الجزء 1
ـ[تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ]ـ
المؤلف: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ)
الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ (المتوفى: 1021 هـ)
الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1313 هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، تبيين الحقائق بأعلى الصفحة وحاشية الشِّلْبِيِّ بأسفلها مفصولا بينهما بفاصل ومميزا باختلاف في اللون]
الجزء 1 · صفحة 2
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَحَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَزَيَّنَهَا بِالْإِيمَانِ وَمَا أَلْهَمَهَا مِنْ حِكْمَتِهِ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَارِفٍ لِعَظَمَتِهِ مُقِرٍّ بِوَحْدَانِيِّتِهِ، وَعَلَى مَنْ خَتَمَ بِهِ الرِّسَالَةَ أَفْضَلَ صَلَاتِهِ وَتَحِيَّتِهِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْمَخْصُوصِ بِإِظْهَارِ مِلَّتِهِ عَلَى الْمِلَلِ كُلِّهَا وَدَوَامِ شَرِيعَتِهِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَنِهَايَتِهِ، وَعَلَى آلِهِ الْكِرَامِ وَجَمِيعِ صَحَابَتِهِ وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ بِإِحْيَاءِ سُنَّتِهِ.
(أَمَّا بَعْدُ) فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْت هَذَا الْمُخْتَصَرَ الْمُسَمَّى بِكَنْزِ الدَّقَائِقِ أَحْسَنَ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ حَاوِيًا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْوَاقِعَاتِ مَعَ لَطَافَةِ حَجْمِهِ لِاخْتِصَارِ نَظْمِهِ، أَحْبَبْت أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرْحٌ مُتَوَسِّطٌ يَحُلُّ أَلْفَاظَهُ، وَيُعَلِّلُ أَحْكَامَهُ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ الْفُرُوعِ مُنَاسِبًا لَهُ مُسَمًّى بِتَبْيِينِ الْحَقَائِقِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَبْيِينِ مَا اكْتَنَزَ مِنْ الدَّقَائِقِ وَزِيَادَةِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ اللَّوَاحِقِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهِ مُعْتَصِمًا بِهِ عَنْ الزَّلَلِ وَالْخَلَلِ فِيمَا أَقُولُ وَأَفْعَلُ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
[الْوُضُوء]
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ وَجْهِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ) أَيْ الْوَجْهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ وَهِيَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَحَدُّ الْوَجْهِ فِي الطُّولِ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى آخِرِهِ) نُوقِشَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مِنْ وُجُوهٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي الطُّولِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. (الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي حُكْمِهِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى حَدُّ الْوَجْهَ طُولًا مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. (الثَّالِثُ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ أُذُنٍ شَحْمَةً وَالْعَرْضُ مِنْ الشَّحْمَةِ إلَى الشَّحْمَةِ وَلَيْسَ لِلْأُذُنِ الْوَاحِدَةِ شَحْمَتَانِ. (الرَّابِعُ) يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَأُصُولِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَاللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فِيهِ مُقَدَّرًا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعَسُّفٌ وَهُوَ أَيْضًا بِعَيْنِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَسَامَحُونَ فِي إطْلَاقِ الْعِبَارَاتِ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ الْمُنَقَّحَةَ أَنْ يُقَالَ وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ إلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِمَا قَدَّرْنَا أَيْضًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَقَطَتْ لِلْحَرَجِ وَعَلَى حَدِّ مَنْ يَقُولُ الْوَجْهُ مَا يُوَاجِهُهُ الْإِنْسَانُ لَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمُوَاجَهَةِ عَيْنِيٌّ وَفِي الْقَافِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا وَقَوْلُهُ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ وَهُوَ مُجْتَمَعُ لَحْيَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 3
مُبْتَدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ: بِمِرْفَقَيْهِ أَيْ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، يُقَالُ: اشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِسَرْجِهِ أَيْ مَعَ سَرْجِهِ، وَقَالَ زُفَرُ لَا تَدْخُلُ الْمَرَافِقُ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا قُلْنَا: نَعَمْ لَا تَدْخُلُ لَكِنَّ الْمُغَيَّا هُنَا إنَّمَا هُوَ الْإِسْقَاطُ، فَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَسْقِطُوا مِنْ الْمَنَاكِبِ إلَى الْمَرَافِقِ، إذْ لَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ لَمْ يَكُنْ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَ الْمَرَافِقِ وَجْهٌ، بَعْدَمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْيَدِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) وَالْكَلَامُ فِيهِمَا كَالْكَلَامِ فِي الْيَدِ، وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمَفْصِلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بِتَثْنِيَةِ الْكَعْبِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَمِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ جُزْءٌ لَهُ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَقِيلَ إلَى الْكِعَابِ كَالْمَرَافِقِ فَبَطَلَ زَعْمُهُ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْمَسْحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ، وَلَنَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ «، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَمَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ»، وَالْجَرُّ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» وَهِيَ الرُّبْعُ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْوَاجِبُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ، وَهِيَ الْيَدُ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَصَابِعُ، وَهِيَ عَشَرَةٌ فَرُبْعُهَا اثْنَانِ وَنِصْفٌ، وَالْوَاحِدُ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَمُلَ، وَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحَ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا إذْ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ،
وَقَوْلُهُ (وَلِحْيَتِهِ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَرُبْعِ لِحْيَتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ لِعَدَمِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ أَوْ لِتَعَسُّرِهِ وَجَبَ مَسْحُهُ كَالْجَبِيرَةِ، وَالْمَمْسُوحُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ فَاعْتُبِرَ الرُّبْعُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرُّبْعِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَمَسْحُ لِحْيَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ اللِّحْيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ عَنْهُ غَسْلُ الرُّبْعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَسَّرَ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ انْتَقَلَ الْوَاجِبُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ لَمَّا تَعَسَّرَ انْتَقَلَ الْوَظِيفَةُ إلَى الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ، وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ عَنْ الذَّقَنِ فَلَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَسُنَّتُهُ) أَيْ سُنَّةُ الْوُضُوءِ (غَسْلُ يَدَيْهِ إلَى رُسْغَيْهِ ابْتِدَاءً كَالتَّسْمِيَةِ)، أَمَّا الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَقَالَ إلَى رُسْغَيْهِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ، وَأَطْلَقَهُ لِيَتَنَاوَلَ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ، وَقَالَ كَالتَّسْمِيَةِ وَيَعْنِي كَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ وَالْيَدِ الزَّائِدَتَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأَقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى طَرَفَ الْعُضْوِ كَنُونٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا) أَيْ كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (قَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ {وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْأَيْدِي إلَى الْمَنَاكِبِ وَهُوَ لُغَةٌ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ) أَيْ لَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَلَّ أَنَّهُ ثَنَّى فِي كُلِّ رِجْلٍ (قَوْلُهُ وَمِنْ النَّاسِ) وَهُمْ الرَّوَافِضُ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَالْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْغَسْلُ غَيْرُ جَائِزٍ. (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ) أَيْ هُوَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ) وَالْغَسْلُ يَنُوبُ عَنْهُ وَلَوْ مَعَ الْوَجْهِ، وَالْوُضُوءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْدِثِ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ جِنَازَةً أَوْ نَفْلًا وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُهَا وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَوَاجِبٌ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ وَقَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَذِبِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلِلْجُنُبِ عِنْدَ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الِاخْتِلَافِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ) وَجْهُ اعْتِبَارِ الْآلَةِ أَنَّ الْبَاءَ إنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَحَلِّ اقْتَضَتْ اسْتِيعَابَ الْآلَةِ دُونَ الْمَحَلِّ، وَأَكْثَرُ الْآلَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ كُلِّهَا فَيَجِبُ الْمَسْحُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ انْتَهَى يَحْيَى (قَوْلُهُ وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ) قِيَاسُ اللِّحْيَةِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ أَظْهَرُ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ الْبَشَرَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا فِي شَعْرِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ الْحَاجِبَيْنِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فَلَا يَجِبُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ وَهُوَ أَصَحُّ مَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ) تَقُولُ رَأَيْت وَجْهَهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ وَيُقَالُ طَالَتْ لِحْيَتُهُ انْتَهَى
[سُنَن الْوُضُوء]
(قَوْلُهُ وَسُنَّةُ الْوُضُوءِ) ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَى رُسْغَيْهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الرُّسْغُ كَالْقُفْلِ مَفْصِلٌ مَا بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ابْتِدَاءً) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدِئًا انْتَهَى عَيْنِيٌّ السُّنَّةُ نَفْسُ الِابْتِدَاءِ بِفِعْلِ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْغَسْلِ فَفَرْضٌ انْتَهَى
الجزء 1 · صفحة 4
أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا، فَكَذَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ مُطْلَقًا، وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَتْرُكْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ وَكَذَا مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ»، وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْوُضُوءِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ غَسْلِ الْبَعْضِ وَسَمَّى لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ، فَيُشْتَرَطُ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ، وَقَدْ فَاتَ وَكُلُّ لُقْمَةٍ مِنْ الْأَكْلِ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ، فَلَمْ يَفُتْ، ثُمَّ قِيلَ يُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ وَقِيلَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لَا يَكُونُ تَعْظِيمًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ (وَالسِّوَاكِ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَاكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ»، وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ يَعْنِي السِّوَاكَ وَالتَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَغَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ) عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَى الْغَسْلِ إمَّا اخْتِصَارًا أَوْ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ فَكَانَ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، وَالْغَسْلُ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِالْيَدَيْنِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، أَوْ مَعْنَاهُ فَعَلَهُمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: الِاسْتِنْشَاقُ بِالْيُسْرَى؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقَوْلُهُ وَغَسْلِ فَمِهِ يَجُوزُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَتَكُونُ الْمَضْمَضَةُ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْوُضُوءِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِدْعَةً، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، وَدَاخِلُهَا لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ) «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ فِي ابْتِدَائِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ» الْحَدِيثَ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَفُتْ) وَهُوَ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ انْتَهَى. (قَوْلُهُ إنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا) أَيْ لَا حَالَةَ الِانْكِشَافِ وَلَا فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ انْتَهَى كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالسِّوَاكِ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْعَلْكَ لِلْمَرْأَةِ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ لِأَنَّهَا تَخَافُ مِنْ السِّوَاكِ سُقُوطَ سِنِّهَا؛ لِأَنَّ سِنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ سِنِّ الرَّجُلِ وَهُوَ مَا يُنَقِّي الْأَسْنَانَ انْتَهَى فَإِنْ قُلْت مِنْ فَوَائِده أَنَّهُ يَشُدُّ اللِّثَةَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي كَوْنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ قَدْ تُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْأَسْنَانِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَزِمْت السِّوَاكَ حَتَّى خَشِيت أَنْ يَدْرَدَ فِي» وَالدَّرَدُ سُقُوطُ الْأَسْنَانِ لَكِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ لَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ أَحْيَانًا انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قُلْت بَلْ الْأَظْهَرُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُفِيدِ أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي فِيهِ كُلُّ الْأَحْوَالِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ وَالسِّوَاكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ) وَالْمَضْمَضَةُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ فَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ بِالْمَنْخَرَيْنِ انْتَهَى (قَوْلُهُ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ) وَإِمَّا تَنْبِيهًا عَلَى حَدَّيْهِمَا انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ بِالْغَرْغَرَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ بِالِاسْتِنْثَارِ انْتَهَى.
كَافِي (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَا وَاجِبَتَيْنِ إذْ لَمْ يَذْكُرُوا عَنْهُ تَرْكَهُمَا وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى) أَيْ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ يَجُوزُ بِالْجَرِّ) أَيْ وَيَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي السِّوَاكِ. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَإِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِالْبَاقِي جَازَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ لَا يَجُوزُ انْتَهَى (قَوْلُهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّهُمَا سُنَّتَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَالَ الْكَاكِيُّ فِي جَوَابِهِ إنَّهُمَا فِي الْوَجْهِ وَالْوَجْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا ذَكَرْنَا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) أَيْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ) فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّخْلِيلُ وَاجِبًا نَظَرًا إلَى الْأَمْرِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَدَيْنِ وَاحِدٌ وَثَانِيهَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ لِتَارِكِهِ قُلْنَا هَذَا لَا يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْآحَادِ وَلَا الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهَا، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا وَيَجِبُ بِوُجُوبِهَا فَلَوْ قُلْنَا
الجزء 1 · صفحة 5
الْوَارِدِ بِهِ، وَلِأَنَّ أَثْنَاءَهَا مَحَلٌّ لِلْفَرْضِ بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ عِنْدَهُمَا هَذَا إذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى أَثْنَائِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِأَنْ كَانَتْ مُنْضَمَّةً فَوَاجِبٌ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ»، ثُمَّ قِيلَ التَّعَدِّي يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] وَالظُّلْمُ إلَى النُّقْصَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] أَيْ لَمْ تَنْقُصْ، فَالْأَوَّلُ فَرْضٌ وَالثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ إكْمَالُ السُّنَّةِ، وَقِيلَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ الثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ، وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدُ الْعَدَدِ فِيهِمَا، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ الثَّلَاثَ سُنَّةً حَتَّى لَوْ رَأَى الثَّلَاثَ سُنَّةً، ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ثُمَّ هِيَ سُنَّةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرْضٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُعَلِّمْ الْأَعْرَابِيَّ النِّيَّةَ حِينَ عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ مَعَ جَهْلِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] أَيْ فَاقْصِدُوا، وَلِأَنَّهَا فِي التَّيَمُّمِ لِصَيْرُورَةِ التُّرَابِ طَهُورًا لِأَنَّهُ مُلَوَّثِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ حِسًّا وَكَذَا شَرْعًا وَحُكْمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] فَمَنْ شَرَطَ النِّيَّةَ لِصَيْرُورَتِهِ طَهُورًا فَقَدْ زَادَ فِيهِ، وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ) أَيْ وَمَسْحُ كُلِّ أُذُنَيْهِ بِمَاءِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ وَتَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَضَعُ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيَمُدُّهُمَا إلَى قَفَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْوُجُوبِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ لَسَاوَى التَّبَعُ الْأَصْلَ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الضَّعْفِ فِي بَيَانِ الْوُصُولِ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ وَجَامِعِ الْأَسْرَارِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ بَلْ الْوَاجِبُ الْقَوِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْ ظَاهِرِهِ كَخَبَرِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ.
أَمَّا إذَا وُجِدَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَهَاهُنَا عَارَضَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ تَعْلِيمِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ التَّخْلِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا فَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ السُّنَّةِ الَّتِي دُونَ الْوُجُوبِ عَمَلًا بِالدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَهَكَذَا جَمِيعُ الدَّلَائِلِ الَّتِي تَدُلُّ ظَوَاهِرُهَا عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُعَارَضٌ بِمَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِهِ إذَا تَأَمَّلْت فِيهَا وَقَالَ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَلِّلُوا» الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى الرَّوَافِضِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ «فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ») قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ أَصْلًا انْتَهَى فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ الثَّلَاثِ ظُلْمًا كَانَ التَّثْلِيثُ وَاجِبًا لَا سُنَّةً قُلْت: كَوْنُهُ ظُلْمًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةً لَا بِمُجَرَّدِ النَّقْضِ انْتَهَى يَحْيَى.
(قَوْلُهُ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ إلَى آخِرِهِ) رَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِهَا انْتَهَى. (قَوْلُهُ ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى) كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ أَوْ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ انْتَهَى كَافِي (قَوْلُهُ وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى) كَإِعْوَازِ الْمَاءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ) فَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ مَثَلًا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الصَّلَاةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الْمَتْنِ تُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ عِبَادَةً لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ انْتَهَى يَحْيَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ انْتَهَى جَوْهَرَةٌ قَالَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُخْتَصَرِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِهِ أَيْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ إيقَاعَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لِلطَّهَارَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ: إنَّ الْمَاءَ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالنِّسْيَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ لِأَنَّ بِهَا يَصِيرُ الْفِعْلُ قُرْبَةً بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً) وَتَرْكُهُ دَائِمًا إثْمٌ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّثْلِيثُ فِي الْغَسْلِ سُنَّةٌ وَالتَّثْلِيثُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْمِيَاهِ الْمُخْتَلِفَةِ بِدْعَةٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ سُنَّةٌ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ) قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ ثُمَّ يُدْخِلُ السَّبَّابَةَ فِي أُذُنِهِ وَيُدِيرُ إبْهَامَيْهِ مِنْ وَرَائِهِمَا انْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَإِدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِي صِمَاخِ الْأُذُنَيْنِ أَدَبٌ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ انْتَهَى
الجزء 1 · صفحة 6
الطَّرِيقَةِ وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ وَالْمَدِّ فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ فَكَذَا بِالثَّانِي فَلَا يُفِيدُ تَأْخِيرُهُ، وَلِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ بِالنَّصِّ أَيْ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الرَّأْسِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا إذَا مَسَحَهُمَا بِمَاءٍ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ، وَقَوْلُهُ مَرَّةً مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلَاثًا كَالْمَغْسُولِ، وَلَنَا «أَنَّ عُثْمَانَ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ مَرَّةً» وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْغَسْلِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمَسْحِ فَلَا يُفِيدُ التَّكْرَارُ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ وَالتَّيَمُّمِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ) أَيْ التَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِذِكْرِهِ، وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ فَأَوْجَبَ غَسْلَ الْوَجْهِ عَقِيبَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَمَنْ أَجَازَ الْبُدَاءَةَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ فَصَلَ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ» الْحَدِيثَ وَكَلِمَةُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، وَلَنَا أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْفَاءِ قُلْنَا إنَّ الْفَاءَ وَإِنْ اقْتَضَتْ التَّرْتِيبَ لَكِنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْفَاءُ بِالْوَاوِ مَعَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدَةِ فَأَفَادَتْ تَرْتِيبَ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] فَلِلْقَاتِلِ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ إجْمَاعًا.
وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ إذَا دَخَلْت السُّوقَ فَاشْتَرِ لَحْمًا وَخُبْزًا وَمَوْزًا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ اللَّحْمِ أَوَّلًا، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِثُمَّ فَإِنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْبُدَاءَةَ بِالْيَدَيْنِ وَهُوَ يُوجِبُهُ بِالْوَجْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَصَارَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] أَيْ وَصَوَّرْنَاكُمْ، وقَوْله تَعَالَى {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد: 11] {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} [البلد: 12] {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13] {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 15] {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17] أَيْ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَقْتَ الْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْكَافِرِ لَا يَنْفَعُ وَلَوْ آمَنَ بَعْدَهُ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثٍ آخَرَ حِينَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُرَتَّبًا قُلْنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ آدَابِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْوَلَاءُ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ الْعُضْوَ الثَّانِيَ قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ الْوُضُوءِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمُسْتَحَبُّهُ التَّيَامُنُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ حَتَّى فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ» قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَسْحُ رَقَبَتِهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَيْهَا.
وَمِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَدَلْكُ أَعْضَائِهِ وَإِدْخَالُ خِنْصَرِهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ، وَتَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَقْتِ وَتَحْرِيكُ خَاتَمِهِ، وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ فِيهِ بِغَيْرِهِ وَأَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ) أَيْ يَمُدُّ الْأَصَابِعَ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى الْقَفَا، ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ انْتَهَى يَحْيَى السِّيرَامِيُّ (قَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ) أَيْ وَضْعِ الْكَفَّيْنِ وَمَدِّهِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثًا) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى كَافِي (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ) أَيْ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ غَسْلٌ فَتُغَيِّرُ وَظِيفَةَ الرَّأْسِ، وَقِيَاسُنَا أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَمْسُوحُ عَلَى الْمَغْسُولِ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَمْسُوحِ انْتَهَى.
ابْنُ فَرْشَتَةَ (قَوْلُهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ) لِيَخْرُجَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ (قَوْلُهُ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ» إلَى آخِرِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ) فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ نَصُّ الْقُرْآنِ أَوْ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى قَوْله تَعَالَى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] أَيْ وَصَوَّرْنَاكُمْ وقَوْله تَعَالَى {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد: 11] إلَى قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17] أَيْ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَقْتَ الْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْكَافِرِ لَا يَنْفَعُ وَلَوْ آمَنَ بَعْدَهُ كَذَا فِي أَصْلِ نُسْخَةِ الشَّيْخِ يَحْيَى السِّيرَامِيِّ الَّتِي بِخَطِّ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الزَّرَايَتِيِّ قَالَ السِّيرَامِيُّ لَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي الْمُسَوَّدَةِ الَّتِي بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ) أَيْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِعَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِدُونِ آدَابِهِ فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْوُضُوءِ دُونَ سُنَنِهِ وَآدَابِهِ انْتَهَى يَحْيَى
[مُسْتَحَبَّات الْوُضُوء]
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ رَقَبَتِهِ) أَيْ بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ بَلَّتِهِمَا وَالْحُلْقُومُ بِدْعَةٌ انْتَهَى كَمَالٌ، وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ قِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ انْتَهَى
[آدَاب الْوُضُوء]
(قَوْلُهُ وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ فِيهِ بِغَيْرِهِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي وُضُوئِهِ بِغَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الْفَجْرِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ وَأَخْلَصَ لِعِبَادَتِهِ انْتَهَى وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ أُسَامَةَ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وُضُوئِهِ»، وَكَذَلِكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَفِي شَرْحِهِ لِمُغَلْطَاي قَالَ فِي الطَّبَرِيِّ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَبَّ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ الْوَضُوءَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْمَنْعُ عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّ رَاوِيَ الْمَنْعِ عَنْهُ أَيَقَعُ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَثَبَتَ أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ عَلِيٍّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ النَّضْرِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْجَوْنِ عَنْهُ وَهُمَا غَيْرُ حُجَّةٍ فِي الدِّينِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أُسَامَةُ تَبَرَّعَ بِالصَّبِّ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدْعِيَ الْإِنْسَانُ
الجزء 1 · صفحة 7
لَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِكَلَامِ النَّاسِ وَيَنْثُرَ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ لَطْمٍ وَالْجُلُوسُ فِي مَكَان مُرْتَفِعٍ وَجَعْلُ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ عَلَى يَسَارِهِ وَالْكَبِيرِ الَّذِي يَغْتَرِفُ مِنْهُ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَفِعْلِ اللِّسَانِ وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَا تُرِحْنِي رَائِحَةَ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَعِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّ عَرْشِك، وَعِنْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ، وَعِنْدَ غَسْلِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ، وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَتِجَارَتِي لَنْ تَبُورَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ، وَيَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيَشْرَبُ شَيْئًا مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَائِمًا قِيلَ لَا يَشْرَبُ قَائِمًا إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَلَا يُنْقِصُ مَاؤُهُ أَيْ مَاءَ وُضُوئِهِ عَنْ مُدٍّ.
وَمَكْرُوهَاتُهُ لَطْمُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَالْإِسْرَافُ فِيهِ وَتَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ مِنْهُ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ نَجِسٍ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ جَمِيعُ النَّوَاقِضِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ كَالدُّودَةِ مِنْ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَصْحِبُ شَيْئًا مِنْ النَّجَاسَةِ وَتِلْكَ هِيَ النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ فَصَدَقَ قَوْلُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّفْصِيلِ مِنْ بَيَانِ الْمَخْرَجِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
اعْلَمْ أَنَّ الْمَخْرَجَ عَلَى نَوْعَيْنِ سَبِيلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، أَمَّا السَّبِيلَانِ فَخُرُوجُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُمَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَخْرُجُ إلَيْهِ، فَيَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ سُئِلَ عَنْ الْحَدَثِ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلَوْنَاهُ وَمَا رَوَيْنَاهُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، ثُمَّ خُرُوجُهُ يَكُونُ بِالظُّهُورِ حَتَّى لَا يَنْتَقِضُ بِنُزُولِ الْبَوْلِ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَلَوْ نَزَلَ إلَى الْقُلْفَةِ انْتَقَضَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَالْقَصَبَةِ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ حَشَا إحْلِيلَهُ بِقُطْنٍ فَخُرُوجُهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ، وَإِنْ حَشَتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا بِهِ فَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْفَرْجِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّبَّ مِنْ غَيْرِهِ فَيَأْمُرُهُ بِهِ فَيُقَالُ لَهُ نَعَمْ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ عِنْدِ التِّرْمِذِيِّ مُحْسِنًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ الرَّبِيعِ أَنَّهَا قَالَتْ «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ اُسْكُبِي فَسَكَبْت» وَالِاسْتِعَانَةُ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِمَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ مِنْ عِنْدِ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ «صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْوُضُوءِ»، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ «إنَّا لَا نَسْتَعِينُ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَحَدٍ» فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا كَانَ يَسْتَعِينُ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَحَدٍ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْجَوَازِ وَالثَّانِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، كَذَا قَالَهُ السُّرُوجِيُّ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَالْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ أَوْلَى مِنْهَا عَلَى الطَّنَافِسِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ جِهَةِ الْآدَابِ اسْتِقَاءَ مَائِهِ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يَمْلَأَ الْإِنَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ اسْتِعْدَادًا لِصَلَاةٍ أُخْرَى، وَأَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ فِي الْوُضُوءِ انْتَهَى. زَادُ الْفَقِيرِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ ذِكْرِك إلَى آخِرِهِ) ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ مَأْثُورَةٌ عَنْ السَّلَفِ، وَلَيْسَتْ بِمَنْقُولَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى
[مَكْرُوهَات الْوُضُوء]
. (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ انْتَهَى كَاكِيٌّ، وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ التَّجْفِيفُ قَبْلَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَلَاءِ انْتَهَى كَاكِيٌّ
[نَوَاقِض الْوُضُوء]
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ) أَشَارَ بِالْخُرُوجِ إلَى أَنَّ الْمَخْرَجَ لَا يَنْقُضُ، وَالْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ فِي السَّبِيلَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ النَّوَاقِضُ الْحَقِيقِيَّةُ) احْتِرَازًا عَنْ النَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فَتِلْكَ هِيَ النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ) وَعَلَى هَذَا فَإِضَافَتُهُمْ النَّقْضَ إلَى الدُّودَةِ مَجَازٌ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فَيَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ) كَالْحَصَاةِ وَالدُّودَةِ وَالْمُعْتَادُ قَدْ لَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَلَفْظُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ. (قَوْلُهُ وَلَوْ نَزَلَ إلَى الْقُلْفَةِ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِلَى الْقُلْفَةِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ فِيهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَوْلٌ وَلَمْ يَظْهَرْ (قَوْلُهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ) وَلَوْ نَفَذَ إلَى طَاقٍ وَلَمْ يَنْفُذْ إلَى الْآخَرِ نَقَضَ انْتَهَى كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهَا) فَلَوْ أَخْرَجَتْهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ كَانَ حَدَثًا حَالَةَ الْإِخْرَاجِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ فِي الشَّفَتَيْنِ نَقَضَ انْتَهَى كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْخُرُوجُ لَا الْخَارِجُ النَّجِسُ وَعِبَارَتُهُ فِي الْوَافِي وَيَنْقُضُهُ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَهِيَ كَمَا تَرَى صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْخَارِجُ النَّجِسُ، وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُسْتَصْفَى عِنْدَ قَوْلِهِ فِي النَّافِعِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ شُرِطَ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ نَاقِضٍ مَا لَمْ تُوصَفْ بِالْخُرُوجِ إذْ لَوْ كَانَ نَفْسُهَا نَاقِضًا لَمَا حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ لِشَخْصٍ مَا
الجزء 1 · صفحة 8
فِيمَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَحْبِسْهُ لَخَرَجَ.
وَلَوْ أَدْخَلَتْ فِي فَرْجِهَا أَوْ دُبُرِهَا يَدَهَا أَوْ شَيْئًا آخَرَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا إذَا أَخْرَجَتْهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُ النَّجَاسَةَ، وَالرِّيحُ الْخَارِجُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ، وَذَكَرِ الرَّجُلِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ اخْتِلَاجٌ وَلَيْسَ بِرِيحٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حَدَثٌ مِنْ قُبُلِهَا قِيَاسًا عَلَى الدُّبُرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ قُبُلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُفْضَاةً وَهِيَ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا أَوْ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ بَوْلِهَا وَوَطْئِهَا وَاحِدًا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ احْتِيَاطًا وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَجِبُ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الرِّيحُ مُنْتِنَةً يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْخُنْثَى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَالْفَرْجُ الْآخَرُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْحَةِ فَلَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَسِلْ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا أَيْ غَيْرُ السَّبِيلَيْنِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَلَوْ كَانَ حَدَثًا لَذَكَرَهُ، وَلِأَنَّ تَرْكَ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ نَجَسٌ وَغَسْلَ مَوْضِعٍ لَمْ يُصِبْهُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ».
وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَسِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، أَمَّا مَوْضِعُ الْخُرُوجِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي الْوَصْفِ فَإِذَا وُصِفَ مَوْضِعٌ مِنْهُ بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ وَصْفُ كُلِّهِ بِذَلِكَ كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالصِّدْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِهِ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ فَإِذَا صَارَ كُلُّهُ نَجِسًا وَجَبَ تَطْهِيرُ كُلِّهِ، لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي السَّبِيلَيْنِ لِلْحَرَجِ لِتَكَرُّرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا فَأَلْحَقْنَا بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَا رَوَاهُ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّمْسَ عِنْدَهُ حَدَثٌ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ الْخُرُوجُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِوُصُولِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدَةِ مَمْلُوءٌ دَمًا فَبِالظُّهُورِ لَا يَكُونُ خَارِجًا بَلْ بَادِيًا وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الِانْتِقَالِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَكَذَا لَوْ عَلَا عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ مَا لَمْ يَنْحَدِرْ لَمْ يَنْقُضْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَائِلٍ وَبِهِ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَنْتَقِضُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدِيدِ وَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْمَاءِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي غَيْرِ الدَّمِ، هُوَ يَجْعَلُهُ كَالْعَرَقِ وَاللَّبَنِ وَالْمُخَاطِ وَلَنَا أَنَّهُ دَمٌ تَمَّ نُضْجُهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ صَدِيدًا، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ قَيْحًا، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ مَاءً فَإِذَا تَمَّ نُضْجُهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ فَصَارَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ خِلَافَ الْحَسَنِ فِي الْمَاءِ لَا غَيْرُ وَلَوْ نَزَلَ الدَّمُ مِنْ الْأَنْفِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّيقِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الْبُصَاقَ سَائِلٌ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَكَذَا مُسَاوِيهِ بِخِلَافِ الْمَغْلُوبِ لِأَنَّهُ سَائِلٌ بِقُوَّةِ الْغَالِبِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ فَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ انْتَقَضَ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ لَا يَنْتَقِضُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا وَرَأَى أَثَرَ الدَّمِ فِيهِ مِنْ أُصُولِ أَسْنَانِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ إصْبَعَهُ أَوْ طَرَفَ كُمِّهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرَ الدَّمِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْقَيْحُ الْخَارِجُ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الصَّدِيدُ إنْ كَانَ بِدُونِ الْوَجَعِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمَعَ الْوَجَعِ يَنْقُضُ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجُرْحِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ يَسِيلُ مِنْهُمَا الدُّمُوعُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ يَدُهَا) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الدُّبُرِ يَنْقُضُ وُضُوءُهُ وَيَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ إصْبَعَهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْبَلَّةِ السَّائِلَةِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لَا يَنْقُضُ) أَيْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ احْتِيَاطًا) لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ انْتَهَى هِدَايَةٌ.
وَأَثَرُ هَذَا الِاحْتِمَالِ يَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُفْضَاةَ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَحْبَلْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ فِي دُبُرِهَا لَا فِي قُبُلِهَا انْتَهَى كَاكِيٌّ. وَفِي حُرْمَةِ جِمَاعِهَا عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ إتْيَانُهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ انْتَهَى كَمَالٌ. وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ إلَى آخِرِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَفِي التَّعْلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّبُرِ إشَارَةً إلَى الْأَوَّلِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ يَجِبُ) وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ) وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْفَرْجِ الْمُعْتَادِ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ، وَلَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ انْتَهَى يَحْيَى. (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ) يَعْنِي سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فَرْجٌ انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا) أَيْ غَيْرُ السَّبِيلَيْنِ (قَوْلُهُ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ (قَوْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِ) أَيْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ) أَيْ وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ) كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إنَّمَا كَانَ حَدَثًا لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً فَيَكُونُ حَدَثًا يَحْيَى (قَوْلُهُ خِلَافَ الْحَسَنِ فِي الْمَاءِ) قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ لِمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ جُدَرِيٌّ أَوْ مَجَلَتْ يَدُهُ مُجْتَبَى (قَوْلُهُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ النَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ فِي فَصْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَقَوْلُ هَذَا التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَعَمْ إذَا عَلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ عَلَامَةٍ تُغَلِّبُ ظَنَّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ انْتَهَى
الجزء 1 · صفحة 9
لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَدِيدًا أَوْ قَيْحًا، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي الْجُرْحِ فَأَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَكَلَهُ الذُّبَابُ فَازْدَادَ فِي مَكَانِهِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَزِيدُ وَيَسِيلُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ خَرَجَ بِالْعَصْرِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْرَجٌ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْقُضُ وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ عِنْدَهُ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ وَلَوْ مِرَّةً أَوْ عَلَقًا أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً)، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الْقَيْءَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ خُرُوجُ نَجِسٍ لِمَا أَنَّهُ يُخَالِفُ فِي حَدِّ الْخُرُوجِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَهُوَ حَدَثٌ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ» الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ قَالَ أَوْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرَا، وَلَوْ قَاءَ دَمًا إنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ عَلَقًا يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَإِنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ احْتَرَقَتْ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا نَقَضَ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ، وَقَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ مِلْءَ الْفَمِ؛ لِأَنَّ لِلْفَمِ حُكْمَ الْخَارِجِ حَتَّى لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْمَضْمَضَةِ، وَلَهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ حَتَّى لَا يُفْطِرُ بِابْتِلَاعِ شَيْءٍ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ مِثْلُ الرِّيقِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مِلْءِ الْفَمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلَّا بِكُلْفَةٍ، وَقِيلَ مَا لَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ مَعَهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى نِصْفِ الْفَمِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا بَلْغَمًا) أَيْ الْبَلْغَمُ الصِّرْفُ لَا يَنْقُضُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ دُونَ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ فَصَارَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فِي الْمَعِدَةِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَالْمَعِدَةُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا يَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَصَارَ كَمَا قَاءَ بُصَاقًا، وَلَوْ كَانَ الْبَلْغَمُ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْغَالِبُ نَقَضَ إجْمَاعًا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أَوْ دَمًا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ)؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ كُلُّهُ بُصَاقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ الْغَلَبَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ هَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالسَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَهُ) أَيْ السَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَ الْقَيْءِ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَيْءُ الثَّانِي قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ مِنْ الْغَثَيَانِ؛ لِأَنَّ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ أَثَرًا فِي جَمِيعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ لَوْ مَرِضَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ يَرُدُّهُ، وَيَجْعَلُ الثَّانِيَ عَيْنَ الْأَوَّلِ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ يَجْمَعُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ أَيْضًا كَالْعُقُودِ أَيْ حَتَّى يَرْتَبِطُ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ وَكَالْإِقْرَارِ وَالتِّلَاوَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ يَجْمَعُ كَيْفَمَا كَانَ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ)
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْرَجٌ) قَالَ الْكَمَالُ لَا تَأْثِيرَ يَظْهَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ النَّقْضُ لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِهِ فَصَارَ كَالْفَصْدِ وَقِشْرِ النَّفْطَةِ، فَلِذَا اخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ فِي جَامِعِهِ النَّقْضَ وَفِي الْكَافِي وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُخْرَجَ نَاقِضٌ، وَكَيْفَ وَجَمِيعُ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ تُفِيدُ تَعَلُّقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمُخْرَجِ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَازِلِ وَفَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ عُصِرَتْ الْقُرْحَةُ فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ وَلَوْ لَمْ يَعْصِرْ لَا يَخْرُجُ لَا يَنْقُضُ، وَلَكِنْ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَفِي الْجَامِعِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ الدَّمُ بِعَصْرِهَا انْتَقَضَ وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَلَا يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَفِي الْكَافِي الْأَصَحُّ أَنَّ الْمُخْرَجَ نَاقِضٌ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مِثْلُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ إنَّ فِيهِمَا بَعْدَ قَطْعِ الْجِلْدَةِ يَخْرُجُ الدَّمُ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْمُخْرَجُ انْتَهَى كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ) أَيْ فَمَ الْمُتَوَضِّئِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ مِرَّةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ صَفْرَاءَ انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ عَلَقًا) أَيْ دَمًا جَامِدًا انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ» إلَى آخِرِهِ) قِيلَ الْمُدَّعَى وَهُوَ كَوْنُ الْقَيْءِ مِلْءَ الْفَمِ حَدَثًا أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، أَقُولُ الْمُدَّعَى هَاهُنَا كَوْنُ الْقَيْءِ حَدَثًا، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ مِلْءِ الْفَمِ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ سَيَأْتِي انْتَهَى يَحْيَى. (قَوْلُهُ أَوْ قَلَسَ) الْمَضْبُوطُ أَوْ رَعَفَ يَحْيَى. (قَوْلُهُ تَمْلَأُ الْفَمَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَهُ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى كَاكِيٌّ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ نَوْمٍ غَالِبٍ وَقَيْءٍ ذَارِعٍ وَتَقَاطُرِ بَوْلٍ وَدَمٍ سَائِلٍ وَدَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ وَالْحَدَثِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ» انْتَهَى كَاكِيٌّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ يُعْرَفُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ إقْطَارِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ السَّائِلِ وَالْقَيْءِ وَمِنْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ وَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَقَهْقَهَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ وَخُرُوجِ الدَّمِ»، وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ عَفَّانَ وَالْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لِلْفَمِ حُكْمَ الْخَارِجِ) قِيلَ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ أَقُولُ هَذَا تَعْلِيلُ النَّصِّ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ لَا تَعْلِيلَ يُقَابِلُهُ انْتَهَى يَحْيَى.
(قَوْلُهُ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَالْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ السَّبَبُ لَانْتَفَى التَّدَاخُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تِلَاوَةٍ سَبَبٌ وَفِي الْأَقَارِيرِ اُعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ لِلْعُرْفِ وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ أَيْضًا) يَعْنِي كَالسَّبَبِ (قَوْلُهُ وَكَالْإِقْرَارِ) أَيْ الْإِقْرَارِ إذَا تَكَرَّرَ فَهُوَ وَاحِدٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ) حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالْإِمَامِيَّةِ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ قَالَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: وَكَانَ
الجزء 1 · صفحة 10
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّ مَنْ اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» أَيْ اسْتَرْخَتْ غَايَةَ الِاسْتِرْخَاءِ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الِاسْتِرْخَاءِ مَوْجُودٌ حَالَةَ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُفِيدُ التَّخْصِيصُ بِحَالَةِ الِاضْطِجَاعِ ثُمَّ النَّائِمُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ مُتَوَرِّكًا وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدَةِ عَنْ الْأَرْضِ أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ، فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً عَنْ الْأَرْضِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ زَائِلَةً نَقَضَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ زَائِلَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ يَنْقُضُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ يَكُونُ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا»، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ إنْ كَانَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِلَّا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ إذَا كَانَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا فَنَامَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ وُضُوءَهُ يَنْتَقِضُ لِمَا رَوَيْنَا، وَالنُّعَاسُ نَوْعَانِ ثَقِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَخَفِيفٌ وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِيهَا، وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ وَإِلَّا فَهُوَ ثَقِيلٌ وَلَوْ نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ جَنْبِهِ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ سُقُوطِهِ أَوْ حَالَةَ سُقُوطِهِ أَوْ سَقَطَ نَائِمًا وَانْتَبَهَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَنْتَقِضُ، وَإِنْ اسْتَقَرَّ بَعْدَ السُّقُوطِ نَائِمًا ثُمَّ انْتَبَهَ نَقَضَ لِوُجُودِ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ بِالسُّقُوطِ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ حَيْثُ سَقَطَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ تُزَايِلَ مَقْعَدَتُهُ الْأَرْضَ لَمْ يَنْتَقِضْ، وَإِنْ زَايَلَهَا وَهُوَ نَائِمٌ انْتَقَضَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ثُمَّ النَّوْمُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا الْحَدَثُ مَا لَا يَخْلُو النَّائِمُ عَنْهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ كَمَا فِي السَّفَرِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِغْمَاءٌ وَجُنُونٌ وَسُكْرٌ) فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَكُونُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَيْ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّ النَّائِمَ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ بِخِلَافِ مَنْ قَامَ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَلِأَنَّ لِلْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ أَثَرًا فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ النَّوْمِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فَتُرِكَ بِالنَّصِّ وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَصْلِ، ثُمَّ الْإِغْمَاءُ مَا يَصِيرُ الْعَقْلُ بِهِ مَغْلُوبًا وَالْجُنُونُ مَا يَصِيرُ بِهِ مَسْلُوبًا، وَالْمُرَادُ بِالسُّكْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ انْتَهَى. وَفِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ نَامَ جَالِسًا وَهُوَ يَتَمَايَلُ فَتَزُولُ مَقْعَدَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ وَمُجْتَبَى قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَرَأْسُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ انْتَهَى وَفِي الْقُنْيَةِ وَنَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ نَظَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الطَّرَسُوسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
نَوْمُ النَّبِيِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ... لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ حَتْمًا فَاعْلَمْ
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ» إلَى آخِرِهِ) قَالَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ إنَّمَا لِحَصْرِ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ أَوْ لِحَصْرِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ إنَّ لِلْإِثْبَاتِ وَمَا لِلنَّفْيِ فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ الْمَذْكُورِ وَنَفْيَ مَا عَدَاهُ وَلَا يُقَالُ الْحُكْمُ لَمْ يَنْحَصِرْ هَاهُنَا لِانْتِقَاضِهِ بِغَيْرِ النَّوْمِ قُلْنَا حَصْرُ الْوُضُوءِ الْمُتَعَلِّقِ بِالنَّوْمِ فِي النَّوْمِ بِصِفَةِ الِاضْطِجَاعِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَنِدِ وَالْمُتَّكِئِ لِاسْتِوَائِهِمَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ اسْتِرْخَاءُ الْمَفَاصِلِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ هَكَذَا قَالَ أُسْتَاذُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتَهَى مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ حَالَةَ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ) أَيْ مِنْ الْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. (قَوْلُهُ وَانْتَبَهَ مِنْ سَاعَتِهِ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ بِوَضْعِ الْجَنْبِ عَلَيْهَا انْتَهَى يَحْيَى (قَوْلُهُ حَيْثُ سَقَطَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ.
(فَائِدَةٌ) سُئِلْت عَنْ شَخْصٍ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ هَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ (فَأَجَبْت) بِعَدَمِ النَّقْضِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ مَا يَخْرُجُ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ نَاقِضٌ لَزِمَهُ نَقْضُ وُضُوءِ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ الرِّيحِ بِالنَّوْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ النَّوْمُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ) ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي كَوْنِ نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ مُسْتَحْكِمٌ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ فَيَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ عَادَةً، وَمَا ثَبَتَ مِنْهُ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ فَيَثْبُتُ الْحَدَثُ تَقْدِيرًا لِقِيَامِ النَّوْمِ مَقَامَ الْخُرُوجِ انْتَهَى كَاكِيٌّ
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَجُنُونٌ) وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَنْقُضْ لِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ بَلْ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَالْجُنُونُ مَا بِهِ يَصِيرُ مَسْلُوبًا) فَعَنْ هَذَا صَحَّ الْإِغْمَاءُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دُونَ الْجُنُونِ انْتَهَى ع (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالسُّكْرِ مَا لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ سَرِيِّ الدِّينِ أَمْتَعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى قَيْدِ الشَّرَائِدِ مَا نَصُّهُ وَحَدُّ السُّكْرِ النَّاقِضِ فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ هُوَ حَدُّهُ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالصَّحِيحُ مَا قِيلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ أَنَّهُ دَخَلَ فِي مِشْيَتِهِ تَحَرُّكٌ فَهَذَا سُكْرٌ يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَكْرَانَ وَكَانَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ يَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَالٍ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ كَذَا فِي
الجزء 1 · صفحة 11
إذَا دَخَلَ فِي مَشْيِهِ اخْتِلَالٌ نَقَضَ، وَلِذَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْكَرَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَقَهْقَهَةُ مُصَلٍّ بَالِغٍ) اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ مُصَلٍّ مِمَّا لَيْسَ بِمُصَلٍّ، وَيَنْصَرِفُ قَوْلُهُ مُصَلٍّ إلَى الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعْهُودَةُ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَوْ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مُطْلَقَةً بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَالِغٍ مِمَّنْ لَيْسَ بِبَالِغٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِجِنَايَةٍ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ يَنْقُضُ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَهْقِهَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَالْكُلُّ نَاقِضٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ»، وَالْقِيَاسُ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْقُولِ مَرْدُودٌ، وَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلَاةِ إظْهَارُ الْخُشُوعِ، وَالضِّحْكُ يُنَافِيهِ فَنَاسَبَ الْمُجَازَاةَ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ زَجْرًا لَهُ كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ يَبْطُلَانِ بِالْقَتْلِ، وَلِأَنَّ مَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْغَايَةَ مِنْ الضِّحْكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رُبَّمَا غَابَ حِسُّهُ فَأَشْبَهَ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ وَالْجُنُونَ.
فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِئْرٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الصَّحَابَةِ ضَحِكٌ خُصُوصًا خَلْفَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا يَثْبُتُ، قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْ ضَحِكَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَلَا الْعَشَرَةَ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَلَا الْكِبَارَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَلْ لَعَلَّ الضَّاحِكَ كَانَ مِنْ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ كَمَا بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِاللَّهْوِ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ بِئْرٌ حُفِرَتْ لِأَجْلِ الْمَطَرِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى بِئْرًا وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِالْقَهْقَهَةِ وَلَا يَبْطُلُ الْغُسْلُ وَقِيلَ تَبْطُلُ طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَيُعِيدُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ وَلَوْ قَهْقَهَ نَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَوُضُوءُهُ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَلِأَجْلِ أَنَّهُ كَلَامٌ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلِلنَّصِّ إذْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ يَبْطُلُ الْوُضُوءُ دُونَ الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، وَقِيلَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ دُونَ الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحٍ فِي حَقِّهِ فَلَا تَكُونُ جِنَايَةً، وَبُطْلَانُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ أَنَّهَا كَلَامٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَلَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْكَلَامِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَتْ الْقَهْقَهَةُ بِقَبِيحَةٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ، ثُمَّ الْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوْ لَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ) وَهِيَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالذَّخِيرَةِ وَفِي عُرُوضِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ نَظَرٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، ثُمَّ صَارَ فِي أَثْنَائِهَا إلَى حَالَةٍ لَوْ مَشَى فِيهَا لَتَحَرَّكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ إذَا دَخَلَ فِي مَشْيِهِ اخْتِلَالٌ نَقَضَ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهَا لَا تُفْسِدُ الْوُضُوءَ وَقُلْنَا الْقَهْقَهَةُ حَدَثٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَفْصِيلَ فِي الْأَخْبَارِ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ بَاقِيَةٌ انْتَهَى كَافِي.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) أَيْ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بَلْ يَبْطُلُ مَا قَهْقَهَ فِيهِ شَرْحُ الْوِقَايَةِ انْتَهَى هَذَا إذَا قَهْقَهَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أَمَّا لَوْ قَهْقَهَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ الضَّحِكُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَ كَالضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ حَالَةُ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْظُمُ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِالضَّحِكِ فِي حَالَةِ الْمُنَاجَاةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ فَلَا تَكُونُ مُنَاجَاةً، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالْمَخْصُوصُ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ مُنَاجَاةً انْتَهَى مُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ) وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ جَعَلَهَا حَدَثًا فَلَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عُقُوبَةً فَيَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا انْتَهَى كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَيُبْطِلُ التَّيَمُّمَ الْقَهْقَهَةُ) أَيْ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ قَالَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُبْطِلُ الْغُسْلَ وَهَلْ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ حَتَّى لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ بِلَا تَجْدِيدِ وُضُوئِهِ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ لَا يُبْطِلُهُ فَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي ضِمْنِ الْغُسْلِ فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمِّنُ لَا يَبْطُلُ الْمُتَضَمَّنُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ وَيُعِيدُهُ؛ لِأَنَّ إعَادَةَ الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ الْقَهْقَهَةِ لَا أَنَّهَا حَدَثٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجِسٍ بَلْ هِيَ كَالْبُكَاءِ وَالْكَلَامِ انْتَهَى كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّوْمَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْكَلَامِ) الْمُخْتَارُ أَنَّ كَلَامَ النَّائِمِ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى يَحْيَى (قَوْلُهُ وَلَيْسَتْ الْقَهْقَهَةُ إلَى آخِرِهِ) وَعَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ حَدَثًا بِشَرْطِ كَوْنِهَا جِنَايَةً وَلَا جِنَايَةَ مِنْ النَّائِمِ بِخِلَافِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ فَيُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَا يَغْلِبُ وُجُودُ الْقَهْقَهَةِ سَاهِيًا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ تُذَكِّرُهُ فَلَا يُعْذَرُ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَيَنْقُضُهُ الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ إلَّا إذَا كَانَ نَائِمًا فِي صَلَاتِهِ وَقَهْقَهَ فِي نَوْمِهِ لَا يَنْتَقِضُ، وَلَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي الْمُخْتَارِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أُحْجِيَّةٌ وَضَحِكُ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ سَوَاءٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضِّحْكَ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمُبَاشَرَةُ فَاحِشَةٍ) تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ انْتَهَى قُنْيَةٌ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مُحْدِثٌ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَفَنِيَ الْمَاءُ فَتَيَمَّمَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَقَهْقَهَ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَغْسِلُ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ وَيُصَلِّي وَعِنْدَهُمَا يَغْسِلُ جَمِيعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ هَلْ تُبْطِلُ مَا غَسَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ
الجزء 1 · صفحة 12
مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَيَنْتَشِرَ ذَكَرُهُ لَهَا وَيَضَعَ فَرْجُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ مُمَاسَّةَ الْفَرْجِ لِلْفَرْجِ، وَالْأَوَّلُ الظَّاهِرُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إلَّا بِخُرُوجِ مَذْيٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِخِلَافِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ لَا تَخْلُو عَنْ خُرُوجِ مَذْيٍ غَالِبًا وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّادِرِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ) أَيْ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِخِلَافِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخَارِجَةَ مِنْ الدُّبُرِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الطَّعَامِ، وَهُوَ لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ نَقَضَ الْوُضُوءَ فَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَالْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ وَهُوَ لَوْ سَقَطَ لَا يَنْقُضُ فَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ وَالثَّانِي أَنَّهَا تَسْتَصْحِبُ قَلِيلًا مِنْ الرُّطُوبَةِ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَسُّ ذَكَرٍ) أَيْ مَسُّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِ النَّاقِضِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ مِثْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيِّ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَى بِالْوُضُوءِ مِنْهُ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَكْثَرُهُمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ فَصَارَ كَالْمَذْيِ، وَكَمَا فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِاسْتِطْلَاقِ الْمَنِيِّ جُعِلَ كَالْمَنِيِّ، وَلَنَا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ هَلْ هُوَ إلَّا مُضْغَةٌ مِنْك أَوْ بَضْعَةٌ مِنْك»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَكَابِرِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْك» وَحَدِيثُ بُسْرَةَ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ «وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» «وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ قُلْنَا الْإِقَامَةُ لَهَا قَاعِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَعَذَّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَهُ كَمَا فِي نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أُقِيمَا مَقَامَ الْخَارِجِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ وُجُودَهُ عِنْدَ سَبَبِهِ مَعَ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ فَيُجْعَلُ النَّادِرُ كَالْمَعْدُومِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هُنَا وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا مَسَّ ذَكَرَ غَيْرِهِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَاسِّ دُونَ الْمَمْسُوسِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ وَلَا وُجِدَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْمَاسِّ بَلْ كَانَ الْمَمْسُوسُ أَوْلَى بِالنَّقْضِ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّهْوَةِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَسُّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ أَوْ مَوْضِعُ الْجَبِّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ يَنْقُضُ بِلَا دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسُّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَامْرَأَةٍ) أَيْ وَمَسُّ امْرَأَةٍ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِ النَّاقِضِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] وَلِأَنَّ مَسَّهَا سَبَبُ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَلَنَا حَدِيثُ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ كُنْت أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلِي، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتهمَا» وَعَنْهَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَتَوَضَّأُ» وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَفَسَّرَ الْآيَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ اللَّمْسُ إذَا قُرِنَ بِالْمَرْأَةِ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، تَقُولُ الْعَرَبُ لَمَسْت الْمَرْأَةَ أَيْ جَامَعْتهَا فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ اللَّمْسِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَعِنْدَهُمْ لَا يُشْتَرَطُ اللَّمْسُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَكَانَتْ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمَسَّ وَأَرَادَ بِهِ الْجِمَاعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47]، وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ وَاللَّمْسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي اللُّغَةِ حَتَّى قَالَ الْجَوْهَرِيُّ اللَّمْسُ وَالْمَسُّ بِالْيَدِ وَيُكْنَى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى فِي حَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعِنْدَهُ لَا وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَيَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ) فِي الْمُلَامَسَةِ الْفَاحِشَةِ لَا يُعْتَبَرُ انْتِشَارُ آلَةِ الرَّجُلِ فِي انْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ كَاللَّمْسِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ انْتَهَى قُنْيَةٌ وَالْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَالْأَمْرَدِ تَنْقُضُ عِنْدَهُمَا انْتَهَى قُنْيَةٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ) وَكَذَا إذَا خَرَجَ الْعِرْقُ الْبَدَنِيُّ) لَا يَنْقُضُ انْتَهَى مس
الجزء 1 · صفحة 13
وُجُودِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] إلَى أَنْ قَالَ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَهُمَا حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِيَكُونَ التُّرَابُ طَهُورًا لِلْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ كَمَا كَانَ الْمَاءُ طَهُورًا لَهُمَا لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى بَيَانِهِمَا فَإِذَا حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى الْجِمَاعِ كَانَ بَيَانًا مُفِيدًا لِلْحُكْمِ فِيهِمَا مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ فَيَكُونُ بَيَانًا لِلْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِمَاعُ كَمَا فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَوْ يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ بَيَّنَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ.
[الْغُسْل]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَفَرْضُ الْغُسْلِ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ وَبَدَنِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَى الْغَسْلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ أَيْ مِنْ السُّنَّةِ، وَهِيَ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» وَلِهَذَا كَانَتَا سُنَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أَيْ فَطَهِّرُوا أَبْدَانَكُمْ فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ يَجِبُ غَسْلُهُ، وَبَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ يُمْكِنُ غَسْلُهُ فَإِنَّهُمَا يُغْسَلَانِ عَادَةً وَعِبَادَةً نَفْلًا فِي الْوُضُوءِ وَفَرْضًا فِي الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ بَاطِنِ الْعَيْنَيْنِ وَبَاطِنِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْعَمَى فِي الْعَيْنَيْنِ وَالضَّرَرَ فِي الْجُرْحِ، وَلِهَذَا كُفَّ بَصَرُ مَنْ تَكَلَّفَ غَسْلَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَبِخِلَافِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ يَجِبُ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِهِ وَلَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِدَاخِلِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» وَرُوِيَ «فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ» فَفِي الْفَمِ بَشَرَةٌ وَفِي الْأَنْفِ شَعْرَةٌ وَبَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ هِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَقِي اللَّحْمَ مِنْ الْأَذَى وَمَا رَوَاهُ الْخَصْمُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ الْخِتَانَ، وَهُوَ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَكَذَا ذَكَرَ الِانْتِقَاصَ بِالْمَاءِ وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَذَلِكَ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ بَدَلِهِ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكِتَابِ اسْمَ الْفَرْضِ عَلَى غَسْلِ الْفَمِ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ لِمَا أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَبَدَنِهِ أَيْ وَغَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا دَلْكُهُ) أَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَفَرْضُ) أَيْ مَفْرُوضُهُ ذَكَرَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ بِهِ الْمَفْعُولَ انْتَهَى مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظَافِرِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ الِاسْتِنْجَاءُ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَمَّارٍ وَذَكَرَ الْخِتَانَ بَدَلَ إعْفَاءِ اللِّحْيَةِ، وَذَكَرَ الِانْتِضَاحَ بَدَلَ انْتِقَاصِ الْمَاءِ انْتَهَى فَتْحُ الْقَدِيرِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ اسْمٌ جَرَى مَجْرَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِجْنَابُ كَذَا ذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ وَفِيهِ التَّطَهُّرُ وَالِاطِّهَارُ وَالِاغْتِسَالُ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ) مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ إلَخْ) الْمَاءُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَوْلُ كَانَ الِانْتِقَاصُ مَصْدَرًا مُضَافًا إلَى الْمَفْعُولِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الذَّكَرَ كَانَ مَصْدَرًا مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْبَوْلُ انْتَهَى يَحْيَى.
