجته ومُطير الحمام ، والعاري، من غير عذرٍ في حمام أو غيره .
قالوا : ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته ولا يسلم على أجنبية ، ويسلم الماشي على القاعد ، والراكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير والأقل على الأكثر ، وإذا التقيا ابتدرا .
وعن أبي حنيفة لا يجهر بالرد ، يعني الجهر الكثير ، وعن النبي – - صلى الله عليه وسلم - - : ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ) .
أي وعليكم ما قلتم ، لأنهم كانوا يقولون السام عليكم ، وروى (لا تبدءِ اليهودي بالسلام وإن بَدَاكَ فقل وعليك) .
وعن الحسن :[يجوز](1) يقول للكافر و عليك السلام، ولا[ تقل](2) ورحمه الله فإنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه : وعليك السلام ورحمة الله ، فقيل له، فقال أليس في رحمه الله يعيش .
وقد رخص بعض العلماء في أن [تبدءا](3) أهل الذمة بالسلام ، إذا دعت إلى ذلك حادثةٌ تحوج إليهم،وروي ذلك عن ألنخعي .
وعن أبي حنيفة لا تبدءا [بسلام](4) في كتابٍ ولا غيره ، وعن أبي يوسف لا تسلم عليهم ولا تصافحهم ، وإذا دخلت فقل : السلام على من اتبع الهدى ، ولا بأس بالدعاءِ له فيما يصلحُهُ في دنياه . إلى هنا لفظ الكشاف .
واختلف الناس في أن ثواب السلام أكثر أم ثواب [الجواب](5) ، قال بعضهم : ثواب المبتدى أكثر لأن البادي بالخير لايكافىءُ ، وقال بعضهم ثواب الجواب أكثر لأنه يؤدي الفرض .
وإذا دخل بيتاً أو مسجداً ليس فيه أحد ينبغي أن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
(1) - ساقطة من أ .
(2) - في ب : يقل .
(3) - في ب : يبداء .
(4) - ساقطة من ب .
(5) - في ب : الرد .
الجزء 1 · صفحة 28
والسلام على الموتى أن يقول وعليكم السلام ، ولا يقول السلام عليكم لأن الأولى لا[ تقتضي](1) الجواب، والثانية [تقتضيه](2) ،وهم عجزة عن الجواب . وما روي أنه – - عليه السلام - - ( دخل المقابر فقال السلام عليكم أصبتم خيراً بجيلا وَسَبقتمُ شراً طويلا ).
فإنما قال ذلك لأن المقابر كانت للشهداء ،فحياهم تحية الأحياء .
وقال بل بعضهم يقول : السلام عليكم أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع . وقيل الصحيح هذا ، وإذا مر بمقبرةٍ فيها مسلمون وكفار ينبغي أن يقول : السلام على من اتبع الهدى . كذا في المرغيناني .
قوله : وتشميت العاطسِ .
بالجر عطفاً على رد السلام ، [وتشميت](3) بالشين المعجمة هو الدعاء بالبعد عن الشماتة، وهي الفرح ببلية العدو .
وروي أيضاً بالسين المهملة من السمت وهو هيئة أهل الخير ، ومعناه الدعاء له بجعله على هيئة حسنة ، وصورته أن يقول المشمتُ : يرحمك الله أو يقول الحمد لله يرحمك الله أو يقول : رحمنا الله وإياكم .
ثم إنما يستحق العاطس التشميت إذا حمد الله تعالى، بأن قال: الحمد لله[ أو قال الحمد لله](4) رب العالمين أو قال الحمد لله على كل حالٍ ، فأما إذا لم يحمد الله فلا يستحق بالاتفاق ، وهل تشميته أفضل أم تركه ؟
قال النووي : تشميته مكروه استدلالاً بحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم - أنه قال : قال رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - : (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه ،[ وإن](5) لم يحمد الله فلا تشمتوه) . ودلالة الحديث على ما قاله ظاهرة .
وروي أن رجلا عطس عند الأوزاعي رحمه الله فلم يحمد الله فقال له الأوزاعي : كيف تقول إذا عطست ؟ فقال : أقول الحمد لله . فقال : يرحمك الله .
(1) - في ب : يقتضي .
(2) - في ب : يقتضي .
(3) - في ب : والتشمية .
(4) - ساقطة من أ .
(5) - في ب : وإذا .
الجزء 1 · صفحة 29
فأراد الأوزاعي -- رضي الله عنهم - - أن يستخرج منه الحمد ليستحق التشميت إحرازا لثوابه ، وينبغي للعاطس أن يقول للمشمت بعدما شمت له : غفر الله لي ولكم ، أو يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم . ولا يقول غير ذلك . كذا في فتاوى قاضي خان .
ثم اعلم أن كون التشميت بعدما حمد العاطس فرض كفاية ، هو مذهبنا .
والمشهور عن مالك كمذهبنا .
وذهب الشافعي وجماعة إلى أنه سنّة وأدب. كذا في الإشراق .
لنا ما روينا من حديث أبي موسى الأشعري -- رضي الله عنهم - - وقوله - عليه السلام - : ( حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، وإتباع الجنايز ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس) . وغير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الحديث الدّالة على الوجوب ، بعضها بلفظ الأمر وبعضها بلفظ على ، وبعضها بلفظ حقّ .
فإن قلت : هذه أخبار آحاد والفرض لا يثبت بخبر الواحد .
قلت : إلّا أن المصنف رحمه الله كأنه أراض به الفرض العملي الذي هو أحد نوعي الواجب ، فإن الواجب على ماذكر في التخفيف نوعان ؛ واجب في قوّة الفرض في العمل كالوتر عند أبي حنيفة - - رضي الله عنهم - - حتى منع تذكّره صحّة الفجر ،كتذكر العشاء واجب دون الفرض في العمل فوق السّنة كتعيين الفاتحة ، حتى وجب سجود السهو بتركها ، ولكن لا تفسد الصلاة فتشميت العاطس من القسم الأول ، فلذلك سمّاه فرضا ، فإما أن يجب اعتقاد فرضيّته بحيث يكفر جاحده فلا . ومثل هذا الفرض أعني الفرض العملي يجوز إثباته بخبر الواحد إذا كانت دلالته قطعيّة ولم يكن معارضا للكتاب . وهذه الأحاديث دلالتها قطعية ، وليست معارضة للكتاب ، بل هي موافقة له ؛ لأن تشميت العاطس وعيادة المريض ونحو ذلك من باب المعاونة على البرّ والتقوى ، وقال الله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } (1) الآية .
(1) - سورة المائدة آية 2
الجزء 1 · صفحة 30
وذكر الإمام المحبوبي في مناسك الجامع الصغير أن خبر الواحد إذا كان مُتَلَقّياً بالقبول جاز إثبات الرّكنية به لإثبات ركنية الوقوف بعرفات بقوله- - عليه السلام -- : ( الحج عرفة ) . فعلى ذلك لا إشكال لأنه إذا جاز إثبات الركن بخبر الواحد فلأن يجوز إثبات الفرض به أولى ، لأن مرتبة الفرض أدنى من مرتبة الركن على ما عُرِف .
وإذا تكرر العطاس في مجلس والعاطس يحمد الله تعالى في كل مرّة قالوا يشمّته ثلاثا ثم يسكت ، وإن شمّته في كل مرّة فهو حسن وبه صرّح في فتاوى قاضي خان و قدّوري .
عن أبي هريرة - رضي الله عنهم - موقوفا ومرفوعا : ( شمّت العاطس ثلاثا ، فإن زاد فهو مزكوم) كذا في الإشراق . وإن كان العاطس كافرا وحمد الله يقول المشمت : يهديك الله . لأن اليهود كانوا يعطسون قُدّام النبي- - صلى الله عليه وسلم - - ويحمدون طامعين أن يقول يرحمكم الله ، وكان يقول يهديكم الله . كذا في الإشراق .
قوله : وعيادة المريض .
بالجر عطفا على ما قبله يعني أن عيادة المريض فرض على سبيل الكفاية وأما كونها فرضا فالأحاديث المستفيضة للدلالة على وجوبها منها ما روينا الآن من حديث أبي موسى - رضي الله عنهم - ، ومنها قوله - عليه السلام - : (( حقّ المسلم على المسلم ست ؛ إذا لقيته فسلّم عليه إلى أن قال وإذا مرض فعده )) . ومنها ما قال البراء بن عازب – - رضي الله عنهم - - أمرنا رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض .. الحديث .
فتذكر ما تقدم الأَنمن السؤال والجواب .
وأما كونها فرض كفاية فلأنها تقام حقاً للمريض، فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدى فسقط عن الباقين ، حتى إذا لم يكن له متعهد يكون فرض عين .
الجزء 1 · صفحة 31
ثم أعلم أن العيادة حق للمريض المسلم ، وأما الكافر فلا يستحقها ولاكن لا بأس بعيادته إذا كان ذمياً ، يهودياً ، أو نصرانياً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد يهودياً مرض في جواره حتى قعد عند رأسه فسأله ثم قال : ( يا فلان قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فنظر المريض إلى وجه أبيه فقال له أبوه : أجب محمداً فأجاب فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال - عليه السلام - : الحمد لله الذي أنقذ بي نسمةً من النار ) .
ولأنها من باب البر والله تعالى لا ينهانا أن نبرهم ونقسط إليهم وربما يصير سبباً لإسلامه .
وأما عيادة المجوسي فاختلف المشايخ فيها فقال بعضهم : لا بأس بها لما قلنا في حق اليهود والنصارى . وقال بعضهم : لا يجوز لأنه أبعد عن الإسلام منهما ، ولهذا لا يحل ذبيحته ونكاحه بخلاف اليهودي والنصراني .
واختلفوا في عيادة الفاسق أيضاُ والأصح أنه لا بأس به لأنه مسلم ، والعيادة من حقوق المسلمين . كذا قاله فخر الدين قاضي خان في شرح الجامع الصغير .
فإن قلت ماذا يقول العايد عند العيادة ؟
قلت : كان النبي - - صلى الله عليه وسلم - - إذا دل على مريض يعوده قال : ( لا بأس طهور إن شاء الله تعالى ) . كذا حكاه ابن عباس- - رضي الله عنهم - - ، وقالت عايشه رضي الله عنها : ( كان رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - - إذا اشتكى منا إنسان مسحهُ بيمينه ثم قال : اذهِبِ إلباس ربَّ الناس واشف أنت الشافي ، لا شفاءَ إلا شفأوكَ ، شِفاءً لايغادر سقماً ) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَهُ قال رسول الله -- صلى الله عليه وسلم - - : ( ما من مسلمٍ يعود مسلماً فيقول سبع مراتٍ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك إلا أن قد حضر أجلهُ ) . وفي هذه الأحاديث بيان ما يقوله العايد عند عيادة المريض ، والكل منقول من المصابيح .
قوله : والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام .
الجزء 1 · صفحة 32
بالجر عطفاً على ما قبله ، اتفق أصحابنا والشافعي على أن الصلاة على النبي -- صلى الله عليه وسلم - - ولكنهم اختلفوا في أنها هل هي فرض مطلقاً ، من غير تقييد بكونها في الصلاة ولا خارجها ، أو هو مقيداً بكونها في الصلاة ، فعندنا فرض مطلقاً وعنده فرض في الصلاة مقيداً .
أما الدليل على كونها فرضاً فقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (1) فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالصلاة والسلام عليه – - صلى الله عليه وسلم - - والأمر للوجوب .
وأما دليل الاختلاف فالشافعي يقول الأمر للوجوب ولا وجوب خارج الصلاة ، فتعينَ أن يكونَ في الصلاة ، ونحن نقول الأمر للوجوب لا للتكرار على ما عرف في الأصول فتجب الصلاة على النبي – - صلى الله عليه وسلم - - في العمر مرة واحدة إن شاء فعلها الإنسان في الصلاة أو في غيرها وهو مذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي – رحمه الله – كذا في المحيط.
ونحن نصلي عليه مراتٍ فضلاً عن المرة ، فلا يشترط في الصلاة أو نقول الصلاة على النبي – - صلى الله عليه وسلم - - واجبة كلما ذكر أسمه كما هو مذهب الشيخ أبي جعفر الطحاوي – رحمه الله – باعتبار تكرر سببها وهو الذكر لا لأن الأمر يقتضي التكرار ونحن نصلي عليه إذا ذكر اسمه فلا يشترط في الصلاة ، ثم كونها من فروض الكفايات يخرج على هذا القول أعني على قول الطحاوي يعني إذا ذكر النبي –- صلى الله عليه وسلم - - عند قوم افترض عليهم أن يصلوا عليه فإذا صلى عليه بعضهم سقط عن الباقين لحصول المقصود وهو تعظيمه وإظهار شرفه عند ذكر اسمه –- صلى الله عليه وسلم - - .
فإن قيل : ما الحكمة في أن الله تعالى أمرنا أن نصلي عليه ونحن نقول : (( اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد )) فنسأل الله تعالى أن يصلي عليه ولا نصلي عليه نحن بأنفسنا ؟
(1) - سورة الأحزاب آية 56
الجزء 1 · صفحة 33
قلنا : لأنه - عليه السلام - طاهر لا عيب فيه ، ونحن فينا المعايب والنقائص ، فكيف يثني من فيه معايب على طاهر ، فنسأ الله تعالى أن يصلي عليه لتكون الصلاة من رب طاهر على نبي طاهر . كذا في المرعيانيثم معنى قولنا صلي على محمد ؛ أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته و إبقاء شريعته ، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته . كذا في النهاية .
قوله : ( والصلاة على الجنازة) .
أما كون الصلاة على الجنازة فرضا ، فلأن الله تعالى أمر بها بقوله : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } (1) ، والأمر للوجوب ، وقال - عليه السلام - : (( صلّوا على كل برّ وفاجر)). وأما كونها فرض كفاية فلأنها تقام حقا للميت ، فإذا قام بها البعض صار حقّه مؤدى ، فسقط عن الباقين .
