الجزء 1 · صفحة 1
مقدمة ([عن] الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وعلم الحديث) (80 - 150 هـ)
[تمسك الإمام بالسنة]
بسم الله الرحمن الرحيم
السنة هي الأصل الثاني بعد كتاب الله تعالى في استنباط الأحكام الشرعية وعليه إجماع الأمة .. وقد أثير لغط حول أمرين:
أولهما: مدى اعتماد أبي حنيفة على السنة.
والثاني: مقدار الأحاديث التي استدل بها أبو حنيفة ..
أما مدى اعتماد الإمام على السنة فنتبينه من خلال منهجه في الاستنباط وشروط قبول الأخبار عنده .. ومن أصوله رحمه الله تعالى:
-1 - قبول مرسلات الثقات إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها، والاحتجاج بالمرسل كان سنة متوارثة جرت عليه الأمة في القرون الفاضلة حتى قال ابن جرير: رد المرسل مطلقاً بدعة حدثت في رأس المائتين.
-2 - ومن أصوله عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمعة عنده بعد استقرائه موارد الشرع، فإذا خالف خبر الآحاد تلك الأصول يأخذ بالأصل عملاً بأقوى الدليلين، وَيعُد الخبر المخالف له شاذاً. وليس في ذلك مخالفة للخبر الصحيح، وإنما فيه مخالفة لخبر بدت علة فيه للمجتهد. وصحة الخبر فرعُ خلوه من العلل القادحة عند المجتهد.
-3 - ومن أصوله: عرض أخبار الآحاد على عمومات الكتاب وظواهره فإذا خالف الخبر
الجزء 1 · صفحة 2
عاماً أو ظاهراً في الكتاب، أخذ بالكتاب وترك الخبر عملاً بأقوى الدليلين، لأن الكتاب قطعي الثبوت، وظواهره وعموماته قطعية الدلالة عنده.
أما إذا لم يخالف الخبر عاماً أو ظاهراً في الكتاب بل كان بياناً لمجمل فيه فيأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان.
-4 - ومن أصوله في الأخذ بخبر الآحاد: أن لا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية أو قولية عملاً بأقوى الدليلين.
-5 - ومن أصوله، أن لا يعارض خبر مثله، وعند التعارض يرجح أحد الخبرين على الآخر، بوجوه ترجيح تختلف أنظار المجتهدين فيها ككون أحد الراويين فقيهاً أو أفقه بخلاف الآخر.
-6 - ومن أصوله أن لا يعمل الراوي بخلاف خبره، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، فإنه مخالف لفتيا أبي هريرة فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة.
-7 - ومن أصوله. ردُّ الزائد - متناً كان أو سنداً - إلى الناقص احتياطاً في دين الله تعالى.
-8 - ومن أصوله: عدم الأخذ بخبر الآحاد فيما تعمُّ به البلوى - أي فيما يحتاج إليه الجميع حاجة متأكدة مع كثرة تكرره - فلا يكون طريق ثبوت ذلك غير الشهرة أو التواتر، ويدخل في ذلك الحدود والكفارات التي تُدرأ بالشبهة.
-9 - ومن أصوله: أن لا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم.
-10 - ومنها استمرار حفظ الراوي لمرويّه من آن التحمل إلى آن الأداء من غير تخلل نسيان.
-11 - ومنها عدم مخالفة - الخبر للعمل المتوارث بين الصحابة والتابعين وبمقتضى هذه القواعد ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله العمل بأحاديث كثيرة من الآحاد ...
الجزء 1 · صفحة 3
والحق أنه لم يخالف الأحاديث عناداً، بل خالفها اجتهاداً لحجج واضحة ودلائل صالحة، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران (¬1).
هذا، وأما مقدار الأحاديث التي استدل بها في مذهبه .. فالجواب عليه ما ثبت في المسانيد الخمس عشرة المنسوبة إليه .. بل ومضافاً إليها من الأحاديث والآثار الثابتة في السند المتصل وهي بالآلاف والتي تصدى لجمعها في وقت مبكر غير واحد من العلماء والذي وصلنا منها ما جمعه الطحاوي في معاني الآثار ومشكل الآثار وهو من الفقهاء المتقدمين رتبة وتاريخاً في المذهب، وما جمعه أخيراً السيد محمد مرتضى الزبيدي في كتابه الموسوم بـ (عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة مما وافق فيه الأئمة الستة أو أحدهم) والذي جاء في مقدمته: ما نصه: قصدت بهذا التألبف الردُّ على بعض المتعصبين ممن اعتسف عن واضح المشارع، ونسب إلى إمامنا أنه يقدم القياس على النص الثابت عن الشارع، ولعمري هذه النسبة إليه غير صحيحة، فإن الصحيح المنقول في مذهبه تقديم النص على القياس (¬2).
والمقصود بالنص هنا هو الحديث الشريف بالجملة .. وإن كان عبارة النص تشمل الآية الكريمة عند العلماء .. وقد أجمعوا على أن القرآن مقدم على ما سواه.
ولكن لماذا سيقت التهمة في مواجهة الإمام أبي حنيفة ..
يجيب الزبيدي قائلاً: إن مذاهب الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم منسوجة من الشريعة المطهرة سداها ولحمتها لا سيما مذهب إمامنا الأعظم، لكن وجوه استنباطه تدق عن إدراك عقول طلبة العلم، وما يوجد في بعضها مما يخالف ظاهر الأحاديث فهو بالنسبة إلى مدارك أفهامنا، وإلا فقد صح عنده من قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو من آثار الصحابة ما قام عنده بمقام اليقين وجعله حجة، ثم أيده بالنظر فيه والاستكشاف لما يعارضه ويخالفه.
¬_________
(¬1) (الكوثري - تأنيب الخطيب - 223 - 225)
(¬2) (الزبيدي - الجواهر المنيفة. المقدمة/5)
الجزء 1 · صفحة 4
ولا يقول عاقل إن الإمام رضي الله عنه يجد في مسألة نصاً عن الشارع ويخالفه بقياس أو رأي .. حاشاه من رأي أو قياس يخالفان الشريعة.
والذي أجمع عليه أهل مذهبه أنه رضي الله عنه يأخذ بخبر النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء، فإن اختلف خبران وكان لأحدهما وجه في التأويل يوافق به الخبر الآخر الذي ليس له إلا وجه واحد في الظاهر وفق بينهما.
فإن لم يجد خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من آثار الصحابة ما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه ويسمى ذلك اجتهاداً (¬1)
كما أثر عنه رضي الله عنه قوله: كذب والله وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس!!
وقال نحن لانقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ مسكوتاً عنه على منطوق به (¬2).
وقال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي محدث الديار المصرية في (عقود الجمان): كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، وذكره الذهبي في طبقات الحفاظ - ولقد أجاد وأفاد.
وفي سبب قلة الرواية عنه .. بالمقارنة مع بقية الفقهاء يقول الصالحي: إنما قلّت الرواية عنه -وإن كان متسع الحفظ - لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه.
كما قلّت رواية أمثال أبي بكر وعمر من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى كثرة اطلاعهم.
¬_________
(¬1) (نفس المصدر 1/ 8)
(¬2) (الميزان للشعراني /51)
الجزء 1 · صفحة 5
وقد كثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم (¬1).
وعليه لا بد من الاعتراف بأن أبا حنيفة لم يكن من رواة مئات الآلاف من الأحاديث، وإنما كان عنده صناديق من الحديث انتقى منها نحو أربعة آلاف حديث. نصفه من حمَّاد بن أبي شيبة شيخه الخاص الذي تخرج به. ونصفه الآخر من باقي شيوخه، وكان يكتفي فيما سوى ذلك بالاطلاع على باقي الأحاديث من رواية أصحابه البارعين في شتى العلوم أركان المجمع الفقهي الذي كان يرأسه هو وتبحث فيه المسائل من كل ناحية ثم تثبت في الديوان (¬2).
- تشدد الإمام في الرواية:
وأما تشدده رحمه الله تعالى في شروط قبول الأحاديث التي تُروى آحاداً فكان مبعثه الاحتياط البالغ لدين الله، وذلك أن وضع الأحاديث في عصره قد كثر كثرة مزعجة من الزنادقة والمبتدعة فاضطره ذلك إلى تشدده في شرط الصحيح ولهذا قال العلماء: إن أبا حنيفة لم يخالف الأحاديث عناداً بل خالفها اجتهاداً لحجج واضحة ودلائل صالحة وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حسَّاد أو جهال بمواقع الاجتهاد (¬3).
هذا وأن أبا حنيفة ممن تذكر آراؤهم في مصطلح الحديث، فكيف يكون قليل البضاعة فيه، ثم يعتبر عند علماء ذلك الفن من الأئمة الذين تدون آراؤهم في قواعد الحديث ورجاله، ويعتمد مذهبه بينهم ويعوَّل عليه رداً أو قبولاً؟.
ولقد كتب أبو حنيفة عن أربعة آلاف شيخ، حتى عده الذهبي في تذكرته التي هي ثبت الحفاظ، وحدث عنه يحيى بن نصر فقال: دخلت عليه في بيت مملوء كتباً فقلت له: ما هذا؟ فقال: هذه الأحاديث ما حدثت منها إلا اليسير الذي ينتفع به.
¬_________
(¬1) (الكوثري - تأنيب الخطيب -228)
(¬2) (التأنيب -221)
(¬3) (أبو زهو - الحديث والمحدثون - 286)
الجزء 1 · صفحة 6
- الإسناد
الإسناد مطلوب في الدين، رغَّبت إليه أئمة الشرع المتين، وجعلوه من خصائص أمة محمد سيد المرسلين، بل وحكموا عليه بكونه سنةً من سنن المرسلين.
قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، وعنه رحمه الله - مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سُلَّم (¬1).
وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل (¬2).
وقال الشافعي رضي الله عنه: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليلٍ (¬3).
وقال أبو حاتم محمد بن ادريس الرازي: لم يكن في أمة من الأمم مُذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة (¬4).
وهكذا فإن الإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسنادٌ موصول إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (¬5).
¬_________
(¬1) (ابن أبي حاتم. الجرح والتعديل 1/ 16، وابن الصلاح في المقدمة 215)
(¬2) (السخاوي. شرح الألفية /335)
(¬3) (المناوي. فيض القدير 1/ 433)
(¬4) (القسطلاني. المواهب 5/ 454)
(¬5) (اللكنوي. الأجوبة 1/ 25 نقلاً عن الدقاق)
الجزء 1 · صفحة 7
ولم يصنف الإمام الأعظم رضي الله عنه كتاباً في الأخبار والآثار كما صنف الإمام مالك رضي الله عنه الموَطأ؛ وإنما كان يملي فروع الفقه على تلاميذه، فإذا احتاج إلى دليل مسألة حدَّثهم عن شيوخه من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، وآثار التابعين: بالسند المتصل تارة وأخرى بلاغاً وتعليقاً أو انقطاعاً، ولم يجلس للتحديث كعادة المحدثين، ولهذا قلَّت روايته في الحديث، وإلا فهو من الحفاظ المكثرين المتقنين، كتب عن أربعة آلاف من أئمة الحديث وأحاديثه كثيرة.
روي عن يحيى بن نصر قال: دخلت عليه في بيت مملوء كتباً: فقلت له ما هذا؟ فقال: هذه الأحاديث، ما حدثت بها إلا اليسير الذي ينتفع به ..
وقد عُني تلاميذه، شكر الله سعيهم - بما سمعوه من الآثار، وجمعوها في تصانيف مفردة مرتبة على أبواب الفقه ... منهم:
وجاء بعد هؤلاء أبو محمد عبد الله بن محمد البخاري الحارثي المتوفى سنة 340 هـ، فصنف مسنداً كبيراً حوى طرق أحاديثه فاجتهد وأجاد .. ثم اختصره القاضي الإمام صدر الدين موسى بن زكريا الحصكفي المتوفى سنة 650 هـ بالقاهرة، ثم رتبه الشيخ محمد عابد السندي المدني على أبواب الفقه وهو الشهير اليوم بمسند أبي حنيفة وشرحه العلامة والأستاذ محمد حسن السنبلي الهندي المتوفى سنة 1305 هـ
- مسانيد الإمام أبي حنيفة
جمع محمد بن محمود العربي محتداً، الخوارزمي مولداً في كتابه الموسوم: بجامع الإمام الأعظم - خمسة عشر من مسانيده التي جمعها له فحول علماء الحديث وهي:
الأول: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي المعروف بعبد الله الأستاذ رحمه الله رحمة واسعة.
الجزء 1 · صفحة 8
الثاني: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل رحمه الله تعالى.
الثالث: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو الحسين محمد بن مطهر بن موسى بن عيسى بن محمد رحمه الله تعالى.
الرابع: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى.
الخامس: مسند له جمعه الشيخ الإمام الثقة العدل أبو بكر محمد بن عبد الباقي ابن محمد الأنصاري رحمه الله تعالى.
السادس: مسند له جمعه الإمام الحافظ صاحب الجرح والتعديل أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني رحمه الله تعالى.
السابع: مسند له رواه عنه الإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي رحمه الله تعالى
الثامن: مسند له جمعه الإمام الحافظ عمر بن الحسن الأشناني رحمه الله تعالى.
التاسع: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد بن خلي الكلاعي رحمه الله تعالى.
العاشر: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن خسرو البلخي رحمه الله تعالى.
الحادي عشر: مسند له جمعه الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله تعالى ورواه عنه يسمى: نسخة أبي يوسف.
الثاني عشر: مسند له جمعه الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى ورواه عنه يسمى: نسخة محمد، مطبوع ومتداول.
الثالث عشر: مسند له جمعه ابنه الإمام حمّاد بن أبي حنيفة ورواه عن أبيه رضي الله تعالى عنهما.
الجزء 1 · صفحة 9
الرابع عشر: مسند له أيضاً جمعه الإمام محمد بن الحسن معظمه عن التابعين ورواه عنه يسمى: الآثار. مطبوع ومتداول.
الخامس عشر: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السغدي رحمه الله تعالى (¬1).
هذا، واستخرج جميع ما في هذه المسانيد الإمام الخوارزمي ورتبها على أبواب الفقه في مجلدين طبعا في الهند سنة 1332 هـ.
¬_________
(¬1) (الخوارزمي، جامع المسانيد جـ1/ 5)
الجزء 1 · صفحة 10
- ترجمة الشارح الملاّ علي القاري (1014 هـ) [للشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان]
هو نور الدين علي بن سلطان بن محمد الهروي المكي الحنفي المعروف بالقاري.
عرف بالقاري لأنه كان إماماً في القراءات، وأحد صدور العلم الأفاضل، وعمدة المحققين الأماثل، والإمام الفقيه المحدث الأصولي المفسر المقرىء المتكلم النّظار الفرضي الصوفي المؤرخ والنحوي والأديب.
مولده: ولد ببهراة - أعظم مدن خراسان - ورحل إلى مكة المكرّمة واتخذها داراً وأخذ عن جماعة من المحققين. وكان سبق أن تلقى عن علماء هراة فجمع الفضل من أطرافه بتلقين العلم عن علماء العرب والعجم، وذكر أنه كان يكتب في كل عام مصحفاً بخطه الجميل، وعليه طرز من القراءات والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام.
وآتاه الله الذكاء النادر، والعقل الراجح، والفهم الدقيق، والصبر على التنقيح والتدقيق، والشغف العجب بالتحقيق، مع البيان السهل القريب .. وألَّف التآليف الفريدة التي أربت على 125 مؤلفاً ما بين كتاب يزيد على عشرة مجلدات ورسالة في ورقات في الفقه والحديث والتفسير والقراءات والأصول وعلم الكلام والفرائض والتصوف والتاريخ والطبقات والتراجم والأدب، واللغة والنحو وعلم الوضع وغيرها. بلغة سهلة ممتعة، وعبارات جامعة مانعة، واستيفاء للبحث نادر غريب.
قال اللكنوي: وكل مؤلفاته نفيسة في بابها، فريدة مفيدة بلَّغَتهُ إلى مرتبة
الجزء 1 · صفحة 11
المجددين على رأس الألف من الهجرة.
مؤلفاته: أهمها: شرح المشكاة، وشرح الشمائل، وشرح الشفا، وشرح الشاطبية، وشرح الوقاية، وفتح باب العناية بشرح النقاية. شرع في تحقيقه العلامة الفاضل الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة وأنجز الجزء الأول ويا ليته يتم .. ، وله الثمار الجنية في أسماء الحنفية .. وغير ذلك قال العصامي في وصفه: الجامع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النبوية أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لا سيما الشافعي وأصحابه واعتراضه على الإمام مالك في إرسال يديه .. وسبب له ذلك متاعب كثيرة .. ولكن الشوكاني ينتصر له بقوله: أقول: هذا دليل على علو منزلته، فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه سواء كان قائله عظيماً أو حقيراً.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى 1014 أربع عشر وألف ودفن بالمعلاة. ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغائب في جمع هائل تقديراً منهم لإمامته في العلم والدين رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه.