(قَوْلُهُ فَطَهِّرُوا أَبْدَانَكُمْ) وَالْبَدَنُ اسْمٌ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا أَنَّ الْبَاطِنَ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ كَيْ لَا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ انْتَهَى مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ وَالْأَنْفُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ) فَشَمَلَهُمَا نَصُّ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ إذْ كَوْنُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهَا الدِّينُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَلَا يُعَارِضُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَالْمُرَادُ أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى الْأَقْوَالِ انْتَهَى فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَبَاطِنُ الْجُرْحِ) وَمَا يَعْسُرُ كَثَقْبِ الْقُرْطِ وَجِلْدَةِ الْأَقْلَفِ الَّتِي لَا تَنْحَسِرُ عَنْهَا الْحَشَفَةُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ انْتَهَى كُنُوزٌ. (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْعَمَى) أَيْ لِأَنَّهُ شَحْمٌ لَا يَقْبَلُ الْمَاءَ انْتَهَى كَافِي (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ إلَى آخِرِهِ) كَمَا إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ انْتَهَى (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبَدَنِهِ) أَيْ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ حَتَّى لَوْ بَقِيَ الْعَجِينُ فِي الظُّفْرِ فَاغْتَسَلَ لَا يُجْزِي وَفِي الدَّرَنِ يُجْزِي إذْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ هُنَاكَ وَكَذَا الطِّينُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفُذُ مِنْ هُنَاكَ وَكَذَا الصِّبْغُ وَالْحِنَّاءُ انْتَهَى شَرْحُ وِقَايَةٍ فَيَجِبُ تَحْرِيكُ الْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ الضَّيِّقَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرْطٌ فَدَخَلَ الْمَاءُ الثَّقْبَ عِنْدَ مُرُورِهِ أَجْزَأَ كَالسُّرَّةِ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُ وَيُدْخِلُهُ الْقُلْفَةَ اسْتِحْبَابًا وَفِي النَّوَازِلِ لَا يُجْزِيهِ تَرْكُهُ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِلْحَرَجِ لَا لِكَوْنِهِ خِلْقَةً انْتَهَى كَمَالٌ كَمَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْخِضَابُ إذَا تَجَسَّدَ وَيَبِسَ يَمْنَعُ تَمَامَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ وَقِشْرَةُ الْقُرْحَةِ إذَا ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخِضَابِ أَنَّ قِشْرَةَ الْقُرْحَةِ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَإِنْ اغْتَسَلَ الْأَقْلَفُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَغْسِلْ مَا وَرَاءَ الْجِلْدِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ يُجْزِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَعَلَى مَا فِي النَّوَازِلِ مَشَى صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فَقَالَ: وَكَذَا الْأَقْلَفُ يَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْقُلْفَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِإِمْكَانِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِلَا حَرَجٍ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لَا دَلْكُهُ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَجِبُ الدَّلْكُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ خُصُوصُ صِيغَةِ اطَّهَّرُوا فَإِنْ تَفْعَلْ لِلْمُبَالَغَةِ، وَذَلِكَ بِالدَّلْكِ وَفِي الْحَقَائِقِ الدَّلْكُ عِنْدَ مَالِكٍ شَرْطٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَعِنْدَنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِي الثَّوْبِ شَرْطٌ إجْمَاعًا. قَالَ فِي الْمُصَفَّى قَالَ الْمَأْمُورُ بِهِ الْفِعْلُ وَهُوَ الْغُسْلُ وَالِاغْتِسَالُ
الجزء 1 · صفحة 14
لَا يَجِبُ دَلْكُ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ التَّطْهِيرُ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الدَّلْكِ فَمَنْ شَرَطَهُ فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِدْخَالُ الْمَاءِ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْقُلْفَةِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ فَجَعَلُوهُ كَالْخَارِجِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَفِي حَقِّ الْغُسْلِ كَالدَّاخِلِ حَتَّى لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ الْكَرْدَرِيُّ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَسُنَّتُهُ) أَيْ سُنَّةُ الْغُسْلِ (أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ ثَلَاثًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «وَضَعْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا فَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَأَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى فَرْجِهِ ثُمَّ دَلَّكَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةٌ لِلتَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَفَرْجَهُ وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ أَيْ يَغْسِلُ فَرْجَهُ وَيَغْسِلُ النَّجَاسَةَ لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ لِئَلَّا تَشِيعَ النَّجَاسَةُ، وَكَانَ يُغْنِيهِ أَنْ يَقُولَ وَنَجَاسَةً عَنْ قَوْلِهِ وَفَرْجَهُ لِأَنَّ الْفَرْجَ إنَّمَا يُغْسَلُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ وَالْمَرْأَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا الْخَارِجَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَمِ فَيَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَهَلْ يَغْسِلُ الْأَقْلَفُ دَاخِلَ الْقُلْفَةِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَضَى فِي لُزُومِ غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَقَالَ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْخِيرَ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ إلَّا إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ وَوُجُودُ الْمَسْحِ لَا يَظْهَرُ مَعَ وُجُودِ الْغَسْلِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَسْلِ رَأْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُفِيدُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا) قَوْلُهُ لَا تَنْقُضُ إنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَمَعْنَاهُ ضَفِيرَةُ الْمَرْأَةِ وَحُذِفَتْ الْمَرْأَةُ اخْتِصَارًا، وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ فَمَعْنَاهُ لَا تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ ضَفِيرَتَهَا وَفِي تَنْقُضُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إذْ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لَقَالَ إنْ بَلَّتْ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ الضَّفِيرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُلَبَّدَةً لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» وَلِأَنَّ فِي النَّقْضِ عَلَيْهَا حَرَجًا وَفِي الْحَلْقِ مُثْلَةً فَسَقَطَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالدَّلْكِ كَمَا فِي غَسْلِ الثَّوْبِ قُلْنَا الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الِاطِّهَارُ فَلَوْ شَرَطْنَا الدَّلْكَ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَفِي الثَّوْبِ تَخَلَّلَتْ النَّجَاسَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَصْرِ بَعْدَ الصَّبِّ لِلِاسْتِخْرَاجِ انْتَهَى.
وَالدَّلْكُ مِنْ الْمُتِمَّاتِ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَهَذَا مُشْكِلٌ) يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُعِلَ كَالْخَارِجِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْبَوْلَ إذَا وَصَلَ إلَى الْقُلْفَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فَبِاعْتِبَارِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَوْ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْجِلْدَةِ لَكِنْ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَلَا حَرَجَ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ انْتَهَى
[سُنَن الْغُسْل]
. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِفَاضَةِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضِهَا يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثَلَاثًا بِالرَّأْسِ ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَتْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ انْتَهَى زَاهِدِيٌّ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ غُسْلًا) الْغُسْلُ بِالضَّمِّ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأُكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ وَهُوَ الضَّمُّ أَيْضًا مِنْ غَسَلْته وَالْغَسْلُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالْكَسْرِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ ابْنُ الْأَثِيرِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ غِسْلُهُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَكَانَ يُغْنِيهِ) قِيلَ لَا اسْتِغْنَاءَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْفَرْجِ ثَابِتَةٌ غَالِبًا وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فَلَا يُلَائِمُ الْفَرْجَ. قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ انْتَهَى يَحْيَى، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ ذَكَرَهُ لِلِاهْتِمَامِ وَاتِّبَاعًا لِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فَيَجِبُ تَطْهِيرُهُ) وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إدْخَالُ الْإِصْبَعِ فِي قُبُلِهَا وَبِهِ يُفْتِي زَاهِدِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَجَاسَةً) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى قَوْلُهُ ثُمَّ يُزِيلُ نَجَاسَةً عَلَى التَّنْكِيرِ كَقَوْلِهِ {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر: 11] لِأَنَّهُ عَسَى يَكُونُ وَعَسَى لَا يَكُونُ وَلِذَلِكَ قَالَ إنْ كَانَتْ وَلَمْ يَقُلْ إذَا كَانَتْ، حَكَى الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ عَنْ شَيْخِهِ عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ مَعْرِفَةً فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ لَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِمَا أَنَّهُ لَا مَعْهُودَ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ كَانَتْ يَأْبَاهُ وَلَا يَجُوزُ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَقَلُّهُ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ أَيْضًا انْتَهَى.
قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ جَارٍ إنْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا تَنْقُضُ ضَفِيرَةً إلَى آخِرِهِ) الضَّفْرُ فَتْلُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي الْبَعْضِ، وَالضَّفِيرَةُ الذُّؤَابَةُ انْتَهَى. يَحْيَى هَذَا فَرْعُ قِيَامِ الضَّفِيرَةِ فَلَوْ كَانَتْ ضَفَائِرُهَا مَنْقُوضَةً فَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ انْتَهَى فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ) أَيْ وَهُوَ تَأْنِيثُ الْفِعْلِ انْتَهَى
الجزء 1 · صفحة 15
بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ الْحَرَجُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ، وَقَوْلُهُ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا يَنْفِي وُجُوبَ بَلِّ ذَوَائِبِهَا وَأَثْنَاءِ شَعْرِهَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَبِلُّوا الشَّعْرَ» وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ قُلْنَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَلَيْسَ الشَّعْرُ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ نَظَرًا إلَى أُصُولِهِ وَمُنْفَصِلٌ عَنْهُ نَظَرًا إلَى أَطْرَافِهِ فَعَمِلْنَا بِأَصْلِهِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ وَبِطَرَفِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَفُرِضَ) أَيْ الْغُسْلُ (عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ عِنْدَ انْفِصَالِهِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَرْضِ الْغُسْلِ وَسُنَّتِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُهُ قَوْلُهُ عِنْدَ مَنِيٍّ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى ظَاهِرِهِ أَمَّا الرَّجُلُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالشَّهْوَةُ شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» أَيْ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَاءِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ يُقَالُ أَجْنَبَ فُلَانٌ إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا حَذَفْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» فَاعْتُبِرَ الْحَذْفُ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالشَّهْوَةِ، وَفِي الْغَايَةِ ذَكَرَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُقَيَّدٌ وَحَدِيثَ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُحْمَلُ وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَتَيْنِ فَقَدْ تَرَكَ أَصْلَهُ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ لَوْ وَرَدَا فِي الْحُكْمِ، وَكَانَ الْمَحَلُّ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا حَمَلْنَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِرَاءَةَ غَيْرِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ وَهُوَ الْيَمِينُ وَلِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الصَّوْمُ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ حَتَّى لَا تُحْمَلَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي اشْتِرَاطِ الْمُؤْمِنَةِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَكَذَا التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّوْمِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إطْعَامٌ وَالْآخَرَ صَوْمٌ أَوْ عِتْقٌ وَإِنْ اتَّحَدَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، وَهُنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا حَذَفْت الْمَاءَ» وَرَدَا فِي السَّبَبِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا إذْ لَا تَزَاحُمَ فِي الْأَسْبَابِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الشَّهْوَةُ عَمَلًا بِالْمُطْلَقِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ قُلْنَا إنَّمَا شَرَطْنَاهَا بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» كَمَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ بِالنَّصِّ مَعَ النَّصِّ الْمُقَيَّدِ بِالسَّوْمِ وَالْمُطْلَقُ عَنْهُ قَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ أَيْ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ مَحَلِّهِ يَعْنِي أَنَّ الشَّهْوَةَ تُشْتَرَطُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ الظَّهْرِ لَا عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالِانْفِصَالِ وَالْخُرُوجِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ وَلَمْ يَخْرُجْ فَإِذَا شُرِطَتْ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَ أَنْ تُشْتَرَطَ فِي الْآخَرِ وَهُمَا يَقُولَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ فَإِذَا وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ وَجَبَ احْتِيَاطًا، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَرَبَطَ ذَكَرَهُ بِخَيْطٍ حَتَّى فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ، وَالثَّانِي إذَا أَمْنَى وَاغْتَسَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَصَلَّى أَوْ لَمْ يُصَلِّ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثَانِيًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ، وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ) أَيْ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضَفَّرٍ (قَوْلُهُ لَا يَجِبُ) أَيْ لِأَنَّهُ مُضَفَّرٌ فَيَلْحَقُهُ الْحَرَجُ (قَوْلُهُ يَنْفِي وُجُوبَ بَلِّ ذَوَائِبِهَا) هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَبُلُّ ذَوَائِبَهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بَلَّةٍ عَصْرَةٌ، وَقَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ ضَفِيرَتِهَا وَلَا بَلُّهَا إذَا ابْتَلَّ أَصْلُهَا. قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا بَلُّهَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا تَبُلُّ ذَوَائِبَهَا وَتَعْصِرُهَا لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ وُجُوبِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مَفْتُولَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْقُوضَةً يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ كَمَا فِي اللِّحْيَةِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَثَمَنُ مَاءِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَوُضُوئِهَا عَلَى الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً اهـ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا نَصُّهُ فِي صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الذَّوَائِبِ وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ فِي مَبْسُوطِ بَكْرٍ فِي وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى شُعَبِ عِقَاصِهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ انْتَهَى، وَالْأَصَحُّ نَفْيُهُ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ) وَهُوَ الرَّجُلُ انْتَهَى (قَوْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ) أَيْ وَهُوَ الْمَرْأَةُ فَلَا يُخَالِفُ الْخَبَرُ النَّصَّ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَا هُوَ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. اهـ. كَافِي
[مُوجِبَات الْغُسْل]
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ) قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْضَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَاءٌ دَافِقٌ يَعْنِي ذَا دَفْقٍ وَهُوَ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنْ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَكَانَ الْمَحَلُّ) أَيْ وَالسَّبَبُ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالِانْفِصَالِ) أَيْ مِنْ الظَّهْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْخُرُوجُ) أَيْ مِنْ الذَّكَرِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ وَهُوَ الِانْفِصَالُ. اهـ. (قَوْلُهُ إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ) إمَّا بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِنَظَرٍ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ بِاسْتِمْنَائِهِ بِالْكَفِّ أَوْ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَدُهُمَا إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ.
(قَوْلُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ) قَالَ الشَّيْخُ حَافِظُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَصْفَى وَيَعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ وَيَسْتَحْيِي مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِمْ رِيبَةٌ بِأَنْ طَافَ حَوْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ النَّوْمِ
الجزء 1 · صفحة 16
بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ لِلثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ فَإِذَا خَرَجَ وَجَبَ وَقْتَ الْخُرُوجِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَمَا بَالَ أَوْ نَامَ أَوْ مَشَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ مَادَّةَ الْمَنِيِّ الزَّائِلِ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَيَكُونُ الثَّانِي زَائِلًا عَنْ مَكَانِهِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ الْبَوْلِ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ سُكُونِ الشَّهْوَةِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَنِيِّ الَّذِي يَجِدُهُ النَّائِمُ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ إذَا اسْتَيْقَظَ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ إذَا وَجَدَ مَنِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا كَذَا فِي الْغَايَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ بَلَلًا إنْ تَذَكَّرَ احْتِلَامًا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَهُمَا أَخَذَا بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ غَافِلٌ، وَالْمَنِيُّ قَدْ يَرِقُّ بِالْهَوَاءِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْمَذْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، ثُمَّ أَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ وَمَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَأَبُو يُوسُفَ وَافَقَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ لِوُجُودِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ، وَخَالَفَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ وَمُحَمَّدٌ وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمُبَاشِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي إحْلِيلِهِ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْحِلْمَ فَإِنْ كَانَ ذَكَرُهُ قَبْلَ النَّوْمِ مُنْتَشِرًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَسُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ عَمَّنْ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَذْكُرُ احْتِلَامًا وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ فِي حَيْرَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ نَزَلَ مِنْهُ مَنِيٌّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثَانِيًا فَقَالَ إذَا نَزَلَ الْمَنِيُّ بَعْدَمَا اسْتَيْقَظَ فَالْغُسْلُ يَجِبُ بِالْمَنِيِّ لَا بِالِاحْتِلَامِ السَّابِقِ حَتَّى لَا يُعِيدَ الْفَجْرَ لَكِنْ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ الَّذِي زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِشَهْوَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِخِلَافِ الْمَذْيِ إذَا رَآهُ يَخْرُجُ لِأَنَّهُ مَذْيٌ وَلَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ مَنِيًّا فَتَغَيَّرَ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ وَلَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ مَذْيًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يُحَالُ بِهِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ النَّائِمِ.
وَلَوْ احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَنِيُّ مِنْهَا إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ إنْ وَجَدَتْ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى رَحِمِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ الظُّهُورُ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ فِي حَقِّهِ حَقِيقَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَدَخَلَ الْمَاءُ فَرْجَهَا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَهُ الْحَبَلُ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ إذَا جُومِعَتْ وَسَبَقَ الْمَاءُ حَتَّى حَبِلَتْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَائِهِمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ خَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَبِهِ يُؤْخَذُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» وَعَنْ «خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى يُنْزِلَ»، وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا رَأَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ.»
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا) أَيْ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ تَوَارِي الْحَشَفَةِ قَالَ: وَتَوَارِي حَشَفَةٍ وَلَمْ يَقُلْ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ) أَيْ فَقَدْ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ مَوْقِعَهَا بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْغُسْلُ وَنُزُولُ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ ثَانٍ كَمَا لَوْ جَامَعَ ثَانِيًا أَوْ تَذَكَّرَ فَأَنْزَلَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ دَلِيلُ عَدَمِ انْقِطَاعِ الْمَنِيِّ الْأَوَّلِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ وَدْيٌ) قَالَ ابْنُ فِرِشْتَهْ أَوْ مَذْيٌ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ) أَيْ لِأَنَّهُ عَنْ الِاحْتِلَامِ فَيَكُونُ مَنِيًّا (قَوْلُهُ فَلَا غُسْلَ) أَيْ؛ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ آيَةُ كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ الِاحْتِلَامِ فَيَكُونُ مَذْيًا اهـ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْفَتَاوَى إذَا وُجِدَ فِي الْفِرَاشِ مَنِيٌّ وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَقُولُ مِنْ الزَّوْجِ إنْ كَانَ أَبْيَضَ فَمِنْ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَمِنْ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مُدَوَّرًا فَمِنْ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَوَّرٍ فَمِنْ الرَّجُلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ وَأَخَذْنَا بِالثِّقَةِ وَيَضْرِبُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِتَرْكِ الِاغْتِسَالِ إلَّا إذَا كَانَتْ ذِمِّيَّةً اهـ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ ظَاهِرُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الْوُجُوبُ بِالْإِيلَاجِ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَالْمَيِّتَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَأَصْحَابُنَا مَنَعُوهُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الْمَنِيُّ) أَيْ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ) الصَّحِيحُ خِلَافُهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا اهـ (قَوْلُهُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى رَحِمِهَا) أَيْ بِلَا دَفْقٍ (قَوْلُهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا) أَيْ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ الْمَنِيِّ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْله فَقَالَتْ) أَيْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ اهـ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَالْمَرْأَةُ فِي الِاحْتِلَامِ كَالرَّجُلِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِتَذَكُّرِ الْإِنْزَالِ وَاللَّذَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتَوَارِي) أَيْ تَغَيُّبِ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا) قَالَ فِي الْوَافِي وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ
الجزء 1 · صفحة 17
لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ وَكَذَا فِي الْقُبُلِ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ يَتَحَاذَيَانِ، وَالْحَشَفَةُ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ وَقَوْلُهُ: عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ إلَى الْكُلِّ أَيْ إلَى الْمَنِيِّ وَإِلَى التَّوَارِي، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ إلَى التَّوَارِي لَا غَيْرُ، وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ»، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «إذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ»، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا «قَالَتْ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَقَالَتْ فَعَلْته أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاغْتَسَلْنَا» وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ) أَيْ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَ خُرُوجِ دَمِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَخُرُوجُهُ بِوُصُولِهِ إلَى فَرْجِهَا الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِخَارِجٍ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا أَمَّا الْحَيْضُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ، فَلَوْلَا أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ لَمَا مَنَعَ مِنْ حَقِّهِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْقُرْبَانُ، وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ هُوَ الْمُوجِبُ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاغْتِسَالِ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْحَيْضِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الطَّهَارَةُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُهَا النَّجَاسَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَيْضَ مُنَجِّسٌ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ فَيَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ فَإِذَا تَنَجَّسَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ تَنَجَّسَ كُلُّهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَتَجَزَّأُ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ فَوَجَبَ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَغْتَسِلْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ إذْ الدَّمُ مُسْتَمِرٌّ لَا؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَوْلُهُ وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ مُعَارَضٌ بِسَائِرِ الْأَحْدَاثِ كَالْبَوْلِ مَثَلًا فَإِنَّ الطَّهَارَةَ فِيهِ لَا تَجِبُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الْبَوْلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ تَرْفَعُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْحَدَثِ يَرْفَعُهَا مَا بَعْدَهَا مِنْ الْحَدَثِ، لَا لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا يُوجِبُهَا وَلِأَنَّ الْحَائِضَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُوجِبُ هُوَ الِانْقِطَاعُ لَمَا حَرُمَ عَلَيْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ، وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ خُرُوجُ الدَّمِ فَوَجَبَ التَّطْهِيرُ عِنْدَهُ إذْ التَّنَجُّسُ وَوُجُوبُ التَّطْهِيرِ مِنْهُ مُتَلَازِمَانِ، وَأَمَّا النِّفَاسُ فَلِلْإِجْمَاعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لَا مَذْيٌ وَوَدْيٌ وَاحْتِلَامٌ بِلَا بَلَلٍ) أَمَّا الِاحْتِلَامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ «فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ إنَّمَا يُجْزِيكَ الْوُضُوءُ مِنْهُ»، وَأَمَّا الْوَدْيُ فَلِلْإِجْمَاعِ وَمَنِيُّ الرَّجُلِ خَاثِرٌ أَبْيَضُ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ فِيهِ لُزُوجَةٌ يَنْكَسِرُ الذَّكَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَالْمَذْيُ رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ يَمْتَدُّ، وَخُرُوجُهُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ مَعَ أَهْلِهِ بِالشَّهْوَةِ، وَيُقَابِلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْقَذْيُ، وَالْوَدْيُ بَوْلٌ غَلِيظٌ فَيُعْتَبَرُ بِرَقِيقِهِ وَقِيلَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ) أَيْ سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَيُسَنُّ فِيهِ الِاغْتِسَالُ كَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ بَلْ يَتَحَاذَيَانِ)؛ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فَوْقَ رَحِمِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ عَلَيْهِمَا) إنْ أُرِيدَ بِهِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ كَانَ الْمَعْنَى فَرْضَ الْغُسْلِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِسَبَبِ التَّوَارِي؛ لِأَنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمَنِيِّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَنَّ التَّوَارِيَ فِي دُبُرِهِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ الْمَفْعُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِسَبَبِ التَّوَارِي بِخِلَافِ قُبُلِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلٌ لِلْمَنِيِّ فَيُتَصَوَّرُ خُرُوجُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِلَا تَوَارٍ كَمَا يُتَصَوَّرُ بِالتَّوَارِي، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْخُرُوجِ وَالتَّوَارِي سَبَبًا لِوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ) أَيْ وُجُوبُ الْغُسْلِ (قَوْلُهُ «بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ») الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَقِيلَ شَفْرَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَقِيلَ فَخِذَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ، وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ الْجَهْدُ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً. اهـ. مَنْبَعٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ جَهَدَهَا) أَيْ بِالْإِيلَاجِ
(قَوْلُهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ حَقِّهِ الْوَاجِبِ)؛ لِأَنَّ بِالْمُبَاحَاتِ وَالتَّطَوُّعَاتِ لَا يُمْنَعُ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ حَقَّ نَقْضِ الصَّوْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهِ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ) أَيْ وَهُوَ انْقِطَاعُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ إلَخْ) يَعْنِي عَلَى قَوْلِهِ مَنْ يَقُولُ إنَّ دُرُورَ الدَّمِ هُوَ الْمُوجِبُ يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الِاغْتِسَالِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ، وَأَمَّا النِّفَاسُ فَلِلْإِجْمَاعِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ أَكْمَلَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ كَالطَّاهِرَاتِ. اهـ.
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا مَذْيٌ) أَيْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَوَدْيٌ) بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ اهـ ع (قَوْلُهُ ابْنُ حُنَيْفٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ (قَوْلُهُ فَلِلْإِجْمَاعِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ وَمَنِيُّ الرَّجُلِ خَاثِرٌ) وَالْخَاثِرُ الْغَلِيظُ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ وَيُقَابِلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْقَذْيُ) يُقَالُ: كُلُّ ذَكَرٍ يَمْذِي وَكُلُّ أُنْثَى تَقْذِي، وَقَذَتْ الشَّاةُ إذَا أَلْقَتْ بَيَاضًا مِنْ رَحِمِهَا انْتَهَى صِحَاحٌ
. (قَوْلُهُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ) أَيْ وَهُوَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ. اهـ. (قَوْلُهُ «مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ») أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَقِيلَ أَيْ بِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ، وَهَذَا أَوْلَى أَيْ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَشْهُورًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى تَوَارَتْ} [ص: 32] أَيْ الشَّمْسُ. اهـ. كَاكِيٌّ وَنِعْمَتْ بِتَاءٍ مَمْدُودَةٍ وَالْمُدَوَّرَةُ خَطَأٌ، وَكَذَا الْمَدُّ مَعَ الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ فِيهَا وَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 18
لَا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَوَائِحِ بَعْضٍ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بِهِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ عَلَى مَا قَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَخْتَصُّ بِهَا، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُ يَكُونُ لَهُ فَضْلُهُ أَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَأَهْلِ الْبَرِّيَّةِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَهُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِي الْكَافِي لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ، لَا وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ وُجُودَ الِاغْتِسَالِ فِيمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ لَا أَنْ يُنْشِئَ الْغُسْلَ فِيهِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ»، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَلِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ لِإِهْلَالِهِ.»
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ وَلِمَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا) أَيْ الْغُسْلُ وَجَبَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ أَمَّا غُسْلُ الْمَيِّتِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الْغُسْلُ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَتَأْتِي كَيْفِيَّةُ غُسْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ جُنُبًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ فَصَارَ كَالْكَافِرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَبَهَاءٌ وَنِعْمَةٌ حَاشِيَةُ الْهِدَايَةِ لِلدَّامَغَانِيِّ (قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ) وَالْمُرَادُ بِالنَّسْخِ نَسْخُ صِفَةِ الْوُجُوبِ دُونَ شَرْعِيَّتِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ) وَنَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْيَوْمِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) قُلْت فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ خِلَافُ هَذَا قَالَ الْغُسْلُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ أَمْ لِلْيَوْمِ قَالَ س لِلْيَوْمِ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالِاغْتِسَالُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ كَانَ الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ، وَإِذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ يَكُنْ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى صَلَّى كَانَ صَلَاةً بِغُسْلٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَا يَكُونُ بِغُسْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَشَهِدَ الْجُمُعَةَ قَالَ س لَا يَكُونُ هَذَا كَاَلَّذِي شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى غُسْلٍ، وَقَالَ إنْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْيَوْمِ فَهُوَ غُسْلٌ تَامٌّ، وَإِنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى وُضُوءٍ وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ إحْرَامُهُ عَلَى وُضُوءٍ اهـ.
قُلْت قَوْلُهُ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ الْفَتَاوَى وَلَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ يَرُدُّ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلزَّيْلَعِيِّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْغُسْلِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ يَقْتَضِي إنْشَاءَ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ وَالصَّلَاةَ بِهِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْ اغْتَسَلَ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَأَنْصَتَ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ وَإِذَا أَخَذَ فِي الْمَشْيِ إلَى الْجُمُعَةِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ عِشْرِينَ سَنَةً»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دَنَا حَيْثُ يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْإِمَامِ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ» اهـ مِنْ حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمُجْمَعِ لِلْعَلَّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ قَاسِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ) الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَسَنِ وُجُودُ طَهَارَةِ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَنَالُ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ الْحَسَنِ أَيْضًا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ السُّنَّةُ فِيهِ إنْشَاءَهُ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ فِيهَا، وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى إنْشَائِهِ فِي الْيَوْمِ إذْ أَلْفَاظُهُ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ» «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ». اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ) أَيْ لِأَجْلِهِ وَجَبَ فِعْلُهُ عَلَى الْحَيِّ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلِمَنْ أَسْلَمَ) وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَ، وَفِعْلُهُ أَيْضًا يَجِبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ؛ لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْحَيِّ إقَامَةُ الْغُسْلِ فِي حَقِّهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ اللَّامُ دُونَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَافْهَمْ. اهـ. عَيْنِيٌّ
الجزء 1 · صفحة 19
إذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ عِنْدَهَا مُخَاطَبٌ فَصَارَ كَالْوُضُوءِ، وَهَذَا لِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَدَوَامُهَا بَعْدَهُ كَإِنْشَائِهَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِلَّا نُدِبَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَافِرُ الَّذِي أَسْلَمَ جُنُبًا نُدِبَ؛ لِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَثُمَامَةَ بِذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَا» وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ فَصَارَ أَنْوَاعُ الْغُسْلِ أَرْبَعَةً فَرْضٌ وَسُنَّةٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمِنْ الْمَنْدُوبِ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَدُخُولِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَتَوَضَّأُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا»، وَلَوْ قَالَ يَتَطَهَّرُ بِمَاءِ السَّمَاءِ مَكَانَ قَوْلِهِ يَتَوَضَّأُ كَانَ أَوْلَى حَتَّى يَشْمَلَ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرَهُ، وَلَكِنْ إذَا عُرِفَ الْحُكْمُ فِي الْوُضُوءِ عُرِفَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَضُرُّهُ، وَكَذَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَا ذَابَ مِنْ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَلَا تَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ وَهُوَ يَجْمُدُ فِي الصَّيْفِ وَيَذُوبُ فِي الشِّتَاءِ عَكْسُ الْمَاءِ، وَلَا يُقَالُ قَدْ جُعِلَ مَاءُ الْعَيْنِ قَسِيمًا لِمَاءِ السَّمَاءِ، وَكَذَا الْبَحْرُ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمِيعُ مَاءُ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} [الزمر: 21] لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا قَسَمَهَا بِاعْتِبَارِ مَا يُشَاهَدُ عَادَةً، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْكَرُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ أَوْ أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ) يَعْنِي يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْمِيَاهِ.
وَإِنْ غَيَّرَ شَيْءٌ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا بِمَاءٍ تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إنْ ظَهَرَ لَوْنُهَا فِي الْكَفِّ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، لَكِنْ يُشْرَبُ وَتُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ لِكَوْنِهِ مُقَيَّدًا وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَوْ بِالطَّبْخِ) يَعْنِي مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (أَوْ اعْتَصَرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) أَيْ أَوْ بِمَاءٍ اعْتَصَرَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَجْزَاءً) أَيْ أَوْ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ بِالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَالَ أُسْتَاذُنَا فَخْرُ الْأَئِمَّةِ الْبَدِيعُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ غَيْرُ سَدِيدٍ فَإِنَّ سَبَبَ الْغُسْلِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ وَزَمَانَ إرَادَتِهَا مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَيُعْطَى لَهَا حُكْمُ الْإِنْشَاءِ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْكَافِرَةِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِتَعَذُّرِ اسْتِدَامَةِ الِانْقِطَاعِ. اهـ. زَاهِدِيٌّ فَلِذَا لَوْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا ثُمَّ طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ) يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَيُفْرَضُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] شَامِلٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ)، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ بِالْإِنْزَالِ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ الصَّلَاةُ أَوْ إرَادَتُهَا فَيَكُونُ انْعِقَادُ السَّبَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ وَصِفَةُ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ بَقَاءِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إجْمَاعًا. اهـ.
[أَقْسَام الْمَاء]
[طَهَارَة الْمَاء المتوضأ بِهِ]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَتَوَضَّأُ) أَيْ مُرِيدُ الصَّلَاةِ. اهـ. عَيْنِيٌّ وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الطَّهَارَتَيْنِ شَرَعَ فِي بَيَانِ آلَةِ التَّطْهِيرِ، وَهِيَ الْمِيَاهُ بِأَقْسَامِهَا اهـ ع (قَوْلُهُ مَكَانَ قَوْلِهِ يَتَوَضَّأُ كَانَ أَوْلَى) أَقُولُ التَّوَضُّؤُ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) أَوْ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ إذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ اهـ إنَّمَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ فَلَوْ اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ أَوْجَبَ غِلَظَهُ صَارَ مُقَيَّدًا فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لَكِنْ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْمُطْلَقُ طَاهِرٌ أَيْ فِي نَفْسِهِ طَهُورٌ أَيْ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمُقَيَّدُ طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ. اهـ. يَحْيَى، وَكَتَبَ قَوْلَهُ وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ مَا نَصُّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ أَمْ لَا كَالطِّينِ وَالزَّعْفَرَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ يَعْنِي مَا يَتَغَيَّرُ بِالطَّبْخِ) كَالْبَاقِلَاءِ وَالْمَرَقِ أَعْنِي بِالتَّغَيُّرِ بِالطَّبْخِ الثَّخَانَةَ وَالْغِلَظَ حَتَّى إذَا طُبِخَ وَلَمْ يَثْخُنْ بَعْدُ وَرِقَّةُ الْمَاءِ فِيهِ بَاقِيَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ذَكَرَهُ النَّاطِفِيُّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ كَاكِيٌّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ بِالطَّبْخِ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْظِيفِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْظِيفِ كَمَا إذَا طُبِخَ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ، قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بِهِ الْوُضُوءُ إذَا غَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رَائِحَتَهُ قِيلَ مَعْنَاهُ إلَّا مَا غَيَّرَ وَالْمُغَيِّرُ نَجِسٌ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مُغَيِّرٌ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عِنْدَنَا وَرَدَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ حَيْثُ تُرَى فِيهِ النَّجَاسَةُ أَوْ يُوجَدُ طَعْمُهَا أَوْ رِيحُهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تَدُلُّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ بِالنَّجَاسَةِ فَالنَّجَاسَةُ بِعَيْنِهَا لَا تَطْهُرُ بِالْمَاءِ إلَّا أَنْ يَتَلَاشَى فَيَسْقُطُ حُكْمُهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَذَا أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ اعْتَصَرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْأَشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الشَّجَرِ كَشَرَابِ الرِّيبَاسِ وَمِنْ الثَّمَرِ كَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ) بِأَنْ تَغَيَّرَ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا بِاللَّوْنِ اهـ. قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ أَوْ زَرْدَجِ الْعُصْفُرِ يَجُوزُ إذَا كَانَ رَقِيقًا وَالْمَاءُ غَالِبٌ، وَإِنْ غَلَبَهُ الْحُمْرَةُ وَصَارَ مُتَمَاسِكًا لَا يَجُوزُ بِهِ التَّوَضُّؤُ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ، وَقَالَ أَيْضًا قَاضِي خَانْ وَلَا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ وَلَا بِمَاءِ الصَّابُونِ وَالْحُرْضِ إذَا ذَهَبَتْ رِقَّتُهُ وَصَارَ ثَخِينًا فَإِنْ بَقِيَتْ رِقَّتُهُ وَلَطَافَتُهُ جَازَ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَتُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ حِينَ سَخَّنَتْ الْمَاءَ بِهَا لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» وَعَنْ
الجزء 1 · صفحة 20
اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَمَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ لَا يَجُوزُ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الصَّابُونِ إذَا كَانَ ثَخِينًا قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ وَكَذَا مَاءُ الْأُشْنَانِ، ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الطِّينُ غَالِبًا عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إذَا طُرُحَ الزَّاجُ فِي الْمَاءِ حَتَّى اسْوَدَّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَكَذَا الْعَفْصُ إذَا كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا، وَفِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا اعْتَبَرَ بِلَوْنِ الْمَاءِ وَأَبَا يُوسُفَ بِالْأَجْزَاءِ وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ.
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْغَلَبَةَ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ، ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الطَّعْمُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ، وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ نَقَعَ الْحِمَّصَ وَالْبَاقِلَاءَ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَأَشَارَ الْقُدُورِيُّ إلَى أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ وَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَهَكَذَا جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَرَى فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ وَتَوْفِيقٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَنَقُولُ: إنَّ الْمَاءَ إذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ زَالَ وَصَارَ مُقَيَّدًا لَمْ يَجُزْ وَالتَّقْيِيدُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ أَوْ بِغَلَبَةِ الْمُمْتَزِجِ فَكَمَالُ الِامْتِزَاجِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالطَّبْخِ بَعْدَ خَلْطِهِ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ لَا تُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ أَوْ بِتَشَرُّبِ النَّبَاتِ الْمَاءَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِعِلَاجٍ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ لَمْ يَكْمُلْ امْتِزَاجُهُ فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ، وَغَلَبَةُ الْمُمْتَزِجِ تَكُونُ بِالِاخْتِلَاطِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ وَلَا بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ، ثُمَّ هَذَا الْمُخَالِطُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَمَا دَامَ يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالْمَاءُ هُوَ الْغَالِبُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ كُلِّهَا مِنْ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُخَالِفُ الْمَاءَ فِي الْوَصْفِ تُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِيهَا فَإِنْ غَيَّرَ الثَّلَاثَ أَوْ أَكْثَرَهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي وَصْفَيْنِ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ كَاللَّبَنِ مَثَلًا يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ فَإِنْ كَانَ لَوْنُ اللَّبَنِ أَوْ طَعْمُهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ وَكَذَا مَاءُ الْبِطِّيخِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ فَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِالطَّعْمِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا جَاءَ مِنْهُمْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ جَامِدًا، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعُمَرَ مِثْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ إنْ قَصَدَ لِتَشْمِيسِهِ وَفِي الْغَايَةِ: وَكُرِهَ بِالْمُشَمَّسِ فِي قُطْرٍ حَارٍّ فِي أَوَانٍ مُنْطَبِعَةٍ وَاعْتِبَارُ الْقَصْدِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا أَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ الطِّبِّيَّةِ كَانَ اعْتِبَارُ الْقَصْدِ وَعَدَمُهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَأَبَا يُوسُفَ بِالْأَجْزَاءِ) قَالَ فِي الْمَنْبَعِ الْمُرَادُ بِغَلَبَةِ الْأَجْزَاءِ أَنْ يُخْرِجَهُ الطَّاهِرُ عَنْ صِفَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِأَنْ يَثْخُنَ لَا أَنْ يَكُونَ الْغَلَبَةُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ فَاعْتُبِرَ اهـ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْمَاءَ إنْ اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ فَإِنْ غَيَّرَ لَوْنَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ لَوْنَ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَذَلِكَ مِثْلُ اللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَالزَّعْفَرَانِ يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ وَأَنْ يُغَيِّرَ لَوْنَهُ بَلْ طَعْمَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلطَّعْمِ فَإِنْ غَلَبَ طَعْمُهُ طَعْمَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا جَازَ مِثْلُ مَاءِ الْبِطِّيخِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَنْبِذَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ لَوْنَهُ وَطَعْمَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ فَإِنْ غَلَبَ أَجْزَاؤُهُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُعْتَصَرِ مِنْ الثَّمَرِ، وَإِلَّا جَازَ كَالْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ الْكَرْمِ بِقَطْعِهِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْقُدُورِيُّ) أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ أَحَدَ الْأَوْصَافِ اهـ (قَوْلُهُ كَالْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ يَسِيلُ مِنْ الْكَرْمِ لِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ. (قَوْلُهُ يُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ) حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَاءُ رِطْلَيْنِ وَالْمُسْتَعْمَلُ رِطْلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُطْلَقِ وَبِالْعَكْسِ كَالْمُقَيَّدِ. اهـ. عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ) ذِكْرُ الْأَحَدِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ وَصْفَاهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِطَ بِهِ مُخَالِفٌ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ، وَبَقِيَ وَصْفٌ وَاحِدٌ لِلْمَاءِ وَصَارَ مَغْلُوبًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى تَغْيِيرِ الْوَصْفَيْنِ. اهـ. يَحْيَى.
قَالَ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اعْلَمْ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ تُزَالُ بِهِ الْأَحْدَاثُ أَعْنِي مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَاءٌ، وَالْمُقَيَّدُ لَا يُزِيلُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمُطْلَقِ فِي النَّصِّ وَالْخِلَافُ فِي الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ الزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِذَلِكَ أَوَّلًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ تَقَيَّدَ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا نَمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمُخَالِطُ مَغْلُوبًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِ هَذَا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ يُقَالُ فِي مَاءِ الْمَدِّ وَالنِّيلِ حَالَ غَلَبَةِ لَوْنِ الطِّينِ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ الْأَوْرَاقُ فِي الْحِيَاضِ زَمَنَ الْخَرِيفِ فَيَمُرُّ الرَّفِيقَانِ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ هُنَا مَاءٌ يُقَالُ نَشْرَبُ نَتَوَضَّأُ فَيُطْلِقُهُ مَعَ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهِ بِانْتِفَاعِهَا فَظَهَرَ لَنَا مِنْ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَغْلُوبَ لَا يَسْلُبُ الْإِطْلَاقَ فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ «اغْتَسَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ لِلْمَغْلُوبِيَّةِ اهـ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ قِيلَ مِثْلُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَعْنِي مَاءَ الْبَاقِلَاءِ وَأَشْبَاهَهُ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِيَاهِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الْوَادِي وَمَاءُ الْعَيْنِ قُلْنَا إضَافَتُهُ إلَى الْوَادِي وَالْعَيْنِ إضَافَةُ تَعْرِيفٍ لَا تَقْيِيدٍ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَرَّفُ مَاهِيَّتُهُ بِدُونِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ، وَتُفْهَمُ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا الْمَاءُ بِخِلَافِ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَأَشْبَاهِهِ فَإِنَّهُ لَا تَتَعَرَّفُ مَاهِيَّتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الْقَيْدِ، وَلَا يَنْصَرِفُ الْوَهْمُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلِهَذَا صَحَّ نَفْيُ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ فَيُقَالُ فُلَانٌ: لَمْ يَشْرَبْ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ شَرِبَ الْبَاقِلَاءَ وَالْمَرَقَ وَلَوْ كَانَ مَاءً حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا وَيُكَذَّبُ نَافِيهَا، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَحْمُ الْإِبِلِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَلَحْمُ السَّمَكِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ
الجزء 1 · صفحة 21
جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ يُخَالِفُهُ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُخَالِفُهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ اعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِذَا نَظَرْت وَتَأَمَّلْت وَجَدْت مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا، وَوَجَدْت بَعْضَهَا مُصَرَّحًا بِهِ وَبَعْضَهَا مُشَارًا إلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا تَغَيَّرَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوُهُ، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَهُ لِمُحْرِمٍ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، وَعَنْ «أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» الْحَدِيثَ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» فَلَوْلَا أَنَّهُ طَهُورٌ لَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَلَمَا «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَاءٍ فِيهِ أَثَرُ الْعَجِينِ» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَغْتَسِلُ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ وَيُجْتَزَى بِذَلِكَ وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ»، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ لِلتَّعْرِيفِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ بِخِلَافِ مَاءِ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ، وَلِهَذَا يُنْفَى اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْ الْأَوَّلِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ رَاكِدٍ دَائِمٍ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَعَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ» الْحَدِيثَ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ فَعَمِلْنَا بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ بَعْضِهَا وَلِأَنَّ حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَمْ يَثْبُتْ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يُعَارِضُ الصَّحِيحَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ حَتَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْحَدِيثُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَقَدْ تَرَكَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِمَا لِلشَّافِعِيِّ لِضَعْفِهِ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ مَجْهُولَةٌ لِتَفَاوُتِ الْقُلَلِ فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا يَتَعَبَّدُنَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَجْهُولٍ وَتَقْدِيرُهُ بِمَا قَدَّرَهُ بِهِ الشَّافِعِيُّ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ الرَّائِي فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ وَلِلْجَرَّةِ قُلَّةٌ وَلِلْحِبِّ قُلَّةٌ وَلِرَأْسِ الْإِنْسَانِ قُلَّةٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ قُلَّةٌ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ
لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَهُوَ كَالْجَارِي) أَيْ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ يَكُونُ كَالْجَارِي حَتَّى لَا يَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ كَالْجَارِي بِالْفَاءِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْوَاوُ أَوْلَى لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِالْجَوَابِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَالْجَارِي فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى ثُمَّ فِي قَوْلِهِ كَالْجَارِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ) وَعَلَامَةُ إضَافَةِ التَّقْيِيدِ قُصُورُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْمُضَافِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى الظُّهْرَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ إضَافَتُهَا إلَى الظُّهْرِ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَا يَحْنَثُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَإِضَافَتُهَا إلَى الْجِنَازَةِ لِلتَّقْيِيدِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَفِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي بَابِ الْكُسُوفِ كُلُّ مَا كَانَتْ الْمَاهِيَّةُ فِيهِ كَامِلَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ، وَمَا كَانَتْ مَاهِيَّتُهُ نَاقِصَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّقْيِيدِ. نَظِيرُ الْأَوَّلِ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْبَحْرِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ، وَنَظِيرُ الثَّانِي مَاءُ الْبَاقِلَاءِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَنْفِي اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ) يَقُولُ مَا شَرِبْت مَاءً، وَإِنْ كَانَ شَرِبَ مَاءَ الْبِطِّيخِ وَنَحْوَهُ وَالْحَقِيقَةُ لَا تُنْفَى. اهـ.
[الْمَاء الَّذِي لَا يتنجس بوقوع النَّجَاسَة فِيهِ]
. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا) كَالْأَوَانِي وَالْآبَارِ (قَوْلُهُ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْبَوْلِ») قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَأَمَّا الْبَوْلُ فِيهِ فَمَكْرُوهٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا دَائِمًا أَوْ جَارِيًا وَسَمَّى أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ يَبُولُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي جَاهِلًا اهـ. (قَوْلُهُ بِئْرُ بُضَاعَةَ) بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ) وَاعْتِبَارُ عُمُومِ اللَّفْظِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَامُّ مَخْصُوصًا، أَمَّا إذَا كَانَ مَخْصُوصًا فَلَا وَهَاهُنَا مَخْصُوصٌ بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ اهـ. رَازِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقُلَّةَ مَجْهُولَةٌ) الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ تُحْمَلُ مِنْ الْيُمْنِ تَسَعُ فِيهَا قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا، وَقِيلَ جَرَّةٌ تَسَعُ فِيهَا مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الْحِلْيَةِ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَقِيلَ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ مَنٍّ، وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ ثَلَثُمِائَةِ مَنٍّ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ اهـ كَيْ.
(قَوْلُهُ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ) وَلِقَامَةِ الرَّجُلِ قُلَّةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا بَلَغَ مَاءُ الْوَادِي قَدْرَ الْقَامَتَيْنِ أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ خَبَثًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَحْرًا أَوْ غَدِيرًا عَظِيمًا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْعَشَرَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْدَادِ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ أَدْنَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ نَوْعُ الْأَعْدَادِ وَقِيلَ عَدَدٌ خَطَرَ فِي الشَّرْعِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى)، وَلَكِنَّا إذَا جَعَلْنَا الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةً يَزُولُ الْإِشْكَالُ اهـ ع.
(قَوْلُهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ) أَيْ إلَّا إذَا ظَهَرَ الْأَثَرُ (قَوْلُهُ إنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ) أَيْ فِي الرَّاكِدِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَأَمَّا الْجَارِي فَالْأَصَحُّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ فِيهِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ فَرَّقَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَقَالُوا فِي الْمَرْئِيَّةِ
الجزء 1 · صفحة 22
ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُفِيدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقُدُورِيُّ بِقَوْلِهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَطَهُ النَّجَسُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ لَا يَتَنَجَّسُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَّا كَالْجَارِي فَإِذَا تَنَجَّسَ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ مِنْ الْجَارِي فَمِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَتَنَجَّسَ، ثُمَّ الْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الْوُقُوعِ فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَهُ لَا يَتَنَجَّسُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَطْهُرُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالتَّحْرِيكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالْمِسَاحَةِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهُ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِطَبْعِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمِسَاحَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَانِيَ فِي ثَمَانٍ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَالذِّرَاعُ الْمَذْكُورُ فِيهِ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ ذِرَاعُ الْعَامَّةِ سِتُّ قَبَضَاتٍ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُعْتَبَرُ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَاخْتَارَهُ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ وَهِيَ ذِرَاعُ الْمِلْكُ سَبْعَ قَبَضَاتٍ بِإِصْبَعٍ قَائِمَةٍ ثُمَّ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَاءِ تَنَجَّسَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَنَجُّسَ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ بِالتَّحْرِيكِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ بِالِاغْتِسَالِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ بِالتَّوَضُّؤِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِغَمْسِ الرِّجْلِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَخْلُصَ الْجُزْءُ الْمُسْتَعْمَلُ نَفْسُهُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إلَّا بِحَرَكَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِالِاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَاءِ عَادَةً، وَقِيلَ يَكْفِي فِيهِ قَدْرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الصِّبْغِ فَمَوْضِعٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصِّبْغُ لَمْ يَتَنَجَّسْ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ يَعْنِي رَأْيَ الْمُبْتَلَى بِهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ.
قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الظَّاهِرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّحَرِّي وَالتَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَكُّمٍ بِالتَّقْدِيرِ فِيمَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ ثُمَّ، الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ لِأَنَّهُ إذَا انْحَسَرَ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَيَصِيرُ الْمَاءُ فِي مَكَانَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَالصَّحِيحُ إذَا أَخَذَ الْمَاءُ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ مُقَدَّرٌ بِذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ بِمِقْدَارِ شِبْرٍ وَقِيلَ بِزِيَادَةٍ عَلَى عَرْضِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ، وَلَوْ تَنَجَّسَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَتَنَجَّسُ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِهِ فَقِيلَ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ وَلَا يُقَدَّرُ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ إمَّا بِالتَّحْرِيكِ أَوْ الْمِسَاحَةِ أَوْ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْآرَاءِ. اهـ. يَحْيَى الْحَوْضُ الْكَبِيرُ إذَا انْجَمَدَ مَاؤُهُ فَثَقَبَ إنْسَانٌ فِيهِ ثَقْبًا وَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمْدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحَوْضِ الْمُسَقَّفِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْقَصْعَةِ قَالَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ كَبِيرٌ تَجَمَّدَ وَثُقِبَ إنْ كَانَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَمْدِ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ بِالْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَزِقًا بِالْجَمْدِ إلَّا أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالتَّحْرِيكِ فَإِنْ حُرِّكَ الْمَاءُ عِنْدَ إدْخَالِ كُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ مِنْ الثَّقْبِ وَانْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْدِ بِقَدْرِ مَا لَوْ دَفَعَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ لَا يَنْحَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي الثَّقْبِ كَالْمَاءِ فِي الطَّسْتِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّقْبُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَتَنَجَّسَ أَعْلَاهُ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ هُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ يَصِيرُ طَاهِرًا، وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّجَاسَةَ وَقَعَتْ فِي الْحَالِ كَالْحَوْضِ الْمُنْجَمِدِ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي ثَقْبِهِ، وَثَقْبُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ تَنَجَّسَ مَا كَانَ فِي الثَّقْبِ فَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ وَتَسَفَّلَ يَطْهُرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ انْبَسَطَ وَصَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اهـ.
(قَوْلُهُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ) تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَرُ مِنْ ذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ بِإِصْبَعٍ اهـ. كَافِي قَالَ الْكَاكِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْكُتُبِ فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَجُعِلَ الصَّحِيحُ هُنَا أَيْ فِي الْهِدَايَةِ ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ، وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَالْمُجْتَبَى وَجَعَلَ الصَّحِيحَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذِرَاعَ الْمِسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْمَمْسُوحَاتِ وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ وَالْمِسَاحَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ، وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ سَبْعًا اهـ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَاءُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ فِيهِ تَكَدَّرَ الْجَانِبُ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ إنْ وَصَلَتْ الْكُدْرَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِلْ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ نِهَايَةٌ. (قَوْلُهُ بِالِاغْتِرَافِ) أَيْ لَا يَنْكَشِفُ بِالِاغْتِرَافِ حَتَّى لَوْ انْحَسَرَ ثُمَّ اتَّصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ إذَا كَانَ نَجِسًا فَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ، وَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ
الجزء 1 · صفحة 23
الْحَوْضُ الصَّغِيرُ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ وَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْهُ طَهُرَ، وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ حَالَ دُخُولِ الْمَاءِ فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَارِي وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِخُرُوجِ مَا فِيهِ، وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِخُرُوجِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَهُوَ مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةِ فَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَرَ أَثَرَهُ وَهُوَ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ) أَيْ الْمَاءُ الْجَارِي مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةِ.
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ مِنْهُ عَائِدَةٌ إلَى الْمَاءِ الْجَارِي، أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوعِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ طَعْمٌ أَيْ الْأَثَرُ هُوَ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرَّائِحَةُ وَحَدُّ الْجَرَيَانِ بِمَا ذَكَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ إنْ وَضَعَ الْإِنْسَانُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ عَرْضًا لَا يَنْقَطِعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ لَا يَنْحَسِرُ وَجْهُ الْأَرْضِ بِالِاغْتِرَافِ بِكَفَّيْهِ فَهُوَ جَارٍ، وَقِيلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا وَهُوَ الْأَصَحُّ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُهُ أَيْ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَسِ فِيهِ لَا يَتَنَجَّسُ حَتَّى لَوْ بَالَ إنْسَانٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ جَازَ مَا لَمْ يَرَ أَثَرَهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ بِخِلَافِ الرَّاكِدِ فِي الصَّحِيحِ، وَإِذَا اعْتَرَضَتْ النَّجَاسَةُ الْمَرْئِيَّةُ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي إنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى نِصْفِهَا أَوْ كُلِّهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَسْفَلَ مِنْهَا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَوْتُ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ لَا يُنَجِّسُهُ) أَيْ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ لَهُ الدِّمَاءُ السَّائِلَةُ فَمَا لَا دَمَ بِهِ مَسْفُوحًا لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَتَنَجَّسُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ، وَقَوْلُهُ وَمَوْتُ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ يَشْمَلُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّحِيحِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجَ الْمَاءِ ثُمَّ يُلْقَى فِيهِ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان طَاهِرٌ لَا مُطَهَّرٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَارِيَ لَمَّا اتَّصَلَ بِهِ وَخَرَجَ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَالْمَاءُ الْجَارِي طَاهِرٌ إلَّا أَنْ تَسْتَبِينَ فِيهِ النَّجَاسَةُ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْهُ طَهُرَ) وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. كَاكِيٌّ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا تَنَجَّسَ وَدَخَلَ فِيهِ الْمَاءُ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مِثْلُ مَا كَانَ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا خَرَجَ مِنْهُ مِثْلُ مَا كَانَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً يَطْهُرُ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ (قَوْلُهُ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَوْضٌ فِيهِ عَصِيرٌ وَقَعَ فِيهِ الْبَوْلُ إنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاءً لَا يَفْسُدُ فَكَذَا إذَا كَانَ عَصِيرًا، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ يَفْسُدُ فَكَذَا فِي كُلِّ مَا لَوْ كَانَ مَاءً يَفْسُدُ فَإِذَا كَانَ عَصِيرًا يَفْسُدُ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ سَمِعْت مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرْت قُلْت: لَا أُقْبَلُ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ فَخَرَجْت إلَى بَعْضِ السَّوَادِ فَنَزَلْت بِهَا فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي يَا أَبَا يُوسُفَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ فَانْكَسَرَتْ جِرَارٌ مِنْ خَمْرٍ وَالرَّجُلُ مِنْ تَحْتِ الْجَرْيَةِ، قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا دَرَيْت أَنْ أُجِيبَهُ فَقُلْت لِلْغُلَامِ شُدَّ فَلَيْسَ نَصْلُحُ فِي بَلَدٍ إلَّا فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمَّا وَصَلْت إلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ لِي أَيْنَ كُنْت فَأَخْبَرْته الْخَبَرَ قَالَ فَضَحِكَ وَقَالَ مَا دَرَيْت مَا تُجِيبُهُ قُلْت: وَاَللَّهِ مَا دَرَيْت مَا أُجِيبُهُ فَقَالَ إنْ وَجَدْت رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْك ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ الْمَكِّيُّ فِي الْبَابِ السَّابِعِ مِنْ مَنَاقِبِهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَنَّ مَشَايِخَ بُخَارَى أَخَذُوا بِهِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ) وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَتَكَرَّرُ أَنْ لَوْ غَسَلَ يَدَهُ، وَسَالَ مِنْ يَدِهِ إلَى النَّهْرِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ ثَانِيًا لَا يَكُونُ الْمَاءُ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَوْ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَرَ أَثَرَهُ) أَيْ لِأَنَّ فِي الْمَاءِ الْجَارِي تَنْتَقِلُ النَّجَاسَةُ مِنْ مَكَانِ وُقُوعِهَا، وَلَا يُعْرَفُ وُجُودُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ وَفِي الْمُحِيطِ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْجَارِي إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَالْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْجِيفَةُ، وَيَتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنْ لَاقَاهَا أَكْثَرُ الْمَاءِ فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ اهـ.
كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّاكِدِ) أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِ عُمُوقِهَا (قَوْلُهُ وَإِذَا اعْتَرَضَتْ النَّجَاسَةُ الْمَرْئِيَّةُ) كَالْكَلْبِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَسْفَلَ مِنْهَا) وَعَلَى هَذَا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا كَانَتْ الْعَذِرَاتُ عِنْدَ الْمِيزَابِ أَوْ فِي السَّطْحِ أَوْ فِي الطُّرُقَاتِ كَيْ، قَالَ الْكَاكِيُّ قَوْلُهُ لَا يُفْسِدُهُ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ لَا يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُفْسِدُهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ يَبْقَى طَاهِرًا وَطَهُورًا، وَقَوْلُهُ لَا يُنَجِّسُهُ يُفِيدُ طَهَارَتَهُ لَا طَهُورِيَّتَهُ كَالتُّرَابِ طَاهِرٌ وَلَيْسَ بِطَهُورٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً كَيْ
. (قَوْلُهُ وَالزُّنْبُورُ) بِضَمِّ الزَّايِ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ النَّجَاسَةِ دَمُ الْحَلَمَةِ وَالْوَزَغَةِ يُفْسِدُ الثَّوْبَ وَالْمَاءَ، وَدَمُ الْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ لَا يُفْسِدُ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ وَالضِّفْدَعِ) بِكَسْرِ الدَّالِ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ حَتَّى حَلَّ الْمُذْكَى لِانْعِدَامِ الدَّمِ وَلَا دَمَ فِيهَا (قَوْلُهُ يَشْمَلُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ) كَالسَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ قَالَ الْمُسْتَصْفَى وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ، وَتَقْدِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّ الْحَرَارَةَ مِنْ خَاصَّةِ الدَّمِ، وَلَوْ كَانَ لَهَا دَمٌ لَكَانَ لَهَا حَرَارَةٌ؛ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ لَهَا حَرَارَةٌ لَأَنْطَفَتْ أَيْ لَمَاتَتْ بِدَوَامِ السُّكُونِ فِي الْمَاءِ لِلْمُضَادَّةِ بَيْنَ الطَّبِيعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَارِدٌ رَطْبٌ وَالدَّمَ حَارٌّ رَطْبٌ. (قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ) كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ
[الْمَاء الْمُسْتَعْمَل]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرٌ)، وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَقَطَّعَ فِي الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَتَقَطَّعْ
الجزء 1 · صفحة 24
وَالْكَلَامُ فِي الْمُسْتَعْمَلِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي صِفَتِهِ وَسَبَبِهِ وَوَقْتِ ثُبُوتِهِ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَّنَ الثَّلَاثَ، فَقَوْلُهُ: طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرٌ بَيَانٌ لِصِفَتِهِ، وَقَوْلُهُ: لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ بَيَانٌ لِسَبَبِهِ، وَقَوْلُهُ: إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان بَيَانٌ لِوَقْتِ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَلَامٌ.
أَمَّا صِفَتُهُ فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً رَوَاهُ عَنْهُ الْحَسَنُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَأَثْبَتُوا فِيهِ الْخِلَافَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَذَكَرُوا وَجْهَ التَّنْجِيسِ أَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ مَعْنًى مَانِعٌ لِلصَّلَاةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَقَالَ مَشَايِخُ؛ الْعِرَاقِ إنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَوَجْهُهُ أَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ، وَلَكِنْ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ أَوْ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ فَتَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ كَمَالِ الزَّكَاةِ لَمَّا أُقِيمَتْ بِهِ الْقُرْبَةُ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ حَتَّى حَرُمَ عَلَى الْهَاشِمِيِّ وَالْغَنِيِّ، وَأَمَّا سَبَبُهُ فَإِقَامَةُ الْقُرْبَةِ أَوْ إزَالَةُ الْحَدَثِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إقَامَةُ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرُ وَعِنْدَ زُفَرَ إزَالَةُ الْحَدَثِ لَا غَيْرُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْحَدَثِ أَوْ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ التَّعْلِيلُ لِمُحَمَّدٍ بِعَدَمِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مُفْسِدَةٌ لَهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْجُنُبِ يَدْخُلُ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْجُرْجَانِيِّ وَمَنْ شَرَطَ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْبِئْرِ حَيْثُ قَالَ الْمَاءُ بِحَالِهِ وَالرَّجُلُ طَاهِرٌ إذْ لَوْ كَانَ إزَالَةُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ تُوجِبُ الِاسْتِعْمَالَ لَتَغَيَّرَ الْمَاءُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِلضَّرُورَةِ لَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ الَّتِي طَهُرَتْ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ لِإِزَالَةِ الْحَدَثِ، وَلَكِنْ سَقَطَ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا تَقَطَّعَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ دَمَهُ نَجِسٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا دَمَ فِي السَّمَكِ إنَّمَا هُوَ مَاءٌ آخَرُ، وَالضِّفْدَعُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ سَوَاءٌ، وَقِيلَ الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ فِيهِ. اهـ. هِدَايَةٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَقِيلَ إنْ كَانَ لِلْبَرِّيِّ دَمٌ سَائِلٌ أَفْسَدَهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ الْبَحْرِيُّ مَا يَكُونُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سُتْرَةٌ دُونَ الْبَرِّيِّ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَلَا يَحْرُمُ وَيُعْجَنُ بِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ إنَّهُ طَاهِرٌ) أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ اهـ.
كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَأَمَّا سَبَبُهُ فَإِقَامَةُ الْقُرْبَةِ) قَالَ فِي الْكَافِي لِمُحَمَّدٍ إنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُزَالُ بِالْقُرْبَةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» وَقَالَا إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا غَسَلَ الْأَعْضَاءَ، وَقَدْ حَلَّ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الْمَانِعُ إلَى الْمَاءِ وَصَارَ نَظِيرَ تَحَوُّلِ الْآثَامِ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ زُفَرَ إزَالَةُ الْحَدَثِ) حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ لِلتَّبَرُّدِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمَا وَزُفَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا لِعَدَمِ فَضْلِ الْقُرْبَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ زَوَالِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ لِقَصْدِ الْقُرْبَةِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ اهـ. كَاكِيٌّ.
قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى إلَّا فِي الْجُنُبِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَ إنْسَانٍ مَقْتُولٍ قَدْ بَانَ مِنْهُ بِالْمَاءِ كَانَ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ إذَا وُجِدَ مَعَ الْبَدَنِ ضُمَّ إلَى الْبَدَنِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ فَيَكُونُ غُسَالَتُهُ مُسْتَعْمَلَةً قَالَ قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْبَدَنِ لَا يَبْقَى طَهُورًا، وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ وَفِي السَّبَبِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَاءُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ، أَمَّا السَّبَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِلطَّهَارَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِسُقُوطِ الْفَرْضِ إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّدَ أَوْ إخْرَاجَ الدَّلْوِ مِنْ الْبِئْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ، وَبَعْدَ الزَّوَالِ عَنْ الْعُضْوِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ كَانَ فِي الْهَوَى بَعُدَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ فَأَمْسَكَ إنْسَانٌ يَدَهُ تَحْتَ ذِرَاعَيْهِ وَغَسَلَهُمَا بِذَلِكَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا الْمُحْدِثُ إذَا غَسَلَ عُضْوًا قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْمَكَانِ غَسَلَ بِهِ عُضْوًا آخَرَ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان وَيَسْكُنْ عَنْ التَّحْرِيكِ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَنَجَاسَتِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا هُوَ نَجِسٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ طَاهِرٌ فَإِنْ أَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ ثَوْبًا إنْ كَانَ ذَلِكَ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ فَأَصَابَهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَالْفَاحِشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يُفْحِشُهُ النَّاظِرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ رُبْعَ الثَّوْبِ فَهُوَ كَبِيرٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ شِبْرًا فِي شِبْرٍ فَهُوَ كَبِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقَدَّرُ بِالرُّبْعِ قِيلَ أَرَادَ بِهِ رُبْعَ الْكُمِّ وَرُبْعَ الذَّيْلِ لَا رُبْعَ جَمِيعِ الثَّوْبِ. الْمَرْأَةُ إذَا وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِشَعْرِ غَيْرِهَا ثُمَّ غَسَلَتْ الشَّعْرَ الَّذِي وَصَلَتْ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ غَسَلَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اهـ.
ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ لَا يَجِدَ إنَاءً صَغِيرًا وَلَا يُمْكِنُهُ صَبُّ
الجزء 1 · صفحة 25
وَرَدَ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي اغْتِسَالِهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَائِهِ أَفْسَدَهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فَكَذَا هُنَا؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ يَكْثُرُ، وَالْجَنَابَةُ تَكْثُرُ أَيْضًا فَلَوْ اغْتَسَلُوا لِإِخْرَاجِ الدَّلْوِ كُلَّمَا وَقَعَ يُحْرَجُونَ وَلَوْ تَوَضَّأَ الصَّبِيُّ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا.
وَلَوْ غَسَلَ الطَّاهِرُ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ غَيْرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَالْفَخِذِ وَالْجَنْبِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ قِيلَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقِيلَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ فَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَرْضًا أَوْ إنَاءً أَوْ كَفَّ الْمُتَوَضِّئِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالُوا لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ فِي كَفِّهِ مِنْ الْبَلَّةِ يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ بَقِيَ مِنْ بَدَنِهِ لَمْعَةٌ مِنْ عُضْوٍ فَأَخَذَ الْمَاءَ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ فَغَسَلَ بِهِ اللَّمْعَةَ جَازَ وَلَا يَجُوزُ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ فِي الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ فِيهَا وَمِنْ أَيِّ عُضْوٍ كَانَ فِي الْجَنَابَةِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا بِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي مَوْضِعٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْبَلَّةِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ فِي رِوَايَةٍ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَعَلَى الصَّحِيحِ إنَّمَا يَجُوزُ بَعْدَمَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْمَغْسُولِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَأَدَّى بِمَا جَرَى عَلَى الْعُضْوِ لَا بِالْبَلَّةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْكَفِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ جحط) أَيْ إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الرَّجُلُ وَالْمَاءُ نَجِسَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كِلَاهُمَا بِحَالِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا طَاهِرٌ فَالْجِيمُ عَلَامَةُ نَجَاسَتِهِمَا وَالْحَاءُ عَلَامَةُ بَقَائِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا وَالطَّاءُ عَلَامَةُ طَهَارَتِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ وَكَذَا الْمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الرَّجُلَ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَكَذَا الْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَإِزَالَةِ الْحَدَثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَالرَّجُلُ نَجِسٌ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ أَوْ لِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَأَيُّ نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا جُزْءُ مَا تُضَافُ إلَيْهِ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَتَعُمُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ وَفِي الْفِيلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: طَهُرَ يُفِيدُ طَهَارَةَ بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا الْوُضُوءُ مِنْهُ عِنْدَهُ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ كُلُّ إهَابٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ جِلْدٍ يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ مِثْلُ جِلْدِ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْفَأْرَةِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَاللَّحْمِ وَعَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْكَبِيرِ فَيُضْطَرُّ إلَى الْإِدْخَالِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ فَلَوْ اغْتَسَلُوا لِإِخْرَاجِ الدَّلْوِ كُلَّمَا وَقَعَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ مُحَمَّدٌ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِمَنْ يَطْلُبُ دَلْوَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُكَلِّفُوهُ بِالِاغْتِسَالِ أَوَّلًا اهـ (قَوْلُهُ بِمَا جَرَى عَلَى الْعُضْوِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْكَفِّ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بَلْ الْمُسْتَعْمَلُ الَّذِي انْفَصَلَ مِنْ الْكَفِّ وَجَرَى عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي أُرِيدَ غَسْلُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ جحط) كَلَامٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ جحط فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ تَقْدِيرُهُ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ تُضْبَطُ فِيهَا بِحُرُوفِ جحط اهـ ع (قَوْلُهُ لِطَلَبِ الدَّلْوِ) قَيَّدَ بِهِ إذْ لَوْ انْغَمَسَ لِلِاغْتِسَالِ يَفْسُدُ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْجُنُبِ الَّذِي لَيْسَ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْمَنِيِّ وَغَيْرِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَاءُ) أَيْ طَاهِرٌ طَهُورٌ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ) أَيْ الَّتِي يَصِيرُ الْمَاءُ بِهَا مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ) أَيْ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ) أَيْ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ الْكَافِي أَيْ أَسْهَلُ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ وَبَعْدَ الِانْفِصَالِ لَا ضَرُورَةَ. اهـ. كَاكِيٌّ
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُلُّ إهَابٍ) اسْمٌ لِلْجِلْدِ الْغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَالْمُرَادُ إهَابُ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ إهَابَ الْمُذْكَاةِ طَاهِرٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الدِّبَاغَةِ. اهـ. يَحْيَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَبَدَّلَ إلَى الطَّهَارَةِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي بَابِ الْأَسْآرِ: فَإِنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسُ الْعَيْنِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ لَجَازَ بَيْعُهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَالدُّهْنِ النَّجِسِ، ثُمَّ الدِّبَاغُ أَثَّرَ فِيهِ وَطُهْرَهُ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ إلَى الطَّهَارَةِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ») الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ وَهِيَ الدِّبَاغَةُ اهـ (قَوْلُهُ فَتَعُمُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ)، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَكِيَّةً أَوْ مَيْتَةً. اهـ. رَازِيٌّ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَنْتَفِعُوا بِالْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ» وَلِلشَّافِعِيِّ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَهُ رَازِيٌّ فَإِنْ قِيلَ الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ وَلَا يَطْهُرَانِ بِالدِّبَاغِ قُلْنَا جِلْدُ الْخِنْزِيرِ لَا يَنْدَبِغُ فَلَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ شَعْرَهُ غَلِيظٌ يَنْبُتُ مِنْ لَحْمِهِ وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخَمْرِ، وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ إنْ احْتَمَلَ الدِّبَاغَ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ دَبْغُهُ وَسَلْخُهُ وَابْتِذَالُهُ احْتِرَامًا لَهُ كَشَعْرِهِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَفِي الْفِيلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ) أَيْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسُ الْعَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا الْوُضُوءُ مِنْهُ) أَيْ بِأَنْ جُعِلَ قُرْبَةً اهـ
الجزء 1 · صفحة 26
مُحَمَّدٍ لَوْ أَصْلَحَ مَصَارِينَ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ أَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ وَأَصْلَحَهَا طَهُرَتْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هِيَ كَاللَّحْمِ ثُمَّ كُلُّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ، وَاَلَّذِي يَمْنَعُ النَّتْنَ عَلَى نَوْعَيْنِ حَقِيقِيٌّ كَالْقَرَظِ وَالشَّثِّ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِ وَحُكْمِيٌّ كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالْإِلْقَاءِ فِي الرِّيحِ، وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلَّ لَمْ يَطْهُرْ وَمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ وَالدِّمَاءِ مِنْ الدِّبَاغِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِهَا وَلَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ كَمَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْ إلَى الْخِنْزِيرِ لِقُرْبِهِ، فَإِنْ قِيلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ كَمَا يَكُونُ إلَى الْأَقْرَبِ يَكُونُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالْمُضَافُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَمَا يُقَالُ لَقِيت ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْته قُلْنَا لَا يَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الْأَصْلَانِ فَصَرْفُهُ إلَى مَا هُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَوْلَى إذْ اللَّحْمُ مَوْجُودٌ فِي الْخِنْزِيرِ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِحُرْمَتِهِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ مَعَ الْخِنْزِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا دُبِغَ طَهُرَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَالْمَيْتَةِ وَعَظْمُهُمَا طَاهِرَانِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْمَيْتَةِ حَلَالٌ إلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا» «وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْطٌ مِنْ عَاجٍ»، وَلِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَاوَلَ شَعْرَهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ» وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُمَا نَجِسَانِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا حَتَّى لَا يَتَأَلَّمُ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ وَأَرَادَ بِالْمَيْتَةِ غَيْرَ الْخِنْزِيرِ، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسُ الْعَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي شَعْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ إنَّ حَلَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَنَا أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْأَسَاكِفَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي غَيْرِهِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَبَيْضُهَا وَعَصَبُهَا وَإِفْحَتُهَا الصُّلْبَةُ طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُشْرَبُ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ فِي وِعَاءِ الْمَيْتَةِ وَكَذَا الْبَيْضُ إنْ كَانَ مَائِعًا لَا يَأْكُلُهُ وَنَافِجَةُ الْمِسْكِ إنْ كَانَتْ بِحَالٍ لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ لَمْ تَفْسُدْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِكُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ الْمَثَانَةُ) بِالْمُثَلَّثَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالشَّثُّ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِوَرَقِهِ، وَهُوَ كَوَرَقِ الْخِلَافِ وَالشَّبُّ تَصْحِيفٌ لِأَنَّهُ صِبَاغٌ لَا دِبَاغٌ. اهـ. مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ وَالْعَفْصُ) أَيْ يَطْهُرُ الْجِلْدُ وَلَا تَعُودُ نَجَاسَتُهُ أَبَدًا. اهـ. وِقَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلَّ لَمْ يَطْهُرْ) أَيْ لَمْ يَزُلْ نَتْنُهُ وَفِي الْحِلْيَةِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ: سَمِعْت بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالتَّشْمِيسِ إذَا عَمِلَتْ الشَّمْسُ بِهِ عَمَلَ الدِّبَاغِ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ وَمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ) إنَّمَا يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِالذَّكَاةِ إذَا كَانَتْ فِي الْمَحَلِّ مِنْ الْأَهْلِ فَذَكَاةُ الْمَجُوسِيِّ لَا يَطْهُرُ بِهَا الْجِلْدُ بَلْ بِالدَّبْغِ؛ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ قَالَهُ الْكَمَالُ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ اهـ. وَفِي الْأَسْرَارِ عَنْ مَشَايِخِنَا لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا لِلْكَرَامَةِ فِيمَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ لَكِنْ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ مُمَاسَّةَ اللَّحْمِ الْجِلْدَ فَلَا يَنْجُسُ، وَبِهِ أَخَذَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو جَعْفَرٍ وَالنَّاطِفِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَقَاضِي خَانْ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ لَحْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ بِدَلِيلِ أَنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَالْجِلْدُ مُتَّصِلٌ بِاللَّحْمِ، وَبِهِ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: مَجُوسِيٌّ ذَبَحَ حِمَارًا قِيلَ لَا يَطْهُرُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالشَّمْسِ يَطْهُرُ إذَا يَبِسَ ثُمَّ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَتَانِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ صَارَ بِالشَّمْسِ بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَمْ يَفْسُدْ كَانَ دِبَاغًا اهـ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فَلَوْ أَصَابَهَا مَاءٌ أَوْ شَيْءٌ مَائِعٌ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا يَعُودُ نَجِسًا وَبَعْدَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي قِيلَ إذَا طُحِنَ سِنُّ الْآدَمِيِّ مَعَ الْحِنْطَةِ لَمْ تُؤْكَلْ فَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَيْتَةُ مَا فَارَقَهُ الرُّوحُ بِلَا ذَكَاةٍ وَلَا رُوحَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ التَّحْرِيمِ اهـ كَاكِيٌّ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج: 40] اهـ ع (قَوْلُهُ إذَا دُبِغَ طَهِرَ) قِيلَ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِئَلَّا يُسْتَعْمَلَ كَرَامَةً لَهُ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ)، قَالَ الرَّازِيّ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الدِّبَاغَ فَطَاهِرٌ، وَإِنْ احْتَمَلَهُ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ سَلْخُهُ وَدَبْغُهُ وَابْتِذَالُهُ احْتِرَامًا لَهُ انْتَهَى. فَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ مَا عَدَا هَذَيْنِ الْإِهَابَيْنِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا فَكَيْفَ فَهِمَهُ الشَّارِحُ وَاشْتَغَلَ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ أَقُولُ الْمَفْهُومُ فِي الرِّوَايَاتِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا فَيُفْهَمُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ. اهـ. يَحْيَى
(قَوْلُهُ وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ) ذَائِبًا كَانَ أَوْ جَامِدًا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْفَحَتُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ أَوْ تَشْدِيدِهَا شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَصْفَرُ يُعْصَرُ فِي صُوفَةٍ مُبْتَلَّةٍ فِي اللَّبَنِ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ وَلَا تَكُونُ إلَّا لِذِي كَرِشٍ، وَقِيلَ مِنْ نَفْسِ الْكَرِشِ إلَّا أَنَّهُ يُسَمَّى إنْفَحَةً مَا دَامَ رَضِيعًا، وَإِنْ رَعَى الْعُشْبَ سُمِّيَ كَرِشًا، وَيُقَالُ الْمِنْفَحَةُ أَيْضًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَشْرَبُ اللَّبَنَ أَيْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنْ كَانَ جَامِدًا يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالصَّحِيحُ فِي نَافِجَةِ الْمِسْكِ جَوَازُ الصَّلَاةِ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 27
حَالٍ وَمِنْ الذَّكِيَّةِ طَاهِرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ) أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الْبِئْرِ وَالْمُرَادُ مَاؤُهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِمْ جَرَى الْمِيزَابُ وَسَالَ الْوَادِي وَأَكَلَ الْقِدْرَ، وَالْمُرَادُ مَا حَلَّ فِيهَا وَأَطْلَقَ النَّزْحَ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، فَأَيُّ نَجِسٍ وَقَعَ فِيهَا يُوجِبُ نَزْحَهَا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، إمَّا أَنْ يُوجِبَ نَزْحَ الْجَمِيعِ أَوْ عِشْرِينَ دَلْوًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَلَمَةِ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِعَدَمِ النَّقْلِ بِالتَّقْدِيرِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا يُنْزَحُ مِنْ ذَنَبِ الْفَأْرَةِ الْمُنْقَطِعِ الْمُشَمَّعِ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا جَاءَ فِيهِ التَّقْدِيرُ ثُمَّ مَسَائِلُ الْبِئْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ؛ لِأَنَّ الْأَقْيِسَةَ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ فَفِي قِيَاسٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَطْهُرَ أَبَدًا، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ حِجَارَتِهَا وَحِيطَانِهَا وَفِي قِيَاسٍ آخَرَ يَجِبُ أَنْ لَا تُنَجَّسَ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهَا فَلَا تَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا كَحَوْضِ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُغْتَرَفُ مِنْ أَسْفَلِهِ لَا يَتَنَجَّسُ بِإِدْخَالِ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ، وَهُوَ فِي الْمَقَادِيرِ كَالْخَبَرِ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا بِبَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ وَخُرْءِ حَمَّامٍ وَعُصْفُورٍ) أَيْ لَا يَجِبُ النَّزْحُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا، أَمَّا الْبَعْرُ فَلِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْآبَارَ فِي الْفَلَوَاتِ لَيْسَ لَهَا رُؤْسٌ حَاجِزَةٌ وَالْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهِ الرِّيحُ فِيهَا فَلَوْ أَفْسَدَ الْقَلِيلُ الْمَاءَ لَزِمَ الْحَرَجُ وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُتَكَسِّرِ وَالْبَعْرِ وَالْخِثْيِ وَالرَّوْثِ لِشُمُولِ الضَّرُورَةِ، وَبَعْضُهُمْ يُفَرَّقُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ آبَارِ الْمِصْرِ وَالْفَلَوَاتِ فِي الصَّحِيحِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقِيلَ الثَّلَاثُ كَثِيرٌ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ بَعْرَتَيْ إبِلٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تَفْسُدُ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ إنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَا تُفْسِدُهُ حَتَّى تَفْحُشَ وَالثَّلَاثُ لَيْسَ بِفَاحِشٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ، وَالْقَلِيلَ مَا يَسْتَقِلُّهُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَقِيلَ الْكَثِيرُ مَا يُغَطِّي وَجْهَ الْمَاءِ كُلِّهِ، وَقِيلَ مَا لَا يَخْلُو فِيهِ كُلُّ دَلْوٍ عَنْ بَعْرَةٍ، وَالشَّاةُ تَبْعَرُ فِي الْمِحْلَبِ إنْ رَمَى مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُنَجَّسُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْإِنَاءِ لَا يُعْفَى «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي السَّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَأَمَّا خُرْءُ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ لِعَدَمِ الِاسْتِحَالَةِ إلَى الْفَسَادِ وَلِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ لِمَا رُوِيَ مِنْ قِصَّةِ «الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُمْ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q [ مَاء الْبِئْر إذَا وقعت فِيهِ نَجَاسَة]
قَوْلُهُ وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ) أَيْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ اهـ ع (قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يُوجِبَ) أَيْ الْوُقُوعُ اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْحَلَمَةِ) الْحَلَمَةُ الْقُرَادُ الضَّخْمُ الْغَلِيظُ اهـ (قَوْلُهُ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ) نَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ أَنَّهُ يُنْزَحُ فِي وَلَدِ الْفَأْرَةِ وَالْحَلَمَةِ عِشْرُونَ. اهـ. (قَوْلُهُ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ) فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الْحَمَّامِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ وَفِي يَدِهِ قَذَرٌ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي بَيَانِ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَادُهُ حَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ الْأُنْبُوبِ إلَى حَوْضِ الْحَمَّامِ، وَالنَّاسُ يَغْتَرِفُونَ غَرْفًا مُتَدَارِكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ أُلْحِقَ بِالْمَاءِ الْجَارِي عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلضَّرُورَةِ اهـ قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِهِ عَقِبَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْجُمْلَةُ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ حَوْضُ الْحَمَّامِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، قِيلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ يَدْخُلُ الْمَاءُ مِنْ الْأُنْبُوبِ وَالْغَرْفُ مُتَدَارَكٌ فَهُوَ كَالْجَارِي، وَتَفْسِيرُ الْغَرْفِ الْمُتَدَارَكِ أَنْ لَا يَسْكُنَ وَجْهُ الْمَاءِ بَيْنَ الْغَرْفَتَيْنِ، وَعَزَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مَا ذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ إلَى أَبِي يُوسُفَ قَالَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ مَا قَالَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ: مَاءُ حَوْضِ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يُعْلَمْ. (قَوْلُهُ لَا يَجِبُ النَّزْحُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا) وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي جُبٍّ أُهْرِيقَ الْمَاءُ كُلُّهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْكَاكِيُّ عَنْ الْمَبْسُوطِ قَالَ فِي زَادِ الْفَقِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْكَمَالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ وَقَعَ فِيهَا خُرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ فَلَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ أَيْضًا فَاعْلَمْهُ إلَّا الدَّجَاجَةَ وَالْبَطَّ وَالْإِوَزَّ، وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ لَا يَنْجُسُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَنَجَّسُ وَعَلَى هَذَا حَالُ الثَّوْبِ فِيهِ اهـ. (قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا) أَيْ مِنْ شُمُولِ الضَّرُورَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ رَمَى) أَيْ قَبْلَ التَّفَتُّتِ لَا يَنْجُسُ. اهـ. ظَهِيرِيَّةٌ
. (قَوْلُهُ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ) أَيْ عِنْدَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ) وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ») الْحَدِيثَ. الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مَكَان مِنْ وَفِي الْمُغْرِبِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ لَحْنٌ اهـ فَالْبَوْلُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ وَبَوْلَ مَا لَا يُؤْكَلُ وَالْعَامُّ الْمُتَّفَقُ عَلَى قَبُولِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ مَتْنَهُ أَقْوَى فَصَارَ كَعَامِّ الْكِتَابِ، وَالْخَاصُّ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ الْأَلْبَانُ دُونَ الْأَبْوَالِ وَالْحَدِيثُ حِكَايَةُ حَالٍ فَمَتَى دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ حُجَّةً وَغَيْرَ حُجَّةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا حَتَّى لَوْ تَعَيَّنَ الْحَرَامُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ إلَّا أَنْ يَحِلَّ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مَوْتَهُمْ مُرْتَدِّينَ وَحَيًّا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ الْكَافِرِ فِي نَجِسٍ، وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِنَا لِمَكَانِ الْخِطَابِ وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَالْمُبِيحَ إذَا وَرَدَا جُعِلَ
الجزء 1 · صفحة 28
فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ الْبَعْرَ، ثُمَّ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ تَنَجَّسَ الْبِئْرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَغْلِبْ فَإِنْ غَلَبَ حَتَّى فَحَشَ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ إذَا اخْتَلَطَتْ بِالْمَاءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا) أَيْ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَالْقَيْءِ الْقَلِيلِ وَالدَّمِ إذَا لَمْ يَسِلْ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ دَمٌ وَإِنْ قَلَّ فَيَكُونُ نَجِسًا وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ النَّجِسُ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فَمَا لَا يَكُونُ سَائِلًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَدَمِ الْبَعُوضِ وَالدِّمَاءِ الَّتِي تَبْقَى فِي الْعُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يُشْرَبُ أَصْلًا) أَيْ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُشْرَبُ أَصْلًا لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَالتَّدَاوِي بِالطَّاهِرِ الْحَرَامِ كَلَبَنِ الْأَتَانِ لَا يَجُوزُ فَمَا ظَنُّك بِالنَّجِسِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي لِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي وَلِغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّدَاوِيَ بِالْمُحَرَّمِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الطَّاهِرِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَشَدُّ إشْكَالًا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَسَطًا بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ) أَيْ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا إذَا مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَنَحْوُهَا وَقَوْلُهُ وَعِشْرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبِئْرِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَاهُ تُنْزَحُ الْبِئْرُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَأَرْبَعُونَ وَكُلُّهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَزْحَ الْبِئْرِ وَعِشْرِينَ دَلْوًا وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تُنْزَحَ الْبِئْرُ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا، ثُمَّ ذَلِكَ النَّجِسُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ عِشْرِينَ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ أَرْبَعِينَ وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ.
وَلَيْسَ نَزْحُ الْبِئْرِ مُغَايِرًا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى يُعْطَفَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَقْسِيمٌ لِذَلِكَ النَّزْحِ الْمُبْهَمِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ أَيْضًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ وَبِالْمَعْطُوفِ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ أَيْضًا، فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْجَمِيعَ لَمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا لِكَوْنِهِ تَكْرَارًا مَحْضًا وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَبَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ فَأْرَةٍ أَيْ بِمَوْتِ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ عِشْرُونَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يُنْزَحُ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ دَلْوًا وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَإِنْ وَقَعَ فِيهَا فَأْرَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْأَرْبَعَ كَفَارَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْخَمْسَ كَالدَّجَاجَةِ إلَى تِسْعٍ وَالْعَشْرَ كَالشَّاةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ فِي الْفَأْرَتَيْنِ إذَا كَانَتَا كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ يُنْزَحُ أَرْبَعُونَ وَفِي الْهِرَّتَيْنِ يُنْزَحُ مَاؤُهَا كُلُّهُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ مَجْرُوحَةً نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ لِأَجْلِ الدَّمِ وَلَا يُعْتَدُّ بِالنَّزْحِ قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ مِنْهَا فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ نُزِحَ الْمَصْبُوبُ وَقَدْرُ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلْوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُحَرَّمُ أَحْيَانًا مُبِيحًا لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ وَلِأَنَّ فِيهِ مُثْلَةً وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ. اهـ. كَافِي فَقَدْ أَبَاحَ الْبَوْلَ كَمَا أَبَاحَ اللَّبَنَ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَبَاحَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» كَافِي (قَوْلُهُ «فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ») ثُمَّ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ هُوَ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، وَالطَّهَارَةُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الصَّلَاةِ، وَالِاسْتِنْزَاهُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ الْمَرْءُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ أَوَّلَ مَا يُعَذَّبُ بِتَرْكِهَا فِي أَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ.
اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ) قَيَّدَ بِهِمَا احْتِرَازًا عَمَّا لَا نَتْنَ فِيهِ، فَإِنَّ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ تُحِيلُهُ إلَى فَسَادٍ وَهُوَ نَجِسٌ كَالدَّمِ وَالْغَائِطِ وَنَوْعٌ لَا تُحِيلُهُ إلَيْهِ كَالْبَيْضَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِنَجِسٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ غَلَبَ حَتَّى فَحَشَ) هَذِهِ زِيَادَةٌ فَاسِدَةٌ فَاحِشَةٌ، قَالَ قَاضِي خَانْ وَزَرْقُ سِبَاعِ الطَّيْرِ يُفْسِدُ الثَّوْبَ إذَا فَحُشَ وَيُفْسِدُ مَاءَ الْأَوَانِي وَلَا يُفْسِدُ مَاءَ الْبِئْرِ (قَوْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا إذْ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ فَيَكُونُ طَاهِرًا حُكْمًا. اهـ. كَافِي.
(قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ نَجِسٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلسَّيَلَانِ فِي النَّجَاسَةِ، فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ نَجِسًا فَغَيْرُ السَّائِلِ يَكُونُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ لَا لِلتَّدَاوِي) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا إلَّا بِتَيَقُّنِ الشِّفَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ تَيَقُّنُ شِفَاءِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ لِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا فِي لَبَنِ الْأَتَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعِشْرُونَ دَلْوًا إلَى آخِرِهِ) وَقَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ سَامٌّ أَبْرَصُ فَمَاتَ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ وَلَوْ كَانَ الدَّلْوُ مُتَخَرِّقًا يَطْهُرُ إذَا بَقِيَ فِيهِ أَكْثَرُ مَائِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبِئْرِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ نُزِحَ مَا فِيهَا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَهُ لَا يُنْزَحُ مِنْهُ شَيْءٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِنَحْوِ فَأْرَةٍ) وَالصَّعْوَةُ وَالْعُصْفُورُ بِمَنْزِلَةِ الْفَأْرَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجُثَّةِ. اهـ. قَاضِي خَانْ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَقْسِيمٌ لِذَلِكَ النَّزْحِ الْمُبْهَمِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ أَنْ سَاقَ إشْكَالَ الشَّارِحِ قُلْت هَذَا كُلُّهُ تَعَسُّفٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيُنْزَحُ مِنْ الْبِئْرِ عِشْرُونَ دَلْوًا عِنْدَ وُقُوعِ نَحْوِ فَأْرَةٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَبَيَّنَ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْحُكْمَ نَزْحُ كُلِّ الْمَاءِ وَفِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ نَزْحُ الْبَعْضِ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ اهـ أَيْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْبِئْرُ وَالْمَاءُ الْمَنْزُوحُ بِعِشْرِينَ دَلْوًا لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِهِ، أَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ نَزْحَ مَاءِ الْبِئْرِ كَانَ مِنْ أَفْرَادِهِ فَهُوَ نَظِيرُ الْآيَةِ. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ) لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّجَاسَةِ وَمَعَ بَقَائِهَا لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلْوِ) قَالَ
الجزء 1 · صفحة 29
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يُنْزَحُ قَدْرُ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَصْبُوبِ لَا غَيْرُ مِثَالُهُ لَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْعَاشِرَ نَزَحَ أَحَدَ عَشَرَ دَلْوًا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ الْعَشَرَةُ الَّتِي بَقِيَتْ وَالدَّلْوُ الْمَصْبُوبُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَأْرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَوْ صَبَّ مَاءَ بِئْرٍ نَجِسَةٍ فِي بِئْرٍ أُخْرَى وَهِيَ نَجِسَةٌ أَيْضًا يَنْظُرُ بَيْنَ الْمَصْبُوبِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فِيهَا أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَغْنَى عَنْ الْأَقَلِّ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَنَزْحُ إحْدَاهُمَا يَكْفِي مِثَالُهُ بِئْرَانِ مَاتَتْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَأْرَةٌ فَنَزَحَ مِنْ إحْدَاهُمَا عَشْرَ دِلَاءٍ مَثَلًا وَصَبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ عِشْرُونَ وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ وَلَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي بِئْرٍ ثَالِثَةٍ فَصُبَّ فِيهَا مِنْ إحْدَى الْبِئْرَيْنِ عِشْرُونَ وَمِنْ الْأُخْرَى عَشْرَةٌ يُنْزَحُ ثَلَاثُونَ، وَلَوْ صُبَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ الْمَصْبُوبُ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ.
قَوْلُهُ وَسَطًا الْوَسَطُ هِيَ الدَّلْوُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا؛ لِأَنَّهَا أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ مَا يَسَعُ صَاعًا وَقِيلَ عَشْرَةُ أَرْطَالٍ وَقِيلَ الْكَبِيرُ مَا زَادَ عَلَى الصَّاعِ وَالصَّغِيرُ مَا دُونَ الصَّاعِ وَالْوَسَطُ الصَّاعُ وَلَوْ نَزَحَ بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرِ الدِّلَاءِ يَصِيرُ كَالْمَاءِ الْجَارِي قُلْنَا قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ وَهُوَ إخْرَاجُ قَدْرِ الْوَاجِبِ وَاعْتِبَارُ مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ، وَلِهَذَا لَوْ نَزَحَهَا فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ دَلْوَيْنِ جَازَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَرْبَعُونَ بِنَحْوِ حَمَامَةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي الدَّجَاجَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَالْحَمَامَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا ثُمَّ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ يَطْهُرُ الدَّلْوُ وَالرِّشَاءُ وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِي الْبِئْرِ وَيَدُ الْمُسْتَقِي رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فَتَكُونُ طَهَارَتُهَا بِطَهَارَتِهَا نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِي الثَّالِثَةِ.
وَيَدُ الْمُسْتَنْجِي تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَكَدَنِّ الْخَمْرِ يَطْهُرُ تَبَعًا إذَا صَارَتْ خَلًّا، وَقِيلَ لَا تَطْهُرُ الدَّلْوُ فِي حَقِّ بِئْرٍ أُخْرَى كَدَمِ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ، وَالْبِئْرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَطْهُرُ بِالِانْفِصَالِ عَنْ الْمَاءِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَتَقَاطَرُ لِلضَّرُورَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا رَجُلٌ، ثُمَّ عَادَ الدَّلْوُ فَعِنْدَهُمَا الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الْعَوْدِ نَجِسٌ وَعِنْدَهُ طَاهِرٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ وَانْتِفَاخِ حَيَوَانٍ أَوْ تَفَسُّخِهِ) أَيْ يَجِبُ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا بِتَفَسُّخِ الْحَيَوَانِ أَوْ انْتِفَاخِهِ فَلِانْتِشَارِ الْبَلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ وَأَمَّا بِنَحْوِ الشَّاةِ فَلِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فِيهَا فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَا بِهَا أَنْ تُنْزَحَ قَالَ فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْهُمْ مِنْ الرُّكْنِ فَأَمَرَا بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقُبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ حَتَّى نَزَحُوهَا فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا، ثُمَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْفَأْرَةِ دُونَ الْحَمَامَةِ يَلْحَقُ بِالْفَأْرَةِ وَمَا كَانَ فَوْقَ الدَّجَاجَةِ دُونَ الشَّاةِ يَلْحَقُ بِالدَّجَاجَةِ، هَذَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ فِيهَا فَأَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالزَّاهِدِيُّ فَحُكْمُ الْمَصْبُوبِ فِيهِ حُكْمُ مَا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) وَعَلَى هَذَا لَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَخِيرَ فِي أُخْرَى طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْهَا دَلْوٌ فَقَطْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ اهـ. وَبَعْضُهُمْ وَفَّقَ فَقَالَ عَشَرَةٌ سِوَى الْمَصْبُوبِ وَإِحْدَى عَشْرَةَ مَعَ الْمَصْبُوبِ. اهـ. غَايَةٌ. قَالَ قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتَاوِيهِ فَأْرَةٌ مَاتَتْ فِي جُبِّ مَاءٍ فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُنْزَحُ مِنْ الْبِئْرِ عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ كَأَنَّ الْفَأْرَةَ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْجُبِّ وَتَفَسَّخَتْ ثُمَّ صُبَّ قَطْرَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ كَأَنَّ الْفَأْرَةَ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ وَتَفَسَّخَتْ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جِلْدُ الْإِنْسَانِ إذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ قِشْرُهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلُ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا تَفْسُدُ وَمِقْدَارُ الظُّفْرِ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَلَوْ وَقَعَ الظُّفْرُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ اهـ. قَالَ قَاضِي خَانْ جِلْدُ الْآدَمِيِّ أَوْ لَحْمُهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ مِقْدَارَ الظُّفْرِ يُفْسِدُهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَا يُفْسِدُهُ. اهـ. . الْفَأْرَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ فَصَارَ خَلًّا إنْ لَمْ تَتَفَسَّخْ وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا جَازَ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جُزْءٌ مِنْهَا فِيهَا، وَإِنْ تَفَسَّخَ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ بَقِيَ فِيهَا جُزْءٌ مِنْهَا. اهـ. وَلْوَالِجِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَسَيَأْتِي فِي الْأَنْجَاسِ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ مِقْدَارُ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ) وَهُوَ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْهَا قَدْ أُخْرِجَ مَعَ قِلَّةِ مَا يَعُودُ إلَيْهَا مِنْ الْقَطْرِ فَكَانَ أَوْلَى. اهـ. أَقْطَعُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرٍ) وَلَا تَوَاتُرَ فِي دَلْوٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُعْتَبَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ دَلْوَيْنِ جَازَ) أَيْ وَلَا تَوَاتُرَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا) فَإِنْ قِيلَ قَدْ مَرَّ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَالْآدَمِيِّ وَقَدْ قِيسَ مَا عَادَلَهَا بِهَا قُلْنَا بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلُ صَارَ كَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يَأْبَى الْقِيَاسُ جَوَازَهَا إذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعُقُودِ الَّتِي عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ هَذَا إلْحَاقٌ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِالْقِيَاسِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ) بِدَلِيلِ أَنَّ التَّقَاطُرَ فِيهِ جُعِلَ عَفْوًا، وَلَوْلَا الِاتِّصَالُ لَأَفْسَدَ مَاءَ الْبِئْرِ لِوُقُوعِ النَّجِسِ فَصَارَ بَقَاءُ الِاتِّصَالِ حُكْمًا كَبَقَاءِ الِاتِّصَالِ حَقِيقَةً. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ إلَى آخِرِهِ) وَلَوْ وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ ثُمَّ عَادَ عَادَ نَجِسُهُ، وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ قَالَ سَدَّادٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. كَاكِيٌّ.
وَكَذَا لَوْ غَاضَ الْمَاءُ بِقَدْرِ عِشْرِينَ طَهُرَ الْبَاقِي. اهـ. كَاكِيٌّ، وَقَدْ نَقَلْت هَذَا الْفَرْعَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ
الجزء 1 · صفحة 30
يَكُنْ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يُدْخِلْ فَاهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَتَنَجَّسْ الْمَاءُ.
وَإِنْ أَدْخَلَ فَاهُ فِي الْمَاءِ فَمُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ فَإِنْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فَالْمَاءُ مَشْكُوكٌ فَيُنْزَحُ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَمَكْرُوهٌ فَيُسْتَحَبُّ نَزْحُهَا، وَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ، وَفِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوَّلًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَإِجَارَةً وَبَيْعًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمِائَتَانِ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا) أَيْ إذَا وَجَبَ نَزْحُ الْجَمِيعِ وَلَمْ يُمْكِنْ فَرَاغُهَا لِكَوْنِهَا مَعِينًا نُزِحَ مِائَتَا دَلْوٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَفْتَى بِمَا شَاهَدَ فِي بَغْدَادَ؛ لِأَنَّ آبَارَهَا كَثِيرَةُ الْمَاءِ لِمُجَاوَرَةِ دِجْلَةَ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً عُمْقُهَا وَدَوْرُهَا مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْهَا وَتُجَصَّصُ وَيُصَبُّ فِيهَا فَإِذَا امْتَلَأَتْ فَقَدْ نُزِحَ مَاؤُهَا.
وَالثَّانِي أَنْ يُرْسِلَ قَصَبَةً فِي الْمَاءِ وَيَجْعَلَ عَلَامَةً لِمَبْلَغِ الْمَاءِ ثُمَّ يَنْزَحُ عَشْرَ دِلَاءٍ مَثَلًا ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيَنْظُرُ كَمْ انْتَقَصَ فَإِنْ انْتَقَصَ الْعَشْرَ فَهُوَ مِائَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا إذَا كَانَ دَوْرُ الْبِئْرِ مِنْ أَوَّلِ حَدِّ الْمَاءِ إلَى قَعْرِ الْبِئْرِ مُتَسَاوِيًا، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُ إذَا نَقَصَ شِبْرٌ بِنَزْحِ عَشَرَةٍ مِنْ أَعْلَى الْمَاءِ أَنْ يَنْقُصَ شِبْرٌ بِنَزْحِ مِثْلِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَقُدْوَتُهُ فِي اشْتِرَاطِ الْغَلَبَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْغَلَبَةِ قَالَ قَاضِي خَانْ الصَّحِيحُ فِي الْغَلَبَةِ الْعَجْزُ وَقَالَ غَيْرُهُ يُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا غَيْرُهُ، وَقِيلَ يُؤْتَى بِرَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ فَإِذَا قَدَّرَاهُ بِشَيْءٍ وَجَبَ نَزْحُ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ لِكَوْنِهِمَا نِصَابَ الشَّهَادَةِ الْمُلْزِمَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ فَأْرَةٌ مُنْتَفِخَةٌ جُهِلَ وَقْتُ وُقُوعِهَا) أَيْ نَجَّسَ الْبِئْرَ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ لَا يُدْرَى وَقْتُ وُقُوعِهَا وَهِيَ مُنْتَفِخَةٌ وَعَادَةُ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَدِّرُوهُ بِالْأَيَّامِ، وَهُوَ قَدَّرَهُ بِاللَّيَالِيِ حَيْثُ حَذَفَ التَّاءَ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ أَحَدُهُمَا ثَلَاثَةً فَقَدْ تَمَّ الْآخَرُ، وَقَوْلُهُ نَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ يَعْنِي فِي حَقِّ الْوُضُوءِ حَتَّى يَلْزَمَهُمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا الثِّيَابَ بِمَائِهَا لَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِلَّا مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَنْتَفِخْ نَجِسُهَا مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا وَقْتَ الْعِلْمِ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْحَالِ أَوْ أَلْقَاهَا الرِّيحُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ تَنَجُّسَهَا أَوْ أَلْقَاهَا طَيْرٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى رَأَى حِدَأَةً وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْبُسْتَانِ فِي مِنْقَارِهَا جِيفَةٌ فَطَرَحْتهَا فِي بِئْرٍ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَلِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْبِئْرِ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ تُضَافَ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلشَّكِّ فِي الْإِسْنَادِ فَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيَوَانِ الدَّمَوِيِّ فِي الْمَاءِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْبِئْرِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْمَوْهُومِ كَالْمَجْرُوحِ إذَا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ حَتَّى يَجِبَ مُوجِبُهُ إذْ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا) كَسُكَّانِ الْبُيُوتِ وَالسِّنَّوْرِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفِي الطَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَنْجِ وَالْحَائِضِ وَالْكَافِرِ وَالذِّمِّيِّ كُلُّهُ. اهـ. زَاهِدِيٌّ وَكَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوْ لَا) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ قَدَّرَهُ بِاللَّيَالِيِ إلَى آخِرِهِ) إنْ قِيلَ لَا دَلَالَةَ فِي حَذْفِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مُؤَنَّثٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا ذُكِّرَ الْمَعْدُودُ أَمَّا إذَا لَمْ يُذَكَّرْ فَيُذَكَّرُ مَعَ الْمُذَكَّرِ كَمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَشَى عَلَى مَا مَشَتْ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالْأَيَّامِ، قُلْت قَدْ قَالَ الْمُرَادِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ: الْفَصِيحُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ لِلْمُذَكَّرِ وَعَدَمِهَا لِلْمُؤَنَّثِ كَمَا لَوْ ذُكِّرَ الْمَعْدُودُ فَتَقُولُ صُمْت خَمْسَةً تُرِيدُ أَيَّامًا وَسِرْت خَمْسًا تُرِيدُ لَيَالِيَ اهـ وَقَوْلُهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ قُلْت: لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي، وَكَذَا ذِكْرُ اللَّيَالِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ فِي الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَجِسُهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ) وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ تَابِعٌ لِصَاحِبِ الْمَنْظُومَةِ حَيْثُ قَالَ
دَجَاجَةٌ بِهَا انْتِفَاخٌ وُجِدَتْ فِي الْبِئْرِ ... فَهِيَ مُذْ ثَلَاثٍ فَسَدَتْ
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى قَوْلُهُ فَهِيَ مُذْ ثَلَاثٍ أَيْ ثَلَاثِ لَيَالٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْأَيَّامُ لَقَالَ مُذْ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّ اللَّيَالِيَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ كَمَا أَنَّ الْأَيَّامَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم: 10] وقَوْله تَعَالَى {ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا} [آل عمران: 41] وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أَيْ عَشْرَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا) أَيْ بَعْدَ الْعِلْمِ اهـ (قَوْلُهُ وَقْتَ الْعِلْمِ) أَيْ فِي الْفَصْلَيْنِ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ وَالتَّفَسُّخِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً. اهـ. (قَوْلُهُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ) أَيْ وَهُوَ الْوُقُوعُ. اهـ. (قَوْلُهُ دُونَ الْمَوْهُومِ) أَيْ وَهُوَ الْمَوْتُ بِغَيْرِ الْوُقُوعِ، وَقَدَّرْنَا الْمَوْتَ بِلَا انْتِفَاخٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذْ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ التَّقْدِيرُ بِهَا لِتَفَاوُتِهَا، وَالْمَوْتُ مَعَ الِانْتِفَاخِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَأَدْنَى حَدِّ التَّقَادُمِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِنَّ مَنْ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ تَفَسَّخَ ظَاهِرًا كَذَا فِي الْكَافِي
الجزء 1 · صفحة 31
هِيَ عَلَى الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعِيدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فِي الْيَابِسِ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ قِيلَ قَالَهُ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ إنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا لِلشَّكِّ فِيمَا قَبْلَهُ وَفِي الْبَدَائِعِ يُعِيدُ مِنْ آخِرِ مَا احْتَلَمَ فِيهِ، وَقِيلَ فِي الْبَوْلِ يُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ مَا بَالَ وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رَعَفَ، وَلَوْ فَتَقَ جُبَّةً فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى دَخَلَتْ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَقْبٌ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مُنْذُ يَوْمِ وَضَعَ الْقُطْنَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَقْبٌ يُعِيدُهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ فَإِذَا كَانَ الْوُقُوعُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ زَمَانَ وُقُوعِهَا سَابِقٌ عَلَى زَمَانِ وُجُودِهَا، فَقَدَّرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمُنْتَفِخِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِخُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ غَالِبًا وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي غَيْرِ الْمُنْتَفِخِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِانْتِفَاخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ إذَا مَاتَ يَنْزِلُ إلَى قَعْرِ الْبِئْرِ، ثُمَّ يَطْفُو فَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُضِيِّ زَمَانٍ وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا سَاعَاتٌ لَا تَنْضَبِطُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْعَرَقُ كَالسُّؤْرِ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ ثُمَّ الْأَسْآرُ عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ طَاهِرٌ وَمَكْرُوهٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ وَنَجِسٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُ كُلِّ نَوْعٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَرَقُ الْحِمَارِ مَشْكُوكًا فِيهِ كَسُؤْرِهِ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا» وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ الْعَرَقِ عَادَةً وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا رَكِبَهُ.
(وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَرِبَ اللَّبَنَ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ» وَلِأَنَّ لُعَابَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا مِثْلَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِمَا بَيَّنَّا، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كُنْت أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِي فَيَشْرَبُ» فَإِنْ قِيلَ وَجَبَ أَنْ يَتَنَجَّسَ سُؤْرُ الْجُنُبِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ قِيلَ لَهُ لَمْ يُرْفَعْ الْحَدَثُ لِلضَّرُورَةِ وَفِي رِوَايَةٍ يُرْفَعُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَرَجِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَلَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَنَجَّسَ سُؤْرُهُ فَإِنْ بَلَعَ رِيقَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ فَمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَ غَيْرُ الْمَاءِ يَطْهُرُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ صَبٍّ عِنْدَهُ، وَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ فَطَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ وَحُرْمَتُهُ لِحُرْمَتِهِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الْجِهَادِ لَا لِنَجَاسَتِهِ كَالْآدَمِيِّ أَلَا تَرَى أَنَّ لَبَنَهُ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ سُؤْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ كَبَوْلِهِ وَالْفَرَسُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا سُؤْرُهُ طَاهِرٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا وَأَمَّا سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ لَحْمٍ مَأْكُولٍ فَأَخَذَ حُكْمَهُ وَيَلْحَقُ بِهِ سُؤْرُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَجِسٌ قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُشْعِرًا بِحَذْفِهِ، وَقَدْ وُجِدَ هُنَا مَا يُشْعِرُ بِحَذْفِهِ وَهُوَ تَقَدُّمُ ذِكْرِ السُّؤْرِ وَلَوْ جُرَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَجْرُورِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ هِيَ عَلَى الْخِلَافِ) وَلَئِنْ سُلَّمَ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ الثَّوْبُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَرَآهَا فِيمَا مَضَى وَالْبِئْرُ غَائِبٌ عَنْ بَصَرِهِ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رَعَفَ) وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ فِي الدَّمِ لَا يُعِيدُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يُصِيبُهُ فِي الطَّرِيقِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ يَلْبَسُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فَهُوَ كَالدَّمِ. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى زَمَانِ وُجُودِهَا) أَيْ زَمَانِ الْعِلْمِ بِوُجُودِهَا اهـ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوعَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُقُوعَ سَابِقٌ عَلَى زَمَانِ الْعِلْمِ، وَلَوْ سَلَّمَ فَسَبَبُ الْمَوْتِ الْمُكْثُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَكَانَ الْمَوْتُ بَعْدَ الْمُكْثِ لَا مِنْ ابْتِدَاءِ الْوُقُوعِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ يَسْتَنِدُ الْمَوْتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبِئْرَ بَعِيدَةٌ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوُقُوعُ قَبْلَ زَمَانِ الْعِلْمِ، فَيَعْمَلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ احْتِيَاطًا، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْمُكْثِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ بِكَثِيرٍ فَيُعْتَبَرُ الِاحْتِمَالُ احْتِيَاطًا، وَأَمَّا تَقْدِيرُ مُدَّةِ السَّبْقِ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرَ فَلِمَا ذَكَرَ. اهـ. يَحْيَى
. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَسْآرُ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ طَاهِرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. اهـ.
. (قَوْلُهُ «فَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ») يَجُوزُ نَصْبُهُمَا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْطِ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ، وَرَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ. اهـ. (قَوْلُهُ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ) أَيْ بِشُرْبِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ) ذَكَرَ مُحَمَّدٌ نَجَاسَةَ سُؤْرِ السِّبَاعِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا خَفِيفَةٌ أَوْ غَلِيظَةٌ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ غَلِيظَةٌ وَعَنْ س أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ اهـ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ) أَيْ مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ اهـ؛ لِأَنَّ سُؤْرَ مَعْمُولٌ لِلِابْتِدَاءِ، وَالْآدَمِيُّ مَعْمُولٌ لِسُؤْرٍ فَهُمَا مَعْمُولَانِ لِعَامِلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهِمَا اهـ أَيْ لَا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ الْمُضَافِ خَبَرًا لَهُ وَهُوَ فَاسِدٌ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمُضَافِ فِيهِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إذْ الْعَامِلُ فِي الْمُضَافِ هُوَ الِابْتِدَاءُ وَفِي الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمُضَافُ فَيُرْفَعُ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ وَيُقَدَّرُ فِيهِ الْمُضَافُ فَلَا يَلْزَمُ الْفَسَادُ وَالْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ) كَتَبَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُسْوَدَّتِهِ هُنَا حَاشِيَةٌ نَصُّهَا إذَا جُرَّ الْكَلْبُ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَجْرُورِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ ثُمَّ إذَا رُفِعَ نَجِسٌ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْخَبَرِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِابْتِدَاءُ اهـ مَا وُجِدَ بِخَطِّ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
الجزء 1 · صفحة 32
عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَتُرِكَ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَلَى إعْرَابِهِ كَانَ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: مَا كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةٌ وَلَا بَيْضَاءَ شَحْمَةٌ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمُضَافِ، ثُمَّ نَجَاسَةُ سُؤْرِ الْكَلْبِ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ طَاهِرٌ يُشْرَبُ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا تَعَبُّدًا، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ دَلِيلُ التَّنَجُّسِ، وَأَقْوَى مِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» فَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ الطُّهُورَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ فَيَسْتَدْعِي سَابِقَةَ التَّنَجُّسِ أَوْ الْحَدَثِ، وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ كَوْنِهِ مَعْقُولًا وَتَعَبُّدًا كَانَ جَعْلُهُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْلَى لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ وَكَثْرَةِ التَّعَقُّلِ، ثُمَّ عِنْدَنَا يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ السَّبْعِ لِمَا رَوَيْنَا فَيَكُونُ التَّعَبُّدُ فِي الْعَدَدِ عِنْدَهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّ خُرُوجًا عَنْ الْأَصْلِ.
وَلَنَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَهُوَ الرَّاوِي لِاشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَعِنْدَنَا إذَا عَمِلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَى أَوْ أَفْتَى لَا تَبْقَى رِوَايَتُهُ حُجَّةً لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بِخِلَافِهِ إذْ تَسْقُطُ بِهِ عَدَالَتُهُ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ، وَيَأْمُرُ بِقَتْلِهَا قَلْعًا لَهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهَا، ثُمَّ تُرِكَ وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَأْمُرُ بِكَسْرِ الْأَوَانِي حِينَ كَانَ يُشَدِّدُ فِي الْخَمْرِ قَلْعًا لَهُمْ عَنْهَا وَحَسْمًا لِمَادَّتِهَا ثُمَّ نَهَى عَنْ كَسْرِ الْأَوَانِي أَوْ تُحْمَلُ السَّبْعُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» فَخَيَّرَهُ وَلَوْ كَانَ السَّبْعُ وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ الْعَدَدَ تَعَبُّدًا فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ وَعَدَّاهُ إلَى الْبَوْلِ وَإِلَى رُطُوبَةٍ أُخْرَى مِنْ الْكَلْبِ وَإِلَى الْخِنْزِيرِ.
وَالشَّيْءُ إذَا ثَبَتَ تَعَبُّدًا لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَقَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا بِالثَّلَاثِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِمَا رَوَيْنَاهُ وَلِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ، وَأَمَّا نَجَاسَةُ سُؤْرِ الْخِنْزِيرِ فَلِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَلِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ وَلَحْمُهُ حَرَامٌ نَجِسٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ طَاهِرٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قِيلَ لَهُ أَيُتَوَضَّأُ بِمَا أَفَضَلَتْهُ الْحُمُرُ فَقَالَ نَعَمْ وَبِمَا أَفَضَلَتْهُ السِّبَاعُ»، وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطُّيُورِ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ فِي الْغُدْرَانِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا، فَقَالَ لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا غَيَرَ طَهُورٍ» وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» لِأَنَّهُ قَالَهُ حِينَ سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُؤْرُ السِّبَاعِ نَجِسًا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِالْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ عَلَى زَعْمِهِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ حُجَّةٌ عِنْدَهُ فَنُلْزِمُهُ بِمَا يَعْتَقِدُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فِي سُؤْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ إشْكَالًا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ، ثُمَّ يَقُولُونَ إذَا ذُكِّيَ طَهُرَ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لِأَجْلِ رُطُوبَةِ الدَّمِ وَقَدْ خَرَجَ بِالذَّكَاةِ فَإِنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ نَجِسٌ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَطْهُرَ بِالذَّكَاةِ كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِهِ لِأَجْلِ مُجَاوَرَةِ الدَّمِ فَالْمَأْكُولُ كَذَلِكَ يُجَاوِرُهُ الدَّمُ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي السُّؤْرِ؟ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَيَتَنَجَّسُ بِمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الْمُذَكَّى فِي حَقِّ الْأَكْلِ، وَالْحُرْمَةُ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ وَكَمْ مِنْ طَاهِرٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ إلَّا جِلْدُهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِهِ لَا لِكَرَامَةِ آيَةِ النَّجَاسَةِ لَكِنْ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ جَلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ تَنَجُّسَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمُضَافِ) هَذَا شَرْطٌ فِي الْغَالِبِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ (قَوْلُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إنَّهُ طَاهِرٌ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَعِنْدَ مَالِكٍ سُؤْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَكُلِّ سَبُعٍ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ طَاهِرٌ لِكَوْنِهِ حَيًّا، وَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ اهـ.
(قَوْلُهُ وُلُوغُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْوُلُوغُ بِضَمِّ الْوَاوِ إذَا شَرِبَ قَلِيلًا، وَإِذَا كَثُرَ فَهُوَ بِفَتْحِهَا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ «فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ») جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي) أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْعَدَدِ) أَيْ لَا فِي نَفْسِ الْغَسْلِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ السَّبْعُ) الَّذِي فِي مُسَوَّدَةِ الشَّارِحِ التَّسْبِيعُ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى زَعْمِهِ) إنَّمَا قَالَ عَلَى زَعْمِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَمْ مِنْ طَاهِرٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) أَيْ كَالضِّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِهِ لَا لِكَرَامَتِهِ) أَقُولُ مُجَرَّدُ حُرْمَةِ اللَّحْمِ لَا لِلْكَرَامَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّجَاسَةَ كَمَا فِي الضِّفْدَعِ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهِ أَوَّلًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ حُرْمَةَ الْأَكْلِ تَثْبُتُ لِفَسَادِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ وَالْخُنْفُسَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْغِذَاءِ، أَوْ لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ مِمَّا يَسْتَخْبِثُهُ النَّاسُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَلِلنَّجَاسَةِ كَمَا فِي الْخِنْزِيرِ وَلِلِاحْتِرَامِ كَمَا فِي الْآدَمِيِّ وَالْكُلُّ مُنْتَفٍ إلَّا النَّجَاسَةَ، أَمَّا الِاحْتِرَامُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فَسَادُ الْغِذَاءِ فَلِأَنَّهُ غِذَاءٌ قَوِيٌّ، وَأَمَّا الْخَبَثُ الطَّبِيعِيُّ فَلِأَنَّهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّجَاسَةُ. اهـ. يَحْيَى
الجزء 1 · صفحة 33
الْجِلْدِ بِاللَّحْمِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الذَّكَاةُ، وَاللَّحْمُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ وَهَذَا بِخِلَافِ لَحْمِ سِبَاعِ الطَّيْرِ حَيْثُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهَا طَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَةِ لَحْمِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ الْمُخْلَاةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنُ الْبُيُوتِ مَكْرُوهٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَكْرُوهٌ وَإِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ هَذَا أَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بُعِثَ لَهُ لَا لِبَيَانِ الصُّوَرِ، ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ كَرَاهَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ لِحُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إلَى التَّحْرِيمِ أَقْرَبُ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْكَرَاهَةِ لَازِمٌ غَيْرُ عَارِضٍ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ كَرَاهِيَتُهُ لِأَجْلِ أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّنَزُّهِ وَهَذَا أَصَحُّ.
وَالْأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ فِيهَا «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» فَجَعَلَهَا كَالطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا وَهُمْ الْمَمَالِيكُ أَيْ كَمَا سَقَطَ الِاسْتِئْذَانُ فِي حَقِّ مَنْ مَلَّكْته أَيْمَانَنَا بِعِلَّةِ الطَّوْفِ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ فِي حَقِّ الْهِرَّةِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرَجٌ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ هَذَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ تَلْحَسَ الْهِرَّةُ كَفَّ إنْسَانٍ ثُمَّ يُصَلِّيَ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَأْكُلَ مِنْ بَقِيَّةِ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلَتْ مِنْهُ لِقِيَامِ رِيقِهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةٌ فَشَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهَا الْمَاءَ تَنَجَّسَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى فَوْرِهِ وَلَوْ مَكَثَتْ سَاعَةً ثُمَّ شَرِبَتْ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِغَسْلِهَا فَاهَا بِلُعَابِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَأَبُو يُوسُفَ قِيلَ مَعَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الصَّبِّ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَقِيلَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ كَرَاهِيَةُ السُّؤْرِ أَنْ لَوْ انْحَصَرَتْ أَحْكَامُ السَّبُعِ فِيهَا قُلْنَا الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسِّبَاعِ ثَلَاثَةٌ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَكَرَاهِيَتُهُ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ وَحُرْمَةِ اللَّحْمِ فَنَجَاسَةُ السُّؤْرِ لَا تُرَادُ إجْمَاعًا لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ»، وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ لَا تُرَادُ إجْمَاعًا لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَثَبَتَتْ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ فَلِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ وَهِيَ تَصِلُ مِنْقَارَهَا إلَى رِجْلَيْهَا وَيَلْحَقُ بِهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ الْجَلَّالَةُ وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتَاوِيهِ إذَا ذُبِحَ شَيْءٌ مِنْ السِّبَاعِ مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَلَا يَطْهُرُ حَتَّى لَوْ صَلَّى الرَّجُلُ وَمَعَهُ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ وَقَعَ لَحْمُهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ وَنَجَاسَةُ سُؤْرِهِ دَلِيلُ نَجَاسَةِ لَحْمِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَطْهُرُ حَتَّى كَانَتْ هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَلَوْ كَانَتْ بَازِيًا مَذْبُوحًا أَوْ غَيْرَ الْبَازِي مِنْ الطُّيُورِ أَوْ الْفَأْرَةَ أَوْ الْحَيَّةَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ لَحْمِهَا؛ لِأَنَّ سُؤْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ لَحْمِهِ إذَا كَانَ مَذْبُوحًا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَحْمُهُ نَجِسًا اهـ وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ فَتَاوَاهُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا بَيْعُ جِلْدِهِ إنْ كَانَ مَيْتَةً، وَإِنْ كَانَ مَذْبُوحًا فَبَاعَ لَحْمَهُ أَوْ جِلْدَهُ جَازَ لِأَنَّهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُفْسِدُهُ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِأَنْ يُؤْكَلَ سِنَّوْرًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إلَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِهِ وَلَا بَيْعُ شَعْرِهِ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مَذْبُوحًا وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ السِّبَاعِ وَالْكَلْبِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَذْبُوحًا أَوْ ذَاكَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ اهـ وَثُمَّ قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَيْ إذَا ذُكِّيَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي جَمِيعِ الْمُتُونِ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا هُوَ الصَّحِيحُ مُوَافِقٌ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ مِنْ التَّصْحِيحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ. اهـ. فَانْظُرْهُ سَيُصَرِّحُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِأَنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ تَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهَا فَرَاجِعْهُ اهـ
. (قَوْلُهُ أَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْغِي الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ لَا يُنَافِي كَرَاهِيَةَ التَّنَزُّهِ لِأَنَّهُ لِلتَّشْرِيعِ أَوْ كَانَ عِنْدَ عَدَمِ مَاءٍ آخَرَ أَوْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ لَحْمِهَا. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ») سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ أَنَّ إنَّ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْسُورَةً اهـ رُوِيَ بِالْوَاوِ وَالْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الْهِرَّةِ بِذُكُورِ الْخَدَمِ وَإِنَاثِهِمْ أَيْ الْمَمَالِيكِ وَالْجَوَارِي، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَهِيَ صِيغَةُ الْعُقَلَاءِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهَا فِعْلُ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ الطَّوَافُ، وَرُوِيَ بِأَوْ أَيْضًا وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ لِقِيَامِ رِيقِهَا بِذَلِكَ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَإِذَا ثَبَتَ كَرَاهَةُ سُؤْرِهَا يُكْرَهُ أَكْلُ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْهِرَّةُ مِنْ الثَّرِيدِ وَمَا سَقَطَ مِنْهَا مِنْ قِطَعِ الْخُبْزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا لَا يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ لُعَابِهَا اهـ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَكَذَا لَوْ قَاءَ صَبِيٌّ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ مَصَّهَا مِرَارًا أَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ عُضْوَهُ نَجَاسَةٌ فَلَحِسَهَا بِلِسَانِهِ حَتَّى زَالَ أَثَرُهَا يَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً لَمْ يُكْرَهْ، وَهِيَ أَنْ تُحْبَسَ فِي بَيْتٍ وَتُعْلَفَ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتِشُ نَجَاسَةَ نَفْسِهَا عَادَةً وَلَا تَجِدُ غَيْرَهَا فَنَأْمَنُ عَنْ تَفْتِيشِ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ أَنْ يُجْعَلَ لَهَا بَيْتٌ فَيَكُونُ رَأْسُهَا وَعَلَفُهَا وَمَاؤُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا
الجزء 1 · صفحة 34
سِبَاعِ الطَّيْرِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا حَرَامٌ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا، وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا وَلِأَنَّ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ ضَرُورَةً وَعُمُومَ بَلْوَى فَإِنَّهَا تَنْقُضُ مِنْ عُلُوٍّ وَهَوَاءٍ فَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا لَا سِيَّمَا فِي الْبَرَارِي فَأَشْبَهَتْ الْحَيَّةَ وَنَحْوَهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْهَا عَلَى الْجِيَفِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ، وَمَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْمُذَكَّى لَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ، وَأَمَّا سُؤْرُ سَوَاكِنِ الْبَيْتِ فَلِلضَّرُورَةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ طَوْفَهَا أَلْزَمُ وَهُوَ الْعِلَّةُ فِي الْبَابِ لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِي الْهِرَّةِ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ.»
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ مَشْكُوكٌ) أَيْ سُؤْرُهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِ أَمَّا الْحِمَارُ فَلِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَمَرَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَالَ إنَّهُ رِجْسٌ» وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ «قَالَ لِأَبْجَرَ بْنِ غَالِبٍ حِينَ قَالَ لَهُ لَيْسَ لِي إلَّا حَمِيرَاتٌ كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكِ» وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ كُلُّ مَا يَعْتَلِفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إنَّهُ رِجْسٌ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلْبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَيُشْبِهُ الْهِرَّةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ فَتَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ فِيهِ فَوَقَعَ الشَّكُّ ثُمَّ قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلْبَ مِنْ وَجْهٍ وَالْهِرَّةَ مِنْ وَجْهٍ وَقِيلَ فِي طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْهِرَّةَ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَيَكُونُ طَهُورًا بِاعْتِبَارِهِ، وَيُفَارِقُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَضَايِقَ وَلَا يَصْعَدُ الْغُرَفَ فَكَانَ الْبَلْوَى فِيهِ دُونَهَا فِي الْهِرَّةِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا بِاعْتِبَارِهِ فَأَوْجَبَ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ وَقِيلَ الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْبَغْلُ فَهُوَ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ هَكَذَا.
قَالُوا فِيهِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ أُمُّهُ أَتَانًا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ فَرَسًا فَفِيهِ إشْكَالٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأُمِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّئْبَ لَوْ نَزَا عَلَى شَاةٍ فَوَلَدَتْ ذِئْبًا حَلَّ أَكْلُهُ وَيُجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْكُولًا عِنْدَهُمَا وَطَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا لِلْأُمِّ، وَفِي الْغَايَةِ إذَا نَزَا الْحِمَارُ عَلَى الرَّمَكَةِ لَا يُكْرَهُ لَحْمُ الْبَغْلِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا عَنْ مُحَمَّدٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ سُؤْرُهُ مَشْكُوكًا فِيهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي لُعَابِهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي رِوَايَةٍ طَاهِرٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً وَفِي رِوَايَةٍ مُغَلَّظَةً وَالصَّحِيحُ أَنَّ لُعَابَهُمَا وَعَرَقَهُمَا وَلَبَنَ الْأَتَانِ طَاهِرٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِهِمَا لِلشَّكِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يُنَجِّسُ مَا هُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الثَّابِتَ بِيَقِينٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَفْتِشُ نَجَاسَةَ نَفْسِهَا فَهِيَ وَالْمُخْلَاةُ سَوَاءٌ اهـ كَافِي (قَوْلُهُ إنَّ طَوَافَهَا أَلْزَمُ) أَيْ مِنْ طَوَافِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَدْخُلُ مَا لَا تَقْدِرُ الْهِرَّةُ دُخُولَهُ اهـ
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ مَشْكُوكٌ إلَى آخِرِهِ) وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مَشْكُوكًا وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ يَحْتَاطُ فِيهِ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَسُمِّيَ مُشْكِلًا لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَتِهِ وَعَدَمِ طَهَارَتِهِ لَا أَنْ يَعْنِيَ بِكَوْنِهِ مُشْكِلًا الْجَهْلَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. اهـ. كَاكِيٌّ فَإِنْ قِيلَ كَمَا أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ تَعَارَضَا فِي فَصْلِ الْحِمَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» مَعَ قَوْلِهِ «أَكْفِئُوا الْقُدُورَ» كَذَلِكَ فِي الْهِرَّةِ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، وَقَوْلُهُ الْهِرَّةُ سَبُعٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ مَشْكُوكًا كَسُؤْرِ الْحِمَارِ قُلْنَا فِي فَصْلِ الْهِرَّةِ: النَّجَاسَةُ ثَبَتَتْ بِمُقْتَضَى النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» فَإِذَا كَانَ سَبُعًا يَكُونُ نَجِسًا أَمَّا الطَّهَارَةُ ثَبَتَتْ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ وَبِإِرْدَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ، وَالصَّرِيحُ لَا يُعَارِضُ الْمُقْتَضَى أَمَّا فِي فَصْلِ الْحِمَارِ كِلَا الطَّرَفَيْنِ مُقْتَضٍ وَهُوَ قَوْلُهُ «أَكْفِئُوا الْقُدُورَ» يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ وَقَوْلُهُ «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» يَقْتَضِي الطَّهَارَةَ فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِالشَّكِّ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْكَرَاهَةِ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ، فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ الشَّكُّ بَلْ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» قُلْنَا التَّرْجِيحُ مُؤَخَّرٌ عَنْ الْجَمْعِ وَهُنَا الْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَتَوَضَّأَ فَإِذَا كَانَ الْجَمْعُ مُمْكِنًا فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ. اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ) حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُفْسِدُهُ، وَإِنْ أَصَابَ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ لَا يُفْسِدُهُ. اهـ. قَاضِيخَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي طَهُورِيَّتِهِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. اهـ. كَافِي وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ عَلَى الرَّمَكَةِ) هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْبَرَاذِينِ (قَوْلُهُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَهُمَا) أَيْ وَإِذَا كَانَتْ أُمُّهُ بَقَرَةً يَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَلَبَنُ الْأَتَانِ طَاهِرٌ) وَهَذَا فِي الْعَرَقِ بِحُكْمِ الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ صَحِيحٌ أَمَّا فِي اللَّبَنِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا أَنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ بِنَجَاسَةِ لَبَنِهِ أَوْ تَسْوِيَةِ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ جَانِبَ الطَّهَارَةِ أَحَدٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي تَعْلِيلِ سُؤْرِهِ وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ سُؤْرِهِ بِعَرَقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَاعْتِبَارُهُ بِلَبَنِهِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَجُعِلَ لَبَنُهُ نَجِسًا كَمَا تَرَى وَفِي الْمُحِيطِ لَبَنُهُ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ، وَاعْتَبَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ فِيهِ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ عَيْنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي طَهَارَتِهِ رِوَايَتَانِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ لَبَنَهُ نَجِسٌ. اهـ. كَاكِيٌّ.
وَقِيلَ سُؤْرُ الْفَحْلِ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يَشُمُّ الْبَوْلَ فَيَنْجُسُ فَمُهُ، وَسُؤْرُ الْأَتَانِ مُشْكِلٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْهُومٌ فَلَا يَنْجُسُ بِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ
الجزء 1 · صفحة 35
إنْ فَقَدَ مَاءً) أَيْ يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِمَا وَيَتَيَمَّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّيَمُّمِ مَعَهُ لِيَرْتَفِعَ الْحَدَثُ بِيَقِينٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَيًّا قَدَّمَ صَحَّ) أَيْ بِأَيِّ الطَّاهِرَيْنِ بَدَأَ جَازَ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَجُوزُ الْبُدَاءَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ مَاءٍ وَاجِبِ الِاسْتِعْمَالِ فَصَارَ كَالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَنَا أَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ طَهُورًا فَلَا مَعْنَى لِلتَّيَمُّمِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَهُورًا فَالْمُطَهِّرُ هُوَ التَّيَمُّمُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَوُجُودُ هَذَا الْمَاءِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُطَهَّرِ مِنْهُمَا عَيْنًا وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ سُؤْرَ الْحِمَارِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى فِيهَا فَإِذَا فَرَغَ تَوَضَّأَ بِهِ وَأَعَادَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا يُعِيدُهَا لِاحْتِمَالِ الْبُطْلَانِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بِخِلَافِ نَبِيذِ التَّمْرِ) أَيْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ بَلْ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى نُوحٌ رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُ لِاخْتِلَافِ أَسْئِلَتِهِمْ فَسُئِلَ مَرَّةً إنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا فَقَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَمَرَّةً إنْ كَانَتْ الْحَلَاوَةُ غَالِبَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَمَرَّةً إذَا لَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا الْغَالِبُ فَقَالَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ تَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّقْلِ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ لَيْلَةِ الْجِنِّ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا وَلِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
بَيَانُ الِاضْطِرَابِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَشَنَّعَ مُحَمَّدٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فَقَالَ: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ، وَيَمْنَعُهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْأَثَرُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، وَلِهَذَا نَفَى عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ اسْمَ الْمَاءِ وَلَمْ يَجُزْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَصَارَ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ كَانَ مَنْسُوخًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ أَمَعَك مَاءٌ فَقُلْت لَا إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ فِي إدَاوَةٍ فَقَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأَ بِهِ» وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ كَوْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَيْلَةَ الْجِنِّ فَيَكُونُ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى مِنْ النَّفْيِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ فَارَقَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عِنْدَ خِطَابِ الْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنِّي أُمِرْت أَنْ أَقْرَأَ عَلَى إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ لِيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ مِنْكُمْ وَلَا يَقُمْ مَعِي مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ فَقُمْت مَعَهُ حَتَّى إذَا بَرَزْنَا خَطَّ حَوْلِي خِطَّةً ثُمَّ قَالَ لِي لَا تَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّك إنْ خَرَجْت مِنْهَا لَمْ تَرَنِي وَلَمْ أَرَك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى فَثَبَتُّ قَائِمًا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ قَالَ مَالِي أَرَاك قَائِمًا قُلْت مَا قَعَدْت خَشْيَةَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْهَا فَسَأَلَنِي عَنْ الْمَاءِ» الْحَدِيثَ.
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرٍ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ «وَهُوَ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ لِلِاسْتِنْجَاءِ فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إنَّهَا رِجْسٌ»، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَدَعْوَاهُمْ النَّسْخَ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ بِهِ؛ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ النَّسْخُ بِيَقِينٍ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ قُلْنَا هُوَ مَاءٌ شَرْعًا أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَاءٌ طَهُورٌ» أَيْ شَرْعًا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ شَرْعًا، وَلَوْ وَجَدَ نَبِيذَ التَّمْرِ وَالْمَاءَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَالتُّرَابَ يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ لَا غَيْرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَالتَّيَمُّمِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْغَايَةِ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالسُّؤْرِ؛ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَأَيًّا قَدَّمَ صَحَّ) وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ أَهْرَقَ سُؤْرَ الْحِمَارِ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ كَانَ طَهُورًا. اهـ. فَتَاوَى خَانْ وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الْمَاءِ لِيَخْرُجَ عَنْ الْخِلَافِ وَلِمُرَاعَاةِ وُجُودِ صُورَةِ الْمَاءِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ) وَفِي النِّهَايَةِ الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ أَنْ لَا يَخْلُوَ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُمَا حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ بِالسُّؤْرِ، وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ جَازَ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا فِي الْمُجْتَبَى فَإِنْ قِيلَ هَذَا الطَّرِيقُ يَسْتَلْزِمُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَيَجِبُ الْجَمْعُ فِي أَدَاءً وَاحِدٍ قُلْنَا ذَلِكَ فِيمَا أَدَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِيَقِينٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ أَدَاؤُهُ بِطَهَارَةٍ مِنْ وَجْهٍ فَلَا لِانْتِفَاءِ الِاسْتِخْفَافِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالشَّرْعِ مِنْ وَجْهٍ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السُّؤْرِ وَالتُّرَابِ مُطَهِّرٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ الْأَدَاءُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ كَمَا لَوْ صَلَّى حَنَفِيٌّ بَعْدَ الْفَصْدِ أَوْ الْحِجَامَةِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَلَا يُكْفَرُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ، وَهَذَا أَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى بَعْدَ الْبَوْلِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ يَتَيَمَّمُ) قَالَ قَاضِي خَانْ هُوَ الصَّحِيحُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ) كَلَامُ الْمَاتِنِ فِيهِ إبْهَامٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ كَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ اهـ قُلْت وَقَدْ قَالَ فِي الْوَافِي فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ تَيَمَّمَ فَقَطْ، وَلَا يَتَوَضَّأُ بِمَا سِوَى نَبِيذِ التَّمْرِ خِلَافًا لِلْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَجَرَى غَيْرُهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ) كَذَا فِي مُسْوَدَّةِ الشَّارِحِ
الجزء 1 · صفحة 36
سُؤْرَ الْحِمَارِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَاءً مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى النَّبِيذِ مَعَ وُجُودِهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ كَالتَّيَمُّمِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ النَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَلْحَقُ بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْجَنَابَةُ حَدَثٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَقَالَ فِي الْمُفِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ الْحَدَثَيْنِ، وَالضَّرُورَةُ فِي الْجَنَابَةِ دُونَهَا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي النَّبِيذِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ قَالَ فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ الْمَاءُ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ تُمَيْرَاتٌ فَصَارَ حُلْوًا وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ، وَهُوَ رَقِيقٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ حُلْوًا كَانَ أَوْ مُرًّا أَوْ مُسْكِرًا قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ الْمَطْبُوخُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ، وَفِيهِ بُعْدٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ فَمَا دَامَ حُلْوًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَإِنْ اشْتَدَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ عِنْدَهُ وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي بَابِ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ بَعْدَمَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى الْمُنْزَلِ مِنْ السَّمَاءِ إذْ النَّارُ قَدْ غَيَّرَتْهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنْهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إذْ النَّارُ قَدْ غَيَّرَتْهُ حُلْوًا كَانَ أَوْ مُشْتَدًّا كَمَطْبُوخِ الْبَاقِلَاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهُ بِالطَّبْخِ كَمُلَ امْتِزَاجُهُ وَكَمَالُ الِامْتِزَاجِ يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ التَّيَمُّمِ) التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} [البقرة: 267] أَيْ لَا تَقْصِدُوا، وَقَالَ الشَّاعِرُ
فَلَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْت أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيَّهُمَا يَلِينِي
وَفِي الشَّرْعِ هُوَ عَلَى مَا قَالُوا اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى قَصْدِ التَّطْهِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْجُزْءُ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَجُوزُ بِالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَتَيَمَّمُ لِبُعْدِهِ مِيلًا عَنْ مَاءٍ أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفِ سَبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَقْدِ آلَةٍ) أَيْ يَتَيَمَّمُ الشَّخْصُ لِهَذِهِ الْأَعْذَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] أَيْ فَلَمْ تَقْدِرُوا وَبِهَذِهِ الْأَعْذَارِ تَنْتَفِي الْقُدْرَةُ أَمَّا لِبُعْدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ كَالتُّرَابِ حَتَّى لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِهِ أَيْضًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ كَالتَّيَمُّمِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ مُسْكِرًا) فِي الدِّرَايَةِ أَنَّ التَّوَضُّؤَ بِالْمُسْكِرِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، (قَوْلُهُ وَفِيهِ بُعْدٌ) لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ (قَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَدَّ) لَيْسَتْ فِي مُسْوَدَّةِ الشَّارِحِ
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
ِ ثَلَّثَ بِهِ تَأَسِّيًا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ قَدَّمَ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ، ثُمَّ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ ثُمَّ بِالْخَلَفِ لِأَنَّهُ أَبَدًا يَلِي الْأَصْلَ. اهـ. عَيْنِيٌّ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ابْتَدَأَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْغُسْلِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالتَّيَمُّمِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَقُولُ ابْتَدَأَ بِالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ وَالْأَغْلَبُ ثُمَّ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَنْدَرُ، ثُمَّ بِالْآلَةِ الَّتِي هُمَا يَحْصُلَانِ بِهَا وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ بِالْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُخَالِطَهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ، ثُمَّ بِالْخَلَفِ وَهُوَ بَابُ التَّيَمُّمِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ رُخْصَةً لَنَا، وَالرُّخْصَةُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْآلَةُ حَيْثُ اكْتَفَى بِالصَّعِيدِ الَّذِي هُوَ مُلَوِّثٌ وَفِي مَحَلِّهِ حَيْثُ اكْتَفَى بِشَطْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَثُبُوتُ التَّيَمُّمِ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ اهـ وَفِي الْجَلَّابِيِّ شَرَائِطُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ النِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ حَتَّى لَا يَجُوزُ تَيَمُّمُ الْكَافِرِ بِنِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَالِارْتِدَادُ لَا يُنَافِيهِ وَصِفَةُ مَا يُتَيَمَّمُ بِهِ وَالْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَسُنَنُهُ أَرْبَعَةٌ: التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَائِهِ، وَأَنْ يُقْبِلَ بِيَدَيْهِ وَيُدْبِرَ حَالَ الضَّرْبِ وَيَنْفُضُهُمَا بَعْدَهُ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ بِالْيَدِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْيَدِ الْيُسْرَى. اهـ. مُجْتَبَى قَوْلُهُ: وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي غَزَاةِ ذَاتِ الْمُرَيْسِيعِ فَنَزَلَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَقَطَ مِنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءِ فَلَمَّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ بِرَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهَا، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمَا فَعَدِمَ النَّاسُ الْمَاءَ وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَقَالَ لَهَا حَبَسْت الْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ أَسِيد بْنُ حُضَيْرٍ يَرْحَمُك اللَّهُ يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا وَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا». اهـ. أَقْطَعُ (قَوْلُهُ وَفِي الشَّرْعِ إلَى آخِرِهِ) قَالُوا الْقَصْدُ إلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ لِلتَّطْهِيرِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَسْحِ الْيَدَيْنِ عَنْ الصَّعِيدِ لِلطَّاهِرِ وَالْقَصْدُ شَرْطٌ لِأَنَّهُ النِّيَّةُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ لِمَرَضٍ) مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ تَطْوِيلَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ بِالتَّحَرُّكِ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا يَتَيَمَّمُ إذَا خَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] الْآيَةَ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَقْدِ آلَةٍ) الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِ الْمَاءِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا. اهـ. يَحْيَى
الجزء 1 · صفحة 37
مِيلًا فَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالذَّهَابِ إلَى الْمَاءِ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ وَقَوْلُهُ لِبُعْدِهِ مِيلًا عَنْ مَاءٍ يَنْفِي اشْتِرَاطَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِصْرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا لُحُوقُ الْحَرَجِ وَبِبُعْدِهِ مِيلًا عَنْ مَاءٍ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَهُ وَيَنْفِي أَيْضًا اشْتِرَاطَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَشْمَلُ الْكُلَّ، وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي التَّقْدِيرِ وَقِيلَ فِي الْمُسَافِرِ إذَا كَانَ الْمَاءُ أَمَامَهُ يُقَدَّرُ بِمِيلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مِيلٍ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْإِيَابِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمِيلَيْنِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِعَدَمِ سَمَاعِ الصَّوْتِ.
وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ الْمِيلُ وَهُوَ ثُلُثُ فَرْسَخٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ الشَّاشِيِّ طُولُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا وَعَرْضُ كُلِّ إصْبَعٍ سِتُّ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ مُلْصَقَةٍ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَالْبَرِيدُ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ وَلَا يُعْتَبَرُ خَوْفُ الْفَوْتِ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ خَافَ ازْدِيَادَ الْمَرَضِ أَوْ طُولَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَيَمَّمُ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا عَجَزَ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَوَجَدَ مَنْ يُوَجِّهُهُ أَوْ عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ أَوْ الْحَجِّ وَوَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ إنْ وَجَدَ بِغَيْرِ أَجْرٍ لَا يَتَيَمَّمُ وَبِأَجْرٍ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَعِنْدَهُمَا إنْ وَجَدَ بِرُبْعٍ لَا يَتَيَمَّمُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْمِصْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ، وَكَذَا الْعَجْزُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا الْبَرْدُ فَلِأَنَّ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ أَوْ الْمَرَضِ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ وُجُودُ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَوُجُودُ مَا يُسْتَدْفَأُ بِهِ وَعَدَمُهُ نَادِرٌ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ وَالْغَرِيبِ وَالنَّادِرُ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ كَخَوْفِ السَّبُعِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ فَيَتَيَمَّمُ بِالنَّصِّ فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ أَوْ الْخَارِجِ مِنْ الْمِصْرِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ كَسَائِرِ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّيَمُّمِ، وَقَوْلُهُ أَوْ بَرْدٍ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ جُنُبًا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَأَمَّا خَوْفُ السَّبُعِ أَوْ الْعَدُوِّ فَلِلْعَجْزِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ وَيَنْفِيَ أَيْضًا اشْتِرَاطَ السَّفَرِ) فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَلِيلُ السَّفَرِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْإِفْطَارِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ السَّوَادِ لِلِاحْتِطَابِ أَوْ لِلِاحْتِشَاشِ أَوْ لِطَلَبِ الدَّابَّةِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْقُرْبِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ بِهِ الْمُسَافِرُ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ وَلَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَاءُ عَلَى قَدْرِ مِيلَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا خَرَجَ الْمُقِيمُ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ مِنْ السَّوَادِ لِلِاحْتِطَابِ أَوْ لِلِاحْتِشَاشِ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ صَوْتَ أَهْلِ الْمَاءِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ فَهُوَ بَعِيدٌ، وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إذَا كَانَ هَذَا فِي الْمُقِيمِ فَمَا ظَنُّك بِالْمُسَافِرِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ) هَذَا الْقِيلُ عَزَاهُ الْكَاكِيُّ إلَى الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. اهـ. (قَوْلُهُ إذَا كَانَ أَمَامَهُ) وَإِنْ كَانَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ خَلْفَهُ فَمُقَدَّرٌ بِمِيلٍ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ وَهُوَ يَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ لَا يَتَيَمَّمُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ خَوْفُ الْفَوْتِ خِلَافًا لِزُفَرَ) قَالَ زُفَرُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَصِلُ إلَى الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَيَمَّمُ، وَإِلَّا فَيَتَيَمَّمُ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا قُلْنَا خَوْفَ فَوْتِ الْوَقْتِ بِتَقْصِيرٍ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ أَخَّرَهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَلَا يُعْتَبَرُ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ طُولُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) كَالْجُدَرِيِّ وَنَحْوِهِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِالتَّحَرُّكِ) كَالْمُشْتَكِي مِنْ الْعِرْقِ الْبَدَنِيِّ وَالْمَبْطُونِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ فِيمَا قُلْنَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ وَمَعَهُ قَوْمٌ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي الْإِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْقِيَامِ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ زِيَادَةَ الْوَجَعِ فِي قِيَامِهِ وَلَا يَلْحَقُهُ زِيَادَةُ الْحَرَجِ فِي الْوُضُوءِ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ)؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ شَامِلٌ لَهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْمِصْرِ يَتَيَمَّمُ كَمَا لَوْ عَدِمَ فِي السَّفَرِ ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ كَذَا فِي الْكَافِي، وَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى عِنْدَ قَوْلِهِ فِي النَّافِعِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ تَيَمَّمَ. قَوْلُهُ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَادِمِ الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ التَّيَمُّمُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ مَا لَمْ يَقْصِدْ مُدَّةَ السَّفَرِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ بَرْدٍ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ) وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْأَسْرَارِ صَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ) وَهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْزَادَهْ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ عَادَةً. اهـ.؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الْمُسَامَحَةُ بِمَا يَكْفِي الْوُضُوءَ مِنْ الْمَاءِ السَّاخِنِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا خَوْفُ السَّبُعِ أَوْ الْعَدُوِّ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ مُنِعَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ يَتَيَمَّمُ وَيُومِئُ وَيُعِيدُ، وَكَذَا مَنْ مُنِعَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ بِتَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الْمَاءِ لِصٌّ أَوْ ظَالِمٌ يُؤْذِيهِ أَوْ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ يَتَيَمَّمُ اهـ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: جَازَ أَنْ تَجِبَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ لِمَا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَفِي تَجْنِيسِ الْمُصَنِّفِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْهُ بِوَعِيدٍ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ
الجزء 1 · صفحة 38
حَقِيقَةً، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ كَخَوْفِ الْحَيَّةِ أَوْ النَّارِ، وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ، وَالْمَشْغُولُ بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ ثَمَنُهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلزَّادِ يَتَيَمَّمُ مَعَهُ، وَكَذَا الْمَاءُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاِتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الطَّبْخِ دُونَ حَاجَةِ الْعَطَشِ وَعَطَشُ رَفِيقِهِ كَعَطَشِهِ، وَكَذَا عَطَشُ دَوَابِّهِ وَكَلْبِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَخَافَهُ لِلْحَالِ أَوْ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَأَمَّا لِفَقْدِ الْآلَةِ فَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ دَلْوًا يَسْتَقِي بِهِ فَوُجُودُ الْبِئْرِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مُسْتَوْعِبًا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ) فَقَوْلُهُ مُسْتَوْعِبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمًا مُسْتَوْعِبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي يَتَيَمَّمُ فَيَكُونُ حَالًا مُنْتَظِرَةً، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ ثُمَّ الِاسْتِيعَابُ شَرْطٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَتَّى يُحَرِّكَ الرَّجُلُ خَاتَمَهُ وَالْمَرْأَةُ سِوَارَهَا أَوْ يَنْزِعَانِهِمَا، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَمْسَحُ يَدَيْهِ إلَى الرُّسْغَيْنِ وَلَنَا حَدِيثُ عَمَّارٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، وَذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ، وَأَسْقَطَ مِنْهَا عُضْوَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ فَبَقِيَ الْعُضْوَانِ فِيهِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ إذْ لَوْ اخْتَلَفَا لَبَيَّنَهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ وَظِيفَةِ الْوَجْهِ شَيْءٌ فَكَذَا الْيَدَانِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بِضَرْبَتَيْنِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَيَمَّمَ أَيْ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ يُقْبِلُ بِهِمَا وَيُدْبِرُ ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا وَيَنْفُضُهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَمْسَحُ الْوَتَرَةَ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَذَلِكَ وَيَمْسَحُ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفَّيْنِ وَيَجِبُ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمَا غُبَارٌ، وَلَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ مَسْحُ بَاطِنِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ يَكْفِي، وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَمْسَحُ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى ظَاهِرَ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِكَفِّهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الرُّسْغِ، وَيُمِرُّ بَاطِنَ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَفْعَلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ قَالُوا وَهُوَ أَحْوَطُ.
وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا) أَيْ يَكْفِيهِ ضَرْبَتَانِ وَلَوْ كَانَ الْمُتَيَمِّمُ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا» الْحَدِيثَ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مُلْحَقَتَانِ بِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بِطَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَقْعٌ وَبِهِ بِلَا عَجْزٍ) الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِطَاهِرٍ مُتَعَلِّقٌ بِيَتَيَمَّمَ أَيْ يَتَيَمَّمُ بِطَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالْحَجَرِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ وَالْجِصِّ وَالرَّمْلِ وَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْبَلْخَش وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْمَرْجَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] أَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ كَالْمَحْبُوسِ إذَا صَلَّى بِالتُّرَابِ فِي السِّجْنِ فَإِذَا خَرَجَ يُعِيدُ فَكَذَا هَذَا وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ مُتَيَمِّمٌ مَرَّ عَلَى الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ إلَيْهِ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ إلَى أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْمَسْحِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ زُفَرُ لَا تَدْخُلُ الْمِرْفَقَانِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ إنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الِاسْتِيعَابُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ دَخَلَتْ عَلَى الْمَحَلِّ قُلْنَا زِدْنَا عَلَى النَّصِّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ»، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْوُضُوءِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْصِيفِ، وَكُلُّ تَنْصِيفٍ يَدُلُّ عَلَى إبْقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ. اهـ. مُسْتَصْفَى قَوْلُهُ عَلَى مَا كَانَ أَيْ مِنْ الِاسْتِيعَابِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِضَرْبَتَيْنِ) اخْتَارَ لَفْظَ الضَّرْبِ وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ جَائِزًا لِمَا أَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ بِلَفْظِ الضَّرْبِ. اهـ. مُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ بِضَرْبَتَيْنِ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَيَمَّمَ) وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُسْتَوْعِبًا اهـ ع (قَوْلُهُ يُقْبِلُ بِهِمَا) أَيْ يُحَرِّكُهُمَا بَعْدَ الضَّرْبِ أَمَامًا وَخَلْفًا مُبَالَغَةً فِي إيصَالِ التُّرَابِ إلَى أَثْنَاءِ الْأَصَابِعِ، وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ أَوْلَى مِنْ الْوَضْعِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ وَيَنْفُضُ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ) ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَنْفُضُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ نَفْضَةً وَاحِدَةً وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْفُضُهُمَا فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ بِنَفْضَتَيْنِ، وَقِيلَ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَتَنَاثَرُ مَا الْتَصَقَ مِنْ التُّرَابِ عَنْ كَفِّهِ بِنَفْضَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَفْضَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاثَرُ بِنَفْضَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى نَفْضَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَلْطِيخُ التُّرَابِ عَلَى عُضْوِ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّفْضِ تَنَاثُرُ التُّرَابِ صِيَانَةً عَنْ التَّلْوِيثِ الَّذِي يُشْبِهُ الْمُثْلَةَ. اهـ. مَنْبَعٌ.
(قَوْلُهُ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك) هَكَذَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ أَنْ تَفْعَلَ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِطَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِطَاهِرٍ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ صِفَةً لِضَرْبَتَيْنِ أَيْ بِضَرْبَتَيْنِ مُلْتَصِقَتَيْنِ بِطَاهِرٍ اهـ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَنَا وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَفِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْمُسْتَعْمَلُ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْعُضْوِ اهـ. وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ وَلَوْ تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ أَوْ لَبِنَةٍ أَوْ أَرْضٍ جَازَ كَبَقِيَّةِ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ وَالنُّورَةُ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ هَمْزَةُ وَاوِ النُّورَةِ خَطَأٌ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي النَّتَائِجِ النُّورَةُ طِلَاءٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَخْلَاطٍ يُزَالُ بِهِ الشَّعْرُ قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَهَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا نُورَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَغَرَةُ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ الْمَغَرَةُ الطِّينُ الْأَحْمَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالتَّسْكِينُ تَخْفِيفٌ اهـ إذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ تَيَمَّمَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ
الجزء 1 · صفحة 39
طَاهِرًا.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّعِيدِ وَالْأَرْضِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ بِالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَلَا يَجُوزُ فِي أُخْرَى لِأَنَّهُ يَذُوبُ، وَلَوْ كَانَ مَائِيًّا لَا يَجُوزُ رِوَايَةً وَاحِدَةً كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْمَاءِ الْمُتَجَمِّدِ وَيَجُوزُ بِالْآجُرِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ الْخَزَفُ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طِينٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ كَالزُّجَاجِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الرَّمْلِ وَشَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ يَجُوزُ بِالْكِيزَانِ وَالْحُبَابِ وَيَجُوزُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مَا دَامَتْ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ يُصْنَعْ مِنْهَا شَيْءٌ وَبَعْدَ السَّبْكِ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ وَيَصِيرُ رَمَادًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَنْطَبِعُ وَيَذُوبُ بِالنَّارِ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَيْ يَجُوزُ بِجِنْسِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبَارٌ وَالنَّقْعُ الْغُبَارُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَقْعٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِمَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ جِنْسِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] أَيْ حَجَرًا أَمْلَسَ وَلَا تَعَلُّقَ لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {طَيِّبًا} [البقرة: 168] عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التُّرَابَ الْمَنْبِتِ؛ لِأَنَّ الطَّيِّبَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُرَادُ بِهِ الْمَنْبِتُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَلَالُ وَيُرَادُ بِهِ الطَّاهِرُ وَهُوَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ مُرَادًا إذْ الْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَكَذَا الْأَرْضُ فِي الْحَدِيثِ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ كَمَا تَنَاوَلَ فِي حَقِّ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي جُعِلَ مَسْجِدًا هُوَ الَّذِي جُعِلَ طَهُورًا قَوْلُهُ وَبِهِ بِلَا عَجْزٍ أَيْ يَجُوزُ بِالنَّقْعِ بِلَا عَجْزٍ عَنْ الصَّعِيدِ لِأَنَّهُ تُرَابٌ رَقِيقٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْغُبَارُ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ حَيَوَانٍ، وَلَوْ أَصَابَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ غُبَارٌ فَإِنْ مَسَحَهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ بِالْغُبَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التُّرَابِ وَعِنْدَ عَدَمِهِ لَهُ رِوَايَتَانِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِهِ وَيُعِيدُ، وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (نَاوِيًا) أَيْ يَتَيَمَّمُ نَاوِيًا وَهُوَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي يَتَيَمَّمُ وَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِيَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَا تَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِثْلُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ لَا يُؤَدِّي بِهِ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ اتِّبَاعٌ لِغَيْرِهَا وَفِي التَّيَمُّمِ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ رِوَايَتَانِ وَفِي الْغَايَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَنِيَّةُ الطَّهَارَةِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQجَازَ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا الْتَزَقَ بِيَدَيْهِ وَهُوَ كَفَضْلِ مَا فِي الْإِنَاءِ. اهـ. وَلْوَالِجِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي أُخْرَى) وَفِي قَاضِيخَانْ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يَذُوبُ. اهـ. كَاكِيٌّ.
قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ بِالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ اهـ وَلَا يَجُوزُ بِاللُّؤْلُؤِ الْمَدْقُوقِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَلَا يَجُوزُ بِالزِّئْبَقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَكَذَا بِالرَّمَادِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ الْمُتَّخَذِ مِنْ الرَّمْلِ) وَكَذَا الزَّبَادِيُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَطْلِيَّةً بِالدِّهَانِ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتَرِقُ) أَيْ كَالشَّجَرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْطَبِعُ) أَيْ كَالْحَدِيدِ اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبَارٌ) ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ إذَا ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَرْضٍ نَزَّةٍ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِيَدِهِ شَيْءٌ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ صَعِيدًا جُرُزًا) فَسَّرَ الصَّعِيدَ بِالْجُرُزِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، وَالْجُرُزُ أَرْضٌ لَا نَبَاتَ فِيهَا فَعُلِمَ أَنَّ النَّبَاتَ لَيْسَ مِنْ الصَّعِيدِ، وَمَا يَذُوبُ بِالنَّارِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا يَحْتَرِقُ فَلَا يَكُونُ مِنْ الصَّعِيدِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَقْعٌ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْغُبَارِ وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا يَجُوزُ بِدُونِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] أَيْ مِنْ التُّرَابِ وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَأَفَادَتْ الْآيَةُ وُجُوبَ الْمَسْحِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَصِقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي مِنْهُ إلَى الْحَدَثِ الْمَذْكُورِ أَوْ تُحْمَلُ مِنْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَمَا يَجِيءُ وَلِأَنَّ الْتِصَاقَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ فِي الْوُضُوءِ شَرْطٌ فَكَذَا فِي التَّيَمُّمِ وَفِي الْإِيضَاحِ مَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُلَطِّخُ الثَّوْبَ بِالطِّينِ، وَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ الْجَفَافِ إذَا كَانَ فِي طِينٍ رَدِغَةٍ هُوَ قَوْلُهُ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالطِّينِ الرَّطْبِ إذَا لَمْ يَعْلَقْ مِنْهُ شَيْءٌ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ دَقَّ الْحَجَرُ أَوْ الْآجُرُّ جَازَ أَيْضًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ اهـ. (قَوْلُهُ أَرَادَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُرِيدَ (قَوْلُهُ الْمَنْبَتُ) أَيْ وَهُوَ التُّرَابُ الْخَالِصُ عَنْ الرَّمْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ يُرَادُ بِهِ الْمَنْبَتُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ تَعَالَى {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} [الأعراف: 58] (قَوْلُهُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَلَالُ) قَالَ تَعَالَى {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57] (قَوْلُهُ وَيُرَادُ بِهِ الطَّاهِرُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ تَعَالَى {حَلالا طَيِّبًا} [البقرة: 168] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ». اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَرْضُ فِي الْحَدِيثِ) وَهُوَ قَوْلُهُ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». اهـ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا) أَيْ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَهُوَ شَرْطٌ. اهـ. (قَوْلُهُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ إلَى آخِرِهِ) الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ تَرْتِيبُ التَّيَمُّمِ عَلَى الصَّلَاةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ وَقَدْ انْتَفَى فِيهَا الْقَيْدَانِ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهَا نِيَّةٌ لِلصَّلَاةِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ) احْتِرَازٌ عَنْ التَّيَمُّمِ لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لَكِنَّهُ يَصِحُّ بِلَا طَهَارَةٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ) أَيْ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ لِلْإِقَامَةِ إلَى آخِرِهِ) وَكَذَا السَّلَامُ أَوْ رَدُّهُ أَوْ الْإِسْلَامُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ) أَيْ لِجَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ الْوُضُوءِ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَإِنْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً لَكِنْ يَحِلُّ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَمِنْ الْمُشْكِلِ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ مِمَّا لَيْسَ
الجزء 1 · صفحة 40
الصَّلَاةِ تَقُومُ مَقَامَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شُرِعَتْ لِلصَّلَاةِ وَشُرِطَتْ لِإِبَاحَتِهَا فَكَانَ نِيَّتُهَا نِيَّةَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ جَازَ وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَهُمَا يَقَعُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَمَيَّزُ بِالنِّيَّةِ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ لِيَقَعَ طَهَارَةٌ فَإِذَا وَقَعَ طَهَارَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لَا غَيْرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ الظُّهْرَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالتَّعْيِينِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ يُرِيدُ بِهِ التَّيَمُّمَ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِهِ، وَلَوْ قَالُوا لَوْ تَيَمَّمَ يُرِيدُ بِهِ تَعْلِيمَ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ فَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ إلَّا إذَا أَصَابَهُ التُّرَابُ أَوْ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَلَغَا تَيَمُّمُ كَافِرٍ لَا وُضُوءُهُ) وَقَالَ زُفَرُ يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ أَيْضًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ عِنْدَهُمْ وَلَا نِيَّةَ لِلْكَافِرِ فَيَلْغُو تَيَمُّمُهُ وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَتُعْتَبَرُ لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ حَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ، وَلَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ الْقَصْدُ، وَالْقَصْدُ هُوَ النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَهِيَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ وُجِدَ وَلِأَنَّ التُّرَابَ مُلَوِّثٌ وَمُغَبِّرٌ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا لِضَرُورَةِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ فَاسْتَغْنَى فِي وُقُوعِهِ طَهَارَةً عَنْ النِّيَّةِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي وُقُوعِهِ قُرْبَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا نَوَى بِهِ الْإِسْلَامَ صَحَّ وَيُصَلِّي بِهِ إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَصَحَّ تَيَمُّمُهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الصَّلَاةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
قُلْنَا: إنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا جُعِلَ طَهَارَةً إذَا قُصِدَ بِهِ عِبَادَةٌ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِهَا، وَالْإِسْلَامُ لَهُ صِحَّةٌ بِدُونِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَصِيرُ مُتَيَمِّمًا بِنِيَّتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُ الْمُسْلِمِ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يَنْقُضُهُ رِدَّةٌ) أَيْ وَلَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ رِدَّةٌ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِيهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ زُفَرَ يَقْتَضِي أَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَهُ وَيَجُوزُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى فِيهِ وُجُوبَ النِّيَّةِ كَمَا تَكَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَى جَوَازَهَا وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ صِفَةُ كَوْنِهِ طَاهِرًا فَاعْتِرَاضُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ كَالْوُضُوءِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَدَوَامُ النِّيَّةِ فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِإِنْشَاءِ النِّيَّةِ وَالْعِبَادَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بَلْ نَاقِضُ الْوُضُوءِ وَقُدْرَةُ مَاءٍ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) أَيْ بَلْ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ نَاقِضُ الْوُضُوءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهِ طَهُورُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ؛ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ لِنَفْسِهِ وَلَا هُوَ مِنْ جِنْسِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَيَقَعُ طَهُورًا اهـ فَإِنْ قُلْت ذَكَرْت أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِرَدِّ السَّلَامِ لَا تُصَحِّحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ مَعَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ» عَلَى مَا أَسْلَفْته فِي الْأَوَّلِ فَالْجَوَابُ إنْ قَصَدَ رَدَّ السَّلَامِ بِالتَّيَمُّمِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ نَوَى عِنْدَ فِعْلِ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمَ لَهُ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ نَوَى مَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّيَمُّمُ، ثُمَّ يَرُدُّ السَّلَامَ إذَا صَارَ طَاهِرًا. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ) وَيَكْفِي لِلْحَدَثَيْنِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ فِي الْمُخْتَارِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَنَابَةِ. اهـ. زَادُ الْفَقِيرِ.
(قَوْلُهُ فَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ) أَيْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَرِوَايَةِ الْحَسَنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمْ) أَيْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ) قُلْنَا بَلْ الْأَصْلُ أَنَّ الَخَلَفَ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ لَكِنْ قَدْ يُفَارِقُهُ لِاخْتِلَافِ حَالِهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، وَسُنَّ التَّكَرُّرُ فِي الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ وَالْإِسْلَامُ لَهُ صِحَّةٌ بِدُونِ الطَّهَارَةِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ صَحَّ عِنْدَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا لَا يُصَحِّحَانِ مِنْهُ تَيَمُّمًا أَصْلًا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ النِّيَّةِ مِنْهُ فَمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ النِّيَّةَ تُصَيِّرُ الْفِعْلَ مُنْتَهِضًا سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَلَا فِعْلَ يَقَعُ مِنْ الْكَافِرِ كَذَلِكَ حَالَ الْكُفْرِ، وَلِذَا صَحَّحُوا وُضُوءَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ الشَّافِعِيُّ لِمَا افْتَقَرَ إلَيْهَا عِنْدَهُ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِيهِ) بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَوْ تَيَمَّمَ لَا يَصِحُّ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْصِيرِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ فِعْلِهِ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ عِنْدَهُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ. اهـ. كَاكِيٌّ أَوْ نَقُولُ عَدَمُ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْكَافِرِ عِنْدَهُ لَا لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ بَلْ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ طَهُورَ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «التَّيَمُّمُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» الْحَدِيثَ. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ بِالِاتِّفَاقِ فَعُلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ مُنَافٍ لِطَهُورِيَّتِهِ وَبِالِارْتِدَادِ ارْتَفَعَتْ طَهُورِيَّتُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ) بِأَنْ كَانَ الزَّوْجَانِ رَضِيعَيْنِ، وَقَدْ زَوَّجَ كُلًّا مِنْهُمَا أَبَوَاهُمَا ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ أَوْ كَانَا كَبِيرَيْنِ، وَقَدْ مَكَّنَتْ الْمَرْأَةُ ابْنَ زَوْجِهَا بَعْدَ النِّكَاحِ حَيْثُ يَرْتَفِعُ النِّكَاحُ فِيهِمَا بَعْدَ الثُّبُوتِ كَمَا لَا يَنْعَقِدُ فِيهِمَا ابْتِدَاءً، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مُنَافِيَةٍ بِحُكْمٍ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالرِّدِّيَّةِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا فَثَبَتَ أَنْ يُفْسِدَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ابْتِدَاءً قُلْنَا ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ» الْحَدِيثَ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ لِإِنْشَاءِ النِّيَّةِ) أَيْ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ (قَوْلُهُ فَالْمُرَادُ بِهِ طَهُورُ الْحَدَثِ السَّابِقِ) التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَنَا لَكِنْ رَفْعًا مُمْتَدًّا إلَى وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ عَادَ الْحَدَثُ السَّابِقُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَرْفَعُهُ بَلْ يُبِيحُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ مَوْجُودًا كَمَا فِي سَائِرِ الْأَعْذَارِ، وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ عِنْدَنَا، وَيُصَلِّي فَرْضًا وَاحِدًا أَوْ النَّوَافِلَ تَبَعًا لَهُ عِنْدَهُ
الجزء 1 · صفحة 41
الْقُدْرَةَ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ نَاقِضَةٍ إذْ لَيْسَتْ بِخُرُوجِ نَجِسٍ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَلَكِنْ انْتَهَتْ طَهُورِيَّةُ التُّرَابِ عِنْدَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ طَهُورًا إلَّا إلَى وُجُودِ الْمَاءِ فَإِذَا وَجَدَهُ كَانَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ، وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهَا فَهُوَ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَافِيًا فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَلَا يَنْقُضُ تَيَمُّمَهُ إذْ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ الْكَافِيَ وَغَيْرَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِإِزَالَةِ بَعْضِ النَّجَاسَةِ أَوْ ثَوْبًا يَسْتُرُ بَعْضَ عَوْرَتِهِ وَكَمَا يَجْمَعُ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ بَيْنَ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَنَا أَنَّ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلصَّلَاةِ وَمَا لَا يُبِيحُهَا فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُفِدْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَبَثًا وَتَضْيِيعًا لِلْمَاءِ فِي مَوْضِعِ عِزَّتِهِ، وَتَضْيِيعُ الْمَالِ حَرَامٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ مَا يَكْفِي خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَوْ بَعْضَ رَقَبَةٍ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِطْعَامِ وَلَا بِعِتْقِ بَعْضِ الْعَبْدِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَقَعُ تَطَوُّعًا فَيُثَابُ عَلَيْهِ.
وَالْآيَةُ تَشْهَدُ لَنَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَفِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ بِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ ثُمَّ قَالَ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فَكَانَ تَقْدِيرُهُ مَاءً يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْكَافِي لِلْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا الْقَطْرَةُ وَالْقَطْرَتَانِ وَقَوْلُهُ فَتَعُمُّ الْكَافِيَ وَغَيْرَهُ قُلْنَا لَوْ تَنَاوَلَ غَيْرَ الْكَافِي لَمَا جَازَ الْمَصِيرُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ مَعَ الْمَاءِ الْكَافِي، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُجِزْ التَّيَمُّمَ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ عَلَى زَعْمِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ فَصَارَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَاعْتِبَارُهُ بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَجَزَّأُ وَالْحَدَثُ لَا يَتَجَزَّأُ وَلِأَنَّ قَلِيلَهَا عَفْوٌ بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَكَذَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ أَنْ نَرَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ إذَا وَجَدَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» أُمِرْنَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُودِهِ مُطْلَقًا فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُجْعَلْ طَهُورًا إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيَبْطُلُ بِوُجُودِهِ وَلِأَنَّهُ قُدِّرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَبَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ إذَا حَاضَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَلَوْ كَانَ فِي النَّفْلِ فَرَآهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ احْتِيَاطًا وَكَذَا لَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَأْتِي مَعَ أَخَوَاتِهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَهِيَ تَمْنَعُ التَّيَمُّمَ وَتَرْفَعُهُ) أَيْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ تَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَتَرْفَعُهُ بَعْدَمَا تَيَمَّمَ، وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ وَهَذَا تَكْرَارٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ لَمَّا عَدَّ الْأَعْذَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلَمَّا قَالَ وَقُدْرَةُ مَاءٍ عُلِمَ أَنَّهُ تَرْفَعُهُ الْقُدْرَةُ وَلَا يَبْقَى إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ ابْتِدَاءً فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ ثَانِيًا، وَلَا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ.
قَالَ (وَرَاجِي الْمَاءِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ ضَرُورِيَّةٌ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. اهـ. يَحْيَى وَلَوْ أَنَّ مُتَوَضِّئًا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَخَرَجَ لِيَتَوَضَّأَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَ، ثُمَّ قَبْلَ الِانْصِرَافِ إلَى مَكَانِهِ وَجَدَ الْمَاءَ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَلَوْ انْصَرَفَ إلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ تَوَضَّأَ وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ اسْتِحْسَانًا. اهـ. ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ) أَيْ يَتَجَزَّأُ وَقَلِيلُهَا عَفْوٌ كَمَا يَأْتِي اهـ.
(قَوْلُهُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَتَرْفَعُهُ) لَا الْوُجُودُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ هُوَ الْوُجُودُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَهِيَ تُمْنَعُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ الْمَانِعُ الْوُجُودُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّاقِضَ قُدْرَةُ الْمَاءِ فَيَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهَا تَكُونُ مَانِعَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ فَهِيَ تُمْنَعُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ أَنَّ الْوُجُودَ هُوَ الْمَانِعُ. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا تَكْرَارٌ مَحْضٌ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِحَاصِلِ مَا ذَكَرَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى مُخْتَصَرَةٍ فَلَا يَكُونُ مِنْ التَّكْرَارِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ دَأْبُ الْمُحَقِّقِينَ فِي تَقْدِيرَاتِهِمْ يَحْيَى (قَوْلُهُ لَمَّا عَدَّ الْأَعْذَارَ) أَيْ الْمُبِيحَةَ لِلتَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ وَلَا يَلِيقُ) أَيْ التَّكْرَارُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَرَاجِي الْمَاءِ) وَالْمُرَادُ بِالرَّجَاءِ غَلَبَةُ الظَّنِّ أَيْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ، وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ يَرْجُوهُ مِيلٌ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يُجْزِيهِ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ لِعَادِمِ الْمَاءِ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَجِدَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى لِيَقَعَ الْأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ، وَصَارَ كَالطَّامِعِ فِي الْجَمَاعَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقَّقِ، وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِيَقِينِ مِثْلِهِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقِّقِ مَعَ قَوْلِهِ فِي وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِيَقِينِ مِثْلِهِ مَعَ أَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْعُمْرَانَاتِ وَفِي الْفَلَاةِ إذَا أُخْبِرَ بِقُرْبِ الْمَاءِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الطَّلَبِ اعْتِبَارًا لِغَالِبِ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ خِلَافُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ جَازَ التَّيَمُّمُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ عَلَى تَيَقُّنٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ غَالِبُ ظَنِّهِ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَلَكِنْ يَخَافُ الْفَوْتَ لَا يَتَيَمَّمُ اهـ
الجزء 1 · صفحة 42
أَيْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ لِيُؤَدِّيَهَا بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِالشَّكِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَصَحَّ قَبْلَ الْوَقْتِ) أَيْ صَحَّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَلِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَمَنْ جَوَّزَهُ قَبْلَهُ فَقَدْ أَثْبَتَ التَّيَمُّمَ الْمُسْتَثْنَى عَنْ الْقَاعِدَةِ بِالْقِيَاسِ، وَلَنَا أَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَ وَقْتٍ وَوَقْتٍ وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا يَجْرِي الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ، وَمَنْ قَيَّدَهُ بِالْوَقْتِ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ وَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْوُضُوءِ فَجَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ كَالْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَشْغَلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِأَدَاءِ الْفَرِيضَةِ أَوْ السُّنَنِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَإِنَّ النُّصُوصَ تَنْفِيهِ وَلَا نَصَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يَجُوزُ وُضُوءُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَنَا وَلَئِنْ سُلِّمَ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ فَالْفَرْقُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ قَدْ وُجِدَ مَا يُنَافِيهَا وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ رَافِعٌ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْحَدَثُ أَوْ وُجُودُ الْمَاءِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فَصَارَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ وَبَدَلُ مِثْلِهِ عَنْ الْغُسْلِ بَلْ التَّيَمُّمُ أَقْوَى فَإِنَّ الشَّارِعَ وَقَّتَ الْمَسْحَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا وَجَعَلَ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ طَهُورًا وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ.
قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَقِيبَ الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الْجَوَازُ عَقِيبَهُ وَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ} [المائدة: 6] أَيْ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَلَا يُنَافِي جَوَازَهُ قَبْلَهُ كَمَا فِي حَقِّ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ قَالَ (وَلِفَرْضَيْنِ) أَيْ وَصَحَّ التَّيَمُّمُ لِفَرْضَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصَلِّي بِهِ فَرْضًا وَاحِدًا، وَيُصَلِّي النَّوَافِلَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَهُ، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ» الْحَدِيثَ فَقَدْ جَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وُضُوءًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُطْلَقًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْوُضُوءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَالطَّهُورُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُثْبِتُ لِلطَّهَارَةِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُ «بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ عَنْ الْجَنَابَةِ مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ صَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ» لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَيَمَّمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ ظَنَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْهُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَهَا لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَلَا يُنْكِرُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - التَّيَمُّمُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ، وَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ السَّبَبَ تَرَكَهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] نَزَلَتْ فِي التَّيَمُّمِ.
قَالَ (وَخَوْفَ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ فَصَارَ الْمَاءُ مَعْدُومًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا فَجَأَتْك جِنَازَةٌ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَتَيَمَّمْ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى جِدَارٍ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - السَّلَامَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ إنِّي كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لِخَوْفِ الْفَوْتِ جَائِزٌ إذْ تَيَمُّمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَجْلِ خَوْفِ فَوْتِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ بَعْدَ التَّرَاخِي لَا يَكُونُ رَدًّا لَهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ أَيْضًا عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي مَنْعِهِ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ وَفِي أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّ حِيطَانَ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ مَبْنِيَّةً بِالْحِجَارَةِ السُّودِ، ثُمَّ قِيلَ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُنْتَظَرُ وَلَوْ صَلَّوْا لَهُ حَقُّ الْإِعَادَةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِيهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِرُوهُ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ كَمُلَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ حَتَّى لَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى يُعِيدُ التَّيَمُّمَ لَهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ لَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ) قَالَ فِي الْوَافِي نُدِبَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِرَاجِي الْمَاءَ (قَوْلُهُ عَنْ الْقَاعِدَةِ بِالْقِيَاسِ)؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ، وَلَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ فِي الْوَقْتِ فَيُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ فَمَنْ أَثْبَتَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْقِيَاسِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَلْ يَجُوزُ) أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ وَجَبَ التَّيَمُّمُ عَقِيبَ الْمَجِيءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلِفَرْضَيْنِ) أَيْ فَصَاعِدًا. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَلَا يُنَافِي جَوَازَهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَقْتِ اهـ (قَوْلُهُ وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ) أَيْ بَلْ يُبِيحُ الصَّلَاةَ لِلضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. اهـ. قَوْلُهُ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ. وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ اهـ غَايَةٌ
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَخَوْفَ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا فِي الْمِصْرِ. اهـ. نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ هُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِيهَا مَكْرُوهٌ) أَيْ وَلِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ. اهـ. نِهَايَةٌ
الجزء 1 · صفحة 43
يُوجَدْ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ.
قَالَ (أَوْ عِيدٍ) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ عِيدٍ لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الْإِمَامُ فِي الْعِيدِ لَا يَتَيَمَّمُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفَوْتَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَخَفْ لَا يُجْزِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي بِحَيْثُ يُدْرِكُ بَعْضَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَوْ تَوَضَّأَ لَا يَتَيَمَّمُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ بِنَاءً) أَيْ وَلَوْ كَانَ يَبْنِي بِنَاءً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَصُورَتُهُ أَنَّهُ يَشْرَعُ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، ثُمَّ يُحْدِثُ الْمُقْتَدِي أَوْ الْإِمَامُ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ لِلْبِنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا إنْ شَرَعَ بِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ أَمِنَ مِنْ الْفَوَاتِ إذْ اللَّاحِقُ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَإِنْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَتَفْسُدُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّ خَوْفَ الْفَوَاتِ بَاقٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيهِ مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ فَتَفُوتُ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فَتَفُوتُ لَا إلَى بَدَلٍ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَتَفُوتُ إلَى بَدَلٍ قِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَقَالَ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ.
وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي بَعِيدًا مِنْ الْمِصْرِ وَكَانَ فِي زَمَانِهِ بَعِيدًا مِنْ الْعُمْرَانِ وَكَانَ فِي زَمَانِهِمَا يُصَلُّونَ فِي الْمِصْرِ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَقَالُوا إذَا كَانَ لَا يَخَافُ الزَّوَالَ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ لَوْ تَوَضَّأَ لَا يَتَيَمَّمُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْبَعْضَ مَعَهُ يُتِمُّ الْبَاقِيَ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ زَوَالَ الشَّمْسِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا لِتَصَوُّرِ الْفَوَاتِ بِالْفَسَادِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَخَافُ الزَّوَالَ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَيَمَّمُ وَعِنْدَهُمَا لَا قَالَ: (لَا فَوْتِ جُمُعَةٍ وَوَقْتٍ) وَإِعْرَابُ فَوْتٍ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عِيدٍ أَيْ إذَا خَافَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ إلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ لَهَا، أَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ إلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِالطَّهَارَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ بَلْ يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ إلَى بَدَلٍ وَالْفَوَاتُ إلَى بَدَلٍ كَلَا فَوَاتٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَمْ يُعِدْ إنْ صَلَّى بِهِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ) الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَنَسِيَ الْمَاءَ وَاوُ الْحَالِ وَصَاحِبُ الْحَالِ هُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِي صَلَّى أَيْ وَلَمْ يُعِدْ إنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ نَاسِيًا الْمَاءَ وَفِي رَحْلِهِ حَالٌ مِنْ الْمَاءِ أَيْ نَسِيَ الْمَاءَ كَائِنًا فِي رَحْلِهِ أَوْ مُسْتَقِرًّا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُعِيدُ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِعِلْمِهِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لَا يُعِيدُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ مَاءَهُ قَدْ فَنِيَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَفْنَ يُعِيدُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْكَشْفَ فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْكَشْفِ وَخَطَأِ الظَّنِّ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَدْرَكَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ مِنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ فَلَا يُنْسَى لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِصِيَانَةِ النَّفْسِ فَلَا يُعْذَرُ وَالْمَدْرَكُ الثَّانِي لَهُ أَنَّ الرَّحْلَ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ فَصَارَ كَالْعُمْرَانِ فَكَانَ الطَّلَبُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عُرْيَانًا وَفِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ قَدْ نَسِيَهُ أَوْ صَلَّى مَعَ النَّجَاسَةِ وَفِي رَحْلِهِ مَا يُزِيلُهَا بِهِ، أَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ وَفِي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ قَدْ نَسِيَهَا أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقِيَاسِ نَاسِيًا لِلنَّصِّ، وَهَذَا لِأَنَّ جَوَازَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ؛ لِأَنَّ رَحْلَهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي رَكْوَةٍ مُعَلَّقَةٍ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ قِرْبَةٍ عَلَى ظَهْرِهِ قَدْ نَسِيَهُ، وَلَهُمَا أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْمَاءِ حَقِيقَةً إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ بِدُونِ الْعِلْمِ فَصَارَ كَفَاقِدِ الدَّلْوِ وَالْغَالِبُ النِّسْيَانُ فِي السَّفَرِ لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ وَالتَّعَبِ وَالْخَوْفِ وَكَذَا الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ فِي الرَّحْلِ النَّفَادُ فِيهِ غَالِبٌ لِقِلَّتِهِ بِخِلَافِ الْعُمْرَانِ وَلَيْسَ الرَّحْلُ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْمَحْمُولِ عَلَى ظَهْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عُرْيَانًا فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنَّ فَرْضَ السَّتْرِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَاتَ لَا إلَى خَلَفٍ، وَهُنَا فَرْضُ الْوُضُوءِ فَاتَ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ التَّيَمُّمُ بِعُذْرٍ وَالْفَائِتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ ثُمَّ يُحْدِثُ) أَيْ يَسْبِقُهُ الْحَدَثُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَمِنَ مِنْ الْفَوَاتِ) لِأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ فَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ بِهِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ يَتَيَمَّمُ وَيَبْنِي؛ لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِدْرَاكُ وَكَذَا لَوْ شَرَعَ بِالْوُضُوءِ، وَيَخَافُ زَوَالَ الشَّمْسِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَيَرْجُو إدْرَاكَ الْإِمَامِ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَمْ يَتَيَمَّمْ إجْمَاعًا وَإِنْ لَمْ يَرْجُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ اهـ (قَوْلُهُ فَيَعْتَرِيهِ مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ) كَالْكَلَامِ لِأَنَّ الزِّحَامَ مُقْتَضٍ لَهُ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَرُدَّ السَّلَامَ أَوْ يُهَنِّئُهُ بِالْعِيدِ فَيُجِيبُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَكَانَ خَوْفُ الْفَوْتِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ اهـ. (قَوْلُهُ وَكَانَ فِي زَمَانِهِ بَعِيدًا) فَكَانَ خَوْفُ الْفَوْتِ قَائِمًا فَأَفْتَى عَلَى وَفْقِ زَمَانِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ يُصَلُّونَ فِي الْمِصْرِ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ خَوْفُ الْفَوْتِ قَائِمًا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْإِبَاحَةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ) قِيلَ النَّوْمُ يُنَافِي الْعِلْمَ كَالنِّسْيَانِ فَيُنَافِي الْقُدْرَةَ فَلَوْ مَرَّ الْمُتَيَمِّمُ النَّائِمُ عَلَى الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْتَقِضَ تَيَمُّمُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّوْمَ لَحِقَهُ مَا يُزِيلُهُ حَالَةَ الْمُرُورِ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ فَتَتَبَاشَرُ الْقَافِلَةُ بِرُؤْيَتِهِ وَيَتَصَايَحُوا فَيَنْتَبِهُ النَّائِمُ، وَلَمْ يَلْحَقْ النَّاسِي مَا يُزِيلُهُ وَالسَّفَرُ مُنْفَرِدًا نَادِرٌ وَالْمُرَادُ بِالنَّائِمِ النَّائِمُ جَالِسًا لِئَلَّا يَنْتَقِضَ تَيَمُّمُهُ بِالنَّوْمِ اهـ (قَوْلُهُ وَالْمَدْرَكُ الثَّانِي) حَاصِلُ الْمَدْرَكِ الثَّانِي أَنَّ الرَّحْلَ مَحَلُّ الْمَاءِ، وَالرَّحْلُ فِي يَدِهِ فَمَحَلُّ الْمَاءِ فِي يَدِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، أَشَارَ إلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ الرَّحْلُ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ وَإِلَى الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا لِأَنَّ جَوَازَهُ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ أَوْ قِرْبَةٍ عَلَى ظَهْرِهِ قَدْ نَسِيَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ نَسِيَ مَا لَا يُنْسَى فَلَا يُعْتَبَرُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْغَالِبُ) جَوَابٌ عَنْ الْمَدْرَكِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ) جَوَابٌ عَنْ الْمَدْرَكِ الثَّانِي بِمَنْعِ مُقَدِّمَتَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 44
بِبَدَلٍ كَلَا فَائِتٍ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ بِالْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنْقُلْ الْحُكْمَ إلَى الْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقِيَاسِ إذَا عَلِمَ بِالنَّصِّ عِنْدَ عَالِمٍ آخَرَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَإِنْ بَعُدَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ وُجِدَ عَلَى عَدَمِهِ دَلِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَفَاوِزِ عَدَمُهُ بِخِلَافِ النَّصِّ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى عَدَمِهِ، وَمَسْأَلَةُ الرَّقَبَةِ قِيلَ هِيَ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إعْتَاقِهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِأَنْ يَقُولَ مَمْلُوكُهُ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَيَكُونُ قَادِرًا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِهِ فَثَبَتَ الْعَجْزُ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الرَّقَبَةِ الْمِلْكُ، وَقَدْ وُجِدَ وَفِي الْمَاءِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِي الْمَاءِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ بِخِلَافِ الرَّقَبَةِ، وَكَذَا لِلْحُرِّ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْقَبُولِ فِي الرَّقَبَةِ إذَا مَلَكَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ لِثُبُوتِ الْقُدْرَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَرْضِ، وَإِنَّ عِدَمَ الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مُعَلَّقًا عَلَى دَابَّةٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ سَائِقًا لَهَا أَوْ رَاكِبًا فَإِنْ كَانَ رَاكِبًا وَكَانَ الْمَاءُ فِي مُؤَخَّرِ الرَّحْلِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَدَّمِهِ يُعِيدُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَلَا يُعْذَرُ، وَفِي السَّائِقِ الْحُكْمُ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ مُؤَخَّرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يُعْذَرُ فَيُعِيدُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَدَّمِهِ فَعَلَى الْخِلَافِ وَإِنْ كَانَ قَائِدًا جَازَ لَهُ كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّهُ لَا يُعَايِنُهُ فَيُعْذَرُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي الْإِعَادَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَطْلُبُهُ غَلْوَةً إنْ ظَنَّ قُرْبَهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ وَيَطْلُبُ الْمَاءَ إلَى غَلْوَةٍ، وَالْغَلْوَةُ مِقْدَارُ رَمْيَةِ سَهْمٍ إنْ ظَنَّ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تُوجِبُ الْعَمَلَ كَالْيَقِينِ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ حَتَّى يَطْلُبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [النساء: 43] فَهَذَا يَقْتَضِي الطَّلَبَ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلَمْ يُصِبْ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ اشْتَرِ لِي رُطَبًا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَعِنَبًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ الرُّطَبِ، وَلَنَا أَنَّ الْوُجُودَ لَا يَقْتَضِي سَابِقَةَ الطَّلَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] وقَوْله تَعَالَى {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا طَلَبُ الْجِدَارِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَلِأَنَّهُ بَاطِلٌ بِالْمَرِيضِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَالْمَاءُ عِنْدَهُ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَطْلُبَهُ، وَالْآيَةُ مُفَسَّرَةٌ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ بَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ جَازَ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الصَّوْمِ بِغَيْرِ طَلَبٍ بَلْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهَا بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَمَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ لَيْسَتْ بِنَظِيرَةٍ لَهَا بَلْ هِيَ نَظِيرَةُ مَنْ لَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَلَا يَلْزَمُنَا التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ حَيْثُ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ جِهَتُهَا؛ لِأَنَّ جِهَتَهَا مَوْجُودَةٌ بِيَقِينٍ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَعْيِينُهَا وَلِأَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ فِي الْأَسْفَارِ وَفِي الْمَفَاوِزِ مَعَ التَّيَقُّنِ بِعَدَمِ الْمَاءِ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ، ثُمَّ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِقُرْبِهِ دُونَ الْمِيلِ مَاءً طَلَبَهُ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَعْمَلُ عَمَلَ الْيَقِينِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ وَكَذَا إنْ وَجَدَ أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَنْ الْمَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ حَتَّى لَوْ صَلَّى وَلَمْ يَسْأَلْهُ، وَأَخْبَرَهُ بِالْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَطْلُبُهُ مِنْ رَفِيقِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ) أَيْ يَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ لِأَنَّهُ مَبْذُولٌ فَكَانَ الْغَالِبُ الْإِعْطَاءَ حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يُجْزِيهِ، وَفِيهَا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا وَسَأَلَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَأَعْطَاهُ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَعْطَاهُ بَعْدَ الْمَنْعِ لَمْ يُعِدْ.
قَوْلُهُ فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ وَلَا يَجِبُ الطَّلَبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حَاجِزٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فَيَثْبُتُ الْعَجْزُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لِمَا قُلْنَاهُ، وَعَنْ الْجَصَّاصِ أَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ) أَيْ فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ نَقَلَ الْحُكْمَ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عِنْدَ النِّسْيَانِ (قَوْلُهُ فِي الرَّقَبَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَاءِ الْقُدْرَةُ دُونَ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ جَوَازَ التَّوَضُّؤِ يَحْصُلُ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَا ذُلَّ فِي قَبُولِهَا وَلِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً فَلَا ذُلَّ، وَجَوَازُ التَّكْفِيرِ بِالْمِلْكِ وَفِي قَبُولِهِ ذُلٌّ وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ ثَمَنَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمَبْذُولٍ فَيَلْحَقُهُ الذُّلُّ بِقَبُولِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْفَقِيرِ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْمَالُ اهـ يَحْيَى
. (قَوْلُهُ وَالْغَلْوَةُ مِقْدَارُ رَمْيَةِ سَهْمٍ) وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ هِيَ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى هَذَا فِي الْفَلَوَاتِ، أَمَّا فِي الْعُمْرَانِ يَجِبُ الطَّلَبُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ (قَوْلُهُ لَا يَقْتَضِي سَابِقَةَ الطَّلَبِ) يُقَالُ فُلَانٌ: وَجَدَ مَالَهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَوْلُهُ سَابِقَةَ الطَّلَبِ إلَى آخِرِهِ الطَّلَبُ لِتَبْيِينِ الْحَالِ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَبَقِيَ الْوُجُودُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَلْزِمُ سَابِقَةَ الطَّلَبِ. اهـ. يَحْيَى.
(فَرْعٌ) يُبْتَلَى الْحَاجُّ بِحَمْلِ مَاءِ زَمْزَمَ لِلْهَدِيَّةِ وَيُرَصِّصُ رَأْسَ الْقُمْقُمَةِ فَمَا لَمْ يَخِفَّ الْعَطَشُ وَنَحْوُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يَسْتَوْدِعَهُ مِنْهُ، وَقَالَ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوِيهِ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ لِذَلِكَ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْجُبِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا)؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ لَا عَدَمُ الْوُجُودِ اهـ (قَوْلُهُ تَعْمَلُ عَمَلَ الْيَقِينِ) فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ غَالِبُ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقَّقِ لَوَجَبَ التَّأْخِيرُ فِيمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قُلْنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ وَلِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ ثَمَّ رَأَى أَنَّهُ سَيَصِيرُ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَهُنَا غَلَبَةُ ظَنِّهِ أَنَّهُ بِقُرْبِ الْمَاءِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ إنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ) وَفِي الْمَبْسُوطِ إنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ
الجزء 1 · صفحة 45
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَمُرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنْعُهُ إيَّاهُ، وَمُرَادُهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِعَدَمِ الْمَنْعِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَهُ ثَمَنُهُ لَا يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَاءِ وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَا يَلْزَمُهُ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَهُوَ ضِعْفُ الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَدَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَاءً يُسَاوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا تَيَمَّمَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنُهُ تَيَمَّمَ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ أَكْثَرَهُ مَجْرُوحًا تَيَمَّمَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْهُ مَجْرُوحًا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ أَكْثَرُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَجْرُوحًا فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ تَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبِعَكْسِهِ يَغْسِلُ) أَيْ إذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَجْرُوحِ يَغْسِلُ لِمَا قُلْنَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغَسْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا لِمَكَانِ الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ جَرِيحًا وَالنِّصْفُ صَحِيحًا لَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ غَسْلَ الصَّحِيحِ وَمَسْحَ الْجَرِيحِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ فَكَانَ أَوْلَى، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَلَوْ كَانَ بِأَكْثَرِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ جِرَاحَةٌ يُخْشَى إمْسَاسُ الْمَاءِ وَبِأَكْثَرِ مَوَاضِعِ التَّيَمُّمِ جِرَاحَةٌ يَضُرُّهُ التَّيَمُّمُ لَا يُصَلِّي، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَغْسِلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (صَحَّ) أَيْ صَحَّ الْمَسْحُ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى وَرَدَتْ فِيهِ آثَارٌ أَضْوَأُ مِنْ الشَّمْسِ حَتَّى قَالَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَقِيلَ: عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُكَفَّرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْآحَادِ عِنْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَوَازُ الْمَسْحِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ أَيْضًا عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ إلَى الْكَعْبَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ إجْمَاعًا، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ وَلَوْ أَتَى بِالْعَزِيمَةِ بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَاءٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ حَيْثُ يَقُولُ لَا يَسْأَلُهُ؛ لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ ذُلًّا، وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ، وَالتَّيَمُّمُ شُرِعَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ مَبْذُولٌ عَادَةً وَلَيْسَ فِي سُؤَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَذَلَّةٌ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَأَلَ بَعْضَ حَوَائِجِهِ مِنْ غَيْرِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ
[الْجَمْع بَيْن التَّيَمُّم وَالْغُسْل]
(قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ بِالْفِقْهِ وَالْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ مِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ فِي نَفْسِ كُلِّ عُضْوٍ فَلَوْ كَانَ بِرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ جِرَاحَةٌ، وَالرِّجْلُ لَا جِرَاحَةَ بِهَا يَتَيَمَّمُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْجَرِيحَةِ جَرِيحًا أَوْ صَحِيحًا، وَالْآخَرُونَ قَالُوا إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ جَرِيحًا فَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ التَّيَمُّمُ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. كَمَالٌ إنَّمَا أَخَّرَهُ وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ فِيهِ تَقْدِيمَهُ عَلَى التَّيَمُّمِ لِكَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالتَّيَمُّمِ بِالْكِتَابِ فَيَكُونُ أَقْوَى اهـ. ع
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: صَحَّ الْمَسْحُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمَسْحَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ) يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَالْآيَةُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إلَيْهِمَا لَوْ كَانَا غَايَةً لِلْفِعْلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لِلْمَحَلِّ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ فَلَا يَلْزَمُ الْمَسْحُ إلَى الْكَعْبَيْنِ. اهـ. رَازِيٌّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ مَنْ رَآهُ، ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ أَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظُ كَانَ مَأْجُورًا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَسْحَ مِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ الرُّخْصَةِ وَهُوَ لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ فِيهِ مَشْرُوعَةً كَالرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لِلْمُسَافِرِ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّابِعِ مَا دَامَ الْمُكَلَّفُ لَابِسَ الْخُفِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ نَزْعَهُ، فَإِذَا نَزَعَهُ سَقَطَتْ الرُّخْصَةُ فِي حَقِّهِ فَيَغْسِلُ وَإِنَّمَا يُثَابُ بِتَكَلُّفِ النَّزْعِ وَالْغَسْلِ فَيَصِيرُ كَتَرْكِ السَّفَرِ لِقَصْدِ الْأَحْمَزِ وَقَوْلُ الرُّسْتُغْفَنِيِّ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْسَحَ إمَّا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ لَا يَرَوْنَهُ وَإِمَّا لِلْعَمَلِ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ مَدْفُوعٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الثَّانِي عَلَى مَا عَلِمْت وَعَدَمُ تَأَتِّي الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلِمُ أَنَّ الْحَاضِرِينَ لَا يَتَّهِمُونَهُ لِعِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ أَوْ جَهْلِهِمْ وُجُودَ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَلَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ الْجَوَابِ بَلْ إنْ كَانَ مَحَلَّ تُهْمَةٍ هَذَا، وَمَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَمَنَعَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ وَخَطَّأَهُمْ فِي تَمْثِيلِهِمْ بِهِ فِي الْأُصُولِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَاضَ مَاءٌ بِخُفِّهِ فَانْغَسَلَ أَكْثَرُ قَدَمَيْهِ بَطَلَ الْمَسْحُ، وَكَذَا لَوْ تَكَلَّفَ لِغَسْلِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَشْرُوعَةٌ مَعَ الْخُفِّ اهـ وَمَبْنَى هَذِهِ التَّخْطِئَةِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْفَرْعِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ كَلِمَتَهُمْ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ اُعْتُبِرَ شَرْعًا مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَتَبْقَى الْقَدَمُ عَلَى طَهَارَتِهَا وَيَحِلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ
الجزء 1 · صفحة 46
مَا رَأَى جَوَازَ الْمَسْحِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا فِي الْكَافِي فَقَالَ: فَإِنْ قُلْت: هَذِهِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ لِمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُثَابَ بِإِتْيَانِ الْعَزِيمَةِ، إذْ لَا تَبْقَى الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً إذَا كَانَتْ الرُّخْصَةُ لِلْإِسْقَاطِ كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ، قُلْنَا الْعَزِيمَةُ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا أَيْضًا وَالثَّوَابُ بِاعْتِبَارِ النَّزْعِ وَالْغُسْلِ وَإِذَا نُزِعَ صَارَتْ مَشْرُوعَةً.
(قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ) وَهَذَا سَهْوٌ فَإِنَّ الْغُسْلَ مَشْرُوعٌ وَإِنْ لَمْ يَنْزِعْ خُفَّيْهِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَبْطُلُ مَسْحُهُ إذَا خَاضَ الْمَاءُ وَدَخَلَ فِي الْخُفِّ حَتَّى انْغَسَلَ أَكْثَرُ رِجْلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَلَوْلَا أَنَّ الْغُسْلَ مَشْرُوعٌ لَمَا بَطَلَ بِغُسْلِ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ، وَكَذَا لَوْ تَكَلَّفَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ الْخُفِّ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الرُّخْصَةَ اسْتِبَاحَةُ الْمُحَرَّمِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ، وَدَلِيلُهَا أَنْ يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ وَهِيَ غَيْرُ مُبَاحَةٍ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ لَا يَأْثَمُ كَالْعَفْوِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَهِيَ نَوْعَانِ: إحْدَاهُمَا حَقِيقَةٌ وَالْأُخْرَى مَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَخَفُّ مِنْ الْآخَرِ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَتَنَاوُلِ مَالِ الْغَيْرِ وَالْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْحَقِيقَةِ مَا يُرَخَّصُ فِيهِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ كَفِطْرِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَنَوْعَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا أَتَمُّ وَهُوَ مَا وُضِعَ عَنَّا مِنْ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمَجَازِ مَا سَقَطَ عَنْ الْعَبْدِ بِخُرُوجِ السَّبَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِحُكْمِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْ فِي حَقِّهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ كَقَصْرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَسُقُوطِ تَعْيِينِ الْمَبِيعِ فِي السِّلْمِ وَسُقُوطِ غَسْلِ الرِّجْلِ مَعَ الْخُفِّ وَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ هَكَذَا ذَكَرُوهُ وَفِي جَعْلِهِمْ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نَظَرٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ امْرَأَةً) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَاسِحُ امْرَأَةً لِاتِّحَادِ الْخِطَابِ بَيْنَهُمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا يَكُونُ وَارِدًا فِي حَقِّ الْآخَرِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى التَّخْصِيصِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا جُنُبًا) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الْمَسْحُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ»؛ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ لِلْحَرَجِ فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَلَا حَرَجَ فِي الْجَنَابَةِ لِعَدَمِ التَّكْرَارِ وَصُورَةُ مَا يَكُونُ جُنُبًا أَنْ يَلْبَسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، ثُمَّ يَجْنُبُ وَهُوَ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
وَكَذَا الْمُسَافِرُ إذَا أَجْنَبَ فِي الْمُدَّةِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ فَتَيَمَّمَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي وُضُوءَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُزَالُ بِالْمَسْحِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَنْعَ الْمَسْحِ لِلْمُقِيمِ وَالْمَعْذُورِينَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَبْتَلَّ مَعَهُ ظَاهِرُ الْخُفِّ فِي أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِهِ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ حَدَثٍ وَاجِبِ الرَّفْعِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلِ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِلَا غَسْلٍ وَلَا مَسْحٍ وَصَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَ ذِرَاعَيْهِ وَغَسَلَ مَحِلًّا غَيْرَ وَاجِبِ الْغَسْلِ كَالْفَخْذِ وَوِزَانُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِلَا فَرْقٍ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَالْأَوْجَهُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ كَوْنُ الْإِجْزَاءِ إذَا خَاضَ النَّهْرَ لِابْتِلَالِ الْخُفِّ، ثُمَّ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ إنَّمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِهَا لِحُصُولِ الْغَسْلِ بِالْخَوْضِ وَالنَّزْعُ إنَّمَا وَجَبَ لِلْغَسْلِ وَقَدْ حَصَلَ انْتَهَى مَا قَالَهُ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ النَّزْعِ وَالْغَسْلِ) فَيَصِيرُ كَتَرْكِ السَّفَرِ لِقَصْدِ الْأَحْمَزِ أَيْ الْأَشَقِّ بِالْإِتْمَامِ اهـ.
(قَوْلُهُ: مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا أَيْضًا) يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْعَزِيمَةَ وَهُوَ إتْمَامُ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى انْغَسَلَ أَكْثَرُ رِجْلَيْهِ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ الرَّازِيّ الطَّهْرَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِكَشْفِ الدَّقَائِقِ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْعَزِيمَةِ عَدَمُ لُزُومِهَا لَا عَدَمُ جَوَازِهَا وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ بِدُخُولِ الْمَاءِ فِي الْخُفِّ لِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) أَيْ وَهِيَ مَا لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً فِي مَحَلِّ الرُّخْصَةِ.
(قَوْلُهُ: إحْدَاهُمَا) أَيْ وَهُوَ مَا بَقِيَ فِيهِ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ وَالْحُرْمَةُ جَمِيعًا (قَوْلُهُ: وَتَنَاوَلَ) أَيْ بِالْإِكْرَاهِ (قَوْلُهُ: وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْحَقِيقَةِ) وَهُوَ مَا بَقِيَ فِيهِ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ دُونَ الْحُرْمَةِ (قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا) وَهُوَ مَا لَمْ تَكُنْ الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً أَصْلًا لَا فِي مَحَلِّ الرُّخْصَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَالنَّوْعُ الثَّانِي) أَيْ وَهُوَ مَا بَقِيَ الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الرُّخْصَةِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيَّاعُ الْعَسَلِ وَصَفْوَانُ هَذَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً اهـ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ الْمُقَارِنِ هُوَ أَوْ اللُّبْسِ لِلْحَدَثِ بَعْدَ الْوَقْتِ كَانَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْقَدَمِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ حَلَّ بِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ حَالَ ذَلِكَ الْوُضُوءِ لَكِنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا حَلَّ بِالْمَمْسُوحِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْخُفِّ مَانِعًا شَرْعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ الَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَهُ إلَى الْقَدَمَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ عَلَى حَدَثٍ بِالْقَدَمَيْنِ لَا يَمْسَحُ فَلَوْ اعْتَبَرَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ رَافِعًا لِمَا بِالْقَدَمِ لَجَازَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْعَ عَلَى التَّيَمُّمِ بِكَوْنِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا كَاَلَّتِي بِالْمَاءِ مَا بَقِيَ الشَّرْطُ اهـ.
(قَوْلُهُ: إذَا كُنَّا سَفَرًا) جَمْعُ مُسَافِرٍ اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَتَيَمَّمَ) الْحَاصِلُ أَنَّ خُفَّ الْمُسَافِرِ لَوْ مَنَعَ مِنْ حُلُولِ الْجَنَابَةِ بِقَدَمَيْهِ لَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْجَنَابَةِ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَحَلَّ الْجَنَابَةِ بِقَدَمَيْهِ، ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّيَمُّمِ لَكِنَّ زَوَالَهَا بِهِ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً لِكَوْنِ طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ ضَرُورِيَّةً وَدَوَامُ اللُّبْسِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ فِي حُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَكَأَنَّهُ لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَاللُّبْسُ بَعْدَهُ لَا يُبِيحُ الْمَسْحَ إذَا تَوَضَّأَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ
الجزء 1 · صفحة 47
الْقَدَمَيْنِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا فَإِذَا نَزَعَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي وُضُوءَهُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَثَ يَمْنَعُهُ الْخُفُّ مِنْ السِّرَايَةِ إلَى الْقَدَمَيْنِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَلَوْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَادَ جُنُبًا فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ لَا غَيْرَ تَيَمَّمَ؛ لِأَنَّهُ جُنُبٌ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَادَ جُنُبًا لِوُجُودِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إلَّا قَدْرُ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَقْتَ الْحَدَثِ)؛ لِأَنَّ الْخُفَّ شُرِعَ مَانِعًا فَلَا بُدَّ مِنْ اللُّبْسِ مَعَ الطَّهَارَةِ، وَإِلَّا كَانَ رَافِعًا قَوْلُهُ عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ احْتِرَازٌ عَنْ وُضُوءٍ غَيْرِ مُسْبَغٍ بِأَنْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَحْدَثَ قَبْلَ الِاسْتِيعَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ أَوْ هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ وُضُوءٍ نَاقِصٍ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَقْصُهُ كَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا إذَا لَبِسُوا الْخُفَّ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَكَالْمُتَيَمِّمِ إذَا لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْسَحُونَ لِعَدَمِ اللُّبْسِ عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ، وَكَذَا بِوُجُودِ الْمَاءِ فَلَوْ جَازَ لَكَانَ الْخُفُّ رَافِعًا وَيُحْتَرَزُ أَيْضًا مِنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ نَاقِصٌ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي رِوَايَةٍ وَيَجُوزُ فِي أُخْرَى كَسُؤْرِ الْحِمَارِ وَقَوْلُهُ وَقْتَ الْحَدَثِ أَيْ تَامٌّ وَقْتَ الْحَدَثِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّمَامُ وَقْتَ اللُّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَتَمَّ الْوُضُوءَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ التَّمَامِ عِنْدَ الْحَدَثِ، وَكَذَا لَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ مُحْدِثًا وَخَاضَ الْمَاءُ حَتَّى دَخَلَ الْمَاءُ وَانْغَسَلَتْ رِجْلَاهُ وَأَتَمَّ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَقْتَ الْحَدَثِ زِيَادَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ يُغْنِي عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يُطْلَقُ عَلَى ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ وَعَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ وُجِدَ لُبْسُهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اللُّبْسُ ابْتِدَاءً أَوْ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ لُبْسِهِمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ ابْتِدَاءً حَتَّى لَوْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا، ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَوَضَّأَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ مِنْ هَذَا الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ حَيْثُ كَانَ لُبْسُهُ عَلَى طَهَارَةِ الْوُضُوءِ وَهِيَ كَامِلَةٌ هَكَذَا يُفْهَمُ. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ: وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ كَمَالِهَا عَدَمُ الرَّفْعِ عَنْ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ إصَابَةِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوَظِيفَةِ حِسًّا فَيَمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي يَعْقُبُهَا اللُّبْسُ. اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ إلَى آخِرِهِ) سَالَ دَمُهَا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ أَوْ وَقْتَ الْوُضُوءِ دُونَهُ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَإِنَّهَا لَا تَمْسَحُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَمَّا لَوْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ فَيَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ هَذَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ أَمَّا فِي الْوَقْتِ لَوْ سَبَقَهَا الْحَدَثُ تَمْسَحُ فِي أَيِّ وَجْهٍ كَانَ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِقَاضِي خَانْ. اهـ. كَاكِيٌّ نُقِلَتْ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَاشِيَةً عَلَى شَرْحِ الْكَنْزِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ نَصُّهَا مُسْتَحَاضَةٌ أَوْ مَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ تَوَضَّأَ وَالدَّمُ سَائِلٌ أَوْ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ سَالَ الدَّمُ قَبْلَ اللُّبْسِ أَوْ بَعْدَ لُبْسِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ لُبْسِ الْآخَرِ لَهُ الْمَسْحُ مَا دَامَ الْوَقْتُ إنْ أَحْدَثَ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ وَلَوْ تَوَضَّأَ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَلَبِسَ الْخُفَّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ سَالَ الدَّمُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ سَوَاءٌ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ بِغَيْرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إنْ كَانَ مُقِيمًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَعِنْدَ زُفَرَ يَمْسَحُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ كَامِلَةٌ مَا دَامَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ إلَّا أَنَّا نَقُولُ فِي الْأَوَّلِ الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ وَلِهَذَا يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَعَلَى هَذَا قَدْ أَبْهَمَ الشَّارِحُ اهـ.
(قَوْلُهُ: مَعَ الطَّهَارَةِ) أَيْ الْكَامِلَةِ قَبْلَ الْحَدَثِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ رَافِعًا) أَيْ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْمَسْحِ حِينَئِذٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ) أَيْ إذَا لَبِسَتْ الْخُفَّ عَلَى السَّيَلَانِ. اهـ. هِدَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ وُضُوءَهُ نَاقِصٌ) لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ بَدَلٌ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِهَذَا لَوْ وُجِدَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ كَانَ هَذَا بَدَلَ الْبَدَلِ وَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ الْمَسْحُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَسُؤْرِ الْحِمَارِ) إذَا تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمَّمَ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ فَأَحْدَثَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً مُطْلَقًا وَوَجَدَ سُؤْرَ الْحِمَارِ جَازَ لَهُ التَّوَضُّؤُ بِهِ وَالتَّيَمُّمُ وَيَمْسَحُ فِي هَذَا الْوُضُوءِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ لِلدَّوَامِ فِيمَا يُسْتَدَامُ حُكْمَ الْبَقَاءِ قَالَ تَعَالَى {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] سُمِّيَ دَوَامُ الْقُعُودِ قُعُودًا اهـ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا الِابْتِدَاءُ. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا أَعْنِي قَوْلَهُ إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ الِابْتِدَاءُ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ كَمَالِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ اللُّبْسِ (قَوْلُهُ: عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ) بِأَنْ لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ اهـ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا سُؤْرَ الْحِمَارِ أَوْ الْبَغْلِ فَتَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَقْرِنَهُ بِالتَّيَمُّمِ وَمَعَهُ سُؤْرُ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ سُؤْرِ الْحِمَارِ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ لَهُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَثَرٌ فَصَارَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ إقَامَةُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ مَعَهُ وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةِ النَّبِيذِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً مُطْلَقًا تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَ
الجزء 1 · صفحة 48
فَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى فَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ حَتَّى يَنْزِعَ الْأُولَى، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فِيهِ كَمَا كَانَتْ.
قُلْنَا: هَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ نَزْعَهُ ثُمَّ لُبْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ لَيْسَ فِيهِ حِكْمَةٌ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَدْخَلْتهمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» أَيْ أَدْخَلْت كُلَّ وَاحِدَةٍ الْخُفَّ وَهِيَ طَاهِرَةٌ لَا أَنَّهُمَا اقْتَرَنَا فِي الطَّهَارَةِ وَالْإِدْخَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَادَةً وَهَذَا كَمَا يُقَالُ دَخَلْنَا الْبَلَدَ وَنَحْنُ رُكْبَانٌ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ رَاكِبًا عِنْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمْ رُكْبَانًا عِنْدَ دُخُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا اقْتِرَانِهِمْ فِي الدُّخُولِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا) هَذَا بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْمَسْحِ أَيْ صَحَّ الْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَى آخِرِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ».
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ) بَيَانٌ لِأَوَّلِ وَقْتِ مُدَّةِ الْمَسْحِ أَيْ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَثَلَاثًا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا فَيُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ وَإِنَّمَا هُوَ طَهَارَةُ الْغُسْلِ فَلَا يُعْتَبَرُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (عَلَى ظَاهِرِهِمَا) بَيَانٌ لِمَحِلِّ الْمَسْحِ حَتَّى لَا يَجُوزَ مَسْحُ بَاطِنِهِ أَوْ عَقِبِهِ أَوْ سَاقَيْهِ أَوْ جَوَانِبِهِ أَوْ كَعْبِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ لَكِنْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ».
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مَرَّةً) أَيْ يَمْسَحُ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ بِخِلَافِ الْغَسْلِ وَقَدْ مَرَّ الْفَرْقُ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) بَيَانٌ لِمِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ حَتَّى لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً جَدِيدًا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَخَذَ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا جَازَ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ وَلَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْمَسْحِ مَاءٌ أَوْ مَطَرٌ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ جَازَ، وَكَذَا لَوْ مَشَى فِي حَشِيشٍ مُبْتَلٍّ بِالْمَطَرِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَ مُبْتَلًّا بِالطَّلِّ أَوْ أَصَابَ الْخُفَّ طَلٌّ قَدْرَ الْوَاجِبِ قِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ يَجْذِبُهُ الْهَوَاءُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ مِقْدَارَ أُصْبُعَيْنِ وَعَلَى الْأُخْرَى مِقْدَارَ خَمْسَةِ أَصَابِعَ لَا يَجْزِيهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَصَابِعُ الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْمَسْحِ وَأَكْثَرُهَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُعْتَبَرُ أَصَابِعُ الرِّجْلِ كَمَا فِي الْخَرْقِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، ثُمَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ قَدْرَ الْآلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْمَمْسُوحِ فَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِبَيَانِ الْآلَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ إذْ هُوَ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَإِذَا مَسَحَ بِهَا فَقَدْ حَصَلَ الْغَرَضُ فَيَكُونُ بَيَانًا لَهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَبْدَأُ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) هَكَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا نَزَعَ خُفَّيْهِ وَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَلَمْ يَتَيَمَّمْ حَتَّى أَحْدَثَ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَيَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَيَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ إنْ كَانَ طَهُورًا فَالتَّيَمُّمُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ الطَّهُورُ هُوَ التُّرَابُ فَالْقَدَمُ لَا حَظَّ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ اهـ. وَلَوْ قُطِعَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَبَقِيَ مِنْهَا أَقَلُّ مِنْهُ أَيْ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ بَقِيَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَكِنْ مِنْ الْعَقِبِ لَا مِنْ مَوْضِعِ الْمَسْحِ فَلَبِسَ عَلَى الصَّحِيحَةِ وَالْمَقْطُوعَةِ لَا يَمْسَحُ لِوُجُوبِ غَسْلِ ذَلِكَ الْبَاقِي كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَعْبِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْزِعَ الْأُولَى) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُمَا قَبْلَ غَسْلِهِمَا، ثُمَّ خَاضَ مَاءً عَظِيمًا فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى رِجْلَيْهِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُمْ. (قَوْلُهُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالٍ مُقَدَّرٍ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَادَةً) أَيْ فِي لُبْسِ الْخِفَافِ.
[مُدَّة الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ: وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا) فَإِذَا كَمُلَتْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْدَهَا حَتَّى يَنْزِعَ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ جُرْحٍ لَا يَرْقَأُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ إلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَدَخَلَ آخَرُ وَجَبَ النَّزْعُ إنْ كَانَ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ عَلَى السَّيَلَانِ، وَإِلَّا يَسْتَكْمِلُ الْمُدَّةَ كَغَيْرِهِ. اهـ. زَادُ الْفَقِيرِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ) أَيْ لَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ اهـ. (قَوْلُهُ: إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ) أَيْ إلَى مِثْلِ وَقْتِ ذَلِكَ الْحَدَثِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا) أَيْ مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ؛ وَلِأَنَّهُ شُرِعَ تَيْسِيرًا لِتَعَذُّرِ النَّزْعِ وَالْحَاجَةِ إلَى النَّزْعِ عِنْدَ الْحَدَثِ. اهـ. .
[مَحِلّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: عَلَى ظَاهِرِهِمَا) وَيَتَعَلَّقُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ بِالْمَحْذُوفِ أَيْ يَمْسَحُ. اهـ. ع وَقَالَ الرَّازِيّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَحَّ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالْمَسْحِ) أَيْ مِنْ أَعْلَاهُ وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ ظَاهِرِهِ اهـ. (قَوْلُهُ: خُطُوطًا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ مُخَطَّطًا وَفِي الْمُجْتَبَى إظْهَارُ الْخُطُوطِ فِي الْمَسْحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ كَاكِيٌّ وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّكْرَارُ إذْ الْخُطُوطُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا مَسَحَ مَرَّةً. اهـ. مُسْتَصْفَى.
[كَيْفِيَّة الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ. اهـ. ع وَقَالَ الرَّازِيّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ صَحَّ اهـ. (قَوْلُهُ: لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءٌ جَدِيدٌ أَجَازَ) أَيْ إنْ مَسَحَ كُلَّ مَرَّةٍ غَيْرَ مَا مَسَحَ قَبْلَ ذَلِكَ. اهـ. شَرْحُ الْوُقَايَةِ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمَسْحَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ (وَبِظَهْرِ الْكَفِّ) يَجُوزُ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا وَلَوْ مَسَحَ بِظَهْرِ الْكَفِّ جَازَ لَكِنَّ السُّنَّةَ بِبَاطِنِهَا شَرْحِ وِقَايَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَصَابَ الْخُفَّ طَلٌّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الطَّلُّ الْمَطَرُ الْخَفِيفُ وَيُقَالُ أَضْعَفُ الْمَطَرِ اهـ. (قَوْلُهُ: يُعْتَبَرُ أَصَابِعُ الرِّجْلِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عَلَيْهِ وَهِيَ أَكْثَرُ الْمَمْسُوحِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ كَمَا فِي الْخَرْقِ. اهـ. مِعْرَاجٌ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) إذْ الْمَسْحُ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ لَا إلَى الْمَحِلِّ فَتُعْتَبَرُ الْآلَاتُ. اهـ. مِعْرَاجٌ وَصَاحِبُ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ يَمْسَحُ اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ يَبْدَأُ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) لَمَّا بَيَّنَ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ لِبَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَقَالَ يَبْدَأُ إلَى آخِرِهِ
الجزء 1 · صفحة 49
نُقِلَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلُ الْغَسْلِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ وَهَذَا بَيَانُ السُّنَّةِ حَتَّى لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ إلَى الْأَصَابِعِ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْخَرْقُ الْكَبِيرُ يَمْنَعُهُ) أَيْ يَمْنَعُ الْمَسْحَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ مَعَهُ فَصَارَ كَاللِّفَافَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَصْغَرُهَا) أَيْ الْخَرْقُ الْكَبِيرُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَصْغَرُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُعْتَبَرُ أَصَابِعُ الْيَدِ اعْتِبَارًا بِالْمَسْحِ وَهُوَ قَوْلُ الرَّازِيّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ إذَا انْكَشَفَ مَوْضِعٌ غَيْرُ مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا إذَا انْكَشَفَ الْأَصَابِعُ نَفْسُهَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْكَشِفَ الثَّلَاثُ أَيَّتُهَا كَانَتْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ انْكَشَفَتْ الْإِبْهَامُ مَعَ جَارَتِهَا وَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِهَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فَإِنْ كَانَ مَعَ جَارَتَيْهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَفِي مَقْطُوعِ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ الْخَرْقُ بِأَصَابِعَ غَيْرِهِ وَقِيلَ بِأَصَابِعَ نَفْسِهِ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً وَالْخَرْقُ الْمَانِعُ هُوَ الْمُنْفَرِجُ الَّذِي يَرَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الرِّجْلِ أَوْ يَكُونُ مُنْضَمًّا لَكِنْ يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ وَيَظْهَرُ الْقَدَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْوَضْعِ بِأَنْ كَانَ الْخَرْقُ عَرْضًا وَإِنْ كَانَ طُولًا يَدْخُلُ فِيهِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ فَأَكْثَرُ وَلَكِنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ وَلَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ لِصَلَابَتِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَلَوْ انْكَشَفَتْ الظِّهَارَةُ وَفِي دَاخِلِهَا بِطَانَةٌ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ مَخْرُوزَةٍ بِالْخُفِّ لَا يَمْنَعُ وَالْخَرْقُ فَوْقَ الْكَعْبِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِلُبْسِهِ وَالْخَرْقُ فِي الْكَعْبِ وَمَا تَحْتَهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنْعِ.
وَقِيلَ لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فَوْقَ الْقَدَمِ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَكْثَرَ الْقَدَمِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهَا فَكَذَا الْقَدَمُ كَذَا فِي الْغَايَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَجْمَعُ فِي خُفٍّ لَا فِيهِمَا) أَيْ وَيَجْمَعُ الْخُرُوقَ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ لَا فِي خُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ عُضْوَانِ حَقِيقَةً فَعُمِلَ بِهَا أَيْ بِالْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُ الْبَلَّةِ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ وَجُعِلَتَا فِي حُكْمِ عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي مَنْعِ الْمَسْحِ عَلَى إحْدَاهُمَا وَغَسْلِ الْأُخْرَى احْتِرَازًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَبَدَلِهِ فِيمَا هُوَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
وَمُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ فَيَتَنَاوَلُ رِجْلًا وَاحِدَةً وَلَكِنْ لَمَّا جُعِلَتَا فِي الْحُكْمِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ تَنَاوَلَهُمَا الْأَمْرُ فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا، ثُمَّ الْخَرْقُ الَّذِي يُجْمَعُ أَقَلُّهُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمِسَلَّةُ وَمَا دُونَهُ لَا يُعْتَبَرُ إلْحَاقًا لَهُ بِمَوَاضِعِ الْخَرْزِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ وَالِانْكِشَافِ) أَيْ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ حَيْثُ يُجْمَعُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي خُفَّيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ فِي الْمَجْمُوعِ وَبِخِلَافِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ كَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِسْكِينٌ وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَمْسَحُ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ إيمَاءً إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا. اهـ. مُجْتَبَى وَلَوْ بَدَأَ مِنْ قَبْلِ السَّاقِ جَازَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ. اهـ. مِسْكِينٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْخَرْقُ الْكَبِيرُ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْضًا. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَصْغَرُهَا) وَمَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ وَفِي الْأَجْنَاسِ فِي اعْتِبَارِهَا مَضْمُومَةً أَوْ مُنْفَرِجَةً اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ مَضْمُومَةً لَا مُنْفَرِجَةً. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَوْلُهُ: أَصْغَرُهَا بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ الْأَصَابِعِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ أَصْغَرُهَا وَالنَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي. اهـ. ع قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَوَاءٌ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظَاهِرِ الْخُفِّ أَوْ فِي بَاطِنِهِ أَوْ فِي نَاحِيَةِ الْعَقِبِ وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ يَعْنِي إذَا كَانَ الْخَرْقُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ فَذَلِكَ يَمْنَعُ جَوَازَ الْمَسْحِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفِ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَكْشُوفُ مِنْ قِبَلِ الْعَقِبِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَسْتُورِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ حَتَّى يَبْدُوَ أَكْثَرُ نِصْفِ الْعَقِبِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ شَرْحُ الْكَنْزِ لِلشَّيْخِ مِسْكِينٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ) حَتَّى يَجِبَ بِقَطْعِهَا الدِّيَةُ. اهـ. ع وَلَوْ كَانَ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ خَرْقٌ فِي مُقَدَّمِ الْخُفِّ قَدْرُ أُصْبُعٍ وَفِي مُؤَخَّرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَفِي جَانِبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْأَسْفَلِ مِنْ السَّاقِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جُمِعَ يَصِيرُ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ. اهـ. فَتَاوَى قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) أَيْ لِأَنَّ مَنْعَ الْخَرْقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَشْيِ وَهُوَ بِالرِّجْلِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ بِالْيَدِ. اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهَا) أَيْ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَلَوْ بَدَا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَنَامِلِهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَمْنَعُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَمْنَعُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. بَدَائِعُ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ يَبْدُو قَدْرُ ثَلَاثِ أَنَامِلَ وَأَسَافِلُهَا مَسْتُورَةٌ قَالَ السَّرَخْسِيُّ يَمْنَعُ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا يَمْنَعُ حَتَّى يَبْدُوَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ بِكَمَالِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَيَجْمَعُ فِي خُفٍّ لَا فِيهِمَا) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا دَاعِي إلَى جَمْعِهَا وَهُوَ اعْتِبَارُهَا كَأَنَّهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَنْعِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَكَانُ حَقِيقَةً لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْخُفِّ بِامْتِنَاعِهِ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ بِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِذَاتِ الِانْكِشَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ انْكِشَافٌ، وَإِلَّا لَوَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْخَرْقِ الصَّغِيرِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ عِنْدَ تَعَرُّفِهَا صَغِيرَةً كَمِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ وَالْفُولَةِ لِإِمْكَانِ قَطْعِهَا مَعَ ذَلِكَ وَعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَادِي قَالَهُ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: فَوَجَبَ غُسْلُهُمَا)، وَإِلَّا جُعِلَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلَا كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْخُرُوقِ وَإِنْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّضْيِيقُ بِإِيجَابِ الِاحْتِيَاطِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: الْمِسَلَّةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْإِبْرَةُ الْعَظِيمَةُ
الجزء 1 · صفحة 50
فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَشَيْءٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٍ مِنْ بَطْنِهَا وَشَيْءٍ مِنْ فَخْذِهَا وَشَيْءٍ مِنْ سَاقِهَا حَيْثُ يُجْمَعُ لِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُفِّ وَبَيْنَهُمَا أَنَّ الْخَرْقَ فِي الْخُفِّ إنَّمَا يَمْنَعُ لِكَوْنِهِ مَانِعًا لِتَتَابُعِ الْمَشْيِ فِيهِ بِهِ وَالْخَرْقُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخَرِ وَالنَّجَاسَةُ تَمْنَعُ الْجَوَازَ لِكَوْنِهِ حَامِلًا لَهَا أَوْ مُجَاوِرًا وَهُوَ حَامِلٌ لِلْكُلِّ أَوْ مُجَاوِرٌ لَهُ، وَكَذَا الِانْكِشَافُ إنَّمَا يَمْنَعُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ سَاتِرٍ لِعَوْرَتِهِ وَهُوَ يُوجَدُ فِي الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فِي الْحُكْمِ وَلِهَذَا يَجُوزُ نَقْلُ الْبِلَّةِ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ فِي الْجَنَابَةِ فَجَعَلْنَاهُ عُضْوًا وَاحِدًا فِي حَقِّ النَّجَاسَةِ وَالِانْكِشَافِ احْتِيَاطًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ رُخْصَةً فَلَا يُنَاسِبُ التَّضْيِيقَ، ثُمَّ كَيْفِيَّةُ جَمْعِ الْخُرُوقِ فِي الْخُفِّ ظَاهِرٌ وَكَيْفِيَّةُ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ وَالنَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَيْنِ يَأْتِي فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ)؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ أَصْلِهِ كَالتَّيَمُّمِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنُزِعَ خُفٌّ)؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ يَسْرِي إلَى الْقَدَمَيْنِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ فَارَقَ مَكَانَهُ فَكَأَنَّ قَدَمَهُ قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَاقَ الْخُفِّ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلِهَذَا يَجُوزُ مَسْحُ خُفٍّ لَا سَاقَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْكَعْبُ مَسْتُورًا، وَكَذَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّزْعِ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ الْعَقِبُ أَوْ أَكْثَرُهَا إلَى السَّاقِ بَطَلَ الْمَسْحُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْقَدَمِ بَطَلَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ فِي الْخُفِّ مِنْ الْقَدَمِ قَدْرُ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لَا يُنْتَقَضُ، وَإِلَّا انْتَقَضَ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ أَمْكَنَ الْمَشْيُ بِهِ لَا يُنْتَقَضُ، وَإِلَّا انْتَقَضَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى التَّوْقِيتِ اعْلَمْ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ وَمُضِيَّ الْمُدَّةِ غَيْرُ نَاقِضٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا النَّاقِضُ الْحَدَثُ السَّابِقُ لَكِنَّ الْحَدَثَ يَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَأُضِيفَ النَّقْضُ إلَيْهِمَا وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا دُخُولُ أَحَدِ خُفَّيْهِ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ رِجْلَهُ تَصِيرُ بِذَلِكَ مَغْسُولَةً وَيَجِبُ غَسْلُ رِجْلِهِ الْأُخْرَى لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ غَسْلَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ يَنْقُضُهُ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إنْ لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ) أَيْ يَنْقُضُهُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى رِجْلِهِ الْعَطَبَ بِالنَّزْعِ وَإِنْ خَافَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ؛ وَالْمُحِيطِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ صَارَ كَالْجَبِيرَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ وَقَدْ قَالُوا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: لِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ) أَيْ إنْ بَلَغَ الْمَجْمُوعُ رُبْعَ عُضْوٍ يَمْنَعُ.
[نَوَاقِض الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ: وَنَزْعُ خُفٍّ) ذَكَرَ لَفْظَ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَقُلْ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ لِيُفِيدَ أَنَّ نَزْعَ أَحَدِهِمَا نَاقِضٌ فَإِنَّهُ إذَا نَزَعَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ غَسْلُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَوَجَبَ غَسْلُ الْأُخْرَى إذْ لَا جَمْعَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. اهـ. ش وِقَايَةٍ وَاعْلَمْ بِأَنَّ خَلْعَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الَّتِي لَبِسَ بِهَا الْخُفَّيْنِ لَا يَضُرُّهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَائِمَةٌ وَخَلْعُ الْخُفَّيْنِ لَيْسَ بِحَدَثٍ كَذَا بِخَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ.
(قَوْلُهُ: يَسْرِي إلَى الْقَدَمَيْنِ) فَكَأَنَّهُ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرِهَا) يَعْنِي إذَا أَخْرَجَهُ قَاصِدًا إخْرَاجَ الرِّجْلِ بَطَلَ الْمَسْحُ حَتَّى لَوْ بَدَا لَهُ إعَادَتُهَا فَأَعَادَهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَعْرَجَ يَمْشِي عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ عَقِبُهُ عَنْ مَوْضِعِ عَقِبِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَا يَمْسَحُ وَإِلَى مَا دُونَهُ يَمْسَحُ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا يَرْتَفِعُ الْعَقِبُ بِرَفْعِ الرِّجْلِ إلَى السَّاقِ وَيَعُودُ بِوَضْعِهَا فَلَا يَمْسَحُ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا انْتَقَضَ) فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَبَرَ مَحَلَّ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَا وَرَاءَهُ كَلَا خُرُوجٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ أَمْكَنَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَرْمَى نَظَرِ الْكُلِّ فَمَنْ نَقَضَ بِخُرُوجِ الْعَقِبِ عِنْدَهُ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَعَ حُلُولِ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ لَا يُمْكِنُهُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَعُودُ إلَى مَحِلِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ وَمَنْ قَالَ الْأَكْثَرُ فَلِظَنِّهِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مَنُوطٌ بِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ يَكُونُ الْبَاقِي قَدْرَ الْفَرْضِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا تَبْتَنِي عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ يُقْلِقُ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْمَشْيِ دَوْسًا عَلَى السَّاقِ نَفْسِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إنْ لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ مَضَتْ وَهُوَ يَخَافُ الْبَرْدَ عَلَى رِجْلَيْهِ بِالنَّزْعِ يَسْتَوْعِبُهُ بِالْمَسْحِ كَالْجَبَائِرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَلَا حَظَّ لِلرِّجْلَيْنِ مِنْ التَّيَمُّمِ فَيَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهَا بِلَا تَيَمُّمٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ مَنْعَ الْخُفِّ بِهَذِهِ فَيَسْرِي الْحَدَثُ بَعْدَهَا إذْ لَا بَقَاءَ لَهَا مَعَ الْحَدَثِ فَكَمَا يَقْطَعُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ يَقْطَعُ عِنْدَ عَدَمِهِ لِيَتَيَمَّمَ لَا لِلرِّجْلَيْنِ فَقَطْ لِيَلْزَم رَفْوُ الْأَصْلِ بِالْخَلْفِ بَلْ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَصِيرُ مُحْدِثًا بِحَدَثِ الْقَدَمَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِهِمَا ارْتَفَعَ كَمَنْ غَسَلَ ابْتِدَاءً الْأَعْضَاءَ إلَّا رِجْلَيْهِ وَفَنِيَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَا لِلرِّجْلَيْنِ فَقَطْ، وَإِلَّا لَكَانَ جَمْعُ الْأَصْلِ وَالْخَلْفِ ثَابِتًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ بَلْ لِلْحَدَثِ الْقَائِمِ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى حَالِهِ مَا لَمْ يُتِمَّ الْكُلَّ وَهَذَا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنْ لَمْ يُصِبْ الرِّجْلَ حَدَثًا لَكِنَّهَا يُصِيبُهَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَصْلُحُ عَدَمُ الْمَاءِ مَانِعًا السِّرَايَةَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا غَايَةً لِمَنْعِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَا ذُكِرَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَالْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِعُ إذَا تَمَّتْ إذَا لَمْ يَخَفْ إذْهَابَهُمَا مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَإِنْ خَافَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ خَوْفَ الْبَرْدِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُهَا فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ لَكِنْ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَنْ هَذَا نَقَلَ بَعْضُ
الجزء 1 · صفحة 51
مَنْ قَالَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ أَشْبَهُ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُ وَيُصَلِّي كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبَعْدَهُمَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ) أَيْ بَعْدَ النَّزْعِ وَبَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي حَلَّ بِقَدَمَيْهِ وَقَدْ غَسَلَ بَعْدَهُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَبَقِيَتْ الْقَدَمَانِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُهُمَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ الْمُوَالَاةُ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَخُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ نَزْعٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَجْهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ وَفِي لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخُرُوجَ كَالنَّزْعِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَسَحَ ثَلَاثًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ سَافَرَ بَعْدَمَا مَسَحَ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالسَّفَرِ كَالصَّوْمِ إذَا شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ سَافَرَ لَا يُفْطِرُ وَكَالصَّلَاةِ إذَا شَرَعَ فِيهَا فِي سَفِينَةٍ فِي الْإِقَامَةِ، ثُمَّ سَارَتْ فَصَارَ مُسَافِرًا فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِاجْتِمَاعِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَتَغْلِيبِ حُكْمِ الْحَضَرِ عَلَى السَّفَرِ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا»؛ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الرُّخْصَةِ التَّخْفِيفُ عَنْ الْمُسَافِرِينَ وَهُوَ بِزِيَادَةِ الْمُدَّةِ وَفِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ آخِرُهُ كَالصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ سَرَى إلَى الْقَدَمِ وَالسَّفَرُ لَا يَرْفَعُهُ وَقَوْلُهُ كَالصَّوْمِ إلَى آخِرِهِ قُلْنَا الصَّوْمُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِهَذَا يَفْسُدُ كُلُّهُ بِفَسَادِ جُزْءٍ مِنْهُ وَكَذَا الصَّلَاةُ، وَأَمَّا الْمَسَحَاتُ فِي الْمُدَّةِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ الْكُلُّ بِفَسَادِ مَسْحَةٍ وَاحِدَةِ فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْ صَوْمُ الشَّهْرِ لِانْفِصَالِ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ كُلِّ يَوْمٍ عَنْ الْآخَرِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ أَقَامَ مُسَافِرٌ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ، وَإِلَّا يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً)؛ لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَصَحَّ عَلَى الْمُوقِ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمُوقِ وَهُوَ الْجُرْمُوقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ فِي الْغَالِبِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخْصَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَشَايِخُ تَأْوِيلَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَسْحُ جَبِيرَةٍ لَا كَمَسْحِ الْخُفِّ فَعَلَى هَذَا يَسْتَوْعِبُ الْخُفَّ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى أَوْ أَكْثَرُهُ وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُتِمُّ إذَا كَانَ مُسَمَّى الْجَبِيرَةِ يَصْدُقُ عَلَى سَاتِرٍ لَيْسَ تَحْتَهُ مَحَلُّ وَجَعٍ بَلْ عُضْوٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْ كَشْفِهِ حُدُوثَ الْمَرَضِ لِلْبَرْدِ وَيَسْتَلْزِمُ بُطْلَانُ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ عَلَى عُضْوٍ أَوْ اسْوِدَادِهِ وَيَقْتَضِي أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ تَرْكِهِ رَأْسًا وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ إعْطَاؤُهُمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ إلَى آخِرِهِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَجْهٌ يَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ لَوْ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَوَجْهٌ لَا يَتَحَوَّلُ إلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ لَوْ سَافَرَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، وَوَجْهٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ مَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمُدَّةِ. اهـ. كَيْ.
(قَوْلُهُ: مَسَحَ ثَلَاثًا) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ وَقْتِ السَّفَرِ.