صفة صلاة الجنازة ؛ أن يكبّر تكبيرة يقول عقيبها : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يكبّر ويقول عقيبها : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد.
قوله: والصلاة على الجنازة
أما كون الصلاة على الجنازة فرضاً فلأن الله تعالى أمر بها بقوله : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } (2) والمر للوجوب
وقال –- عليه السلام - -: (صلوا على كل بر وفاجر) .
وأما كونها فرض كفاية فلأنها تقام حقاً للميت فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدى فسقط عن الباقين.
صلاة الجنازة: أن يكبر تكبيرة يقول عقيبها: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، تم يكبر ويقول عقبيها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، تم يكبر تكبيرة يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ويذكر الدعاء المعروف إذا كان يحسن ذلك وهو:
(1) - سورة التوبة آية 103
(2) - سورة التوبة آية 103 .
الجزء 1 · صفحة 34
(( اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده )) .
وإذا كان لا يحسن ذلك يأتي بأي دعاء شاء. كذا قال الإمام قاضي خان –رحمه الله.
ثم يكبر الرابعة فيسلم ولا يدعو بعدها في ظاهر المذهب.
وليس في صلاة الجنازة قراءة القرآن عندنا، وقال الشافعي لا بد من قراءة الفاتحة، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى خلافاً للشافعي –رضي الله عنه-، ويقوم الإمام بحذاء صدر الميت سواء كان رجلاً أو امرأة في ظاهر الرواية، وإن كان الميت صبياً أو مجنوناً لا يستغفر له بل يقول:"اللهم اجعله لنا فرطاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله لنا شافعاً مشفعاً.
فإن قيل: لم خص إبراهيم عليه السلام من بين سائر الأنبياء بذكرنا في الصلاة فقيل لوجهين أحدهما : أن النبي - عليه السلام - رأي ليلة المعراج جميع الأنبياء وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد على أمته غير إبراهيم - عليه السلام - أمرنا النبي - عليه السلام - أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاةً على إحسانه .
والثاني : أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة جلس مع أهله فبكى ودعا وقال: الله من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني السلام فقال أهل بيته آمين ثم قال إسحق- - عليه السلام - - : الله من حج هذا البيت من كهول أمة محمد -- عليه السلام - - فهبه مني السلام وقالوا آمين، ثم قال إسماعيل -- عليه السلام - - : اللهم من حج هذا البيت من شباب أمة محمد -- عليه السلام -- فهبه مني السلام فقالوا آمين .
الجزء 1 · صفحة 35
ثم قالت سارة : اللهم من حج هذا البيت من نسوان أمة محمد فهبها مني السلام فقالوا آمين ثم قالت هاجر اللهم من حج هذا البيت من الموالي والموليات من أمة محمد عليه السلام فهبه مني السلام فقالوا آمين فلما سبق منهم السلام أمرنا بذكرهم في الصلاة مجازاةً لهم على حسن صنيعهم كذا في المرغيناني قوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وهو من الصفات العالية أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمنكر ضد ذلك وقيل المعروف هو أتباع محمد –- عليه السلام - - .
والمنكر هو العمل بخلاف الكتاب والسنة ثم أنهما فرضان على سبيل الكفاية أما كونهما فرضين فإن الله تعالى أمرنا بهما بقوله : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } (1) .
فإن معناه كونوا كلكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر على رأي من يجعل "من مني منكم" للنبيين كما هو اختيار الزجاج.
فيكون بمعنى قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو معناه ليكن بعض منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على رأي من يجعل "من" للتبعيض فكيف لما كان فهو يدل على الوجوب إما على الكل وإما على البعض وقال عليه السلام مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه .
(1) - سورة آل عمران 104.
الجزء 1 · صفحة 36
وأما كونهما فرضي كفاية فلحصول المقصود وهو الاستمساك بأمر الله تعالى والاجتناب عن نواهيه بمباشرة البعض فسقط عن الباقين قال صاحب الكشاف "من" للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولأنه لا يصلح له الأمن علم المعروف والمنكر وعلم كيف ترتب الأمر على إقامته وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهي عن معروف وأمر بمنكر وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه منهاة عن غير منكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً أو على من الإنكار عليه عبث كالإنكار على أصحاب إنما أصروا الجلادين وإضرابهم والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجباً فواجب وإن كان ندباً فندب وأما النهي عن المنكر فواجب كله لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبيح فإن قلت كيف يباشر الإنكار قلت يبتدي بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب لأن الغرض كف المنكر قال الله تعالى : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (1) (الحجرات: من الآية9) " ثم قال : { فَقَاتِلُوا } (2) فإن قلت فمن يباشره قلت كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه.
وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركاً للصلاة وجب عليه الإنكار لأنه معلوم قبحه لكل أحد، وأما الإنكار الذي بالقتال فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها.
فإن قلت فمن يؤمر؟
وينهي قلت كل مكلف وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين وتنهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤمرون بالصلاة ليتمرونوا عليها إلى هنا من الكشاف .
(1) - سورة الحجرات آية 9.
(2) - السورة السابقة .
الجزء 1 · صفحة 37
قال في المدعيناني ناقلاً عن الفقيه أبي الليث -رحمه الله-: الأمر بالمعروف على وجوه إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمرهم قوله يقبل منه ذلك فالأمر واجب عليه ولا يسعه تركه، ولو علم بأكبر رأيه أنه لو أمرهم بذلك قذفوه فتركه أفضل، وكذلك لو علم أنه نفع الداوة بينهم و بينه ولو علم أنه لو ضربوه صبر على ذلك ولا يشكو لأحد فهذا لا بأس به وهو مجاهد في ذلك وهذا منه عمل الأنبياء -صلوات الله عليهم أجمعين- ولو علم أنهم لا يقبلون منه ولا يخاف منه ضرباً ولا شتماً فهو بالخيار إن شاء أمرهم وإن شاء تركهم والأمر أفضل.
ويقال الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على عوام الناس وهو اختيار الزندوشتى إلى هنا لفظ المدعيناني وروي عن بعض الصحابة -- رضي الله عنهم -- أنه قال :
أن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات الله إن هذا منكر فإذا قال ذلك قد فعل ما عليه كذا في تفسير المضف.
قوله : والجهاد بالرأي .
الجزء 1 · صفحة 38
الجهاد : فرض على سبيل الكفاية إذا لم يكن النفير عاماً بأن لا يحتاج إلى جميع المسلمين وذلك لحصول المقصود ببعضهم ثم في هذا الإطلاق نظراً لأنه قد لا يكون النفير عاماً ويكون الجهاد فرض كفاية وقد يكون فرض عين فإنه إذا جاء النفير وفي قربهم من المسليمن من يقدر على مقاومتهم يكون فرض عين عليهم فأما على من ورائهم من المسلمين ببعد فهو فرض كفاية حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم وبه صرح في الذخيرة ثم أعلم أن جميع فروض الكفايات إذا قام به فريق من الناس يسقط عن الباقين ويكون الثواب للمباشر وحده وإن لم يقم به أحد أثم الجميع بتركه فصل قوله ثم أعلم لأن الصلاة من الله تعالى الرحمة إلى أخره لما فرغ المضف من بيان فرضية الصلاة وأنها من فروض الأعيان شرع في ب :يان تفسيرها لغة وشرعاً وكان ينبغي أن يقدم بيان تفسيرها أولاً ثم يبين فرضيتها وغيرها من الأحكام لأن الحكم على الشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشيء إلا أنه قدم بعض حكماً ليكون إشارة إلى أن المقصود من علم الفروع هو الحكم لا الماهية قال في معالم التنزيل في قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي" قيل إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وقد اختار المضف رحمه الله في تفسيره هذا القول فقال في تفسير الآية يعني أن اله يفر للنبي ويأمر ملائكته بالاستغفار وبالصلاة عليه وأكثرهم على أنها هو الدعاء والثناء كائنة ممن كانت قال أبو الغالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء وقال في الكشاف ويروى أنه قيل يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي " فقال النبي عليه السلام هذا من العلم المكتوب ولولا أنتم سألتموني ما أخبرتكم به إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين آمين قوله ومني
الجزء 1 · صفحة 39
اللغة عبارة عن الدعاء اللغة المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير يقال لكل قوم لسن بكسر اللام وسكون السين أي لغة يتكلمون بها ثم هي أي اللغة عند الإطلاق تنصرف إلى لسان العرب فالمراد هنا لسان العرب أي الصلاة، في لسان العرب عبارة عن الدعاء أي تفسر بالدعاء نقول عبرتي الرويا أعبرها عبارة إذا فسرتها، ومما يدل على كونها في اللغة عبارة عن الدعاء قوله عليه السلام إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصل لهم بالخير والبركة وقال في النهاية يقال في التحيات في الصلاة أي الأثنية كلها لله تعالى فدل أنها لغة عبارة عن الدعاء والثناء إلى هنا لفظ النهاية وقيل أصلها من صل إذا مرك صلويه وهما العظمان اللذان عليهما الأليان لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، قالا في الكاشف وقيل الداعي يصلى تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد.
قوله : الشريعة عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة .
يعني أنها إذا أطلقت يراد بها عند أهل الشرع الأركان المعروفة المقررة في الأذهان وهي إما ستة تكبيرة الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والعقدة الأخيرة إن جعلت تكبيرة الافتتاح ركناً أو خمسة إن لم تجعل أو سبعة مع الخروج بفعل المصلي على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى .
الجزء 1 · صفحة 40
والأفعال المخصوصة أعم من الأركان المعلومة لأنها تتناول الأركان وغيرها من واجبات الصلاة وسننها نحو رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح ووضعها تحت السرة والاعتماد بيده اليمنى على اليسرى وقراءة الفاتحة وثم السورة والتشهد في العقدة وتكبيرات الركوع والسجود وغير ذلك من واجبات الصلاة وسننها وآدابها على ما يأتيك تفضيلها إن شاء الله تعالى فصل قوله ثم اعلم بأن الحدث على نوعين الحدث اسم خاص للمانع الحكمي من آدا الصلاة والخبث اسم خاص للحقيقي والنجس شملهما وأراد المضف -رحمه الله- هنا من الحدث المانع مطلق من غير تقييد بالحقيقي والحكمي بقرينة تقسمه إليها.
قوله: وما أشبه ذلك.
يعني: إن كل شيء يشابه الأشياء المذكورة وماثلها فهو ينقض الوضوء، نحو ماء الجرح، القيئ ملئ الفم، والضابط فيه أن كل نجس خرد م نبدن الإنسان الحي فهو ينقض الوضوء إذا بلغ موضعاً يجب غسله، إما في الوضوء أو في الغسل فإذا أنزل دم من الرأس إلى قصبة الأنف نقض الوضوء لوصوله إلى موضع يجب عسله في العسل، وإذا نزل البول إلى قصبة الذكر لا ينقض الوضوء لعدم بلوغه إلى موضع يجب عسله لا في الوضوء ولا في العسل ن وهذا عندنا.
وقال الشافعي: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، وكذلك عند مالك، غير أن مالك رضي الله عنه يشترط في كون الخارج من أحد السبيلين حدثاً أن يكون خروجه على وجه الاعتياد، حتى أن دم الاستحاضة ومفلتت البول ليس بحدث عنده لعدم الاعتياد.
لنا قوله عليه السلام:"الوضوء من كل دم سائل".
وقوله علي السلام:"من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم". والباقي يعرف في المطولات.
قوله: فكالنوم والإغماء والجنون.
الجزء 1 · صفحة 41
إنما سمي هذه الأشياء أحداثاً حكيمة لن الحدث في الحقيقة: هو خروج خارج من أحد السبيلين لكنه خفي هذه الأشياء سبب لاسترخاء المفاصل فلا تعرى عن خروج شيء عادة، والثابت عادة المتيقن به احتياطاً في ب :اب العبادة، فأردنا الحكم عليها تيسيراً، وسميناها أحداثاً تسمية للشيء باسم مسببه.
ثم اعلم بأن النوم الذي يكون حدثاً هو: النوم مضّجعاًن أو متكياً فإن وضع رأسه على ركبتيه، أو مستنداً إلى شيء نحو جدار أو اسطوانة بحيث لو أزيل عنه ذلك الشيء لسقط، فأما إذا نام متربعاً أو متوركاً على ركبه بأن يخرج قدميه من جانب ويلصق أليته بالأرض، أو نام في الصلاة قياما أو راكعاً أو قاعداً أو ساجداً فلا ينقض وضوءه كذا في غاية البيان.
وهذا لأن النوم على هذه الهيئات لا يبلغ الاسترخاء غايته بخلاف الصور الأولى، وقد روي عن أبي حنيفة –رضي الله عنه- أنه إذا نام متكياً على الأرض لا ينتقض، وإن استند.
ولو سقط القاعد، فإن انتبه مع السقوط لا ينتقض وضوءه وإن لم ينتبه مع السقوط انتقض لمصادفة النوم حالة الاضجاع كذا في شرح المجمع.
والسكر بحيث يختل مسببه ينقض الوضوء، كذا في المرعيناني قوله: والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
إنما جعل القهقهة من الأحداث الحكمية لأنها ليست بحدث بذاتها، لنها ليست بخارج نجس ولهذا لا تكون حدثاً في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وخارج الصلاة، والقياس أن لا تكون حدثاً في الصلاة أيضاً كما هو مذهب الشافعي، إلا أن تركنا القياس وحكمنا بكونها حدثاً في الصلاة لقوله عليه السلام:"إلا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا" ثم النص إذا ورد خلاف القياس يقتصر على مورده، ومورده الصلاة المطلقة فيقتصر عليها فلا يكون حدثاً في غيرها.
والقهقهة ما يكون مسموعاً له دون ولجيرانه سواء بدت أسنانه أو لم تبد، والضحك ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، والتبسم ما لا يكون مسموعاً له ولا لغيره.
الجزء 1 · صفحة 42
والقهقهة تفسد الصلاة والوضوع جميعاً، سواء قهقهة عامداً أو ناسياً متوضأ كان أو متيمماً ، ولا تبطل طهارة الغسل، ذكره في الهاروني كذا في شرح المجمع.
والضحك يفسد الصلاة دون الوضوء، والتبسم لا يفسد الوضوء ولا الصلاة وإنما قيدت بذات ركوع أو سجود احترازاً عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
فصل.
قوله: ثم اعلم بأن الطهارة على نوعين.
الطهارة في اللغة: هي النظافة وفي الشرع: هو غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة، كذا قالوا.
وهذا التعريف يشير إلى أن الطهارة في الاصطلاح: هو الوضوء خاصة وكأن المصنف رحمه الله أراد بها هنا المعنى اللغوي حيث قسمها إلى الاغتسال والوضوء فافهم.
وإنما سمي الاغتسال طهارة غليظة والوضوء طهارة خفيفة، إما باعتبار أحدهما شامل جميع البدن دون الآخر، أو باعتبار قوة أثرهما وضعفه، فإن المزال بالغسل لما كان حدثاً غليظاً قوياً سمي المزيل وهو الغسل ظهارة غليظة وسمي أيضاً طهارة كبرى لما كان المزال بالوضوء حدثاً خفيفاً بالنسبة إلى المزال بالغسل سمي المزيل وهو الوضوء ظهارة خفيفة وسمي أيضاً الطهارة الصغرى وإلى هذا الوجه أشار في تقييد الاغتسال بكونه من الجنابة والحيض والنفاس، وفي تقيد الوضوء بكونه للصلاة فكأنه إنما قيد بذلك احترازاً عن عسل التطوع والوضوء التطوع، فكأنها حينئذ لا يتصفان بالغلظة والخفة، وعلى هذا يكون معنى قوله:" فكالوضوء للصلاة". أي لأجل إباحة الصلاة، وهو وضوء المحدث، لا أنه احتراز عن غسل اليدين فإنه قد يسمى وضوءاً مجازاً.
وإنما قلنا بأن المزال بالغسل غليظ وبالوضوء خفيف لأن الشخص إذا كان جنباً أو حائضاً أو نفساً يمنع عن جميع ما يمنع عنه المحدث، وذلك مثل الصلاة ومس المصحف ويمنع أيضاً من أشياء زائدة لا منع عنها المحدث نحو دخول المسجد وقراءة القرآن.
فلصل: لما فرغ المصنف-رحمه الله عليه- من بيان الطهارة الصغرى والكبرى شرع في ب :يان ما تحصل بها الطهارة وما لا تحصل به.
الجزء 1 · صفحة 43
قوله: أما الماء المطلق.
فهو كل ماء لو نظر إليه الناظر سماه ماءً على الإطلاق.
يعني: هو كل ماء لو نظر إلي إنسان يكون قادراً على أن يسميه ماءً من غير أن يحتاج إلى شيء آخر في التفهيم بأن قدر عند رؤيته على أن يقول هو ماء، ولا يحتاج إلى أن يقول ما الشيء الفلاني، وإن شئت قل هو الذي تتبادر إليه أذهان الناس بمطلق قولنا الماء وهذا بخلاف الماء المقيد، فغن الناظر إليه لا يقدر على أن يسميه ماء إلا بقيد مثل أن يقول ماء البطيخ أو نحو ذلك فلهذا من إطلاق اسم الماء.
وباقي التوضيح يأتي عند بيان الماء المقيد إن شاء الله تعالى.
وأهل الأصول قد عرفوا المطلق بأنه:" المعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات" والمقيد بأنه المعرض للذات والصفات.
قوله: كما السماء وإلى آخره.
السماء كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت السماء، والمراد من ماء السماء: ماء المطر والأودية: جمع واد وهو معروف. والعيون جمع عين وهو اسم مشترك يقع على الباصرة، والذهب والشمس والمال النقد، والجاسوس وولد البقر الوحش وخيار الشيء ونفس الشيء والينبوع وغير ذلك.
والمراد هنا: الينبوع والآبار بهمزة ممدودة بعد الباء الساكنة على وزن الأمثال، جمع بئر جمع قلة قالا في الصحاح: ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول آبار وإذا كثرت فهي البيار على وزن الفعال والبحار والأبحر والبحور، كله جمع بحر وهو خلاف البر، وكل نهر عظيم بحر.
والغدران: جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل أي يتركها والحياض والأحياض: جمع حوض وهو ماء مجتمع يقال استحوض الماء إذا اجتمع.
قوله: وما أشبه ذلك.
وذلك نحو ماء الخليج والجدول والنهر.
قوله: فحكمه أنه طاهر وطهور.
الحكم هو القضاء وحكم الشيء هو الأثر الثابت به كذا قاله الشيخ الإمام حميد الدين –رحمه الله-.
الجزء 1 · صفحة 44
مثلاً: إذا قلت: حكم الصلاة سقوط الواجب عن ذمة المكلف بالأداء في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة، فمعناه الأثر الذي يترتب على الصلاة.
هذا وكان المصنف –رحمه الله- أراد بالحكم ها هنا الصفة لأن كونه طاهراً وطهوراً ومزيلاً، صفة للماء لا أنه أثر يترتب عليه بل أثر حصول الطهارة للمغسول فافهم.
والطهور ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره. قاله ثعلب.
قوله: يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية.
هذا بيان طهوريته، وأراد من النجاسة الحقيقية الدم والبول والغائط والخمر ونحو ذلك من النجاسات المغلظة والمخففة، ومن النجاسة الحكمية الجنابة والحدث وما يحصل بالحيض والنفاس، وإنما صارت المياه المذكورة مزيلة لقوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً" .
ولقوله عليه السلام:"الماء طهور" الحديث.
وجه الاستدلال: الماء ذكر فيها مطلقاً، والمطلق ينصرف إلى ما هو المتعارف، والمتعارف في العسل هذه المياه المذكورة، فينصرف إليها. ولا يقال ماء العيون والآبار من السماء فلا يكون مراداً من الآية لأن نقول لا نسلم لأن الله تعالى قال: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ } (1) .
وقال جلت قدرته: { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } (2).
ثم اعلم بأن كل ما كان مزيلاً للحدث ونهنى به النجاسة الحكمية كان مزيلاً للخبث وهو النجاسة الحقيقية، لأن الحدث أقوى في كونه نجساً من الخبيث بدليل أن قليله يمنع جواز الصلاة بالاتفاق، بخلاف الخبيث، ولأن وجوب الطهارة عن الحدث لا يسقط أصلاً بعذر ما، أما أصلاً أو خلفاً، بخلاف الخبث، مزيل الأقوى مزيل الأدنى بطريق الأولى.
قوله: وأما الماء المقيد فكل ماء يستخرج بالعلاج.
(1) - سورة الزمر آية 21.
(2) - سورة الرعد آية 17.
الجزء 1 · صفحة 45
أي بالمزاولة والمعالجة وإنما سمي هذا الماء مقيداً لأنه كاسمه مقيد لا تعرف ذاته إلا بالقيد، فإن ماء الورد مثلاً لا يقدر الإنسان على أن يسميه ماءً على الإطلاق بل لا بد له أن يقيده فيقول: اءالورد حتى يفهم وكذا الباقي فإن قلت: كما أن الإضافة موجودة في ماء البئر، كذلك موجودة في ماء الورد فلم صار أحدهما ماءً مطلقاً والآخر ماءً مقيداً مع وجود الإضافة فيهما؟؟
قلت: هذا السؤال إنما يراد أن لو كان الفرق بينهما بالإضافة، وعدم الإضافة وليس كذلك، بل الفرق بينهما بما قلنا، وعلامة ذلك مبادرة الذهن إلى الماء المطلق عند إطلاق قولنا الماء، وعدم مبادرته إلى الماء المقيد والذهن يبادر عند الإطلاق إلى ما يصدق على ماء البئر وأمثاله فيكون ماءً مطلقاً ولا يبادر إلى ماء الورد وأمثاله فيكون مقيداً غير أن الإضافة على نوعين. إضافة تعريف وإضافة تقييد والإضافة في ماء البئر والزعفران وأمثالهما لتعريف نوع من الماء، وفي ماء الورد وأمثاله للتقيد، وعلامة إضافة التقيد قصور الماهية في المضاف، كأن قصورها فيده، لئلا تدخل تحت المطلق لو صحه، ول حلف شخص بأنه لا يصلي ثم صلى الظهر يحنث لأنها صلاة مطلقة، وإضافتها إلى الظهر للتعريف، ولا يحنث بصلاة الجنازة لأنها ليست بصلاة مطلقة، وإضافتها إلى الجنازة للقيد.
قوله: كماء القثا إلى آخره.
القثا: هو الخيار والواحدة قثأة والقثد نبت يشبه القثاء، والخرض الأشنان والقرع حمل اليقطين والواحدة قرعة الكل في الصحاح.
قوله: وما أشبه ذلك مثل ماء الرمان والليمون والريحان والياسمين والشّيب.
قوله: فحكمة أنه طاهر يزيل النجاسة الحقيقية .
هكذا وقع في ب :عض النسخ وهو ظاهر فلا يحتاج إلى التأويل.
الجزء 1 · صفحة 46
وفي ب :عضها أنه طاهر غير طهور أي غير طهور في حق الحدث، يعني أنه طاهر غير طهور، إلا أن إزالة النجاسة الحقيقية بالمايعات تجوز عند أبي حنيفة، وهذه النسخة أشبه للفظ فخر الإسلام على ما ذكر في غاية البيان، عند بيان حكم الماء المستعمل.
وفي ظني هذه النسخة هي الصحيحة.
رواية وفي ب :عضها أنه طاهر وطهور يعني: طهور في حق الخبث فقط.
قوله: والأصح ما قالاه.
أي القول والأصح والوجه الأقوى الذي يعتمد عليه في الفتوى، هو ما قاله الشيخ أبوالحسن الكرخي، والشيح أبو جعفر الطحاوي –رحمها الله- بأنه يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به وجه الأصحية.
أما عدم جواز الوضوء والاغتسال به فمتفق عليه فلا يحتاج إلى إقامة الدليل، وسره هو أن الله تعالى أمر بالغسل فيقتضى آلة يحصل بها الغسل وهو الماء المطلق إما باعتبار أن الغسل المطلق ينصرف إلى الآلة المطلقة المعتادة، وهو الماء المطلق.
أو باعتبار ذكره في آية التيمم وهو خلفه بقوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } (1) .
أي ماءً مطلقاً، فالله تعالى نقل الحكم عند فقد الماء المطلق إلى التيمم، فعلم أنه لا يجوز الغسل بالماء المقيد.
فإن قلت: لم لا تجوز إزالة الحدث بالماء المقيد قياساً على إزالة الخبث به عند أبي حنيفة وأبي يوسف –رحمهما الله-.
قلت: من شروط صحة القياس أن يكون حكم الأصل معقول المعنى على ما عرف في الأصول، وهنا ليس كذلك فإن الأعضاء طاهرة حقيقة وشرعاً، أما حقيقة فلأنها لم تصيبها النجاسة الحقيقية، وأما حكماً فلأنه لو صلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته، ولو كان نجساً لما جازت الصلاة معه، كما لو كان معه دم، وتطهير الطاهر محال، وإذا كان على خلاف القياس يقتصر على مورد النص، ومورده الماء المطلق على الطريق الذي قلنا، فلا يتعدى إلى الماء المقيد.
(1) - سورة النساء آية 43.
الجزء 1 · صفحة 47
فإن قلت: لم لا يجوز أن تثبت بطريق الدلالة فإن كون النص معقولاً ليس بشرط فيه لما عرف؟
قلت: إنما يثبت الشيء بطريق الدلالة إذا كان الفرع في معنى الأصل من كل وجه، وليس الماء القيد في معنى الماء المطلق في كل وجه حتى تلحق به دلالة، لأن الماء المطلق لا يعز وجوده، ولا يبالي بخبثه ويوجد مجاناً، والمقيد يعز وجوده ويبالي بخبثه، ولا يوجد مجاناً، وأما جواز إزالة الخبث به فلأن إزالة الخبث بالماء المطلق معقول المعنى لوجود النجاسة حقيقة وشرعاً فتعدى إلى غيره من المائعات بجامع الأرزالة الحسية.
قوله: وماء الورد وما أشبه ذلك مثل ماء الزردج والباقلا ونبيذ التمر.
قوله: والدبس وما أشبه ذلك كشراب الليمون وشراب التفاح.
قالا في الصحاح: الدبس ما يسيل من الرطب.
فصل
قوله: ثم اعلم بأن للصلاة شرائط وأركان وواجبات وسنناً وآداباً لصحة الشروع في الصلاة.
اعلم أن هذا الكلام بظاهرة غير مستقيم لأنه يقهم منه أن يكون للواجب والسنة والأدب تعلقاً لصحة الشروع في الصلاة وليس كذلك وهو ظاهر.
وإنما تتوقف صحة الشروع فيها على الشرائط خاصة فإنه إذا فات شرط لا يصح الشروع فيها حتى لو افتتح الصلاة متطوعاً وهو على غير وضوء، أو كان على ثوبه دم مانع، ولم يعلم به لا يلزمه القضاء لعدم صحة الشروع في المبتغى فلا بد من التأويل وهو إما أن نقول لصحة الشروع متعلق للشرائط وحدها فكأنه قال: اعلم بأن للصلاة شرائط لصحة الشروع فيها وأركاناً وواجبات وآداباً فيستقيم المعنى.
أو نقول: أراد من صحة الشروع في الصلاة صحتها على صفة الكمال مجازاً بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب لأن الشروع فيها سبب لصحتها وكمالها فكأنه قال: اعلم بأن للصلاة شرائط وأركاناً وواجبات وسنناً وآداباً لصحتها وكمالها فيستقيم الكلام.
الجزء 1 · صفحة 48
وإنما قررت الكمال لأن السسن والآداب شرعت مكملات للفرائض، وقد رأيت في ب :عض النسخ أن قوله لصحة الشروع فيها ليس بموجود فعلى هذا لا يحتاج إلى التأويل . ولكن المشهور من النسخ ما نقلناه أولاً، فيحتاج إلى التأويل.
ثم اعلم أن الشرط في اللغة: هو: العلامة اللازمة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها اللازمة، وفي الشريعة: هو ما يتوقف على وجود الشيء وهو خارج عن ماهية الشيء كذا في غاية البيان.
وقال فخر الإسلام: هو اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب وركن الشيء في اللغة هو جانبه الأقوى "وهو يأوي إلى ركن شديد". أي إلى عز ومنعة كذا قي الصحاح.
وفي الشرح: هو ما يقوم به الشيء وهو جزء داخل في ماهية الشيء والفرض يجوز إطلاقه على الشرط والركن جميعاً.
ثم الشرط على ثلاثة أنواع: المعلق، كالقدوم للنجار وشرعي كالطهارة للصلاة، وجعلي كالدخول المعلق به. كذا في غاية البيان.
والواجب في اللغة: يجيئ لمعنى اللزوم، وبمعنى السقوط وبمعنى الاضطراب وفي الشرع: اسم لما لزمنا بدليل فيه شبهة. قاله فخر الإسلام وإنما سمي به لكونه ساقطاً عنا علماً، أو ساقطاً علينا عملاً أو لكونه مضطرباً بين الفرض والسنة أو بين اللزوم وعدم اللزوم فإنه يلزمنا عملاً لا علماً.
والمراد من واجبات الصلاة هو أن تجوز الصلاة بدونها ويجب سجود السهو بتركها كذا في شرح الهداية وأما السنة فقد فسرناها في أول الكتاب عند قوله: ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة.
قال صاحب النهاية: هي ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على طريق المواظبة ولم يتركها إلا بعذر.
والأدب في اللغة معلوم، قال الجوهري: الأدب أدب النفس والدرس تقول منه أدب الرجل بالفم هو أديب، وأدبته فتأدب وفي الاصطلاح: هو كل ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. كذا في النهاية.
الجزء 1 · صفحة 49
ثم إن الواجبات شرعت لإكمال الفرائض فتكون حصناً لها، والسنن شرعت لإكمال الواجبات فتكون حصناً لها. كذا في النهاية.
واعلم أن الأدلة السمعية أنواع أربعة قطعي الثبوت والدلالة الكنصوص المتواترة وقطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة وظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي، وظني الثبوت والدلالة كأخبار الأحاد التي مفهومها ظني، فبالأول يثبت الفرض، وبالثاني والثالث يثبت الوجوب والرابع تثبت السنة، والاستحباب ليكون ثبوت الحكم بقدر دليله. كما ذكره الشيخ علاء الدين رحمه الله في الكشف.
قوله: أما شرائطها فستة هذا على تقدير أن لا تكون تكبيرة الافتتاح شرطاً كما هو اختيار المصنف وإلا تكون سبعة كما هو اختيار أكثر المشايخ على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: والطهارة من النجاسة.
أي طهارة بدن المصلي وثوبه ومكانه من النجاسة الحقيقية المائعة شرط من شروط الصلاة، ويأتيك التفصيل بعد إن شاء الله.
قوله: وأما أركانها فستة أيضاً.
ثم اعلم بأن تكبيرة الافتتاح شرط من شروط الصلاة فيما هو المشهور من مذهب أصحابنا.
وقال الطحاوي: هي ركن من أركانها، ذكره في شرح معاني الآثار.
ونقل عن فخر الإسلام أيضاً أنها ركن. كذا في غاية البيان وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه والطاهر أن المصنف -رحمه الله اختار- هذا المذهب لأنه عدها من الأركان،
ولكن يمكن أن يقال إنما عدها من الأركان وإن كانت شرطاً عنده أيضاً كما هو المشهور من مذهب أصحابنا، لأنها متصلة بالأركان وأخذ حكمها وهذا لأن التحريمة بمنزلة الباب للدار، والباب وإن كان غيرها ولكن يعد من الدار لاتصاله بها، وقد تكلموا أيضاً عن القعدة الأخيرة هل هي ركن أو شرط.
الجزء 1 · صفحة 50
قال في مبسوط شيخ الإسلام: إنها ليست بركن أصلي بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت شرطاً للتحليل. وقد صرح في الإيضاح أيضاً بأنها ليست من الأركان بل هي من جملة الفرائض، وكأن الفقه في انعدام الركنة فيها هو أن الصلاة فعل هو تعظيم وأصل التعظيم بالقيم، ويزداد بالركوع، ويتناهي السجود، فأما العقدة فللخروج من الصلاة فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم تكن من جملة الأركان، ولهذا لو حلف لا يصلي يحنث، ولا يتوقف الحنث على القعدة الأخيرة من الأركان مع اتفاقهم على فرضيتها، فما ظنك في الخروج بصنع المصلي عند الإمام فإنه أبعد من أن يكون ركناً، فالحاصل أن الأركان المتفق عليها أربعة القيام، وقراءة القرآن والركوع والسجود فأما ما وراء ذلك فمنظور فيه، إما ستة وهي ما عده المصنف، أو خمسة وهي ماعدة المصنف إلا بالتحريمة، أو ستة إحداها الانتقال من ركن إلى ركن، والباقي ما ذكره المصنف من غير التحريمة.
وقد صرح في التحفة بأنه من الفرائض التي في نفس الصلاة وأنه ليس بركن، أو سبعة وهي ما عده المصنف مع الانتقال من ركن إلى ركن أو ثمانية وهي التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة وخروج المصلي بصنع المصلي.
ثم اعلم أن ثمرة كون التحريمة شرطاً عندنا، ركناً عند الشافعي تظهر فيمن تحرم للفرض، كان له أن يؤدي بها لتطوع عندنا خلافاً له فإن قلت إن في الهداية غير هذه الصورة لإظهار فائدة الخلاف، وكذلك في عامة النسخ مثل مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان، والآء يضاح، والتحفة والمحيط، وتعينهم أياها يشير إلى أنه لا يجوز في غيرها مما تقتضية القسمة العقلية وهو بناء الفرض على الفرض، وبناء النفل على النفل، وبناء الفرض على النفل وهل هو كذلك أم لا، وكونها شرطاص يقتضي الجواز في اكل كما في الطهارة للصلاة.
قوله: أما بناء على الفرض.
الجزء 1 · صفحة 51
فجوزه أبو اليسر فإنه قال في المبسوط: لو شرع في الظهر وأتمها ولم يسلم وبنى عليها عصراً فاتت عنه أجزأه عندنا، ونفاه القاضي أبو زيد في الأسرار، وفخر الإسلام في أول الجامع الصغير.
وأما بناء النفل على النفل فيجوز. ذكره في الأسرار.
وأما بناء الفرض على النفل فقال صاحب النهاية: لم أجد فيه رواية ولكن يجب أن لا يجوز لأن الشيء لا يستتبع ما هو أقوى منه، وقال في الشامل: وهي أي تكبيرة الافتتاح شرط عندنا، حتى لو كبر ومعه نجس فألقاه، أو كبر قبل الزوال فزالت، أو ستر العورة بعمل تيسر بعد الفراغ منها، أو تحرم للغرض وكمل تسع في التطوع والسنة قبل السلام من غير تجديد تحريمة يصير شارعاً.
قوله: والخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ليست بفرض.
والمراد بقوله: بصنع المصلى : هو الصنع المنافي للصلاة وذلك مثل أن يضحك قهقهة أو يحدث عمداً أو يتكلم أو يذهب.
اعلم أن هذا الذي ذكره المصنف من إثبات الخلاف بين الإمام وصاحبيه هو اختيار الشيخ أبي سعيد البردعي رحمه الله وكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله ما ينكر ذلك ويقول لا خلاف بين أصحابنا أن الخروج بفعل المصلي ليس بفرض.
واتفق الإمام وصاحباه على أن المصلي إن تعمد الحدث بعد التشهد قبل السلام أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته.
الجزء 1 · صفحة 52
وفائدة الخلاف إن صح كما هو اختيار البردعي تظهر في المائل المشهورة المسماة بالإثني عشرية وهي أنه إذا رأى المتيمم الماء في صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام أو كان ماسحاً فانتقضت مدة مسحة، أو خلغ خفيه بعمل يسير أو كان أميّاً فتعلم سورة ، أو عرياناً فوجد ثوباً أو مومياً فقد على الركوع والسجود أو تذكر فائتة عليه قبل هذه، أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر أو خرج وقت الجمعة أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برء، أو كان صاحب عذر فانقطع عذره فإنه تبطل صلاته في هذه الصور كلها عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عنده.
فاعتراض هذه العوارض في هذه الحالة أعنىي قبيل السلام كاعتراضها في أثناء الصلاة فتبطل الصلاة، وعندهما لا تبطل لأن الخروج بفعله ليس بفرض عندهما، فاعتراض هذه العوارض بعد تمام فرائض الصلاة كاعتراضها بعد السلام.
وثبوت الخلاف بين الإمام وصاحبيه في هذه المسائل مسلم عند الكرخي أيضاً لكنه مبنى على أصل أخر عنده، وهو أن أول الصلاة وآخرها سواءً في وجود المغير عند أبي حنيفة رضي الله عنه كنية الإقامة في حق المسافر، فإنها تغير إلى الرباعية سواء وجدت في أول الصلاة أو في آخرها، كوجوده في أثنائها لأن اعتباره في أثنائها يستلزم صحة بناء بعض الصلاة على ما مضى منها وهو فاسد وهذا معنى مفقود في آخرها فإنه لم يبق عليه فرض، وكان وجود المغير قبل السلام كوجوده بعده، ونية الإقامة تغير وصف الصلاة من قصر إلى إكمال، لا من صحة إلى إبطال، ودليلها على تخريج المصنف والردعي قولة عليه السلام:
"إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" .
الجزء 1 · صفحة 53
فالحكم بالتمام دليل على أنه لم يبق فرض آخر فلا يكون الخرود بضعه فرضاً، وله أن إتمام الصلاة فرض بالإجماع، وإتمامها بإنهائها، وإنهاؤها لا يكون بفعل مناف للصلاة، لأن الشيء إنما ينتهي بفعل يضادة وتحصل المنافع في صنع المصلي يكون فرضاً لأن الإتمام لا يحصل إلا به، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه.
وأما قوله: تمت
أي قاربت التمام وإنما حملنا علي توفيقاً بينه وبين ما قلنا من الدليل العقلي، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى كالنقل، كذا في غية البيان قوله: ثم تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند ممد هي من الصلاة.
يعني أنها ليست من أركان الصلاة عندهما بل هي شرط من شرائطها، وعند محمد هي ركن من أركانها، كما هو مذهب الشافعي هذا ما فهمناه من هذا الكلام، ولم أظفر برواية صريحة فيما عندي من الكتب، عن محمد على أنها ركن عنده رحمه الله والله أعلم بالواقع ولإجماع منعقد على فرضيتها.
وفائدة كونها شرطاً أو ركناً قد تقدمت قبيل هذا.
قوله: أما الكتاب فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا } (1) الآية.
دلالة الآية على فرضية الوضوء ظاهرة، وأما تفصيل كمية فرائضه وسننه وغير ذلك فقد ذكره المصنف فيما بعد فلا تعجل فإنه يأتيك قبل أن يرتد إليك طرفك.
ثم إن ظاهر هذه الآية تقتضي وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة سواء كان محدثاً أو غير محدث، وهو مذهب أصحاب الظواهر.
وقال جمهور العلماء: يشترط الحدث لوجوب الوضوء، فتقدير الآية على مذهب الجمهور، أي إذا أردتم القيام وأنتم محدثون أو إذا قمتم من منامكم فاغسلوا وجوهكم، والدليل على صحة مذهب الجمهور النقل والعقل أما النقل فهو ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (أنه كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الخمس بوضوء واحد فقل له عمر رضي الله عنه رأيتك اليوم ... (ص29)
(1) - سورة المائدة آية 6.
الجزء 1 · صفحة 54
قوله: والصلاة على الجنازة
أما كون الصلاة على الجنازة فرضاً فلإن الله تعالى أمر بها بقوله "وصل عليهم" والمر للوجوب وقال عليه الصلام: (صلوا على كل بر وفاجر) وأما كونها فرض كفاية فلأنها تقام حقاً للميت فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدى فسقط عن الباقين.
صلاة الجنازة: " أن يكبر تكبيرة يقول عقيبها: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، تم يكبر ويقول عقبيها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، تم يكبر تكبيرة يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ويذكر الدعاء المعروف إذا كان يحسن ذلك وهو:
اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" .
وإذا كان لا يحسن ذلك يأتي بأي دعاء شاء. كذا قال الإمام قاضي خان –رحمه الله.
ثم يكبر الرابعة فيسلم ولا يدعو بعدها في ظاهر المذهب.
وليس في صلاة الجنازة قراءة القرآن عندنا، وقال الشافعي لا بد من قراءة الفاتحة، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى خلافاً للشافعي –رضي الله عنه-، ويقوم الإمام بحذاء صدر الميت سواء كان رجلاً أو امرأة في ظاهر الرواية، وإن كان الميت صبياً أو مجنوناً لا يستغفر له بل يقول:"اللهم اجعله لنا فرطاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله لنا شافعاً مشفعاً".
الجزء 1 · صفحة 55
فإن قيل: لم خص ابراهيم عليه السلام من بين سائر الأنبياء بذكرنا في الصلاة فقيل لوجهين أحدهما أن النبي عليه السلام رأي ليلة المعراج جميع الأنبياء وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد على أمته غير ابراهيم عليه السلام أمرنا النبي علي السلام أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاةً على إحسانه والثاني أن ابراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة جلس مع أهله فبكى ودعا وقال: الله من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني السلام فقال أهل بيته آمين ثم قال إسحق عليه السلام الله من حج هذا البيت من كهول أمة محمد عليه السلام فهبه مني السلام وقالوا آمين ثم قال اسماعيل عليه السلام اللهم من حج هذا البيت من شباب أمة محمد عليه السلام فهبه مني السلام فقالوا آمين ثم قالت سارة اللهم من حج هذا البيت من نسوان أمة محمد فهبها مني السلام فقالوا آمين ثم قالت هاجر اللهم من حج هذا البيت من الموالي والموليات من أمة محمد عليه السلام فهبه مني السلام فقالوا آمين فلما سبق منهم السلام أمرنا بذكرهم في الصلاة مجازاةً لهم على حسن صنيعهم كذا في المدعيناني قوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وهو من الصفات العالية أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمنكر ضد ذلك وقيل المعروف هو اتباع محمد عليه السلام والمنكر هو العمل بخلاف الكتاب والسنة ثم أنهما فرضان على سبيل الكفاية أما كونهما فرضين فإن الله تعالى أمرنا بهما بقوله "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" فإن معناه كونوا كلكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر على رأي من يجعل "من مني منكم" للنبيين كما هو اختيار الزجاج فيكون بمعنى قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو معناه ليكن بعض منكم أمة يأمرون بالمعروف
الجزء 1 · صفحة 56
وينهون عن المنكر على رأي من يجعل "من" للتبعيض فكيف لما كان فهو يدل على الوجوب إما على الكل وإما على البعض وقال عليه السلام مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه وأما كونهما فرضي كفاية فلحصول المقصود وهو الاستمساك بأمر الله تعالى والاجتناب عن نواهيه بمباشرة البعض فسقط عن الباقين قال صاحب الكشاف "من" للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولأنه لا يصلح له الأمن علم المعروف والمنكر وعلم كيف ترتب الأمر على إقامته وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهي عن معروف وأمر بمنكر وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه منهاة عن غير منكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً أو على من الإنكار عليه عبث كالإنكار على أصحاب إنما أصروا الجلادين وأضرابهم والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجباً فواجب وإن كان ندباً فندب وأما النهي عن المنكر فواجب كله لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبيح فإن قلت كيف يباشر الإنكار قلت يبتدي بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب لأن الغرض كف المنكر قال الله تعالى "فأصلحوا بينهما" ثم قال "فقاتلوا" فإن قلت فمن يباشره قلت كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركاً للصلاة وجب عليه الإنكار لأنه معلوم قبحه لكل أحد وأما الإنكار الذي بالقتال فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها فإن قلت فمن يؤمر وينهي قلت كل مكلف وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين وتنهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤمرون بالصلاة ليتمرونوا عليها إلى هنا من الكشاف قال في المدعيناني ناقلاً عن الفقيه أبي الليث رحمه الله: الأمر بالمعروف على وجوه إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمرهم قوله يقبل منه ذلك فالأمر واجب عليه ولا يسعه تركه ولو علم بأكبر رأيه
الجزء 1 · صفحة 57
أنه لو أمرهم بذلك قذفوه فتركه أفضل وكذلك لو علم أنه نفع الداوة بينهم و بينه ولو علم أنه لو ضربوه صبر على ذلك ولا يشكو لأحد فهذا لا بأس به وهو مجاهد في ذلك وهذا منه عمل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ولو علم أنهم لا يقبلون منه ولا يخاف منه ضرباً ولا شتماً فهو بالخيار إن شاء أمرهم وإن شاء تركهم والأمر أفضل ويقال الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على عوام الناس وهو اختيار الزندوشتى إلى هنا لفظ المدعيناني وروي عن بعض الصحابة رضي الله عنه أنه قال أن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات الله إن هذا منكر فإذا قال ذلك قد فعل ما عليه كذا في تفسير المضف قوله والجهاد بالرأي الجهاد فرض على سبيل الكفاية إذا لم يكن النفير عاماً بأن لا يحتاج إلى جميع المسلمين وذلك لحصول المقصود ببعضهم ثم في هذا الإطلاق نظراً لأنه قد لا يكون النفير عاماً ويكون الجهاد فرض كفاية وقد يكون فرض عين فإنه إذا جاء النفير وفي قربهم من المسليمن من يقدر على مقاومتهم يكون فرض عين عليهم فأما على من ورائهم من المسلمين ببعد فهو فرض كفاية حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم وبه صرح في الذخيرة ثم أعلم أن جميع فروض الكفايات إذا قام به فريق من الناس يسقط عن الباقين ويكون الثواب للمباشر وحده وإن لم يقم به أحد أثم الجميع بتركه فصل قوله ثم أعلم لأن الصلاة من الله تعالى الرحمة إلى أخره لما فرغ المضف من بيان فرضية الصلاة وأنها من فروض الأعيان شرع في ب :يان تفسيرها لغة وشرعاً وكان ينبغي أن يقدم بيان تفسيرها أولاً ثم يبين فرضيتها وغيرها من الأحكام لأن الحكم على الشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشيء إلا أنه قدم بعض حكماً ليكون إشارة إلى أن المقصود من علم الفروع هو الحكم لا الماهية قال في معالم التنزيل في قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي" قيل إن الصلاة من الله في هذه
الجزء 1 · صفحة 58
الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وقد اختار المضف رحمه الله في تفسيره هذا القول فقال في تفسير الآية يعني أن اله يفر للنبي ويأمر ملائكته بالاستغفار وبالصلاة عليه وأكثرهم على أنها هو الدعاء والثناء كائنة ممن كانت قال أبو الغالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء وقال في الكشاف ويروى أنه قيل يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي " فقال النبي عليه السلام هذا من العلم المكتوب ولولا أنتم سألتموني ما أخبرتكم به إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين آمين قوله ومني اللغة عبارة عن الدعاء اللغة المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير يقال لكل قوم لسن بكسر اللام وسكون السين أي لغة يتكلمون بها ثم هي أي اللغة عند الإطلاق تنصرف إلى لسان العرب فالمراد هنا لسان العرب أي الصلاة، في لسان العرب عبارة عن الدعاء أي تفسر بالدعاء نقول عبرتي الرويا أعبرها عبارة إذا فسرتها، ومما يدل على كونها في اللغة عبارة عن الدعاء قوله عليه السلام إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصل لهم بالخير والبركة وقال في النهاية يقال في التحيات في الصلاة أي الأثنية كلها لله تعالى فدل أنها لغة عبارة عن الدعاء والثناء إلى هنا لفظ النهاية وقيل أصلها من صل إذا مرك صلويه وهما العظمان اللذان عليهما الأليان لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، قالا في الكاشف وقيل الداعي يصلى تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد.
الجزء 1 · صفحة 59
قوله الشريعة عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة يعني أنها إذا أطلقت يراد بها عند أهل الشرع الأركان المعروفة المقررة في الأذهان وهي إما ستة تكبيرة الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والعقدة الأخيرة إن جعلت تكبيرة الافتتاح ركناً أو خمسة إن لم تجعل أو سبعة مع الخروج بفعل المصلي على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى والأفعال المخصوصة أعم من الأركان المعلومة لأنها تتناول الأركان وغيرها من واجبات الصلاة وسننها نحو رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح ووضعها تحت السرة والاعتماد بيده اليمنى على اليسرى وقراءة الفاتحة وثم السورة والتشهد في العقدة وتكبيرات الركوع والسجود وغير ذلك من واجبات الصلاة وسننها وآدابها على ما يأتيك تفضيلها إن شاء الله تعالى فصل قوله ثم اعلم بأن الحدث على نوعين الحدث اسم خاص للمانع الحكمي من آدا الصلاة والخبث اسم خاص للحقيقي والنجس شملهما وأراد المضف رحمه الله هنا من الحدث المانع مطلق من غير تقييد بالحقيقي والحكمي بقرينة تقسمه إليها.
قوله: وما أشبه ذلك.
يعني: إن كل شيء يشابه الأشياء المذكورة وماثلها فهو ينقض الوضوء، نحو ماء الجرح، القيئ ملئ الفم، والضابط فيه أن كل نجس خرد م نبدن الإنسان الحي فهو ينقض الوضوء إذا بلغ موضعاً يجب غسله، إما في الوضوء أو في الغسل فإذا أنزل دم من الرأس إلى قصبة الأنف نقض الوضوء لوصوله إلى موضع يجب عسله في العسل، وإذا نزل البول إلى قصبة الذكر لا ينقض الوضوء لعدم بلوغه إلى موضع يجب عسله لا في الوضوء ولا في العسل ن وهذا عندنا.
وقال الشافعي: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، وكذلك عند مالك، غير أن مالك رضي الله عنه يشترط في كون الخارج من أحد السبيلين حدثاً أن يكون خروجه على وجه الإعتياد، حتى أن دم الاستحاضة ومفلتت البول ليس بحدث عنده لعدم الاعتياد.
لنا قوله عليه السلام:"الوضوء من كل دم سائل".
الجزء 1 · صفحة 60
وقوله علي السلام:"من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم". والباقي يعرف في المطولات.
قوله: فكالنوم والإغماء والجنون.
إنما سمي هذه الأشياء أحداثاً حكيمة لن الحدث في الحقيقة: هو خروج خارج من أحد السبيلين لكنه خفي هذه الأشياء سبب لاسترخاء المفاصل فلا تعرى عن خروج شيء عادة، والثابت عادة المتيقن به احتياطاً في ب :اب العبادة، فأردنا الحكم عليها تيسيراً، وسميناها أحداثاً تسمية للشيء باسم مسببه.
ثم اعلم بأن النوم الذي يكون حدثاً هو: النوم مضّجعاًن أو متكياً فإن وضع رأسه على ركبتيه، أو مستنداً إلى شيء نحو جدار أو اسطوانة بحيث لو أزيل عنه ذلك الشيء لسقط، فأما إذا نام متربعاً أو متوركاً على ركبه بأن يخرج قدميه من جانب ويلصق أليته بالأرض، أو نام في الصلاة قياما أو راكعاً أو قاعداً أو ساجداً فلا ينقض وضوءه كذا في غاية البيان.
وهذا لأن النوم على هذه الهيئات لا يبلغ الاسترخاء غايته بخلاف الصور الأولى، وقد روي عن أبي حنيفة –رضي الله عنه- أنه إذا نام متكياً على الأرض لا ينتقض، وإن استند.
ولو سقط القاعد، فإن انتبه مع السقوط لا ينتقض وضوءه وإن لم ينتبه مع السقوط انتقض لمصادفة النوم حالة الاضجاع كذا في شرح المجمع.
والسكر بحيث يختل مسببه ينقض الوضوء، كذا في المرعيناني قوله: والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
إنما جعل القهقهة من الأحداث الحكمية لأنها ليست بحدث بذاتها، لنها ليست بخارج نجس ولهذا لا تكون حدثاً في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وخارج الصلاة، والقياس أن لا تكون حدثاً في الصلاة أيضاً كما هو مذهب الشافعي، إلا أن تركنا القياس وحكمنا بكونها حدثاً في الصلاة لقوله عليه السلام:"إلا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا" ثم النص إذا ورد خلاف القياس يقتصر على مورده، ومورده الصلارة المطلقة فيقتصر عليها فلا يكون حدثاً في غيرها.
الجزء 1 · صفحة 61
والقهقهة ما يكون مسموعاً له دون ولجيرانه سواء بدت أسنانه أو لم تبد، والضحك ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، والتبسم ما لا يكون مسموعاً له ولا لغيره.
والقهقهة تفسد الصلاة والوضوع جميعاً، سواء قهقهة عامداً أو ناسياً متوضأ كان أو متيمماً ، ولا تبطل طهارة الغسل، ذكره في الهاروني كذا في شرح المجمع.
والضحك يفسد الصلاة دون الوضوء، والتبسم لا يفسد الوضوء ولا الصلاة وإنما قيدت بذات ركوع أو سجود احترازاً عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
فصل.
قوله: ثم اعلم بأن الطهارة على نوعين.
الطهارة في اللغة: هي النظافة وفي الشرع: هو غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة، كذا قالوا.
وهذا التعريف يشير إلى أن الطهارة في الاصطلاح: هو الوضوء خاصة وكأن المصنف رحمه الله أراد بها هنا المعنى اللغوي حيث قسمها إلى الاغتسال والوضوء فافهم.
وإنما سمي الاغتسال طهارة غليظة والوضوء طهارة خفيفة، إما باعتبار أحدهما شامل جميع البدن دون الآخر، أو باعتبار قوة أثرهما وضعفه، فإن المزال بالغسل لما كان حدثاً غليظاً قوياً سمي المزيل وهوالغسل ظهارة غليطة وسمي أيضاً طهارة كبرى لما كان المزال بالوضوء حدثاً خفيفاً بالنسبة إلى المزال بالغسل سمي المزيل وهو الوضوء ظهارة خفيفة وسمي أيضاً الطهارة الصغرى وإلى هذا الوجه أشار في تقييد الاغتسال بكونه من الجنابة والحيض والنفاس، وفي تقيد الوضوء بكونه للصلاة فكأنه إنما قيد بذلك احترازاً عن عسل التطوع والوضوء التطوع، فكأنها حينئذ لا يتصفان بالغلظة والخفة، وعلى هذا يكون معنى قوله:" فكالوضوء للصلاة". أي لأجل إباحة الصلاة، وهو وضوء المحدث، لا أنه احتراز عن غسل اليدين فإنه قد يسمى وضوءاً مجازاً.
الجزء 1 · صفحة 62
وإنما قلنا بأن المزال بالغسل غليظ وبالوضوء خفيف لأن الشخص إذا كان جنباً أو حائضاً أو نفساً يمنع عن جميع ما يمنع عنه المحدث، وذلك مثل الصلاة ومس المصحف ويمنع أيضاً من أشياء زائدة لا منع عنها المحدث نحو دخول المسجد وقراءة القرآن.
فلصل: لما فرغ المصنف-رحمه الله عليه- من بيان الطهارة الصغرى والكبرى شرع في ب :يان ما تحصل بها الطهارة وما لا تحصل به.
قوله: أما الماء المطلق.
فهو كل ماء لو نظر إليه الناظر سماه ماءً على الإطلاق.
يعني: هو كل ماء لو نظر إلي إنسان يكون قادراً على أن يسميه ماءً من غير أن يحتاج إلى شيء آخر في التفهيم بأن قدر عند رؤيته على أن يقول هو ماء، ولا يحتاج إلى أن يقول ما الشيء الفلاني، وإن شئت قل هو الذي تتبادر إليه أذهان الناس بمطلق قولنا الماء وهذا بخلاف الماء المقيد، فغن الناظر إليه لا يقدر على أن يسميه ماء إلا بقيد مثل أن يقول ماء البطيخ أو نحو ذلك فلهذا من إطلاق اسم الماء.
وباقي التوضيح يأتي عند بيان الماء المقيد إن شاء الله تعالى.
وأهل الأصول قد عرفوا المطلق بأنه:" المعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات" والمقيد بأنه المعرض للذات والصفات.
قوله: كما السماء وإلى آخره.
السماء كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت السماء، والمراد من ماء السماء: ماء المطر والأودية: جمع واد وهو معروف. والعيون جمع عين وهو اسم مشترك يقع على الباصرة، والذهب والشمس والمال النقد، والجاسوس وولد البقر الوحس وخيار الشيء ونفس الشيء والينبوع وغير ذلك.
والمراد هنا: الينبوع والآبار بهمزة ممدودة بعد الباء الساكنة على وزن الأمثال، جمع بئر جمع قلة قالا في الصحاح: ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول آبار وإذا كثرت فهي البيار على وزن الفعال والبحار والأبحر والبحور، كله جمع بحر وهو خلاف البر، وكل نهر عظيم بحر.
الجزء 1 · صفحة 63
والغدران: جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل أي يتركها والحياض والأحياض: جمغ حوض وهو ماء مجتمع يقال استحوض الماء إذا اجتمع.
قوله: وما أشبه ذلك، وذلك نحو ماء الخليج والجدول والنهر.
قوله: فحكمه أنه طاهر وطهور.
الحكم هو القضاء وحكم الشيء هو الأثر الثابت به كذا قاله الشيخ الإمام حميد الدين –رحمه الله-.
مثلاً: إذا قلت: حكم الصلاة سقوط الواجب عن ذمة المكلف بالأداء في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة، فمعناه الأثر الذي يترتب على الصلاة.
هذا وكان المصنف –رحمه الله- أراد بالحكم ها هنا الصفة لأن كونه طاهراً وطهوراً ومزيلاً، صفة للماء لا أنه أثر يترتب عليه بل أثر حصول الطهارة للمغسول فافهم.
والطهور ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره. قاله ثعلب.
قوله: يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية.
هذا بيان طهوريته، وأراد من النجاسة الحقيقية الدم والبول والغائط والخمر ونحو ذلك من النجاسات المغلظة والمخففة، ومن النجاسة الحكمية الجنابة والحدث وما يحصل بالحيض والنفاس، وإنما صارت المياه المذكورة مزيلة لقوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً" .
ولقوله عليه السلام:"الماء طهور" الحديث.
وجه الاستدلال: الماء ذكر فيها مطلقاً، والمطلق ينصرف إلى ما هو المتعارف، والمتعارف في العسل هذه المياه المذكورة، فينصرف إليها. ولا يقال ماء العيون والآبار من السماء فلا يكون مراداً من الآية لأن نقول لا نسلم لأن الله تعالى قال:"ألم ترى أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض". وقال جلت قدرته:"أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها".
الجزء 1 · صفحة 64
ثم اعلم بأن كل ما كان مزيلاً للحدث ونهنى به النجاسة الحكمية كان مزيلاً للخبث وهو النجاسة الحقيقية، لأن الحدث أقوى في كونه نجساً من الخبيث بدليل أن قليله يمنع جواز الصلاة بالاتفاق، بخلاف الخبيث، ولأن وجوب الطهارة عن الحدث لا يسقط أصلاً بعذر ما، أما أصلاً أو خلفاً، بخلاف الخبث، مزيل الأقوى مزيل الأدنى بطريق الأولى.
قوله: وأما الماء المقيد فكل ماء يستخرج بالعلاج.
أي بالمزاولة والمعالجة وإنما سمي هذا الماء مقيداً لأنه كإسمه مقيد لا تعرف ذاته إلا بالقيد، فإن ماء الورد مثلاً لا يقدر الإنسان على أن يسميه ماءً على الإطلاق بل لا بد له أن يقيده فيقول: اءالورد حتى يفهم وكذا الباقي فإن قلت: كما أن الإضافة موجودةفي ماء البئر، كذلك موجودة في ماء الورد فلم صار أحدهما ماءً مطلقاً والآخر ماءً مقيداً مع وجود الإضافة فيهما؟؟
قلت: هذا السؤال إنما يراد أن لو كان الفرق بينهما بالإضافة، وعدم الإضافة وليس كذلك، بل الفرق بينهما بما قلنا، وعلامة ذلك مبادرة الذهن إلىالماء المطلق عند إطلاق قولنا الماء، وعدم مبادرته إلى الماء المقيد والذهن يبادر عند الإطلاق إلى ما يصدق على ماء البئر وأمثاله فيكون ماءً مطلقاً ولا يبادر إلى ماء الورد وأمثاله فيكون مقيداً غير أن الإضافة على نوعين. إضافة تعريف وإضافة تقييد والإضافة في ماء البئر والزعفران وأمثالهما لتعريف نوع من الماء، وفي ماء الورد وأمثاله للتقيد، وعلامة إضافة التقيد قصور الماهية في المضاف، كأن قصورها فيده، لئلا تدخل تحت المطلق لو صحه، ول حلف شخص بأنه لا يصلي ثم صلى الظهر يحنث لأنها صلاة مطلقة، وإضافتها إلى الظهر للتعريف، ولا يحنث بصلاة الجنازة لأنها ليست بصلاة مطلقة، وإضافتها إلى الجنازة للقيد.
قوله: كماء الفثا. إلى آخره.
القثا: هو الخيار والواحدة قثأة والقثد نبت يشبه القثاء، والخرض الأشنان والقرع حمل اليقطين والواحدة قرعة الكل في الصحاح.
الجزء 1 · صفحة 65
قوله: وما أشبه ذلك مثل ماء الرمان والليمون والريحان والياسمين والشّيب.
قوله: فحكمة أنه طاهر يزيل النجاسة الحقيقية هكذا وقع في ب :عض النسخ وهو ظاهر فلا يحتاج إلى التأويل.
وفي ب :عضها أنه طاهر غير طهور أي غير طهور في حق الحدث، يعني أنه طاهر غير طهور، إلا أن إزالة النجاسة الحقيقية بالمايعات تجوز عند أبي حنيفة، وهذه النسخة أشبه للفظ فخر الإسلام على ما ذكر في غاية البيان، عند بيان حكم الماء المستعمل.
وفي ظني هذه النسخة هي الصحيحة.
رواية وفي ب :عضها أنه طاهر وطهور يعني: طهور في حق الخبث فقط.
قوله: والأصح ما قالاه.
أي القول والأصح والوجه الأقوى الذي يعتمد عليه في الفتوى، هو ما قاله الشيخ أبوالحسن الكرخي، والشيح أبو جعفر الطحاوي –رحمها الله- بأنه يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به وجه الأصحية.
أما عدم جواز الوضوء والاغتسال به فمتفق عليه فلا يحتاج إلى إقامة الدليل، وسره هو أن الله تعالى أمر بالغسل فيقتضى آلة يحصل بها الغسل وهو الماء المطلق إما باعتبار أن الغسل المطلق ينصرف إلى الآلة المطلقة المعتادة، وهو الماء المطلق.
أو باعتبار ذكره في آية التيمم وهو خلفه بقوله: "فلم تجدوا ماءً فتيمموا" أي ماءً مطلقاً، فالله تعالى نقل الحكم عند فقد الماء المطلق إلى التيمم، فعلم أنه لا يجوز الغسل بالماء المقيد.
فإن قلت: لم لا تجوز إزالة الحدث بالماء المقيد قياساً على إزالة الخبث به عند أبي حنيفة وأبي يوسف –رحمهما الله-.
الجزء 1 · صفحة 66
قلت: من شروط صحة القياس أن يكون حكم الأصل معقول المعنى على ما عرف في الأصول، وهنا ليس كذلك فإن الأعضاء طاهرة حقيقة وشرعاً، أما حقيقة فلأنها لم تصيبها النجاسة الحقيقية، وأما حكماً فلأنه لوصلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته، ولو كان نجساً لما جازت الصلاة معه، كما لو كان معه دم، وتطهير الطاهر محال، وإذا كان على خلاف القياس يقتصر على مورد النص، ومورده الماء المطلق على الطريق الذي قلنا، فلا يتعدى إلى الماء المقيد.
فإن قلت: لم لا يجوز أن تثبت بطريق الدلالة فإن كون النص معقولاً ليس بشرط فيه لما عرف؟
قلت: إنما يثبت الشيء بطريق الدلالة إذا كان الفرع في معنى الأصل من كل وجه، وليس الماء القيد في معنى الماء المطلق في كل وجه حتى تلحق به دلالة، لأن الماء المطلق لا يعز وجوده، ولا يبالي بخبثه ويوجد مجاناً، والمقيد يعز وجوده ويبالي بخبثه، ولا يوجد مجاناً، وأما جواز إزالة الخبث به فلأن إزالة الخبث بالماء المطلق معقول المعنى لوجود النجاسة حقيقة وشرعاً فتعدى إلى غيره من المايعات بجامع الأرزالة الحسية.
قوله: وماء الورد وما أشبه ذلك مثل ماء الزردج والباقلا ونبيذ التمر.
قوله: والدبس وما أشبه ذلك كشراب الليمون وشراب التفاح.
قالا في الصحاح: الدبس ما يسيل من الرطب.
فصل
قوله: ثم اعلم بأن للصلاة شرائط وأركان وواجبات وسنناً وآداباً لصحة الشروع في الصلاة.
اعلم أن هذا الكلام بظاهرة غير مستقيم لأنه يقهم منه أن يكون للواجب والسنة والأدب تعلقاً لصحة الشروع في الصلاة وليس كذلك وهو ظاهر.
الجزء 1 · صفحة 67
وإنما تتوقف صحة الشروع فيها على الشرائط خاصة فإنه إذا فات شرط لا يصح الشروع فيها حتى لو افتتح الصلاة متطوعاً وهو على غير وضوء، أو كان على ثوبه دم مانع، ولم يعلم به لا يلزمه القضاء لعدم صحة الشروع في المبتغى فلا بد من التأويل وهو إما أن نقول لصحة الشروع متعلق للشرائط وحدها فكأنه قال: اعلم بأن للصلاة شرائط لصحة الشروع فيها وأركاناً وواجبات وآداباً فيستقيم المعنى.
أو نقول: أراد من صحة الشروع في الصلاة صحتها على صفة الكمال مجازاً بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب لأن الشروع فيها سبب لصحتها وكمالها فكأنه قال: اعلم بأن للصلاة شرائط وأركاناً وواجبات وسنناً وآداباً لصحتها وكمالها فيستقيم الكلام.
وإنما قررت الكمال لأن السسن والآداب شرعت مكملات للفرائض، وقد رأيت في ب :عض النسخ أن قوله لصحة الشروع فيها ليس بموجود فعلى هذا لا يحتاج إلى التأويل . ولكن المشهور من النسخ ما نقلناه أولاً، فيحتاج إلى التأويل.
ثم اعلم أن الشرط في اللغة: هو: العلامة اللازمة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها اللازمة، وفي الشريعة: هو ما يتوقف على وجود الشيء وهو خارج عن ماهية الشيء كذا في غاية البيان.
وقال فخر الإسلام: هو اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب وركن الشيء في اللغة هو جانبه الأقوى "وهو يأوي إلى ركن شديد". أي إلى عز ومنعة كذا قي الصحاح.
وفي الشرح: هو ما يقوم به الشيء وهو جزء داخل في ماهية الشيء والفرض يجوز إطلاقه على الشرط والركن جميعاً.
ثم الشرط على ثلاثة أنواع: المعلق، كالقدوم للنجار وشرعي كالطهارة للصلاة، وجعلي كالدخول المعلق به. كذا في غاية البيان.
الجزء 1 · صفحة 68
والواجب في اللغة: يجيئ لمعنى اللزوم، وبمعنى السقوط وبمعنى الاضطراب وفي الشرع: اسم لما لزمنا بدليل فيه شبهة. قاله فخر الإسلام وإنما سمي به لكونه ساقطاً عنا علماً، أو ساقطاً علينا عملاً أو لكونه مضطرباً بين الفرض والسنة أو بين اللزوم وعدم اللزوم فإنه يلزمنا عملاً لا علماً.
والمراد من واجبات الصلاة هو أن تجوز الصلاة بدونها ويجب سجود السهو بتركها كذا في شرح الهداية وأما السنة فقد فسرناها في أول الكتاب عند قوله: ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة.
قال صاحب النهاية: هي ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق المواظبة ولم يتركها إلا بعذر.
والأدب في اللغة معلوم، قال الجوهري: الأدب أدب النفس والدرس تقول منه أدب الرجل بالفم هو أديب، وأدبته فتأدب وفي الاصطلاح: هو كل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. كذا في النهاية.
ثم إن الواجبات شرعت لإكمال الفرائض فتكون حصناً لها، والسنن شرعت لإكمال الواجبات فتكون حصناً لها. كذا في النهاية.
واعلم أن الأدلة السمعية أنواع أربعة قطعي الثبوت والدلالة الكنصوص المتواترة وقطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة وظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي، وظني الثبوت والدلالة كأخبار الأحاد التي مفهومها ظني، فبالأول يثبت الفرض، وبالثاني والثالث يثبت الوجوب والرابع تثبت السنة، والاستحباب ليكون ثبوت الحكم بقدر دليله. كما ذكره الشيخ علاء الدين رحمه الله في الكشف.
قوله: أما شرائطها فستة هذا على تقدير أن لا تكون تكبيرة الافتتاح شرطاً كما هو اختيار المصنف وإلا تكون سبعة كما هو اختيار أكثر المشايخ على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: والطهارة من النجاسة.
أي طهارة بدن المصللي وثوبه ومكانه من النجاسة الحقيقية المايعة شرط من شروط الصلاة، ويأتيك التفصيل بعد إن شاء الله.
قوله: وأما أركانها فستة أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 69
ثم اعلم بأن تكبيرة الافتتاح شرط من شروط الصلاة فيما هو المشهور من مذهب أصحابنا.
وقال الطحاوي: هي ركن من أركانها، ذكره في شرح معاني الآثار.
ونقل عن فخر الإسلام أيضاً أنها ركن. كذا في غاية البيان وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه والطاهر أن المصنف رحمه الله اختار هذا المذهب لأنه عدها من الأركان ولكن يمكن أن يقال إنما عدها من الأركان وإن كانت شرطاً عنده أيضاً كما هو المشهور من مذهب أصحابنا، لأنها متصلة بالأركان وأخذ حكمها وهذا لأن التحريمة بمنزلة الباب للدار، والباب وإن كان غيرها ولكن يعد من الدار لاتصاله بها، وقد تكلموا أيضاً عن القعدة الأخيرة هل هي ركن أو شرط.
قال في مبسوط شيخ الإسلام: إنها ليست بركن أصلي بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت شرطاً للتحليل. وقد صرح في الإيضاح أيضاً بأنها ليست من الأركان بل هي من جملة الفرائض، وكأن الفقه في انعدام الركنة فيها هو أن الصلاة فعل هو تعظيم وأصل التعظيم بالقيم، ويزداد بالركوع، ويتناهي السجود، فأما العقدة فللخروج من الصلاة فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم تكن من جملة الأركان، ولهذا لو حلف لا يصلي يحنث، ولا يتوقف الحنث على القعدة الأخيرة من الأركان مع اتفاقهم على فرضيتها، فما ظنك في الخروج بصنع المصلي عند الإمام فإنه أبعد من أن يكون ركناً، فالحاصل ان الأركان المتفق عليها أربعة القيام، وقراءة القرآن والركوع والسجود فأما ما وراء ذلك فمنظورفيه، إما ستة وهي ما عده المصنف، أو خمسة وهي ماعدة المصنف إلا بالتحريمة، أو ستة إحداها الانتقال من ركن إلى ركن، والباقي ما ذكره المصنف من غير التحريمة.
وقد صرح في التحفة بأنه من الفرائض التي في نفس الصلاة وأنه ليس بركن، أو سبعة وهي ما عده المصنف مع الانتقال من ركن إلى ركن أو ثمانية وهي التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة وخروج المصلي بصنع المصلي.
الجزء 1 · صفحة 70
ثم اعلم أن ثمرة كون التحريمة شرطاً عندنا، ركناً عند الشافعي تظهر فيمن تحرم للفرض، كان له أن يؤدي بها لتطوع عندنا خلافاً له فإن قلت إن في الهداية غير هذه الصورة لإظهار فائدة الخلاف، وكذلك في عامة النسخ مثل مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان، والآء يضاح، والتحفة والمحيط، وتعينهم أياها يشير إلى أنه لا يجوز في غيرها مما تقتضية القسمة العقلية وهو بناء الفرض على الفرض، وبناء النفل على النفل، وبناء الفرض على النفل وهل هو كذلك أم لا، وكونها شرطاص يقتضي الجواز في اكل كما في الطهارة للصلاة.
قوله: أما بناء على الفرض فجوزه أبو اليسر فإنه قال في المبسوط: لو شرع في الظهر وأتمها ولم يسلم وبنى عليها عصراً فاتت عنه أجزأه عندنا، ونفاه القاضي أبو زيد في الأسرار، وفخر الإسلام في أول الجامع الصغير.
وأما بناء النفل على النفل فيجوز. ذكره في الأسرار. وأما بناء الفرض على النفل فقال صاحب النهاية: لم أجد فيه رواية ولكن يجب أن لا يجوز لأن الشيء لا يستتبع ما هو أقوى منه، وقال في الشامل: وهي أي تكبيرة الافتتاح شرط عندنا، حتى لو كبر ومعه نجس فألقاه، أو كبر قبل الزوال فزالت، أو ستر العورة بعمل تيسر بعد الفراغ منها، أو تحرم للغرض وكمل تسع في التطوع والسنة قبل السلام من غير تجديد تحريمة يصير شارعاً.
قوله: والخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ليست بفرض.
والمراد بقوله: بصنع المصلى : هو الصنع المنافي للصلاة وذلك مثل أن يضحك قهقهة أو يحدث عمداً أو يتكلم أو يذهب.
اعلم أن هذا الذي ذكره المصنف من إثبات الخلاف بين الإمام وصاحبيه هو اختيار الشيخ أبي سعيد البردعي رحمه الله وكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله ما ينكر ذلك ويقول لا خلاف بين أصحابنا أن الخروج بفعل المصلي ليس بفرض.
الجزء 1 · صفحة 71
واتفق الإمام وصاحباه على أن المصلي إن تعمد الحدث بعد التشهد قبل السلام أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته.
وفائدة الخلاف إن صح كما هو اختيار البردعي تظهر في المائل المشهورة المسماة بالإثني عشرية وهي أنه إذا رأى المتيمم الماء في صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام أو كان ماسحاً فانتقضت مدة مسحة، أو خلغ خفيه بعمل يسير أو كان أميّاً فتعلم سورة ، أو عرياناً فوجد ثوباً أو مومياً فقد على الركوع والسجود أو تذكر فايتة عليه قبل هذه، أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر أو خرج وقت الجمعة أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برء، أو كان صاحب عذر فانقطع عذره فإنه تبطل صلاته في هذه الصور كلها عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عنده.
فاعتراض هذه العوارض في هذه الحالة أعنىي قبيل السلام كاعتراضها في أثناء الصلاة فتبطل الصلاة، وعندهما لا تبطل لأن الخروج بفعله ليس بفرض عندهما، فاعتراض هذه العوارض بعد تمام فرائض الصلاة كاعتراضها بعد السلام.
وثبوت الخلاف بين الإمام وصاحبيه في هذه المسائل مسلم عند الكرخي أيضاً لكنه مبنى على أصل أخر عنده، وهو أن أول الصلاة وآخرها سواءً في وجود المغير عند أبي حنيفة رضي الله عنه كنية الإقامة في حق المسافر، فإنها تغير إلى الرباعية سواء وجدت في أول الصلاة أو في آخرها، كوجوده في أثنائها لأن اعتباره في أثنائها يستلزم صحة بناء بعض الصلاة على ما مضى منها وهو فاسد وهذا معنى مفقود في آخرها فإنه لم يبق عليه فرض، وكان وجود المغير قبل السلام كوجوده بعده، ونية الإقامة تغير وصف الصلاة من قصر إلى إكمال، لا من صحة إلى إبطال، ودليلها على تخريج المصنف والردعي قولة عليه السلام:
"إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" .
الجزء 1 · صفحة 72
فالحكم بالتمام دليل على أنه لم يبق فرض آخر فلا يكون الخرود بضعه فرضاً، وله أن إتمام الصلاة فرض بالإجماع، وإتمامها بإنهائها، وإنهاؤها لا يكون بفعل مناف للصلاة، لأن الشيء إنما ينتهي بفعل يضادة وتحصل المنافع في صنع المصلي يكون فرضاً لأن الإتمام لا يحصل إلا به، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه.
وأما قوله: تمت
أي قاربت التمام وإنما حملنا علي توفيقاً بينه وبين ما قلنا من الدليل العقلي، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى كالنقل، كذا في غية البيان قوله: ثم تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند ممد هي من الصلاة.
يعني أنها ليست من أركان الصلاة عندهما بل هي شرط من شرائطها، وعند محمد هي ركن من أركانها، كما هو مذهب الشافعي هذا ما فهمناه من هذا الكلام، ولم أظفر برواية صريحة فيما عندي من الكتب، عن محمد على أنها ركن عنده رحمه الله والله أعلم بالواقع ولإجماع منعقد على فرضيتها.
وفائدة كونها شرطاً أو ركناً قد تقدمت قبيل هذا.
قوله: أما الكتاب فقوله تعلى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" الآية.
دلالة الآية على فرضية الوضوء ظاهرة، وأما تفصيل كمية فرائضه وسننه وغير ذلك فقد ذكره المصنف فيما بعد فلا تعجل فإنه يأتيك قبل أن يرتد إليك طرفك.
ثم إن ظاهر هذه الآية تقتضي وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة سواء كان محدثاً أو غير محدث، وهو مذهب أصحاب الظوهر.