هذا: وأما ترجمة المصنف (الحصكفي) فقد وردت في مقدمة هذا المصنف من قبل الشارح فنحيل القارىء الكريم إليها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بيروت في 14 ذي القعدة سنة 1404 هـ
10 آب (اغسطس) سنة 1984 م
الشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان
الجزء 1 · صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة [للإمام القاري]
- الحمد لله الذي هدانا إلى الملة الحنيفة السمحاء، وبين لنا طرق الشريعة والحقيقة بواسطة الأنبياء والعلماء والأصفياء، والصلاة والسلام على سيد الرسل وسند الأولياء وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء والاهتداء.
أما بعد: فيقول عبد المعتصم بالكتاب القديم والحديث القويم المحتاج إلى ربه الكريم الباري علي بن سلطان محمد القاري: إن هذا فتح لطيف وشرح شريف للمسند المستند إلى الإمام الأعظم والهمام الأقدم أبي حنيفة النعمان بلَّغَهُ الله على [هكذا في نسختنا، ولعله "عَلِيّ". دار الحديث]
غرف الجنان وتوالى عليه أنواع الغفران وأصناف الرضوان (بسم الله الرحمن الرحيم) الذي هو مفتاح كل كتاب كريم، (وعلى رسوله) في مقام التعظيم (الصلاة والتسليم)، وزيادة التشريف والتكريم، (الحمد لله) على كل آلائه ونعمائه (الذي شرع) أي بين، أو عين (لنا ديناً) نَتَديّنُ به قويماً دائماً ليس في أصله عوج، ولا في فرعه حرج، وهدانا إليه بفضله ومنته صراطاً مستقيماً موصلاً في الدنيا إلى حصول معرفته وقربته، وفي العقبى إلى وصول جنته ورحمته (وأحمده) بخصوص هذه النعمة الجزيلة والتحية الجميلة (وأشكره على أن جعل هذه الأمة المكرمة، متمسكين بأذيال الكتاب المستطاب، والسنة المعظمة) تعلماً في مقام الكمال وتعليماً في حال الإكمال، عن عيسى عليه السلام:
من عَلِم وعملَ وعلّم يدعى في الملكوت
الجزء 1 · صفحة 6
عظيماً. (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً بالذات لا شريك له في الصفات، وإبراز المصنوعات، (وأشهد أن محمداً عبده القائم) بحقوق العبودية ورسوله المخبر عن الله بما يستحق من أوصاف الربوبية (بعموم الرسالة) المثقلين، بل لعموم أجزاء الكونين تشريفاً له وتكريماً، لأنه مظهراً الاسم الأعظم في وجه الأتم، الجامع لنعوت الكمال وصفات الجلال والجمال، (صلى الله عليه) بتواتر إيصال الرحمة والمنة والمنحة إليه، (وعلى آله) أي أقاربه (وأصحابه) ولو من أجانبه وأزواجه أمهات المؤمنين وأنصاره في إقامة الدين (وأتباعه) في مقام اليقين، (وذرياته) أي أولاده الطيبين، وأحفاده أجمعين (وسلم) أي الله (تسليماً) كثيراً إلى يوم الدين، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
(أما بعد) أي البسملة، والحمد له والتصلية التي يحصل بذكرها الطمأنينة والسكينة والتسلية (فهذا الكتاب) الذي سيذكر عن قريب بعون رب مجيب (مسند الإمام الأعظم) أي المقتدى الأقوم والمستند الأكرم الأفخر (أبي حنيفة النعمان) بن الثابت في ميدان البيان (رضي الله عنه)، وعليه الرضوان، وبلغه نهاية درجات الجنان ومناقبة كثيرة ومراتبه شهيرة غير محتاجة إلى البيان، وقد قام بحقها بعض الأعيان.
(ولما كان) الإمام مشتغلاً باستخراج المسائل من الدلائل، وصار وسائل كل طالب وسائل في باب الدراية لم يظهر منه إلا قليل من رواية، وكذلك كان أجلاء
الجزء 1 · صفحة 7
الصحابة كأبي بكر (¬1) وعمر (¬2) رضي الله عنهما مشتغلين بالعمل في غاية من الرعاية مشتغلين عن نقل الأحاديث والرواية، لأن العمل هو المقصود، والمعول في مقام الهداية والنهاية، وأنشد فارس بن االحسن في شعره المستحسن.
يا طالب العلم الذي ... ذَهَبتُ بمدته الرواية
كن في الرواية ذا العناية ... بالدراية والرعاية
وارو القليل وراعه ... فالعلم ليس له نهاية
ومن المعلوم أن [من] لم يكن محيطاً بعلم الكتاب والسنة لم يتصور أن يكون إماماً مقتدى للأمة، ويكون الفقهاء كلهم عيالاً له في تقويم الملة لا سيما في الصدر الأول مع وجود المجتهدين من الأئمة، وقال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا أبي قال: أملى علينا أبو يوسف، قال قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا ما يحفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدث به، وحاصله: أنه لم يجوِّز له الرواية بالمعنى، ولو كان مرادفاً للمبنى خلافاً للجمهور من المحدثين، فإنهم جوزوا رواية المعنى لا سيما عند نسيان المبنى.
فقلت رواية أبي حنيفة لهذه العلة الشريفة، وله (¬3) رضي الله عنه مسانيد كثيرة وأسانيد شهيرة بلغت خمسة عشر مسنداً جمعها بعض الفضلاء واعتنى بضبطها طائفة من العلماء، وأخيرها هذا المسند المعتمد الذي هو من رواية الخصكفي بفتح الخاء
¬_________
(¬1) قال النووي: روى الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنين وأربعين حديثاً، قال في التعليقات الممجدة: فإن مرتبته (يعني الإمام الأعظم) في هذا تشابه المرتبة الصديقية، فإن كان هذا المعنى كان أبو بكر الصديق أفضل البشر بعد الأنبياء بالتحقيق مطعوناً فإنه أيضاً قليل الرواية بالنسبة إلى بقية الصحابة حاشاهم ثم حاشاهم عن هذه الوسمة. مشتاق أحمد.
(¬2) قال في تاريخ الخلفاء: روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً، وروي لعثمان رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، ولعلي رضي الله عنه خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثاً.
(¬3) أقول: مراد الشارح أن مرويات الإمام الأعظم جمع كلها بعض العلماء في تصانيفهم حسب علمهم كما في مسند الخوارزمي لقاضي القضاة، وفي هذا المسند أعني الخصكفي وغيرهما لا أن الإمام رضي الله عنه صنف مسنداً بنفسه كما صنف الإمام مالك رضي الله عنه كتابه الموطأ، فما اعترض بعض أهل الزمان من أهل الظواهر أن نسبة المسند إلى الإمام الهمام غلط صدر عن قلة فهمه وشدة جهله. مشتاق أحمد.
الجزء 1 · صفحة 8
المعجمة وسكون الصاد المهملة ففاء مفتوحة فكاف فياء نسبة كذا رأيته مضبوطاً بخط شيخنا مولانا عبد الله السندي رحمه الله.
لكن في جواهر المضية في طبقات الحنفية للعلامة الشيخ عبد القادر القرشي الحصكفي بفتح الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف، وفي آخرها الفاء نسبة إلى حصن (¬1) كيفا مدينة من ديار بكر، ونسبة موسى بن زكريا بن إبراهيم ابن محمد بن ساعدي القاضي الإمام العلامة صدر الدين روى كتاب الشمائل للترمذي عن الإمام افتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي بسماعه من أبي الفتح عبد الرشيد بن النعمان بن عبد الرزاق الولوالجي، وأبي الفتح عمر بن علي بن أبي الحسن الكرابيسي (¬2)، والصائب بن علي بن الحسن ابن بشير بن عبد الله النفاش، عن أبي شجاع عمر بن محمد بن عبد الله البستاني البلخي، عن أبي القاسم محمد بن عبد الله الخليلي، أنا الشريف أبو القاسم علي ابن أحمد الخزاعي، حدثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشافعي حدثنا أبو موسى محمد ابن عيسى الترمذي: ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وحدث بالقاهرة وصُلِبَ، سمع منه الدمياطي الحافظ، وذكره في معجم شيوخه، ومات بالقاهرة سنة خمسين وستمائة ودفن جوار السيدة نفيسة.
واعلم (¬3) أن له مشايخ كثيرة من الصحابة والتابعين وأتباعهم وصلت جملتهم أربعة آلاف كما قال بعض أرباب الأنصاف في باب الاعتراف.
¬_________
(¬1) يقال لها بالعجمة حصن كيفا - بالأنساب للسمعاني.
(¬2) هذا النسج بيع الثياب - أنساب السمعاني.
(¬3) قال شيخ الإسلام ابن حجر المكي في الخيرات الحسان في ذكر مشايخ الإمام هم كثيرون لا يسع هذا المختصر ذكرهم، وقد ذكر منهم الإمام أبو حفص الكبير أربعة آلاف شيخ، وقال غيره: له أربعة آلاف شيخ من التابعين، فما بالك بغيرهم منهم: الليث بن سعد.
الجزء 1 · صفحة 9
غدا مذهب النعمان خير المذاهب ... فذا القمر الوضّاح خير الكواكب
ثلاثة آلاف وألف شيوخه ... وأصحابه مثل النجوم الثواقب
فإن قلت: مشايخ البخاري ربما بلغ عشرة آلاف فلا تفاضل.
قلت: ليس من يروى عنه الحديث كمن يروى عنه الفقه، فإن الذي يروى عنه الفقه لا بد أن يكون فقيهاً عالماً، والذي يروى عنه الحديث: لا يلزم أن يكون بهذه الصفة حتى كثر رواة الحديث وقل الفقهاء (¬1).
والحاصل (¬2) أن أكثر مشايخ الإمام كانوا جامعين بين الرواية والدراية، وأكثر مشايخ البخاري بارز بعلو الإسناد في الرواية، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى الأحسن في الوعاية حيث قال: "نَضَّر الله امرءٍ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاها وأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلَ فِقهٍ غَيرَ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِل فِقهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" رواه الترمذي وغيره عن زيد بن ثابت. وقد ذكر الإمام النسفي صاحب المنظومة بإسناده إلى محمد بن سلمة قال: خرجت إلى البصرة في طلب الحديث فأخرج شيخ مسند الإمام وأملى فامتنع بعضهم عن الكتابة فأمسك الشيخ أياماً عن الحديث ثم قال: أدركت مجلسه وكان يحضره فلان وفلان وهؤلاء يكتبون حديثه فتشفعنا إليه بالله تعالى حتى حدثنا بأحاديث قيل وكان امتناع المتعنت عن الكتابة بناء على ظن أن الإكثار من الفقه يخل بحفظ الحديث فجعل المنقبة مثلبة، ثم هذا المسند المعتمد لم يذكر إلا بعض مشايخه الكرام من المحدثين الأعلام، ولهذا قال جامعه: ذكر إسناده (عن حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري) قال العلامة الكردري في مناقب الإمام، فذكر مشايخ الكرام حماد
¬_________
(¬1) أقول: قال الإمام الشعراني في ميزانه: إن تمسكات الإمام الأعظم بالأحاديث، والأحاديث أكثر من باقي الأئمة الثلاثة، كما يظهر لمن طالع كتابي المسمى بكشف الغمة إلى الحادي لأدلته للمذاهب الأربعة - انتهى.
(¬2) قال في الخيرات الحسان: إن كثرة الرواية بدون رواية ليس فيه كثير مدح بل عقد له ابن عبد البر باباً في ذمه، ثم قال: الذي عليه فقهاء جماعة المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار من الحديث بدون تفقه ولا تدبر، وقال ابن شبرقة: أقل الرواية تفقه ...
الجزء 1 · صفحة 10
ابن مسلم أبو سليمان الأشعري مولى ابراهيم بن مَهُ أبي موسى الأشعري تابعي كوفي سمع إبراهيم النَّخَعِي وأعلم الناس برأيه، مات سنة عشرين ومائة، وقد قال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: ما رأيت أفقه من حماد ولا أجمع للعلوم من عطاء بن أبي رباح.
وقال صاحب المشكاة في أسماء رجاله حماد بن أبي سليمان، واسم أبي سليمان مسلم: تابعي سمع جماعة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما، انتهى. وكان لا يكلم في حوائجه الدنيوية وفقه ما لم يفصل بين كلمتين من كلامه بتسبيحةٍ، وكان يقول: أستحي أن أجد في ديواني سطراً ليس فيه تسبيح.
وكان يقول ربما انتهت رأي برأي أبي حنيفة رحمه الله وأقوالي بقوله. (أبو حنيفة) أي روى، (عن حماد) المذكور، (عن إبراهيم) أي النخعي وهو تابعي جليل، عن الأسود أي ابن يزيد، واعلم أن في اصطلاح المحدثين محمولة للسماع والإجازة لكن عنعنة المعاصر محمولة على السماع، سواء ثبت اللقاء بينهما أم لا عند الجمهور، خلافاً للبخاري حيث يشترط اللقاء، ولا شبهة في ثبوت اللقاء بين الإمام ومشايخه الكرام فتنبه لهذا المقام (إن عمر بن الخطاب دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في شكاة) بكسر الشين المعجمة وفي آخره تاء، أي في مرض ومحنة (شكاها) أي تعب فيها من شدة أذاها فإذا للمفاجأة (هو) أي النبي عليه الصلاة والسلام (مضطجع على عباءة) بفتح أول أي كساء خشن (قطوانية) بفتح القاف والطاء المهملة نسبة إلى موضع بالكوفة وهي عباءة بيضاء قصيرة الخمل كما في النهاية (ومرفقه) (¬1) بكسر الميم وفتح الفاء فيجوز العكس وبهما قُرِىء في قوله تعالى: {وَيُهَيءُ لَكُمُ مِنْ أَمرِكُمْ مرْفقاً} (¬2) وفي القاموس المرفقة كمكنسة المخدة (من
¬_________
(¬1) مِرفقه بالهندي تكية.
(¬2) الكهف 16.
الجزء 1 · صفحة 11
صوف) أي وجهها صوف (حشوها إذْخِر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين، وفي آخرها راء نبت معروف بمكة (فقال)، أي عمر (بأبي أنت وأمي)، أي فديتهما بك يا رسول الله والجملة معترضة إذ المقصود من المقول قوله (كسرى) بكسر الكاف وفتح الراء وإمالته لقب ملك الفرس، (وقيصر) كجعفر لقب ملك الروم (على الديباج) بكسر الدال المهملة معرب مشهور، أي هما ونحوهما قاعدون أو راقدون على الحرير فوق السرير (وأنت) مع كمال الجلالة في مقام الرسالة (على هذه الحالة) التي تورث الملالة فقال عليه الصلاة والسلام: (يَاعُمَر أنْت) في هذا المَقَام (أما تَرْضَى) القِسمة الإلهية "وَفَقَ الإرادة الأَزَليَّة (أنْ يكُون لهُما الدنْيَا) الفَانِية (وَلَنا الآخِرَةُ) البَاقِيَة".
وذكر البغوي في تفسيره قوله تعالى: {وَلا َيغُرَّنَكَ تَقلبُ الذين كَفَروا في البِلاد مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُم جَهَنَّمُ وبِئسَ المِهَادْ لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُم لَهُم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِندِ الله وَمَا عِنْدَ الله خَيرٌ لِلأبْرارِ} (¬1) أنها نزلت في المشركين وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين، فقال بعض المؤمنين إن أعداء الله فيما ترى من النعماء ونحن في الجهد والبلاء فأنزل الله هذه الآية تسلية للأحياء.
وفي البخاري عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب، قال "جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربه أي غرفة، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا وهو ما يدبغ به حصوراً (¬2) وفي نسخة مصوباً
¬_________
(¬1) آل عمران 196.
(¬2) مصبوراً.
الجزء 1 · صفحة 12
وعند رأسه أُهُب معلقة جمع إهاب فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال صلى الله عليه وسلم: مَا يُبكِيكَ؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت يا رسول الله فقال: "أما تَرْضى أنْ يكُون لهُما الدُّنيا ولَنا الآخرة" (ثم إنَّ عمر مسَّه) أي مسَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجسَّه ليدرك بيده ما أحسَّه (فإذا هو في شدَّة الحمَّى) وغاية البلوى، كما روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا روى الحاكم وقال: صحيح الإسناد كلهم من رواية أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام كانت عليه قطيفة فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك فقال: "إنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلينَا البَلاَءُ ويضاعَفُ لَنَا الأجْر" (فقال) أي عمر (تحم) بضم التاء وفتح الحاء وتشديد الميم أي تصيبك الحمى، (هكذا) أي بهذه المثابة من الشدة في الإصابة، (وأنت رسول الله) والرسالة غاية الرتبة في المختبر ونهاية المرتبة في العزة (فقال: إِنَّ أَشَدَّ هَذِهِ الأمَةِ بَلاءَ نَبِيُّهَا ثُمّ الخَيِّرُ) بتشديد التحتية المكسورة أي المبالغ في الخير (ثم الخير) أي وهلم جرَا من أمته على مقدار خيريته بين خلق الله وبريته، (وكذلك كانت الأنبياء) عليهم السلام (قبلكم) أي مبتلين بأنواع البلاء على مقدار مراتبهم في مقام الولاء (والأمم) أي وكذا حال أممهم على قدر ألمهم.
والمعنى أنه لن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
وأخرج النسائي وصححه الحاكم من حديث فاطمة أخت حذيفة بن اليمان
قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء تعوده فإذا يُقَطَّرُ عليه من شدة الحمى فقال: "إنَّ مِن أشد النَّاسِ بَلاَءً الأنبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ َيلُونَهُمْ" وقد روى أحمد والبخاري والترمذي، وابن ماجه، عن سعد مرفوعاً " أشد النَّاس بلاءً الأنبياء ثُمَّ الأَمثَلُ [فالأمثل] يُبْتَلى الَّرجُلُ على حَسَبِ دينه فَإنْ كَانَ في دِينِه صَلباً اشْتَدَّ بَلاؤه وإن
الجزء 1 · صفحة 13
كان في دينه دقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة" ورواه ابن ماجه في سننه وأبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ "أشد النَّاس بلاء الأنبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يُجوّبُها أي يحصل جيباً لها فيلبسها فيبتلى بالقمل حتى يقتله، ولقد كان أحدهم أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء".
ومجمل الكلام أن البلاء علامة الولاء فإنه إما سبب لإعلاء الدرجات كما في الأنبياء وإما لإمحاء السيئات كما في الأولياء مع أن هذه الدار مشوبة بالأكدار سواء فيها الفجار والأبرار كما أشار إليه قوله سبحانه: {إنْ تَكُونُوا تَألمُونَ فَإنَّهُمْ يَأَلمُونَ كَمَا تَأَلمُونَ وتَرجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرجُونَ} (¬1).
وبه أي بسند أبي حنيفة (عن حماد) أي ابن سليمان، (عن إبراهيم النخعي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه) أي الشأن (ليهون) بفتح اللام والياء وضم الهاء أي يسهل (عَليَّ المَوتُ) أي مجيئه وفي نسخة بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الواو المكسورة أي ليخفف عَليَّ ألم الموت وشدته (إني رأيتك) أي أبصرتك حال كونك زوجتي أو عَلِمْتُكِ (في الجنة) في مقام قربتي وهذا يدل على غاية من المحبة التي أزاله (¬2) عنه نهاية من المحنة (وفي رواية إني رأيتك زوجتي في الجنة ثم التفت) أو قال في مجلس آخر (هون علي الموت لأني رأيتك بت عائشة في الجنة) أي معي في الجنة واستدل بهذا الحديث ونحوه
¬_________
(¬1) النساء 104.
(¬2) أظن أنه أزالت عنه بصيغة المؤنث.
الجزء 1 · صفحة 14
على أنها أفضل من فاطمة لأنها إنما تكون مع علي كرم الله وجهه فيما له من المنزلة، وقد يؤخذ بظاهر الحديث أنها أفضل من خديجة أيضاً وبالأولى أن تكون أفضل من سائر النساء وقد أوضحت هذه المسألة في بعض التصانيف المفصلة، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه جعل زوجتي في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأخت موسى رواه الطبراني، عن سعد بن جنادة هذا.
[شرح المسند]
- عائشة أفضل من سائر النساء
وفي حديث أخرجه العقيلي انه عليه الصلاة والسلام قال لها في مرضه: "آتيني بِسواك َرطْبٍ فأمْضِغِيه ثُم آتيني بِهِ أمْضَغُه لِكي يختلط ريقي بريقك لِكَي يَهُونَ عَليَّ عِندَ المَوت" قال الحسن لما كرهت الانبياء الموت أي كراهة طَبيعة هون الله ذلك عليهم بلقاء الله وبكل ما أحبوه من تحفة أو كرامة حتى أن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو محب لذلك لما قد ُمثِّلَ له.
وفي المسند عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّهُ لَيهُونُ عَليَّ لأنِي رأيتُ بَياضَ كَفِّ عائِشَة رضِي الله تعالى عَنهَا في الجَنَّةِ" وخرجه ابن سعد وغيره مرسلاً أن صلى الله عليه وسلم قال: " لقَدْ رأيْنَا في الجَنَّة حَتَّى يَهُونَ عَليَّ بذَلِكَ مَوتي كأني أرَى كَفَّها" يعني عائشة. فلقد كان عليه الصلاة والسلام يحب عائشة حباً شديداً حتى لا يكاد يصبر عنها فمثلت له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته، فإنَّ الموت إنما يطلب باجتماع الأحبة.
(وبه) أي وبسند أبي حنيفة، (عن حماد) أي ابن أبي سليمان، (عن إبراهيم) أي النخعي، (عن الأسود، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تَعَالى ليكتُبُ للإنْسَان) أي من أهل الإيمان (الدرجة العليا في الجنة)
الجزء 1 · صفحة 15
العالية الغالية، (ولا يكون له من العمل) أي في الكلمة والكيفية (ما يبلغها) بتشديد اللام المكسورة وتخفيفها أي شيئاً يوصله إليها (فلا يزال يبتليه (¬1) الله بأنواع البلية حتى يبلغها) أي الله أو الابتلاء إلى الدرجة العلية، ويحتمل أن يكون بفتح الياء وضم اللام أي حتى يصل تلك المرتبة السنية، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه رواه الحاكم.
وفي رواية البيهقي والطبراني، عن حذيفة مرفوعاً: إن الله تعالى ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده للخير وإن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام.
وروى أحمد وغيره عن رجل من بني سليم مرفوعاً: "إِنَّ الله تعالى يَبتلي العَبدَ فيما أَعْطَاهُ فَإنْ رَضِيَ بِما قَسمَ الله لَهُ بُورِكَ لَهُ ووسعهُ، وإنْ لَمْ يَرضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلى ما كَتَبَ لَه".
وروى الطبراني عن جبير بن مطعم مرفوعاً: إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالسقم حتى يكفر عنه كل ذنب.
وفي رواية لأبي حنيفة (عن إبراهيم النخعي) وقد عُدَّ من مشايخ الإمام الكردَرِي سمع ابراهيم النخعي، وكان أعلم الناس برأيه مات سنة عشرين ومائة (عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما شبعنا) أهل بيت النُّبُوَّةِ (ثلاثة أيَامٍ وَليالِيها عَنْ خُبز) أي بُرٍّ أو شَعِير" كما في رواية (متتابعاً) أي متوالياً بل كان الشبع متراخياً من الخبز معدوماً أو مستمراً (حتى فارق محمد صلى الله عليه وسلم) وفيه تنبيه على أن الفقير
¬_________
(¬1) التلاه بليه. ??
الجزء 1 · صفحة 16
الصابر أفضل من الغني الشاكر، وإن فقره عليه الصلاة والسلام كان اختيارياً لا اضطرارياً إذ عرضت عليه الدنيا بأسرها فأعرض عنها ولم يقبل شيئاً من أسرها، وقال، أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر ثم أتته الدنيا أيضاً بكثرها فلم يلتفت إلى جمعها ولم يرض بمنعها فقام في مقام الإيثار وبذلها على الفجار والأبرار (وما زالت الدنيا علينا كدرة وعسرة) بفتح وكسر فيهما أي متكدرة بحسب الصورة ومتعسرة بسبب الضرورة (حتى فارق صلى الله عليه وسلم الدنيا وانتقل) إلى الدار العليا، (فلما فارق محمد صلى الله عليه وسلم الدنيا) وتركنا في المحنة والبلايا (صُبًّت) بصيغة المجهول أي كبت الدنيا (علينا صباً كثيراً) ولم يكن هذا خيراً بالنسبة إلينا (وفي رواية صب الدنيا علينا صباً) أي بوضع الظاهر موضع المضمر (وفي رواية: "ما شَبِعَ آل مُحمد صلى الله عليه وسلم ثَلاثَة أيّامٌ مُتَوالِية مِنْ خُبزِ البُر) وهو لا ينافي ما سبق أن قيد يخبز الشعير، وإن كان المراد به البر، فهذا محمول على بعض الأوقات والله أعلم بالحالات.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه، عن ابن عباس أنه عليه السلام كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً هو وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير وقد بسطنا الدلائل بفتح هذه الفضائل في شرح الشمائل.
وبه (عَنْ حَماد عَنْ إبراهيم النخعي، عن علقمة) أي ابن أبي علقمة بلال مولى عائشة أم المؤمنين، روى عن أنس بن مالك، وعن أمه وعنه مالك بن أنس وسليمان بن بلال وغيرهما (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلَّم) حين انتهاء صلاته (عن يمينه) لكونها أشرف جهاته (قائلاً:
الجزء 1 · صفحة 17
السلام عليكم ورحمة الله) ناوياً من معه من مصلين والملائكة المقربين (حتى يرى) بضم الياء وفتح الراء ويبالغ في ميله حتى يبصر (شق وجهه) بكسر الشين أي طرف خده، (وعن يساره مثل ذلك) أي ويسلم عن جهة يساره كما تقدم فعلاً وقولاً وقصداً، وفي رواية حتى يرى بياض خده الأيمن فيه لطافة، (وعن شماله مثل ذلك) أي مثل ما ذكر هنالك.
والحديث عن ابن مسعود رواه أصحاب السنن الأربعة، ولفظ النسائي كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر، وصححه الترمذي وهو أرجح مِمَّا أخذ به مالك من رواية عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم في الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن.
- حديث الاستخارة
وبه (عن حماد عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد الله (¬1)). أي ابن مسعود فإنه المراد عند الإطلاق في مصطلح المحدثين وفيه إيماء إلى أنه أكمل وأفضل من سائر العبادلة، ولذا لم يعده في مقام المماثلة.
(قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا معشر الصحابة الاستخارة) أي طلب الخير (في الأمر) أي في المهم المحتمل للخير والشر إذ لا استخارة في فعل نفس
¬_________
(¬1) عبد الله بن مسعود كان أفضل من سائر العبادلة
الجزء 1 · صفحة 18
الطاعة ولا في ترك نفس المعصية، والمعنى أنه كان يبالغ في تعليمنا دعاء الاستخارة في ظهور الأمر والشأن (كما يعلمنا السورة من القرآن)، وقد ورد مختصراً اللهم خِرْ لي واختر لي، ولا تَكِلْني إلى اختياري، وفي رواية اللهم خِر لي، واجعل الخيرة فيه، وكذا ورد اللهم اهدني لأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، وقد جاء مطولاً كما بينه بقوله (¬1) (وفي روايته) عن ابن مسعود وغيره (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد) أي إذا قصد.
(وفي رواية إذا هم أحدكم أمراً) من الأمور ويكون متردداً فيه بين فعله وتركه لعدم معرفة خيره وشره في عالم الظهور (فليتوضأ) أي وضوء حسناً يستوعب فرائض وسنناً (وليركع من باب إطلاق الجزء على الكل، أي ليصل (ركعتين) أي شفعاً من الصلاة فإنه أقلها ويقرأ فيهما الكافرون والإخلاص أو آية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَختَارُ مَا كَان لهُمْ الخِيرَةُ سُبحَانَ الله وَتَعالى عَمَّا يُشرِكُونَ} (¬2) وآية {ومَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنةٍ إذا قَضَى الله ورَسُولُهُ أمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخيرَةُ مِن أمرِهِم ومَنْ يَعْصِ الله ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبيِناً} (¬3).
وفي رواية (من غير الفريضة) اهتماماً باستقلال هذه الفضيلة (ثم ليقل) بلسانه حاضراً بجنانه (اللهم) أي يا الله آمنّا بخير وادفع عنا كل ضير (إني أستخيرك) أي أطلب خيرك، وأطلب منك الخير والعلم به في هذا الأمر
¬_________
(¬1) قال في غنية المستعلي: والاستخارة في الحج والجهاد وجميع أبواب الخير يتحمل على تعيين الوقت لا على نفس الفعل وإذا استخار فهي لما ينشرح له صدره وينبغي أن يكررها سبع مرات لما روى ابن السني عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس إذا هممت فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه. مشتاق أحمد ..
(¬2) القصص 68.
(¬3) الأحزاب 36.
الجزء 1 · صفحة 19
(بعلمك) أي بسبب علمك المحيط بالخير والشر والنفع والضر كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لكُم وَعَسَى أَنْ تُحِبُوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعلَمُون} (¬1)
(وأستقدرك) أي أطلب منك أن تجعل لي على الخير قدرة وقوة (بقدرتك) أي بحولك وإرادتك والباء فيهما للاستعانة أي أطلب منك خيراً مستعيناً بعلمك وقدرتك أو للاستعطاف أي بحق علمك وحرمة قدرتك.
وفي رواية النسائي وأستهديك بقدرتك وأسألك من فضلك أي العظيم كما في أكثر الروايات.
وفي رواية البزار عن ابن مسعود وأسألك من فضلك برحمتك فإنهما بيدك لا يملكهما أحد سواك (فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر) بكسر الدال، وهو الرواية في أكثر الأصول فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، والرواية الأولى تناسب ترتيب ما تقدم، والأخرى تلائم ما أخر من قوله (وأنت علام الغيوب) بضم الغين وكسرها، أي كثير العلم بما غاب من العباد، (اللهم إن كان هذا الامر) الذي يريده كما في رواية البزار (خيراً لي في معيشتي).
وفي رواية البزار في ديني ودنياي، (وخيراً لي في عاقبة أمري فيسره لي) أي فسهله كما في رواية وفي رواية أخرى فوفقه أي اجعله وفق مقصودي وبارك لي فيه (وزاد) أي ابن مسعود في رواية كما في رواية البزار (وإن كان غيره) أي غير ذلك كما في رواية أي غير الأمر المذكور أو المحصور (خيراً) أي لي كما في رواية (فاقدر) بضم الدال أي فقدر لي الخير.
وفي رواية فوفقني للخير (حيث كان) الخير (ثم رضني به) بتشديد الضاد
¬_________
(¬1) البقرة 216.
الجزء 1 · صفحة 20
المكسورة أي أرضني كما في رواية، والحديث بطوله في البخاري والأربعة عن جابر ورواه ابن حيان، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم، عن أبي أيوب بروايات مختلفة وعبارات مؤتلفة، وقد بسطت الكلام عليها في الحرز الثمين شرح حصن الحصين.
وقد روى الحاكم والترمذي، عن سعيد بن أبي وقاص مرفوعاً من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى، ومن شقاوته تركه استخارة الله تعالى.
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، وقال بعض الحكماء: من أعطي أربعاً لم يُمنع أربعاً من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يُمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يُمنع الخير ومن أعطي المشورة لم يُمنع الصواب.
وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقَمَة عَنْ عبد الله بن مسعود قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل يبقى أحد من الموحدين) أي المؤمنين، أو غير المشركين ليشتمل الموحدين من أهل الجاهلية (في النار) أي في قعر دار البوار معذباً على وجه الإكثار (قال: نَعَم) يَبْقَى (رَجَلٌ يَكونُ فِي قَعْرِ جَهنّم يُنادِي بالحَنّان المنّان) إما بطريق الثناء، وإما على وجه النداء وهما بتشديد النون فيهما للمبالغة من الحنان بالخفة وهو الرحمة ومن المنة بمعنى العطية، وبمعنى الامتنان فإنه يمن على عباده بالنعمة كقوله تعالى: {بَل الله يَمُنُّ عَلَيْكُم} (¬1) الآية وعن علي كرم الله وجهه: الحنان من يقبل على من أعرض عنه والمنان من يبدأ
¬_________
(¬1) الحجرات 17.
الجزء 1 · صفحة 21
بالنوال قبل السؤال، وقد عدا من الاسم الأعظم والله أعلم والمعنى أنه يبالغ في ذكرهما (ويرفع صوته بهما حتى يسمع صوته جبرائيل عليه السلام فيعجب) بفتح الجيم أي فيتعجب (من ذلك القنوت) في ذلك المقام، (فقال) أي جبرائيل (العجب) أي هذا العجب الذي منه ينبغي أن يتعجب (العجب) كرر للمبالغة، وروي بالنصب أي أعجب العجب أو أعجب لعجب، (ثم لم يصبر) أي جبرائيل (حتى يصير) أي يرجع ويسير (بين يدي عرش الرحمن) أي قدامه طالباً مرامه (ساجداً) لربه وحامداً أوعابداً (فيقول الله تبارك وتعالى) أي له مشاهداً لفعله، ومشاهداً لقوله (ارفع رأسك) حتى ادفع بأسك (يا جبرائيل) الأمين، فيرفع رأسه ذلك الحين (فيقول) أي الله (تعالى ما رأيت من العجائب أي شيء) علمت من الغرائب (والله أعلم) أي منه ومن غيره (بما رآه) في جميع المراتب (فيقول يا رب) أي يا ربي خصوصاً ورب العالمين عموماً (سمعت صوتاً) أي غريباً من قعر جهنم قريباً ينادي صاحب ذلك الصوت (بالحنان المنان فتعجبت من ذلك الصوت) البهي الشأن في ذلك المكان (فيقول الله) عز اسمه ومسماه (تبارك) خيراته ومبراته (وتعالى) ذاته وصفاته أن يشبهها مخلوقاته ومصنوعاته (يا جبرائيل اذهب إلى مالك) خازن النار هنالك، (وقل له أخرج منها العبد الذي ينادي بالحنان والمنان) في ذلك الزمان (فيذهب جبرائيل عليه السلام إلى باب من أبواب جهنم) لطلب المرام (فيضربه) أي فيدق الباب (فيخرج إليه مالك للجواب).
الجزء 1 · صفحة 22
(فيقول جبرائيل عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى يقول أخرج العبد الذي ينادي بالحنان والمنان، فيدخل) أي مالك في طبقات النار (فيطلب ذلك العبد) في تلك الدار (فلا يوجد) إشارة إلى كمال فنائه في مقام عنايته، (وإن مالكاً) أي والحال أن مالكاً (أعرف بأهل النار من الأم) أي الأمهات، ولو من الحيوانات (بأولادها) من الذكور والبنات فيخرج حيراناً (فيقول لجبرائيل) معتذراً (إن جهنم زفرت) بفتح الفاء يقال: زفر النار سمع لتوقدها صوتاً. والمعنى توقدت وصاحت زفرة عظيمة (لا أعرف الحجارة من الحديد) في تلك الحال، (ولا الحديد من الرجال فيرجع جبرائيل عليه السلام حتى يصير بين يدي عرش الرحمن ساجداً) ولإظهار العبودية وفق عابداً (فيقول تبارك وتعالى: ارفع رأسك يا جبرائيل)، فإنك رفيع القدرعند ربك الجليل (لم) أي لأي شيء (لم تجيء لعبد) أي باحضاره عندي فيقول (يا رب إن مالكاً يقول معذرة إن جهنم قد زفرت زفرة لا أعرف الحجر من الحديد) في المقام الشديد (ولا الحديد من الرجال) من شدة الأهوال (فيقول الله عز وجل قل لمالك) أي على لساني (إن عبدي في قعر كذا وكذا) من مكان البلايا، (وفي سر كذا وكذا) من
الجزء 1 · صفحة 23
الخفايا (وفي زاوية كذا وكذا) من الزوايا (فيدخل) الفاء فصيحة أي فيجيء جبرائيل إلى مالك (فيخبره) بما تقرر هنالك (فيدخل) مالك ثانياً (فيجده في المحل الذي قيل له) إنه فيه مطروحاً منكوساً، أي مقلوباً معكوساً (مشدوداً) أي مربوطاً (ناصيته) منضمة (إلى قدميه ويداه إلى عنقه) أي معه مغلولاً أو مسلسلاً (واجتمعت عليه، الحيات والعقارب) وتعلقت به في جميع جهاته من المشارق والمغارب (فيجذبه جذبة) أي فيأخذه أخذة قوية توترة في المراتب حتى تسقط عنه الحيات والعقارب (ثم يجذبه جذبة أخرى) أقوى من الجذبة الأولى بإذن المولى (حتى تنقطع منه السلاسل والأغلال) ويرتفع عنه الأهوال (ثم يخرجه من النار فيصيره) أي فيجعله مغموساً في (الحياة) التي ليس بعدها الممات (ويدفعه) أي يسلمه (إلى جبرائيل) وهو الروح الأمين (فيأخذه) أي جبرائيل بناصيته ويمدّه مدّاً أي يجره جراً إلى ناصية (فما مر به) جبرائيل (على ملأ) أي على جمع أشراف (من الملائكة إلا وهم يقولون أف) بفتح الفاء المشدودة وبكسرها وقد تنون. وهذه الثلاث قراءات، وفيها أربعون لغات أي يتضجر (لهذا العبد حتى يصير) أي جبرائيل (بين يدي عرش الرحمن ساجداً فيقول الله تبارك وتعالى: ارفع رأسك يا جبرائيل) ليكون شاهداً مشاهداً (فيقول الله): أي لذلك العبد (عبدي) أي يا عبدي: (ألم أخلقك بخلق حسن) بفتح الخاء أي بصورة حسنة لقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أَحْسَنِ تقْويم} (¬1)، (ألم أرسل إليك رسولاً) يدلك عليَّ (ألم
¬_________
(¬1) التين 4.
الجزء 1 · صفحة 24
يقرأ) أي الرسول (عليك كتابي) ليهديك إليَّ (ألم يأمرك) أي الرسول (بالمعروف وينهك) أي ولم يمنعك (عن المنكر) تخويفاً لما لدي (حتى يقر العبد بذنبه) ويعترف بسوء نسبه وحلم ربه (فيقول الله تعالى: فلم فعلت كذا وكذا) من المناهي والملاهي (فيقول العبد: يارب ظلمت نفسي) ظلماً كثيراً في المعصية (حتى ألقيت في النار) بسببه (كذا وكذا خريفاً) أي سنةً، لكن مع هذا كله (لم أقطع رجائي منك) مع خوفي آخر أمري (بالحنان والمنان) لرفع عسري، (فأخرجتني بفضلك من دار الملامة فارحمني) برحمتك العامة وأدخلني دار السلامة (فيقول الله تبارك وتعالى: اشهدوا يا ملائكتي بأني رحمته أعطيته جنة فيها نعمة.
وقد ذكر عند الحسن البصري أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد وبعدما عذب ألف عام ينادي يا حنان يا منان فبكى الحسن البصري وقال: ليتني كنت هناد فتعجبوا منه فقال: ويحكم أليس يوماً يخرج في الجملة ولا يخلد فيها كذا في منهاج العابدين للغزالي.
وفي الشمائل للترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلَمُ أول رَجُلٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ، وآخر رَجُلٍ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ يُؤْتى بالرَّجُل يَوْمَ القِيَامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ومحونا عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقول أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة،
الجزء 1 · صفحة 25
فيقول: إن [لي] ذنوباً ما أراه ههنا" قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأَعرِفُ آخر أهل النَّار خُروجاً، رجلٌ يَخرجُ مِنْها زَحفْاً فيقال له: انطلق فادخل الجنَّة، قَال فَيذْهبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاس أخذُوا المنازل فيرجع فيقُولُ تَمَنَّ فَيَتمَنى فيُقالُ لَهُ فَإنَّ الذي تمنيْت وعَشَرةَ أضْعَافِ الدُّنْيَا قال فيقول: نَعَم أتسخر بي، وأَنْتَ المَلِك؟ " قَالَ فَلقَد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بَدتْ نَواجِذُهُ.
- استلام الحجر
وبه (عن حمَّاد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما انتهيت إلى رُكنِ اليَمَاني) بالتخفيف والتشديد (إلا لقيت عنده جبرائيل عليه السلام"، وعن عطاء) وعطاء هذا ابن رباح وهو من مشايخ الإمام، فقد روى الترمذي في كتاب العلل من الجامع الكبير:
حدثنا محمد بن غيلان عن جرير عن يحيى الجماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن رباح.
وفي الميزان للذهبي سمعت أبا حنيفة يقول ما رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي ما أتيت لشيء إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث لم يظهرها قال: (قيل رسول الله صلى الله عليه وسلم تكثر من الاستلام الركن اليماني قال: مَا أَتيْتُ عَلَيْهِ قَط إلا وجبرائيل قائم عنده يستغفر لمن يستلمه) أخرجه الأزرقي.
الجزء 1 · صفحة 26
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: على الركن اليماني ملكان يُؤمِّنانِ على دعاء مَن مَرَّ بهما وإن على الحجر الأسود ما لا يحصى، أخرجه الأزرقي موقوفاً، ومثل ذلك لا يقال إلا عن توقيف ... فيكون في الحكم مرفوعاً ويؤيده ما أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مَرَرْتُ بِالرَّكْنِ اليَمَانِي إلاَّ وعِنْدَهُ ملك ينادي آمين آمين" فإذا مررتم به فقولوا: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وَكَّلَ الله بِهِ يعنِي الرَّكْنُ اليَمَانِي سَبْعِينَ مَلكاً مَنْ قَالَ اللهمَّ إني أسْألكَ العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنيَا والآخرة ربَّنَا آتِنَا في الدُّنيَا الخ" قالوا آمين رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف لكنه قوي حيث يعمل به في فضائل الأعمال والله أعلم بالأحوال.
- حديث بروع بنت واشق
وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقمَة، عن عبد الله بن مسعود في المرأة المعهودة) من نساء زمانه (توفي عنها زوجها ولم يفرض) أي: والحال أن زوجها لم يقدر (لها صداقها) بفتح الصاد وتكسر أي مهراً (ولم يكن دخل بها) أي يطأها ولم يحصل له خلوة صحيحة معها، واختلف الصحابة في حقها فقال ابن مسعود: (لها صُدَقة نسائها) بضم الصاد، وفتح الدال وكغرفة وصدقة بضمتين وفتحتين أي مهر أمثالها من نساء قومها (ولها الميراث) كاملاً (وعليها العدة) أي عدة الوفاة (فقال مَعقِلْ): بفتح الميم وكسر القاف (بن سنان) بكسر السين ممنوعاً (الأشجعي) منسوب إلى قبيلة من بني أشجع، شهد فتح مكة ونزل الكوفة وحديثه
الجزء 1 · صفحة 27
فيهم وقتل يوم الحرة صبراً، روى عنه علقمة، والحسن، والشعبي، وغيرهم (أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى) أي حكم (في بروع) بكسر الموحدة عند المحدثين وبفتحها عند الفقهاء، وسكون الراء، وفتح واو وعين مهملة (بنت واشق) بكسر الشين المعجمة مثل ما قضيت الخطاب لابن مسعود.
وفي تفسير المعالم عند قوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيكُمْ إنْ طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أوْ تَفْرضُوا لَهُنَّ فَرِيضةً} (¬1) ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبة بأن يفرض لها صداقاً، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها، وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض، فاختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا.
فذهب جماعة إلى أن لا مهر لها، وهوقول عليٍّ وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، كما لو طلقها قبل الفرض والدخول.
وذهب قوم إلى أن لها المهر، لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روى علقمة، عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكْسَ ولاَ شطط، أي لا نقص ولا زيادة، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود غاية الفرح.
قال الشافعي: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون
¬_________
(¬1) البقرة 236.
الجزء 1 · صفحة 28
النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يثبت فلا مهر لها، ولها الميراث.
وكان علي رضي الله عنه يقول في حديث بروع: لا يقبل قول أعرابي من أشجعي على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم انتهى.
قال شيخنا رئيس المفسرين في زمانه البُسحي عطية السلمي المكي الشافعي رحمة الله تعالى عليه: فقد ثبت حديثها، أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ولم يتفرد به معقل بن سنان، بل قال هو وجماعة من أشجع لابن مسعود: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه هؤلاء الأئمة وأحد قولي الشافعي قاله قياساً، ولو ثبت عنده الحديث لما خالف فيه وهو المرجح عند النووي والقول الثاني رجحه الشافعي.
وبه (عَنْ حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إما الظهر، وإما العصر) شك من عند الرواة (فزاد في ركعة أو نقص، فلما فرغ وسلم فقيل له: أحدث) أي تجدد حكم (في الصلاة) أي في عدد ركعاتها (أم نسيت) في زيادتها ونقصانها؟ (قال: "أُنسَى كَمَا تُنسُون") بصيغة المجهول مخففين، وفي نسخة على بناء الفاعل فيهما ويجوز تشديد سينهما لكن يؤيد الأول (قوله فإذا أنسيت) بصيغة المفعول من الإنساء من باب الأفعال (فذكروني)، ولفظ الشيخ إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، (ثم حول وجهه إلى القبلة)، وهذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة وإفساده به، وكذا الكلام في تحويل وجهه إن كان مع تغير صدره.
واعلم أنه إذا تكلم في الصلاة أو سلم ناسياً أو جاهلاً بالتحريم، أو سبق لسانه
الجزء 1 · صفحة 29
ولم يطل زمانه لم يبطله صلاته عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يبطل بالكلام دون السهو، (وسجد سجدتي السهو، وتشهد فيها) أي عقب سجدة السهو، (ثم سلم عن يمينه، وعن شماله) ظاهره يوافق قول الشافعي في المشهور عنه أن موضع سجود السهو قبل السلام. وقال أبو حنيفة بعد السلام كما في رواية صحيحة عنه عليه السلام.
واعلم أن الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث.
أولها حديث ذي اليدين كما رواه الشيخان عن أبي هريرة في السلام من اثنين في إحدى صلاتي العشاء أما الظهر أو العصر؟ فقال: ذو اليدين يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم أقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا نعم فأتم، ثم سلم، ثم كبر وسجد، ثم رفع.
قال ابن سيرين: ثبت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
وثانيهما حديث ابن بُحَيْنَة كما رواه مالك في القيام من اثنين.
وثالثهما حديث ابن مسعود كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فقد أوضحنا هذا الحديث في شرح الشفاء، وما يتعلق به من بحث الحكمة في الإنساء.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام كما رواه مالك في الموطأ بلاغاً إني لأنسى لأسنَّ وقد قال تعالى: {فَلاَ تَنسَى ... إلاّ ما شَاءَ الله} (¬1) أو المشيئة لا تكون إلا عن الحكمة.
- شرب النبيذ
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة قال: رأيت عبد الله بن مسعود
¬_________
(¬1) الأعلى 6 - 7.
الجزء 1 · صفحة 30
رضي الله عنه وهو يأكل طعاماً ثم دعا بنبيذ) أي نبذ فيه من نحو تمر أو زبيب أو حنطة، أو شعير ليحلو على ما في النهاية (فشرب) أي ماء (فقلت: رحمك الله تشرب) بتقدير همزة الاستفهام (النبيذ في مجلسك) والأمة تقتدي بك لقوله عليه السلام رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، كما رواه الحاكم عن ابن مسعود (فقال) ابن مسعود: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب النبيذ، ولولا أني رأيته يشرب) أي منه (ما شربته)، وفي الشمائل للترمذي عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشرب كله الماء والنبيذ والعسل واللبن.
وفي صحيح مسلم كان ينبذ له أول الليل ويشربه أي الصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب، وهذا محمول على ما يطبخ.
ففي الخلاصة نبيذ التمر أو نبيذ الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة ثم اشتد، فإنه يجوز شربه دون السكر في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، إذا أراد به استمرار الطعام ولم يرد به اللهو.
وقال محمد: لا يجوز شربه فقليله وكثيره حرام، قال الفقيه أبو الليث وبه نأخذ وأما إذا كان شربه للهو فقليله وكثيره حرام، وأما الوجه الذي هو حلال بالإجماع فكل شراب لم يمض عليه ثلاثة أيام وهو حلو أما نبيذ الذرة، فقد رواه الطبراني، عن ابن عباس مرفوعاً مدرجه كله حرام أبيضه وأحمره وأصفره وأخضره.
- التعجب انفعال النفس
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود
الجزء 1 · صفحة 31
قال: جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة شاب) إشعاراً بأن تحصيل العلوم أولى في أوان الشباب. (ولم يعرفه أحد من الأصحاب) كما ورد لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد (عليه ثياب بيض) بالإضافة، أو بدونها أي ذات إيماء إلى أن تلبس البياض يناسب أهل العلم، فإنه أنظف وأطهر، وفي النظر أنور، وفي بعض الروايات: إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وبهذا تبين أنه لم يكن أمرداً (فقال السلام عليك يا رسول الله) في رواية مسلم خاطبه بيا محمد من دون السلام فيحمل على تعدد الواقعة، أو تكرر خطابه أو اقتصار بعض الرواة على أن الاعتماد على زيادة الثقاة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام) والاقتصار عليه من باب الاكتفاء عملاً لبيان أقل الجواز في الجواب.
(فقال: يا رسول الله ادنو) أي أقرب، ولا يكون تقصيراً في الأدب (فقال: ادنه) بهاء السكت أو بضمير راجعاً إلى المصدر بصيغة متكلم المفهوم من الفعل أي أدن الدنو كما قيل بهما في قوله تعالى: {فبهداهم اقتده} (¬1) على القراءتين فقال الفاء فصيحة أي (فدنا حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) أي فخذي النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية النسائي (فقال: يا رسول الله ما الإيمان الشرعي؟ قال: الإيمان) وهو تصديق الجنان وإقرار اللسان (بالله) أي بوجود ذاته وصفاته وشهود توحيده في مصنوعاته (وملائكته) بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (وكتبه) المنزلة من غير تعين عددها (ورسله) إلى أممهم وإلى أنفسهم لتكون شاملة لأنبيائه، وفي بعض الروايات الصحيحة واليوم الآخر، (والقدر (¬2) خيره وشره) أي حلوه ومره.
¬_________
(¬1) الأنعام 90.
(¬2) نقل الإمام النووي عن الخطابي أن ليس معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد وقهره على ما قدره وقضاه، بل معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد، وصدور الأفعال عن تقدير منه، والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر. القضاء في هذا معناه: الخلق كقول الله تعالى: {فقضاهُنَّ سبع سموات في يومين} أي خلقهن انتهى.
الجزء 1 · صفحة 32
وفي رواية لمسلم وبالقدر كله (قال: صدقت) أي فيما قلت، وحققت (فعجبنا لقوله صدقت) حيث يسأله ويصدقه (كأنه يدري) إذ سؤاله يقتضي عدم علمه وتصديقه يوجب خلاف حاله والتعجب انفعال النفس من الشيء الذي وقع خارج العادة وخفي سببه على أهل السعادة (ثم قال: يارسول الله فما شرائع الإسلام؟) أي معاملة التي تبنى عليها الأحكام؟ (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إقام الصلاة) أي أداؤها بأركانها وشرائطها (وإيتاء الزكاة) أي إعطاؤها لمستحقيها (وصوم رمضان وغسل الجنابة) وفي أكثر الرواية الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ولعل الرواية السابقة وردت قبل فريضة الحج والشهادتين دخلتا في تعريف الإيمان الشرعي الذي عليه مدار الحكم الفرعي (قال: صدقت فعجبنا لقوله صدقت كأنه يدري) أي ويظهر من نفسه أنه لا يدري ويسمى تجاهل العارف (ثم قال: فما الإحسان) أي الإتقان والإيقان في الإسلام والإيمان (قال (¬1): أن تعمل الله) وهو أعم من الرواية المشهورة أن تعبد الله (كأنك تراه) ناظراً إليك، وشاهداً عليك، (فإن لم تكن تراه) للحجاب بين يديك (فإنه يراك) بلا شبهة لديك (قال: صدقت) وهو موافق لما في الترمذي من قوله: صدقت في المواضع الثلاثة خلافاً لأكثر الروايات من وقوعه في الأوليين من الحالات
¬_________
(¬1) قال العلماء: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى، لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء يتممها على أحسن وجوهها إلاَّ أتى به.
الجزء 1 · صفحة 33
(وقال: فمتى قيام الساعة؟) أي متى وقت وقوعها أي القيامة، والمراد بها النفخة الأولى (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما المسؤول (¬1) عنها) أي عن قيامها (بأعلم من السائل)؟ أي ليس من جنس المسؤول عنها بأعلم من جنس السائل منها، والمعنى أنهما متساويان في نفي العلم بوقتها، لأنه سبحانه وتعالى استأثر علمه بها لقوله تعالى: {إنَّ السَّاعة آتِيَة أكاد أُخفيها} (¬2) أي عن نفسي لو تصور إخفائها ولقوله سبحانه وتعالى: {يَسْئَلونَكَ عَنِ السَّاعة أَيّانَ مرْسَاهَا فيم أنْتَ مِن ذِكْراها إلى رَبّكَ مُنْتَهاها} (¬3) وفي بعض الروايات فأخبرني عن أماراتها الحديث بقوله: (فقفى) بتشديد الفاء أي فولَّى (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل) أي نادوه وأُتوا به (فطلبنا) سعياً وجبراً (فلم نر له أثراً) فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم (فقال) أي السائل الجليل (جبرائيل عليه السلام، جاءكم) أي أتاكم كما في رواية (ليعلمكم معالم دينكم) أي الشريعة التي يرجع إليكم منافعه.
والظاهر أنه عليه الصلاة والسلام أيضاً ما عرفه أولاً يؤيده ما في صحيح ابن حيان: والذي نفسي بيده ما شبهه عليّ منذ أتاني قبل مرته هذه، وما عرفته حتى ولا أعلم أن هذا الحديث ذكره النووي في أربعينه برواية عمر بن الخطاب وقد بسطنا الكلام في شرح ذلك الكتاب.
والحديث رواه مسلم عنه وعن أبي هريرة نحوه، ولعل الواقعة متعددة لاختلاف الألفاظ الواردة (سفيان بن عيينة) وهو إمام عالم ثبت حجة زاهد ورع مجمع على صحة حديثه سمع الزهري وخلقاً كثيراً، روى عنه الأعمش والثوري
¬_________
(¬1) يستنبط من هذا أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل يستدل على ورعه وتقواه ووفور علمه. (شرح صحيح مسلم).
(¬2) طه 15.
(¬3) النازعات 42 - 44.
الجزء 1 · صفحة 34
وشعبة والشافعي وأحمد وغيرهم، ولد بالكوفة للنصف من شعبان سنة سبع ومائة.
قال في آخر حجة حجها وافيت هذا الموضع سبعين مرة في كل مرة أقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأله فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة. ودفن بالحجون.
وقد روى له الشيخان وهو ممن روى عن الإمام كما ذكره الكردري، وقد قال سفيان بن عيينة من أراد المغازي فالمدينة، ومن أراد المناسك فمكة، من أراد الفقه فالكوفة يلازم أصحاب أبي حنيفة، قال الصولي دخلت على سفيان بن عيينة، وبين يديه قرصان من شعير فقال: يا أبا موسى إنهما طعامي منذ أربعين سنة، وكان ينشد شعر:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقا وتفردي بالسؤود
وقال سويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة قدمت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة.
فقال أبو حنيفة: هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار فاجتمعوا علي فحدثتهم، وقال أبو سليمان الجوزجاني: سمعت حماد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو ابن دينار فقال له: يا أبا حنيفة كلمة تحدثنا فقال: يا أبا محمد حدثهم، ولم يقل يا محمد وحماد بن زيد أحد الأعلام، روى له الأئمة الستة قال ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه منه ولا أعلم منه عاش إحدى وثمانين سنة، وتوفي في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة.
وقد أخذ الفقه عن أبي حنيفة وهو الراوي عنه أن الوتر فريضة، وأما عمرو بن دينار ويكنى بأبي يحيى، فروى عن سالم بن عبد الله بن عمرو وغيره، وعنه الحمادان، ومعتمر وجماعته، ومن هو مشايخ الإمام من التابعين الكرام، وفي
الجزء 1 · صفحة 35
شرح الوقاية للشمني أن الشافعي روى في مسنده، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله (الولاء كلحمة النسب لا يباع).
- اجتماع أبي حنيفة والأوزاعي:
قال ابن عيينة: (اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي) وهو من أكابر المجتهدين ومن أجلاء التابعين حتى إذا ركب كان الثوري ومالك في ركابه أحدهما ليسوق، والآخر يقود (في دار الحناطين بمكة) أي مكان البياعين للحنطة واليوم يقال له: سوق الحبابين ولا يبعد أن يراد به دار العطارين على أن المراد بهم البياعون للحنوط بفتح وضم طيب بخلط للميت (فقال الأوزاعي لأبي حنيفة ما بالكم) والخطاب؟ بالجمع للتعظيم أو له ولأصحابه أو للكوفيين والمعنى ما شأنكم وحالكم (لا ترفعون أيديكم) في الصلاة (عند الركوع) أي حال إرادة الانخفاض إليه (وعند الرفع منه) كما يفعله أهل المدينة وغيرهم؟ (فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء) أي حديث غير معارض لغيره يجب به العمل، فإنما أطلق الكلام لأنه ادعى الإلزام، وإذا تعارض الحديثان تساقطا.
والأصل عدم الرفع لأن مبنى الصلاة على السكون في الشرع، وما يقال بترجيح أحدهما (قال: كيف لا يصح) أي على الإطلاق أنه بحيث لا يعارض بما هو أرجح في مقام الوفاق، (وقد حدثني الزهري)، وهو محمد بن شهاب
الجزء 1 · صفحة 36
أعلم الفقهاء والمحدثين والعلماء والأعلام من التابعين بالمدينة السكينة، روى عنه قتادة ومالك، ومكحول وغيرهم مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة (عن سالم) أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وثقاتهم مات بالمدينة سنة ست ومائة، (عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب) وترجمته مشهورة فيما بين الأصحاب قال جابر بن عبد الله ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال هو بها ما خلا عمر وابنه عبد الله، قال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف ألف إنسان، وزادا (عن)، وفي نسخة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذاء منكبيه) وهو مختار الشافعية، أو أذنيه وهو مختار الحنفية (إذا افتتح الصلاة) وهو سنة متفق عليها، وإن اختلفوا في هيئتها (وعند الركوع) أي قصده (وعند الرفع منه).
وبه قال (¬1) مالك، والشافعي، وأحمد (فقال أبو حنيفة: وحدثنا حماد) أي ابن سليمان الأشعري (عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود) كلاهما (عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه) أي في آخر أمره وانقضاء عمره (إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود لشيء من ذلك) الرفع فيما هنالك، وبه يجمع بين الروايات بدليل الترجيح من جهة الثقات ويندفع ما يرد أن النفي غير معتبر في معرض الإثبات.
(فقال الأوزاعي) ترجيحاً لسنده على معتمده (أحدثك عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله) وهم أجلاء في الرواية مع قلة الواسطة فإن إسناده ثلاثي
¬_________
(¬1) أي في رواية غير مشهورة والأشهر منه عدم الرفع كما في النووي وغيره قال في التعليقات الممجد وعلى عدم الرفع جمهور أصحاب مالك رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 37
(وتقول) في معارضتي: (حدثني حماد عن إبراهيم) وهما غير مشهورفي نقل السنة بالنسبة إلى ما تقدم مع كثرة الواسطة، فإن إسناده رباعي (فقال أبو حنيفة) معرضاً عن طول السند وقصره: فإنه لا يضر مع حجة طرقه، وربما يزيد قوة في تحققه (كان حماد أفقه) أي أعلم بمعنى الحديث (من الزهري)، وإن كان هو أشهد برواية السنة، (وكان إبراهيم أفقه من سالم) أيضاً بالمعنى المتقدم، (وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه)، وغير العبارة مراعاة للأدب معه، كما أشار إليه بقوله، (وإن كان لابن عمر صحبة) أي شرف الصحبة وهذا بالنسبة إلى ابن عمر وعلقمة.
وأما بالنسبة إلى الأسود فبينه بقوله: (وله) أي لابن عمر (فضل صحبة)
ليس فيه شبهة، (فالأسود له فضل) كثير من جهة الفقاهة (وعبد الله بن مسعود هوعبد الله) الذي فضله مشهور غير مجحود، والتركيب من قبيل قوله شعر:
أنا أبو النجم وشعري شعري
فلا يرد أن المبتدأ هو عين الخبر، ولا بد من المغايرة بينهما فتدبر (¬1)، (وسكت الأوزاعي) في ذلك المقام على طريق الإلزام أو قطعاً للمنازعة والخصام قال ابن
¬_________
(¬1) فرجح الإمام الأوزاعي أن حديث الرفع بعلو الإسناد ورجح الإمام الأعظم بفقه الرواة وهذا هو المقرر في أصول الحنفية وأجاب من هذا في مسك الختام أن عند أهل الرفع طرق أخرى سوى إسناد الأوزاعي قول أما أولاً إن عند الحنفية أيضاً طرق عديدة لثبوت عدم الرفع وثانياً إذا كان الدليل الواحد أقوى وأرجح وأوثق فلا يضعفه كثرة الدلائل من الجانب المقابل وإن شئت زيادة تحقيق هذه المسألة فارجع إلى رسالتي (قريرة العينين بتحقيق رفع اليدين).
الجزء 1 · صفحة 38
الهمام فترجح الإمام بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهو المذهب المنصور عندنا، انتهى.
فمن زعم أن ما أورده البخاري من صحيحه في بابه لم يبلغ أبا حنيفة وأصحابه خرج عن حد الانصاف، ودخل في باب الاعتساف ثم مما يؤيد أكثر الفقه في مقام الترجيح ما ورد في الحديث الصحيح: "نَضَّرَ الله امرء سَمَعَ مِنَّا شَيئاً وبَلَّغَهُ كما سمعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى مِنْ سامع" رواه أحمد والترمذي وابن حيان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعاً، وفي رواية رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
هذا وروى الطحاوي، ثم البيهقي من حديث الحسن بن عباس بسند صحيح عن الأسود وقال رأيت عمر بن الخطاب رفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود.
وروى الطحاوي وبسنده إلى علي رضي الله عنه أنه رفع يديه في أول التكبير ثم لم يعد وأما ما في الترمذي عن علي أنه عليه السلام كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا [قضى] قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع كذلك صححه الترمذي فمحمول على النسخ للاتفاق على نسخ الرفع عند السجود.
والحاصل أن الأخبار والآثار متعارضة فلا بد من الجمع بينهما بأن يقال: بسنِّيَّةِ الأمرين كما قال بعضهم: وهو ظاهر، أو يترجح أحد الجانبين، فقد روى أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم قال: ذكر عنده وائل بن حجر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند الركوع وعند السجود: فقال أعرابي: لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة أدى قط فهو أعلم من عباد الله وأصحابه حفظ ولم يحفظوا وفي رواية بشرائع وقد حدثني من لا أحصي عن عبد الله أنه رفع يديه في بدءِ الصلاة فقط، وحكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله عالم بشرائع الإسلام وحدوده متفقدة الأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله عالم يلازم له في إقامته وأسفاره، وقد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى، فيكون
الجزء 1 · صفحة 39
الأخذ به عند التعارض أولى إعاده صريحاً لتقدم ذكر سفيان جملة معترضة.
- يجمع الله العلماء يوم القيامة
(أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَجْمَعُ العُلمَاء يَوْمَ القيَامَةِ) أي في منزل الكرامة (فيقول: إني لم أجْعَلْ حكمتي) أي معرفتي كتابي وسنة نبي (في قلوبكم)، وفيه إيماء إلى أن الإعتبار بالعلم الداخل في القلب الموجب لتقوي الراء، وقد ورد العلم علمان: علم اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذلك العلم النافع.
رواه ابن أبي شيبة والحاكم عن الحسن مرسلاً والخطيب عنه، عن جابر مرفوعاً وروى الديلم في مسند الفردوس، عن علي رضي الله عنه من ازداد علماً ولم يزد في الدنيا زهداً لم يزد من الله إلا بُعْداً (ألا وأنا أريد بكم الخير) في الدنيا والآخرة (اذهبوا إلى الجنة) والدرجات الفاخرة (فقد غفرت لكم) ما صدر عنكم (على ما كان منكم) من تقصير في عمل أو تطويل في أمل.
(وبه عن حَمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من ذبيحة امرأة) أي مسلمة لقوله عليه الصلاة والسلام: "ذَبِيحةُ المُسلِم حَلالٌ" رواه أبو داود، في مراسيله، وقد أجمعوا على تحليل ذبيحة المسلم العاقل الذي يمكن منه الذبح سواء في ذلك الذكر والأنثى (ونهى) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَن قَتل المرأة) أي إذا أسرت إلا إذا كانت ملكة، او ذات
الجزء 1 · صفحة 40
رأي ملكة، وهذا باتفاق الأئمة.
واختلفوا في قتل المرتدة عند عدم التوبة، فتحبس عند أبي حنيفة، وتقتل عند غيره، وقد أوضحت المسألة مع الأدلة في شرح الشفا، وأما في القصاص فلا خلاف أنه تقتل المرأة بالرجل، ولم يقل أحد بالمفهوم المخالف في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَصَاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى} (¬1).
(وبه عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُعرف بالليل) أي يعرفه غيره في ظلمة الليل، أي إذا قيل يتوجه من بيته إلى المسجد، (بالريح الطيب الذي كان يفوح منه مع عدم تطيبه)، كما عرف من فضائله من جنس شمائله، والحديث رواه الدارمي والبيهقي، وأبو نعيم أنه لم يكن يمر بطريق فيتبعه أحد إلا عرف سلكه من طيب عرقه، وروى أبو يعلى والبزار بسند صحيح أنه كان إذا مر من طريق وجدوا منه رائحة الطيب وقال مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الطريق، وروى أحمد والبخاري عن أنس ما شممت ريحاً قط، ولا مسكاً ولا عنبر أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وبه عن حمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: انكسفت الشمس) (¬2) أي تغيرت وانكدرت (يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم) من
¬_________
(¬1) البقرة 178
(¬2) رد على ما زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغير في العالم من موت وقحط وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 41
جارية قبطية اسمها مارية، وكان الناس يزعمون على طريق الجاهلية التابعين للحكماء والفلاسفة أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لولادة عظيم أو لموته (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب) أي قائماً في مقام أو على منبره، وقف نظامه وأثنى بمحامد ربه في كلامه (فقال إنَّ الشَمْس والقَمَر آيتَان) عظيمتان من آيات الله الآفاقية، كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا الشَمْسَ وَالقَمَرَ آيتينِ} (لا تنكسفان) بالتأنيث لتغليب الشمس فإنها أقوى، وهو الأنسب وبالتذكير لتغليب القمر وهو أقرب والأصح أن الكسوف والخسوف يطلق على كل منهما إلا أن الكسوف في الشمس والخسوف في القمر أكثر ومنه قوله تعالى وخسف القمر، والحاصل أنهما لا يتغيران (لموت أحد ولا لحياته) أي ولادته، (فإذا رأيتم ذلك) أي ما ذكر من كسوف أو خسوف (فصلوا) أي بجماعة في الكسوف مع إمام الجمعة وفرادى في الخسوف على طريق السنة، ويصلى للكسوف فرادى كما يصلى جماعة بالاتفاق، والحديث في البخاري ورواه الترمذي في الشمائل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يصلي، ولما صلى ركعتين انجلت الشمس، وقد ركع في كل ركعة ركوعاً، وفي رواية النسائي فصلى بهم ركعتين كما يصلون، وروى ابن حيان أنه عليه الصلاة والسلام صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم.
وقد بسطت الكلام على هذا المقام في الحرز الثمين لشرح الحصن الحصين.
(واحمدوا الله) على آلائه واشكروا على نعمائه (وكبروه) أي عظموه ووقروه (وسبحوه) أي تنزهوا عن كل ما لا يليق بذاته وصفاته (حتى ينجلي) أي تنكشف أيهما انكشفت وهذه الخطبة بمجرد الموعظة فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه وأحمد لا تُسنَ لِكُسُوفِ الشَمسِ وَلاَ لخُسوف القَمْرِ خُطْبَةٌ.
الجزء 1 · صفحة 42
وقال الشافعي: تسن لهما خطبتان، (ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين) أي كصلاة الصبح عند أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي وأحمد: ركعتان في كل ركعة منها قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان، ثم قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يخفي القراءة، وقال أحمد: يجهر بها.
- صلاة السفر
وبه (عَنْ حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر) أي الشرعي المختلف حده في الفقه العرفي (ركعتين) أي قصراً للرباعي، والمواظبة المفهومة من كان الدالة على المداومة تفيد وجوب القصر كما قال أبو حنيفة، لا الرخصة كما قال به الأئمة الثلاثة، (وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما) أي كذلك (لا يزيدون) أي الثلاثة عليه أي على ما ذكر من الركعتين (إلا في المغرب)، والجملة استئنافية بيانية أو حالية مؤكدة.
- صلاة في الخمرة
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ناوليني الخمرة) وهي بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم حصيرة صغيرة منسوجة من سعف النخل وترمل بالخيوط، وقد صح عن ميمونة أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي على الخُمرة، رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم عن المغيرة أنه عليه الصلاة والسلام
الجزء 1 · صفحة 43
كان يصلي على الحصيرة والفروة المدبوغة، وروى ابن ماجه عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي على بساط، وفيه رد على الرافضة حيث لا يجوزون الصلاة والسجدة إلا على الأرض، وجنسها وإن كان هو الأفضل اتفاقاً.
وروي عَنْ مالك كراهة الصلاة على غير الأرض، وجنسها (فقالت) معتذرة بناء على ظنها أنه لا يجوز لها أن تتناول السجادة التي بمنزلة المسجد في مرتبة السعادة (إني حائض) يعني، وليس للحائض أن تدخل المسجد، فكذا ينبغي لها أن لا تأخذ السجادة، وإلا ظهر أنها توهمت أنها نجسة، وليس لها أن تمسك السجادة لئلا يتنجس (فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ حَيْضَتَكِ) بكسر الحاء اسم للحيض، وهو المراد هنا وأما بالفتح فالمدة منه (ليست في يدكِ) وهو كناية عن أن بدنها طاهر، إنما يمنع الحائض من الجماع فالنجاسة حكمية لا حقيقية، كما قالت اليهود والطائفة الرافضية.
(وبه عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً) أي شعيراً، (ورهنه درعاً)، ومات صلى الله عليه وسلم وهي مرهونة وكان وصّى علياً بفكها منه.
(وبه عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خيّرنا) أي معشر أمهات المؤمنين (رسول الله صلى الله عليه وسلم) بين موافقته ومفارقته (فاخترناه) أي جميعنا (إلا واحدة) اختارت الدنيا على الآخرة فرأوها في آخر العمرة تلقط البعر
الجزء 1 · صفحة 44
(فلم يعد) أي، فلم يحسب النبي صلى الله عليه وسلم (ذلك) الاختيار (طلاقاً) في ذلك المقام.
ورواه البخاري ولفظه: فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئاً، واختلف أهل العلم في حكم التخيير فقال عمر بن مسعود وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها تقع طلقة واحدة، وهو قول أبي حنيفة، وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي إلا أن عند أبي حنيفة طلقة بائنة، وعند آخرين رجعية، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، وهو قول الحسن، وبه قال مالك.
وروى عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة،
وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة قال البغوي في تفسير قوله تعالى: {يا أيُها النبي قُلْ لأَزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتُها فَتَعَالَينَ أمَتِعْكُنَّ} أي متعة الطلاق {وَأُسَرحكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ... وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدارَ الآخرةَ فَإنَّ الله أَعَدَّ لِلمُحسنَات مِنْكُنَّ أجراً عظِيماً} (¬1) وفي صحيح مسلم قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فأذن له، فدخل فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحوله نساؤُهُ واجماً ساكتاً قال في نفسه: لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم "وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة: يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألين رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ليس عنده ثم اعتزلهنَّ شهراً أي كاملاً، أو تسعاً وعشرين يوماً، ثم نزلت هذه الآية قال: فبدأ بعائشة فقال يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت: فيك يا رسول الله أستشير أبوي، بل
¬_________
(¬1) الأحزاب 28 - 29.
الجزء 1 · صفحة 45
أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال: لا تسألني امرأة منهن، إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً، وفي رواية كانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله، والدار الآخرة، ورؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك.
قال قتادة فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: لا يحل لك النساء من بعد.
- فضائل الإمام زفر
زفر وهو ابن هزيل بن قيس الغبري البصري الكوفي كان يفضله الإمام ويقول: هو أقيس أصحابي، وقال أبو حنيفة في خطبة زواج زفر إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامه في شرفه وحسبه وعلمه، وكان أبوه من أهل أصبهان، وفي طبقات مجد الدين أن زفر حفظ القرآن في سنتين من آخر عمره، فرُئِيَ بعد موته في المنام فسئل ما حالك فقال: لولا السنتين لهلك زفر، وكان جامعاً بين العلم والعبادة، وصاحب الحديث والسُّنَّة روى عنه أبو نعيم وغيره، وذكر الإمام محمد بن الحسن الختني، عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم تنفذ أن تذكر الدنيا بين يديه، وإذا ذكره واحد منا قام عن مجلسه وتركه، وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله، وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أكره زفر على أن يلي القضاء، فأبى وهدم منزله، واختفى مدة، ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانياً واختفى كذلك حتى عفي عنه، كذا ذكره الكردري، ولعله هذا في آخر عمره فلا ينافي ذكره في الطبقات أنه تولى قضاء البصرة.
ولد سنة عشر ومائة وتوفي بالبصرة سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثمان وأربعون سنة.
الجزء 1 · صفحة 46
- لا نأخذ بالرأي ما دام أثر
روي عنه أنه قال: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وعن عصمت قال زفر: ما تمنيت البقاء قط، وما مال قلبي إلى الدنيا، وعن بشر بن القاسم سمعته يقول: لا أخلف بعد موتي شيئاً أخاف عليه الحساب، فلما مات زفر قدم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم.
وعن عكرمة قال: لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال: هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا، وعن الحسن بن زياد كان زفر والداود متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمع بينهما، وعن هلال بن يحيى جاء داود وقعد على مزبلة، ثم جاء زفر وقعد معه.
- قول زفر
وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلاً جاء إلى الإمام فقال لا أدري أطلقت امرأتي أم لا قال: لا عليك حتى تتيقن بالطلاق، ثم سأل الثوري، فقال: لا تضرك الرجعة فسأل عن (¬1) شريك قال: طلقها ثم أرجعها فجاء إلى زفر، وحكى له الأقاويل، فقال: أما الإمام فقد أفتى بالفقه، والثوري بالورع، وأما شريك بالعقل، فأضرب لكم مثلاً: إن رجلاً شك أنه هل أصاب ثوبه نجس، أم لا فقال الإمام: لا عليك قبل العلم بالنجاسة، وأما الثوري فقال لو غسلته لا عليك، وأما شريك قال: بل عليك، ثم اغسله.
(قال) أي زفر، (سمعت أبا حنيفة يقول) جملة حالية أي (سمعت حماداً) أي ابن أبي سليمان (يقول كنت) أي أنت (إذا نظرت إلى إبراهيم) أي النخعي، وكذا غيرك بدليل قوله (فكل من رأى هديه) بفتح فسكون، أي سمته
¬_________
(¬1) لعلها زائدة.
الجزء 1 · صفحة 47
في طريقه بدليل قوله (وسيرته) في متابعة شريعة وحقيقة (يقول: كان هديه هدي علقمة ويقول) أي إبراهيم (من هدي علقمة كان هديه هدي عبد الله) أي ابن مسعود، (يقول:) أي علقمة (من رأى هدي عبد الله (¬1) كان هديه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم) لكثرة متابعة في أقواله وأفعاله وسائر أحواله الموجبة لكماله في عاجله ومآله.
- نوم الجنب
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب) جملة حالية (توضأ وضوءه للصلاة) أي لتكون طهارة في الجملة، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، والحديث رواه الشيخان، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة بلفظ: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة، ويؤخذ منه أنه لو كسل أحد من الوضوء أيضاً تيمم، فإنه نوع طهارة، فهو خير من أن ينام على حدث، أو جنابة.
ثم رأيت الطبراني في الأوسط روى عن عائشة كان إذا وقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم انتهى، وكان أحياناً يغتسل وينام، وهذا كله مبني على الاستحباب إذ ورد في هذا الباب أنه عليه الصلاة والسلام كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها.
¬_________
(¬1) روى البخاري عن حذيفة قال: إن أشبه الناس دلاً وسمتاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم لابن أم عبد حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا. والمراد من ابن أم عبد: عبد الله بن مسعود، لأن أمه تكنى أم عبد.
الجزء 1 · صفحة 48
- رفع القلم
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رُفِع الَقَلمُ) أي بكتابة الإثم عن ثلاثة أشخاص: (عن الصبي حتى يكبر) بفتح الموحدة أي يبلغ. (وعن المجنون حتى يفيق) بضم الياء وكسر الفاء حتى يعقل، (وعن النائم حتى يستيقظ) أي يتنبه.
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن حماد عن سعيد بن جبير) أي الأسدي الكوفي أحد الأعلام التابعين قتله الحجاج في شعبان سنة خمسة وتسعين ومات الحجاج في رمضان بعده بخمسة عشر، وقد وقعت الأكلة في بطنه ولم يسلط بعد على أحد لدعاء سعيد: لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، ودفن سعيد بظاهر واسط العراق، وقبره بها يزار (عن حذيفة) أي ابن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم) أي التكليف بالشرع الشريف (عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم) أي يبلغ إما بالإحتلام أو بالسن أو بالإحبال، وقد روى أحمد وأبو داود الحاكم عن عمر وعلي ولفظهما: رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يتبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم.
الجزء 1 · صفحة 49
- إن أولادكم من كسبكم
(عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولادكم) ذكوراً وإناثاً (من كسبكم) أي من جملة مكسوباتكم، (وهبة الله لكم) كالتفسير لما قبله (يهب لمن يشاء إناثاً) قُدِّمْنَ تسلية لأهلهن وإيماء إلى تقدم بركتهن (ويهب لمن يشاء الذكور) استشهاداً واعتضاداً للحكم المذكور، والحديث رواه البخاري والترمذي، والنسائي وابن ماجه، عن عائشة بلفظ: أن أطيب أكلتكم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم.
- قراءة في الوتر في ثلاث ركعاته
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة: كان) أي النبي صلى الله عليه وسلم دائماً وغالباً (يوتر) أي يصلي الوتر (بثلاث) أي من السور على طريق الاستحباب من أن ضم السور مطلقاً عام في الإيجاب (يقرأ في الأولى) من الركعات (بعد الفاتحة {بسبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية {بقل يا أيها الكافرون} وفي الثانية {بقل هو الله أحد} (وفي رواية) أي لأبي حنيفة، أو لعائشة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في
الجزء 1 · صفحة 50
الركعة الأولى من الوتر) أي من ركعات الثلاث (بأم الكتاب) وهي الفاتحة و {سبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية بأم القرآن، و {قل يا أيها الكافرون} وفي الثالثة بأم الكتاب، و {قل هو الله أحد} والحديث رواه أبو داود، والترمذي والنسائي، وأحمد وابن ماجه، وابن حبان، عن جماعة من الصحابة بلفظ إذا صلى الوتر، ثلاثاً فيقرأ الأولى {سبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية {قل يا أيها الكافرون}، وفي الثالثة {قل هو الله أحد}.
وفي رواية لأبي حنيفة بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث، وقد رواه النسائي وابن السني كلاهما عن ابن ابزي، وزاد ولا يسلم إلا في آخرهن، ورواه الحاكم وقال عثمان على شرطهما، عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه لا يسلم إلا في آخرهن، وكذا روى النسائي والحاكم وقال عثمان، على شرطهما، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث، ولا يسلم في ركعتي الوتر، وفي رواية لابن ماجه والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام كان يوتر ويقنت قبل الركوع.
- مواقيت الإحرام
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس) أي وعظهم (فقال من أراد منكم الحج) أي قصد إحرامه (فلا يحرمن إلا من الميقات) أي لا بعده إذ يجوز إجماعاً قبله بل هو أفضل بشرط، (والمواقيت) جمع ميقات وهو الوقت المعين استعير للمكان المبين،
الجزء 1 · صفحة 51
والمواقيت (التي وقتها) بتشديد القاف أي عينها وبينها (لكم) أي لأجل إحرامكم (نبيكم) أي هو ينبىء وغيري من بعدكم (صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة) خبر مقدم (ومن مر بها) ولمن مر بها، أي ولمن وصل إليها (من غير أهلها) كأهل الشام وغيرهم (ذو الحليفة) مبتدأ مؤخر (ولأهل الشام) على عادتهم القديمة، (ومن مر بها) من غير أهلها كأهل مصر وغيرهم (الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء، وهو المسمى اليوم بالرابغ (ولأهل نجد ومن مر بها) من غير أهلها (قرن) بفتح القاف، وسكون الراء قرن المنازل وهو موضع معروف ووهم الجوهري في ضبطه بفتحتين فإنه قبيلة ينسب إليه أويس (ولأهل اليمن ومن مر بها غير أهلها) كأهل الهند (يلملم) ويقال المسلم، (ولأهل العراق) من الكوفيين والبصريين (ولسائر الناس) أي لمن مر على طريقهم (ذات عرق) بكسر فسكون، والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم ممن هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل من مكة.
وأما توقيت ذات عرق ففي مسلم عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مَهَلَّ أهل المدينة إلى أن قال ومهل أهل العراق من ذات عرق، وفيه شك من الراوي في رفعه هذه المرة، ورواه مرة أخرى على ما أخرجه ابن ماجه عنه ولم يشك، ولفظه ومهل أهل الشرق ذات عرق، وكذا أخرجه البزار في مسنده عن ابن عباس، وأخرج أبو داود عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وكذا أخرجه عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر.
وبه (عن حمَّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم) عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول
الجزء 1 · صفحة 52
الله صلى الله عليه وسلم) أي أحياناً (يخرج إلى صلاة الفجر) أي فرض الصبح لأهل الجماعة، (ورأسه) أي وشعره (يقظ) بضم القاف، أي يقطر (من غسل الجنابة) أي من أثر غسلها (باحتلام وجماع) الواو بمعنى التنويعية ويحتمل الترديدية، فإنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ الاحتلام والأظهر أن يكون جماع عطف تفسيره بجنابة، ويؤيده ما سيأتي من رواية فيها بلفظ من جنابة من جماع، (ثم يظل) بفتح الظاء المعجمة أي يصير في نهاره (صائماً) للفرض أو النفل.
والحديث رواه مالك وأصحاب الكتب الستة عن عائشة وأم سلمة بلفظ: كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم، وقد أجمعوا على أن من أصبح صائماً وهو جنب أن صومه صحيح، وأن المستحب أن يغتسل قبل طلوع الفجر، وعن بعض السلف أنه يبطل صومه ويمسك ويقضي، وعن الحسن إن أخره بغير عذر بطل، وعن النخعي إن كان نوى الفرض يقضي.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن علقمة، عن عائشة) أي بنت الصديق (أم المؤمنين) أي أحد الزوجات الطاهرات (قالت: لما أغمي) بصيغة المجهول ونائب الفاعل (على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبا بكر) الخِطَابُ لأهل بيت النبوة أو لعائشة ولمن حولها أو بها وحدها والجمع لتعظيمها (فليصلِّ بالناس) أي إماماً لهم
الجزء 1 · صفحة 53
في مقام الإيناس، وفيه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة وكذا قال بعض (¬1) الصحابة: قد رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا (فقيل) أي فقالت عائشة أو حفصة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أبا بكر رجل حصر) بفتح الحاء والصاد أي بخيل كما في النهاية، أو ضيق الصدر على ما في القاموس، (وهو) أي والحال أن أبا بكر (يكره أن يقوم مقامك)، أي لا يهون عليه أن يقف في مكانك، ويرى نفسه أن تخلفه في مقام شأنك، أو يغلب عليه البكاء. حين يتذكر الغيبة، عن الحضرة ويتصور انتقالك من دار الفناء إلى دار البقاء قال: (إفعَلوا مَا آمركُمْ به) ولا تعتذروا بمثل هذا المقالات في حقه، وفي بعض الروايات إنكن صواحبات يوسف يعني أن كيدكن عظيم، إذ قصدت عائشة بهذا لاسشآم الناس به بقيام مقامه في المحراب والله أعلم بالصواب، وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في كتابنا المرقاة شرح المشكاة.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد أنه سأل عائشة عما يقطع الصلاة) أي من المارين فقالت (يا أهل العراق) أرادت به بعض الكوفيين (تزعمون الحمار والكلب والسنور) بكسر السين المهملة وتشديد النون المفتوحة، أي الهرة (يقطعون الصلاة إذا مر بين يدي المصلي، ولم يكن له سترة)، وفيه تغليب ذوي الغفول على غيرهم قرنتمونا معشر النساء
¬_________
(¬1) قال في اللمعات شرح المشكاة، قال سيدنا علي كرم الله وجهه لأبي بكر رضي الله عنه: قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ديننا فمن الذي يؤخرك في دنيانا.
الجزء 1 · صفحة 54
بهم) أي بالحمار والكلب والهرة ومثالهم.
ولعل وجه صيغة جمع المذكر الموضوع لذوي العقول على طريق المشاكلة والمقابلة (أدرأ) بفتح أمر الخطاب العام لسائل وغيره من الأنام أي ادفع (المار) مطلقاً (ما استطعت)، بالإشارة أو اليد على وجه اللطافة؛ (فإن اندفع) فبها (وإلا فلا يضرك) من يمر إلا نفسه فإنه لا يقطع صلاتك شيء.
والأحاديث الواردة في قطعها محمول على قطع كمال الحضور فيها فإن القلب يتشوش بمشاهدة شيء يمر بين يديه، وفي كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة لو مر بين يدي المصلي مارٌّ لم تبطل صلاته، عند الثلاثة، وإن كان المار حائضاً أو حماراً أو كلباً أسود.
وقال أحمد يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
وممن قال بالبطلان عند مرور ما ذكر ابن عباس وأنس والحسن البصري (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وأنا نائمة إلى جنبه) أي في غاية من قربه، كما يشير إليه (عليه ثوب جانبه عَلَي)، وفيه دليل على أنه يجوز صلاة الرجل إلى جنب امرأة مطلقاً، كما قاله مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة يبطل صلاة الرجل إلى جنبه إذا حاذته امرأة في صلاة مشتركة أداء وتحريمه بشروط آخر محل بسطها كتب الفقه وكأنها رضي الله عنها استدلت بهذا الحديث أنه لا فرق في مقام قرب المرأة بين أن يكون في جنب المصلي، أو بين يديه، (وفي رواية قالت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معترضة) أي نائمة أو مضطجعة بالعرض بينه وبين القبلة هذا أقوى في مقام القبلة لما سبق من المقالة، فإن بقائها معترضة أقوى من مرورها.
الجزء 1 · صفحة 55
(وبه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم قال الولد) ذكراً كان أو أَنْثى إذا حصل بِطَريق السفاح لاَ عَلى وَجهِ النِكَاحْ (لِلِفِرَاش) بكسر الفاء وهو ما يسترك كناية عن المرأة تكون محصنة (¬1) أو غيرها حُرَّة كانت أو أمة (وللعاهر) بكسر الهاء أي الرجل الزاني، إذا كان محصناً (الحجر) أي الرجم أو التراب كناية عن قتله، والحديث صحيح مشهور كاد أن يكون متواتراً، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، عن عائشة، والثلاثة عن أبي هريرة. وأبو داود، عن عثمان. والنسائي، عن ابن مسعود، وعن ابن الزبير. وابن ماجه، عن عمر وأبي أمامة.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله) أي ابن مسعود قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ السُّرةِ إلى الرُّكْبَةِ عَوْرَةً) الحديث رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن جعفر، وروى الدارقطني، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما فوق الركبة من العورة، وما أسفل من السرة من العورة، ورواه أيضاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإِن ما تحت سُرُّته إلى ركبته عورة، وعن علقمة، عن علي كرّم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الركبةُ مِنَ العَورَة" واعلم أن ستر العورة عن الأجنبي واجب الإجماع، وهو مشروع في الصلاة حتى عن نفسه إلا عند مالك، فإنه قال بوجوبه، كما قال به أئمتنا في حال طوافه، واتفقوا على أن السرة من الرجل ليست
¬_________
(¬1) بذا الحديث كاد أن يكون متواتراً
الجزء 1 · صفحة 56
بعورة، وأما الركبة فقال مالك والشافعي وأحمد ليست من العورة، وقال أبو حنيفة إنها منها.
وبه عن بعض الشافعية، وقيل العورة هي السوءتان وبه قال بعض أصحاب الظاهر وأصل ذلك كله قوله تعالى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (¬1) أي قبل ودبر.
- الولاء لمن أعتق
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأول وهي اسم جارية (لتعتقها فقالت مواليها) بفتح الميم أي أهلها: (لا نبيعها إلا أن تشترط) بصيغة المتكلم أو الغائبة، أو المجهول الغائب؛ أي تشترط (الولاء) بفتح الواو، وهي عبارة عن عصوبة مواخية، وعصوبة النسب يرث منها المعتق والمعنى: أن يكون الولاء لنا قالت عائشة: (فذكرت ذلك) بصيغة المتكلم والمعنى: سألت عن صحة ما صدر عنهم هنالك (النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) سواء شرط، أو لم يشترط، فإن الشرط الذي يخالف الشرع باطل، والحديث المرفوع رواه أحمد والطبراني، عن ابن عباس، وقد جاء من عائشة ألفاظ مختلفة بطريق متعدد في بعضها أمور مشكلة تولينا بحلها في فتح الوفاء لشرح الشفاء.
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض المرض الذي فيه قبض) أي وجه الشريف (استحل) أي التمس من سائر نسائه (أن يكون في بيتي أيام مرضه) لعدم قدرته على القسم بينهن، ولوجود المشقة عليه
¬_________
(¬1) الأعراف 31.
الجزء 1 · صفحة 57
في تردده إليهن (فأحللن له) أي أجزن له، (وجعلنه في حل) من جهة رضائه (قالت): أي عائشة (فلما سمعت ذلك)، أي إحلالهن في قيامه عندي (فقمت مسرعة فَكَنَستُ) أي أنظفت (بيتي) أي حجرتي (وليس لي خادم) أي من يخدمني، ويعينني (وفرشته فراشاً) بكسر الفاء أي ما يفرش للاضطجاع (حشو مرفقه) بكسر الميم وفتح الفاء أي مُخَدَّتُه (الإذْخِر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمة نبت معروف بمكة المكرمة، (فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهادي) بضم الياء وكسر الدال أي يمشي بين رجلين معتمداً عليهما من قوة ضعفه، وكثرة تمايله (حتى وضع على فراش).
وفي البخاري قالت عائشة لما ثقل مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ابن عبد المطلب، وبين رجل آخر، قال عبد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة، قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب الحديث.
وفي رواية مسلم عن عائشة فخرج بين الفضل بن عباس ورجل آخر، وفي أخرى رجلين أحدهما أسامة.
وعند الدارقطني أسامة والفضل، وعند ابن سعد الفضل وثوبان، وعند ابن حبان في أخرى بريرة ونوبة بضم النون وسكون الواو وموحدة اسم أمة، والجمع بين الروايات على تقدير ثبوتها عن الثقاة بأن يقال تعدد خروجه متعددة من اتكأ عليه.
ولكن خروجه الأخير إلى بيت عائشة ما يتصور فيه التعدد إلا باعتبار أول
الجزء 1 · صفحة 58
خروجه بين رجلين، وأول دخوله عند هاتين جاريتين ولا يبعد أن هذه الجماعة كلهم كانوا معه ومتقاربين حوله بحيث أشبه حالهم كما يشير إليه إبهام الرجل الآخر في قول عائشة، وإلا فحاشا أنها كانت نكرت علياً حتى ما أحبت أن تذكره بلسانها هذا.
وكان ابتداءُ مرضه عليه الصلاة والسلام في بيت ميمونة أو زينب بنت جحش، أو ريحانة، والمعتمد هو الأول على أنه يحمع بالابتداء الحقيقي والإضافي نظراً إلى حال مرضه من شدته وضعفه، ويؤيده ما رواه أحمد والنسائي، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول وارأساه قال: بل أنا وارأساه ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك، ودفنتك فقالت لكأني به والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه.
وروى أحمد عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال لنسائه أني لا أستطيع أن أدور في بيوتكن فإن شئتن أذنتن لي، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه عند الاسمعيل كان يقول: أين أنا حرصاً على بيت عائشة، فلما كان يومي أذن له نساؤه. وذكر ابن سعد بإسناد صحيح، عن الزهري أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف ولامتنع من الجمعة، والله أعلم.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى بياض قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث أتى الصلاة في مرضه)، وفي البخاري من حديث أنس أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الإثنين، وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كشف سترة حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم
الجزء 1 · صفحة 59
فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
- تأكيد أمر الإمامة
وفي رواية فتوفي من يومه وفيه إشارة إلى تأكيد أمر الإمامة المشير إلى حجة الخلافة للصديق وتقرير بمنصبه في مقام التحقيق والله ولي التوفيق.
- خيار العتق
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن عائشة أنها أعتقت بَرِيرة ولها زوج مولى) أي معتق لأبي أحمد (فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها ففرق بينهما) بمجرد فسخها فإن خيار العتق لا يحتاج إلى القضاء بخلاف خيار البلوغ كما صرح به ابن الهمام، (وكان زوجها حراً) اعلم أن الأمة إذا أعتقت خيرت سواء كانت تحت حر أو عبد، وقال الشافعي لا خيار لها وزوجها حر، وبه قال مالك وأحمد ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بريرة وعدمها فمما يدل على أنه حر ما رواه الجماعة إلا مسلماً من حديث إبراهيم،، عن الأسود، عن عائشة واللفظ للبخاري أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها، وإن أهلها يشترطون ولاءها فقال: أعتقيها فإنما الولاء لمن أعتقها قالت: فاشتريتها فأعتقتها، قال: وخيرت نفسها وقالت: لو أعطيت كذا، وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حراً.
ورواه البخاري أيضاً من حديث الحكم، عن إبراهيم، وفي آخره قال الحكم: وكان زوجها حراً، ومما يدل على أنه عبداً ما روى الجماعة إلا مسلماً، عن عكرمة، عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً أسوداً يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي دموعه تسيل على لحيته.
الجزء 1 · صفحة 60
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: "يَا عَبَّاسُ ألاَ تَعْجَبُ مِنْ شِدَّةِ حُبّ مُغِيث بَريرَة ومِنْ شِدَّة بُغْضها مُغيثاً" فقال لها عليه السلام لو راجعتيه فقالت يا رسول الله أتأمرني به فقال عليه الصلاة والسلام: إنّمَا أنَا شَافع، قالت: لا حاجة لي فيه.
قال الطحاوي وإذا اختلفت الآثار وصحت الأخبار وجب التوفيق كما هو شأن أهل التحقيق فتقول: أنا وجدنا الحرية تعقب الرقبة، ولا تنعكس القضية، فيحمل على أنه كان حراً عندما خيرت عبداً قبله، ثم أسند عن طاوس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت ولو كانت تحت قرشي. وعن ابن سيرين والشعبي: تخير حراً كان زوجها أو عبداً، وعن مجاهد: تخير، وإن كانت تحت أمير المؤمنين.
- حديث أهل النار
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن ربعي) بكسر راء وسكون موحدة وعين مهملة بعدها ياء النسبة من أجلاء التابعين (بن حراش) بكسر الحاء المهملة وفتح راء فألف معجمة، (عن حذيفة) أي ابن اليمان (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج الله قوماً من الموحدين) أي من المؤمنين (من النار بعد ما امتحشوا) بصيغة الفاعل افتعال من المحش، بمهملة فمعجمة احتراق الجلد واللحم وظهور العظم أي احترق لحماً فصاروا فحماً أي كالفحم في سواده، (فيدخلهم الجنة) وفق مراده (فيستغيثون بالله) في إذهاب علامة كونهن في النار سابقاً (بما يسميهم) أي بسبب تسميتهم (أهل الجنة) إياهم الجهنميين، (فيذهب الله عنهم) تلك العلامة ويطيب عيشهم في دار السلامة من غير الملامة، والحديث رواه الحافظ أبو
الجزء 1 · صفحة 61
نعيم كما ذكره القرطبي في حديث طويل يقول الله: يا جبرائيل انطلق فأخرج من النار من أمة محمد فيخرجهم وقد امتحشوا فيلقيهم في نهر على باب الجنة يقال له نهر الحيوان، فيمكثون فيه حتى يعودوا أنضر ما كانوا ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوب على جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك فيتضرعون إلى الله تعالى أن يمحو عنهم تلك التسمية فيمحوها عنهم.
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله) بفتحتين جمع ضعيف، وأراد النساء والصغار (منهم من جمع) وهو من أسماء مزدلفة، ومنه قوله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} (¬1) (بليل) أي في ليلة بعد مضي أكثره، وهذا دليل على جواز ترك وقوف الصبح به، عن عذر، (وقال لهم: لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) عملاً بالسنة، وإلا فيجوز بعد فجر النحر عند الأئمة الأربعة، وفيه دليل لنا على أنه لا يجوز رميه في الليل، كما لا يجوز طواف الإفاضة قبل الصبح، وبه قال مالك، وجاز عند الشافعي وأحمد بعد نصف الليل، وقال مجاهد والنخعي والثوري: ولا يجوز إلا بعد طلوع الشمس عملاً بظاهر الحديث، وقد روى أصحاب (¬2) السنن الأربعة، عن عطاء، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفاء أهله بغلس وأمرهم أن لا ترموا الجمرة إلا مصبحين ورواه الطحاوي، ولفظه لا ترموا الجمرة إلا مصبحين، ودليل الشافعي وأحمد ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
¬_________
(¬1) العاديات 5.
(¬2) الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
الجزء 1 · صفحة 62
رخص الدعاء أن يرموا ليلاً، وذكره أيضاً في مصنفه عن عطاء مرسلاً.
- والليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة دون اللاحقة
ورواه الدارقطني بسند ضعيف وزاد فيه وأية ساعة شاؤوا من النهار وحمله صاحب الهداية من أصحابنا على الليلة الثانية والثالثة لما عرف أن وقت رمي كل يوم إذا دخل من النهار وامتد إلى آخر الليلة التي يتلو ذلك النهار فيحمل على ذلك جمعاً بين الأخبار والليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة، دون اللاحقة.
- كسب الحلال فرض عين
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ماتَ أحدكم مغموماً) أي حزيناً بحيث يغمّ فؤاده (مهموماً) تأكيد لما قبله من سبب العيال وكسب الحلال الذي هو فرض عين عند أهل الكمال (كان) في تلك الحال (أفضل عند الله من ألف ضربة بالسيف في سبيل الله) فإنه فرض كفاية في غالب الأحوال.
- طلب الحلال جهاد
وقد روى القضاعي عن ابن عباس؛ وأبو نعيم في الحلية: طلب الحلال جهاد، وروى الطبراني عن ابن مسعود طلب الحلال فريضة.
وروى الديلمي عن أنس طلب الحلال واجب على كل مسلم، وروى ابن عساكر، عن أنس من مات كالاً في طلب الحلال مات مغفوراً له.
- أجمع العلماء على نجاسة الخمر إلا ما حكي عن داود فإنه قال بطهارتها
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال، لعنت الخمر) يحتمل
الجزء 1 · صفحة 63
أن يكون بصيغة المتكلم المعلوم وأن يكون على بناء المجهول للمؤنث، وهو الأظهر الموافق لرواية الأكثر (وعاصرها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها) ظاهره أنه موقوف، ولكنه في الحكم مرفوع، وقد رواه أبو داود والحكم، عن ابن عمر مرفوعاً: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحصلة والمحمولة إليه وآكل ثمنها أو أجمع الأئمة على نجاسة الخمر إلا ما حكي عن داود أنه قال بطهارتها مع تحريمها.
- المؤمن ليس يتنجس
وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن رجل) في جهالة الراوي أبحاث محله أصول الحديث، وقد شرحت شرح النخبة الذي هو عمدة أهل التحديث.
(عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه) أي إلى حذيفة، ولعله أراد المصافحة به (فدفعها عنه) بأن جذب يد نفسه عن يد النبي صلى الله عليه وسلم كما يحس في رواية (فأمسكها عنه) رعاية للأدب حيث زعم أنه يتنجس بالجنابة ظاهراً فلا يكون طاهراً (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا لَك) أي شَيْءٍ باعِث لَكَ على فِعلَكَ أو مانع لك عن أخذك (قال: إني جنب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرنا يدك) أي أعطنا إياها (فإن المؤمن ليس يتنجس") أي حقيقة لا ظاهراً ولا باطناً وإنما يتنجس حكماً في أحكام مخصوصة بخلاف الكافر فإنه نجس باطناً وقد يتنجس أيضاً ظاهراً كما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (¬1) وهذا قول الجمهور وقال ابن عباس أعيانهم
¬_________
(¬1) التوبة 28.
الجزء 1 · صفحة 64
نجاسة كالكلب والخنزير، وقال الحسن: هم نجس العين، فمن صافحهم وجبت عليه غسل يده، هذا وقوله يتنجس: يحتمل أن يكون بضم الجيم مضارعاً وأن يكون بفتحتين مصدراً بمعنى النجاسة أو بفتح وكسر متنجس ويؤيد الأول قوله، وفي رواية المؤمن لايتنجس.
وبه (عن حماد عن حذيفة) وفي هذا الإسناد اللاحق أن جهالة الراوي في الإسناد السابق لا يضر مع احتمال انقطاع والله أعلم بالحقائق (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه فأمسكها عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسلم لا ينجس، وهذا الحديث مجمل ما تقدم، وفيه زيادة إفادة أن المؤمن والمسلم واحد شرعاً، وإن فرق بينهما لغة كما حقق في محله هذا، أو في الحديث الأول جمع بين الفعل والقول ليكون أدل على المقصود.
- صيد الكلب
وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي، (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى (بن الحارث) نخعي تابعي جليل سمع ابن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة، (عن عدي بن حاتم) الطائي قدم علي بن أبي طالب وشهد صفين والنهروان، ومات بالكوفة سنة سبع وستين وهو ابن مائة وعشرين روى عنه جماعة
قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إجمال وبيانه (فقلت: يا رسول الله إنا نبعث) أي نرسل (الكلاب المعلمة) بفتح اللام المشددة وهي التي يوجد فيها ثلاثة أشياء إذا شليت أي أرسلت أشلشلت إذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل فإذا تعدد ذلك منها كانت معلمة وأقله مرتين عند أبي حنيفة وأحمد وثلاث مرات عند الشافعي ولا يشترط ذلك عند المالكية وقال الحسن يصير معلمة بالمرة الواحدة فيحل قتيلها إذا جرحت بإرسال صاحبها له (فنأكل مما أمسكت علينا فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء 1 · صفحة 65
(إذا ذكرت اسم الله عليه) أي عند إرسالها، وهذا شرط عند أبي حنيفة في حال الذكر، فإن تركها ناسياً حل أو عامداً فلا وقال الشافعي منه وقال داود والشعبي والنخعي وأبو ثور شرطي في الإباحة ممن تركها عامداً او ناسياً لم تؤكل ذبيحنه (ما لم يشتركها كلب غيرها) بتسمية أو بدونها (فأنت) أي كل منها، (وإن قتل) بعد إمساكهما من غير مشاركة غيرها (فلا تأكل وإن قتله يا رسول الله أحدنا يرمي بالمعرض) بكسر الميم سهم بلا ريش، (قال: إذا رميت) أي أردت أن ترمي (فسميت الله فخرق) أي جرح، (فكل، فإن أصاب بعرضه) أي ولم يخرق (فلا تأكل).
وصدر الحديث رواه البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل أخبرنا ثابت بن زيد عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: إذا أرسلت كلبك وسميت، فأَمسَك، وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالطَّهُ كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل وإذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الأثر، (إلا أثر سهمك) فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل (¬1) واعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه.
وبه قال أبو حنيفة وعطاء وطاوس والثوري والشعبي وهو أصح قولي الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام: " وإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُل فَإنَّمَا أمْسَكَ علَى نَفْسِهِ" ورخص بعضهم في أكله.
¬_________
(¬1) البخاري باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة حديث رقم 16.
الجزء 1 · صفحة 66
وبه قال مالك لما روي عن أبي الثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه.
وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي (عن همام بن الحارث عن عائشة قالت كنت أفرك) بفتح الراء وقد يضم أي أدلك (المني) أي اليابس (من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي صحيح أبي عوانة عن عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كان يابساً وأمسحه أو أغسله) شك الحُميدي (إذا كان رطباً) ورواه الدارقطني وأغسله من غير شك، وفي مسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه وروى الدارقطني عن عمار بن ياسر قال أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على بئر أدلو في ماء ركوة قال يا عمار ما تصنع قلت يا رسول الله بأبي وأمي أغسل ثوبي من نجاسة أصابته فقال يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط والبول والقيء والدم والمني يا عمار ما نخامتك ودموع عينك والماء الذي في ركوتك إلا سواء.
فهذا كله يدل على كون المني نجساً وإن يابسه يطهر بالفرك، ورطبه بالغسل وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك يغسل بالماء رطباً كان أو يابساً، والأصح من مذهب الشافعي وأحمد طهارة المني واستدلا بما روى الدارقطني موقوفاً على ابن عباس، روي مرفوعاً ولا ثبت أخرجه البيهقي من طريق الشافعي موقوفاً، وقال هو الصحيح.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث أنه رأى جرير بن عبد
الجزء 1 · صفحة 67
الله) أي البجلي قال: أسلمت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوماً نزل الكوفة وسكنها زماناً ثم انتقل إلى فرضياء مات بها سنة إحدى وخمسين، روى عنه خلق كثير (توضأ ومسح على خفيه فسأله) أي همام (عن ذلك) أي جوازه حضراً أو سفراً (فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما صحبته بعد ما نزلت المائدة) فآية الوضوء فيها لم تكن ناسخة، بل المسح محمول على حال لبس الخف، كما أن الغسل محمول على حال كشف الرجل، وبه يجمع بين القراءتين فإن الآية في الجملة مجملة، وفعله عليه الصلاة والسلام، كأقواله لأحكام القرآن مبينة قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إليهم} (¬1) وأحاديث المسح على الخفين كاد أن يكون متواتراً، بل هو متواتراً في المعنى وقد أجمعوا على جواز المسح عليهما في السفر والحضر إلا مالك في رواية عنه أنه لا يجوز في الحضر وخالفهم الخوارج والروافض.
- حديث خزيمة
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي مصغراً ابن ثابت، ويكنى أبا عمارة بضم العين الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين شهد بدراً، وما بعدها كان مع علي يوم الصفين فلما قتل عمار بن ياسر جرَّد سيفه فقاتل حتى قتل روى عنه ابناه عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله (أنه مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي) أي بدوي، والجملة حالية (يجحد بيعه) حال أخرى أو استئناف بيان أي ينكر أنه باع فرساً لرسول الله صلى الله عليه وسلم (فقال خزيمة: أشهد لقد
¬_________
(¬1) النحل 44.
الجزء 1 · صفحة 68
بعته) والحال أنه لم يشهده (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين علمته) أي كيف يظهر بيعه عندك حتى شهدت به عدم حضورك؟ (قال: تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك) والمعنى أنك صادق مصدوق ونصدقك في المغيبات وهذا من جملة تلك الحالات وهو مقتبس من قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى} (¬1) فالوحي إما جلي، وإما خفي (قال) أي الراوي أو جرير (فقوله فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته) بدل شهادتي نقلاً بالمعنى والتفاتاً في المبنى (شهادة رجلين) أي بدلها، وفي حكمها.
(وفي رواية أنه مر بأعرابي) أي وهو ممن قال الله تعالى فيهم: {الأعراب أشَدُ كفراً ونفاقاً وأَجْدرُ أَلاَّ يَعْلمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ الله على رَسُولِهِ} (¬2) (وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مقارناً له (وهو) أي الأعرابي (يجحد متعاقد عقده) أي ذلك البيع (مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فقال خزيمة أشهد أنك قد بعته (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين علمت ذلك) أي مع أنك ما حضرت هنالك (فقال تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك فإذا
¬_________
(¬1) النجم 4.
(¬2) التوبة 97.
الجزء 1 · صفحة 69
جئت بخبر مما وقع في الأرض، فلا نصدقك؟ قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين) في تلك القضية وغيرها (حتى مات) أي النبي صلى الله عليه وسلم يعني ولم ينسخ هذا الحكم بغيره والحديث رواه عبد الرزاق، عن خزيمة أن أعرابياً باع من النبي صلى الله عليه وسلم فرساً أنثى، ثم ذهب فزاد على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاحد أن يكون باعها فمر بهما خزيمة بن ثابت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ابتعتها منك (فقال خزيمة:) نشهد على ذلك فلما ذهب الأعرابي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحضرتنا؟ قال: لا ولكن لما سمعتك تقول قد باعك علمت أنه حق إذ لا تقول إلا حقاً.
قال: فشهادتك شهادة رجلين، (وفي رواية، أجاز شهادته بشهادة رجلين حتى مات صلى الله عليه وسلم) رواها ابن عساكر والدارقطني في الأفراد عنه أنه جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصوصيات خزيمة لم يشاركه معه فيها أحد من أكابر الصحابة، وفيه دليل على أن أمر الشريعة مفوض إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفه في حدود الله وأحكامه، ولو كانت في نصوص كلامه. وقد روى أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر، عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فرساً من سوار بن قيس المحاربي فجحد، فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضراً قال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد له خزيمة، أو شهد عليه فحسبه.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسودة) أي بنت زمعة، وقد أسلمت قديماً، وبايعت، (وكانت تحت ابن عم لها) أسلم معها وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها فتزوج صلى الله عليه وسلم بمكة بعد موت خديجة (حين طلقها: اعتدي) أي بترك الزينة،
الجزء 1 · صفحة 70
ولو كان لم يجز لها أن تتزوج غيره صلى الله عليه وسلم بعده لقوله تعالى: {وما كان لكم أن تُؤذوا رَسُول الله وَلاَ أَنْ تَنْكَحُوا أَزوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أبداً} (¬1)
وفي المواهب أن لما كبرت سودة أراد صلى الله عليه وسلم طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها انتهى، ويمكن الجمع بأنه عليه الصلاة والسلام لما طلقها وما هان عليه فراقها راجعها وأبقاها في عقد نكاحه. ماتت سودة بالمدينة في شوال سنة أربعة وخمسين.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام) أي ابن الحارث (أن رجلاً أضافته عائشة) أي تضيفه في دار ضيافتها (أم المؤمنين) بدل أو بيان، أو خبر مبتدأ مقدر، أو نصب على المدح (فأرسلت إليه بملحفة) بكسر الميم وسكون اللام، وفتح الحاء أي بلحاف يتغطى به دفعاً للبرد ونحوه (فالتحف بها الليل) أي ليلة، أو في تلك الليلة (فأصابته جنابة) أي من احتلام وتلطخ الملحفة بمنيه (فغسل الملحفة) كلها احتياطاً في حقها (فبلغ عائشة) أي غسلها (فقالت ما أراد بغسل الملحفة فإنه لم يكن يحتاج إلى غسلها إنما كان يجزئه) من الأجزاء مهموز اللام (يفركه) أي يدلكه (حين كان يابساً لقد كنت أفركه) أي المني (من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه) أي ذلك الثوب، والظاهر أنه كان بعلم النبي صلى الله عليه وسلم
¬_________
(¬1) الأحزاب 53.
الجزء 1 · صفحة 71
خصوصاً إذا تكرر منها مع التفاته صلى الله عليه وسلم إلى طهارة ثوبه وفحصه عن حاله.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الفجر) أي صلاته مع الجماعة (ورأسه يقطر) بضم الطاء أي يتقاطر شعر رأسه ماء لقربه من غسل الجنابة كائنة من جماع (ثم يظل صائماً)، وقد سبق الكلام عليه.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل) أي صلاة التهجد على خلاف أنها فرض عليه خاصة، أو نسخ في حقه، وحق أمته عامة، (وأنا نائمة إلى جانبه وجانب الثوب) أي طرف ثوبه الذي كان يصلي به واقع (علي) أي على بدني لكمال قربي منه، وقد مر تحقيقه.
- جبة ضيقة الكمين
وبه (عن حماد عن الشعبي) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة من شعب همدان قبيلة وهو عامر بن شراحيل واشتهر به حتى سمي به، وقيل: إنه منسوب إلى شعبان فإن أهل الكوفة يقولون في النسبة إليه شعبي، وأهل الشام يقولون شعباني ولد في خلافة عمر رضي الله عنه قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال: ما كتبت سواداً في البياض قط ولا حدثت بحديث إلا حفظته قال ابن عُيينة: كان ابن عباس في زمانه وأشعث في زمانه والثوري في زمانه.
قال الزهري: العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة والحسن بالبصرة ومكحول بالشام. مات سنة أربع ومائة، وله اثنان وثمانون سنة (عن
الجزء 1 · صفحة 72
المغيرة بن شعبة الثقفي) أسلم عام الخندق، وقدم مهاجراً نزل الكوفة، ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين وهو أمير لمعاوية بن أبي سفيان وفي الشمائل، عن عروة الشعبي بن مغيرة، عن أبيه قال: (وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم) بتشديد الضاد أي سكبت عليه ماء وضوئه، ففيه جواز الاستعانة في أمر العبادة، (وعليه جبة) وهي بضم الجيم وتشديد الموحدة ثوب معروف، وقد قيل: جبة البرجنة الردمية كذا في أكثر روايات الصحيحين، وقع في رواية الترمذي رومية ولأبي داود جبة من صوف من جبات الروم، ولا منافاة بينهما لأن الشام حينئذ كانت تحت ملك الروم ويبعد أن يكون نسبة هيئتها المعتاد لنسبها إلى إحداهما، ونسبة خياطتها أو قماشها إلى الأخرى (ضيقة الكمين) بحيث لم تقدر على كشف ساعديه ليغسلهما (فأخرج يديه من تحتها) أي من أسفل الجبة (ومسح على خفيه).
وفي وراية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فأخرج يديه من أسفل الجبة وفي رواية البخاري عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: أمعك ماء قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة شامية من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما ومسح برأسه وعلى خفيه، وفي رواية مالك وأحمد وأبي داود وكان في غزوة تبوك، وفي الموطأ ومسند أبي داود أن ذلك كان عند صلاة الصبح وفي رواية لمسلم قال: فأقبلت معه حتى وقيه الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك
الجزء 1 · صفحة 73
الناس، وفي أخرى قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن فقال صلى الله عليه وسلم دعه، وفي الحديث زوائد وفوائد كوامل ذكرتها في شرح الشمائل.
- التشهد
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي وائل بن أبي أسلم) وقد مر ذكره، (عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم نقول: السلام على الله) وفي رواية زيادة بن عبادة السلام على جبرائيل وميكائيل فيهما قراءة مشهورة (فأقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو السلام) أي بذاته ولا يحتاج إلى الدعاء به من جانب مخلوقاته، (فإذا تشهد أحدكم) أي أراد أن يتشهد، وسمى هذا الدعاء تشهداً لاشتماله على الشهادتين مع زيادة الثناء عليه سبحانه وتعالى والسلام على رسوله والصالحين من خلقه (فليقل): أي وجوباً (التحيات لله) أي له خالصاً جميع الدعوات القولية (والصلوات) أي الطاعات البدنية (والطيبات) أي العبادات المالية (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي رأفته وعنايته وبركاته أي النعمة الكثيرة والمنحة العزيزة (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والمؤمنين الكاملين القائمين بحقوق الله تعالى، وحقوق خلقه أجمعين (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،