(قَوْلُهُ: وَتَغْلِيبُ حُكْمِ الْحَضَرِ عَلَى السَّفَرِ) وَإِنَّمَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ لِكَوْنِهِ عَزِيمَةً وَحُكْمُ السَّفَرِ رُخْصَةٌ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ فِي عِبَادَةٍ غَلَبَتْ الْعَزِيمَةُ احْتِيَاطًا فَعَلَى هَذَا الْمُسَافِرُ فِي السَّفِينَةِ إذَا دَخَلَتْ الْعُمْرَانَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: التَّسْوِيَةُ) أَيْ بَيْنَ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالصَّوْمِ إلَخْ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَهَذَا لَيْسَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاحِدَ وَالصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَاعْتِبَارُ الْإِقَامَةِ فِي أَوَّلِهِ لَا يُبِيحُ الْإِفْطَارَ وَاعْتِبَارُ السَّفَرِ فِي آخِرِهِ يُبِيحُ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا، وَكَذَا فِي الصَّلَاةِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْإِقَامَةِ احْتِيَاطًا أَمَّا الْوَقْتُ فَمِمَّا يَتَجَزَّأُ فَلَمْ تَجْتَمِعْ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِمَا وُجِدَ وَهُوَ السَّفَرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ تَتَغَيَّرُ الْمُدَّةُ وَإِنْ انْعَقَدَتْ الْمُدَّةُ عَلَى حُكْمِهَا؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَهُوَ عَدَمُ سَرَيَانِ الْحَدَثِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ أَيْضًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ تَدَافَعَتَا فَغَلَبَتْ الْإِقَامَةُ السَّفَرَ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَا هُنَا لَمَّا اقْتَصَرَتْ الْإِقَامَةُ وُجِدَ السَّفَرُ فَلَمْ تَثْبُتْ الْمُعَارَضَةُ وَالتَّدَافُعُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
. (قَوْلُهُ: بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ) لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ يَمْسَحُ وَهُوَ مُقِيمٌ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَصَحَّ عَلَى الْمُوقِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُطَرِّزِيُّ الْمُوقُ خُفٌّ قَصِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجُرْمُوقُ) حَاصِلُ الْكَلَامِ هُنَا أَنَّ الْجُرْمُوقَ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا لَبِسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ بِالْخُفِّ فَلَا يَرْفَعُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَلَوْ لَبِسَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ، ثُمَّ أَحْدَثَ حَلَّ الْحَدَثُ بِالْجُرْمُوقِ فَيَمْسَحُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ وَاسِعًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْخُفِّ وَمَسَحَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْحَدَثِ فِيهِ. اهـ. يَحْيَى قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَفِي قَوْلِهِ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ الْجُرْمُوقَ لَوْ كَانَ تَبَعًا لِلْخُفِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْطِلَ الْمَسْحَ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِنَزْعِ أَحَدِ طَاقَيْ خُفِّ وَلَوْ كَانَ تَبَعًا لِلرِّجْلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بِنَزْعِهِ فَقَالَ أَنَّهُ تَبَعٌ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لَوْ لَبِسَهُ مُنْفَرِدًا بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى الْخُفِّ عَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ وَأَثْبَتْنَا الْحُكْمَ بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ فَقُلْنَا بِالتَّبَعِيَّةِ عِنْدَ قِيَامِ الْمَمْسُوحِ فَإِذَا زَالَ الْمَمْسُوحُ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ فَيَحِلُّ الْحَدَثُ بِمَا تَحْتَهُ بِخِلَافِ ذِي طَاقَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّاقَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَصِيرَانِ بِحُكْمِ الِاتِّصَالِ كَالشَّعْرِ مَعَ بَشَرَةِ الرَّأْسِ فَكَانَ الْمَسْحُ عَلَى أَحَدِهِمَا مَسْحًا عَلَى مَا تَحْتَهُ حُكْمًا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ
الجزء 1 · صفحة 52
؛ وَلِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ وَلَنَا حَدِيثُ بِلَالٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ»؛ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا إذْ لَا يُلْبَسُ بِدُونِ الْخُفِّ عَادَةً، وَكَذَا تَبَعٌ لَهُ غَرَضًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ لُبْسِهِ صِيَانَةُ الْخُفِّ عَنْ الْخَرْقِ وَالْقَذَرِ فَكَانَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ.
وَقَوْلُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ثُمَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ أَنْ لَا يُحْدِثَ قَبْلَ لُبْسِهِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ حَتَّى لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِ الْجُرْمُوقِ، ثُمَّ لَبِسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ لَبِسَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ، ثُمَّ نَزَعَهُمَا مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا لَيْسَ مَسْحًا عَلَى الْخُفَّيْنِ لِانْفِصَالِهِمَا عَنْ الْخُفَّيْنِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ لَوْ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ أَوْ قَشَّرَ جِلْدَ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ حَيْثُ لَا يُعِيدُ الْمَسْحَ عَلَى مَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِلِاتِّصَالِ فَصَارَ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَ جُرْمُوقَيْهِ بَطَلَ مَسْحُهُمَا فَيُعِيدُ مَسْحَ الْخُفِّ وَالْجُرْمُوقِ الْبَاقِي.
وَقَالَ زُفَرُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَنْزُوعِ جُرْمُوقَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَاقٍ فِي غَيْرِ الْمَنْزُوعِ وَلَنَا أَنَّ طَهَارَةَ الرِّجْلَيْنِ لَا تَتَجَزَّأُ إذْ هُمَا وَظِيفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ إحْدَاهُمَا وَيَمْسَحَ الْأُخْرَى فَإِذَا انْتَقَضَ فِي إحْدَاهُمَا انْتَقَضَ فِي الْأُخْرَى ضَرُورَةَ عَدَمِ التجزي، ثُمَّ قِيلَ يَنْزِعُ الْجُرْمُوقَ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّ نَزْعَ أَحَدِهِمَا كَنَزْعِهِمَا لِعَدَمِ التجزي فَصَارَ كَنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْآخَرِ وَلَا يَنْزِعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْق الْخُفِّ الْوَاحِدِ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْآخَرِ فَكَذَا إذَا نَزَعَ أَحَدَهُمَا فِي الِانْتِهَاءِ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقَيْنِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَاللِّفَافَةِ إلَّا أَنْ تَنْفُذَ الْبِلَّةُ إلَى الْخُفِّ قَدْرَ الْوَاجِبِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْجَوْرَبُ الْمُجَلَّدُ وَالْمُنَعَّلُ وَالثَّخِينُ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إذَا كَانَ مُنَعَّلًا أَوْ مُجَلَّدًا أَوْ ثَخِينًا، أَمَّا إذَا كَانَ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَالرُّخْصَةُ لِأَجْلِهِ فَصَارَ كَالْخُفِّ وَالْمُجَلَّدُ هُوَ الَّذِي وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ وَالْمُنَعَّلُ هُوَ الَّذِي وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَسْفَلِهِ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ وَقِيلَ يَكُونُ إلَى الْكَعْبِ، وَأَمَّا الثَّخِينُ فَالْمَذْكُورُ قَوْلُهُمَا وَحْدَهُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ وَأَنْ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَعَدَلَ عَنْهُ فِي الْخُفِّ لِمَا رَوَيْنَا وَلَيْسَ الْجَوْرَبُ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَلَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَيُرْوَى رُجُوعُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى قَوْلِهِمَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَعَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ فَعَلْت مَا كُنْت أَنْهَى النَّاسَ عَنْهُ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ قَالَ.
- رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا عَلَى عِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَبُرْقُعٍ وَقُفَّازَيْنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْخُفِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَادَةً فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهَا بِالْخُفِّ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةِ الْقُرْحَةِ) (وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا) وَلَيْسَ بِبَدَلٍ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلِهَذَا لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ وَلَوْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ مَسَحَ عَلَيْهَا وَغَسَلَ الْأُخْرَى وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَهُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِي إحْدَى يَدَيْهِ» فَثَبَتَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا أَصْلٌ لَا بَدَلٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَلَا يَتَوَقَّتُ) أَيْ لَا يَتَوَقَّتُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالْغَسْلُ لَا يَتَوَقَّتُ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَجْمَعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا عَنْ الْخُفِّ مَعْنَى وَالْجُرْمُوقُ قَبْلَ النَّزْعِ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الرِّجْلِ فَجَرَى وُجُودُهُ مَجْرَى الْعَدَمِ فَصَارَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بَدَلًا عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْخُفُّ شَعَرِيًّا فَمَسَحَ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ. اهـ. نِهَايَةٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فِي وَجْهِ قَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ابْتِدَاءً بِأَنْ كَانَ عَلَى أَحَدِ الْخُفَّيْنِ جُرْمُوقٌ دُونَ الْآخَرِ فَكَذَا بَقَاءٌ وَإِذَا بَقِيَ الْمَسْحُ فِي الْجُرْمُوقِ وَالْخُفِّ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ) أَيْ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: تَحْتَ الْجُرْمُوقَيْنِ) أَعْنِي اللَّذَيْنِ لَبِسَهُمَا قَبْلَ الْحَدَثِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ الْحَدَثِ كَمَالٌ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمُكَعَّبِ السَّاتِرِ لِلْكَعْبِ اتِّفَاقًا وَفِي الِاخْتِيَارِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ مُقَدِّمَتُهُ مَشْقُوقَةً إذَا كَانَتْ مَشْدُودَةً أَوْ مَزْرُورَةً؛ لِأَنَّهَا كَالْمَخْرُوزَةِ. اهـ.
[الْمَسْح عَلَى الْجَوْرَب]
(قَوْلُهُ: فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ) مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَكَمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ. اهـ. .
[الْمَسْح عَلَى الجبيرة]
(قَوْلُهُ: كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا) أَيْ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا وَلِهَذَا لَوْ مَسَحَ عَلَى عِصَابَةٍ فَسَقَطَتْ فَأَخَذَ أُخْرَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهَا لَكِنَّهُ الْأَحْسَنُ نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَلِهَذَا أَيْضًا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةِ رِجْلِهِ الْمَجْرُوحَةِ وَغَسَلَ الصَّحِيحَةَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَنْزِعُ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَةَ مَغْسُولَةٌ حُكْمًا وَلَا تَجْتَمِعُ الْوَظِيفَتَانِ فِي الرِّجْلَيْنِ قَالَ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ يَجُوزُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ الْمَجْرُوحَةِ صَارَتْ كَالذَّاهِبَةِ هَذَا إذَا لَبِسَ
الجزء 1 · صفحة 53
مَعَ الْغَسْلِ) أَيْ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَجْهُ فِيهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَجُوزُ وَإِنْ شَدَّهَا بِلَا وُضُوءٍ) أَيْ وَإِنْ شَدَّ الْجَبِيرَةَ بِلَا وُضُوءٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كُسِرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى يَجُوزَ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي رِوَايَةٍ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا قَالَا بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْكِ الْمَسْحِ فِيمَنْ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْجَوَازِ فِيمَنْ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ: إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْقُرْحَةِ يَضُرُّهُ، وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَسْحِ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى الْجَبِيرَةِ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِهَا وَفِي الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافُ فِي الْمَجْرُوحِ وَفِي الْمَكْسُورِ يَجِبُ الْمَسْحُ اتِّفَاقًا وَفِي الْمُحِيطِ إذَا زَادَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ حَلُّ الْخِرْقَةِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّ بِالْجِرَاحَةِ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ تَبَعًا وَإِنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّ بِالْجُرْحِ لَا يَجْزِيهِ مَسْحُ الْخِرْقَةِ بَلْ يَغْسِلُ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْخِرْقَةِ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ وَلَا يَضُرُّهُ الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ حَوَالَيْهَا وَتَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ كَانَ تَحْتَهَا جِرَاحَةٌ أَوْ لَا) هَذَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ نَزْعُهَا وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا كَالْجَبِيرَةِ وَلَوْ دَخَلَ تَحْتَهَا مَوْضِعٌ صَحِيحٌ أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْعِصَابَةَ لَا تُعْصَبُ عَلَى وَجْهٍ يَأْتِي عَلَى مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ فَحَسْبُ بَلْ يَدْخُلُ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ تَحْتَ الْعِصَابَةِ وَسَوَّى بَيْنَ الْجِرَاحَةِ وَغَيْرِهَا مِثْلَ الْكَيِّ وَالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَقَوْلُهُ وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ انْتَقَلَ إلَيْهَا، وَكَذَا الْجَبِيرَةُ يَمْسَحُ عَلَى كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ وَاجِبٌ وَذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْأَكْثَرِ كَافٍ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفُرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً أَوْ عِلْكًا فَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ وَشُقُوقُ أَعْضَائِهِ يَمُرُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا مَسَحَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَغَسَلَ مَا حَوْلَهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) أَيْ إنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ الْمَسْحُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخُفَّ عَلَى الصَّحِيحَةِ لَا غَيْرُ فَإِنْ لَبِسَ عَلَى الْجَرِيحَةِ أَيْضًا بَعْدَمَا مَسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا كَغَسْلِ مَا تَحْتَهَا اهـ كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ؟ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْأَكْثَرِ جَازَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى النِّصْفِ وَمَا دُونَهُ لَا يَجُوزُ وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ الِاسْتِيعَابَ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْخُفِّ) أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَالَ كُسِرَتْ) صَوَابُهُ كُسِرَ أَحَدُ زَنْدَيْ؛ لِأَنَّ الزَّنْدَ مُذَكَّرٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ اهـ. الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «انْكَسَرَ أَحَدُ زَنْدَيْ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ وَلَا يَصِحُّ. اهـ. عَبْدُ الْحَقِّ.
(قَوْلُهُ: يَوْمَ أُحُدٍ) فِي الْمُغْرِبِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَالزَّنْدَانِ عَظْمَا السَّاعِدِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمَرَنِي) وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ) أَيْ بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَسْلِ وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَكَذَا بَدَلُهُ فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِهِ لِلِاسْتِحْبَابِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ) لِأَنَّ غَسْلَ هَذَا الْعُضْوِ كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ تَعَذَّرَ فَيَجِبُ بَدَلُهُ كَالتَّيَمُّمِ إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ وَلَا قَرِينَةَ لِلِاسْتِحْبَابِ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ. اهـ. يَحْيَى قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّجْرِيدِ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَقَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا لَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةً نَقِيضُهُ عَنْهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعْنَى مَا قِيلَ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَشَرْحِ الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْضُهُ صَحِيحٌ فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ قَدْرَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ هَذَا الْقَدْرُ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الرَّأْسِ صَحِيحٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ.
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْقُرْحَةِ يَضُرُّهُ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَضُرَّهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: الْخِلَافُ فِي الْمَجْرُوحِ) لِأَنَّ الْغَسْلَ يَضُرُّ الْجِرَاحَةَ دُونَ الْكَسْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمَكْسُورِ يَجِبُ) وَكَأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْحِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَكْسُورِ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ) قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ لَوْ كَانَ الْمَسْحُ يَضُرُّ بِالْمَاسِحِ سَقَطَ بِالِاتِّفَاقِ لِلْحَرَجِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ سَقَطَ لِلْعُذْرِ وَالْمَسْحُ أَوْلَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْغَسْلُ سَقَطَ إلَى خَلْفٍ بِخِلَافِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ نَزْعُهَا وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا) وَإِنْ لَمْ يَضُرَّاهُ غَسْلُ مَا حَوْلَهَا وَمَسْحُهَا نَفْسِهَا وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ لَا الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَهَا تَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ. اهـ. كَمَالٌ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحَلِّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْبِطُهَا. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْأَكْثَرِ كَافٍ) قَالَ فِي الْكَافِي وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا فِي الصَّحِيحِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ الْجِرَاحَةِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ اسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا وَاجِبٌ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ شُرُوعَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَصِحَّ فَيَسْتَقْبِلُهَا كَافِي وَفِي الْمُجْتَبَى
الجزء 1 · صفحة 54
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّقُوطُ عَنْ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلْمَسْحِ، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. ثَانِيهَا: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. ثَالِثُهَا أَنَّ الْجَبِيرَةَ إذَا سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يُنْتَقَضُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. رَابِعُهَا: إذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْأُخْرَى. خَامِسُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. سَادِسُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا فِي الْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى) (النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْغَسْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ لِلْعَتَّابِيِّ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَعَلَهُ كَالتَّيَمُّمِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَالْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ فَصَارَ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَبِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْحَيْضِ) الْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ السَّيَلَانِ يُقَالُ حَاضَ السَّيْلُ وَالْوَادِي وَحَاضَتْ الْأَرْنَبُ وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ مِنْهَا الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (هُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَصِغَرٍ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ رَحِمُ امْرَأَةٍ عَنْ الرُّعَافِ وَالدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَدَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّهَا دَمُ عِرْقٍ لَا دَمُ رَحِمٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ سَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ عَنْ دَمِ النِّفَاسِ فَإِنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ حَتَّى اعْتَبَرَ تَبَرُّعَاتِهَا مِنْ الثُّلُثِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَصِغَرٍ عَنْ دَمٍ تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ وَفِيهِ نَوْعُ إشْكَالٍ، فَإِنَّ مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ بِدَمِ رَحِمٍ ظَاهِرًا فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ وَقِيلَ سَيَلَانُ دَمٍ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً بِابْتِدَائِهِ قَالَهُ الْكَرْخِيُّ، ثُمَّ الدِّمَاءُ ثَلَاثَةٌ حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ وَنِفَاسٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يُذْكَرْ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ إذَا بَرِئَ مَوْضِعُ الْجَبَائِرِ وَلَمْ تَسْقُطْ مَا حُكْمُهُ وَفِي شَرْحِ الصِّلَاتِ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ اهـ قَالَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْهَا فَبَدَّلَهَا بِأُخْرَى فَالْأَحْسَنُ إعَادَةُ الْمَسْحِ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ تَثْلِيثُ مَسْحِ الْجَبَائِرِ بَلْ يَكْفِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) سَابِعُهَا إذَا مَسَحَهَا، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا أُخْرَى أَوْ عِصَابَةً جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ ثَامِنُهَا مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ فِي الرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا تَاسِعُهَا إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ أَوْ الْعِصَابَةِ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ عَاشِرُهَا أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَيُسَنُّ التَّثْلِيثُ عِنْدَ الْبَعْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّأْسِ حَادِيَ عَشَرَهَا إذَا زَالَتْ الْعِصَابَةُ الْفَوْقَانِيَّةُ الَّتِي مَسَحَ عَلَيْهَا وَاسْتَغْنَى عَنْهَا لَا يُعِيدُ الْمَسْحَ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. ثَانِيَ عَشَرَهَا إذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ أَوْ الرِّجْلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ اعْلَمْ أَنَّ الزَّاهِدَيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ عَشْرَ مَسَائِلَ يُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَكِنَّهُ فَاتَهُ مَسْأَلَتَانِ وَهُمَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمَسَائِلُ اثْنَيْ عَشَرَ وَهَا أَنَا قَدْ سُقْت لَك الْمَسَائِلَ الَّتِي زَادَهَا الزَّاهِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَمَسْحِ الْجَبَائِرِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) وَجْهُ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ اهـ (قَوْلُهُ: كَالْوُضُوءِ) وَالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
(بَابُ الْحَيْضِ) (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: هُوَ دَمٌ) هَذَا التَّعْرِيفُ عَزَاهُ الْكَاكِيُّ إلَى الْفَضْلِيِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ يَنْفُضُهُ) أَيْ يَسْكُبُهُ وَيَدْفَعُهُ. اهـ. ع قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَخُرُوجُهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ إلَى ظَاهِرِهِ لَا يَثْبُتُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالِاسْتِحَاضَةُ إلَّا بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَذَلِكَ، فَأَمَّا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَإِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ إذَا أَحَسَّتْ بِنُزُولِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَبْرُزْ وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ لَهُمَا أَعْنِي الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ وَقْتًا مَعْلُومًا فَيَحْصُلُ بِهِمَا الْمَعْرِفَةُ بِالْإِحْسَاسِ وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِحَاضَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا يُعْلَمُ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ لِيُعْلَمَ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إنَّ فُلَانَةَ تَدْعُو بِالْمِصْبَاحِ لَيْلًا فَتَنْتَظِرُ إلَيْهَا قَالَتْ عَائِشَةُ «كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَتَكَلَّفُ لِذَلِكَ إلَّا بِالْمَسِّ» وَالْمَسُّ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ وَالْفَتْوَى عَلَى الرِّوَايَةِ قَالَهُ فِي الْمَبْسُوطِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: سَلِيمَةٍ) عَنْ دَمِ الْجُرْحِ مِنْ جِرَاحَةٍ أَوْ دُمَّلٍ فِي الرَّحِمِ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ)؛ لِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا رَحِمٍ وَأَيْضًا يَتَكَرَّرُ إخْرَاجُ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ السَّلِيمَةَ مِنْ الدَّاءِ تُخْرِجُهُ كَمَا يُخْرِجُهُ الْأَوَّلُ وَتَعْرِيفُهُ بِلَا اسْتِدْرَاكِ وَلَا تَكَرُّرِ دَمٍ مِنْ الرَّحِمِ لَا لِوِلَادَةٍ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ الْقُبُلُ أَيْ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْوِلَادَةِ. اهـ. مِسْكِينٌ.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَدًّا اهـ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الدِّمَاءُ ثَلَاثَةٌ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَقَدْ جَعَلَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَالدَّمُ الضَّائِعُ قَالُوا: وَالدَّمُ الضَّائِعُ مَا تَرَاهُ
الجزء 1 · صفحة 55
- رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) أَيْ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ»، ثُمَّ هُوَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ اللَّيَالِي وَهُوَ لَيْلَتَانِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَثَلَاثُ لَيَالٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَقْدِيرِ الْأَقَلِّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالْأَكْثَرِ بَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي تَقْدِيرِ الْأَقَلِّ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ بِسَاعَةٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَا نَقَصَ) مِنْ ذَلِكَ (أَوْ زَادَ اسْتِحَاضَةٌ) لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسَةٌ وَسِتَّةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعَةٌ فَإِذَا جَاوَزَتْ الْعَشَرَةَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ»؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ.
وَالدُّرْجَةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ خِرْقَةٌ أَوْ قُطْنَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ تُدْخِلُهَا الْمَرْأَةُ فِي فَرْجِهَا لِتَعْرِفَ هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الْحَيْضِ أَمْ لَا وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْجَصَّةُ شَبَّهَتْ الرُّطُوبَةَ الصَّافِيَةَ بَعْدَ الْحَيْضِ بِالْجَصِّ، ثُمَّ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ تَخْرُجَ الْخِرْقَةُ أَوْ الْقُطْنَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لَا يُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلَا غَيْرُهَا مِنْ الْأَلْوَانِ، وَقِيلَ الْقَصَّةُ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ يَخْرُجُ مِنْ قُبُلِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ أَيَّامِهِنَّ يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى طُهْرِهِنَّ، وَقِيلَ: هُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الْحَيْضِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْكُدْرَةُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ لَا تَكُونُ حَيْضًا وَفِي آخِرِهِ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الْكُدْرَةِ عَنْ الصَّافِي وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَثَرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَتَخْرُجُ الْكُدْرَةُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ إذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا وَجَمِيعُ أَلْوَانِ الدَّمِ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ وَالْخُضْرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ وَفِي الْمُفِيدِ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْخُضْرَةَ فَقَالَ لَعَلَّهَا أَكَلَتْ قَصِيلًا اسْتِبْعَادًا لَهَا قُلْنَا هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ وَلَعَلَّهَا أَكَلَتْ نَوْعًا مِنْ الْبُقُولِ، وَالتُّرْبِيَّةُ وَيُقَالُ لَهَا التُّرَابِيَّةُ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ وَهِيَ مَا يَكُونُ لَوْنُهَا عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ وَالتُّرَابِيَّةُ حَيْضٌ وَهِيَ الشَّيْءُ الْخَفِيُّ الْيَسِيرُ مِنْ الرُّطُوبَةِ تَظْهَرُ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ وَلَا تَعْدُو مَحِلَّهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا فَرْجَانِ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ فَالدَّاخِلُ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ وَالْخَارِجُ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ فَإِذَا وَضَعَتْ الْكُرْسُفَ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَابْتَلَّ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ مِنْهُ كَانَ حَدَثًا وَحَيْضًا وَنِفَاسًا وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إلَى الْخَارِجِ لِوُجُودِ الظُّهُورِ وَإِنْ وَضَعَتْهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ فَابْتَلَّ مِنْهُ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَبْلَ وَقْتِ الْبُلُوغِ وَإِنَّمَا سَمَّوْهُ ضَائِعًا لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الِاسْتِحَاضَةِ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ يُفْسِدُ دَمَ الْحَيْضِ بِالتَّشَوُّتِ وَهَذَا الدَّمُ لَا يُفْسِدُهُ حَتَّى أَنَّ الْمُرَاهِقَةَ إذَا رَأَتْ قَبْلَ تَمَامِ تِسْعِ سِنِينَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَعَقِيبَهَا بَعْدَ تَمَامِ التِّسْعِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَطَهُرَتْ طُهْرًا صَحِيحًا كَانَتْ الثَّمَانِيَةُ عَادَةً لَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ لَفَسَدَ بِهَا الثَّمَانِيَةُ. قَالَ مَوْلَانَا سَلَّمَهُ اللَّهُ وَلَا فِقْهَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ جَعَلُوا الِاسْتِحَاضَةَ قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يُفْسِدُ دَمَ الْحَيْضِ وَيُفِيدُ أَحْكَامَهَا إذَا صَادَفَتْهُ الْأَهْلُ فِي وَقْتِهَا وَقِسْمٌ لَا يُفْسِدُهُ وَلَا يُفِيدُ أَحْكَامَهَا كَدَمِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَعْتُوهَةِ وَالْمَجْنُونَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ اهـ قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ - أَيْ الدَّمُ - الَّذِي رَأَتْهُ قَبْلَ التِّسْعَةِ وَقَوْلُهُ: لَفَسَدَ بِهَا الثَّمَانِيَةُ يَعْنِي لِثُبُوتِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إذَا قَذَفَ شَيْئًا أَحْمَرَ يُشْبِهُ الدَّمَ. اهـ. غَايَةٌ.
[مُدَّة الْحَيْض]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) وَفِي الْمُجْتَبَى ذِكْرُ الْأَيَّامِ يَسْتَتْبِعُ اللَّيَالِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ حَلَفَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يُكَلِّمُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُقَرِّرُهُ قِصَّةُ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ) فَالْكَثْرَةُ بِالثُّلُثَيْنِ وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ. اهـ. زَاهِدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعَةٌ) أَيْ وَعَشَرَةٌ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ) فِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ حَتَّى تَرَيْنَ كَالْقَصَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالدُّرْجَةُ) قَالَ الشُّمُنِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْكُرْسُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْقُطْنُ وَالدُّرْجَةُ بِضَمِّ الدَّالِ حُقٌّ تَضَعُ الْمَرْأَةُ فِيهِ طِيبًا وَنَحْوَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: خِرْقَةٌ) هَذَا إنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْكُرْسُفِ لَا لِلدُّرْجَةِ، وَأَمَّا الدُّرْجَةُ فَهِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْكُرْسُفُ فَتَفَطَّنَ. اهـ. كَاتِبُهُ.
(قَوْلُهُ: هُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الْحَيْضِ) ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَيَاضِ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ فَلَوْ رَأَتْهُ أَبْيَضَ خَالِصًا إلَّا أَنَّهُ إذَا يَبِسَ اصْفَرَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ أَوْ أَصْفَرَ وَلَوْ يَبِسَ ابْيَضَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصُّفْرَةِ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: فَتَخْرُجُ الْكُدْرَةُ أَوَّلًا، ثُمَّ الصَّافِي) وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونَ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إذَا تَأَخَّرَتْ عَنْ الصَّافِي لَكِنَّا تَرَكْنَاهُ إجْمَاعًا. اهـ. كَافِي وَضَعَتْ الْكُرْسُفَ فِي اللَّيْلِ وَنَامَتْ فَلَمَّا أَصْبَحَتْ نَظَرَتْ فِيهِ فَرَأَتْ الْبَيَاضَ الْخَالِصَ تَقْضِي الْعِشَاءَ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ مِنْ حِينِ وَضَعَتْهُ وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ فَوَجَدَتْ الْبِلَّةَ عَلَيْهِ تُجْعَلُ حَائِضًا بَعْدَ الصُّبْحِ فَتَقْضِي الْعِشَاءَ إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْ أَخْذًا بِالْيَقِينِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَقَالَ لَعَلَّهَا) الْقَائِلُ هُوَ نَصْرُ بْنُ سَلَّامٍ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الرَّازِيّ، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ تَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ.
(قَوْلُهُ: هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ) وَالْجَوَابُ فِيهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ. اهـ. قَارِئٌ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَالتُّرَبِيَّةُ) مَنْسُوبٌ إلَى التُّرَبِ بِمَعْنَى التُّرَابِ اهـ (قَوْلُهُ: عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ) أَيْ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ اهـ
الجزء 1 · صفحة 56
إنْ كَانَ عَالِيًا عَلَى خَرْقِ الْفَرْجِ أَوْ مُحَاذِيًا لَهُ فَهُوَ حَدَثٌ وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ وَإِنْ كَانَ مُتَسَفِّلًا فَلَا حَتَّى تَنْفُذَ الْبِلَّةُ إلَى الْخَارِجِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ وَإِنْ سَقَطَ الْكُرْسُفُ فَهُوَ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ وَحَدَثٌ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا) أَيْ الْحَيْضُ يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتَقْضِيهِ دُونَهَا) أَيْ تَقْضِي الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ سَأَلْت عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقُلْت مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْت لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ؛ وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا لِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَكْرَارُ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا وَاحِدًا وَالْمَرْأَةُ لَا تَحِيضُ عَادَةً فِي الشَّهْرِ إلَّا مَرَّةً فَلَا حَرَجَ، وَكَذَا فِي النِّفَاسِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْحَيْضِ لِطُولِهِ فَيَلْحَقُهَا الْحَرَجُ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَدُخُولَ مَسْجِدٍ وَالطَّوَافَ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ تَمْنَعُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ دُونَ اللُّبْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، ثُمَّ قَالَ {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] مَعْنَاهُ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ إذْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ إجْمَاعًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ كَالْحَائِضِ لِعِلَّةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَجِسٌ حُكْمًا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ إمَامَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ قَالَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ مَعْنَى الْآيَةِ وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ مُسَافِرِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْمُرَادُ بِعَابِرِي السَّبِيلِ الْمُسَافِرُونَ إذَا لَمْ يَجِدُوا الْمَاءَ يَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ بِهِ، وَقَوْلُهُ مَعْنَاهُ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ قُلْنَا هَذَا مَجَازٌ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَحَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ اللَّبْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أَيْ أَهْلَهَا لَا عِنْدَ اللَّبْسِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ جَاءَنِي زَيْدٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ غُلَامَ زَيْدٍ لِمَا قُلْنَا؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ لَا مَوَاضِعُهَا إذْ لَا مَنْعَ مِنْ قُرْبَانِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ فِي الصَّحْرَاءِ إجْمَاعًا عَلِمُوا مَا يَقُولُونَ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَقَوْلُهُ وَلَا جُنُبًا عَطْفٌ عَلَيْهِ أَيْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ جُنُبًا فَكَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَغْتَسِلُوا كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا يَقُولُونَ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوَاضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ قُلْنَا عُبُورُ السَّبِيلِ هُوَ السَّفَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَفِي الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِهِ عُبُورَ سَبِيلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: فَهُوَ حَدَثٌ) أَيْ لِظُهُورِ الْبِلَّةِ وَعَلَى هَذَا إذَا حَشَى الرَّجُلُ إحْلِيلَهُ بِقُطْنَةٍ فَابْتَلَّ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ مِنْ الْقُطْنَةِ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ وَإِنْ نَفَذَتْ الْبَلَّةُ إلَى الْجَانِبِ الْخَارِجِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ عَالِيَةً أَوْ مُحَاذِيَةً لِرَأْسِ الْإِحْلِيلِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَفِّلَةً لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ عَالِيًا) أَيْ خَارِجًا عَنْهُ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا) هَذَا بَيَانُ أَحْكَامِهِ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ: ثَمَانِيَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ فَأَمَّا الْمُشْتَرَكَةُ فَتَرْكُ الصَّلَاةِ لَا إلَى قَضَاءٍ وَتَرْكُ الصَّوْمِ إلَى قَضَاءٍ وَحُرْمَةُ الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ وَحُرْمَةُ الطَّوَافِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ وَحُرْمَةُ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحُرْمَةُ جِمَاعِهَا وَالثَّامِنُ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَأَمَّا الْمُخْتَصَّةُ فَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَالْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَالْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ لَا يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الصَّوْمُ مَعَ الْحَيْضِ كَمَا يَجُوزُ مَعَ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَفُّ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْجَنَابَةِ مَوْجُودٌ فَيَجُوزُ الصَّوْمُ وَفِي الْحَيْضِ الْكَفُّ عَنْهَا لِأَجْلِ الصَّوْمِ لَا يُوجَدُ لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ الْجِمَاعِ فِيهِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ لَا لِأَجْلِ الصَّوْمِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: أَحَرُورِيَّةٌ) قَالَ فِي الْمَنْبَعِ وَإِنَّمَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ يَرَوْنَ قَضَاءَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ عَلَى خِلَافِ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ سَلَفًا وَخَلَفًا وَقِيلَ كَانَ سُؤَالُهَا سُؤَالَ تَعَنُّتٍ اهـ مَنْسُوبَةٌ إلَى حَرُورَا قَرْيَةٍ بِالْكُوفَةِ بِهَا أَوَّلُ اجْتِمَاعِ الْخَوَارِجِ وَقَدْ تَعَمَّقُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْهُ فَمَنْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ نُسِبَ إلَيْهِمْ وَكَأَنَّهُ خَارِجِيٌّ فَيُنْسَبُ إلَى قَرْيَتِهِمْ (قَوْلُهُ: بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. اهـ. مَنْبَعٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَدُخُولُ مَسْجِدٍ وَالطَّوَافُ) فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ حَرَامًا فَالطَّوَافُ أَوْلَى فَمَا الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ قُلْت لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهَا الْوُقُوفُ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلَأَنْ يَجُوزَ الطَّوَافُ أَوْلَى اهـ عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَدَخَلَ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَإِنْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَجْنَبَ قِيلَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ وَقِيلَ يُبَاحُ. اهـ. اخْتِيَارٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ يُنْزِلَ لَهُمْ رُخْصَةً فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» اهـ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ وَيُقَالُ فُلَيْتٌ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ إسْنَادِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلُّونَ بِهِ) كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ غَيْرَ مُغْتَسِلِينَ حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا أَنْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ. اهـ. كَاكِيٌّ
الجزء 1 · صفحة 57
فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَقِيلَ إلَّا بِمَعْنَى وَلَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً} [النساء: 92] أَيْ وَلَا خَطَأً وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ أَيْضًا الطَّوَافَ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَاةٌ هَكَذَا عَلَّلُوا فِيهِ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مَسْجِدٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الطَّوَافُ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْجَابِرُ لِدُخُولِ النَّقْصِ فِي الطَّوَافِ لَا لِدُخُولِهِمَا الْمَسْجِدَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ قُرْبَانَ زَوْجِهَا مَا تَحْتَ إزَارِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَتَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] وَالْمَحِيضُ هُوَ مَوْضِعُ الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ إلَّا الْجِمَاعَ» وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لِلَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَحِلُّ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ، لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ «شُدِّي عَلَيْك إزَارَك» إذْ لَوْ كَانَ الْمَمْنُوعُ مَوْضِعَ الدَّمِ لَا غَيْرَ لَمْ يَكُنْ لِشَدِّ الْإِزَارِ مَعْنًى فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَقِيلَ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ وَكُلُّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهُمَا قِرَاءَةُ مَا دُونَ الْآيَةِ وَيُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا مَا بُدِّلَ مِنْهَا هَذَا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ التِّلَاوَةِ، وَأَمَّا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ نَحْوَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] أَوْ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أَوْ عَلَّمَ الْقُرْآنَ حَرْفًا حَرْفًا فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُنُوتِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَرِهَهَا مُحَمَّدٌ لِشَبَهِهِ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ أُبَيًّا كَتَبَهُ فِي مُصْحَفِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَسَّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) أَيْ مَسُّ الْقُرْآنِ يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ» قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَنَعَ الْحَدَثُ الْمَسَّ أَيْ مَسَّ الْقُرْآنِ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ) (وَمَنَعَهُمَا الْجَنَابَةُ وَالنِّفَاسُ) أَيْ مَنَعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْمَسِّ الْجَنَابَةُ وَالنِّفَاسُ لِمَا بَيَّنَّا وَالنِّفَاسُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْحَيْضِ وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ دُونَ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ مَسُّ الْجِلْدِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَمَسُّ حَوَاشِي الْمُصْحَفِ وَالْبَيَاضِ الَّذِي لَا كِتَابَةَ عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمُصْحَفِ وَيُكْرَهُ مَسُّ الدِّرْهَمِ وَاللَّوْحِ إذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَمَا عَلَّلَ بِهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّهَا إنَّمَا تَمْتَنِعُ لِلْحَاجَةِ إلَى الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ فَضَعِيفٌ فَإِنَّهَا وَإِنْ طَافَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ مَعَ جَوَازِهِ لِلطَّاهِرِ لِمَا أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ». اهـ. .
(قَوْلُهُ: مَا تَحْتَ إزَارِهَا) أَيْ وَهُوَ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ) أَيْ لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَتْ حِضْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ حَرُمَ وَطْؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. مِعْرَاجٌ وَلَوْ وَطِئَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى التَّوْبَةِ. اهـ. مِعْرَاجٌ.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ لَا يَصِحُّ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ قَالَهُ الْكَاكِيُّ مُعَزِّيًا إلَى التَّجْنِيسِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهُمَا قِرَاءَةُ مَا دُونَ الْآيَةِ) ذَكَرَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدُ أَنَّهُ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ لَا يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا قَالَ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ» فَكَمَا لَا يُعَدُّ قَارِئًا بِمَا دُونَ الْآيَةِ حَتَّى لَا تَصِحَّ بِهَا الصَّلَاةُ كَذَا لَا يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَقَالُوا إذَا حَاضَتْ الْمُعَلِّمَةُ تُعَلِّمُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ نِصْفَ آيَةٍ نِصْفَ آيَةٍ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ الذِّكْرِ) قَالَ الْكَاكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي الْعُيُونِ لَوْ قَرَأَ الْجُنُبَ الْفَاتِحَةَ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ الْكَاكِيُّ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ، قَالَ الْهِنْدَاوِيُّ لَا أُفْتِي بِهَذَا الذِّكْرِ ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) أَيْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. كَاكِيٌّ وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ وَيُعَاوِدَ أَهْلَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.» وَلَهُ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِي النَّوْمِ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ حَلَّتْ الْفَمَ فَلَوْ شَرِبَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فَيَصِيرُ شَارِبًا الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ. اهـ. بَدَائِعُ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَنَعَ الْحَدَثُ الْمَسَّ) يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ الَّذِي يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ بِقَلَمٍ أَوْ سِكِّينٍ. اهـ. قُنْيَةٌ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ كَانَ مَسُّهَا بِالْقَلَمِ وَهُوَ وَاسِطَةٌ مُنْفَصِلَةٌ فَكَانَ كَثَوْبٍ مُنْفَصِلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَمَسُّهُ بِيَدِهِ وَقَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ هَلْ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِمِنْدِيلٍ هُوَ لَابِسُهُ عَلَى عُنُقِهِ قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ
الجزء 1 · صفحة 58
كَانَ فِيهِمَا كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَيُكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ بِالْقَلَمِ وَهُوَ فِي يَدِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُهُ وَإِنْ كَانَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ مَا دُونَ الْآيَةِ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَيُكْرَهُ لَهُمْ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا بَأْسَ بِمَسِّهَا بِالْكُمِّ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالثِّيَابِ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَثِيَابُهُ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ لَابِسُهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ لِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ وَكَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا دَفْعَ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ إلَى الصِّبْيَانِ وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ بِهِ بَأْسًا وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْوُضُوءِ حَرَجًا بِهِمْ وَفِي تَأْخِيرِهِمْ إلَى الْبُلُوغِ تَقْلِيلُ حِفْظِ الْقُرْآنِ فَيُرَخَّصُ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ كَانَ رُقْيَةً فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ عَنْهُ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِهِ أَفْضَلُ وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُفْرَشُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَكَذَا عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ لِمَا يُخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَيُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمَخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِهَا فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ لِأَكْثَرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ جَعَلَ الطُّهْرَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا؛ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا لِمُضِيِّ الْعَشَرَةِ انْقَطَعَ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلِأَقَلِّهِ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ) أَيْ إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ لَا تُوطَأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَدِرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ إلَّا إذَا أَحْدَثَتْ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الطِّهَارَاتِ وَذَلِكَ بِالِاغْتِسَالِ لِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِهِ أَوْ مُضِيِّ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهَا وَهُمَا مِنْ أَحْكَامِهِنَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ فِي الْحَالَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَجُوزَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ كَبَدَنِهِ دُونَ الثَّانِي قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ بِطَرَفِهَا نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ إنْ كَانَ أَلْقَاهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِمَسِّهَا بِالْكُمِّ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِكُمِّهِ أَوْ بِبَعْضِ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ بَدَنِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَقَامَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَلَوْ فَرَشَ نَعْلَيْهِ أَوْ جَوْرَبَيْهِ وَقَامَ عَلَيْهِمَا جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَابِسًا صَارَ كَبَعْضِ جَسَدِهِ وَلِهَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بَيْنَ النَّاسِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنَّهُمْ يَفْرِشُونَ مَكَاعِبَهُمْ وَيَقُومُونَ عَلَى الْمَكَاعِبِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ أَخَذَ الْمُصْحَفَ بِكُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ اهـ وَفِي الدِّرَايَةِ فِي الْمُحِيطِ كَرِهَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مَسَّ الْمُصْحَفِ بِالْكُمِّ لِلْحَائِضِ وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ مُحَرَّمٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ بِلَا حَائِلٍ وَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْمَسِّ بِالْكُمِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ) أَمَّا لَوْ فَرَشَ نَعْلَيْهِ فَقَامَ عَلَيْهِمَا جَازَتْ صَلَاتُهُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ كَاكِيٌّ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ النَّجَاسَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ عَلَى نَعْلَيْهِ جَازَ أَمَّا إذَا كَانَ النَّعْلُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ طَاهِرًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ مِنْهُ نَجِسًا فَكَذَلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ ذِي طَاقَيْنِ أَسْفَلُهُ نَجَسٌ وَقَامَ عَلَى الطَّاهِرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْمَسِّ بِالثِّيَابِ الَّتِي هُمْ لَابِسُوهَا.
(قَوْلُهُ: إلَى الصِّبْيَانِ) أَيْ لِأَنَّ الدَّافِعَ مُكَلَّفٌ بِعَدَمِ الدَّفْعِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُلْبِسَ الصَّبِيَّ الْحَرِيرَ وَأَنْ لَا يَسْقِيَهُ الْخَمْرَ وَأَنْ لَا يُوَجِّهَهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ النَّهْيُ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ اهـ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ نَقْلًا عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ التُّمُرْتَاشِيِّ لَا يَقْرَأُ جَهْرًا عِنْدَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْأَعْمَالِ وَمِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ اللَّغْوِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ) أَيْ الْقُرْآنُ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَمَّامِ) أَيْ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ النَّجَاسَاتِ. اهـ. قَاضِيخَانْ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ) أَيْ انْقِطَاعٍ.
(قَوْلُهُ: فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا) وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ كَاَلَّتِي صَارَتْ جُنُبًا وَالْحُكْمُ فِيهَا هَكَذَا. اهـ. مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ: أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتٌ إلَى آخِرِهِ) فَإِذَا انْقَطَعَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ فِي وَقْتٍ مُهْمَلٍ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ قَبْلَ الْغُسْلِ إلَّا إذَا خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ أَوْ الْوَقْتُ الَّذِي يَلِي الْمُهْمَلَ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ تَمَامِهَا لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ) أَيْ وَزُفَرُ وَالثَّلَاثَةُ. اهـ. ع قَالَ فِي الْمَنْبَعِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُجْتَبَى مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ دَمًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ كَمَا رَأَتْهُ عِنْدَ مَشَايِخِنَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ مَا لَمْ يَسْتَمِرَّ دَمُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ وَالْحَيْضُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِجَوَازِ انْقِطَاعِ دَمِهَا فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِأَنَّهُ أَذًى وَقَدْ رَأَتْهُ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَرْئِيُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِتَوَهُّمِ انْقِطَاعِهِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ كَصَاحِبَةِ الْعَادَةِ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِنَفْسِ رُؤْيَةِ الدَّمِ مَعَ تَوَهُّمِ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ الثَّلَاثِ فَكَذَا هَذَا اهـ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ لِأَنَّ الدَّمَ يَدِرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ
الجزء 1 · صفحة 59
{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] وَهَذَا يَقْتَضِي قِيَامَ الْحَيْضِ بِهِنَّ فَصَارَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَطْءَ الْحَائِضِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ؛ وَلِأَنَّ الِاغْتِسَالَ إنَّمَا صَارَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ لِحِلِّ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ لِوُجُوبِهَا فِي الذِّمَّةِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ دَلَالَةً؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا حَلَّ لَهَا الصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ بِلَا اغْتِسَالٍ وَلَا تَيَمُّمٍ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ النَّظِيفِ فَلَأَنْ يَجُوزَ الْوَطْءُ أَوْلَى وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا تَلَى؛ لِأَنَّهَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ وَهَذَا يَقْتَضِي انْقِطَاعَ الدَّمِ لَا غَيْرُ، فَتَكُونُ قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ مَحْمُولَةً عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَالتَّخْفِيفُ عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَقَوْلُهُ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ وَهُوَ مَا إذَا أَدْرَكَتْ مِنْ الْوَقْتِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ زَمَانَ الِاغْتِسَالِ هُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ فَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي ذِمَّتِهَا مَا لَمْ تُدْرِكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الْوَقْتِ وَلِهَذَا لَوْ طَهُرَتْ قُبَيْلَ الصُّبْحِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجْزِيهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَكَأَنَّهَا أَصْبَحَتْ وَهِيَ حَائِضٌ وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا وَالنَّصْرَانِيَّةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ حَلَّ وَطْؤُهَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا، وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَاصِلُهُ إمَّا أَنْ يَنْقَطِعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ أَوْ دُونَهَا لِتَمَامِ الْعَادَةِ أَوْ دُونَهَا فَفِي الْأَوَّلِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَفِي الثَّالِثِ لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا، وَفِي الثَّانِي إنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ يَعْنِي خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ حَتَّى صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا حَلَّ، وَإِلَّا لَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ انْقِطَاعُ النِّفَاسِ إنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ فِيهَا فَانْقَطَعَ دُونَهَا لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا بِالشَّرْطِ أَوْ لِتَمَامِهَا حَلَّ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ أَوْ لِتَمَامِ الْأَرْبَعِينَ حَلَّ مُطْلَقًا.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ يَطْهُرْنَ وَيَطَّهَّرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَمُؤَدَّى الْأَوَّلِ انْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ الْعَارِضَةِ عَلَى الْحِلِّ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا وَإِذَا انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ عَلَى الْحِلِّ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ وَمُؤَدَّى الثَّانِيَةِ عَدَمُ انْتِهَائِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ فَحَمَلْنَا الْأُولَى عَلَى الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ فِي تَوْقِيفِ قُرْبَانِهَا فِي الِانْقِطَاعِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْغُسْلِ إنْزَالَهَا حَائِضًا حُكْمًا وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ إنْزَالَهُ إيَّاهَا طَاهِرَةً قَطْعًا بِخِلَافِ تَمَامِ الْعَادَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الْحَيْضُ بَعْدَهُ وَلِذَا لَوْ زَادَتْ وَلَمْ تُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا نُحَقِّقُهُ بَقِيَ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَرَفْعُ الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ خُصَّ مِنْهَا صُورَةُ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَجَازَ أَنْ يُخَصَّ ثَانِيًا بِالْمَعْنَى وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِأَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعُ آخِرًا أَعْنِي أَنْ تَطْهُرَ فِي وَقْتٍ مِنْهُ إلَى خُرُوجِ قَدْرِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ لَا أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَمِنْ أَنْ تَطْهُرَ فِي أَوَّلِهِ وَيَمْضِي مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْزِلُهَا طَاهِرَةً شَرْعًا كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَغْلَطُ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ لَفْظَةَ أَدْنَى وَعِبَارَةُ الْكَافِي أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِمُضِيِّ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ بِقَدْرِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ بِأَنْ انْقَطَعَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَجْهُ الثَّالِثِ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ غَيْرَ أَنَّهُ خِلَافُ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْغُسْلِ الثَّابِتِ بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي التَّجْنِيسِ مُسَافِرَةٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَتَيَمَّمَتْ، ثُمَّ وَجَدَتْ الْمَاءَ جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا لَكِنْ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَيَمَّمَتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ فَلَمَّا وَجَدَتْ الْمَاءَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ كَالْجُنُبِ.
أَمَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حِينَ تَخَافُ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ احْتِيَاطًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةُ مِنْ الْعِدَّةِ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي، وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَتَجَنَّبُهَا احْتِيَاطًا اهـ. وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ وَإِنْ زَادَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ إلَى الْعَادَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ هَذَا وَقَدْ قَدَّمْت مَا عِنْدِي مِنْ التَّرَدُّدِ فِي الِانْقِطَاعِ بِدُونِ الْقِصَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ زَمَانَ الِاغْتِسَالِ هُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ مَشَايِخُنَا زَمَانُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا وَلَكِنْ مَا قَالُوهُ فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ لَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ عَقِيبَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةِ عَشْرَةَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّفَقِ فَهُوَ طُهْرٌ تَامٌّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ قِيلَ: إنَّ خَلْفَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ ابْنَهُ مِنْ بَلْخٍ إلَى بَغْدَادَ لِلتَّعَلُّمِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ مَا تَعَلَّمْت قَالَ تَعَلَّمْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ زَمَانُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَضَعْت سَفَرَك. اهـ. وَلِأَنَّ انْقِطَاعَ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إنَّمَا يَتَقَرَّرُ بِالِاغْتِسَالِ فَالْحَيْضُ ثَابِتٌ فِي زَمَنِ الِاشْتِغَالِ بِالِاغْتِسَالِ بِخِلَافِ
الجزء 1 · صفحة 60
يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ قُبَيْلَ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ فِي حَقِّهَا أَمَارَةٌ زَائِدَةٌ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِإِسْلَامِهَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ وَلَوْ انْقَطَعَ الْحَيْضُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ لِلِاحْتِيَاطِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَالدَّمَانِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ يَكُونُ حَيْضًا وَلَوْ خَرَجَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ بِأَنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا مَثَلًا لَا يَكُونُ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْأَخِيرَ لَمْ يُوجَدْ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إجْمَاعًا فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَلَا يُبْتَدَأُ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا النِّفَاسُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَفْصِلْ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْحَيْضَ يُبْتَدَأُ بِالطُّهْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِدُونِ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الِاشْتِغَالُ بِالِاغْتِسَالِ وَقْتَ الطُّهْرِ دُونَ الْحَيْضِ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْحَائِضَ لَوْ أَدْرَكَتْ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهَا لَوْ أَدْرَكَتْ بَعْدَ الطَّهَارَةِ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَزَمَنُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بَعْدَ الطَّهَارَةِ بِالِاغْتِسَالِ إلَّا قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا فِي النَّائِمِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَطَهُرَتْ حُكْمًا لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الطِّهَارَاتِ، ثُمَّ انْتِهَاءُ النَّهْيِ عَنْ الْقُرْبَانِ وَإِنْ كَانَ بِالِاغْتِسَالِ بِالنَّصِّ لَكِنَّ الِاغْتِسَالَ إنَّمَا يَكُونُ غَايَةً؛ لِأَنَّهُ حَلَّ لَهَا بِهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ عَلَى جَانِبِ الِاسْتِمْرَارِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ دَلَالَةً، كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ. اهـ. مِعْرَاجٌ.
فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فِي الْقِرَاءَتَيْنِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ فِي الْحَالَيْنِ فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَلْيُرَاجَعْ. وَفِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ انْقَطَعَ فِيمَا دُونَ الْعَادَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَاغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا الْوَقْتُ كُرِهَ قُرْبَانُهَا وَالتَّزَوُّجُ لَهَا بِزَوْجٍ آخَرَ حَتَّى تَأْتِيَ عَادَتُهَا وَتَغْتَسِلَ أَمَّا لَوْ انْقَطَعَ عَلَى رَأْسِ عَادَتِهَا أَخَّرَتْ الِاغْتِسَالَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ تَأْخِيرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَفِيمَا دُونَ عَادَتِهَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ فِي حَقِّهَا) أَيْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالْفُرُوعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: زَائِدَةٌ) أَيْ عَلَى الِانْقِطَاعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْقَطَعَ الْحَيْضُ دُونَ عَادَتِهَا) فَفِي جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَبُطْلَانِ الرَّجْعَةِ كَأَنَّهَا طَهُرَتْ وَفِي حَقِّ قُرْبَانِ الزَّوْجِ وَالتَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ كَأَنَّهَا لَمْ تَطْهُرْ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا الْمَعْرُوفَةُ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَحَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ قَالَهُ قَارِئُ الْهِدَايَةِ.
[الطُّهْرِ الْمُتَخَلَّل بَيْن الدَّمَيْنِ فِي مُدَّة الْحَيْض]
. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَنِفَاسُ) يَعْنِي الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَلَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ كَالْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضِ، ثُمَّ الطُّهْرُ بَيْنَ الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَتُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فَكَذَا النِّفَاسُ وَقَالَا إذَا كَانَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَيُجْعَلُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي صُورَتُهُ رَأَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الدَّمُ الْأَوَّلُ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالطُّهْرُ) الْمُتَخَلِّلُ إلَى آخِرِهِ قَالَ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْ الطُّهْرُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَوْعِبًا لِلْمُدَّةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ إذَا كَانَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَهُوَ حَيْضٌ مِثَالُ الْمُسْتَوْعِبِ مَا إذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا قَبْلَ الْعَادَةِ، ثُمَّ عَشَرَةً طُهْرًا، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُسْتَوْعِبِ مَا إذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا فِي الْعَادَةِ، ثُمَّ رَأَتْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا الِابْتِدَاءَ بِالطُّهْرِ وَالْخَتْمَ بِهِ إذَا كَانَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ جَائِزٌ اهـ. وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَ عَشَرَتِهَا سَاعَةً دَمًا وَطَهُرَتْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ عَشَرَتِهَا، ثُمَّ رَأَتْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ مِنْ عَشَرَتِهَا دَمًا، ثُمَّ رَأَتْ الْعَاشِرَ مِنْ أَيَّامِهَا طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا بَعْدَهَا فَأَيَّامُهَا الْعَشَرَةُ حَيْضٌ عِنْدَ س وَعِنْدَ م ثَمَانِيَةٌ مِنْ عَشَرَتِهَا الَّتِي رَأَتْ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ تَرَ قَبْلَ أَيَّامِهَا دَمًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالْيَوْمُ الْعَاشِرُ لَيْسَ بِحَيْضٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرَ بَعْدَهُ دَمًا وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَطُهْرُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَرَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَاسْتَمَرَّ حَتَّى جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَادَتُهَا الْخَمْسَةُ حَيْضٌ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا اسْتِحَاضَةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ حَيْضُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ عَادَتِهَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، وَلَوْ رَأَتْ أَوَّلَ خَمْسَتِهَا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَاسْتَمَرَّ وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَعَادَتُهَا حَيْضٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا وَانْتِهَاءَهَا حَصَلَ بِالدَّمِ وَلَوْ رَأَتْ مِنْ أَوَّلِ خَمْسَتِهَا ثَلَاثَةً دَمًا وَطَهُرَتْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَعَادَتُهَا حَيْضٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الثَّلَاثَةُ مِنْ عَادَتِهَا حَيْضٌ لَا الْيَوْمَانِ الْآخَرَانِ لِأَنَّهُ لَا يُخْتَمُ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ، وَكَذَا النِّفَاسُ مُلَخَّصٌ مِنْ شَرْحِ الْإِسْبِيجَابِيِّ عَلَى الطَّحَاوِيِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ) أَيْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ) أَيْ لَا مَذْهَبُهُ بَلْ مَذْهَبُهُ سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَفْصِلْ) فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ عِنْدَهُ حَيْضٌ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِهِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَسْهَلُ) لِعَدَمِ التَّفَاصِيلِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ اهـ
الجزء 1 · صفحة 61
وَيُخْتَمُ بِهِ بِشَرْطِ إحَاطَةِ الدَّمِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ دَمٌ لَا يُبْتَدَأُ بِالطُّهْرِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ دَمٌ لَا يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ كَمَا إذَا رَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهِ الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَ عَادَتُهَا هِيَ الْعَشَرَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ رَدَّتْ إلَى أَيَّامِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ إنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ لَا يَفْصِلُ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ الدَّمِ لَا حُكْمَ لَهُ فَكَذَا الطُّهْرُ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا وَكَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ فَصْلٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الطُّهْرَ أَقَلَّ مِنْ الدَّمَيْنِ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ دُونَ الثَّانِي.
وَمِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يُبْتَدَأَ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ وَلَا يُخْتَمَ بِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ طُهْرَانِ مُعْتَبَرَانِ وَصَارَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لِاسْتِوَاءِ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ حَتَّى صَارَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي هَلْ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الطُّهْرِ الْأَخِيرِ حَتَّى يَصِيرَ الْكُلُّ حَيْضًا أَوْ لَا يَتَعَدَّى؟ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْكَبِيرُ يَتَعَدَّى وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ لَا يَتَعَدَّى.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِثَالُهُ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَعَلَى الْأَوَّلِ الْكُلُّ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الدَّمَ فِي طَرَفَيْهِ اسْتَوَى بِالطُّهْرِ فَيُجْعَلُ كَالدَّمِ الْمُسْتَمِرِّ فَكَأَنَّهَا رَأَتْ سِتَّةً دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَهْلٍ الْغَزَالِيِّ السِّتَّةُ الْأُولَى حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ الْعَشَرَةَ طُهْرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا لَمْ يُمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَانَ الطُّهْرُ غَالِبًا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ وَعَلَى الثَّانِي السِّتَّةُ الْأُولَى حَيْضٌ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ إنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ لَا يَفْصِلُ) بِأَنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا أَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا فَالْكُلُّ حَيْضٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ وَقْتِهِ وَهُوَ وَقْتُ الْحَيْضِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ) بِأَنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا. اهـ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ حَيْضٌ) مِثَالُهُ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا اهـ وَالْأَصْلُ عِنْدَ زُفَرَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَقَلِّهِ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَإِلَّا أَوْجَبَ الْفَصْلَ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ إنْ انْتَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُفْصَلُ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا فَصَلَ، ثُمَّ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يُجْعَلُ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ أَمْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ حَيْضٌ وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا نَقَصَ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَفْصِلُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا.
أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الدَّمَيْنِ فَفَصَلَ وَلَيْسَ فِي كِلَا الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَأَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَلَمْ يَرَ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْحَسَنِ فَكَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَوْ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ سَاعَتَيْنِ طُهْرًا، ثُمَّ سَاعَةً دَمًا فَذَلِكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وَلَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَسَبْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَسَبْعَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْضًا بَلْ الْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَهِيَ حَيْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الدَّمِ حَيْضٌ مُتَقَدِّمَةً كَانَتْ أَوْ مُتَأَخِّرَةً وَالْيَوْمُ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَوْ رَأَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدٍ الْعَشَرَةُ حَيْضٌ لِأَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَدَدَ الطُّهْرِ مِثْلُ الدَّمَيْنِ وَكِلَا الدَّمَيْنِ فِي الْعَشَرَةِ فَلَمْ يَفْصِلْ وَعِنْدَ الْحَسَنِ يَفْصِلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالْأَرْبَعَةُ الْأَيَّامُ فِي الْأَوَّلِ أَوْ الْآخَرِ حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَالطُّهْرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ فَاصِلٌ فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ حَيْضٌ عِنْدَهُمَا وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ اهـ مُلَخَّصٌ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِسْبِيجَابِيِّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ الطُّهْرُ أَقَلَّ مِنْ الدَّمَيْنِ) لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ فَالْحِيضَان سِتَّةٌ فَيَكُونُ الطُّهْرُ أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ مَجْمُوعَ الدَّمَيْنِ وَالطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَهُمَا عَشَرَةٌ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ أَقَلَّ مِنْ الدَّمَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَكُنْ مِثَالُهُ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسَبْعَةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأُولَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَالْعَشَرَةُ مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ حَيْضٌ، وَإِلَّا رُدَّتْ إلَى عَادَتِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: طُهْرَانِ مُعْتَبَرَانِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الدَّمَ فِي طَرَفَيْهِ) الْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ اعْتَبَرَ كَوْنَ الطُّهْرِ الْأَوَّلِ دَمًا حُكْمًا فَالطُّهْرُ الثَّانِي أَقَلُّ مِنْ مَجْمُوعِ الدَّمَيْنِ فَلَا يَفْصِلُ فَالْكُلُّ دَمٌ وَأَبُو سَهْلٍ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الطُّهْرِ فَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ مِثْلُ مَجْمُوعِ الدَّمَيْنِ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فَالْكُلُّ دَمٌ وَالطُّهْرُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ مِنْ مَجْمُوعِ الدَّمَيْنِ فَيَفْصِلُ فَلَا يَكُونُ دَمًا حُكْمًا وَكُلٌّ مِنْ الدَّمَيْنِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الطُّهْرَيْنِ مُعْتَبَرًا بِأَنْ كَانَ ثَلَاثَةً أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُعْتَبَرٍ بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَهْلٍ إنَّمَا يَعْتَبِرُ حَقِيقَةَ الطُّهْرِ إذَا كَانَ مُعْتَبَرًا فَلَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَهْلٍ الْغَزَالِيِّ) تَارَةً يَذْكُرُ بِالْغَزَالِيِّ وَتَارَةً بِالْفَرْضِيِّ وَتَارَةً بِالزَّجَّاجِيِّ اهـ طَبَقَاتُ عَبْدِ الْقَادِرِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ أَحَدَهُمَا) أَيْ إذَا لَمْ يُمَيِّزْ يُعْتَبَرُ الْمَجْمُوعُ وَهُوَ سِتَّةٌ فَالطُّهْرُ غَالِبٌ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْعَشَرَةِ حَيْضًا بِخِلَافِ السِّتَّةِ فَإِنَّ الطُّهْرَ فِيهَا مِثْلُ الدَّمِ فَالْكُلُّ حَيْضٌ اهـ
الجزء 1 · صفحة 62
دَمًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي سَهْلٍ السِّتَّةُ الْأَخِيرَةُ حَيْضٌ لِمَا قُلْنَا.
وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ فِي الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ دَمَيْنِ إذَا نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَفْصِلْ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَلَ كَيْفَمَا كَانَ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الدَّمُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ حَيْضًا وَهُوَ حَيْضٌ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَانِبَانِ فَالْأَوَّلُ حَيْضٌ لِسَبْقِهِ وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ.
{فُرُوعُ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ} امْرَأَةٌ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ إنْ كَانَ عَادَتُهَا عَشَرَةً أَوْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْأَرْبَعَةُ مِنْ آخِرِهَا حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُ الْعَشَرَةِ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ خَتْمُ الْعَشَرَةِ بِالطُّهْرِ وَتَعَذَّرَ جَعْلُ مَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي حَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِيهِ لِلطُّهْرِ فَطَرَحْنَا الدَّمَ الْأَوَّلَ وَالطُّهْرَ الْأَوَّلَ يَبْقَى بَعْدَهُ يَوْمٌ دَمٌ وَيَوْمَانِ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ وَالطُّهْرُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَجَعَلْنَا الْأَرْبَعَةَ حَيْضًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَعِنْدَ زُفَرَ الثَّمَانِيَةُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ ثَلَاثَةً فِي الْعَشَرَةِ وَلَا يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُخْتَصَرِ كَذَلِكَ لِخُرُوجِ الدَّمِ الثَّانِي عَنْ الْعَشَرَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ وَأَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرً يَوْمًا، هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ فَصَارَ كَمُدَّةِ الْإِقَامَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَقَدْ لَا يُرَى الْحَيْضُ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إلَّا عِنْدَ نَصْبِ الْعَادَةِ فِي زَمَانِ الِاسْتِمْرَارِ) أَيْ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ فَيُقَدَّرُ طُهْرُهَا، وَذَلِكَ كَالْمُبْتَدَأَةِ إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ وَكَصَاحِبَةِ الْعَادَةِ إذَا اسْتَمَرَّ دَمُهَا وَقَدْ نَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَدَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ فَإِنَّهَا تَتَحَرَّى وَتَمْضِي عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ وَهِيَ الْمُحَيَّرَةُ وَتُسَمَّى الْمُضَلَّلَةُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطُّهْرِ أَوْ الْحَيْضِ عَلَى التَّعْيِينِ بَلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: فَصَلَ كَيْفَمَا كَانَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ) وَهَذَا الْإِمْكَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ إنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا فَصَلَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَجْمُوعِ الدَّمَيْنِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ وَقَوْلُهُ: فُرُوعٌ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ أَيْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَقَعُ) وَفِي نُسْخَةٍ يَمْنَعُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ) فَيُلْغِي طُهْرَ يَوْمَيْنِ فَالْبَاقِي ثَمَانِيَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ وَجَدَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ) صَوَابُهُ ثَلَاثَةٌ.
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) يَعْنِي أَقَلَّ الطُّهْرِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَرَفَاهُ حَيْضًا لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ حَتَّى لَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ ثَلَاثَةً دَمًا فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضٌ وَلَوْ انْتَقَصَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَوْ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى حَيْضٌ دُونَ الثَّانِيَةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سُمِعَ مِنْ صَحَابِيٍّ وَذَا سَهْوٌ مِنْهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ حَيْضَتَانِ وَطُهْرَانِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ سُؤَالًا وَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ رَأَتْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً، ثُمَّ طُهْرًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً أَلَيْسَ قَدْ حَاضَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَجَابَ فَقَالَ إذَا ضَمَمْت إلَيْهِ طُهْرًا آخَرَ كَانَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَالشَّهْرُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ وَحُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَتْ إنِّي حِضْت فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ مَاذَا تَقُولُ فَقَالَ إنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً مِنْ بِطَانَتِهَا مِمَّنْ يُرْضَى بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ قُبِلَ مِنْهَا فَقَالَ عَلِيٌّ قالون وَهِيَ بِالرُّومِيَّةِ حَسَنٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ شُرَيْحٌ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ النَّفْيِ أَنَّهَا لَا تَجِدُ ذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] أَيْ لَا يَدْخُلُونَهَا رَأْسًا. (قَوْلُهُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ) قَالَ فِيهَا وَفِيهِ كَلَامٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ) أَيْ لُزُومِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا عِنْدَ نَصْبِ الْعَادَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ مُقَدَّرٌ فِي حَقِّهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ نُقْصَانُ طُهْرِ غَيْرِ الْحَامِلِ عَنْ طُهْرِ الْحَامِلِ وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَانْتَقَصَ عَنْ هَذَا بِشَيْءٍ وَهُوَ السَّاعَةُ صُورَتُهُ مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَإِلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كُلُّ طُهْرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً اهـ قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ لَوْ قُدِّرَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا دُونَ الْيَوْمِ سَاعَاتٌ لَا تُضْبَطُ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فِي زَمَانِ الِاسْتِمْرَارِ) صُورَتُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ امْرَأَةٌ رَأَتْ دَمًا خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مَثَلًا، ثُمَّ رَأَتْ طُهْرًا مُمْتَدًّا، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مُسْتَمِرًّا هَلْ يُقَدَّرُ لَهَا أَكْثَرُ الطُّهْرِ قَالُوا يُقَدَّرُ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ كَمَا تَرَى وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ لِلْمُتَحَيِّرَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. اهـ. (قَوْلُهُ: إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ) فِي الْمَبْسُوطِ حَتَّى ضَلَّتْ أَيَّامَهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ نَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا) فَإِنْ عَرَفَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعِنْدَ أَبِي عِصْمَةَ يُقَدَّرُ طُهْرُهَا بِمَا رَأَتْ وَهِيَ السِّتَّةُ فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا كَذَا بِخَطِّ قَارِئٍ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: لَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطُّهْرِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ
الجزء 1 · صفحة 63
تَأْخُذُ بِالْأَحْوَطِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ وَهَلْ يُقَدَّرُ طُهْرُهَا فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْهُمْ أَبُو عِصْمَةَ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالتَّوْقِيفِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلِهَذَا لَمْ يُقَدَّرْ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ وَتَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَدَّرُوهُ لِلضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى الْعَظِيمَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيُّ يُقَدَّرُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَلُّ مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ عَادَةً فَنَقَصْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ سَاعَةً فَإِذَا طَلُقَتْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ بِشَهْرٍ وَإِلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ بُخَارَى.
(قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ) يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَتَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ سِوَاهَا وَثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي سَهْلٍ الْغَزَالِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تَرَى الْحَيْضَ فِي كُلِّ شَهْرٍ؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ الْعَوْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِ الشَّهْرِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ وَأَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ يُقَدَّرُ طُهْرُهَا بِسَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مِنْ الشَّهْرَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا، وَقَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ يُقَدَّرُ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْغَالِبِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَبَقِيَ الطُّهْرُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا هَذَا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَحْكَامِ فَلَمْ يُقَدِّرُوا الطُّهْرَ بِشَيْءٍ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ تَجْتَنِبُ أَبَدًا مَا تَجْتَنِبُهُ الْحَائِضُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّهِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَالْوِتْرَ وَتَقْرَأُ فِيهِمَا قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَا تَزِيدُ وَقِيلَ تَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ؛ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ وَإِنْ حَجَّتْ تَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَتَطُوفُ لِلصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، ثُمَّ تَقْضِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي رَمَضَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَشَرَةً فِي أَوَّلِهِ وَخَمْسَةً فِي آخِرِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَا يُتَصَوَّرُ حَيْضُهَا فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّهَا حَاضَتْ فِي الْقَضَاءِ عَشَرَةً فَيَسْلَمُ لَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ بِيَقِينٍ وَإِنْ عَلِمَتْ دَوْرَ حَيْضِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَلَمْ تَعْرِفْ عَدَدَهُ وَلَا ابْتِدَاءَهُ وَلَا انْتِهَاءَهُ أَوْ عَلِمَتْ الِابْتِدَاءَ دُونَ الِانْتِهَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ ضَلَّتْ أَيَّامَهَا فِي ضِعْفِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: تَأْخُذُ بِالْأَحْوَطِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ) فَتَصُومُ وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ (قَوْلُهُ: مِنْهُمْ أَبُو عِصْمَةَ) سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ) بِمُعْجَمَةٍ هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ اهـ.
(قَوْلُهُ: يُقَدَّرُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً) فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَقَلُّ مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ) وَمُدَّةُ الْحَمْلِ مُدَّةُ الطُّهْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تَرَى الْحَيْضَ فِي كُلِّ شَهْرٍ) فَيُعْتَبَرُ شَهْرٌ بِلَا حَيْضٍ، ثُمَّ شَهْرٌ آخَرُ كَذَلِكَ لِتَثَبُّتِ الْعَادَةِ اهـ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ فَلَا غَايَةَ لَهُ حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَهُرَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً فَإِنَّهَا تَعْمَلُ مَا تَعْمَلُ الطَّاهِرَاتُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي بَنَاتِ آدَمَ أَصْلٌ وَالْحَيْضُ عَارِضٌ فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْهَا الْعَارِضُ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ طَالَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ الَّذِي يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ عِنْدَ الِاسْتِمْرَارِ كَمْ هُوَ قَالَ أَبُو عِصْمَةَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبُو حَازِمٍ الْقَاضِي: إنَّ الطُّهْرَ وَإِنْ طَالَ يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَاضَتْ خَمْسَةً وَطَهُرَتْ سِتَّةً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ تَبْنِي الِاسْتِمْرَارَ عَلَيْهِ فَتَقْعُدُ خَمْسَةً وَتُصَلِّي سِتَّةً، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بُخَارَى إنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ الَّذِي يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِذَا كَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ لَهُ تُرَدُّ أَيَّامُهَا إلَى الشَّهْرِ فَتَقْعُدُ مَا كَانَتْ رَأَتْ فِيهِ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ هَكَذَا دَأْبُهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ وَأَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ أَكْثَرُ الطُّهْرِ الَّذِي يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ تُرَدُّ أَيَّامُهَا إلَى الشَّهْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرُهُ شَهْرٌ وَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ تُرَدُّ أَيَّامُهَا إلَى الشَّهْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَدَلَائِلُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ اهـ. (قَوْلُهُ: يُقَدَّرُ) أَيْ أَكْثَرُ الطُّهْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَتُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ) أَيْ وَالسُّنَنَ الْمَشْهُورَةَ وَلَا تُصَلِّي شَيْئًا مِنْ التَّطَوُّعَاتِ. اهـ. غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُعِيدُهُ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا طَافَتْ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُهَا عَشَرَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ضَلَّتْ أَيَّامَهَا فِي ضَعْفِهَا) مِثَالُ الْإِضْلَالِ فِي الضَّعْفِ امْرَأَةٌ أَيَّامُ حَيْضِهَا ثَلَاثَةٌ فِي السِّتَّةِ الَّتِي فِي آخِرِ الشَّهْرِ، ثُمَّ نَسِيَتْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي أَوَّلِ السِّتَّةِ أَوْ آخِرِهَا وَمِثَالُ الْأَكْثَرِ مِنْ الضَّعْفِ امْرَأَةٌ أَيَّامُ حَيْضِهَا ثَلَاثَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ نَسِيَتْ أَنَّهَا فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ وَمِثَالُ الْأَقَلِّ امْرَأَةٌ أَيَّامُ حَيْضِهَا ثَلَاثَةٌ فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الشَّهْرِ، ثُمَّ نَسِيَتْ أَنَّهَا فِي أَوَّلِهَا أَوْ آخِرِهَا فَالْمَرْأَةُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَا تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ الَّتِي ضَلَّتْ فِيهَا أَوْ آخِرِهَا وَتَتَيَقَّنُ بِهِ فِي بَعْضِهَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهَا تَتَيَقَّنُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ الْخَمْسَةِ أَنَّهُ مِنْ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ الْحَيْضِ أَوْ آخِرُهُ فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيهِ وَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ حَالَهَا فِيهِمَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَفِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ حَالَهَا فِيهِمَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ وَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَفِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِمَا قُلْنَا. اهـ. يَحْيَى وَدَمُ
الجزء 1 · صفحة 64
أَوْ أَقَلَّ مِنْ الضِّعْفِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَمَذْكُورٌ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَلَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) (فَمَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا وَتُصَلِّي فِي غَيْرِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا اسْتِحَاضَةٌ؛ وَلِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِأَنَّ عَادَتَهَا حَيْضٌ وَمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ اسْتِحَاضَةٌ وَشَكَكْنَا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَأَلْحَقْنَاهُ بِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُجَانِسُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى إذْ الْأَصْلُ الْجَرْيُ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ، ثُمَّ قِيلَ إذَا مَضَتْ عَادَتُهَا تُصَلِّي وَتَصُومُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُجَاوِزَ الْعَشَرَةَ فَيَكُونُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ وَقِيلَ تَتْرُكُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الصِّحَّةُ وَدَمُ الْحَيْضِ دَمُ صِحَّةٍ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ عِلَّةٍ وَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ ابْتِدَاءً قِيلَ لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ بِالنُّقْصَانِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ تَتْرُكُ لِمَا قُلْنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ الْعَادَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ مُبْتَدَأَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ مُبْتَدَأَةً بِأَنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً أَوْ مَعَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ فَحَيْضُهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ وَنِفَاسُهَا أَكْثَرُ النِّفَاسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ فَلَا يُحْكَمُ بِالْعَارِضِ إلَّا بِيَقِينٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَتَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَوْ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ أَوْ رُعَافٌ دَائِمٍ أَوْ جُرْحٌ لَا يَرْقَأُ لِوَقْتِ كُلِّ فَرْضٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ييي «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَجُوزَ بِهِ فَرْضٌ وَاحِدٌ فَتُرِكَ لِلضَّرُورَةِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَيْ لِوَقْتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أَيْ لِوَقْتِ دُلُوكِهَا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا» أَيْ لِوَقْتِهَا، وَكَذَا الصَّلَاةُ تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا الْوَقْتُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ» أَيْ وَقْتُهَا فَكَانَ الْأَخْذُ بِمَا رَوَيْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُحْكَمٌ وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُحْتَمَلٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُحْكَمِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فِي حَقِّ النَّفْلِ إجْمَاعًا حَيْثُ لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ تَقْدِيرٌ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مَعْنًى إذْ الْوَقْتُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ لِكَوْنِهِ مَحِلَّهُ وَلَهُ شَغْلُ كُلِّهِ بِالْأَدَاءِ عَزِيمَةً وَشَغْلُ الْبَعْضِ رُخْصَةً فَكَأَنَّهُ شَغَلَ كُلَّهُ بِهِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ تَقْدِيرًا بِالصَّلَاةِ مَعْنًى وَهُوَ مَعْلُومٌ لَا يَتَفَاوَتُ وَالْأَدَاءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْأَدَاءَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ فِي آخِرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالِاسْتِحَاضَةِ وَهُوَ الَّذِي يَنْقُصُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرِ النِّفَاسِ كَرُعَافٍ يَعْنِي حُكْمُهُ كَحُكْمِ رُعَافٍ دَائِمٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ كَامِلٍ لَا يَمْنَعُ صَوْمًا وَصَلَاةً وَوَطْئًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» فَيَثْبُتُ حُكْمُ الصَّلَاةِ بِهِ عِبَادَةً وَحُكْمُ الصَّوْمِ وَالْوَطْءِ دَلَالَةً إذْ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ دَمَ الرَّحِمِ يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالْوَطْءَ وَدَمَ الْعِرْقِ لَا يَمْنَعُ وَاحِدًا مِنْهَا فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا الدَّمُ الصَّلَاةَ عُلِمَ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا دَمُ رَحِمٍ فَيَثْبُتُ الْحُكْمَانِ الْآخَرَانِ دَلَالَةً. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ) يُنْظَرُ فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَتْرُكُ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَادَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ رَأَتْ مَرَّةً سَبْعًا وَمَرَّةً سِتًّا، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ أَخَذَتْ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ بِالْأَقَلِّ وَفِي حِلِّ التَّزْوِيجِ وَالْوَطْءِ بِالْأَكْثَرِ احْتِيَاطًا اهـ فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً فِي شَهْرٍ، ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي كَانَ الْخَمْسَةُ حَيْضًا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ الْعَشَرَةُ حَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ كَانَ الْخَمْسَةُ حَيْضًا وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةً بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ سِتَّةً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي رَدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ عِنْدَهُمَا وَإِلَى السِّتَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ رَأَتْهُ سِتَّةً فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ رَدَّتْ إلَى السِّتَّةِ وَبَطَلَ عَادَةُ الْخَمْسَةِ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ اسْتِطْلَاقُ) أَيْ جَرَيَانُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مَكْتُوبَةً أَوْ مَنْذُورَةً وَقَالَ مَالِكٌ لِكُلِّ نَفْلٍ أَيْضًا. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ) قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي طَبَقَاتِهِ مِنْ الْفَوَاطِمِ الصَّحَابِيَّاتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو حُبَيْشٍ اسْمُهُ قَيْسٌ فَتَارَةً يَقُولُونَ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَتَارَةً يَقُولُونَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَبَعْضُهُمْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ الْمُسْتَحَاضَةُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ هَكَذَا نَسَبَاهَا وَقَالَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَغَلَّطَهُمَا صَاحِبُ الْغَايَةِ وَقَالَ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي قَوْلِهِمَا فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَإِنَّمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَالثَّانِي أَنَّهُمَا ذَكَرَاهَا فِي الْمُسْتَحَاضَاتِ إنَّمَا الْمُسْتَحَاضَةُ فَاطِمَةُ بِنْتُ حُبَيْشٍ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْغَلَطِ وَالصَّوَابُ مَعَهُمَا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ) أَيْ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّيْت.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَقْتَهَا إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ إيَّاهُ دُونَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا فِعْلُهُ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ) وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ قَدْ يَكُونُ مُوَسْوِسًا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْفَرِيضَةِ مَرَّاتٍ فَفِي الْأَمْرِ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى الْفَرِيضَةَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهُ بَاقِيَةً بَعْدَهَا أَوْ لَا فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ فِعْلُ فَرِيضَةٍ أُخْرَى عَمَلًا بِبَقَائِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ فِعْلُ النَّافِلَةِ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ إذْ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ مِنْ شَرْطِهِمَا الطَّهَارَةُ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بَاقِيَةً. اهـ. غَايَةٌ
الجزء 1 · صفحة 65
فِي وَسَطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَوِّلُ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِالْمَعْلُومِ أَوْلَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُصَلُّونَ بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا) أَيْ يُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِهِ إلَّا فَرْضًا وَاحِدًا وَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا مِنْ النَّفْلِ مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَقَطْ) أَيْ يَبْطُلُ وُضُوءُهُمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ زُفَرُ يَبْطُلُ بِالدُّخُولِ فَقَطْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْطُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِزُفَرَ إنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يُعْتَبَرُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ شَرْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَدَاءِ حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ أَجَازَ إشْغَالَ الْوَقْتِ كُلِّهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْحَاجَةِ وَخُرُوجَهُ دَلِيلُ زَوَالِهَا فَإِضَافَةُ الِانْتِقَاضِ إلَى دَلِيلِ زَوَالِ الْحَاجَةِ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى دَلِيلِ ثُبُوتِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ زُفَرَ مُسْتَقِيمٌ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِتَخْصِيصِهِ بِالدُّخُولِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَاجَةِ بِالْخُرُوجِ أَيْضًا وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا تَوَضَّئُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِهِ الظُّهْرَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَالثَّانِي إذَا تَوَضَّئُوا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُمْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تُنْتَقَضُ وَلَوْ تَوَضَّئُوا لِصَلَاةِ الْعِيدِ قِيلَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا بِهِ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا لِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَوْ تَوَضَّئُوا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لِلْعَصْرِ يُصَلُّونَ بِهِ الْعَصْرَ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ لِلْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ كَطَهَارَتِهِمْ لِلظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ وَقَعَتْ لِلظُّهْرِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ الظُّهْرِ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا بِهَا صَلَاةَ الظُّهْرِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَشَايِخَنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَضَافُوا انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولِهِ لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ فِي الِانْتِقَاضِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عِنْدَهُ.
وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْبِنَاءُ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُمَا عُرِفَ نَصًّا فِي الْحَدَثِ الطَّارِئِ لَا فِي الْحَدَثِ السَّابِقِ وَبِخُرُوجِ الْوَقْتِ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ وَهَذَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَرْفَعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْحَدَثِ وَلَا يَرْفَعُ مَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَافِعٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهَذَا إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ وَقْتُ فَرْضٍ إلَّا وَذَلِكَ الْحَدَثُ يُوجَدُ فِيهِ).
وَهَذَا حَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا أَيْ وَحُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَثْبُتُ إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ وَلَكِنَّ هَذَا شَرْطُ بَقَاءِ الِاسْتِحَاضَةِ بَعْدَمَا ثَبَتَ حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، وَأَمَّا شَرْطُ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً فَأَنْ يَسْتَوْعِبَ اسْتِمْرَارَ الْعُذْرِ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَامِلًا كَالِانْقِطَاعِ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْوَقْتَ كُلَّهُ وَفِي الْكَافِي لِحَافِظِ الدِّينِ إنَّمَا يَصِيرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَقَطْ) قَالَ الرَّازِيّ أَيْ يَبْطُلُ وُضُوءُهُمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ إذْ الْوَقْتُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَجَسًا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَدَثِ يَظْهَرُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أُضِيفَ إلَيْهِ مَجَازًا أَيْ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَدَثًا قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَعْذُورٍ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ شَرَعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ مِنْ وَجْهٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَاقْتِصَارٌ مَنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِالطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا فِي الْوَقْتِ فَعَمِلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَجَعَلْنَاهُ طُهُورًا فِي حَقِّ الْمَسْحِ كَمَا سَيَأْتِي وَاقْتِصَارًا فِي حَقِّ الْقَضَاءِ اهـ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَاهُنَا كَلَامًا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَائِنَا الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تُنْتَقَضُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْخُرُوجِ فَقَطْ لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ إنَّمَا يُوجِبَانِ الطَّهَارَةَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ الطَّهَارَةُ الْوَاقِعَةُ قَبْلَهُ فَتُعَادُ بَعْدَ دُخُولِهِ لَا؛ لِأَنَّهَا تُنْتَقَضُ بِالدُّخُولِ وَزُفَرُ إنَّمَا لَمْ يُوجِبْ الطَّهَارَةَ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ وَقْتِ الْفَجْرِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى لَوْ قَضَى الْفَجْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ قَضَاهُ مَعَ سُنَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِلَا سُنَّتِهِ فَإِيجَابُ زُفَرَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ دُخُولِ الظُّهْرِ لَا قَبْلَهُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَجْرِ لَيْسَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ عِنْدَهُ بَلْ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّ الِانْتِقَاضَ عِنْدَهُ أَيْضًا بِالْخُرُوجِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: أُقِيم مَقَامَ الْأَدَاءِ) لِكَوْنِهِ مَحِلَّهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ انْتِفَاءِ الْحَاجَةِ بِالْخُرُوجِ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا أَيْضًا عِنْدَهُ كَمَا يُنْتَقَضُ بِالدُّخُولِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ وَزُفَرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ) وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي جَعَلَ خُرُوجَهُ أَوْ دُخُولَهُ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ إنَّمَا هُوَ وَقْتُ الْفَرْضِ وَصَلَاةُ الْعِيدِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ.
(قَوْلُهُ: يُصَلُّونَ بِهِ الْعَصْرَ فِي رِوَايَةٍ) فِي الْبَدَائِعِ لَمْ يَجْعَلْهُ رِوَايَتَيْنِ بَلْ قَالَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ) خِلَافًا لِزُفَرَ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَيْ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْحَدَثِ الطَّارِئِ) أَيْ الْعَارِضِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَا السَّابِقِ عَلَيْهِمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا لِمَا عُرِفَ) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالطَّهَارَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ ظَهَرَ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَالطَّهَارَةُ سَابِقَةٌ عَلَيْهِ فَلَا تَرْفَعُهُ
الجزء 1 · صفحة 66
صَاحِبَ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ.
وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ وَالْفَتَاوَى المرغينانية وَالْوَاقِعَاتِ وَالْحَاوِي وَجَامِعِ الْخَلَّاطِيِّ وَخَيْرِ مَطْلُوبٍ وَالْمَنَافِعِ وَالْحَوَاشِي فَهَذِهِ عَامَّةُ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا تَرَاهُ، فَكَانَ هُوَ الْأَظْهَرُ حَتَّى لَوْ سَالَ دَمُهَا فِي بَعْضِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى وَانْقَطَعَ دَمُهَا فِيهِ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ لِعَدَمِ الِاسْتِيعَابِ وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى خَرَجَ لَا تُعِيدُهَا لِوُجُودِ اسْتِيعَابِ الْوَقْتِ.
وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي جَانِبِ الِانْقِطَاعِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَوْ كَانَ عَلَى السَّيَلَانِ وَالصَّلَاةَ عَلَى الِانْقِطَاعِ أَوْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهَا إنْ عَادَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ التَّامِّ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهَا الْإِعَادَةُ لِوُجُودِ الِانْقِطَاعِ التَّامِّ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا صَلَّتْ صَلَاةَ الْمَعْذُورِينَ وَلَا عُذْرَ، ثَمَّ إنَّمَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ سَائِلٌ أَوْ سَالَ بَعْدَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ سَائِلًا عِنْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَسِلْ بَعْدَهُ فَلَا حَتَّى إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهِيَ عَلَى وُضُوئِهَا لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَسِلْ أَوْ تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ السَّيَلَانُ بَعْدَهُ حَتَّى يُنْتَقَضَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَفِيهِ طَعَنَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ تُعِيدَ الْوُضُوءَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ انْقِطَاعٌ نَاقِصٌ فَلَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الدَّمِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَكَانَ كَالْمُسْتَمِرِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ وَاقِعٌ لِلسَّيَلَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى وُضُوءٍ آخَرَ إذَا سَالَ فِي الْوَقْتِ وَالْوُضُوءُ الْوَاقِعُ لِلسَّيَلَانِ يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَوَابُهُ أَنَّ وُضُوءَهَا وُضُوءُ الطَّاهِرَاتِ إذَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ حَدَثٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِثْلَ وُضُوءِ غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ وَلَا يَرْفَعُ مَا بَعْدَهُ فَتَعَذَّرَ لِلْحَرَجِ فِي حَقِّ الْحَدَثِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْوُضُوءِ وَهِيَ إنَّمَا تُخَالِفُ الطَّاهِرَاتِ فِي التَّخْفِيفِ لَا فِي التَّغْلِيظِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْحَدَثَ الْمَوْجُودَ حَقِيقَةً مَعْدُومًا حُكْمًا لِلْعُذْرِ وَفِيمَا قَالَهُ عِيسَى يَلْزَمُ جَعْلُ الْحَدَثِ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً مَوْجُودًا حُكْمًا وَهُوَ عَكْسُ الْمَشْرُوعِ وَلَوْ جَدَّدَتْ الْوُضُوءَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ سَالَ الدَّمُ انْتَقَضَ طَهَارَتُهَا؛ لِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَضَّأَتْ بَعْدَ السَّيَلَانِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ عِيسَى لَا يُنْتَقَضُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الثَّانِي، ثُمَّ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ صَاحِبِ الْعُذْرِ نَجَسٌ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ إذَا كَانَ مُفِيدًا بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى لَوْ لَمْ يَغْسِلْهُ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ يُصِيبُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا وَقِيلَ إذَا أَصَابَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَغْسِلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَفِي الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَقُولُ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ فِي وَقْتِ كُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ) عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكَافِي لَا يُشْتَرَطُ فِي الِابْتِدَاءِ عَدَمُ خُلُوِّ كُلِّ جُزْءٍ عَنْ الْحَدَثِ بَلْ يُكْتَفَى بِعَدَمِ خُلُوِّ الْجُزْءِ الَّذِي يَسَعُهُ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ عَنْ الْحَدَثِ فَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الِاسْتِيعَابِ قَالَ قَارِئٌ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ خَطَّهُ نُقِلَتْ وَمَا قَالَهُ فِي الْكَافِي أَيْسَرُ لِأَنَّ الْعُذْرَ بِهِ مُتَحَقِّقٌ اهـ قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهَا إذْ قَلَّمَا يَسْتَمِرُّ كَمَالُ وَقْتٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ لَحْظَةً فَيُؤَدِّي إلَى نَفْيٍ مُحَقَّقٍ إلَّا فِي الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ جَانِبِ الصِّحَّةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ بِدَوَامِ انْقِطَاعِهِ وَقْتًا كَامِلًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَحَقَّقُ اهـ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَتَى قَدَرَ الْمَعْذُورُ عَلَى رَدِّ السَّيَلَانِ بِرِبَاطٍ أَوْ حَشْوٍ أَوْ كَانَ لَوْ جَلَسَ لَا يَسِيلُ وَلَوْ قَامَ سَالَ وَجَبَ رَدُّهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِرَدِّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ إذَا مَنَعَتْ الدُّرُورَ فَإِنَّهَا حَائِضٌ وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا بِالْإِيمَاءِ إنْ سَالَ بِالْمَيَلَانِ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِالْإِيمَاءِ لَهَا وُجُودٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ فِي التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ بِحَالِ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى لَا يَسِيلُ وَجَبَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ كَمَا لَا تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ إلَّا ضَرُورَةً لَا تَجُوزُ مُسْتَلْقِيًا إلَّا لَهَا فَاسْتَوَيَا وَتَرَجَّحَ الْأَدَاءُ مَعَ الْحَدَثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْرَازِ الْأَرْكَانِ وَلَوْ كَانَتْ بِهِ دَمَامِلُ أَوْ جُدَرِيٌّ فَتَوَضَّأَ وَبَعْضُهَا سَائِلٌ، ثُمَّ سَالَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ سَائِلًا انْتَقَضَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ فَصَارَ كَالْمَنْخِرَيْنِ،.
وَمَسْأَلَةُ الْمَنْخِرَيْنِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ وَهِيَ مَا إذَا سَالَ أَحَدُ مَنْخِرَيْهِ فَتَوَضَّأَ مَعَ سَيَلَانِهِ وَصَلَّى، ثُمَّ سَالَ الْآخَرُ فِي الْوَقْتِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَالْحَوَاشِي) لِلْخَبَّازِيِّ لَمْ يَعْزُهُ فِي الْغَايَةِ لِغَيْرِ الذَّخِيرَةِ وَالْمَرغِينَانيَّةِ فَلَعَلَّهُ هُنَا سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَهُوَ اسْتِظْهَارُهُ بِبَقِيَّةِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: فَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ) فَلَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ مَعَ الْحَدَثِ اهـ يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ اسْتِيعَابِ الْوَقْتِ) أَيْ الدَّمُ الْمُقَارِنُ لِلْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ لَمَّا اسْتَمَرَّ إلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الثَّانِي كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ الدَّمَ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ فِي جَانِبِ السَّيَلَانِ كَقَوْلِهِمْ فِي جَانِبِ الِانْقِطَاعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ إلَى آخِرِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُضُوءَهَا لِلسَّيَلَانِ بَلْ لِلطَّهَارَةِ كَوُضُوءِ سَائِرِ الطِّهَارَات وَإِنَّمَا لَمْ تَحْتَجْ إلَى وُضُوءٍ آخَرَ لَوْ سَالَ الدَّمُ بَعْدَهُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَإِذَا كَانَ وُضُوءُهَا لِلطَّهَارَةِ لَمْ تُعِدْ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ عَكْسُ الْمَشْرُوعِ) قِيلَ هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْمُؤْتَمِّ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ، أَقُولُ مَنَاطُ الِاعْتِبَارَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْعُذْرِ الْمُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ وَهُوَ هُنَا فِي عَدَمِ إيجَابِ الْوُضُوءِ يَجْعَلُ الْحَدَثَ الْمَوْجُودَ حَقِيقَةً فِي الْوَقْتِ كَلَا مَوْجُودٍ لَا فِي إيجَابِهِ يَجْعَلُ غَيْرَ الْمَوْجُودِ كَالْمَوْجُودِ كَمَا أَنَّ التَّخْفِيفَ هُنَاكَ يَجْعَلُ غَيْرَ الْمَوْجُودِ كَالْمَوْجُودِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ) أَيْ فَيُنْتَقَضُ بِالدَّمِ السَّائِلِ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَضَّأَتْ بَعْدَ السَّيَلَانِ) فَإِنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِالسَّيَلَانِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ عَنْ حَاجَةٍ. اهـ. .
الجزء 1 · صفحة 67
صَلَاةٍ مَرَّةً كَالْوُضُوءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَالنَّجَاسَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهَا يُعْفَى فَأُلْحِقَ الْكَثِيرُ بِالْقَلِيلِ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالنِّفَاسُ دَمٌ يَعْقُبُ الْوَلَدَ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَنَفَّسَ الرَّحِمُ بِالْوَلَدِ أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلُودَ نَفْسٌ، وَكَذَا الدَّمُ يُسَمَّى نَفْسًا قَالَ الشَّاعِرُ
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ السُّيُوفِ تَسِيلُ
أَيْ دِمَاؤُنَا وَمِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إذَا مَاتَ فِيهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْهُ هَكَذَا ذَكَرُوا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ النِّفَاسُ بِكَسْرِ النُّونِ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الدَّمُ كَمَا سُمِّيَ بِالْحَيْضِ وَفِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ أَوْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ فَلَيْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَدَمُ الْحَامِلِ اسْتِحَاضَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حَيْضٌ اعْتِبَارًا بِالنِّفَاسِ بِأَنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَالنِّفَاسُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهِيَ حَامِلٌ بِالثَّانِي فَلَوْلَا أَنَّهَا تَحِيضُ لَمَا صَارَتْ نُفَسَاءَ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَمُ رَحِمٍ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» فَجَعَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَبَلِ حَيْثُ جَعَلَ الْحَيْضَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ وَمَا حَلَّتْ إلَّا لِلتَّيَقُّنِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ وَأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَوْ جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْحَيْضِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الْحَبَلِ وَلَمْ تَكُنْ حَلَالًا بِوُجُودِهِ احْتِيَاطًا فِي أَمْرِ الْأَبْضَاعِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنْ الْحُبْلَى وَجَعَلَ الدَّمَ رِزْقًا لِلْوَلَدِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ؛ وَلِأَنَّ فَمَ الرَّحِمِ يَنْسَدُّ بِالْحَبَلِ كَذَا الْعَادَةُ وَفِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَنْفَتِحُ فَمُهُ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَتَنَفَّسَ بِالدَّمِ فَلَا يَلْزَمُنَا وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ فَإِنْ خَرَجَ أَكْثَرُهُ يَكُونُ نِفَاسًا، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ تَقَطَّعَ فِيهَا وَخَرَجَ أَكْثَرُهُ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَخُرُوجُ أَكْثَرِهِ كَخُرُوجِ كُلِّهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَكُونُ نِفَاسًا؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَهُمَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَمَا قَالَا فِي التَّوْأَمَيْنِ وَفِي الْمُفِيدِ النِّفَاسُ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ أَقَلِّ الْوَلَدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِخُرُوجِ أَكْثَرِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالسِّقْطُ إنْ ظَهَرَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) وَذَلِكَ مِثْلَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ ظُفُرٍ أَوْ شَعْرٍ فَتَكُونُ بِهِ نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَيَحْنَثُ بِهِ لَوْ كَانَ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِالْوِلَادَةِ وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ سُرَّتِهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ إلَّا إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ فَرْجِهَا لَكِنْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَيَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أَيْ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَلَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَمَارَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَلِيلٌ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q [ النِّفَاس]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالنِّفَاسُ دَمٌ) يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرُدَّ مَالًا تَكُونُ نُفَسَاءَ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: يَعْقُبُ الْوَلَدَ) ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ فَيُقَالُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ مِنْ الْفَرْجِ فَإِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهَا بِأَنْ كَانَ بِبَطْنِهَا جُرْحٌ فَانْشَقَّتْ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مِنْهَا تَكُونُ صَاحِبَةَ جُرْحٍ سَائِلٍ لَا نُفَسَاءَ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ: النَّخَعِيّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لَا يُنَجِّسُ) وَفِي الصِّحَاحِ جَعَلَهُ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ. اهـ. سَرُوجِيٌّ الدَّمُ مَنْفُوسٌ فَتَسْمِيَتُهُ بِالنِّفَاسِ تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ أَوْ خُرُوجِ النَّفْسِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَدَمُ الْحَامِلِ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ وَلَوْ فِي حَالِ وِلَادَتِهَا. اهـ. كَافِي.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَائِضٍ) أَيْ وَلَا حَائِلِ كَذَا فِي مُسْوَدَّةِ الْمُصَنِّفِ اهـ قَالَ فِي مَشَارِعِ الشَّارِعِ وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ لَا يَكُونُ حَيْضًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَكَذَا مَا تَرَاهُ حَالَ الطَّلْقِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَمَا خَرَجَ وَقْتَ خُرُوجِ الْوَلَدِ دَمُ نِفَاسٍ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ الرَّأْسُ وَنِصْفُ الْوَلَدِ أَوْ الرِّجْلُ وَأَكْثَرُ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ اهـ (قَوْلُهُ: وَجُعِلَ الدَّمُ رِزْقًا لِلْوَلَدِ) يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهِ لِئَلَّا يَتَلَطَّخَ فَمُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ سُرَّتِهِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيمَا ذَكَرَهُ) أَيْ الشَّافِعِيُّ.
(قَوْلُهُ: بِخُرُوجِ الْوَلَدِ) جَعَلْنَا دَمَ الْحَامِلِ اسْتِحَاضَةً قَبْلَ انْفِتَاحِ فَمِ الرَّحِمِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ وَبَعْدَهُ لَيْسَ بِاسْتِحَاضَةٍ بَلْ نِفَاسٍ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فَأَمَّا إذَا خَرَجَ أَقَلُّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ نُفَسَاءَ وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ تَصِيرُ عَاصِيَةً، ثُمَّ كَيْفَ تُصَلِّي قَالُوا يُؤْتَى بِقِدْرٍ فَتَجْعَلُ الْقِدْرَ تَحْتَهَا وَتَجْلِسُ هُنَاكَ وَتُصَلِّي كَيْ لَا تُؤْذِي وَلَدَهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) أَيْ مَا تَرَاهُ حَالَةَ الْوِلَادَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْأَكْثَرِ اسْتِحَاضَةٌ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالسِّقْطُ إنْ ظَهَرَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدًا) أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يُسَمَّى وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ وَالْوَصِيَّةَ وَلَا يُعْتَقُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُسْتَبِينٌ أَمْ لَا بِأَنْ أُسْقِطَتْ فِي الْمَخْرَجِ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَهِيَ مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ وَصَاحِبَةُ عَادَةٍ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ عَشَرَةً وَفِي الطُّهْرِ عِشْرِينَ فَنَقُولُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ هِيَ نُفَسَاءُ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبِنْ لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ وَيَكُونُ عَشَرَةٌ عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ حَيْضًا إذَا وَافَقَ عَادَتَهَا أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَقِيبَ طُهْرٍ صَحِيحٍ فَتَتْرُكُ هِيَ الصَّلَاةَ عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِشْرِينَ يَوْمًا بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِتَمَامِ مُدَّةِ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ طُهْرُهَا عِشْرِينَ وَحَيْضُهَا عَشَرَةً وَذَلِكَ دَأْبُهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ كَيْ لَا تَسْتَبِينَ الْخِلْقَةُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُدَّةُ النُّطْفَةِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُدَّةُ الْعَلَقَةِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُدَّةُ الْمُضْغَةِ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ. (قَوْلُهُ: أَوْ ظُفُرٍ أَوْ شَعْرٍ) فَلَوْ لَمْ يَسْتَبِنْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا بِأَنْ امْتَدَّ جُعِلَ إيَّاهُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ) أَيْ إذَا اعْتَرَفَ أَنَّهَا حَامِلٌ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَيَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ) أَيْ وَتَصِيرُ صَاحِبَةَ جُرْحٍ بِالدَّمِ السَّائِلِ مِنْهَا. اهـ. غَايَةٌ.
الجزء 1 · صفحة 68
أَنَّهُ مِنْهُ وَدَمُ الرَّحِمِ يَمْتَدُّ عَادَةً فَجَعَلَ الِامْتِدَادَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تُرِدْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ خُرُوجِ النَّفْسِ نِفَاسٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الدَّمِ قَالَ فِي الْمُفِيدِ هُوَ الصَّحِيحُ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْوَلَدِ إذْ لَا يَخْلُو عَنْ رُطُوبَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَقَلَّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ دُونَهُ لَا يَكُونُ نِفَاسًا بَلْ مُرَادُهُ إذَا وَقَعَتْ حَاجَةٌ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ فِي النِّفَاسِ لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَوْ نَصَبَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى نَقْصِ الْعَادَةِ عِنْدَ عَوْدِ الدَّمِ فِي الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِيهِ لَا يَفْصِلُ طَالَ الطُّهْرُ أَوْ قَصُرَ حَتَّى لَوْ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا وَأَرْبَعِينَ إلَّا سَاعَتَيْنِ طُهْرًا، ثُمَّ سَاعَةً دَمًا كَانَ الْأَرْبَعُونَ كُلُّهُ نِفَاسًا وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا كَانَ اسْتِحَاضَةً وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةً بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا عِنْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ قَدَّرَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا لِقَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ بِهِ اسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» وَقَالَتْ أَيْضًا «كَانَتْ النِّسَاءُ يَجْلِسْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يَقُلْ بِالسِّتِّينَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ قُلْنَا مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الشَّهْرَيْنِ نِفَاسٌ بَلْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي إسْقَاطِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَنْهَا وَتَحْرِيمِ وَطْئِهَا عَلَى الزَّوْجِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ إلَّا حِكَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَاعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نِفَاسٌ حُجَّةٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ نَفْسُهُ بَلْ مَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا مِنْ وِلَادَةِ الْجَارِيَةِ وَمِنْ الْغُلَامِ أَكْثَرُهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَعَنْهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَقَوْلُهُ وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ أَيْ الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ اسْتِحَاضَةٌ لِعَدَمِ النَّقْلِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي الْمَقَادِيرِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بَيَانُ الْمُبْتَدَأَةِ، وَأَمَّا صَاحِبَةُ الْعَادَةِ إذَا زَادَ دَمُهَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنِفَاسُ التَّوْأَمَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ مِنْ الْوَلَدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ دَمُهَا مِنْ الرَّحِمِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنْ الدَّمِ حَيْضًا، وَكَذَا لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي؛ وَلِأَنَّ جَعْلَ النِّفَاسِ مِنْ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ نِفَاسَيْنِ بِلَا طُهْرٍ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ الثَّانِيَ لِتَمَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ الْأَوَّلِ وَجَبَ نِفَاسٌ آخَرُ لِلْوَلَدِ الثَّانِي وَلَهُمَا أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ وَهِيَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَصَارَ كَالدَّمِ الْخَارِجِ عَقِيبَ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجَدُ تَنَفُّسُ الرَّحِمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q [ مُدَّة النِّفَاس]
قَوْلُهُ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ) أَيْ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَخْلُو ظَاهِرًا عَنْ قَلِيلِ دَمٍ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) قَالَ فِي الْمُبْتَغَى وَبِوِلَادَتِهَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ وَإِنْ لَمْ تَرَ دَمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَزِمَهَا الْغُسْلُ فَقَدْ جَعَلَ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَعَلَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَيْنِ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُفِيدِ هُوَ الصَّحِيحُ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَلَمْ تَرَ دَمًا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي حَقِّ الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) بَيَانُهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ، ثُمَّ قَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَثَلَاثُ حِيَضٍ بَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَثَلَاثُ حِيَضٍ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ الْأَقَلُّ بِمُدَّةٍ فَيُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ عُرْفًا وَهُوَ سَاعَةٌ وَالْبَاقِي لِثَلَاثِ حِيَضٍ وَثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ.
. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَنِفَاسُ التَّوْأَمَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، ثُمَّ يَسْتَوِي مَا إذَا كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ أَوْ بِالطُّهْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ فَكَذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالطُّهْرِ فَلَا؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى خَتْمَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ وَمُحَمَّدٌ لَا يَرَى ذَلِكَ وَبَيَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَ عَادَتُهَا فِي النِّفَاسِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَانْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَطَهُرَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ تَمَامَ عَادَتِهَا فَصَلَّتْ وَصَامَتْ، ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ ذُكِرَ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ وَلَا يَجْزِيهَا صَوْمُهَا فِي الْعَشَرَةِ الَّتِي صَامَتْ فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ يَسْتَقِيمُ فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى خَتْمَ النِّفَاسِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ كَمَا يَرَى خَتْمَ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ فَيُمْكِنُ جَعْلُ الثَّلَاثِينَ نِفَاسًا لَهَا عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ خَتْمُهَا بِالطُّهْرِ وَمُحَمَّدٌ لَا يَرَى خَتْمَ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ بِالطُّهْرِ فَنِفَاسُهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ عِنْدَهُ عِشْرُونَ يَوْمًا فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ
الجزء 1 · صفحة 69
وَانْفِتَاحُهُ بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا فَيَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّفَاسَيْنِ مُتَوَالِيَانِ بَلْ النِّفَاسُ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ، ثُمَّ شَرْطُ التَّوْأَمَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى لَا يُمْكِنَ عُلُوقُ الثَّانِي مِنْ وَطْءٍ حَادِثٍ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ فَهُمَا حَمْلَانِ وَنِفَاسَانِ وَإِنْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَكِنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْعَلُ حَمْلًا وَاحِدًا.
(بَابُ الْأَنْجَاسِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَطْهُرُ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ بِالْمَاءِ وَبِمَائِعٍ مُزِيلٍ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي وُجُوبِ غَسْلِ النَّجَسِ وَالثَّانِي فِيمَا يَطْهُرُ بِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] أَيْ فَطَهِّرْهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ وَمَا نُقِلَ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ لَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ اللُّغَةِ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُتِّيهِ، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» «وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَنَجَاسَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ غَسْلُ بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ بَلْ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَا غَيْرُ، وَلَنَا الْعُمُومَاتُ وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ النَّضْحِ وَالصَّبِّ الْمُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَذْيِ «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَك» وَلَا يَجْزِيهِ إلَّا الْغُسْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا رَأَتْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِتَاحُ الرَّحِمِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا.
(قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنْ يُجْعَلَ حَمْلًا وَاحِدًا) لِأَنَّ الثَّالِثَ مِنْ عُلُوقِ الثَّانِي وَهُوَ مِنْ عُلُوقِ الْأَوَّلِ. اهـ. يَحْيَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَنْجَاسِ]
جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا لِكُلِّ مُسْتَقْذَرٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَابُ الْأَنْجَاسِ الْحَقِيقِيَّةِ تَعْيِينًا لِلْمُرَادِ لَكِنْ لَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحُكْمِيِّ كَانَ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ الْحَقِيقِيُّ يَحْيَى.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِمَائِعٍ) أَيْ مَائِعٍ طَاهِرٍ اهـ عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وَاجِبٌ) أَيْ مُقَيَّدٌ بِالْإِمْكَانِ وَبِمَا إذَا يَسْتَلْزِمُ ارْتِكَابَ مَا هُوَ أَشَدُّ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إزَالَتِهَا إلَّا بِإِبْدَاءِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاسِ يُصَلِّي مَعَهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَشَدُّ فَلَوْ أَبْدَاهَا لِلْإِزَالَةِ فَسَقَ إذْ مَنْ اُبْتُلِيَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَحْظُورَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَكِبَ أَهْوَنَهُمَا أَمَّا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ إذَا وَجَدَ مَاءً يَكْفِي أَحَدُهُمَا فَقَطْ إنَّمَا وَجَبَ صَرْفُهُ إلَى النَّجَاسَةِ لَا الْحَدَثِ لِيَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَتَيْنِ لَا؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ وَلَا لِأَنَّهُ صَرْفٌ إلَى الْأَخَفِّ حَتَّى يُرَدَّ إشْكَالًا كَمَا قَالَهُ حَمَّادٌ حَتَّى أَوْجَبَ صَرْفَهُ إلَى الْحَدَثِ وَقَوْلُنَا لِيَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ هُوَ لِيَقَعَ تَيَمُّمُهُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ صَرْفِهِ إلَى النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الصَّرْفَ إلَيْهَا فَكَانَ مَعْدُومًا فِي حَقِّ الْحَدَثِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِزَالَةِ لِخَفَاءِ خُصُوصِ الْمَحِلِّ الْمُصَابِ مَعَ الْعِلْمِ بِتَنَجُّسِ الثَّوْبِ قِيلَ الْوَاجِبُ غَسْلُ طَرَفٍ مِنْهُ فَإِنْ غَسَلَهُ بِتَحَرٍّ أَوْ بِلَا تَحَرٍّ طَهُرَ وَذِكْرُ الْوَجْهِ يُبَيِّنُ أَنْ لَا أَثَرَ لِلتَّحَرِّي وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي قِيَامِ النَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَغْسُولِ مَحِلَّهَا فَلَا يُقْضَى بِالنَّجَاسَةِ بِالشَّكِّ كَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ.
قَالَ وَسَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ تَاجَ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ وَيَقِيسُهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هِيَ إذَا فَتَحْنَا حِصْنًا وَفِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِيَقِينٍ فَلَوْ قُتِلَ الْبَعْضُ أَوْ أُخْرِجَ حَلَّ قَتْلُ الْبَاقِي لِلشَّكِّ فِي قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، كَذَا هُنَا وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنْ التَّعْلِيلِ فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفٍ آخَرَ يَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّى وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الثَّوْبُ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يُغْسَلُ كُلُّهُ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ وَذَلِكَ التَّعْلِيلُ مُشْكِلٌ عِنْدِي فَإِنْ غُسِلَ طَرَفٌ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الثَّوْبِ بَعْدَ الْيَقِينِ بِنَجَاسَتِهِ قَبْلُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَكَّ فِي الْإِزَالَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ قِيَامِ النَّجَاسَةِ وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ الْمُتَيَقَّنَ قَبْلَهُ وَالْحَقُّ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّكِّ فِي كَوْنِ الطَّرَفِ الْمَغْسُولِ وَالرِّجْلِ الْمَخْرَجَ هُوَ مَكَانُ النَّجَاسَةِ وَالْمَعْصُومُ الدَّمُ يُوجِبُ أَلْبَتَّةَ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الْبَاقِي وَإِبَاحَةَ دَمِ الْبَاقِينَ وَمِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ ارْتِفَاعُ الْيَقِينِ عَنْ تَنَجُّسِهِ وَمَعْصُومِيَّتُهُ، وَإِذَا صَارَ مَشْكُوكًا فِي نَجَاسَتِهِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ إلَّا أَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ لَمْ يَبْقَ لِكَلِمَتِهِمْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَعْنِي قَوْلَهُمْ الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ مَعْنَى فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ شَكٌّ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِ الْيَقِينِ لِتَصَوُّرِ ثُبُوتِ شَكٍّ فِيهِ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ ذَلِكَ الْيَقِينُ فَمِنْ هَذَا حَقَّقَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَخْلُصُ الْإِشْكَالُ فِي الْحُكْمِ لَا الدَّلِيلِ فَنَقُولُ وَإِنْ ثَبَتَ الشَّكُّ فِي طَهَارَةِ الْبَاقِي لَكِنْ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْيَقِينِ السَّابِقِ بِنَجَاسَتِهِ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ غَسْلِ الطَّرَفِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ الطَّارِئَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ السَّابِقِ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْيَقِينُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ فَقَتْلُ الْبَاقِي وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْبَاقِي مُشْكِلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اغْسِلِيهِ) وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّطْهِيرِ الْعَصِيرُ وَفِي الْمُغْرِبِ الْحَتُّ الْقَشْرُ بِالْيَدِ أَوْ الْعُودِ وَالْقَرْصُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ اهـ وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُتِّيهِ أَمْرٌ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ لِكَوْنِهِ نَجِسًا فَيُلْحَقُ كُلُّ نَجِسٍ بِهِ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: «وَنَهَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْمَجْزَرَةِ») أَيْ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ اهـ
الجزء 1 · صفحة 70
اتِّفَاقًا؛ وَلِأَنَّ النَّضْحَ كَثْرَةُ الصَّبِّ وَمِنْهُ النَّاضِحُ لِلْجَمَلِ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ الْمَاءُ قَالَهُ الْمُهَلَّبُ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ أَنَّ بَوْلَ الْجَارِيَةِ أَثْخَنُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ ضَعِيفٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ثَخِينِ النَّجَاسَةِ وَرَقِيقِهَا فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا بِالْغُسْلِ وَهَذَا الْمُدَّعَى بِنَفْسِهِ تَحَكُّمٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَلَا يُعْتَمَدُ.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالصَّبِيِّ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَالْبَلْوَى بِهِ أَكْثَرُ وَأَعَمُّ أَضْعَفُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَجِبَ غَسْلُ ثِيَابِ النِّسَاءِ مِنْ بَوْلِهَا لِكَوْنِ الِابْتِلَاءِ بِهِ أَشَدَّ فِي حَقِّهِنَّ لِاخْتِصَاصِهِنَّ بِحَمْلِهَا وَمُشَارَكَةِ الرِّجَالِ فِي حَمْلِ الصَّبِيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَبَيَّنُ لِي فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَلَقَدْ أَنْصَفَ فِيمَا قَالَ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا يَطْهُرُ بِهِ النَّجَسُ فَبِكُلِّ مَائِعٍ يُمْكِنُ إزَالَتُهُ بِهِ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَالْمُتَنَجِّسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلنَّصِّ وَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِالْمَاءِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَفِي الْمَاءِ ضَرُورَةٌ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا أَيْ حَكَّتْهُ؛ وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ بِطَبْعِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُفِيدَ الطَّهَارَةَ كَالْمَاءِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْلَعُ لَهَا؛ وَلِأَنَّا نُشَاهِدُ وَنَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْمَائِعَ يُزِيلُ شَيْئًا مِنْ النَّجَاسَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَلِهَذَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْمَاءِ بِهِ وَالنَّجَاسَةُ مُتَنَاهِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُتَنَاهِيَةٍ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاؤُهَا بَقِيَ الْمَحِلُّ طَاهِرًا لِعَدَمِ الْمُجَاوَرَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنَجُّسِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ وَلَا تَعَلُّقَ لِلشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ»؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إجْمَاعًا كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ تَطْهِيرَ الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ يَجِبُ إزَالَتُهَا عَنْ الْبَدَنِ فَلَا يَزُولُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَالْحَدَثِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا الدُّهْنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا بِالدُّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يُخْرِجُ غَيْرَهُ، وَكَذَا الدِّبْسُ وَاللَّبَنُ وَالْعَصِيرُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ غَسَلَ الدَّمَ مِنْ الثَّوْبِ بِدُهْنٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُهُ جَازَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْخُفُّ بِالدَّلْكِ بِنَجَسٍ ذِي جِرْمٍ) أَيْ يَطْهُرُ الْخُفُّ بِالدَّلْكِ إذَا تَنَجَّسَ بِنَجَسٍ ذِي جِرْمٍ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْجَفَافُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ»؛ وَلِأَنَّ الْبَلْوَى الْعَامَّةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْجَفَافِ إذْ يَلْحَقُهُمْ بِذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُ زَوَالُ الرَّائِحَةِ وَعَلَى قَوْلِهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ الْجَفَافِ إذْ الْمَسْحُ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ؛ وَزُفَرُ: لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ رُطُوبَتَهَا تَتَدَاخَلُ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ رُطُوبَتُهَا دُونَ جِرْمِهَا وَكَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا فِي الْمَاءِ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَشَى وَرِجْلُهُ مُبْتَلَّةٌ عَلَى أَرْضٍ أَوْ لِبْدٍ نَجِسٍ جَافٍّ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ وَظَهَرَتْ الرُّطُوبَةُ فِي رِجْلِهِ يَتَنَجَّسُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ قُلْت يَجِبُ حَمْلُ الرُّطُوبَةِ عَلَى الْبَلَلِ لَا النَّدَاوَةِ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا إذَا لَفَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ الرَّطْبَ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ الْجَافِّ فَظَهَرَتْ فِيهِ نَدْوَةٌ وَلَمْ يَصِرْ بِحَيْثُ يَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا عُصِرَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَكَذَا لَوْ بَسَطَ عَلَى النَّجِسِ الرَّطْبِ فَتَنَدَّى وَلَيْسَ بِحَيْثُ يَقْطُرُ إذَا عُصِرَ الْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بَلُّ الثَّوْبِ وَعَصْرُهُ بِنَبْعِ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَتَّصِل بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تَقِرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ إذَا حَلَّ الثَّوْبُ وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالِطِ فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْأَمْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: لِلنَّصِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48].