وقال جمهور العلماء: يشترط الحدث لوجوب الوضوء، فتقدير الآية على مذهب الجمهور، أي إذا أردتم القيام وأنتم محدثون أو إذا قمتم من منامكم فاغسلوا وجوهكم، والدليل على صحة مذهب الجمهور النقل والعقل أما النقل فهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الخمس بوضوء واحد فقل له عمر رضي الله عنه رأيتك اليوم ... (ص29)
الجزء 1 · صفحة 73
فعلت شيئاً لم تفعله من قبل فقال له عليه السلام عمداً فعلت يا عمر كي لا يحرجوا وأما العقل فهو أنا لو أوجبنا الوضوء بنفس القيام إلى الصلاة يلزم منه أن لا يتفرغ الإنسان من الوضوء فيقع في الحرج العظيم وذلك مدفوع شرعاً وأن يفوت المقصود الأصلي وهو الصلاة بالاشتغال بمقدماته وهو الوضوء وهو فاسد وذلك لأنه إذا قام إلى الصلاة وجب عليه الوضوء فتوضأ ثم قام إليها يبتغي أن يجب عليه الوضوء ثانياً لوجود القيام فإذا توضأ وقام إليها يجب أخرولهم جرا فلا يزال كذلك مشغولاً بالوضوء لا يتفرغ للصلاة وفساده لا يخفى على أحد أو نقول علم كون الحديث شرطاً لوجوب الوضوء بدلالة النص وهو أن الحدث شر من التيمم الذي هو بدل من الوضوء قال الله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من العائط إلى أن قال فتيمموا والبدل إنما يجب بها ما يجب به الإصل فكان ذكر الحدث في البدل وهو التيمم ذكراً في المدل وهو الوضوء فكان الحدث شرطاً لوجوب الوضوء أيضاً وقال جلال الدين الخبازي وإنما صرح بذكر الحدث في ب :اب الغسل والتيمم دون الوضوء والله أعلم ليعلم أن الوضوء سنة وفرض والحدث لكونه فرضاً لا لكونه سنة فيكون الوضوء على الوضوء نوراً على نور والغسل على الغسل والتيمم على التيمم يكون عبثاً قوله مفتاح الصلاة الطهور وإنما ذكر ما ورأه تتميماً للحديث والطهور في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث يفتح ال....... جمهور الرواة كذا في شرح المصابيح وقال التورشني الأجود ضمه لأنه متفق عليه والفتح مختلف عليه ثم اعلم أن ما كان على وزن فعول يفتح الفا قد يجيئ بمعنى الفاعل للمبالغة كالشكور وبمعنى المفعول كالركوب وبمعنى المصدر كالقبول وبمعنى اسم غير مصدر كالذنوب وقال ...... وجمهور أهل اللغة على أن الطهور والوضوء يضمان إذا إريد بهما المصدر ويفتحان إذا أريد بهما اسم ما يتطهر به وعن سيبويه أن الفتح يقع على الماء والمصدر فإن قرأت الحديث بالضم فلا
الجزء 1 · صفحة 74
إشكال لأنه مصدر حينئذ على الأصح بمعنى التطهر وإن قرأته بالفتح فإن جعلته بمعنى المصدر فلا إشكال أيضاً فيكون بمعنى التطهر وإن جعلته اسما لما يتطهر به فهو على حذف المضاف أي استعماله شبه النبي عليه السلام الشروع في الصلاة بالدخول في البيت المقفل يعنى كما أنه لا يتمكن الدخول في البيت المقفل إلا بالمفتاح كذلك لا يتمكن من الدخول في الصلاة إلا بالطهارة فوله و...........يعني لا يجوز الدخول فيها إلا بالتكبير ثم هل هو مختص بلفظ الله أكبر أم لا ف...........تكبيره الافتتاح إن شاء الله قوله وتخليلها التسلم إلى الخروج من الصرة بالتسليم ثم هل هو سنة أم فرض أم واجباً بأنك من ....... في قضايان سنن الصلاة إن ساء الله وإنما سميت تكبيرة الافتتاح تحرمة لأن بها يحرب الأسباب المتاحة خارج الصلاة مثل الأكل والشرب وكلام الناس وغير ذلك وإنما سمي التسليم تحليلاً لأن به يحل الأشياء المحرمة في الصلاة وإضافة التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما وليست هي إضافة المصدر إلى معموله كذ قيل قوله وثيابك فطهر الكلام هنا يقع في ثلاث مقاسات الأول في الدليل الذي يوجب الطهروالثاني ......... بها التطهير والثالث في أن أنواع النجاسة .......بإزالتها فرضاً أو واجباً ....... أما الأول فنقول يجب على المصلي قبل أن يدخل في الصلاة أن يطهر بدنه وثوبه ومكان صلاته من النجاسة بهذا النص وبقوله عليه السلام ..........ثم اغسليه بالماء فالة لامرأة سألته عن دم المحيض بصيت الثوب ومعنى ..... أي حكيه ومعنى فرصته اغسليه بأطراف أصابعك قال الجوهري ...... أن الشارع أمر بتطهير الثوب من النجاسة ومطلق لأمر للودبو على ما عرف في الأصول فيكون التطهير وجباً ولو رد في الثوب وإرد في المكان والبدن بطريق الأولى لأن المصلي إنما أمر بالطهارة قبل الشروع في الصلاة ليكون على أحسن الحالات وأشرف الهيئات حالة المناجاة مع رب العزة بأن يكون طاهراً نقياً
الجزء 1 · صفحة 75
واتصاله بالمكان أقوى من اتصاله بالثوب إذ الموجود الممكن لا يتصور إلا المكان .....وحال البدن ...............في طهارة المكان هو ....المصلي حتى لو افتتح الصلاة وتحت قدمه نجس أكبر وقدر الدرهم فصلاته فاسدة لأنه لا بد من القيام وذلك يكون بالقدم فأما إذا كان في موضوع السجود فعن أبي حنيفة فيه رواتنا ... في النهاية وأما المقام الثاني فنقول يجوز إزالتها بالماء وبكل مايع طاهر يمكن التهابه كالخل وماء الورد ونحو ذلك مما ينعصر بالعصر وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف عن محمد أيضاً وقال محمد في الرواية المشهورة عنه وهو قلو رفروا الشافعي لا يجوز إلا بالماء لأنه يتنجس بأول الملاقات والنجس لا يفيد الطهارة إلا أن هذا القياس تركناه في الماء للضرورة وإثبات مذهب إبي حنيفة وأبي يوسف موقوف على إثبات أصل موافق للقباس حتى يمكنإلحاق المايعات بالماء قياساً وهو أن يقول أن الما لا يتنجس حالة الاستعمال لأنه إنما يتنجس بانتقال النجاسة إليه وما دوام على الثوب لا يتحقق الانتقال لأن النجاسة قائمة بالثوب والماء قائم بالثوب أيضاً فكان النجس قائم على نجاسته والطاهر على طهارته إلا أنه منع من استعمالة لمحوزه النجس فإذا تكررت العسلات نهت جزءً النجاسة لأنها متناهية فإذا انتهت ...... بقي الثوب طاهراً كما كان فإذا ....... في ماء .... المايعات قياساً عليه وجود العدة المشتركة ........ الإزالة الحسية لأن مشتركة في ....................... في المعلول وهذا لأن الخل ونحوه من المايعات يزيل طبعاً كالماء بل أولى لأن الخل يزول به الألوان والأدهان التي لا تزول بالماء فتحصل به الطهارة الكاء وهذا يخلاف الطهارة الحكمية فإنها ثبتت بالنص على خلاف القياس على ما قلنا في ب :يان الماء المقيد فيقتصر على مورده فلا يقاس عليها غيرها فاحفظ أيها الأخ المخصل هذه النكتة حتى تقدر على إثبات هذه المسألة فإنك متى سلمت يتنجس الماء حالة الاستعمال كما قال
الجزء 1 · صفحة 76
الخصم لا تقدر على إثباتها أبداً لأنه حينئذ لا تفد الإزالة فايدتها لأنه إن زال الأول خلفه أخرى وهي نجاسة الماء وقد صرح حافظ الدين النسفي وجلال الدين الخبازي بعدم تنجس الماء حالة الاستعمال أو نقول المعنى الذي لأجله سقط القياس في حق الماء وهو لأن الإزالة فايدتها ذلك المعنى موجود في غيره من المايعات فسقط اعتبار القياس هو ليفيد إزالة هذه المايعات فيادتها وهذه النكتة من النهاية وأما المقام الثالث فسيأتيك من بعد إن شاء الله عند قول المصنف فصل ثم اعلم أن الاستنجا على تسعة أوجه قوله وقيل في التفسير أي فقصر أي قيل في تفسير الآية وبيانها أي فصر يعنى أن تفسير الآية ومعناها حقيقة هو الأمر بتطهير الثياب عن النجاسة وقيل معناها الأمر بتقصير الثياب وهو اختيار طاوس والأول قول ابن سيرين وابن زيد كذا في معالم التنزيل قال صاحب الكشاف وثيابك فطهر أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى والأحب في غير الصلاة وقبيح المؤمن الطيب أن يحمل خبثاً وثيل هو أمر بتقصيرها ومخالفة للعربة في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول وذلك ما لا يؤمن معه إصبة النجاسة إلى هنا لفظ الكشاف فإن قلت فهل يصح الاستدلال بالآية إذا حملت على الأمر بتقصير الثياب قلت نعم لأن تقصير الثياب يستلزم تطهيرها عادة فيكون أمر تطهيرها اقتضاء ولكن الاعتماد على التفسير الأول لأنه الحقيقة الثاني مجاز والأصل هو الحقيقة وفي تفسير الآية أقوال أخر فقيل معناه نفسك فطهر من الذنب فكنى عن النفس بالثوب وقيل لا تلبسها على معصية وغدر وقيل وعملك فأصلح وقيل فخلقك فحسن فإن قلتها إذا حملت على الأمر بتقصير الثياب يكون تطويلها حراماً فما حدد لك قلت قد روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين أما أسفل منه ففي النار فعلى هذا يكون المستحب إلى نصف الساقين والجائز
الجزء 1 · صفحة 77
بلا كراهة إلى الكعبين وما نزل منهما هو ممنوع فإن كان للخيلاء والتكثر فهو منع تحريم وإلا فتنزيه والأحاديث المطلقة في أن ما تحت الكعبين في النار المراد بها ما كان للخيلاء عملاًً بقدر الإمكان وأما النسا فقد صح عن النبي عليه السلام الأذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعاً كذا في الإشراق قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة من غير طهور الحديث الطهور بضم الطاء وفتحها هو التطهر على ما بيّنا في قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور يعنى أن الله تعلى لا يقبل صلاة أية صلاة كانت فرضاً كانت أو نفلاً إلا بطهارة إما بالغسل أو بالتيمم ولا يقبل أيضاً صدقة من مال حرام لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فقد قرر عليه السلام قبول الصدقة من الحرام بعدم قبول الصلاة بدون الطهارة إيذاناً بأن التصدق تزكية النفس من الأوضار وطهارة لها كما أن الوضوء كذلك كذا قيل قوله والغلول في الخيانة في المغنم قال ابن السكيت لم يسمع في المغنم إلا غل غلولاً قرئ وما كان لنبي أن يغل ويغل بمعني يغل يخون ومعنى يغل يحتمل معنيين أحدهما يخان يعني أن يؤخذ من عنيمته والأخر يخون أن ينسب إلى الغلول قال أبو عبيد الغلول من المغنم خاصة ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة أغل يغل ومن الحقد غل يغل بالكسر ومن الغلول غل يغل بالضم كذ في الصحاح قوله أما الكتاب فقوله تعلى خذوا زينتكم عند كل مسجد اعلم أن كلامنا هنا يقع في ثلاث مقامات الأول في الدليل الذي يودب ستراً لعورة والثاني في ب :يان ما يكون عورة وما لا يكون والثالث في ب :يان أي مقدار من انكشاف العورة يكون مانعاً لجواز الصلاة وأي مقدار لا يكون ماناعاً أما الأول فنقول يجب على المصلي أن يستر عورته قبل أن يشرع في الصلاة النصين المذكورين في المتر وبقوله عليه السلام لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار أي لبالغة أما وجه الاستدلال بالآية فهو أن الله تعالى أمر بأخذ
الجزء 1 · صفحة 78
الزينة عند كل مسجد والمراد ستر العورة لأجل الصلاة لا لأجل الناس بل ثبت وجوب ستر العورة لأجل الناس بأدلة أخر مثل قوله تعالى ولا يبدين زينتهن الآية وقوله عليه السلام لجرهد وأر فخذك وقوله عليه السلام عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته إلى غير ذلك من الأدلة التي تعرف في كتاب الحظر والإباحة وهذا لأن الناس في السوق أكثر منهم في المساجد فول كان لأجل الناس لقال عند كل سوق كذا في النهاية فكأن معناه خذوا ما يواري عورتكم عند كل صلاة لأن أخذ الزينة نفسها محال لأن المراد من الزينة هنا تسرة العورة والتسر فعل عرض وأخذ العرض محال فأريد محلها وهو الثوب مجازاً فكان من باب إطلاق اسم الحال على المحل فكلاهما جائزان لوجود الاتصال الصوري بين الحال والمحل فيكون أمراً لستر الوعورة في الصلاة تزلن في شأن الطواف فإنهم كانوا يطوفون عراة ويقولون لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها فنزلت فكيف يكون حجة في وجوب سترة العورة في الصلاة قلت الأصل أن العبرة بقموم اللفظ لا بخصوص السبب عندنا على ما عرف في الأًصول وهنا اللفظ عام لأنه قال عند كل مسجد ولم يقل عن المسجد الحرام فيعمل بعمومه وأما وجه الاستدلال بقوله عليه السلام أو لكلكم ثوبان فهو إن لفظه استخبار ومعناه الإخبار عن الحالة التي كانوا عليها من ضيق الثياب وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى أي إذا كان ستر العورة واجباً لا سيما في الصلاة وليس لكلكم ثوبان فكيف لم تعلموا جوازها في الثوب الواحد قال الخطابي والرواةي الأخرى بمعناه وأما المقام الثاني فهو أن عورة الرجل من تحت سرته إلى تحت ركبته وعورة الأمة القنة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة مثل عورة الرجل مع ظهرهن وبطنهن وعورة الحرة جميع بدنها إلا وجهها وكفيها وفي قدميها روايتان وأما المقام الثالث فهو أن الكثير من انكشاف العورة مانع والقليل ليس بمانع وربع العضو وما فوقه كثير وما دونه قليل عند أبي حنيفة ومحمد سواء كان من
الجزء 1 · صفحة 79
العورة الغليظة وهي القبل والدبر أو من العورة الخفيفة وهو ما عدا القبل والدبر وعند أبي يوسف ما زاد على النصف كثير وما دونه قليل وفي النصف عنه روايتان والذكر يعتبر عضواً على حدة والأنثى على حدة هو الصحيح كذا فيالنهاة وقيل يعتبر الذكر مع النثيين عضواً واحداً وكل واحد من رحل المرأة عضو علىحدة كذا في المرعينابي وثديها في حال النهود تبع للصدر ومتى كبر يعتبر عضواٍ على حدة والركبة تبع للفخذ على ما هو المختار وكعب المرأة حكمها حكم المرأة وما بين سرة الرجل وعانته حول جميع البدن عضو على حدة كذا في غابة البيان وشعرها النازل يعتبر على حدة وكذا البطن والفخذ وكذلك ساقها. [ نهاية العشر صفحات ]
فاذا انكشف ربع عضو من هذه الاعضاء يكون مانعا لجواز الصلاة ، فان كان اقل من الربع فلا يكون مانعا عندها ، والا تكشفا لمتفرق يجمع كالنجاسة المتفرقة .
فاذا انكشف سدس شعرها ، وسدس بطنها ، وسد س فخذها ، يجمع ، فان بلغ الربع من احد هذه الاعضاء يكون مانعا عندهما والا فلا .
ثم الستر شرطا عن غيره لا عن نفسه ، حتى لو وصل في قميص محلول الجيب وبصره يقع على عورته حال الركوع جازت صلاته . كذا في المرغيناني .
وقيل هذا في كثيف اللحية ، وقيل لا تنفعه لحيته ولو نظر انسان من تحت القميص وراى عورة المصلي لا تفسد صلاته ، والثوب الرقيق الذي يوصف ما تحته لا يكون ساترا، ثم انه لا تبطل الصلاة بمجرد الانكشا ف بالاجماع ، حتى اذا انكشفت عورته فتدارك في الحال فستر لم تبطل صلاته بالا تفاق ، وانما تبطل بمضي زمان مقدر وهو ان يؤدي مع الانكشا ف ركنا من اركان الصلاة عند محمد ، وان يمضي زمان يمكن فيه آداء ركن من اركانها عند ابي يوسف .
وعلى هذا الخلا ف اذا كان في صف النساء للزحمة او على نجاسة على قدر الدرهم ، ومن فقد الساتر صلى عريانا ، قاعدا يوميء بالركوع والسجود ، او قائما يركع ويسجد ، والاول أفضل
الجزء 1 · صفحة 80
فاذا وجد ما يستر به القبل او الدبر يتخير .
وعن الشافعي : يستر القبل لانه يستقبل به القبلة ، وقيل لانه افحش في الركوع.
قوله: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (1)
أي : حول وجهك الى جهته ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، أي : وفي أي مكان كنتم في ب :را ، او بحرا ، واردتم الصلاة فحولوا وجوهكم الى جهته .
اعلم إن النبي -- عليه السلام - -كان يصلي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة ، تالفا لليهود فصلى إليها ستة عشر ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان يتوقع من ربه إن يحوله إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم- - عليه السلام - - وادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ، ومزارهم ، ومطافهم ، ثم وجه إلى الكعبة حيث نزلت هذه الآية.
(1) - سورة البقرة آية 144.