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ) أَيْ لِأَنَّهَا تَنْدَفِعُ بِالْمَاءِ اهـ قُلْنَا إنَّمَا الْمَاءُ طَهُورٌ بِالنَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مُزِيلُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَأَثَرُهُ لَا أَنَّهُ مُبَدِّلٌ حُكْمَ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ وَغَيْرُ الْمَاءِ يُشَاكِلُهُ فِي الْإِزَالَةِ أَوْ أَقْوَى إذْ الْخَلُّ أَقْلَعَ لِلنَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْبَوْلَ وَالدُّسُومَةَ فَأُلْحِقَ حِينَئِذٍ بِهِ. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِالْمَاءِ) لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْبَدَنِ نَظِيرَ الْحَدَثِ إذْ فِي نَظِيرِهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ. اهـ. رَازِيٌّ؛ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ وَالْمَاءُ أَدْخَلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ وَعَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ تُفَرَّعُ طَهَارَةُ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ثُمَّ رَضِعَهُ حَتَّى زَالَ أَثَرُ الْقَيْءِ، وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ بِهَا حَتَّى يَذْهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ كَمَا قَالَ قَاضِيخَانْ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنٍ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ يَطْهُرُ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا عَلَى بَدَنِهِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لَا الدُّهْنِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَلَمَّا قَيَّدَ الْمَائِعَ بِالْمُزِيلِ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُزِيلِ بِقَوْلِهِ لَا الدُّهْنِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُزِيلٍ لِتَلَوُّثِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْخُفُّ بِالدَّلْكِ بِنَجِسٍ ذِي جِرْمٍ) وَالْخُفُّ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْبَدَن أَيْ يَطْهُرُ الْخُفُّ الْمُتَنَجِّسُ وَالنَّعْلُ الْمُتَنَجِّسُ وَالْبَاءُ فِي بِالدَّلْكِ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَطْهُرُ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِنَجِسٍ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا حَالٌ مِنْ الْخُفِّ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُتَنَجِّسًا بِنَجِسٍ ذِي جِرْمٍ عَيْنِيٌّ. (قَوْلُهُ: جِرْمٌ) أَيْ جُثَّةٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ) أَيْ الْمُصَنِّفُ أَيْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخُفُّ بَعْدَ جَفَافِ نَجَاسَتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْجَفَافِ. (قَوْلُهُ: أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ) أَيْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: إذْ الْمَسْحُ يُكْثِرُهُ) أَيْ قَبْلَ الْجَفَافِ اهـ
الجزء 1 · صفحة 71
فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ وَكَالنَّجَاسَةِ الْمَائِعَةِ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْخَبَرِ حَتَّى اكْتَفَى بِهِ فِي الثَّوْبِ وَلَهُمَا مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ» الْحَدِيثَ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ صَلْبٌ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ جِرْمِ النَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا تَتَدَاخَلُهُ رُطُوبَتُهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ أَوْ يَجْتَذِبُهُ الْجِرْمُ إذَا جَفَّ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَسْحِ إلَّا قَلِيلٌ وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ فَصَارَ كَالسَّيْفِ وَالْحَدِيدِ الصَّقِيلِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَخَلْخِلَانِ فَيَتَدَاخَلُهُمَا أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ وَبِخِلَافِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ لِينَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ الْعَرَقِ يَمْنَعُ مِنْ الْجَفَافِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِلَّا يُغْسَلُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِرْمٌ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ تَتَشَرَّبُ فِيهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَقِيلَ: إذَا مَشَى عَلَى الرَّمْلِ أَوْ التُّرَابِ فَالْتَصَقَ بِالْخُفِّ أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ تُرَابًا أَوْ رَمْلًا أَوْ رَمَادًا فَمَسَحَهُ يَطْهُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجِرْمُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، ثُمَّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْجَفَافِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ جِرْمٌ وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ فَلَيْسَ بِجِرْمٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبِمَنِيِّ آدَمِيٍّ يَابِسٍ بِالْفَرْكِ، وَإِلَّا يُغْسَلُ) أَيْ إذَا تَنَجَّسَ الْخُفُّ أَوْ الثَّوْبُ بِمَنِيٍّ وَيَبِسَ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَابِسًا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَنِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «قَالَتْ كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ يُصَلِّي» وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَلَمَا اكْتَفَى بِالْفَرْكِ فِيهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَإِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَمْسَحِيهِ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِإِذْخِرَةٍ»؛ وَلِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ الْبَشَرِ فَصَارَ كَالطِّينِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كُنْت أَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ عَمَّارٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ وَعَدَّ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ إنْ رَأَيْته فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَاغْسِلْ الثَّوْبَ كُلَّهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ؛ وَلِأَنَّهُ دَمٌ اسْتَحَالَ بِالنُّضْجِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّهْوَةِ وَلِهَذَا مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْوِقَاعُ حَتَّى فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ يُخْرِجُ دَمًا أَحْمَرَ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا»؛ وَلِأَنَّهُ لَزِجٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ أَجْزَاؤُهُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ أَوْ يَقِلُّ وَالْقَلِيلُ مَعْفُوٌّ وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْإِمَاطَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَلِيلًا أَوْ عَلَى أَنَّهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْغَسْلِ وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُخَاطِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْظَرِ فِي الْبَشَاعَةِ لَا فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ» مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آكَدُ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ مِنْ خَبَرِهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لِلْوُجُوبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَتَشَبَّثَ بِثِيَابِهِ وَتُشْغِلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ هَيَّأْت لَهُ الطَّعَامَ وَهُوَ يَأْكُلُ أَيْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ مِنْ النَّجَسِ، ثُمَّ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ نَجِسًا وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الطَّاهِرُ كَاللَّبَنِ فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ أَصْلُهُ فَاعْتَبَرَهُ بِالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُمَا الْبَشَرُ وَإِنْ كَانَا نَجِسَيْنِ.
ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ قَبْلَ الْمَذْيِ أَمَّا لَوْ خَرَجَ الْمَذْيُ أَوَّلًا، ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ يُمْذِي، ثُمَّ يُمْنِي وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي رَأْسِ ذَكَرِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عِنْدِي أَنَّ الْمَنِيَّ إذَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ وَلَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى رَأْسِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي هُوَ دَاخِلُ الذَّكَرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَمُرُورُ الْمَنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَشَرَ عَلَى رَأْسِ الْإِحْلِيلِ حَيْثُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي خَارِجَ الْإِحْلِيلِ مُعْتَبَرٌ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ حَتَّى لَوْ بَالَ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْبَوْلُ ثُقْبَ الْإِحْلِيلِ يُكْتَفَى بِالْفَرْكِ وَلَوْ أَصَابَ الْمَنِيُّ شَيْئًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَى الْبِطَانَةِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: وَلَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِالدَّلْكِ بِلَا غَسْلٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ) أَيْ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا خُفًّا كَانَ أَوْ ثَوْبًا أَيْ بِالْغَسْلِ لَا بِالدَّلْكِ قَالَ الْعَيْنِيُّ لِأَنَّ الدَّلْكَ حِينَئِذٍ يَزِيدُهُ انْتِشَارًا أَوْ تَلَوُّثًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ أَعْنِي اعْتَبَرَهُ مُسْتَهْلِكًا لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَرْكِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَتَطْهِيرُ الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَتْ صَلْبَةً قَالُوا يُصَبُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ تُنَشَّفُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهَا كَثِيرًا حَتَّى تَصَرَّفَتْ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَبْقَ رِيحُهَا وَلَا لَوْنُهَا وَتُرِكَتْ حَتَّى جَفَّتْ طَهُرَتْ اهـ
الجزء 1 · صفحة 72
الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَأَسْفَلُهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجِرْمِ، ثُمَّ إذَا فُرِكَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا وَفِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ بِالْفَرْكِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ عَادَ نَجِسًا عِنْدَهُ وَلَا يَعُودُ عِنْدَهُمَا وَلَهَا أَخَوَاتٌ مِنْهَا أَنَّ الْخُفَّ إذَا أَصَابَهُ نَجَسٌ وَدَلَّكَهُ، ثُمَّ وَصَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْضُ إذَا أَصَابَهَا نَجَاسَةٌ وَذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهَا الْمَاءُ وَمِنْهَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ بِالشَّمْسِ أَوْ التَّتْرِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الدَّبَّاغِ الْحُكْمِيِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ الْمَنِيُّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَجْزِي فِيهِ الْفَرْكُ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِرُطُوبَةِ الْبَدَنِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَعَنْ الْفَضْلِيِّ أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَنَحْوُ السَّيْفِ بِالْمَسْحِ) أَيْ نَحْوُ السَّيْفِ مِنْ الْحَدِيدِ الصَّقِيلِ كَالْمِرْآةِ وَالسِّكِّينِ إذَا تَنَجَّسَ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ لِمَا صَحَّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ، ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ السَّيْفِ وَالْمِرْآةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُفْسِدُهَا فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَلَا بَيْنَ مَا لَهُ جِرْمٌ وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ، ثُمَّ قِيلَ يَطْهُرُ حَقِيقَةً فِي رِوَايَةٍ حَتَّى لَوْ قَطَعَ بِهِ الْبِطِّيخَ أَوْ اللَّحْمَ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَقِيلَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ وَلَا يَطْهُرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ صَقِيلًا حَتَّى لَوْ كَانَ خَشِنًا أَوْ مَنْقُوشًا لَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ) أَيْ تَطْهُرُ الْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ مِنْ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ وَالطَّعْمِ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا دُونَ التَّيَمُّمِ، أَمَّا طَهَارَتُهَا بِالْيُبْسِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ كُنْت فَتًى شَابًّا عَزَبًا أَبِيت فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهَا بِالْجَفَافِ؛ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مِنْ طَبْعِهَا أَنْ تُحِيلَ الْأَشْيَاءَ وَتُنْقِلَهَا إلَى طَبْعِهَا فَتَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ فَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ فِيهِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ ثَبَتَا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّيَانِ بِمَسْحِ الْأُذُنِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْحَطِيمِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأُذُنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالْحَطِيمِ مِنْ الْبَيْتِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَقِلُّ بِالْجَفَافِ وَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ يَمْنَعُ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَالَ الْكَمَالُ وَظَاهِرُهُ كَوْنُ الظَّاهِرِ النَّجَاسَةَ فِي الْكُلِّ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا اخْتَارَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْكُلِّ إذْ لَا صُنْعَ فِيهَا أَصْلًا لِيَكُونَ تَطْهِيرًا؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ شَرْعًا بِالْجَفَافِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ مَعْنَى الزَّكَاةِ فِي الْآثَارِ وَمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ الطَّاهِرَ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ بِخِلَافِ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ لَوْ دَخَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجُسَ عَلَى مَا قَالُوهُ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ عَلَى رِوَايَةٍ وَالْجَوَازُ بِغَيْرِهِ لِسُقُوطِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ عَفْوًا لَا لِطَهَارَتِهِ فَعَنْهُ أَخَذُوا كَوْنَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي النَّجَاسَاتِ عَفْوًا اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رَقِيقٌ) أَيْ فَيُلْحَقُ بِنَجَسٍ لَا جِرْمَ لَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَيُصَلُّونَ مَعَهَا) وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا ذُكِرَ لَوْ كَانَ عَلَى ظُفُرِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا طَهُرَتْ وَكَذَلِكَ الزُّجَاجَةُ وَالزُّبْدِيَّةُ الْخَضْرَاءُ يَعْنِي الْمَدْهُونَةَ وَالْخَشَبَ الْخَرَّاطِيِّ وَالْبُورِيَّا الْقَصَب. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْأَرْض بِالْيُبْسِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ أَوْ الرِّيحِ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَذَهَابِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْيُبْسِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لِلصَّلَاةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: دُونَ التَّيَمُّمِ) خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ اخْتَصَّ لِلْإِزَالَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا وَالزَّكَاةُ الطَّهَارَةُ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الطُّهُورِيَّةَ زَائِدَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ دُونَ الطُّهُورِيَّةِ. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: عَزَبًا) رَجُلٌ عَزَبٌ بِالتَّحْرِيكِ لَا زَوْجَ لَهُ. اهـ. مُغْرِبٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) فَلَوْلَا اعْتِبَارُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ كَانَ ذَلِكَ تَبْقِيَةً لَهَا بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ صِغَرِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مَنْ يَتَخَلَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ وَكَوْنِ ذَلِكَ يَكُونُ فِي بِقَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فَإِنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ يُفِيدُ تَكَرُّرَ الْكَائِنِ مِنْهَا وَلِأَنَّ تَبْقِيَتَهَا نَجِسَةً يُنَافِي الْأَمْرَ بِتَطْهِيرِهَا فَوَجَبَ كَوْنُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِخِلَافِ «أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِإِهْرَاقِ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ»؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَهَارًا وَالصَّلَاةُ فِيهِ تَتَتَابَعُ نَهَارًا، وَقَدْ لَا يَجِفُّ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَأَمَرَ بِتَطْهِيرِهَا بِالْمَاءِ بِخِلَافِ مُدَّةِ اللَّيْلِ أَوْ لِأَنَّ الْوَقْتَ إذْ ذَاكَ قَدْ آنَ أَوَانُهُ إذْ ذَاكَ أَكْمَلُ الطَّهَارَتَيْنِ لِلتَّيَسُّرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِذَا قَصَدَ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ صَبَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَجُفِّفَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةٍ، وَكَذَا لَوْ صَبَّ مَاءً بِكَثْرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا رِيحُهَا فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَلَوْ كَبَسَهَا بِتُرَابٍ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ التُّرَابِ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكِتَابِ هُوَ الْقَطْعُ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا دُونَ الطَّهَارَةِ الْقَطْعِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ تَعَالَى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قَطْعًا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ إقَامَةَ التَّكَالِيفِ تُبْتَنَى عَلَى الظَّنِّ دُونَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَطَّلِعُ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ مَثَلًا الْمُصَلِّي يُكَلَّفُ بِالْوُضُوءِ بِمَا هُوَ طَاهِرٌ فِي ظَنِّهِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ظَنِّهِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَكِّيًّا. اهـ. يَحْيَى وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ بِنَصِّ الْكِتَابِ مَا نَصُّهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ طَاهِرًا لَا أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهُ بِالْكِتَابِ مَقْطُوعًا بِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ظَنًّا، وَكَذَا فِي إخْوَتِهِ بِتَوَجُّهِ هَذَا النَّظَرِ كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئٍ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. .
الجزء 1 · صفحة 73
التَّيَمُّمِ دُونَ الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نُقْطَةً مِنْ الدَّمِ لَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ مَنَعَتْ مِنْ التَّطَهُّرِ بِهِ وَفِي الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةِ الصَّعِيدِ وَطَهُورِيَّتُهُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالصَّلَاةُ تَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةِ الْمَكَانِ لَا غَيْرُ وَبِالْخَبَرِ تَثْبُتُ الطَّهَارَةُ دُونَ الطَّهُورِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَعَفَا قَدْرَ الدِّرْهَمِ كَعَرْضِ الْكَفِّ مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَالرَّوْثِ وَالْخِثْيِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ كَكَثِيرِهَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ بِتَطْهِيرِهَا لَمْ تَفْصِلْ إلَّا أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ خَارِجٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ كَالذُّبَابِ يَقَعُ عَلَى النَّجَسِ، ثُمَّ عَلَى الثِّيَابِ، وَكَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ خَارِجٌ عَنْهَا لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مَعْفُوٌّ إجْمَاعًا فَقَدَّرْنَاهُ بِالدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ مُقَدَّرٌ بِهِ قَالَ النَّخَعِيّ اسْتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقْعَدَةِ فِي مَحَافِلِهِمْ فَكَنَّوْهَا بِالدِّرْهَمِ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْمُقْعَدَةَ وَغَيْرَهَا فَيُعْفَى لِلْحَرَجِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الدِّرْهَمِ فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ وَقِيلَ بِالْمِسَاحَةِ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ وَوَفَّقَ أَبُو جَعْفَرٍ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِذِكْرِ الْعَرْضِ تَقْدِيرَ النَّجَاسَةِ الْمَائِعَةِ وَبِذِكْرِ الْوَزْنِ تَقْدِيرَ النَّجَاسَةِ الْمُسْتَجْسَدَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ يُعْتَبَرُ بِدِرْهَمٍ زَمَانُهُ وَقَدْ قَالُوا إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ دُهْنٌ نَجِسٌ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ ازْدَادَ حَتَّى صَارَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَصَلَّى فِيهِ فَالْأُولَى جَائِزَةٌ وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْغِينَانِيِّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفٍ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ وَالْفَرَسِ وَخَرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ) أَيْ عُفِيَ مَا دُونَ رُبُعِ الثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَلِلرُّبْعِ حُكْمُ الْكُلِّ فِي الْأَحْكَامِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِهِ فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ ثَوْبٍ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ وَقِيلَ رُبْعُ طَرَفٍ أَصَابَتْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ) وَالْمُرَادُ بِالدَّمِ غَيْرُ الْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَفِي حُكْمِهِ اللَّحْمُ الْمَهْزُولُ إذَا قُطِعَ فَالدَّمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ نَجِسًا، وَكَذَا الدَّمُ الَّذِي فِي الْكَبِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ دَمًا فَقَدْ جَاوَرَ الدَّمَ وَالشَّيْءُ يَنْجُسُ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْبَاقِي أَنَّهُ مَعْفُوٌّ فِي الْأَكْلِ لَا الثَّوْبِ وَغَيْرُ دَمِ الشَّهِيدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ مُلَطَّخًا بِهِ فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ بِخِلَافِ قَتِيلٍ غَيْرِ الشَّهِيدِ لَمْ يُغَسَّلْ أَوْ غُسِّلَ وَكَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَعَيْنُ الْمِسْكِ قَالُوا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ كَوْنِهِ دَمًا وَلَمْ أَرَ لَهُ تَعْلِيلًا وَذَاكَرْت بَعْضَ الْإِخْوَانِ مِنْ الْمَغَارِبَةِ فِي الزَّبَادِ فَقُلْت لَهُ يُقَالُ أَنَّهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَقَالَ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ إلَى صَلَاحٍ كَالظَّبْيَةِ يَخْرُجُ عَنْ النَّجَاسَةِ كَالْمِسْكِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالرَّوْثُ وَالْخِثْيِ) وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا شَيْخُهُ السِّيرَامِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ لِذِي ظِلْفٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَخْثَاءَ وَخَثِيٍّ. اهـ. عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].
(قَوْلُهُ: فَقَدَّرْنَاهُ بِالدِّرْهَمِ إلَى آخِرِهِ) وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حِينَئِذٍ وَاحِدٌ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّدًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَا طَاقَيْنِ لِتَعَدُّدِهَا فَيَمْنَعُ وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ لَوْ صَلَّى مَعَ دِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَ وَجْهَيْهِ وَهُوَ جَوَاهِرُ سُمْكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفُذُ نَفْسُ مَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ فَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ فِيهِمَا مُتَّحِدَةً ثَمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ الْمُتَنَجِّسُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ أَوْ الْحَمَّامُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَى رَأْسِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ فَلَمْ يَكُنْ حَامِلَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ مَنْ لَا يَسْتَمْسِكُ حَيْثُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ هَذَا وَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ مَعَ مَا لَا يَمْنَعُ حَتَّى قِيلَ لَوْ عَلِمَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ يَرْفُضُهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ. اهـ. فَتْحٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الدِّرْهَمِ الَّذِي تَنَجَّسَ جَانِبَاهُ مَشَى عَلَيْهِ الْوَلْوَالِجِيُّ فَقَالَ أَمَّا إذَا كَانَ الثَّوْبُ ذَا طَاقَيْنِ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَتَعَدَّدَتْ النَّجَاسَةُ وَكَذَلِكَ الدِّرْهَمُ فَإِنَّ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ فَاصِلًا فَاعْتُبِرَ كُلُّ جَانِبٍ فِي نَفْسِهِ اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَنَفَذَتْ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ حَيْثُ لَوْ ضُمَّ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ إلَى الْآخَرِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ هَلْ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الثَّوْبُ ذَا طَاقَيْنِ مَنَعَ أَوْ ذَا طَاقٍ وَاحِدٍ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ اهـ. قَوْلُهُ: وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ قَالَ قَاضِي خَانْ إذَا صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ تَنَجَّسَ جَانِبَاهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْكُلَّ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. اهـ. .
(فَرْعٌ) يَحْفَظُ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ مَنْ انْتَهَى إلَى الْقَوْمِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَهُوَ يَخْشَى أَنَّهُ إنْ غَسَلَهُ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَغْسِلُهُ لِأَنَّ غَسْلَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ وَمَتَى دَخَلَ الْجَمَاعَةَ صَارَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ. اهـ. .
وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مَا نَصُّهُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إنْ كَانَ مُقْتَدِيًا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَغَسَلَ النَّجَاسَةَ يُدْرِكُ إمَامَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُ الثَّوْبَ لِأَنَّ قَطْعَ الصَّلَاةِ لِلْإِكْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ) أَيْ أَيُّ ثَوْبٍ كَانَ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرَسُ) أَيْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ ثَوْبٍ عَلَيْهِ) فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ الثَّوْبُ الَّذِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ شَامِلًا اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَابِ. اهـ. فَتْحٌ
الجزء 1 · صفحة 74
النَّجَاسَةُ كَالذَّيْلِ وَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَعَنْهُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ وَمِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَدَمَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَحُدَّ لِذَلِكَ حَدًّا، وَقَالَ: إنَّ الْفَاحِشَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِ النَّاسِ فَوَقَفَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَلِيظَةُ وَالْخَفِيفَةُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْغَلِيظَةُ مَا ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ بِنَصٍّ لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ يُخَالِفُهُ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ تَعَارُضُ نَصَّيْنِ.
وَالْخَفِيفَةُ مَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَكَانَ الْأَخْذُ بِالنَّجَاسَةِ أَوْلَى لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ مِثْلَ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَخَبَرِ الْعُرَنِيِّينَ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ فَخَفَّ حُكْمُهُ لِلتَّعَارُضِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي طَهَارَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الرَّوْثِ وَالْخِثْي وَالْبَعْرِ وَنَحْوِهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ «أَنَّهُ أَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ وَعِنْدَهُمَا مُخَفَّفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى طَهَارَتَهَا وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الرَّوْثَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ حِينَ كَانَ بِالرَّيِّ مَعَ الْخَلِيفَةِ فَرَأَى الطُّرُقَ وَالْخَانَاتِ مَمْلُوءَةً بِهَا وَلِلنَّاسِ فِيهَا بَلْوَى عَظِيمَةٌ فَرَجَعَ إلَيْهِ وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى؛ لِأَنَّ مَمْشَى النَّاسِ وَالدَّوَابِّ فِيهَا وَاحِدٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُرْوَى رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ إلَى قَوْلِهِمَا إذَا أَصَابَهُ عَذِرَةٌ حَتَّى قَالَ: يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ وَفِي الرَّوْثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلْكِ عِنْدَهُ لِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا بَوْلُ الْفَرَسِ فَقَدْ تَعَارَضَ فِيهِ نَصَّانِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ كَرَاهَةَ أَكْلِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ لِكَرَامَتِهِ كَلَحْمِ الْآدَمِيِّ فَصَارَ مُخَفَّفًا؛ لِأَنَّهُ بَوْلُ بَهَائِمَ طَاهِرَةِ اللَّحْمِ فَيَكُونُ التَّعَارُضُ فِيهِ مَوْجُودًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَأْكُولٌ فَيَكُونُ بَوْلُهُ مُخَفَّفًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ وَخَرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا مُغَلَّظَةٌ فِي رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَفِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، وَقِيلَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّخْفِيفِ أَيْضًا فَحَصَلَ لِأَبِي يُوسُفَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَلِمُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ وَهُوَ أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُخَفَّفَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مُغَلَّظَةٌ وَجْهُ طَهَارَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ نَتِنٌ وَخَبَثٌ رَائِحَةً وَلَا يُنَحَّى شَيْءٌ مِنْ الطُّيُورِ عَنْ الْمَسَاجِدِ فَعِلْمنَا أَنَّ خَرْءَ جَمِيعِ الطُّيُورِ طَاهِرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: فَوَقَفَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ) وَالْأَوْجَهُ إنْكَالُهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ اسْتَفْحَشَهُ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. زَادُ الْفَقِيرِ.
(قَوْلُهُ: اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً وَهُوَ عَامٌّ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّعْدِيَةِ لَا لِلتَّبْعِيضِ وَالْبَوْلُ مُحَلَّى بِاللَّامِ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ بَوْلٍ وَقَدْ أَمَرَ بِطَلَبِ النَّزَاهَةِ مِنْهُ وَالطَّاهِرُ لَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِنْزَاهِ مِنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَا قِيلَ أَنَّ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ عِنْدَهُ كَبَوْلِ الْإِنْسَانِ مَمْنُوعٌ بَلْ تُعْتَبَرُ إذَا تَحَقَّقَتْ لِلنَّصِّ النَّافِي لِلْحَرَجِ وَهُوَ لَيْسَ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَالْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الِانْتِضَاحِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ لَا فِيمَا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِأَغْلَبِيَّةِ عُسْرِ الِانْفِكَاكِ وَذَلِكَ إنْ تَحَقَّقَ فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فَكَمَا قُلْنَا وَقَدْ رَتَّبْنَا مُقْتَضَاهُ إذْ قَدْ أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ اهـ.
{فَرْعٌ} قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةُ وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الشَّاةِ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ تُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَجُلٌ رَأَى عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ اشْتَغَلَ بِغَسْلٍ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مُفِيدٌ وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى كَلَامِهِ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَار لَا يُفِيدُ قَالُوا وَمَشَايِخُنَا قَاسُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى هَذَا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ قَوْلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ مَاءُ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَمِ أَوْ مُنْبَعِثًا مِنْ الْجَوْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ فِيهِ لَوْنُ الدَّمِ فَهُوَ نَجِسٌ وَعِنْدَهُمَا طَاهِرٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَاءُ فَمِ الْمَيِّتِ قِيلَ: إنَّهُ نَجِسٌ. اهـ. تَتَارْخَانِيَّةُ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْبَلْغَمِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ مَاءُ فَمِ النَّائِمِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَهُوَ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْبَلْغَمِ أَوْ مُنْبَعِثًا مِنْ الْجَوْفِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْفَمِ حَالَةَ النَّوْمِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْبَلْغَمِ فَيَكُونُ طَاهِرًا كَيْفَمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ تَعَارَضَ فِيهِ نَصَّانِ) نَصُّ جَوَازِ أَكْلِهِ وَنَصُّ النَّهْيِ عَنْهُ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: لِأَبِي يُوسُفَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ) الْوَاقِعُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَمَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَحَصَّلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ خَفِيفٌ وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ غَلِيظٌ وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ غَلِيظٌ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ. فَتْحٌ
الجزء 1 · صفحة 75
حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ وَوَجْهُ التَّغْلِيظِ أَنَّهُ لَا تَكْثُرُ إصَابَتُهُ وَقَدْ غَيَّرَهُ طَبْعُ الْحَيَوَانِ إلَى خَبَثٍ وَنَتِنٍ فَصَارَ كَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا مَرَّ فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَوَجْهُ التَّخْفِيفِ عُمُومُ الْبَلْوَى وَالضَّرُورَةِ وَهِيَ تُوجِبُ التَّخْفِيفَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَيْ عُفِيَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَدَمُ السَّمَكِ إلَى آخِرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ دَمَ السَّمَكِ وَلُعَابَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْفُوًّا وَالْعَفْوُ يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ السَّمَكَ الْكَبِيرَ إذَا سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ فَاحِشٌ يَكُونُ نَجِسًا مُغَلَّظًا وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالتَّغْلِيظِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الدَّمَوِيَّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَلِهَذَا اكْتَفَى مُحَمَّدٌ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ أَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَالدَّمُ يَسْوَدُّ بِهَا فَلَا يَكُونُ دَمًا، وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَقَدْ مَرَّ فِي الْأَسْآرِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ الْمُنْتَضِحُ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَمَعْفُوٌّ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وُجُوبُ غَسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ حَقِيقَةً قُلْنَا: لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَسَقَطَ حُكْمُهُ وَقَوْلُهُ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْرَ جَانِبِهَا الْآخَرِ يُعْتَبَرُ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالنَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ)؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحِلِّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ إذَا عَصَرَهُ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ ثَلَاثًا بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ لَمْ تُغْسَلْ قَطُّ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ يُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إلَّا مَا يَشُقُّ) أَيْ إلَّا مَا يَشُقُّ إزَالَةُ أَثَرِهِ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِخَوْلَةِ بِنْتِ يَسَارٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ»؛ وَلِأَنَّ فِيهِ حَرَجًا بَيِّنًا فَإِنَّ مَنْ خَضَّبَ يَدَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءَ نَجِسٍ لَا يَزُولُ لَوْنُهُ بِالْغَسْلِ وَفِي قَطْعِهِمَا حَرَجٌ ظَاهِرٌ لَا يَلِيقُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَتَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ لِإِزَالَتِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الْمُعَدَّةَ لِقَطْعِ النَّجَاسَةِ الْمَاءُ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ فَلَا يُكَلَّفُ بِالْمُعَالَجَةِ بِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَغَيْرُهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَالْعَصْرِ كُلَّ مَرَّةٍ) أَيْ غَيْرُ الْمَرْئِيِّ مِنْ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا وَلِهَذَا قَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q ( قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا تَكْثُرُ) أَيْ فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَلْوَى اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ غَيْرِهِمَا اهـ مِنْ خَطِّ قَارِئٍ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَخَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ نَجَاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَدَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَجِسٌ فَقُلْنَا بِخِفَّتِهِ لِذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) أَمَّا لَوْ انْتَضَحَ مِثْلُ رُءُوسٍ الْمِسَلَّةِ يَمْنَعُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ الْجَانِبِ الْآخَرِ يُعْتَبَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ لَا يَعْتَبِرُ الْجَانِبَيْنِ وَإِذَا أَصَابَهُ مَا يَكْثُرُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَالْحِمَارُ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ إذْ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمَا تَصَوَّرَ لَنَا سُؤْرٌ مَشْكُوكٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ خَالَطَهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ لَهُ وَصْفًا فَمِنْ أَيْنَ يَجِيءُ الشَّكُّ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ طَاهِرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ) أَيْ وَأَثَرِهِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحِلِّ بِمُجَاوَرَةِ الْعَيْنِ وَقَدْ زَالَتْ وَحَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ ضَرُورَةٌ أَنَّهُ مَأْمُورٌ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ وَلِذَا كَانَ مَنْدُوبًا وَلَوْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَانَتْ مُحَقَّقَةً وَكَانَ حُكْمُهُ الْوُجُوبَ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إلَّا مَا يَشُقُّ إزَالَةُ أَثَرِهِ) أَيْ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ بِالنِّيلِ أَوْ الْعُصْفُرِ النَّجِسِ فَغَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ وَلَا تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ إلَّا بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ وَإِنْ لَحِسَهُ بِلِسَانِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَلْقَى بُزَاقَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَهُرَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ الطِّفْلُ إذَا قَاءَ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ امْتَصَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ») أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ إذَا طَهُرْت فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.
(قَوْلُهُ: بِحِنَّاءَ نَجِسٍ) فَغُسِلَ إلَى أَنْ صَفَا الْمَاءُ يَطْهُرُ مَعَ قِيَامِ اللَّوْنِ وَقِيلَ يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ لَوْ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ دُهْنٍ نَجِسٍ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ فَإِنَّمَا عَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ قَالَ فَبَقِيَ عَلَى يَدِهِ طَاهِرًا كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الدُّهْنِ يَنْجُسُ يُجْعَلُ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَعْلُوَا الدُّهْنُ فَيَرْفَعُهُ بِشَيْءٍ هَكَذَا يَفْعَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ كَالْحُكْمِيِّ قُلْنَا: الْحُكْمِيُّ عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالشَّرْعِ وَهُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ بِزَوَالِهِ مَرَّةً، وَأَمَّا الْحَقِيقِيُّ عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالْحَقِيقَةِ فَيُعْرَفُ زَوَالُهُ بِالْحَقِيقَةِ وَهَذَا بِتَكْرَارِ الْغُسْلِ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ وَيَعْتَبِرُ قُوَّةَ كُلِّ عَاصِرٍ حَتَّى إذَا انْقَطَعَ تَقَاطُرُهُ بِعَصْرِهِ، ثُمَّ قَطَرَ بِعَصْرِ رَجُلٍ آخَرَ
الجزء 1 · صفحة 76
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» الْحَدِيثَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَتْ لَهُ عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِزَوَالِهِ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الِاجْتِهَادِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ غَالِبًا إلَّا بِالتَّكْرَارِ وَالْعَصْرِ فَشَرَطَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ حَتَّى لَوْ جَرَى الْمَاءُ عَلَى ثَوْبٍ نَجَسٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَصْرٌ وَالْمُعْتَبَرُ ظَنُّ الْغَاسِلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَبِتَثْلِيثِ الْجَفَافِ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ) أَيْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِالتَّجْفِيفِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِيمَا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ كَالْخَزَفِ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ وَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ بِالنَّجَسِ؛ لِأَنَّ لِلتَّخْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ وَتَفْسِيرُ التَّخْفِيفِ أَنْ يُخَلِّيَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ التَّقَاطُرُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْيُبْسُ وَعَلَى هَذَا السِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ وَاللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِهِ وَالْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ بِالنَّجَسِ حَتَّى انْتَفَخَتْ تَطْهِيرُهُ بِأَنْ تَمُوهَ السِّكِّينُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتُطْبَخَ الْحِنْطَةُ وَاللَّحْمُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَبْرُدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَطْهُرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَبَدًا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَصِيرُ وَكُلُّ مَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ عِنْدَنَا وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَيْتَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَمْلَحَةِ فَاسْتَحَلَّتْ حَتَّى صَارَتْ مِلْحًا وَالْعَذِرَةِ إذَا صَارَتْ تُرَابًا أَوْ أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ وَصَارَتْ رَمَادًا فَهِيَ نَظِيرُ الْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ أَوْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا لِلِاسْتِحَالَةِ وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ رَأْسَ الشَّاةِ لَوْ أُحْرِقَ حَتَّى زَالَ الدَّمُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَكَذَا الْبِلَّةُ النَّجِسَةُ فِي التَّنُّورِ تَزُولُ بِالْإِحْرَاقِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَسُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ دُونَهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الثَّوْبُ النَّجِسُ إذَا غُسِلَ ثَلَاثًا وَعُصِرَ مَرَّةً لَا يَطْهُرُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ غُسِلَ ثَلَاثًا وَعُصِرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ تَقَاطَرَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ فَأَصَابَتْ شَيْئًا إنْ عَصَرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَبَالَغَ فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ عَصَرَهُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ فَالْكُلُّ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَمَا تَقَاطَرَ مِنْهُ نَجِسٌ وَمَا أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَهُ اهـ.
{فَرْعٌ} الْوِعَاءُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ الْخَمْرُ هَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ يُنْظَرُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْخَمْرُ إذَا أَصَابَتْ الْحِنْطَةَ فَغَسَلَهَا وَطَحَنَهَا وَخَبَزَهَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهَا إذَا كَانَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ طَعْمٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَإِنْ يُوجَدُ مِنْهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِذَا انْتَفَخَتْ مِنْهُ الْحِنْطَةُ فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا إلَّا إذَا جَعَلَهَا فِي خَلٍّ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ، وَلَوْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي دُهْنٍ أَوْ وَقَعَ فِيهِ فَأْرَةٌ فَغَسَلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ غَسْلِهِ (قَوْلُهُ: وَالْآجُرُّ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْآجُرُّ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَتَشَرَّبَتْ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْآجُرُّ قَدِيمًا مُسْتَعْمَلًا يَكْفِيهِ الْغَسْلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا يُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُجَفَّفُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ مَرَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا السِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ) قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ مَوَّهَ الْحَدِيدَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ يُمَوِّهُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ السِّكِّينُ إذَا مُوِّهَ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَا تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَعْنِي إذَا كَانَ فَوْقَ الدِّرْهَمِ وَيَجُوزُ قَطْعُ الْبِطِّيخِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا بِالنَّارِ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ يُبَاحُ قَطْعُ الْبِطِّيخِ بِالسِّكِّينِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِوَاسِطَةِ قَطْعِهِ بِهِ لِتَكُونَ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ السِّكِّينِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ مَا شَرِبَهُ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْبِطِّيخِ بِمُجَرَّدِ قَطْعِهِ بِهِ. اهـ. ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَطْهُرُ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي رَمَادِ السِّرْقِينِ وَالْخَشَبَةِ النَّجِسَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَذِرَةُ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْعَذِرَاتُ إذَا دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى صَارَتْ تُرَابًا قِيلَ تَطْهُرُ كَالْحِمَارِ الْمَيِّتِ إذَا وَقَعَ فِي مَمْلَحَةٍ وَصَارَ مِلْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا غُسِلَتْ خَابِيَةَ الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَطْهُرُ إذَا لَمْ تَبْقَ رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَإِنْ بَقِيَتْ لَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ فِي الْخَمْرِ، ثُمَّ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا يَطْهُرُ هُوَ الصَّحِيحُ فَأْرَةٌ وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ وَمَاتَتْ إنْ أُخْرِجَتْ، ثُمَّ تَخَلَّلَتْ صَارَتْ طَاهِرَةً وَإِنْ تَخَلَّلَتْ وَهِيَ فِيهِ إنَّهُ نَجِسٌ الْخَزَفُ الْجَدِيدُ إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَطْهُرُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا يُغْسَلُ ثَلَاثًا يَطْهُرُ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْخَمْرِ يُجْعَلُ فِيهِ الْخَلُّ حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرُهَا فَيَطْهُرُ.
(قَوْلُهُ: يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ الْحَرْقُ كَالْغَسْلِ. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ صُبَّ الْخَمْرُ فِي قِدْرٍ فِيهِ لَحْمٌ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغَلَيَانِ لَا يَطْهُرُ وَقِيلَ يُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبَرُّدِ وَالْخُبْزُ الَّذِي عُجِنَ بِالْخَمْرِ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ.
[الِاسْتِنْجَاء]
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَسُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ) وَهُوَ مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجْوِ أَوْ غَسْلُهُ وَالنَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السِّينُ لِلطَّلَبِ أَيْ طَلَبِ النَّجْوِ لِيُزِيلَهُ. اهـ. بَاكِيرٌ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُزَالِ بِهِ حُرْمَةٌ أَوْ قِيمَةٌ كُرِهَ كَقِرْطَاسٍ وَخِرْقَةٍ وَقُطْنَةٍ وَخَلٍّ قِيلَ يُوَرِّثُ ذَلِكَ الْفَقْرَ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ إزَالَةُ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِطَابَةُ عِبَارَاتٌ عَنْ إزَالَةِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ فَسَمَّى الْكَرْخِيُّ إزَالَةَ ذَلِكَ اسْتِجْمَارًا وَهُوَ طَلَبُ الْجَمْرَةِ وَهِيَ الْحَجَرُ الصَّغِيرُ وَالطَّحَاوِيُّ سَمَّاهَا اسْتِطَابَةً وَهِيَ طَلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَالْقُدُورِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ سَمَّاهَا اسْتِنْجَاءً وَهُوَ إمَّا مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ يَسْتَتِرُ بِنَجْوَةٍ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ وَأَنْجَيْتهَا إذَا قَطَعْتهَا كَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِ) وَلِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. اهـ. كَمَالٌ
الجزء 1 · صفحة 77
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ التُّرَابِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ فَرْضٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِالْمَاءِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِغَيْرِ الْمَاءِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِهِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَاءَ آلَةُ التَّطْهِيرِ وَهُوَ مُطَهِّرٌ حَقِيقَةً فَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْمُطَهِّرِ فَكَيْفَ يَجِبُ بِغَيْرِهِ فَصَارَ كَالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَقْعَدَةَ لَا يَجِبُ تَطْهِيرُهَا إذْ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ بِالْمَاءِ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَا تَتَقَوَّمُ كَالْمَدَرِ وَالتُّرَابِ وَالْعُودِ وَالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَالْجِلْدِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَقَوْلُهُ مُنَقٍّ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَكُونُ دُونَهُ سُنَّةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ فِي الصَّحِيحِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ دَمٌ أَوْ قَيْحٌ يَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْخَارِجِ يَطْهُرُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهِ وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ أَنْ يَجْلِسَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَسَارِهِ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ وَيُقْبِلُ بِالثَّانِي وَيُدْبِرُ بِالثَّالِثِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ هَذَا فِي الصَّيْفِ وَفِي الشِّتَاءِ يُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي وَيُقْبِلُ بِالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ مُتَدَلِّيَتَانِ فِي الصَّيْفِ فَيَخَافُ مِنْ التَّلْوِيثِ وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ فِي الشِّتَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِي حَقِّ الْعَرَقِ حَتَّى إذَا أَصَابَهُ الْعَرَقُ مِنْ الْمَقْعَدَةِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَوْ قَعَدَ فِي مَاءِ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَا سُنَّ فِيهِ عَدَدٌ) أَيْ لَيْسَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ التَّثْلِيثِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَاوَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَجَرَيْنِ وَرَوْثَةً فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ إنَّهُ رِجْسٌ» وَلَوْ كَانَ التَّثْلِيثُ وَاجِبًا لَنَاوَلَهُ ثَالِثًا؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ الْإِنْقَاءُ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ بِالثَّلَاثِ بَعْدَ حُصُولِهِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ يُزَادُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا لِكَوْنِهِ هُوَ الْمَقْصُودُ وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَأَنْقَى جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَلَعَلَّ ذِكْرَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ النَّقَاءُ بِهَا غَالِبًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَحَمْلُهُمْ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجٌ» عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْوِتْرِ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَصَلَ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ فَالزِّيَادَةُ بِدْعَةٌ عِنْدَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَوَاجِبَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا وَعَلَى جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِهَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ حَتَّى يَجُوزَ الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا وِتْرٌ حَقِيقَةً.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَحَبُّ) أَيْ غَسْلُ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يُقْلِعُ النَّجَاسَةَ وَالْحَجَرُ يُخَفِّفُهَا فَكَانَ أَوْلَى وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] قِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَهْلَ قُبَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَاذَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغَائِطِ فَقَالُوا نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ، ثُمَّ نُتْبِعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ»، ثُمَّ قِيلَ هُوَ أَدَبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى وَقِيلَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ يَثْلِطُونَ ثَلْطًا وَفِي الْأَوَّلِ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثِ أَحْجَارٍ») قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي أَصَابَتْهُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالَ أَوْ أَقَلَّ سُنَّةً وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ أَدَبٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: بِنَحْوِ حَجَرٍ) أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ الطَّاهِرَةَ. اهـ. بَاكِيرٌ بِمَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ الطَّاهِرَةِ إذْ الْمَقْصُودُ إزَالَةُ النَّجْوِ فَمَا صَلَحَ لِذَلِكَ جَازَ بِهِ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمُحْدِثُ إذَا اسْتَنْجَى فَأَصَابَ الْمَاءُ ذَيْلَهُ أَوْ كُمَّهُ إنْ أَصَابَ الْمَاءُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّالِثَ يَتَنَجَّسُ نَجَاسَةً غَلِيظَةً وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ الرَّابِعُ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمِلِ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تَتَقَوَّمُ) فَلَا يَسْتَنْجِي بِنَحْوِ الْيَاقُوتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهِ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ عَنْ الْغَايَةِ عَنْ الْقُنْيَةِ قَوْلُهُ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ) الْإِدْبَارُ الذَّهَابُ إلَى جَانِبِ الدُّبُرِ وَالْإِقْبَالُ ضِدُّهُ شَرْحُ وِقَايَةٍ (قَوْلُهُ: وَيُقْبِلُ بِالثَّانِي) أَيْ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ أَبْلَغُ فِي التَّنْقِيَةِ اهـ شَرْحُ وِقَايَةٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُنْتَقَى مَنْ لَمْ يُدْخِلْ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ فَلَيْسَ بِتَنْظِيفٍ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَقِيلَ إنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَاسُورَ اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ مُتَدَلِّيَتَانِ) فَلَا يُقْبِلُ احْتِرَازًا عَنْ تَلْوِيثِهِمَا، ثُمَّ يُقْبِلُ، ثُمَّ يُدْبِرُ مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ وَفِي الشِّتَاءِ غَيْرُ مُدَلَّاةٍ فَيُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ أَبْلَغُ فِي التَّنْقِيَةِ، ثُمَّ يُدْبِرُ، ثُمَّ يُقْبِلُ لِلْمُبَالَغَةِ. اهـ. بَاكِيرٌ.
(قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَحَبُّ) إنْ أَمْكَنَهُ بِلَا كَشْفِ عَوْرَةٍ، وَإِلَّا يُتْرَكُ حَتَّى لَا يَصِيرَ فَاسِقًا. اهـ. بَاكِيرٌ قَالَ الْكَمَالُ وَإِنَّمَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إذَا وَجَدَ مَكَانًا يَسْتَتِرُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ سُتْرَةٌ لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ قَالُوا يَفْسُقُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْمُصَلِّينَ فِي الْمِيضَأَةِ فَضْلًا عَنْ شَاطِئِ النِّيلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ يَثْلَطُونَ ثَلْطًا) فَتَتَلَوَّثُ الْمَقْعَدَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ اهـ سَرُوجِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَيَسْتَنْجِي بِبَطْنِ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَيَحْتَرِزُ عَنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَيُنَشِّفُ الْمَحِلَّ إنْ كَانَ صَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ كَيْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَهُ وَإِنَّمَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ مَوْضِعَ الْمِحْقَنَةِ وَقَلَّمَا يَكُونُ اهـ
الجزء 1 · صفحة 78
وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى بَعْدَمَا اسْتَرْخَى كُلَّ الِاسْتِرْخَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا وَيُصَعِّدُ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى عَلَى سَائِرِ الْأَصَابِعِ قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ يُصَعِّدُ بِنْصِرَهُ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ يُصَعِّدُ خِنْصَرَهُ، ثُمَّ سِبَابَتَهُ فَيَغْسِلُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَيُبَالِغُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَلَا يُقَدَّرُ بِالْعَدَدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ مَرْئِيَّةٌ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا زَوَالُ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّهِ بِالثَّلَاثِ وَقِيلَ بِالسَّبْعِ وَقِيلَ يُقَدَّرُ فِي الْإِحْلِيلِ بِالثَّلَاثِ وَفِي الْمَقْعَدَةِ بِالْخَمْسِ وَقِيلَ بِالتِّسْعِ وَقِيلَ بِالْعَشْرِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْمَشْيِ أَوْ بِالتَّنَحْنُحِ أَوْ النَّوْمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَوْ خَرَجَ دُبُرُهُ وَهُوَ صَائِمٌ فَغَسَلَهُ لَا يَقُومُ حَتَّى يُنَشِّفَهُ بِخِرْقَةٍ قَبْلَ رَدِّهِ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ وَقِيلَ تَسْتَنْجِي بِرُءُوسِ أَصَابِعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَطْهِيرِ فَرْجِهَا الْخَارِجِ وَقِيلَ يَكْفِيهَا غَسْلُهُ بِرَاحَتِهَا وَقِيلَ بِعَرْضِ أَصَابِعِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا أَدْخَلَتْ الْأَصَابِعَ يُخْشَى عَلَيْهَا أَنْ تَجْنُبَ بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ اللَّذَّةِ وَالْعَذْرَاءُ لَا تَسْتَنْجِي بِأَصَابِعِهَا خَوْفًا مِنْ زَوَالِ الْعُذْرَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَجِبُ إنْ جَاوَزَ النَّجَسُ الْمَخْرَجَ) أَيْ يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ إذَا جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ مِنْ النَّجَاسَةِ إنَّمَا اكْتَفَى فِيهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمُجَاوِزِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُجَاوِزْ وَكَانَ جُنُبًا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِوُجُوبِ غَسْلِ الْمَقْعَدَةِ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُعْتَبَر الْقَدْرُ الْمَانِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ مَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ مِنْ النَّجَاسَةِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمُجَاوِزُ عَنْ الْمَخْرَجِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَمَعَ الَّذِي فِي الْمَخْرَجِ يَزِيدُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَاقِطٌ لِلْعِبْرَةِ وَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ وَلَا يُضَمُّ إلَى مَا فِي جَسَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمُجَاوِزِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ مَعَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ عِنْدَهُ وَوَجَبَ غَسْلُهُ، وَكَذَا يُضَمُّ مَا فِي الْمَخْرَجِ إلَى مَا فِي جَسَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَخْرَجَ كَالْبَاطِنِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ مَا فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ أَصْلًا وَعِنْدَهُ كَالْخَارِجِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ كَبِيرَةً وَكَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ تَتَجَاوَزْ مِنْ الْمَخْرَجِ فَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَجْزِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَجْحَارِ وَعَنْ ابْنِ شُجَاعٍ يَجْزِيهِ وَمِثْلُهُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِمَا وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْخَارِجِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ) أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَيَمِينِهِ وَقَالَ فِي الْعَظْمِ لَا تَسْتَنْجُوا بِهِ فَإِنَّهُ طَعَامُ إخْوَانِكُمْ» يَعْنِي الْجِنَّ فَطَعَامُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يُسْتَنْجَى بِهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالطَّعَامِ إضَاعَةَ الْمَالِ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَالَ فِي الْغَايَةِ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ الْعَظْمُ وَالرَّجِيعُ وَالرَّوْثُ وَالطَّعَامُ وَاللَّحْمُ وَالزُّجَاجُ وَالْوَرَقُ وَالْخَزَفُ وَوَرَقُ الشَّجَرِ وَالشَّعْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الْعَالِيَةِ الدُّعَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ وَإِنَّمَا عَدَّى بِعَلَى بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْأَعْشَى
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْت مُرْتَحَلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ الْمَعْهُودَةِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ بَقَاءِ مَعْنَى اللُّغَةِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لَا نَقْلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: حَتَّى يُنَشِّفَهُ بِخِرْقَةٍ قَبْلَ رَدِّهِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَسَى يَدْخُلُ الْمَاءُ جَوْفَهُ الْمُسْتَنْجِي لَا يَتَنَفَّسُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا كَانَ صَائِمًا لِهَذَا. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ (قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي صِفَةِ الِاسْتِنْجَاءِ.
(قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقِيلَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ فِي وَجْهَيْنِ فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَفِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَاجِبٌ وَفِيمَا دُونَهُ سُنَّةٌ وَفِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمَخْرَجَ وَالْإِحْلِيلَ يُسْتَحَبُّ وَفِي الْبَعْرِ أَدَبٌ وَفِي الرِّيحِ بِدْعَةٌ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يَسْتَنْجِي بِالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الْفَقْرَ بِالْحَدِيثِ وَمَقْطُوعُ الْيُسْرَى يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ إنْ قَدَرَ وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ يَمْسَحُ ذِرَاعَيْهِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَيُصَلِّي وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ صَغِيرَةً.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. اهـ. .
[الِاسْتِنْجَاء بِالْعَظْمِ والروث]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ)؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ. (قَوْلُهُ: وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ. اهـ. .
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ: الْعَالِيَةِ) أَيْ الْمَشْهُورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَعْشَى) وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَبِيدٌ بَدَلُ الْأَعْشَى قَالَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ هَذَا رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ قَرُبَ مُرْتَحَلُهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ رَاحِلَتُهُ وَهِيَ مَرْكَبُهُ الَّتِي يَضَعُ عَلَيْهَا رَحْلَهُ وَيَرْكَبُهُ فَدَعَتْ ابْنَتُهُ لَهُ وَالْمُضْطَجَعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَوْضِعُ الِاضْطِجَاعِ وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا دَعَتْ لَهُ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ بِالْعَافِيَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَرُبْت مُرْتَحَلًا الِارْتِحَالُ إلَى الْقَبْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: صَلَّيْت) أَيْ دَعَوْت لِأَبِيك اهـ.
(قَوْلُهُ: فَاغْتَمِضِي) أَيْ أَغْمِضِي عَيْنَك لِأَجْلِ النَّوْمِ.
الجزء 1 · صفحة 79
عَلَى مَا قَالُوا وَقَالَ فِي الْغَايَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ لِوُجُودِهَا بِدُونِهِ فِي الْأُمِّيِّ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ الصُّبْحِ الصَّادِقِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا أَوْ كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك» وَسُمِّيَ الْفَجْرُ الثَّانِي صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ يُضِيءُ، ثُمَّ يَسْوَدُّ وَيَذْهَبُ النُّورُ وَيَعْقُبُهُ الظَّلَامُ فَكَأَنَّهُ كَاذِبٌ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ إنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الصُّبْحُ الصَّادِقُ وَآخِرَهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالظُّهْرُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ سِوَى الْفَيْءِ) أَمَّا أَوَّلُهُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أَيْ لِزَوَالِهَا وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَقَالَا آخِرَهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَالْمُفِيدِ وَالتُّحْفَةِ والإسبيجابي وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ جَعَلَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمِثْلَيْنِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمُهْمَلَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَحَدِهِمْ عَنْهُ لَا تَنْفِي رِوَايَةَ غَيْرِهِ عَنْهُ لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ الظُّهْرُ بَاقِيًا لَمَا صَلَّى فِيهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ بِمَعْنَاهُ وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ فَأَنْتُمْ هُمْ فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءً» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمِنْ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِثْلَ بَقِيَّةِ النَّهَارِ إلَى الْغُرُوبِ فَلَمْ تَكُنْ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ أَطْوَلَ وَلَا يُقَالُ مِنْ وَقْتِ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ وَمِنْ وَقْتِ الْمِثْلِ إلَى الْغُرُوبِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ فَقَدْ وُجِدَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ لِطُولِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا الْقَدْرُ الْيَسِيرُ مِنْ الْوَقْتِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْحِسَابُ وَمُرَادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَفَاوُتٌ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَا رَوَيَاهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ Q [ مَوَاقِيت الصَّلَاة]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ الصُّبْحِ الصَّادِقِ) ابْتَدَأَ بِبَيَانِ وَقْتِ الْفَجْرِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِبَيَانِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَمَّ فِيهَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ وَقْتُ مَا اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا مُعَلِّمًا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفْتَرِضٌ قُلْنَا هَذِهِ دَعْوَى فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّهُ كَانَ مُتَنَفِّلًا أَوْ مُفْتَرِضًا أَمَّا كَوْنُهُ مُعَلِّمًا فَبَيِّنٌ وَإِنْ قَالُوا لَا تَكْلِيفَ عَلَى مَلَكِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قُلْنَا هَذَا لَا يُعْلَمُ عَقْلًا وَإِنَّمَا عُلِمَ بِالشَّرْعِ وَجِبْرِيلُ مَأْمُورٌ بِالْإِمَامَةِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُؤْمَرْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ فَكَمَا خُصَّ بِالْإِمَامَةِ جَازَ أَنْ يُخَصَّ بِالْفَرِيضَةِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا) وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُهُ بِذَنَبِ السَّرْحَانِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا طُولُهُ وَالثَّانِي أَنَّ ضَوْءَهُ يَكُونُ فِي الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ كَمَا أَنَّ الذِّئْبَ يَكْثُرُ شَعْرُ ذَنَبِهِ فِي أَعْلَاهُ لَا فِي أَسْفَلِهِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ وَقْتًا لِتِلْكَ الْفَرِيضَةِ قُلْنَا وُجِدَ الْبَيَانُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَإِنْ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» وَفِيهِ بَيَانٌ فِي حَقِّهِمَا؛ وَلِأَنَّ إمَامَةَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ تَكُنْ لِنَفْيِ مَا وَرَاءَ وَقْتِ الْإِمَامَةِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهَذَا جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ احْتِجَاجِهِمَا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَوْ نَقُولُ هَذَا بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ إذْ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِمَّا يَتَعَسَّرُ عَلَى النَّائِمِينَ فَيُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَفِي التَّأْخِيرِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ فَكَانَ الْمُسْتَحَبُّ مَا بَيْنَهُمَا مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا». اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالظُّهْرِ) أَيْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْفَجْرِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: مِثْلَيْهِ) وَانْتِصَابُهُ بِالْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إلَى فَاعِلِهِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ) أَيْ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ كَوْنِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فَيْحُ جَهَنَّمَ شِدَّةُ حَرِّهَا. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ) يَعْنِي إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
(قَوْلُهُ: إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ) إنَّمَا كَانَ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ قِيرَاطَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ زَمَنُ إقَامَةِ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَالُ) أَيْ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ
الجزء 1 · صفحة 80
صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلَا يُقَالُ بِتَدَاخُلِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِيهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَتَدَاخَلُ وَقْتَا صَلَاةٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى»، ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ مَا دَامَ الْقُرْصُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ فَإِنْ انْحَطَّ يَسِيرًا فَقَدْ زَالَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقُومُ الرَّجُلُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَنْ يَسَارِهِ فَهُوَ الزَّوَالُ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْخَبَّازِيُّ وَهُوَ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَمَا دَامَ ظِلُّ الْعُودِ عَلَى النُّقْصَانِ فَهِيَ عَلَى الصُّعُودِ لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ فَإِذَا وَقَفَ وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدْ فَهُوَ قِيَامُ الظَّهِيرَةِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ فَخَطَّ عَلَى رَأْسِ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ خَطًّا فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ إلَى الْعُودِ فِي الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْعُودِ مِثْلَيْ الْعُودِ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ لَا مِنْ مَوْضِعِ غَرْزِ الْعُودِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَبْسُوطِ قَالَ فَيْءُ الزَّوَالِ هُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَوْلُهُ سِوَى الْفَيْءِ أَيْ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ عَنْ الْإِضَافَةِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْعَصْرُ مِنْهُ إلَى الْغُرُوبِ) أَيْ وَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ وَقْتِ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَمَّا أَوَّلُهُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَيْنَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْمَغْرِبُ مِنْهُ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ) أَيْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَعَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَقْدِيرِهِ فِي الْجَدِيدِ بِمُضِيِّ قَدْرِ وَضُوءِ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ وَلَا يُعَارِضُهُ إمَامَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ بَدَأَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتَ الْفَرَاغِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَاغُ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيَكُونُ قَوْلُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك إشَارَةً إلَى ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَإِلَى انْتِهَائِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي يَوْمَيْنِ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَعَا السَّائِلَ، ثُمَّ قَالَ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ مَنْسُوخًا بِمَا رَوَيْنَا؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَقَدِّمٌ أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ احْتِرَازًا عَنْ الْكَرَاهِيَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهُوَ الْبَيَاضُ) أَيْ الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَنَسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَائِشَةَ وَرِوَايَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ الْمُبَرِّدُ وَثَعْلَبٌ اللُّغَوِيَّانِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَفَاهَمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ وَالْأَزْهَرِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً إلَى آخِرِهِ) هَذَا التَّفْسِيرُ عَزَاهُ فِي الْغَايَةِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ قَالَ الرَّازِيّ وَالزَّوَالُ ظُهُورُ زِيَادَةِ الظِّلِّ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ ظِلًّا وَقْتَ الزَّوَالِ إلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَإِنَّ الشَّمْسَ فِيهَا تَأْخُذُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ الْفَيْءِ بِالظِّلِّ. (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ) لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ أَيْ رَجَعَ وَالْفَيْءُ الرُّجُوعُ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْعَصْرُ) ذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَالشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ الأخلاطي فِي شَرْحِ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ كَشْفِ الْمُغَطَّى فِيهَا سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا وَسُمِّيَتْ الْعَصْرُ الْوُسْطَى؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ وَصَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اهـ سَرُوجِيٌّ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَوْ كَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مُمْتَدًّا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَأَمَّ جِبْرِيلُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَفِي آخِرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَيَانًا لِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَمَّا صَلَّى بِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ قُلْنَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلٌ فَيَقْدَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ فَقَطْ أَيْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْيَوْمَيْنِ كَانَ وَاحِدًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ آخِرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ) أَيْ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ. اهـ. بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَعِنْدَ زُفَرَ أَيْضًا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ) وَبِهِ قَالَ الثَّلَاثَةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى. اهـ. عَيْنِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -