الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأيده بأصحاب كالنجوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وبهم أصحاب الضلالة يهتدون، وأتبعهم بعلماء كأنبياء بني إسرائيل يُعلمون الناس من شريعة نبيهم ما يجهلون، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، عدد ما كان، وما يكون صلاة وسلاماً دائمين مُتلازمين إلى يوم يُبعثون.
وبعد؛ فإن من أراد النجاة في الدارين، والسعادة في الحالين، والاتباع بالإحسان، والإحسان باتباع الأعيان، فعليه بسلوك طريقة من سلف من الأئمة المهتدين، والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين الفاضلين، ممن لم يُرد بالعلم مُماراة ولا مباهاة، ولا مُجادلة ولا مُضاهاة، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة يقول الحق ويعمل به، ويفعل الخير ويُرشد إليه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عن الحق رهبة ظالم.
ولا سبيل إلى هذا السبيل إلا بعد مَعرفتهم، والوقوف على جليتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطلاع على جُملة أخبارهم.
ولما كان هذا أمراً يتعذر، وعملاُ يتعسر، بل لا يدخل تحت مقدور البشرية، ولا يُمكن إدراكه بالكلية، وقد قيل: مالا يُدرك كله لا يُترك كله، وواجب علينا أن نبدأ بالأهم، والأولى فالأولى.
وكان من أهم المهمات أن يعرف الشخص أولاً من جعله وسيلة الهداية بينه وبين الله، وقلده فيما يراه، وتبعه فيما يتحراه، اقتضى الحال على أن نقتصر على ذكر أئمتنا الذين نهتدي، وبأقوالهم وأفعالهم نقتدي.
وهم إمام الأئمة، وسراج الأمة " وأمين الله تعالى على حفظ شريعته في أرضه، والمُميز لعباده بين واجبه وفرضه "، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وأصحابه الذين أخذوا عنه، واقتدوا به، واتبعوه بإحسان، إلى زمننا هذا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإن فيهم كفاية، لمن أراد الهداية، ونهاية، لمن أراد الدراية، وليس في أصحاب المذاهب أجل منهم، ولا أحد عاصرهم أو جاء بعدهم يستغنى عنهم، فالناس خصوصاً في الفقه عيال عليهم، وفي الرحلة أجل من تضرب أكباد الإبل إليهم، ما تركوا علماً يُمكن تعلمه إلا حصلوه، ولا فعلاً محموداً إلا فعلوه.
وقد صنف في مناقبهم وفضائلهم وطبقاتهم، كتب كثيرة، ومجلدات كبيرة، غير أن تقادم الزمان أخلق جِدَّتها، وأنقض عُلتها؛ فإن غالبها كان بالعراقين مقره، وبدار السلام مثواه ومُستقره، وكان منها أيضاً بما وراء النهر، مالا يدخل تحت الحصر، مِما حال بيننا وبينه بُعدُ المراحل، وانقطاع القوافل، وتداول الفِتَّن، وتناوب صُروف الزمن، وضاعت الكتب، بعضها بالإغراق، وبعضها بالإحراق، واندرست الآثار، ونُسيت الأخبار وأصيب الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فخطر في خلدي أن أجمع كتاباً مُفرداً، جامعاً لتراجم السادة الحنفية، مُستوفياً لأخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلفاتهم ومُصنفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر أخبارهم، وغير ذلك، بحسب الطاقة، ونهاية القدرة، وإلا فهم مِمن لا يُمكن حَصره، ولا يطمع في الإحاطة به، ولا في الوصول إليه.
فانتخبت ذلك من الكتب المعتبرة، التي يرجع في النقل إليها، ويعول في الرواية عليها؛ من ذلك: " تاريخ الخطيب البغدادي ".
" تاريخ ابن خلكان ".
" تاريخ ابن كثير ".
" الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة "، للحافظ ابن حجر.
" انباء الغُمر بأنباء العمر " له أيضاً.
" رفع الإصر عن قضاة مصر " له أيضاً.
ذيله، المسمى ب " بُغية العُلماء والرواة " لتلديذه الشيخ شمس الدين السخاوي.
" طبقات الغويين والنحاة "، للحافظ جلال الدين السيوطي.
" طبقات المفسرين "، له أيضاً.
" نُظم العقيان في أعيان الأعيان "، وله أيضاً.
" الروض البسام في من ولى قضاء الشام "، لأحمد بن اللبودي.
" الجواهر المُضية في طبقات الحنفية "، للشيخ عبد القادر القُرشي، وهي أكبر طبقات وقفت عليها لأئمتنا السادة الحنفية، مع أنها مختصرة بالنسبة إلى شأن من صُنفت في حقهم.
" طبقات الحنفية "، للشهاب المقريزي.
" طبقات الحنفية "، للشيخ قاسم قطلوبغا الحنفي.
الجزء 1 · صفحة 2
" طبقات الفهاء "، لأبي إسحاق الشيرازي، وهي شاملة لسائر الفقهاء الكبار، والمجتهدين الأخيار، من أصحاب المذاهب المتبعة، وغير المتبعة، من الصحابة والتابعين وغيرهم، إلى الزمن الذي كان فيه، رحمه الله تعالى.
" يتيمة الدهر " للثعالبي.
" تتمة اليتيمة "، له أيضاً.
" دُمية القصر "، للباخرزي.
" الخريدة " للعماد الكاتب.
" تاريخ قزوين " لأبي القاسم الرافعي.
" تاريخ جُرجان "، للحافظ السهمي.
" تاريخ آل رسول " بغير ألف ولام، للخزرجي.
" معجم البلدان " لياقوت الحموي.
" طبقات المحدثين "، للحافظ الذهبي.
" تاريخ الإسلام " له أيضاً.
" العِبر " له أيضاً.
" ذيل العبر " للحافظ زين الدين العراقي.
" طبقات النحاة "، لأبن قاضي شهبة.
" الوافي بالوفيات "، للصلاح الصفدي.
" أعيان العصر وأعوان النصر " له أيضاً.
" الشقائق "، لابن طاش كبرى.
" تهذيب الأسماء واللغات "، للإمام النووي.
" تاريخ الصعيد " للأذفوي.
" تاريخ اليافعي ".
" أسماء شيوخ ابن حجر ".
" أسماء شيوخ السيوطي ".
" مرآة الزمان "، لسبط ابن الجوزي.
" الذيل على مرآة الزمان "، لليونيني.
" المنتظم " لابن الجوزي.
وغير ذلك من التواريخ، والطبقات والتراجم، وأسماء الرجال ودواوين الشعراء، ومجاميع الأدباء، ومن أفواه الثقات، وأعيان الرواة، ولا أنقل شيئاً إلا بعد أن يشهد له العقل والنقْل، وغلبة الظن بالصحة.
وقد صدرت هذا الكتاب بمقدمة، تشتمل على بيان من ألفته باسمه، وعملته برسمه، وعلى فوائد مُهمة، تتعلق بفن التاريخ، لا يسع المؤرخ جهلها، وعلى بيان ما اصطلحت عليه في هذا الكتاب، وهي مقدمة تحتوي على أبواب وفصول، جعلها الله تعالى منتجة لكل خير، مُوصلة لكل مأمول، بمنه وكرمه.
وسميته " الطبقات السنية في تراجم الحنفية ".
نفع الله تعالى به، وأثاب عليه، بمنه وكرمه؛ إنه على كل ما يشاءُ قدير، وبالإجابة قَمِنٌ وجدير.
باب
في بيان من ألَّفته باسمه، وعلمته برسْمِه
وهو صاحب القران السعيد، وسلطان الأوان المديد، وإسكندر الزمان، وفخر آل عثمان، متى تفتخر الملوك بتقبيل أعتابه، وتتباهى السلاطين بخدمة أبوابه، ومن أنان الأنام في ظل عدله، وأحيى موات العدم بوافر إحسانه وفضله، ونصر الدين المحمدي وأقام مناره، وخفض كلمة الباطل وأذهب شعاره، وشمل الكُفر بعزته كل خزي ونكال، وتسلط على ذويه كل قهر وبال.
فلم يبق غُراب إلا غربت شمسه، ولا مقاتل إلا وسالت على الصوارم نفسه، ولا ذهب إلا ذهب خزائنه المعمورة، ولا حريم لهم إلا وقد هُتكت حُرمته المستورة، ولا قلعة إلا قُلعت من أصولها، ولا قافلة إلا قطعت عن قفولها.
وأطلق سيوفه الباترة، في أعناق طغاة الروافض الفاجرة، فما أبقى لهم شملاً إلا بدده، ولا جمعاً إلا أفرده ولا قوة إلا أضعفها، ولا مهجة إلا أتلفها.
وَأصبحَ الرّفضُ وَناصرُهُ ... في ذلةٍ وإمامُ الحَقِّ قاهرُهُ
وشَوكة السُّنة الغَرَّاءِ قد قّوِيَتْ ... فكلُّ قُطْرٍ بها تُزهى مَنابرُهُ
وهو السلطان الأعظم، والخاقان الأكرم؛ سيفُ الله القاطع، وشِهابه اللامع، والمُحامي عن دينه والمدافع، والذاب عن حرمه والممانع، السلطان مُراد خان، أدام الله دولته إلى آخر الزمان، ابن السلطان سليم خان، ابن السلطان سُليمان خان، ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان، ابن السلطان محمد خان - فاتح قُسطَنطينية، حماها الله عن كل آفة وبلية - ابن السلطان مُراد خان، ابن السلطان محمد خان، ابن السلطان بايزيد خان، ابن السلطان مُراد خان الغازي، ابن السلطان أورخان، ابن السلطان عثمان الغازي، الذي تُنسب إليه هذه السلاطين. أدام الله أيام دولتهم، وخلد أوقات سعادتهم، ورحم أولهم، ونصر آخرهم، ولا ردَّ لهم راية عن غاية، ولا حُساماً عن نهاية.
ولا زالت أيام هذا السلطان في سعادة وإقبال، وعظمةٍ وإجلال؛ فإنه ما زال يُقرب أهل العلم من ساحة إحسانه، ويأويهم إلى كنف جوده وامتنانه، ويقابل محسنهم بالإحسان، ومسيئهم بالغفران، وفاضلهم بالإفضال، وكبيرهم بالإكرام والإجلال.
الجزء 1 · صفحة 3
فرغب في تحصيل العلوم من لم تكن له رغبة، وتأهب للاشتغال من لم يكن عنده الهبة، وصار كل منهم يظهر بالتأليف مقدوره، ويبذل في التصنيف ميسوره، ويُشرف ما ألفه وصنفه، بخدمة سُدته السنية، وأبوابه العلية، ويبلغ به من إحسانه أقصى المرام والأمنية.
فأحببت أن أدخل نفسي في عدادهم وإن لم أكن لذلك أهلاً، وأضرب معهم في الخدمة بسهمٍ وإن لم أكن ممن يعرف الضرب أصلاً.
فالكريم يغض عن الزلة، والحليم يعفو عن الذنب؛ والخيار يستر العوار، والكلام يُشرف فيمن قيل فيه.
وقد شرفت نظمي بمديحه، وقلت فيه قصيدة، أحببت أن أجعلها في هذه المقدمة مُقدمة، وفي هذه الترجمة مُفخمة.
وهي هذه:
دَانتْ لهَيْبَتِك الأيَّامُ والأُمَمُ ... وقد أطَاعَكَ فيها السَيفُ والقلمُ
وليسَ يخرُجُ عن أمرٍ أمَرْتَ به ... إلا شقيٌّ بهِ قدْ زَلتِ القدَمُ
وَأصْبحَ الجَوْرُ لا يُجارُ ولا ... يُلْفي له في جميع الأرض مُعْتَصَمُ
والعدلُ في كفِّه مَاضٍ أشَمُّ به ... من عُصْبَةِ الظلمِ والعدوان ينتقمُ
لا يظلمُ الذئبُ شاةَ البَرِّ ليس لها ... رَاعٍ سواهُ وقد أوْدَى به النَّهَمُ
هذا الذي قِيل في أمْثالِ مَن سَلفوا ... مِن كَثْرِة الأمْنِ يمشي الذئبُ والغنمُ
يُحْصَى الحَصَا قبلَ أن تُحْصَى مَآثرُه ... والغيْثُ يفْنَى ولا تفنىَ لهُ نِعَمُ
يُكاثِر الرَّملَ في الهَيْجَاء عَسْكرُهُ ... وَكلُّ مَن شئتَ منهُم وَحْدَهُ أممُ
هو المرادُ الذي رَبُّ العبَادِ قَضَى ... في عَالم الذَّرِّ أن يَحْيَى به العَدَمُ
وَأن تَعُدَ به الدنيا كما بُدِئتْ ... عِلْماً وعَدْلاً وجُوداً دُونَه الدِّيَمُ
أما ترى العلمَ ينمُو كُلَّ آونةٍ ... والجَهْل يَزدَادُ نقصاً ليس يَنكتمُ
أمَا ترى عَلَمَ الإسْلامِ مُرْتفعاً ... والكفرُّ أصبَحَ لاَ بَنْدٌ ولا عَلَمُ
والمالُ فاضَ وفاض البَاذِلُونَ له ... وكلُّ أرْضٍ على مَن حَلَّهَا حَرَمُ
يَا آلَ عُثمانَ يا مَن لا نظيرَ لهُمْ ... بين الملُوك وهل يُرجَى نظيرُهُمُ
يا مَن بأعْتابهمْ مِن حين مَا نُصِبَتْ ... شِفاهُ كلِّ مُلُوكِ الأرْض تستلمُ
لم تصْفُ للناس أيَّامٌ ولا سَلمتْ ... من التكدُّرِ إلا في زَمَانِكمُ
فاللهُ يُبْقِي لأهْلِ الأرض دَوْلَتَكم ... فإنِّها دَوْلةٌ يحيى بهَا النَّسَمُ
واللهُ يُعْطيكُمُ مَالا يُحيطُ بِهِ ... وَصْفٌ وَلا عَن مَدَاهُ تُفْصِحُ الكَلِمُ
ولا تزال الوَرَى في ظلِّ دَوْلتكمْ ... بخَفْضِ عَيشٍ وَثغْرُ الدَّهْر يَبْتسمُ
باب
يشتمل على فوائد مهمة، تتعلق بفن التاريخ،
لا يسع المؤرخ جهلها وهو باب يشتمل على فصول:
الفصل الأول
كانت العرب تؤرخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما مائة وعشرين سنة.
قال أبو الفرج الأصبهاني، صاحب " الأغاني ": إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو ابن مخزوم، أرخت قريش بوفاته مُدة؛ لإعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا. هكذا ذكره ابن دأب.
وأما الزبير بن بكار فذكر أنها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السنة التي بنو فيها الكعبة، فأرخوا بها. انتهى.
وأرخ بنو إسماعيل عليه الصلاة والسلام من نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرق معد ومن تفرق مَعَدِّ إلى موت كعب بن لؤي؛ ومن عادة الناس أن يؤرخوا بالواقع المشهور، والأمر العظيم، فأرخ بعض العرب بأيام الخُنان لشُهرتها.
قال النابغة الجعدي:
فَمَنْ يَكُ سائلاً عني فإني ... مِن الفِتيْان أيامَ الخُنَان
مَضَتْ مائةٌ وُلدتُ فيه ... وعامٌ بعد ذاك وحجتان
الجزء 1 · صفحة 4
وَقد أبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهر مني ... كما أبقتْ من السَّيْفِ اليَمَاني
قال الشريف المرتضى، في كتابه " غُرر الفوائد، ودُرر القلائد ": إن أيام الخُنان أيام كانت للعرب قديمة، هاج بهم مرض في انوفهم وحلوقهم.
قلت: وهو بضم الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالخِتان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق.
وكانت العرب تؤرخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نَجَّمتُ على فلان كذا حتى يُؤديه في نجوم. وأول من أرخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، في شهر ربيع الأول، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، كتب إلى عمر رضي الله عنه: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل، قد قرأنا صكاً منها محلة شعبان فما ندري أي الشعبانين، الماضي أو الآتي. فعل عمر رضي الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المُحرم، وهو آخرها، فصيره أولاً لتجتمع في سنة واحدة.
وكان قد هاجر صلى الله عليه وسلم يوم الخميس، لأيام من المحرم، فمكث مُهاجراً بين سير ومقام مُدة شهرين وثمانية أيام.
فصل
تقول العرب: أرخت وورخت، فيقلبون الهمزة واواً، لأن الهمزة نظير الواو في المخرج، فالهمزة من أقصى الحلق، والواو من آخر الفم، فهي تحاذيها، ولذلك قالوا في وعد: أعد، وفي وجوه: أجُوه، وفي أثؤب: أثوب، وفي أحد: وحد. فعلى ذلك يكون المصدر تاريخاوتوريخا بمعنى.
وقاعدة التاريخ عند أهل العربية أن يؤرخوا بالليالي دون الأيام؛ لأن الهلال إنما يُرى ليلاً، ثم إنهم يُؤنثون المذكر ويذكرون المؤنث، على قاعدة العدد؛ لأنك تقول: ثلاثة غلمان، وأربع جواري.
إذا عرفت ذلك، فإنك تقول في الليالي ما بين الثلاث إلى العشر: ثلاث ليالي، وأربع ليالي، إلى بابه.
وتقول في الأيام ما بين الثلاثة إلى العشرة: ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى بابه.
وأما واحد واثنان، فلم يُضيفوها إلى مميز، فأما ما جاء من قول الشاعر:
كأنَّ خُصْيَيْه مِن التَّدَلدُلِ ... ظَرف عجُوزٍ فيه ثِنتا حَنظَلِ
فبابهُ الشعر، وضرورة الشعر لا تكون قاعدة، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لأنه يكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ فإنك إذا قلت: اثنا يومين، أو واحد رجل، فاليومان هما الاثنان، والواحد هو الرجل، وإذا قلت: يومٌ ورجلان. فقد دللن على الكمية والجنس، وليس كذلك في أيام ورجال، فيما فوق الثلاثة؛ لأن ذلك يصح على القليل والكثير، فيُضاف العدد إليه لتعلم الكمية.
وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القِلة، فقالوا: ثلاثة أيام، وأربعة أحمال، وخمسة أشهر، وستة أرغفة، ولا يورد هاهنا قوله تعالى: (ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ) ، لأنه ميز الثلاثة بجمع الكثرة؛ لأن المعنى كل واحد من المطلقات تتربص للعدة ثلاثة أقراء، فلما كان مجموع الأقراء من المطلقات كثيراً ميز الثلاثة، بجمع الكثرة، ولا يُضاف عدد أقل من ستة إلى مُميزين؛ ذكرٍ وأنثى؛ لأن كل واحدٍ من المميزين جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وقالوا في العدد المركب من بعد العشرة إلى العشرين، وهو أحد عشر وبابه: إحدى عشرة ليلة، وما بعده إلى العشرين، بإثبات التأنيث في الجُزءين من إحدى عشرة، واثنتي عشرة، وحذف التأنيث من الجزء الأول في الباقي للمؤنث. وأحد عشر يوماً، واثنا عشر يوما، وثلاثة عشر يوما، وما بعده إلى العشرين، بخلو الجزءين الأولين من التأنيث وإثباته في الجزء الأول لما بعده في المذكر، والحجازيون يسكنون الشين في عشرة، وبنو تميم يكسرونها.
وميزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العُقود إلى التسعين، بمنصوب فقالوا: أحد عشر كوكباً وأربعين ليلة، وأتوا بواو العطف بعد العشرين، ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين، فقالوا: أحد وعشرون، وأحد عشرة، وقالوا: مائة يوم، ومائتا يوم؛ فجعلوا المميز من المائة إلى الألف وما بعده مُضافاً، ولم يُجروه مُجرى ما بعد العشرة إلى التسعين.
وقالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. وبابه، فميزوه بالمفرد، ولم يميزوا بالجمع، وقالوا: ألف ليلة. فأجروا ذلك في التمييز مُجرى المائة.
فائدة
الجزء 1 · صفحة 5
لفظ " ألف " مُذكر، والدليل عليه قوله تعالى: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ) ، وقد تقرر أن المعدود المذكر يؤنث، والمؤنث يذكر.
ولا يورد قولهم: " هذه ألف درهم "؛ فإن الإشارة إنما هي إلى الدراهم، لا إلى الألف، وتقديره: هذه الدّراهم ألف.
فائدة أخرى
إذا أردت تعريف العدد المُضاف، أدخلت الأداة على الاسم الثاني، فتعرف به، نحو " ثلاثة الرجال "، " ومائة الدراهم " كقولك: " غُلام الرجُل ". قال ذو الرمة:
وهل يَرْجعُ التسليمَ أو يكشِف العَمَى ... ثلاثُ الأثافي والرِّسُومُ البَلاقِعُ
ولا يجوز " الخمسة دراهم "؛ لأن الإضافة للتخصيص، وتخصيص الأول باللام يُغنيه عن ذلك، فأما ما لم يُضف، فأداة التعريف في الأول نحو " الخمسة عشر درهماً "؛ إذ لا تخصيص بغير اللام، وقد جاء شيء على خلاف ذلك.
تنبيه
الفصيح أن تقول: " عندي ثماني نسوة " و " ثماني عشرة جارية " و " وثماني مائة درهم "؛ أن الياء هُنا ياء المنقوص، وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب، كياء قاضي وأما قول الأعشى:
وَلقد شربتُ ثمانياً وَثمانياً ... وَثَمانِ عشرَةَ واثْنتَين وأربَعَا
فبابه ضرورة الشعر، كما قال الآخر:
وطرْتُ بمُنْصُلِى في يَعْمَلاتٍ ... دَوَامِى الأيدِ يَخْبِطْنَ السرِيحَا
يريد " الأيدي " على أنه قد قُرِئ: (وَلَهُ الْجَوارُ المُنْشَآتُ) . بضمِّ الرَاء.
فصل في كيفية كتابة التاريخ
تقول للعشرة وما دونها: خَلَون؛ لأن المميز جمع، والجمع مؤنث.
وقالوا لما فوق العشرة: خَلَت، ومَضت؛ لأنهم يريدون أن مميزه واحد.
وتقول من بعد العشرين: لتسع إن بقين، وثمان إن بقين، تأتي بلفظ الشك؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصاً أو كاملاً.
وقد منع أبو على الفارسي: لمُستَهَل؛ لأن الاستهلال قد مضى، ونص على أن يؤرخ بأول الشهر في اليوم، أو بليلة خَلت منه.
قال: ولهم اختيار آخر، وهو أن تجعل ضمير الجمع كثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق القرآن به، قال الله تعالى: (إنَّ عِدَّة الشُّهُورِ عنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شََهْراً في كِتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ والأرْضَ مِنها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدّينُ القَيِّمُ فلا تَظْلِمُوا فِيهنَّ أنْفُسَكُمْ) . فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
وكذلك اختاروا أيضاً أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة، وأقمت أياماً معدودة. وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا: أقمت أياماً معدودات، وكسوته أثواباً رفيعات.
وعلى هذا جاء في سورة البقرة: (وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنا النَّارُ إلا أياماً مَعْدُودَةً) . وفي سورة آل عمران (إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) . كأنهم قالوا أولا بِطُول المدّة، ثن إنهم رجعوا عنه فقصروا المدة انتهى.
والواجب أن تقول في أول الشهر: لليلة خلت منه، أو لغرته، أو لمُستهله.
فإذا تحققت آخره، قلت: انسلاخُهُ، أو سَلخُه، أو آخره.
قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقل فيما مضى وما بقى، فإذا أرخت بأيهما شئت.
وقال الصلاح الصفدي، بعد نقله كلام ابن عصفور هذا، قلتُ: بل إن كان في خامس عشر، قلت: منتصف، أو في خامس عشر، وهو أكثر تحقيقاً؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصاً، وإن كان في الرابع عشر، ذكرته، أو السادس عشر ذكرته.
تنبيه
قال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهراً، وطلبت الخاصة في ذلك فلم أجدها أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدْرِ العلة في ذلك ما هي؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع في ذلك راآن، وهم قد فروا من ذلك وكتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية الجمع بين المثلين. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 6
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه " نظم العقبان، في أعيان الأعيان "، بعد نقله كلام الصفدي هذا، قلت: قد تعرض للمسألة من المتقدمين ابن درستويه، في الكتاب " المتمم "، فقال: الشهور كلها مُذكرة إلا جمادى، وليس شيء منها يُضاف إليه شهراً إلا شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنْزِلَ فيه القُرآنُ) .
وقال الراعي:
شَهْرَيْ رَبيعٍ مَا تذُق لَبُونهُم ... إلا حُمُضاً وَخْمَة ودَوِيلاً
فما كان من أسمائها أسماً للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذي لم يَجُزْ أن يضاف الشهر إليه، ولا يُذكر معه، كالمحرم، إنما معناه الشهر المحرم؛ وهو من الأشهر الحرم، وكصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يُصفر صفراً، إذا خلا، وجُمادى، وهي معرفة، وليست بصفة، وهي من جمود الماء، ورجب وهو معرف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشيء. أي عَظمته؛ لأنه أيضاً من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان، من التشعب والتفرق، وشوال، وهو صفة جَرَت مجرى الاسم، وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل، وذي القعدة، وهي صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذي الحِجة مثله، مأخوذ من الحج.
وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بد من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدُلُك على ذلك أن رمضان فعلان من الرمضاء، كقولك الغليان، وليس الغليان بالشهر ولكن الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسماً معرفة للرمضاء، فلم يُصرف لذلك، فأما رواة الحديث فيرون أن اسم من أسماء الله تعالى. وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكن الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسماً للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، فهما صفتان لشهرٍ، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مُضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة.
انتهى كلام ابن درستويه كما نقله السيوطي.
ويؤخذ منه أن رجب لا يُضاف إليه لفظ شهر. كما ذكر الصفدي، فليتأمل.
وجرت العادة بأن يقولوا في شهر المحرم: شهر الله. وفي شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصم، أو الأصب، وفي شعبان: المُكرم، وفي رمضان: رمضان المعظم. وفي شوال: شوال المبارك، ويؤرخوا أول شوال بعيد الفطر، وثامن الحجة، بيوم التروية، وتاسعه، بيوم عرفة، وعاشره بعيد النحر، وتاسع المحرم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء. فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السنة.
فائدة
قد يجئ في بعض المواضع " نيف " و " بضع "، مثل قولهم: نيف وعشرون، وهو بتشديد الياء ومن قال: نيف. بسكونها، فذاك لحن. وهذا اللفظ مُشق من أناف على الشيء، إذا أشرف عليه، فكأنه لما زاد على العشرين كان بمثابة المُشرف عليها، ومنه قول الشاعر:
حَلَلْتُ برَابِيةٍ رَأسُهَا ... على كُلِّ رابِيَةٍ نَيَّفُ
واختلف في مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة.
قال الصفدي: ولعل هذا الأقرب إلى الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 7
وقولهم: بِضع عشر سنة. البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: بل هو ما دون نصف العقد. وقد انزوى القول الأول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في تفسير قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهمْ سَيَغْلِبُونَ* في بِضْعِ سِنِينَ) ، وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، فلما بشر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، سُر المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بادر إلى مشركي قريش، فأخبرهم بما له مُدة الثلاث سنين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله كم البضع، فقال، ما بين الثلاث إلى العشر. فأخبره بما خاطر به أبي بن خلف. فقال: " ما حملك على تقريب المدة؟ "، فقال: الثقة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عُدْ إليهِمْ فَزِدْهُمْ في الخَطْرِ وَازْدَدْ في الأجَلِ ". فزادهم قلوصين، وازداد منهم في الأجل سنتين، فأظفر الله تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني، تصديقاً لتقدير أبي بكر رضي الله عنه.
وكان أُبَيٌّ قد مات من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أُبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تَصدَّق بِهِ " وكانت المُخاطرة بينهما قبل تحريم القِمار.
وقيل: الذي خاطر أبا بكر رضي الله عنه إنما هو أبو سفيان، والأول أصح.
كذا في " الوافي بالوفيات " للصلاح الصفدي، رحمه الله تعالى.
باب
في بيان العلم، والكُنية، واللقب، وكيفية ترتيب
ذلك مع النسبة على اختلافها المتنوع
اعلم أن الدال على مُعين مطلقا إما أن ييكون مُصدراً باب أو أم كأبي بكر، وأم كلثوم، وأم سلمة، وإما أن يشعر برفعة المسمى، كمُلاعب الأسنة، وعروة الصعاليك، وزيد الخيل، والرشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفي، والظاهر، والنصر، وسيف الدولة، وعضد الدولة، وجمال الدين، وعز الدين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النحاة، وإما أن يشعر بضعة المسمى كجُحى، وشيطان الطاق، وأبي العبر، وجحظة، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجرى عليه ذلك بواقعة جرت، مثل: غسيل الملائكة، وحمى الدَّبر، ومُطين، وصالح جزرة، والمُبرد، وثابت قُطنة، وذي الرمة، والصعق، وصردر، وحيص بيص.
فهذه الأقسام الثلاثة تسمى الألقاب.
وإلا فهو الاسم الخاص، كزيد وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفرداً كما تقدم، وقد يكون مركباً، إما من فعل وفاعل كتأبط شراً، وبرق نحره، وإما من مُضاف ومضاف إليه كعبد الله، أو من اسمين قد رُكبا وجُعلا بمنزلة اسم واحد كسيبويه، والمفرد قد يكون مُرتجلاً، وهو الذي ما استعمل في غير العلمية، كمذحج وأدد، وقد يكون منقولاً، إما من مصدرٍ؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمد، ومسعود، أو من أفعل تفضيل؛ كأحمد، وأسعد، أو من صفة؛ كثقيف وهو الدرب بالأمور الظافر بالمطلوب، وسلول، وهو الكثير السل، وقد يكون منقولاً من اسم عين؛ كأسد، وصقر، وقد يكون منقولاً من فعل ماض؛ كأبان وشمَّر، أو من فعل مضارع؛ كيزيد، ويشكر.
وإذ قد عرفت العلم، والكنية، واللقب، فسردها يكون على الترتيب: تُقدم اللقب على الكنية، والكنية على العلم، ثم النسبة إلى البلد، ثم الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العلم، أو الصناعة، أو الخلافة، أو السلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحج، أو الحرفة، كلها مقدم على الجميع.
فتقول في الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العباس أحمد السامري، إن كان بسر من رأى، البغدادي، فرقاً بينه وبين الناصر الأموي صاحب الأندلس، الحنفي الأشعري، إن كان يتمذهب في الفروع بفقه أبي حنيفة، ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري، ثم تقول: القُرشي، الهاشمي، العباسي.
وتقول في السلطنة: السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي - نسبة إلى أستاذه الملك الصالح - التُركي الحنفي البندقدار، أو السلاح دار.
وتقول في الوزراء: الوزير فلان الدين أبو كذا، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان.
الجزء 1 · صفحة 8
وتقول في القضاة كذلك: القاضي فلان الدين، وتسرد الباقي، كما تقدم.
وتقول في الأمراء كذلك: الأمير فلان الدين، وتسرد الباقي، إلى أن تجعل الآخر وظيفته التي كان يُعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشكير، أو الساقي، أو غيرهما.
وتقول في أشياخ العلم: العلامة، أو الحافظ، أو المسند، فيمن عُمِّر وأكثر الرواية، أو الإمام، أو الفقيه، وتسرد الباقي إلى أن تختم الجميع بالأصُولي، أو النحوي، أو المنطقي.
وتقول في أصحاب الحرف: فلان الدين، وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة إما البزاز، أو العطار، أو الخياط.
فإن كان النسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قلت: القُرشي، التيمي، البَكري؛ لأن القرشي أعم من أن يكون تيمياً، والتيمي أعم من أن يكون من ولد أبي بكر رضي الله عنه.
وإن كان النسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، العُمري.
وإن كان النسب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأموي، العُثماني.
وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قلت: القُرشي، الهاشمي، العلوي.
وإن كان النسب إلى طلحة رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، التيمي، الطلحي.
وإن كان النسب إلى الزبير رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأسدي، الزبيري.
وإن كان النسب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قلت القرشي، الزهري، السعدي.
وإن كان النسب إلى سعيد رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، السعيدي، إلا أنه ما نُسب إليه فيما عُلم.
وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قلت، القرشي، الزهري، العوفي، من ولد عبد الرحمن بن عوف.
وإن كان النسب إلى أبي عبيدة بن الجراح، قلت: القرشي، من ولد أبي عبيدة، على أنه ما أعقب.
هذا الذي ذكرته هنا هو القاعدة المعروفة، والجادة المسلوكة المألوفة، عند أهل العلم.
وإن جاء في الكتاب في بعض التراجم ما يُخالف ذلك من تقديم وتأخير، فإنما هو سبق من القلم، وذهول من الفكر، وما خالف الأصل يُرد إليه، ولا يعترض بعد وضوح الاعتذار عليه. والله أعلم.
تنبيه
كلما رفعت في أسماء الآباء والنسب وزدت انتفعت بذلك، وحصل لك الفرق. فقد حكى أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، قال: حججت في سنةٍ، وكنت بمنى أيام التشريق، فسمعت مُنادياً يُنادي: يا أبا الفرج. فقلت: لعله يريدني، ثم قلت: في الناس كثير ممن يُكنى أبا الفرج، فلم أجبه، فنادى: يا أبا الفرج المُعافى. فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون من اسمه المعافى وكنيته أبو الفرج. فلم أجبه. فنادى يا أبا الفرج المُعافى بن زكريا النهرواني. فقلت: لم يبق شك في مناداته إياي؛ إذ ذكر كنيتي، وأسمي، وأسم أبي، وبلدي، فقلت: ها أنا ذا، فما تريد؟ فقال: لعلك من نهروان الشرق؟ فقلت: نعم.
فقال: نحن نريد نهروان الغرب.
فعجبت من اتفاق ذلك. انتهى.
وكذلك الحسن بن عبد الله العسكري أبو هلال، صاحب كتاب " الأوائل "؛ والحسن بن عبد الله العسكري أبو أحمد اللغوي صاحب كتاب " التصحيف " كلاهما الحسن بن عبد الله العَسكري، الأول موجوداً في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، والثاني توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فاتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة، والعلم، وتقاربا في الزمان، ولم يُفرق بينهما إلا بالكنية؛ لأن الأول أبو هلال؛ والثاني أبو أحمد، والأول ابن عبد الله بن سهل ابن سعيد والثاني ابن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل؛ ولهذا كثير من أهل العلم بالتاريخ لا يفرقون بينهما، ويظنون أنهما واحد.
ومثل هذا كثير جداً. وفي هذا القدر كفاية. والله تعالى أعلم.
فصل
في معرفة أصل الوفاة من حيث اللغة
وفي ذكر فائدتها في التواريخ
الجزء 1 · صفحة 9
فنقول: أصلها وَفَيَة، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علة سكنوها فصارت وَفَيْة، فلما سُكنت الياء وانفتح ما قبلها قُلبت ألفا، فقالوا: وَفَاة، ولهذا لما جمعوه رجعوا إلى أصله، فقالوا: وَفَيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا شجرة وشجرات. وقالوا في الفعل منه: تُوفِّي زيد، بضم التاء والواو وكسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على مال يُسم فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفى، بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء.
وقد حُكي أن بعضهم حضر جنازة فسأل بعض الفضلاء، وقال من المتوفِّي؟ بكسر الفاء. فقال: الله تعالى. فأنكر ذلك. إلى أن بين لع الغلط، فقال: قُل المُتوفَّى بفتح الفاء. ذكر ذلك الصفدي في مقدمة تاريخه " الوَافي بالوفيات ".
وذكر فيه أيضاً فوائد للتاريخ، وقال: منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتاباً فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر، خطيب بغداد، فتأمله، وقال: إن هذا مزور. فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضي الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد ابن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين. ففرج ذلك على المسلمين غماً.
قال الصلاح الصفدي: وروي عن إسماعيل بن عياش، أنه قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا ها هنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟.
فقال: سنة ثلاثة عشرة، يعني: ومائة.
فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالداً مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحاكم أبي عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي - بالشين والسين معاً - وحدث عن عبد الله بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين. فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كافٍ منها، والله أعلم.
باب
في تعريف التاريخ
بيان معناه وفضيلته، في أدب المؤرخ أقول وبالله التوفيق: قد كثرت الأقوال في تعريف التاريخ، وبيان فضيلته، وأحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب " غرر المحاضرة، ودُرر المكاثرة "، وهو الشيخ الإمام المؤرخ تاج الدين علي بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال في كتابه المذكور: قال العلماء: التاريخ مَعادٌ معنوي؛ لأنه يعيد الأعصار وقد سلفت، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غراً، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلم جرا، فهم لديه أحياء وقد تظمنهم بطون القبور، وغياب وهم عنده في عداد الحضور، ولولا التاريخ لجُهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تُراب، وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها، وعمي على الأواخر حال قُدمائها.
ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المُنزلة، فمنهم ما أتى بأخباره المُجملة، ومنا ما أتى بأخباره المفصلة. وقد ورد في التوراة سفر من أسفارها، يتضمن أحوال الأمم السالفة ومُدد أعمارها.
وكانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جُل دواعيها، وتجعل لها أوفر حظ من مساعيها، وتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مَكتوبها، وتعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كل ذلك عناية بأخبار أوائلها، وأيام فضائلها، فهل للإنسان إلا ما أسسه وبناه، وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه. انتهى.
وأما أدب المؤرخ، فقد ذكر أبن السُبكي في " طبقاته الكبرى " له قاعدة حسنة، فقال: قاعدة في المؤرخين نافعة جداً، فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، أو رفعوا أتاساً، إما لتعصب، أو لجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أه الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، قل أن رأيت تاريخاً خالياً من ذلك.
الجزء 1 · صفحة 10
وأما تاريخ " شيخنا الذهبي " غفر الله له، فإته على حسنه وجمعه، مشحون بالتعصب المُفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء، الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المُجسمة. هذا وهو الحافظ المِدره، والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين.
فالرأي عندنا لا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة، وحبر الأمة، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى، حيث قال، ونقلته من خطه في مجاميعه: يُشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه؛ فهذه شروط أربعة فيما ينقله.
ويُشترط فيه أيضاً لما يُترجمه من عند نفسه، ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر، أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة، علماً، وديناً، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جداً، وأن يكون حسن العبارة، عارفاً بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حسن التصور، حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه، وأن لا يغلبه الهوى، فيخيل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبه، والتقصير في غيره، بل يكون مجرداً عن الهوى، وهو عزيز جداً وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف. فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة؛ لأن حسن تصوره وعلمه، قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فتجعل حضور التصور زائداً على حسن التصور، والعلم. فهذه تسعة شروط في المؤرخ. وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في اعلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى.
ثم ذكر أن كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعي، وقول أحمد ابن حنبل: إنه لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقول.
قلت: وما أحسن قوله " ولما عساه يطول في التراجم من المنقول، ويقصر " فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ ويحترز منها الموفقون، وهي تطويل التراجم وتقصيرها؛ فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولاً، ثم يأتي إلى من يُبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيراً مما نقل من ممادحه، ويجئ إلى من يُحبه فيعكس الحال فيه، يظن المسكين أنه لم يأت بذنبٍ؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحدٍ ولا استيفاء. ما ذكر من ممادحه، وما يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، في تأدية ما قيل في حقه؛ من مدح وذم، فهو كمن يُذكر بين يديه بعض الناس فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه. فيظن أنه لم يعتبهُ بشئٍ من ذلك، وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة.
ولقد وقفت في " تاريخ الذهبي " على ترجمة الشيخ الموفق ابن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين ابن عساكر، وقد أطال تلك، وقصر هذه، وأتى بما لا يشك الثبت أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري، وذلك حنبلي، وسيقفون بين يدي رب العالمين.
وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: " وأن لا يغلبه الهوى "؛ فإن الهوى غلاب إلا من عصمه الله تعالى.
وقوله: " فإما أن يتجرد عن الهوى، أو يكون عنده العدل ما يقهر به هواه " عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرد من الهوى، ولكنه لا يظنه هوى، بل يظنه لجهله، أو لبدعته حقاً؛ ولذلك لا يتطلب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقر في ذهنه أن محق، وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مُخالف في العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقة، وقد روى شيئاً مضبوطاً عاينه أو حققه.
وقولنا: " مضبوطاً " احترزنا به عن رواية مالا ينضبط، من الترهات التي لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء.
وقولنا: " عاينه أو حققه " ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخص ترويجاً لعقيدته.
الجزء 1 · صفحة 11
وما احسن اشتراطه العلم، ومعرفة مدلولات الألفاظ، فلقد وقع كثيرون بجهلهم في جرح جماعة بالفلسفة، ظناً منهم أن علم الكلام فلسفة، إلى أمثال ذلك مما يطول عَدُهُ. فقد قيل في أحمد بن صالح، الذي نحن في ترجمته: إنه يتفلسف. والذي قال هذا لا يعرف الفلسفة. وكذلك قيل في أبي حاتم الرازي، وإنما كان رجلاً مُتكلماً. وقريب من هذا قول الذهبي في المُزني: إنه يعرف مضايق المعقول. ولم يكن الذهبي ولا المزني يدريان شيئاً من المعقول.
والذي أفتى به، أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي. والله المستعان.
انتهى كلام ابن السبكي بحروفه.
قلت: أكثر هذه الشروط مفقودة في أكثر المؤرخين، في غالب التواريخ، خصوصاً تواريخ المتأخرين، وقلما تراها مجتمعة، حتى إن ابن السبكي نفسه يخالفهم في كثير من المواضع، ومن تأمل " طبقاته " حق التأمل، ووقف على كلامه في حق بعض المعاصرين له، ظهر له صحة ما ذكرنا، ونحن نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بجميعها، وأن يعيننا عليه، ويسامحنا بما طغى به القلم، وحصل فيه الذهول، وكل عنه الفكر، وقصر في التعبير عنه اللسام، بمنه وكرمه.
فصل
في كيفية ضبط حروف المعجم
قالوا: الياء الموحدة، وبعضهم يقول: الباء ثاني الحروف، والتاء المثناة من فوق، لئلا يحصل الشبه بالياء، لأنها مثناة، ولكنها من تحت، وبعضهم قال: ثالثة الحروف، والتاء المثلثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والذال المهملة، والذال المعجمة، والراء والزاي. وبعضهم يقول: الراء المهملة، والزاي المعجمة، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثناة، وبعضهم يقول: آخر الحروف.
هكذا يقولون إذا أرادوا ضبط كلمة؛ فإن أرادوا زيادة قالوا: على وزن كذا. فيذكرون كلمة توازنها، وهي أشهر منها، كما إذا قيدوا فلوا، وهو المهر، قالوا فيه: بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، على وزن عَدو، فحينئذ يكون الحال قد اتضح، والإشكال قد زال.
فائدة مهمة
يُعرف منها فضيلة بيان طبقات الفقهاء، ومراتبهم والاحتياجات إلى ذلك.
رأيتها في آخر " رسالة " ألفها الإمام العلامة أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا. تتعلق الرسالة بالكلام على مسألة دخول ولدِ البنت في الموقوف على أولاد الأولاد.
قال رحمه الله تعالى: " لا بد للمفتي المقلد أن يَعلم حال من يُفتى بقوله، ولا نعني بذلك معرفته باسمه ونسبه إلى بلد من البلاد، إذ لا يُسمن ذلك من جوع ولا يغني، بل نعني معرفته في الرواية، ودرجته في الدراية، وطبقته من طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين.
فنقول وبالله التوفيق: أعلم أن الفقهاء على سبع طبقات: الأولى، طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة، رضي الله عنهم، ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة؛ الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحدٍ لا في الفروع، ولا في الأصول.
والثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، وإن خالفوه في بعض الأحكام الفروع، لكن يُقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المُعارضين في المذهب، ويُفارقونهم، كالشافعي ونظرائه، المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام، غير مقلدين له في الأصول.
والثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن أصحاب المذهب، كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم؛ فإنهم لا يقدرون على المخالفة لشيخ، لا في الأصول، ولا في الفروع، ولكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص عنه فيها حسب أصول قررها، ومقتضى قواعد بسيطة.
الجزء 1 · صفحة 12
والرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين، كالرازي، وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مُجمل في وجهين، وحكم مهم مُحتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والمُقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من " الهداية " من قوله: " كذا في تخرج الكرخي وتخريج الرازي "، من هذا القبيل.
والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي الحسين القدوري، وصاحب " الهداية "، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أوْلى، وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس.
والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب العقول المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب " الكنز "، وصاحب " المختار "، وصاحب " الوقاية "، وصاحب " المجمع "، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة.
والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب الليل، فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل ".
انتهى ما قاله ابن كمال باشا بحروفه، وهو تقسيم حين جداً.
فائدة مهمة
يتعين إيرادها، ولا يستغنى عنها، نقلتها من خط المولى العلامة علي جلبي بن أمر الله الشهير بقنالي زاده، رحمه الله تعالى.
اعلم، وفقك الله تعالى، أن مسائل أصحابنا الحنفية، رحمهم الله تعالى، على ثلاث طبقات: الأولى: مسائل الأصول، وتُسمى ظاهر الرواية أيضاً، وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذاهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية، أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم.
ثم هذه المسائل التي تُسمى بظاهر الرواية والأصول، هي ما وجد في كتب محمد التي هي: " المبسوط "؛ " والزيادات "، " والجامع الصغير "، " والجامع الكبير "، " والسِّيَر ".
وإنما سميت بظاهر الرواية، لأنها رويت عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابةٌ عنه؛ إما متواترة، أو مشهورة.
الثانية: مسائل النوادر، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذاهب المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة؛ إما في كتب أخر لمحمد وغيرها، ك " الكَيْسانيَّات "، و " الهارونيات "، و " الجرجانيات "، و " الرقيات ".
و'نما قيل لها غير ظاهرة الرواية؛ لأنها لم ترد عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كتب غير كتب محمد ككتاب " المجرد " للحسن بن زياد، وغيره.
ومنها كتب " الأمالي " المروية عن أبي يوسف، والإملاء أن يقعد العالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيقول بما فتحه الله عليه من ظهر قلبه، وتكتبه التلامذة، ثم يجمعون ما يكتبونه في المجالس، ويصير كتاباً فيسمونه الإملاء والأمالي.
وكان ذلك عادة العُلماء السلف من الفقهاء، والمحدثين، وأصحاب العربية، فاندرست لذهاب العلم وأهله، وإلى الله تعالى المصير.
وإما بروايات مُفردة، مثل رواية أبن سماعة، ومعلى بن منصور، وغيرها، في مسائل مُعينة.
والثالثة: الفتاوي، وتسمى الواقعات أيضاً، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئل منهم، ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما، وهلم جرا، وهم كثيرون، موضع ضبطهم كتاب " الطبقات " لأصحابنا.
وغالب من يُنقل عنهم المسائل أصحاب أبي يوسف ومحمد، كمحمد بن سلمة، ونصير ابن يحيى، وأبي القاسم الصفار.
ومن أصحاب أبي يوسف، مثل عصام بن يوسف، وأبن رستم.
ومن أصحاب محمد، مثل أبي حفص البخاري، وكثيرين.
وقد يتفق لهؤلاء العلماء أن يخالفوا أصحاب المذاهب، لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعدهم.
وأول كتاب جُمع في فتاويهم كتاب " النوازل " للفقيه أبي الليث السمرقندي، وكذلك " العُيون " له؛ فإنه جمع صور فتاوي جماعة من المشايخ، ممن أدركهم بقوله: سئل أبو القاسم في رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا. سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال: كذا أو كذا. وهكذا.
الجزء 1 · صفحة 13
ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر في الفتاوى ك " مجموع النوازل والواقعات " للناطفي، و " الواقعات " للصدر الشهيد، رحمه الله تعالى.
ثم جمع المتأخرون هذه المسائل في فتاواهم وكتبهم مختلطة، غير متميزة، كما في " جامع قاضي خان "، " الخلاصة "، وغيرهما.
وميز بعضهم كما في كتاب " المحيط " لرضي الدين السرخسي؛ فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوى، ونعم ما فعل.
واعلم أن من كتب الأصول، كتاب " الكافي " للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب.
وشرحه جماعة من المشايخ منهم: الإمام شمس الأئمة السرخسي وهو " مبسوط " السرخسي، والإمام القاضي الأسبيجابي، وغيرهما.
ومن كتب المذهب " المنتقى " له أيضاً، إلا أن فيه بعض النوادر؛ ولهذا يذكره صاحب " المحيط " بعد ذكره النوادر معنوناً بالمنتقى، ولا يوجد " المنتقى " في هذه الأعصار.
واعلم أيضاً أن نسخ " المبسوط " المروى عن محمد متعددة، وأظهرها مبسوط أبي سليمان الجُوزجاني.
وشرح " المبسوط " المتأخرون، مثل شيخ الإسلام أبي بكر المعروف بخواهر زاده، ويسمى " المبسوط البكري " والصدر الشهيد وغيرهما، ومبسوطهم شروح في الحقيقة، ذكرها مختلطة بمبسوط محمد، كما فعل شُرَّاح " الجامع الصغير "، مثل فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وقاضي خان، وغيرهم.
وقد يقال: ذكره قاضي خان، في " الجامع الصغير "، مثل فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وقاضي خان، وغيرهم.
وقد يقال: ذكره قاضي خان، في " الجامع الصغير "، والمراد شرحه، وكذا غيره، فاعلم ذلك، والله أعلم.
فصل
يتضمن بيان ماصطلحت عليه في هذا الكتاب،
من ترتيب وتقديم وتأخير، وغير ذلك؛ ليَسْهُل كَشْفُه، ولا تتعَسَّر مُراجعته فأقول وبالله التوفيق: قد رتب هذا التأليف على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرخين.
فأبتدى أولاً من الأسماء بما أوله همزة وثانيه همزة، ثم بما أوله همزة وثانيه ألف ساكنة، ثم بما أوله همزة وثانيه باء موحدة، ثم بما ثانيه تاء مُثناة من فوق، ثم بما ثانية ثاء مُثلثة، وهكذا إلى آخر الحروف.
ثم بما أوله باء موحدة وثانيه همزة أو ألف ساكنة، ثم بما ثانيه باء أيضاً، ثم بما ثانيه تاء مُثناة، وهكذا إلى آخر الحروف.
ثم أذكر في أواخر الكتاب أصحاب الكُنى جميعاً في حروف الهمزة، أقدم من لم يعرف له أسمٌ سوى الكنية، ثم من له اسم واشتهر بكنيته وله ترجمة في حرف من الحروف، أذكره باختصار، ولا أعيد له ترجمة، وأذكر اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه في محله.
وأذكر جميع هذه الكُنى مُرتبة ترتيب الأسماء وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبي إبراهيم، أذكره مُقدماً على أبي أحمد، وأبي داود مُقدماً على أبي ذر، وهكذا إلى آخر الحروف.
وأذكر في آخر الكتاب باباً للألقاب، وباباً فيمن اشتهر بابن فلان، وباباً في الأنساب.
أقدم في كل من البابين الأولين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما اذكره باختصار، كما فعلته في الكنى.
وأما الأنساب فأقدم فيها من لا يعرف إلا بالنسبة ولم يذكر له في الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة، فقد أذكره في نسبته، وقد لا أذكره، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى الموصل أو الشام أو حماة مثلاً في تلك النسبة، مما يطول شرحه، ويُمل ذكره، بلا كبير فائدة.
هذا ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا السراط المستقيم، وكان كل فضل منسوباً إلى فضله، وكل علم مستفاداً من علمه، ولولاه ما كان عالم يذكر، ولا فاضل علمه يُنشر، وكانت سائر الأفاضل، والعلماء الأماثل، والأولياء المخلصين، والصلحاء السابقين، يغترفون من ذلك البحر، ويستنيرون بذلك البد.
وكانوا كما قال صاحب البردة، رحمه الله تعالى:
وكُلُهُمْ مِن رَسُولِ اللهِ مُلتمِسٌ ... غَرْفاً من البَحْر أو رَشْفاً من الَّيَمِ
تعين أن نبدأ بذكر شيء يسير من سيرته الشريفة، وأوصافه المُنيفة، لتكون لهذا الكتاب مشرفة، وعلى غيره من الطبقات التي خلت عنها مُفضلة، ويكون لهم في الذكر إماماً، كما كان لهم في الدين هادياً وهُماماً.
الجزء 1 · صفحة 14
ثم نتلوه بذكر ترجمة الإمام الأعظم، والحبر البحر المُكرم، أحد أفراد الزمان، وإنسان عين الأعيان، الذي سارت بفضله الركبان، وعمت فواضله سائر البلدان، واعترف بمعروفه الشامل كل قاص ودان، وأجمعت الأمة، أنه قدوة الأئمة، وهو أبو حنيفة النعمان، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، وفي ذلك المحل المقدس جمعنا وإياه.
فإنه صاحب المذهب الذي به يأخذون، وعليه يعتمدون، وله يقلدون، ومن بحر علمه يغترفون، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنانه، ونفعنا ببركات عُلومه في الدنيا والآخرة، أنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
واعْلم أيها الواقف على كتابي هذا أني ربما أكثرت في بعض التراجم، من إيراد نفائس الأشعار، ومحاسن الأخبار، ولطائف النوادر، ونوادر اللطائف، وربما ذكرت في الأنساب شيئاً من أوصاف البُلدان، وخصائصها، وما قيل فيها من الأشعار، وورد في حقها من الأخبار والآثار، ومقصودي بذلك أن يكون مُطالعه متنزهاً في رياض من الآداب، لا يذوى زهرها، ولا يمنع ثمرها، حتى لا يمل مطالعه، ولا يصادف الضجر سامعه. وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون الملك المعبود، فنقول وبالله التوفيق، ومنه التيسير.
سيرته
صلى الله عليه وسلم مُحمَّدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، وأفضل الأولين والآخرين، أبو القاسم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الذي قيل فيه:
وكم أبٍ قد عَلا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ ... كما عَلاَ برَسولِ الله عَدْنانُ
هذا هو المتفق على صحته. ومن هنا إلى آدم عليه الصلاة والسلام مختلف فيه، ومذكور في كتب السيرة المطولة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها.
ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل ثاني عشره، وقيل غير ذلك.
يَوْمٌ أضاء به الزمانُ وفتَّحتْ ... فيه الهدَايةُ زَهْرةَ الآمالِ
ومات أبوه وله من العمر ثمانيةٌ وعشرون شهراً، وقيل شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حَمْل، وكفله جَدُّه عبد المطلب، ثم توفي عبد المطلب وله صلى الله عليه وسلم من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، فكفله عمُّه أَبو طالب.
وماتت أمه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست.
وأرضعته حَليمة السعدية، وثويبة الأسلمية، وحضنته أم أيمن.
ولما بلغ اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمِّه أَبي طالب إلى الشام، فلما بلغ بُصرى رآه بحيرى الراهب، فعرفه، بصفته، فجاءهُ وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجرٌ ولا شجر إلا خَرَّ ساجداً، ولا يسجد إلا لنبي، وإنا نجده في كُتبنا.
وقال لأبي طالب: لئن قدمت به إلى الشام لتقتله اليهود. فرده خوفاً عليه منهم.
ثم خرج مرة ثانية إلى الشام، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، في تجارة لها قبل أن يتزوجها، فلما قدم الشام، نزل تحت ظل شجرة قريباً من صومعة راهب، فقال الراهب: ما نزل تحت ظل هذه الشجرة إلا نبي.
وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتد الحر، نزل ملكان يُظلانه.
ولما رجع من سفره تزوج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام، وقيل غير ذلك.
ولما بَلغ خمساً وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده.
ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه، وقد طهره الله تعالى من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلُق جميل، حتى لم يكن يُعرف من بينهم إلا بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته.
ولما بلغ أربعين سنة ويماً بعثه الله بشيراً ونذيراً، وأتاه جبريل عليه السلام بغار حراء، فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فقال في الثالثة: (اقْرَأ باسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ) إلى قوله تعالى: (عَلّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) .
الجزء 1 · صفحة 15
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، وحُبِّب إليه الخَلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع لخديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ. رواه البخاري ومسلم.
وكان مبدأ النبوة فيما ذُكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول.
ثم حصره أهل مكة هو وأهل بيته في الشعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة.
وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوماً، مات عمُّه أبُو طالب.
وماتت خديجة، رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام.
وكانت أول من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمّ علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن عبسة السلمي، وخالد بن سعيد ابن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عُبيد الله ابن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تمام الأربعين إسلاماً. ذكر ذلك ابنُ حَزْم في " مختصر السيرة ".
ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر قدِم عليه جِنُّ نصيبين فأسلموا.
ولما بلغ 'حدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، أسري به إلى بيت المقدس.
روى البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: " بينما أنا في الحطيم " - وربما قال: " في الحجر مضطجع " - ومنهم من قال: " بين النائم واليقظان "، " إذ أتاني آت "، قال: فَسمعته يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه ". فقيل للجارود: ما يَعنى به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شِعرته. وسمعته يقول: من قصه إلى شِعرته. " فاستخرج قلبي ثم أُتيت بطشت من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي ثم حُشي، ثم دُعي بدابة دون البغل وفوق الحمار " فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم، يضع خطوة عند أقصى طرفه " فحملت عليه، فانطلق بي جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء " الحديث بطوله. ورأى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ورأى من آيات ربه الكبرى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، وأوحى إليه ما أوحى، وفرضت الصلاة تلك الليلة، ولما أصبح قص على قريش ما رأى.
وروى البخاري، ومسلم، والترمذي عن جابر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " لما كذبني قريش قُمت إلى الحجر الأسود، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه ".
وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده صلى الله عليه وسلم، والأقلون قالوا بروحه.
حكى الطبري في " تفسيره " عن حذيفة، أنه قال: كل ذلك رؤيا. وحكى هذا القول أيضاً عن عائشة، وعن معاوية رضي الله تعالى عنهما.
ومنهم من قال بجسده إلى بيت المقدس، ومن هناك إلى السموات السبع بروحه.
قال الصلاح الصفدي، بعد أن نقل ما ذكرناه من الأقوال، قلت: والصحيح الأول؛ لأنه قد صح أن قريشاً كذبته، ولو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت رُؤيا، لما كُذِّب، ولا أنكر ذلك على غيره، فضلاً عنه؛ لأن آحاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات. وما ذلك ببدع.
قال: أنشدني لنفسه الشيخ الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب رحمه الله تعالى قراءة منى عليه، من جملة قصيدة طويلة، من جُملة مُجلدة فيها مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
أُسْرى إلى الأقْصَى بجسمِكَ يَقْظةً ... لا في المنام فَيقبلُ التَّأويلاَ
إذ أنْكرتْه قريشُ قبل ولم تكنْ ... لِترَى المَهُولَ من المنامِ مَهُولا
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وخمسين سنة هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ومولى أبي بكر عامر بن فُهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي.
قال الحافظ عبد الغني، وغيره: وهو كافر، ولم نعرف له إسلاماً.
الجزء 1 · صفحة 16
فأقام بالمدينة عشر سنين. وكان يُصلى إلى بيت المقدس مُدة إقامته بمكة، ولا يستدبر الكعبة يجعلها بين يديه، وصلى إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهراً، أو سنة عشر شهراً، ولما أكمل في المدينة عشر سنين سوا تُوفي وقد بلغ ثلاثاً وستين سنة، وقيل غير ذلك، وفيما تقدم من التواريخ خلاف، وكانت وفاته يوم الاثنين، حين اشتد الضُّحى، لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ومرض أربعة عشر يوماً، ودفن ليلة الأربعاء.
ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه ويمسح وجهه ويقول: " اللهم أعني على سكرات الموت ". وَسجي ببرد حبرة. وقيل: إن الملائكة سجته.
وكذب بعض أصحابه بموته دَهشة، يُحكى ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأُرس عُثمان رضي الله تعالى عنه، وأقعد رضي الله تعالى عنه، ولم يكن فيهم أثبت من العباس، وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة: لا تغسلوه، فإنه طاهر مُطهر. ثم سمعوا بعد ذلك: اغسلوه؛ فإن هذا إبليس، وأنا الخضر، وعزاهم فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، وَدركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، فإن المصاب من حُرم الثواب.
واختلفوا في غسله، هل يكون في ثيابه أو يجرد عنها؟ فوضع الله عليهم النوم، فقال قائل، لا يدري من هو: اغسلوه في ثيابه. فانتبهوا، وفعلوا ذلك.
والذين ولوا غسله عَليٌّ والعباس، ووالده الفضل، وقثم، وأسامة وشقران مَولياه، وحضرهم أوس بن خولي من الأنصار، ونفضه عليّ فلم يخرج منه شيء، فقال: صلى الله عليك وسلم، طِبت حياً وميتاً.
وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة.
وصلى المسلمون عليه أفذاذاً، ولم يأمُهم أحد.
وفرش تحته في القبر قطيفة حمراء، كان يتغطى بها. ونزل شقران، وحفر له، وألحد وأطبق عليه تسعُ لِبنات.
واختلفوا: أيُلحد، أم يُضرح؟.
وكان بالمدينة حفاران، أحدهما يلحد، وهو أبو طلحة، والآخر يضرح وهو أبو عبيدة، فاتفقوا أن من جاء منهما أولاً عمل عليه، فجاء الذي يلحد، فلحد له. ونُحي فراشه، وحُفر له مكانه في بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها.
وقال الحافظ عبد الغني: حول فراشه.
وكان ابتداء وجعه في بيت عائشة، واشتد أمره في بيت ميمونة، فطلب من نسائه أن يُمرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، فأذن له في ذلك، وكان ما ابتدأ به من الوجع صُداع، وتمادى به، وكان ينفث في علته شيئاً يشبه أكل الزبيب، ومات بعد أن خيره الله تعالى بين البقاء في الدنيا ولقاء ربه، فاختار لقاء الله تعالى.
ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه سمع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول، وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كثُر الناس اتخذت منبراً تسمعهم، فحن الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه، فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك، أن جعل طاعتك طاعته، فقال تعالى: (مَن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاع الله) .
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أخبرك بالعفو عنك، قبل أن يخبرك بذنبك، فقال: (عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ) .
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم، فقال تعالى: (وإذْ أخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوحٍ وإبْراهيمَ ومُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) .
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون لو يكونوا أطاعوك، بين أطباقها يُعذبون، ويقولون: (يَا لَيْتَنَا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنَا الرَّسُولاَ) .
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران عليه السلام، أعطاه الله حَجراً تتفجر منه الأنهار، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك وسلم.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان سُليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البُراق حين سرت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح بالأبطح، صلى الله عليك وسلم.
الجزء 1 · صفحة 17
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذلك بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية، فقالت: لا تأكلني؛ فإني مسمومة.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرضِ مِنَ الكَافِرينَ دَيَّارا) ، ولو دَعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيراً، فقلت: " الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ".
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنك، وقصر عمرك، ما لم يتبع نُوحاً في كبر سنه، وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو لم تجلس إلا كفواً ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفواً ما آكلتنا، لَبست الصوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعاً منك صلى الله عليك وسلم.
صفته صلى الله عليه وسلم
كان ربعة، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مُشرباً حمرة، يبلغ شعره شحمة أذُنيه.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة.
رواه أبو داود، والترمذي.
وقالت أم هانئ، رضي الله تعالى عنها: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وله أربع غدائر.
روياه أيضاً.
كان سبط الشعر، في لحيته كثاثة، ومات ولم يبلغ الشيب رأسه ولحيته عشرين شعرة، ظاهر الوضاءة، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر.
وروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها وصفته، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت الأنصاري:
مَتى يَبْدُ في الدّاجي الْبَهيمِ جَبِينُه ... يَلُحْ مثلَ مِصْباحِ الدُّجَى المتوقِّدِ
فمَن كان أوْ مَن قد يَكونُ كأحمدٍ ... نِظامٌ لحقٍّ أوْ نَكَالٌ لِمُعْتَدِي
وروي عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
أمينٌ مُصطفىً بالخَيْرِ يَدعو ... كضَوْء البَدْرِ زايَلهُ الظلاَم
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا رآه ينشد قول زهير في هرم بن سنان:
لو كنت من شيء سوى بشرٍ ... كُنت المضي لليلةِ البدرِ
أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، أقنى العرنين، سهل الخدين، أزج الحاجبين، أقرن، أدعج العين، في بياض عينيه عروق حمر رقاق، حسن الخلق، معتدله، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، دقيق المَسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سُرته شعر مُجرى كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، ششن الكف والقدم، ضليع الفم، أشنب، مُفلج الأسنان، بادناً مُتماسكاً، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس، أنور المُتجرد، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر، طويل الزند، رحب الراحة، سائل الأطراف، سبط القضيب، خمصان، بين كتفيه خاتم النبوة.
قال جابر بن سمرة: مثل بيضة الحمام يشبه جسده.
إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت جميعاً، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر.
وقال عند أم سليم، فعرق، فجاءت بقارورة، فجلت تسكب العرق فيها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا " أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ ".
قالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب.
وفي وصف أم معبد له: وفي صوته صَهَل، وفي عنقه سطع، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البها، أحمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق.
وفي وصف هند بن أبي هالة: خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام.
وفي وصف عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أجود الناس كفاً، وأرحب الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعيته: لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم.
شرح الغريب
مما في صفته صلى الله عليه وسلم
الوضاءة: الحُسن والجمال.
الجزء 1 · صفحة 18
والأزهر: الأبيض.
والأمهق: الشديد البياض، ليس بنيرٍ ولا تخالطه حُمرة.
والآدم من الناس: الأسمر.
والقنا: احديداب في الأنف.
والزجج: دقة في الحاجبين وطول.
والدعج: شدة سواد العينين.
والمشذب: الطويل.
والمسربة، بضم الراء: الشعر الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، وهو مستدق.
واللبة: المنحر.
والشثن، بتحريك الثاء: مصدر شثنت كفه، إذا خشنت وغلظت.
وضليع الفم، قال أبو عبيد: أراد أنه كان واسع الفم.
قال القتيبي: ضليع الفم: عظيمه.
والشنب: حدة الأسنان.
والبادن السمين.
والمتماسك: المُستمسك اللحم.
والكراديس: جمع كُردوس، وهو كل عظيمين التقيا في مفضل.
وسواء البطن والصدر، يريد أن بطنه غير مُستفيض، فهو مُساوٍ لصدره.
أنور المتجرد، يعني شديد بياض ما جرد عنه الثوب.
رحب الراحة: واسع الكف.
والخمصان، الخمص: ما ارتفع عن الأرض من باطن القدم.
الصهل، والصحل في رواية: شِبه البحة، وهو غلظ في الصوت، لأنه مأخوذ من صهيل الفرس.
والسطع: طول العنق.
أسماؤه صلى الله عليه وسلم
روى البخاري والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذمما، ويلعنون مُذمما، وأنا مُحمد ".
قال السخاوي في " سفر السعادة ": قيل لعبد المطلب: بم سميت ابنك؟ فقال: بمحمد.
فقالوا له: ما هذا من أسماء آبائك! قال: أردت أن يحمد في السماء والأرض.
قال الصفدي: وأحمد أبلغ من محمد، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من مُحمر ومُصفر.
وروى البخاري، ومسلم، والترمذي، عن جبير بن مُطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لي خمسة أسماء، أنا مُحمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحوا الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ".
والعاقب: الذي ليس بعده نبي.
وقد سماه الله تعالى رءوفاً رحيما.
قال الصلاح الصفدي: أنشدني لنفسه قراءة منِّي عليه، الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس اليعمري، فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قصيدة له في مدحه:
وَحلاَّهُ من حُسْنى أسَامِيه جُمْلةً ... أتى ذكرُها في الذِّكر ليس يبيدُ
وفي كُتب الله المُقدَس ذِكرُها ... وفي سُنَّةٍ تأتي بها وتُفِيدُ
رَءوفٌ رحيمٌ فاتحٌ ومُقدَّسٌ ... أمينٌ قويٌ عَالِمٌ وشهيدُ
وَليٌّ شكورٌ صادقٌ في مَقالِه ... عَفُوٌ كريمٌ بالنَّوَالِ يعودُ
ونُورٌ وجبارٌ وهَادي من اهتدَى ... ومولى عزيزٌ ليس عنه مَحيدُ
بَشيرٌ نذيرٌ مؤمنٌ ومُهَيْمِنٌ ... خَبيرٌ عَظيمٌ بالعَظيم يَجُودُ
وحقٌ مُبينٌ آخرٌ أول سما ... إلى ذِروة العلياء وهو وَليدُ
فآخِرُ أعْني آخِرَ الرُّسْل بَعْثُه ... وأولُ مَن ينشقُ عَنهُ صَعِيدُ
أسامٍ يَلَذُ السَّمعُ إن هي عُدِّدَتْ ... نعُوتُ ثَنَاءٍ والثناءُ عَديدُ
وقال حسان بن ثابت، رضي الله تعالى عنه:
فشقّ له إسْمهِ ليُجِلَّهُ ... فذُو الْعَرشِ محمودٌ وهذا مُحمَّدُ
ومن أسمائه: المُقفى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة.
وفي صحيح مسلم: ونبي المرحمة.
ومن أسمائه: طه، ويس، والمزمل، وعبد الله، في قوله تعالى: (وأنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ) ، وَمُذِّر في قوله تعالى: (إنَّمَا أنْتَ مُذَكِّرٌ) . وله من الأسماء غيرُ ذلك.
اصطفاؤه، وفضله على سائر الخلق
روى البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " بعثت من خير قرون بني آدم، قرناً فقرنا، حتى كنت من خير قرن، كنت منه ".
وروى مسلم، والترمذي، عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ".
وروى الترمذي، عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون، وهم ينتظرون خروجه.
الجزء 1 · صفحة 19
قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلا، اتخذ إبراهيم خليلاً.
وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه تكليما.
وقال آخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه.
وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم، اصطفاه الله عليهم - زاد رزين -: وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته - ثم اتفقا -.
فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أصحابه، وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وأن موسى نجي الله، وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مُشفع يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر ".
أخلاقه صلى الله عليه وسلم
سُئلت عائشة رضي الله تعالى عنها، عَنهُ، فقالت: كان خُلُقُه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تُنهك حُرمات الله فيغضب الله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد.
وكان أشجع الناس، وأسخاهم، وأجودهم، ما سئل، فقال: لا، ولا يبت في بيته دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يأخذه، وفجأه الليل، لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عاماً فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ثم يؤثر من قوت أهله حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام.
وكان من أحلم الناس، وأشد حياء من العذراء في خدرها، خافض الطرف، نظرهُ الملاحظة.
وكان أكثر الناس تواضعاً، يجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو حر أو عبد.
وكان أرحم الناس، الإناء للهرة، وما يرفعه حتى تروى، رحمة لها.
وكان أعف الناس، وأشدهم إكراماً لأصحابه، لا يمد رجليه بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان. ولم تكن ركبتاه تتقدم ركبة جليسه. له رفقاء يحفون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمل لأصحابه، ويتفقدهم، ويسأل عنهم، فمن مرض عاه، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأبعه الدعاء له، ومن تخوف أن يكون وجد في نفسه شيئاً، انطلق إليه حتى يأتيه في منزله. ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل. ولا يطوى بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة المعتذر إليه، والضعيف والقوي عنده في الحق سواء، ولا يدع أحداً يمشي خلفه، ويقول: " خلوا ظهري للملائكة ". ولا يدع أحد يمشي معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدمني إلى المكان الفلاني. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم في مأكل ولا ملبس. قال أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا. ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمفي سفرٍ، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحها.
وقال آخر: عليَّ سلخها.
وقال آخر: عليَّ طبخها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعَلَيَّ جمع الحطب ".
فقالوا يا رسول الله، نحن نكفيك.
فقال: " قد علمت انكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه مُتميزاً بين أصحابه ". وقام فجمع الحطب.
وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كر راجعاً.
فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: " أعقل ناقتي ".
فقالوا: نحن نعقلها.
قال: " لا يستعن أحدكم بالناس ولو في قضمة من سواك ".
وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم صلى الله عليه وسلم حتى يقوم الذي جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه. ولا يقابل أحداً بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها، بل يعفو ويصفح.
وكان يعود المرضى، ويحب المساكين، ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه.
الجزء 1 · صفحة 20
يُعظم النعمة وإن قلت، ولا يذم منها شيئاً، ما عاب طعاماً قط؛ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
وكان يحفظ جاره، ويكرم ضيفه.
وكان أكثر الناس تبسماً، وأحسنهم بشراً. ولا يمضي له وقت في غير عمل لله، أو في مالاً بد منه، وما خير بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه.
يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمه، أو بطرف ردائه.
وكان يحب الفأل، ويكره الطيرة، وإذا جاءه ما يحب، قال: " الحمد لله رب العالمين "، وإذا جاءه ما يكره، قال: " الحمد لله على كل حال ".
وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مُسلمين ".
وأكثر جلوسه مستقبل القبلة.
ويكثر الذكر، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة.
ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة.
وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وكان يقوم حتى ترم قدماه.
وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء.
وقلما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه شعبان.
وفي الصحيحين، من رواية أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر. ويفطر حتى نقول: لا يصوم.
وكان عليه الصلاة والسلام تنام عيناه ولا ينام قلبه، انتظاراً للوحي.
وإذا نام نفخ، ولا يغط.
وإذا رأى في منامه ما يكره قال: " هو الله لا شريك له ".
وإذا أخذ مضجعة قال: " ربِ قني عذابك يوم تبعث عبادك ".
وإذا استيقظ قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ".
وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، ولا يتأنق في مأكل، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع. وآتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فلم يقبلها، واختار الآخرة، وأكل الخبز بالخل، وقال: " نعم الإدام الخل ". وأكل لحم الدجاج، ولحم الحُبارى، وكان يأكل ما وجد، ولا يرد ما حضر، ولا يتكلف ما لم يحضر، ولا يتورع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمراً دون خبز أكله، وإن وجد حُلواً أو عسلاً أكله.
وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد. وقال لأبي الهيثم بن التيهان " كأنك علمت حُبنا للحم ". وكان لا يأكل متكئاً، ولا على خوان. لم يشبع من خبز برُ ثلاثاً تباعاً، حتى لقي الله عز وجل إيثاراً على نفسه، لا فقراً ولا بخلاً. ويجيب الوليمة، ويجيب دعوة العبد والحر. ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب. وكان يحب الدباء، والذراع من الشاة. وقال: " كلوا الزيت، وادهنوا به، فأنه من شجرة مباركة "، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن. منديله باطن قدميه. وأكل خبز الشعير بالتمر، والبطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب، والتمر بالزبد، وكان يحب الحلواء والعسل.
ويشرب قاعداً، وربما شرب قائماً، ويتنفس ثلاثاً مبيناً للإناء، ويبدأ بمن عن يمينه إذا سقاه. وشرب لبناً وقال: " من أطعمه الله طعاماً، فليقل: اللهم بارك فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه لبناً فليقل: اللهم بارك لنا وزدنا منه ".
وقال: " ليس شيء يُجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن ".
قال ابن حزم: وشرب النبيذ الحلو.
قال الصلاح الصفدي: تفسيره الماء الذي ينبذُ فيه التمرات اليسيرة ليحلو.
وكان يلبس الصوف، وينتعل المخصوف، ولا يتأنق في ملبس، وأحب اللباس إليه الحِبرة من اليمن، فيها حمرة وبياض. وأحب الثياب إليه القميص، ويقول إذا لبس ثوباً استجده: " اللهم لك الحمد كما ألبستنيه أسألك خيره، وخير ما صنع، وأعوذ بك من شره، وشر ما صُنع ". وتعجبه الثياب الخضر، وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفه بين كتفيه.
ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتم.
ويلبس خاتماً من فضة، نقشه " محمد رسول الله " في خنصره الأيمن، وربما جعله في الأيسر.
ويحب الطيب، ويكره الرائحة الكريهة.
ويقول: " إن الله جعل لذتي في النساء الطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة ".
وكان يتطيب بالغالية والمسك، أو المسك وحده، ويتبخر بالعود والكافور، وكتحل بالإثمد، وربما أكتحل وهو صائم. ويُكثر دهن رأسه ولحيته، ويدهن غبا ويكتحل وتراً.
ويحب التيمن في ترجله، وفي ظهوره، وفي شأنه كله.
الجزء 1 · صفحة 21
وينظر في المرآة، ولا تفارقه قارورة الدهن في سفره، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسواك، والإبرة، والخيط.
ويستاك في الليلة ثلاثة مرات، وقبل النوم، وبعده، وعند القيام لِورده، وعند الخروج لصلاة الصبح، وكان يحتجم.
وكان يمزح ولا يقول إلا حقاً. وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، احملني على جمل.
فقال: " احملك على ولد الناقة ".
قالت: لا يطيقني.
فقال لها الناس: وهل الجمل إلا ولد الناقة! وجاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي مريض، وهو يدعوك.
فقال: " لعل زوجك الذي في عينيه بياض ".
فرجعت، وفتحت عين زوجها. فقال: مالك؟
قالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينيك بياضاً.
فقال: وهل أحد إلا في عينيه بياض.
وقالت له أخرى: يا رسول الله، ادْع الله لي أن يُدخلني الجنة.
فقال: " يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز ".
فولت المرأة وهي تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم: " أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (أَنْشَأناهُنَّ إِنْشَاءً* فَجَعَلْنَاهُنَّ غُرُباً أَتْرَاباً) .
قد جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وحسبك ما أثنى عليه في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولا معلم له من البشر، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى، وآتاه ما لم يؤت أحداً من العالمين، واختاره على الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم.
فصل
يتضمَّن ذكْر شيءٍ من معجزاته وآياته
صلَّى الله عليه وسلم منها: القرآن العظيم، وهو أكبرها، الذي دعا به بلغاء قريش، وهم ما هم قالة البلاغة، ولسن الفصاحة، ولهم من ذلك قمراها والنجوم الطوالع، ودعا غيرهم، مُذ بعثه الله قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، إلى يومنا هذا، وإلى يوم البعث والنشور، على أن يأتوا بعشر سور مثله مُفتريات، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله، وفي السور ما هو ثلاث آيات، وتحدى به الإنس والجن، فلم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ونكصوا على أعقابهم خائبين، وذهب كل نبي بمعجزاته، ولم يبق لها أثرٌ ظاهر خلال الروايات عنها والأخبار، وأبقى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعجزاً خالداً بين ظهرانينا إلى يوم القيامة، بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، ولا تذوي زهراته.
وانشقاق القمر. روى مُسلم والترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد ".
وروى الترمذي، عن جبير بن مطعم، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين. فقالت قريش: سحر محمد أعيننا.
فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم. - وزاد رزين -: فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبوهم.
وما أحقه صلى الله عليه وسلم بقول أبي الطيب:
مَتى مَا يُشِرْ نحْوَ السَّمَاء بَطرفِه ... يَخِرُّ لهُ الشَّعْرى وَينْكَسِفُ البَدْرُ
وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتى قام على رءوسهم فقبض قبضة من تراب، وقال: " شاهت الوجوه " وحصبهم، فما أصاب رَجُلاً منهم من ذلك الحصباء شيءٌ إلا قُتل يوم بدر.
وَرَمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت في الغار.
وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بُعث خلفه في الهجرة، فساخت قوائم فرسه. في الأرض الجلد.
ومسح على ظهر عَناق لم يَنز عليها الفحل فدرت.
وشاة أم مَعبد.
ودعوته لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يعز الله به الإسلام.
ودعوته لعليٍّ رضي الله تعالى عنه أن يذهب عنه الحر والبرد.
وتفله في عينيه، وهو أرمد، فعوفي من ساعته، ولم يرمد بعد ذلك.
ورده عين قتادة، بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، بالتأويل والفقه في الدين، وكان يُسمى الحبر والبحر لعلمه.
ودُعاؤه لجمل جابر، فصار سابقاً بعد أن كان مسبوقاً.
الجزء 1 · صفحة 22
ودعاؤه لأنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، بطول العمر، وكثرة المال والولد، فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولداً ذكراً لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.
ودُعاوُه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غُرماءه، وفضل ثلاثة عشر وسقاً.
واستسقاؤه عليه الصلاة والسلام، فمطروا أسبوعاً ثم استصحاؤه فانجابت السماء.
وإذا النوائبُ أظلمتْ أحداثُها ... لَبِستْ بوَجْهك أَحْسَنَ الإشرَاقِ
ودعاؤه على عتبة بن أبي لهب، فأكله الأسد بالزرقاء من الشام.
وشهادة الشجرة له بالرسالة، في خبر الأعرابي الذي دعاه إلى الإسلام؛ فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ فقال: " نعم، هذه الشجرة ". ثم دَعاها فأقبلت، فاستشهدها، فشهدت له أنه كما قال، ثلاثاً، ثم رجعت إلى منبتها.
وأمره شجرتين فاجتمعتا، ثم افترقتا.
وأمره أنساً أن ينطلق إلى نحلات، فيقول لهن: أمركن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجتمعن، فاجتمعن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن، فعدن.
ونام، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى قامت عليه، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: " هي شجرة استأذنت ربها أن تسلم عليَّ، فأذن لها ".
وسلام الحجر والشجر عليه ليالي بعث: السلام عليك يا رسول الله.
وقوله: " إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث ".
وحنين الجذع إليه.
وتسبيح الحصا في كفه، وكذلك الطعام.
وإعلامه الشاة بسمها.
وشكوى البعير إليه كثرة العمل، وقلة العلف.
وسؤال الظبية له أن يُخلصها من الحبل؛ لترضع ولديها وتعود، فخلصها، فتلفظت بالشهادتين.
وإخباره عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
و'خباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكذلك.
وقوله لعثمان رضي الله تعالى عنه تصيبه بلوى شديدة، فكانت، وقتل.
وقوله في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
وإخباره بقتل العنسي الكذاب، وهو بصنعاء، ليلة قتله.
وقوله لثابت بن قيس: " تعيش حميداً وتقتل شهيداً "، فقتل يوم اليمامة.
ولما ارتد رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين، بلغه أنه مات، فقال: " إن الأرض لا تقبله " فكان كذلك.
وقوله لرجل يأكل بشماله: " كل بيمينك " فقال: لا أستطيع. فقال له: " لا استطعت " فلم يُطق أن يرفعها إلى فيه بعد.
ودخوله مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها به، ويقول: (جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) ، وهي تتساقط.
وقصة مازن بن الغضوبة الطائي، وسواد بن قارب، وأمثالهما.
وشهادة الضب بنبوته.
وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق، فشبعوا والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير. وجمع فضل الأزواد على النطع، ودعا لها بالبركة، ثم قسمها في العسكر، فقامت بهم.
وأتاه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بتمرات قد صفهن في يده، وقال: ادع لي فيهن بالبركة. فدعا له.
فقال أبو هريرة: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله، وكنا نأكل منه، ونطعم، حتى انقطع في زمن عُثمان رضي الله تعالى عنه.
ودعاؤه أهل الصفة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة: فجعلت أتطاول ليدعوني، حتى قام القوم، وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصنع لقمة، ووضعها على أصابعه وقال: " كل بسم الله "، فوالله الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.
وأمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير، فزودهم كلهم منه، وبقى تحسبه كما كان.
ونبع الماء بين أصابعه حتى شرب منه القوم وتوضأوا، وهم ألف وأربعمائة.
وأتى بقدح فيه ماء، فوضع أصابعه في القدح، فلم يسع، فوضع أربعة منها، وقال: " هلموا ". فتوضأوا أجمعين، وهم من السبعين إلى الثمانين.
وورد في غزوة تبوك على ماء لا يروي أحداً، والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهماً من كنانته، فغرسه فيها، ففار الماء، وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفاً.
وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم، فتفل فيها، فتفجر بالماء العذب المعين.
الجزء 1 · صفحة 23
وأتته امرأة بصبي أقرع، فمسح على رأسه فاستوى شعره، وذهب داؤه، فسمع أهل اليمامة بذلك؛ فأتت امرأة إلى مسيلمة بصبي، فمسح رأسه، فتصلع، وبقي الصلع في نسله.
وانكسر سيف عكاشة يوم بدر، فأعطاه جذلاً من حطب، فصار في يده سيفاً، ولم يزل بعد ذلك عنه.
وعزت كدية بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيباً أهيل.
ومسح على رجل أبي رافع، وقد انكسرت، فكأنه لم يشكها قط.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ".
قال الصلاح الصفدي: وصدق الله قوله، بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وأخبر عن الشيماء بنت بقيلة الأزدية، أنها رفعت له في خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، في جيش خالد بن الوليد، بهذه الصفة.
وقال لرجل ممن يدعي الإسلام، وهو معه في القتال: " إنه من أهل النار ". فصدق الله قوله، بأن ذلك الرجل نحر نفسه. وهذا لا يعرف البتة بشيء من النجوم، ولا بخط ولا بزجر، ولا بالنظر في الكف، ولا بتصويت الودع.
وأبطل الله تعالى ببعثه الكهانة، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.
ودعا اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك.
وأخبر بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، فكان مع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقتَلهُ جماعة معاوية.
وأنذر بموت الجاشي، وخرج هو وأصحابه إلى البقيع، فصلوا عليه، فورد الخبر بموته بعد ذلك، في ذلك اليوم.
وخرج على نفر من أصحابه مُجتمعين؛ فقال: " أحدكم في النار ضرسه مثل أحد ". فماتوا كلهم على الإسلام، وارتد منهم واحد، وهو الدجال الحنفي، فقتل مرتداً مع مُسيلمة.
وقال لآخرين منهم: " آخركم موتاً في النار " فسقط آخرهم موتاً في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.
وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشاً لطيفاً، فكانت منيته منه.
وأخبر فاطمة ابنته، رضي الله تعالى عنها، أنها أول أهله لحاقاً به، فكانت كذلك.
وأخبر نساءه أن أطولهن يداً أسرعهن لحاقاً به. وكانت زينب بنت جحش الأسدية؛ لأنها كانت كثيرة الصدقة.
وحكى الحكم بن أبي العاص مِشتيه صلى الله عليه وسلم مُستهزئاً، فقال: " كذلك فكن "، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.
وخطب أُمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابياً جافيا، فقال: إن بها بياضاً. فقال: " لتكن كذلك "، فبرصت من وقتها، فتزوجها ابن عمها يزيد بن حمزة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.
وليلة ميلاده اضطرب إيوان كسرى، حتى سمع صوته، وسقطت منه أربع عشرة شُرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة.
ومن علائم نبوته: حراسة السماء بالشهب التي تقذف الشياطين، فلا تسترق السمع، وبشرى الكهان به والهواتف، وإخبار الأحبار بظهوره، وفِراسة بحيرى الراهب فيه، ومعرفته آيات النبوة وأمارات البعثة فيه.
وَرَأوْكَ وَضَّاحَ الجَبِينِ كما يُرَى ... قمرُ السَّماء السّعْدُ ليلةَ يَكمُلُ
وولادته مختوناً مسروراً، وسجع شق وسطيح، ورؤيا الموبذان، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة، والأمارات الباهرة، والدَّلالات الزاهرة، والمعجزات القاهرة، والسيرة التي شهرت شهرة النجوم الزواهر، وسار الذكر منها في الناس سير القوافي السوائر.
وقد ألفت العلماء الحفاظ، والثقات الأيقاظ في سيرته، ومعجزاته، وفي خصائصه، صلى الله عليه وسلم، كتباً كثيرة، ومجلدات كبيرة، لا يحيط بها حد، ولا يحصرها عدٌ.
وكل منهم بذل جهده، ولم يدخر شيئاً عنده، وما أتوا بعُشر مِعشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله، وكان أكثر مما قيل ما تركوا، وكل منهم ينشد مع ذلك بلسان حاله، أو لسان قاله، مُعتذراً عن تقصيره، ومُخبراً بما هو الواقع في ظاهر ضميره، قول صاحب البردة، رحمه الله تعالى:
وإنَّ فَضْلَ رَسُلِ الله ليسَ لهُ ... حَدٌ فيُعْرِبُ عَنْهُ ناطقٌ بِفَمِ
الجزء 1 · صفحة 24
وأجمع ما وقفت عليه من ذلك، كتاب " الخصائص الكبرى " للجلال السيوطي، وكتاب " السيرة النبوية " للحافظ تقي الدين المقريزي، فمن أراد أن يُنزه بصره وبصيرته في رياض الجنة، فعليه بمطالعتهما، والوقوف عليهما، جزاهُما الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم أحسن الجزاء بمنه، وكرمه، آمين.
ومدحه صلى الله عليه وسلم بالشعر جماعةٌ عديدة، من رجال الصحابة ونسائهم، جمعهم الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس اليعمري في قصيدة ميمية، ثم شرحها في مجلد، سماها " منح المدح "، ورتبهم على حروف المعجم، فأربى في هذا الجمع على الحافظ ابن عبد البر؛ لأنه ذكر منهم ما يقارب المائة والعشرين، أو ما يزيد على ذلك، والشيخ فتح الدين قارب المائتين، كذا قال الصلاح الصفدي، وقال: لا أعلم أحداً حصل من الصحابة الذين مدحوا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا القدر، وقد كتبت هذا المصنف بخطي، وسمعت من لفظه ما يقارب نصفه، وأجازني البقية.
وأما شعراؤه الذين كانوا بصدد المناضلة عنه، والهجاء لكفار قريش، فإنهم ثلاثة: حسان بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وكعب بن مالك الأنصاري، وكان حسان يقبل بالهجو على أنسابهم، وعبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب بن مالك يخوفهم الحرب، فكانوا لا يبالون قبل الإسلام بأهاجي ابن رواحة، ويألمون من أهاجي حسان، فلما دخل من دخل منهم الإسلام، وجد ألم أهاجي ابن رواحة أشد وأشق.
ومن أشهر الصحابة بالمدح له كعب بن زهير بن أبي سلمة السعدي، وقصيدته " بانت سعاد " مشهورة، وما من شاعر في الغالب جاء بعده، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وقد نظم في وزنها ورويها، ولله در القاضي مُحيي الدين ابن عبد الظاهر، حيث يقول:
لقد قال كَعْبٌ في النبيِّ قصيدة ... وقُلنا عسى في مَدحِه نَتَشارَكُ
فإنْ شَمِلتْنا بالجوائزِ رَحْمَةٌ ... كرحمة كعبٍ فهو كعْبٌ مُباركُ
وهذا القدر من سيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم كافٍ في التبرك بذكره الشريف، وفي الدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، وأشرف الخلق، وشريعته أفضل الشرائع، وأمته أكرمُ الأمم، وعلماؤها أكرمُ العلماء، وأما حصر فضائله ومعجزاته، وما خصه الله به في الدنيا والآخرة، وأعد له عنده فلا سبيل إليه، ولا يحوم طائر فكر عليه، ولا يعلمه إلا الله تعالى.
اللهم أدخلنا في شفاعته، وأمِتنا على مِلَّته، واحشُرْنا في زُمْره عُلماء أمته، ووفقنا إلى العمل بطاعتك، ولا تمكر بنا عند الخاتمة، فإنا متوسلون في ذلك به إليك، ومتوكلون في غفران الذنوب عليك، وإنك جواد كريم، رءوف رحيم، لا ترد من سألك، ولا تُخيب من قصدك، يا أرحم الراحمين.
ترجمة الإمام الأعظم
رحمه الله تعالى
هو إمام الأئمة، وسراج الأمة، وبحر العلوم والفضائل، ومنبع الكمالات والفواضل، عالم العراق، وفقيه الدنيا على الإطلاق، من أعجز من بعده عن لحاقه، وفات من عاصره في سياقه، ومن لا تنظر العيون مثله، ولا ينال مُجتهد كماله وفضله.
أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، بظم الزاي وفتح الطاء، وهو المشهور، وقال ابن الشحنة، نقلاً عن شيخه مجد الدين الفيروزابادي، في " طبقات الحنفية ": إنه بفتح الزاي والطاء المهملة، مثل سَكْرَى. وكان زوطي مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة.
واختلف في أصله فقيل: من كابل، وقيل: من بابل، وقيل: من نسا، وقيل: من ترمذ، وقيل: من الأنبار، وقيل غير ذلك.
قال السراج الهندي: ووجه التلفيق بين هذه الروايات أن يكون جده من كابل، ثم انتقل منها إلى نسا، ثم إلى ترمذ، أو ولد أبوه بترمذ، ونشأ بالأنبار، إلخ.
قال ابن الشحنة: وهذا التلفيق أصله لخطيب خوارزم، ونظر ذلك ببعض مشايخه، فقال: كابي المعالي الفضل بن سهل الإسفرايني، فإن اباه من أسفراين، وولد هو بمصر، ونشأ بحلب، ثم أقام ببغداد، ومات بها، ويقال له: المصري، الحلبي، البغدادي.
الجزء 1 · صفحة 25
وروى الخطيب بسنده، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، أنه كان يقول: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا قط؛ ولد جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى عليّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فينا. انتهى.
قال السراج الهندي، بعد أن نقل ما ذكر عن إسماعيل: وكذلك قاله أخو إسماعيل، ولا يحل لمسلم أن يظن بهما مع جلالة قدرهما، ودقة ورعهما، أن ينتسبا إلى غير آبائهما.
قال الخطيب البغدادي: والنعمان بن المرزبان، أبو ثابت، هو الذي أهدى لعليّ بن أبي طالب الفالوذج يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم.
وقيل: كان ذلك في المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم.
وذكر في " الجواهر المضية " لأبي حنيفة نسباً طويلاً، أوصله إلى آدم عليه الصلاة والسلام، تركنا ذكره لعدم صحته، والله تعالى أعلم.
فصل
في ذكر مولده ووفاته، وصفته عن مزاحم بن داود بن عُلية، أنه كان يذكر عن أبيه أو غيره، أن أبا حنيفة ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة خمسين ومائة.
وقال الخطيب: لا أعلم لصاحب هذا القول مُتابعاً، ثم روى بسنده عن أبي نعيم، أن أبا حنيفة ولد سنة ثمانين، وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات في سنة خمسين ومائة، وهو النعمان بن ثابت.
وروى عنه بسند آخر، أنه قال: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين بلا مائة، ومات سنة خمسين ومائة، وعاش سبعين سنة.
واختلف في الشهر الذي مات فيه، فقال بعضهم: في شعبان. وقال بعضهم: في رجب. وعن أبي يوسف: أنه مات في النصف من شوال.
وكانت وفاته بمدينة بغداد، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هُناك ظاهر معروف مقصود بالزيارة.
وقال ابن خلكان: وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي، مُستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي، على قبره مشهداً وقبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، ولما فرغ من عمارة ذلك، ركب إليها في جماعة من الأعيان ليشاهدوها، فبينما هُم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مَسعود المعروف بالبياضي، وأنشد:
ألم تَرَ أنَّ العلمَ كان مُبَدَّداً ... فَجَمَّعَهُ هذا المُغّيَّبُ في اللَّحدِ
كذلك كانتْ هذه الأرضُ مَيْتةً ... فأَنْشرَها فِعْلُ العَمِيدِ أبي سَعْدِ
فأجازه أبو سعد بجائزة سنية.
وكان بناء المشهد والقبة، في سنة تسع وخمسين وأربعمائة.
وقيل: الذي بنى ذلك ألب أرسلان محمد، والد السلطان ملك شاه.
قال ابن خلكان: والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان المباشر، كما جرت عادة النواب مع ملوكهم، فنُسبت العمارة إليه بهذا الطريق. انتهى.
وأما ما ورد في صفة أبي حنيفة: فمنه ما ذكر أبو نعيم، قال: كان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه.
وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقاً، وأحلاه نغمة، وأنبهه على ما يريده.
وعن عمر بن حماد بن أبي حنيفة، أن أبا حنيفة كان طوالاً، تعلوه سمرة، وكان لباساً، حسن الهئة، كثير التعطر، يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن نراه.
رضي الله عنه.
فصل
في ذكر خبر ابتداء أبي حنيفة
بالنظر في العلم عن أبي يوسف أن قال: قال لي أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن.
فقلت: إذا تعلمت القرآن، وحفظته، فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك، أو يُساويك في الحفظ، فتذهب رياستك.
قلت: فإن سمعت الحديث، وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت، حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عاراً عليك في عَقبِك.
فقلت: لا حاجة لي في هذا.
قلت: فإذا حفظت العربية، وتعلمت النحو ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد مُعلماً، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة.
قلت: وهذا لا عاقبة له.
الجزء 1 · صفحة 26
قلت: فإن نظرت في الشعر، فلم يكن أشعر مني، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات.
فقلت: لا حاجة لي في هذا.
قلت: فإن نظرت في الكلام، ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مُشنعات الكلام، فيرمى بالزندقة فإما أن يؤخذ فيقتل، وإما أن يسلم فيكون مذموماً ملوماً.
قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل، وتُفتي الناس، وتُطلب للقضاء، وإن كنت شاباً.
قلت: ليس في العلوم شيء انفع من هذا. فلزمت الفقه، وتعلمته.
وعن زفر بن الهُذيل، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: كنت أنظر في الكلام، حتى بلغت فيه مبلغاً يُشار إلى فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سُليمان، فجاءتني امرأة يوماً، فقالت: رجل له امرأة أمة، أراد أن يُطلقها للسنة، كيف يُطلقها؟
فلم أدر ما أقول، فأمرتها تسأل حماداً، ثم ترجع فتخبرني.
فسألت حماداً، فقال: يُطلقها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج.
فرجعت، فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي، وجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد، فأحفظ ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة، فصحبته عشر سنين.
ثم إني نازعتني نفسي لطلب الرياسة، فأحببت أن أعتزله، وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجت يوماً بالعشي وعزمي أن أفعل، فلما دخلت المسجد، فرأيته، لم تطب نفسي أن أعتزله، فجئت فجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له، قد مات بالبصرة، وترك مالاً وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليَّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي، فغاب شهرين، ثم قدم، فعرضت عليه المسائل، وكانت نحواً من ستين مسألة، فوافقني في أربعين، وخالفني في عشرين. فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: قدمت البصرة، فظننت أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا افارق حماداً حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة.
وعن أبن سماعة، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صليت صلاة مُذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً، أو علمته علما.
وعن يونس بن بكير، أنه قال: سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، يقول: غاب أبي غيبة في سفر له، ثم قدم، فقلت له: يا أبة، إلى أي شيء كنت أشوق؟ قال: وأنا أرى أنه يقول: إلى ابني.
فقال: إلى أبي حنيفة، ولو أمكنني أن لا أرفع طرفي عنه فعلت.
وعن أبي مطيع البلخي أنه قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال: يا أبا حنيفة عن من أخذت العلم؟ قال: قلت عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس.
قال: فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة عن الطيبين المباركين، صلوات الله عليهم.
وعن ابن أبي أويس، قال: سمعت الربيع بن يونس، يقول: دخل أبو حنيفة يوماً على المنصور، وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم.
فقال له: يا نعمان، عن من أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب عليٍّ عن عليّ، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه. قال: لقد استوثقت لنفسك.
وروي عن أبي حنيفة، أنه قال: رأيت رُؤيا فأفزعتني، رأيت كأني أنبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيت البصرة، فأمرت رجلاً أن يسأل محمد بن سيرين، فسأله، فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أنه قال: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحدٌ قَبله.
قال هشام: فنظر أبو حنيفة، وتكلم حينئذ. والله تعالى أعلم.
فصل
في مناقب ابي حنيفة رضي الله تعالى عنه،
وثناء الأئمة عليه
الجزء 1 · صفحة 27
روى الخطيب البغدادي بسنده، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن في أمتي رجلاً "، وفي حديث القصري: " يكون في أمتي رجل، اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي ".
قال الخطيب، بعد روايته: قلت: وهو حديث موضوع، وتفرد بروايته البورقي.
قلت: قد ذكر أنه موضوع غير الخطيب أيضاً، وإنما ذكرناه نحن هنا لاحتمال صحته في نفس الأمر عند الله تعالى، ولأن معناه متحقق في الإمام رضي الله تعالى عنه، فإنه، بلا شبهة ولا ريب، سراج يُستضاء بنور علمه، ويهتدي بسناء فكره الثاقب، وحُسن فهمه، ولأنه لا يترتب عليه شيء من أحكام الدين، ولا يثبت به قاعدة من قواعد الإسلام.
وروى الخطيب أيضاً، عن الحسن بن سليمان، في تفسير الحديث: " لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم " قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره للآثار.
وروى أيضاً عن خلف بن ايوب، أنه قال: صار العلم من عند الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط.
وعن إسحاق بن بهلول، سمعت ابن عُيينة، يقول: " ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة ".
وعن إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: سمعت ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية.
فقال له قائل: في الشر يا أبا عبد الرحمن، أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا؛ فإنه يقال: غايةٌ في الشر، آية في الخير، ثم تلا هذه الآية: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيةً) .
وعن المبارك أيضاً، قال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا يوماً في مسجد الجامع، فوقعت حية، فسقطت في حِجر أبي حنيفة، وهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحية، وجلس مكانه.
وعنه أيضاً، أنه قال: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسُفيان، لكنت كسائر الناس.
وعن أبي يحيى الحماني أنه كان يقول: ما رأيت رجلاً قط خيراً من أبي حنيفة.
وكان أبو بكر الواعظ، يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه.
وعن سهل بن مزاحم، أنه كان يقول: بذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردها، وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها.
وقيل للقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة.
وحدث الشافعي محمد بن إدريس، قال: قيل لمالك بن انس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً، لقام بحجته.
وعن روح بن عبادة، أنه قال: كنت عند ابن جريج سنة خمسين، وأتاه موت أبي حنيفة، فاسترجع، وتوجع، وقال: أي علم ذهب.
قال: ومات فيها ابن جريج.
وروي عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: قدمت الشام على الأوزاعي، فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني، من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة، يُكنى أبا حنيفة؟!
فرجعت إلى بيتي، فأقبلت على كتب أبي حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئته يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: لي أي شيء هذا الكتاب؟
فتناولته، فنظر في مسألة منها وقعت عليها: قال النعمان بن ثابت. فما زال قائماً بعدما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ثم قام وصلى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال: يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق.
فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه.
قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه.
وعن مسعر بن كدام، أنه قال: ما أحسد أحداً بالكوفة إلا رجلين، أبا حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده.
وعن إبراهيم بن الزرقان، أنه قال: كنت يوماً عند مسعر، فمر بنا أبو حنيفة، فسلم ووقف عليه، ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبي حنيفة!! فاستوى مسعر منتصباً، ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحداً قط إلا فلج عليه.
وعن أبي غسان، أنه قال: سمعت إسرائيل، يقول: كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه.
وكان مسعر يقول: من جعل أبا حنيفة بينه، وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه.
الجزء 1 · صفحة 28
وعن علي ابن المديني أنه قال: سمعت عبد الرزاق، يقول: كنت عند معمر، فأتاه ابن المبارك، فسمعنا معمراً يقول: ما أعرف رجلاً يُحسن يتكلم في الفقه، أو يسعه أن يقيس ويشرح لمخلوق النجاة في الفقه، أحسن معرفة من أبي حنيفة، ولا أشفق على نفسه، أن يدخل في دين الله شيئاً من الشك من أبي حنيفة.
وعن عبد الله بن أبي جعفر الرازي قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحداً أفقه من أبي حنيفة، وما رأيت أورع من أبي حنيفة.
وحدث سعيد بن منصور، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً، معروفاً بالفقه، مشهوراً بالورع، واسع المال، معروفاً بالإفضال على كل من يضيف، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام، حنى ترد مسألة في حلال أو حرام، وكان يُحسن يدل على الحق، هارباً من مال السلطان، وكان إذا وردت مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاس فأحسن القياس.
وقال أبو يوسف: ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث، ومواضع النكت التي فيه من الفقه، من أبي حنيفة.
وقال: ما خالفت أبا حنيفة في شيء قط، فتدبرته، إلا رأيت مَذهبه الذي ذهب إليه أنجى في الآخرة، وكنت ربما ملت إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني.
وقال: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحماد مع أبوي.
وقال الأعمش يوماً لأبي يوسف: كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله: عتق الأمة طلاقها؟ قال: تركه لحديثك الذي حدثته عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن بريرة حين اعتقت خُيرت.
قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن. وأعجبه ما أخذ به أبو حنيفة.
وعن أبي بكر عياش، قال: مات عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزيه، فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذا أقبل أبو حنيفة في جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرك من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه في موضعه، وقعد بين يديه.
قال أبو بكر: فاغتظت عليه.
وقال ابن إدريس: ألا ترى وَيحك؟؟؟؟؟؟؟؟؟! فجلسنا حتى تفرق الناس، فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده في هذا.
فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك اليوم فعلت شيئاً أنكرته وأنكره أصحابنا عليك.
قال: ما هو؟ قلت: جاء أبو حنيفة، فقمت إليه، وأجلسته في مجلسك، وصنعت به صنيعاً بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر.
فقال: وما أنكرث من ذلك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه.
فأفحمني فلم يكن عندي جواب.
وعن محمد بن الفضل الزاهد البلخي قال: سمعت أبا مطيع الحكم بن عبد الله، يقول: ما رأيت صاحب حديث أفقه من سفيان الثوري، وكان أبو حنيفة أفقه منه.
وعن الحسن بن علي، أنه قال: سمعت يزيد بن هارون، وقد سأله إنسان، فقال: يا أبا خالد، من أفقه من رأيت؟ قال: أبو حنيفة.
قال الحسن: ولقد قلت لأبي عاصم - يعني النبيل - أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟ قال: عبد أبي حنيفة أفقه من سفيان.
وسئل يزيد بن هارون، مرة أخرى، من أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه.
وقال أبو عاصم النبيل، وقد سئل أيضاً عنهما: غلام من غلمان أبي حنيفة أفقه من سفيان.
وقال سجادة: دخلت على يزيد بن هارون، أنا وأبو مسلم المُسلمي، وهو نازل ببغداد على المنصور، بن المهدي، فصعدنا إلى غرفة هو فيها، فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد في أبي حنيفة، والنظر في كتبه؟ قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا؛ فإني ما رأيت أحداً من الفقهاء يكره النظر في قوله، ولقد احتال الثوري في " كتاب الرهن " حتى نسخه.
وروى عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: رأيت أعبد الناس؛ ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة، ما رايت في الفقه مثله.
وعنه أيضاً، أنه قال: إن كان الأثر قد عُرف واحتيج إلى الرأي، فرأي مالك، وسفيان، وأبي حنيفة، وأبو حنيفة أحسنهم، وأدقهم فطنة، وأغوصهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة.
وقال أبو عاصم النبيل، وقد سئل: أيهما أفقه؛ سفيان أو أبو حنيفة؟
الجزء 1 · صفحة 29
فقال: إنما يقاس الشيء إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تام الفقه، وسفيان رجل متفقه.
وقال ابن المبارك: رأيت مسعراً في حلقة أبي حنيفة، جالساً بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحداً قط في الفقه أحسن من أبي حنيفة.
وعن إبراهيم بن هاشم، عن أبي داود، أنه قال: إذا أردت الآثار. أو قال: الحديث. وأحسبه قال: والورع، فسفيان، وإذا أردت تلك الدقائق، فأبو حنيفة.
وقال محمد بن بشر: كنت أختلف إلى أبي حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان.
فيقول: لقد جئت من عند رجل او أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله.
فآتى سفيان، فيقول لي: من أين جئت؟ فأقول من عند أبي حنيفة.
فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض.
وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل.
وعن أبي عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلواتهم.
قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه.
وقال شداد بن حكيم: ما رأيت أعلم من أبي حنيفة.
وقال مكي بن إبراهيم: كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه.
وقال النضر بن شميل: كان الناس نياماً عن الفقه، حتى أيقظهم أبو حنيفة؛ فيما فتقه وبينه ولخصه.
وحدث أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.
قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه.
وقال الإمام الشافعي: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه.
وقال أيضاً: ما رأيت أفقه من أبي حنيفة. يعني ما علمت.
وقال: كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان.
وعن حرملة، أنه قال: سمعت الشافعي، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة.
وعن الحسن بن عثمان، أنه كان يقول: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة، علم أبي حنيفة، وتفسير الكلبي، ومغازي محمد بن إسحاق.
وعن أحمد بن عطية، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: القراءة عندي قراءة حَمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركت الناس.
" وعن أبي علي الجبابي المُعتزلي المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبي حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة ".
وقال جعفر بن ربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سُئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي، وسمعت له دوياً، وجهارة بالكلام.
وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومي: ما رأيت أحداً أورع، ولا أفقه من أبي حنيفة.
وعن علي بن عاصم، قال: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره، فقال للحجام: تتبع موضع البياض.
فقال الحجام: لا، فإنه يكثر.
قال: فتتبع مواضع السواد، لعله يكثر.
وبلغت هذه الحكاية شريكاً، فضحك، وقال: لو ترك قياسه لتركه مع الحجام.
وروى الخطيب في " تاريخه "، عن محمد بن فضيل الزاهد، قال: سمعت أبا مُطيع، يقول: مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب.
قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية، وأقام البينة، أن فلاناً مات وأوصى إليه.
فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، أحلف أن شهودك شهدوا بحق.
قال: ليس عليَّ يمينٌ.
قال: ضلت مقاييسك يا أبا حنيفة.
قال أبو حنيفة: بل " ضلت مقاييسك أنت "، ما تقول في أعمى شج، فشهد له شاهدان أن فلاناً شجه، هل على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ " فانقطه ابن شبرمة ".
*وروى الخطيب أيضاً، عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل في دار أبي بُردة، فخرج يوماً، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحدٌ عن الحلال والحرام إلا أجبته.
فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواماً، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟
الجزء 1 · صفحة 30
وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، وإن قال برأي نفسه ليخطئن.
فقال قتادة: وَيلك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا.
قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه.
قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من الحلال والحرام، سلوني عن التفسير.
*فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطاب: ما تقول في قول الله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أنا آتِيكَ به قَبْلَ أن يَرتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ) ؟.
قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شميعا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم.
فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الأسم سليمان؟ قال: لا.
قال: فيجوز أن يكون في زمان نبيٍّ من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء.
*قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو.
قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وَالَّذِي أطمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئتِي يَوْمَ الدِّينِ) .
فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: (قَالَ أوَلَمْ تُؤمِنْ قَالَ بَلَى) .
قال: فقام قتادة مُغضباً، ودخل الدار، وحلف أن لا يحدثهم.
وروى الخطيب أيضاً، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض، فَعاده أبو حنيفة مراراً، فصار إليه آخر مرة، فرآه ثقيلاً، فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن علمٌ كثير.
ثم رزق العافية، وخرج من العلة، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلساً في الفقه، وفصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلساً، وأنه بلغه كلامك فيه.
*فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صِر إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار: ما لك عندي شيء. أنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصوراً، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأت. وإن قال: لا أجر له. فقل: أخطأت.
فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة.
فقال: أخطأت.
فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرة له.
فقال: أخطأت.
فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، فقال له، ما جاء بك إلا مسألة القصار.
قال: أجل.
فقال: سبحان الله، من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلساً يتكلم في دين الله، وهذا قدره، لا يُحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات! فقال: يا ابا حنيفة، علمني.
فقال: إن قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه.
ثم قال: من ظن أن يستغني عن التعلم فليبك على نفسه.
وحدث الحسن بن زياد اللؤلؤي، قال: كانت هنا امرأة يقال لها أم عمران مجنونة، وكانت جالسة في الكناسة، فمر بها رجل فكلمها بشيء، فقالت له: يا ابن الزانيتين. وابم أبي ليلى حاضر، فسمع ذلك، فقال للرجل: أدخلها على المسجد. وأقام عليها حدين، حداً لأبيه وحداً لأمه.
فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها في ستة مواضع؛ أقام الحد في المسجد، ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمة، والنساء يُضربن قعوداً، وضرب لأبيه حداً، ولأمه حداً، ولو أن رجلاً قذف جماعة كان عليه حدٌ واحد، وجمع الحدين، ولا يجمع بين حدين، حتى يخف أحدهما، والمجنونة ليس عليها حد، وحد لأبويه، وهما غائبان، لم يحضرا فيدعيان.
فبلغ ذلك ابن أبي ليلى، فدخل على الأمير، فشكا إليه أبا حنيفة، فحجر عليه، وقال: لا يُفتى.
فلم يُفت أياماُ، حتى قدم رسول من ولي العهد، فأمر أيعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يُفتى فيها، فأبى أبو حنيفة، وقال: أنا محجورٌ عليَّ.
فذهب الرسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له. فقعد فأفتى.
فصل
في ذكر ما نقل في حق الإمام، رضي الله تعالى عنه كان من كبار الحُفاظ للحديث الشريف، وكان مقبول القول في الجرح والتعديل، وفي ذكر طائفة ممن روى عن الإمام، وروى الإمام عنه، وأنه كان من كبار الثقات، وثقات الكبار، رضي الله تعالى عنه
الجزء 1 · صفحة 31
قال الخطيب في تاريخه: النعمان بن ثابت، أبو حنيفة، التيمي، رأى أنس بن مالك، رضي الله عنه، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومُحارب بن دِثار، وحماد بن أبي سليمان، والهيثم بن حبيب الصراف، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى عمر، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مريد، وعطية العوفي، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبا أمية، وغيرهم.
وروى عنه أبو يحيى الحماني، وهشيم بن بشير، وعباد بن العوام، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر بن حاجب، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعمرو بن العنقزي، وهوذة بن خليفة، وأبو عبد الرحمن المُقري، وعبد الرزاق بن همام، في آخرين لا يحصون.
وقال في " الجواهر "، نقلاً عن " كتاب التعليم ": إنه روى عن أبي حنيفة، ونقل مذهبه، نحو من أربعة آلاف نفر.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان في زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحدٍ منهم.
وكان أبو حنيفة ممن تلقى عنه الحُفاظ، وعملوا بقوله في الجرح والتعديل، كتلقيهم عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن معين، وابن المديني، وغيرهم من شيوخ الفن.
وعن يحيى الحماني، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح.
وعن عبد الحميد الحماني: سمعت أبا سعيد الصنعاني وقام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن الثوري.
فقال: اكتب عنه، فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحريث، وحديث جابر الجعفي.
وقال أبو حنيفة: طلق بن حبيب كان يرى القدر.
وقال: زيد بن عياش ضعيف.
وعن سفيان بن عُيينة، قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة، قدمت الكوفة، فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار. فاجتمعوا عليَّ، فحدثتهم.
وقال أبو سليمان الجوزجاني: سمعت حماد بن زيد، يقول: ما عرفنا كُنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة، كلمه يحدثنا. فقال: يا أبا محمد، حدثهم.
وقال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس باباً إلى علم الكلام.
وقال: قاتل الله جهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان، هذا أفرط في النفي، وهذا أفرط في التشبيه.
وعن أبي يوسف، قال: أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يُحدث به.
قال صاحب " الجواهر ": ولكن أكثر الناس على خلاف هذا، ولهذا قلت رواية أبي حنيفة، لهذه العلة، لا لعلةٍ أخرى زعمها المتحملون عليه.
وسُئل يحيى بن معين، عن أبي حنيفة، فقال: هو ثقة، ما سمعت أحداً ضعفه، هذا شعبه بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث بأمره، وشعبة شعبة؟!!.
وقيل له: يا أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؟.
فقال: نعم، صدوق.
وأثنى عليه ابن المديني.
وكان شعبة حسن الرأي فيه، وشعبة أو لمن تكلم في الرجال.
وقال ابن عبد البر: الذين رووا عن أبي حنيفة، ووثقوه، وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس.
قال: وكان يُقال: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أنه هلك فيه فتيا؛ مُحب أفرط، ومبغض أفرط.
وقد جاء الحديث: " أنه يهلك فيه رجلان محب مطر، ومبغض مُفتر ".
قال: وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الفضل والدين والغاية.
فصل
في ذكر عبادته، وورعه، وثناء الناس عليه بذلك
عن يحيى بن معين، أنه قال: سمعت يحيى القطان، يقول: جالسنا، والله، أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله عز وجل.
وعن الحسن بن محمد الليثي أنه كان يقول: قدِمت الكوفة، فسألت عن أعبد أهلها، فدفعت إلى أبي حنيفة، ثم قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى أبي حنيفة.
وعن سويد بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عُيينة، يقول: ما قدم رجل مكة في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 32
وقال أبو مطيع: كنت بمكة، فما دخلت الطواف في ساعة من ساعات الليل إلا رأيت أبا حنيفة وسفيان في الطواف.
وقال يحيى بن أيوب الزاهد: كان أبو حنيفة لا ينام الليل.
وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يُسمى الوتد؛ لكثرة صلاته.
وعن أسد بن عمرو، قال: صلى أبو حنيفة - فيما حُفظ عليه - صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامة الليل يقرأ القرآن جميعه في ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه قال: لما مات أبي سألنا الحسن بن عُمارة أن يتولى غسله، ففعل فلما غسله، قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك بالليل أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء.
وعن أبي يوسف، قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل.
فقال أبو حنيفة: والله، لا يتحدث عني بما لا أفعل.
فكان يُحيي الليل صلاة، ودعاء، وتضرعاً.
وعن ابن أبي معاذ، عن مسعر بن كدام، قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده، فرأيته يُصلي الغداة، ثم يجلس للناس في العلم، إلى أن يُصلي الظهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء، فقلت في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل، متى يتفرغ للعبادة؟، لأتعاهدنه الليلة.
قال: فتعاهدته، فلما هدأ الناس، خرج من المسجد، فانتصب للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزله، ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد، صلى الغداة، فجلس الناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء.
فقلت في نفسي إن الرجل قد تنشط الليلة الماضية للعبادة، لأتعاهدنه الليلة، فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصلاة، ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصلاة، وفعل كفعله في يوميه، حتى إذا صلى العشاء، قلت في نفسي: إن الرجل لينشط الليلة والليلة، لأتعاهدنه. ففعل كفعله في ليلته، فلما أصبح جلس كذلك، فقلت في نفسي: لألزمنه إلى أن أموت أو يموت.
قال: فلازمته في مسجده.
قال ابن أبي معاذ: فبلغني أن مسعراً مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده، رحمه الله تعالى.
وكان خارجة بن مصعب، يقول: ختم القرآن في الكعبة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنهم.
وكان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة.
وحدث أحمد بن يونس، قال: سمعت زائدة، يقول: صليت مع أبي حنيفة في مسجد عشاء الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أني في المسجد، وأردت أن أسأله عن مسألة، من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصلاة، حتى إذا بلغ إلى هذه الآية: (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقّانَا عَذَابَ السَّمُوم) . فأقمت في المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن لصلاة الفجر.
وروى عن يزيد بن الكميت، وكان من خيار الناس، أنه كان يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا عليُّ بن الحسين المؤذن ليلة العشاء الآخرة (إذا زُلْزِلَتِ) ، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يُفكر، ويتنفس، فقلت: أقوم، لا يشتغل قلبه.
فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم، قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: " يا من يجزي بمثقال ذرة خيراً خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شراً شراً، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك ".
قال: فأذنت، فإذا القنديل يزهو وهو قائم، فلما دخلت، قال لي: تريد أن تأخذ القنديل؟ قال: قلت قد أذنت لصلاة الغداة.
قال: اكتم على ما رأيت.
وركع ركعتي الفجر، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل. انتهى.
وقام رضي الله تعالى عنه ليلة بهذه الآية: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ) يرددها، ويبكي، ويتضرع.
وكان رحمه الله تعالى - كما قال ابن المبارك - أورع أهل الكوفة.
الجزء 1 · صفحة 33
وروى أنه كان شريكاً لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيباً، فإذا بعته، فبين. فباع حفص المتاع، ونسى أن يبين، ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.
وروى ايضاً، عن أبي عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، قال: ما رأيت أحسن امانة من أبي حنيفة، مات يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفاً، ما ضاع منها ولا درهم واحد.
ونقل أن أبا جعفر المنصور أجازه بثلاثين ألف درهم في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إني ببغداد غريب، وعندي للناس ودائع، وليس لها عندي موضع، فاجعلها في بيت المال.
فأجابه المنصور إلى ذلك، فدفع إليه الثلاثين ألفاً، ووضعها في بيت المال، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته.
فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة.
وكان رحمه الله تعالى، قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدق بدينار، فكان إذا حلف صادقاً في عرض كلامه تصدق بدينار.
وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وإذا اكتسى ثوباً جديداً أكسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء.
وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان في الدار من عياله إنسان يحتاج إليه، دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكيناً.
وقال وكيع: كان، والله، أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلاً كبيراً عظيماً، وكان يؤثر رضاء ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل، رحمة الله تعالى، ورضي عنه رضى الأبرار، فلقد كان منهم.
وقال ابن المبارك: ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة، وقد جرب بالسياط والأموال.
فصل
في بيان ما روى وصح عن أبي حنيفة من إرادتهم إياه على القضاء وامتناعه من قبوله، وضربهم إياه بالسياط على ذلك رحمه الله تعالى
روى الخطيب بسنده، أن ابن هبيرة كلم أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة، فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، وهو على الامتناع فلما رأى ذلك خلى سبيله. وكان ابن هبيرة إذ ذاك عامل مروان على العراق، في زمان بني أمية.
وروى الخطيب أيضاً، أنه كان يخرجه كل يوم، أو بين الأيام، فيضرب، ليدخل في القضاء، فيأبى.
ولقد بكى في بعض الأيام، فلما أطلق، قال: كان غم والدتي أشد عليَّ من الضرب.
وكان أحمد بن حنبل إذا له ذلك بكى، وترحم عليه، خصوصاً بعد أن ضرب هو أيضاً.
وروى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، أنه قال: مررت مع أبي بالكناسة، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بني، في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاء، فلم يفعل.
وروى الخطيب بسنده، عن بشر بن الوليد الكندي، قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من الكوفة، فأراده على أن يوليه القضاء فابى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف.
فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني.
فأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت.
وروى أن أبا جعفر المنصور بعد أن حبسه دعاه يوماً، وقال له: أترغب عن ما نحن فيه؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء.
فقال له: كذبت.
ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم عليَّ أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء، لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح.
فلم يقبل منه ورده إلى الحبس، فأقام به إلى أن مات فيه، على الصحيح من الروايات.
وحدث عباس الدوري، قال: حدثونا عن المنصور، أنه لما بنى مدينته، ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي، وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء به، فعرض عليه قضاء الرصافة، فأبى. فقال: إن لم تفعل ضربتك بالسياط.
قال: أوَ تفعل؟! قال: نعم.
فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في الثالث اتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق، ثمن تور صفر.
الجزء 1 · صفحة 34
فقال أبو حنيفة: اتق الله، وانظر فيما يقول الصفار.
قال: ليس على شيء فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ قال: استخلفه.
فقال أبو حنيفة للرجل: قُل والله الذي لا إله إلا هو. فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة عازماً على أن يحلف، قطع عليه، وضرب بيده إلى كمه فحل صرة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصفار: هذان عوض من باقي تورك.
فنظر الصفار إليهما، وقال: نعم. فأخذ الدرهمين.
فلما كان بعد يومين، اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيام، ثم مات، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
قال عباس: وهذا قبره في مقابر الخيزران إذا دخلت من باب القطانين يسرة، بعد قبرين أو ثلاثة.
وقيل: إن المنصور أقدمه بغداد لأمرٍ آخر غير القضاء.
وقيل: إنه أقام بعد قدومه إلى بغداد خمسة عشر يوماً، ثم سقاه المنصور، فمات، رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وذلك في سنة خمسين ومائة، وله من العمر سبعون سنة.
فصل
في ذكر جود أبي حنيفة، وسماحه، وحُسن عهده، رضي الله تعالى عنه
عن قيس بن الربيع، قال: كان أبو حنيفة رجلاً ورعاً فقيهاً محسوداً، وكان كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه.
وقال أيضاً: كان أبو حنيفة من عقلاء الرجال، وكان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؛ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي فما في رزق الله حول لغيره.
وحدث حجر بن عبد الجبار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكراماً لأصحابه.
وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده.
وكان أكرم الناس مجالسة.
وروى أنه رأى على بعض جُلسائه ثياباً رثة، فأمره فجلس حتى تفرق الناس، وبقي وحده. فقال له: ارفع المصلى، وخذ ما تحته.
فرفع الرجل المصلى وكان تحته ألف درهم. فقال له: خذ هذه الدراهم فغير بها من حالك.
فقال الرجل: إني موسر، وأنا في نعمة، ولست أحتاج إليها.
فقال له: أما بلغك الحديث: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده "، فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم صديقك.
وروى أن امرأة جاءت إلى أبي حنيفة تطلب منه ثوب خز، فأخرج لها ثوباً. فقالت له: إني امرأة ضعيفة، وإنها أمانة فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك.
فقال: خُذيه بأربعة دراهم.
فقالت: لا تسخر بي، وأنا امرأة عجوز كبيرة.
فقال: إني اشتريت ثوبين، فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقي هذا يقوم عليَّ بأربعة دراهم.
وجاء إليه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز.
فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا.
فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، إن شاء الله تعالى.
فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهماً.
فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ.
قال: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق.
ومن المشهور عن مروءته، ووفائه ورعايته حق الجوار، ما روى أنه كان له جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحماً فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعُوا ... ليَوم كريهةٍ وسدَادِ ثَغْرِ
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يأخذه النوم.
وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس.
فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلة، واستأذن على الأمير. فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط.
ففعل، فلم يزل الأمير يوسع في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟
الجزء 1 · صفحة 35
قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته.
فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا. فأمر بتخليتهم أجمعين.
فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، هل أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعبت، جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعايته.
وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مُتقلبه ومثواه، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه في الدنيا والآخرة.
فصل
في ذكر ما كان عليه أبو حنيفة من حُسن الاعتقاد ووفور العقل، والفِطنة، والذكاء المفرط، والتلطف في الجواب، وبره لوالديه، رضي الله عنه
روى الخطيب بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحب علياً وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلم في القدر، وكان يمسح على الخفين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم.
وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولن أحدٌ بقوله، ولا يصلين أحدٌ خلفه.
وروى أن ابن المبارك قدم على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دب فيكم؟ قال له: رجل يقال له جهم.
قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق.
فقال أبو حنيفة: (كَبُرَتْ كَلِمَةً مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً) .
وكان معلى بن منصور الرازي، يقزل: ما تكلم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمد، ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم بشر المريسي، وابن أبي داود.
وعن ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوا له قط.
قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.
وكان عليُّ بن عاصم، يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم.
وقال خارجة بن مصعب: لقيت ألفاً من العلماء فوجدت العاقل فيهم أربعة. فذكر أبا حنيفة في الثلاثة أو الأربعة.
وقال أيضاً: من لا يرى المسح على الخفين، أو يقع في أبي حنيفة، فهو ناقص العقل.
وروى الخطيب في تاريخه "، أنه كان بالكوفة رجل يقول: عُثمان بن عفان كان يهودياً.
فأتاه أبو حنيفة، فال: أتيتك خاطباً لأبنتك.
قال: لمن؟
قال: لرجل شريف، غتي من المال، حافظ لكتاب الله، سخي، يقوم الليل في ركعة، كثير البكاء من خوف الله.
قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة.
قال: إلا أن فيه خصلة.
قال: وما هي؟ قال: يهودي.
قال: سُبحان الله، تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي.
قال: لا تفعل؟ قال: لا.
قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته من يهودي!.
قال: أستغفر الله، فإني تائب إلى الله.
وروى الخطيب أيضاً، بسنده، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان؛ أحدهما أبو بكر والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبر أبو حنيفة، فقال: انظروا البغل الذي رمحه، هو الذي سماه عمر. فنظروا. فكان كذلك.
وقال ابن المبارك: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وقد شوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل، فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل، فتحيروا فرأيت أبا حنيفة قد حفر في الرمل حفرة، وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بالخل. فقالوا له: تحسن كل شيء!!.
قال: عليكم بالشكر، هذا شيء ألهمته فضلاً من الله عليكم.
وعن أبي يوسف، قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يُعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يُخالف جدك، كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف اليمين استثنى ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء، إلا متصلاً باليمين.
فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جُندك بيعة.
قال: وكيف؟ قال: يحلفون لكم، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فبطل أيمانهم.
قال: فضحك المنصور، وقال: يا ربيع، لا تعرض لأبي حنيفة.
فلما خرج أبو حنيفة، قال: أردت أن تشيط بدمي؟ قال: لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك، وخلصت نفسي.
الجزء 1 · صفحة 36
وكان أبو العباس الطوسي سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر المنصور يوماً، وكثر للناس عنده، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة.
فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا، فيأمره بضرب عنق الرجل، لا يدري هو، أيسعه أن يضرب؟ فقال: يا ابا العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق.
قال: أنفذ الحق حيث كان، ولا تسأل عنه.
ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته.
وكان أبو حنيفة، رحمه الله، كثير البر بوالدته، والقيام بواجب حقها، وإدخال السرور عليها، وعدم المخالفة لها.
حدث حجر بن عبد الجبار الحضرمي، رحمه الله تعالى، قال: كان في مسجدنا قاض يُقال له زرعة، ينسب مسجدنا إليه، وهو مسجد الحضرميين، فأردت أم أبي حنيفة أن تستفتي في شيء، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل، وقالت: ما أقبل إلا ما يقوله زرعة القاص.
فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فقال: هذه أمي تستفتيك في كذا وكذا.
فقال: أنت أعلم مني وأفقه، فأفتها أنت.
فقال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا.
فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة.
فرضيت وانصرفت.
وفي رواية، أن زرعة قال لها: أفتيك ومعك فقيه الكوفة! فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا. فأفتاها فرضيت.
وفي بره بوالديه وتعظيمه لشيخه حماد يقول بعضهم:
نُعمَانُ كان أبرَّ الناسِ كُلِّهمُ ... بوَالدَيْه وبالأُسْتاذ حَمَّادِ
مَا مَدَّ رِجْليْهِ يوماً نحْو منزلِه ... ودُونَه سِكَكٌ سَبْعٌ كأطْوَادِ
روى أن أبا حنيفة قال: ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد؛ إجلالاً له. وكان بين داره وداره سبع سِكك.
وعن ابن المبارك، أنه قال: رأيت الحسن بن عمار آخذاً بركاب أبي حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركت أحداً تكلم في الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جواباً منك، وإنك لسيد من تكلم في وقتك غير مدافع، ولا يتكلمون فيك إلا حسداً.
وكان ابن داود يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد، وجاهل، وأحسنهم عندي حالاً الجاهل.
وحدث سفيان بن وكيع، قال سمعت أبي يقول: دخلت على أبي حنيفة، فرأيته مُطرقاً مُفكراً، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: أقبلت من عند شريك.
فرفع رأسه وأنشد يقول:
إن يَحسُدُوني فإنيِّ غيرُ لائِمِهمْ ... قَبْلي مِن الناس أهْلُ الفضْلِ قد حُسِدوا
فدَامَ لي ولهم مَا بِي وما بِهِمُ ... ومَات أكثرُنا غَيظاً بما يَجِدُ
قال: وأظنه كان بلغه عنه شيء.
وذكر لمحمد بن الحسن ما يجري الناس من الحسد لأبي حنيفة فقال:
مُحَسَّدُون وشَرُّ الناسِ مَنْزِلَةً ... مَن عاش في الناسِ يَوْماً غيرَ مَحْسودِ
فصل
في ذكر بعض الأمور التي اعترض بها الحُساد على أبي حنيفة، رضي الله عنه، وشنعوا بها عليه، وما أجيب به عنه، وذكر بعض ما مدح به من الشعر، وما نُسب إليه، وما تمثل به منه، وغير ذلك
قال قاضي القضاة ابن خلكان، في " وفيات الأعيان "، بعد أن ذكر طرفاً صالحاً من مناقب الإمام رضي الله تعالى عنه: ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في " تاريخه " منها شيئاً كثيراً، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الامام لا يشك في دينه، ولا في ورعه وتحفظه، ولم يكن يُعاب بشيء سوى قلة العربية.
فمن ذلك ما روى أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يستوجب القود أم لا؟ فقال: لا. كما هو قاعدة مذهبه، خِلافاً للإمام الشافعي.
فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟.
فقال: ولو قتله بأبا قُبيس.
يعني الجبل المُطل على مكة، حرسها الله تعالى.
قال: وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المُعربة بالحروف " أبُوهُ، وأخوه، وحموه، وهنوه، وفوه، وذو مال " إن إعرابها يكون الأحوال بالألف. وأنشدوا على ذلك:
إنَّ أباهَا وأبا أباهَا ... قد بَلغا في المَجْد غَايتاهَا
وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهي لغته. انتهى كلام ابن خلكان.
الجزء 1 · صفحة 37
قلت: وهو مع ما اشتمل عليه من الصواب في الجواب لا يخلو من شائبة التعصب، حيث جزم بأن الإمام رضي الله تعالى عنه كان قليل العربية، بمجرد كلمة صدرت منه على لغة أهل بلده، واستعملها غير واحد ممن يحتج بقوله في شعره، والحال انه لم ينقل عن أحد من أهل اللغة وحملة العربية، أنه قال: إن كل من تكلم بكلمة غير فصيحة في عرض كلامه، على لغة أهل بلده وهي غير شاذة، ولم يدونها في كتاب من كتبه، يكون لحاناً قليل العربية. هذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مع كونه ممن يحتج بقوله في اللغة، قال في بعض تآليفه: " ماء عذب أو مالح "، فقال: " مالح " ولم يقل " مِلح " وهي لغة شاذة، أنكرها أكثر أهل اللغة، ولم يقل أحدٌ في حقه بسبب ذلك، إنه كان قليل العربية واللغة، ولكن جرى الأمر في ذلك على قول الشاعر:
وعَينُ الرِّضَا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلةٌ ... كما أنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاويَا
وقد ذكر بعض من صنف في مناقب الإمام الأعظم، في حق الإمام الشافعي مِن مثل هذه المؤاخذات شيئاً كثيراً، أضربنا عن ذكره، لعدم الفائدة، ولأن الأليق بكل إنسان أن يكُف لِسانه عن التكلم في حق مثل هؤلاء الأئمة، الذين اتفق الناس على علمهم، وصلاحهم، وعلو مقامهم، إلا بخير، فإنه قلما أطلق أحد لسانه في حق السلف، إلا وعُجلت له النكبة في الدنيا قبل الآخرة، عَصمنا الله من ذلك بمنه وكرمه.
ومن جملة التشنيعات في حق الإمام، رضي الله تعالى عنه، قول بعض الحُساد: إنه كان قليل الرواية، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار، كغيره من مُجتهدي عصره، ومن تأخر بقليل عنهم.
والجواب عن ذلك هو المنع؛ بدليل أن أبا حنيفة، رضي الله تعالى عنه، كان أكثر الناس تفريعاً للأحكام، ووضعاً للمسائل، وكثرة الفروع تدل على كثرة الأصول، وصحتها على صحتها، وقد سلموا أن أبا حنيفة أقوى في القياس من غيره، وأعرف به من سواه، وإنما يُقاس على الكتاب والأثر، وكثرة قياسه في المسائل تدل على كثرة اطلاعه على الآثار، وكثرة إحاطته بها.
وإنما قلت الرواية عنه لما ذكرناه سابقاً، من كونه كان يشترط في جواز الرواية حفظ الراوي لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يُحدث به، ولأنه صاحب مذهب، نصب نفسه لتدوين الفقه، وإثبات الأحكام، وتفقيه الناس وإفتائهم، وهذا لا يدل على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان قليلاً؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدونه، وأثبته عنده، وجعله أصلاً ليقيس عليه نظائره؛ فمرة يفتى بحكمه ولا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، وينقطع عنده. وكذا فعل أكثر فقهاء الصحابة؛ كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، وغيرهما، من فقهاء الصحابة، رضي الله عنهم.
ويدلك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبعثه إلى وفاته، وكانوا لا يكادون يُفارقونه في سفر ولا حضر، وكذلك عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر؛ وأبو هريرة أكثر رواية منهم، وإنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما سمع هؤلاء، أو شاهد أكثر مما شاهد هؤلاء!!، وقد روى الناس عنه أكثر مما رووا عنهم!! وإنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، كانوا فقهاء الصحابة، وكانوا أصحاب مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود، وكانوا يفتون بكل علم صدر عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، ولا يروونه، وربما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممن خالفه من نظرائه.
وهذا هو المعنى في قلة رواية ذي المقالة والمذهب عن النبي صلى الله عليه وسلم للناس، وقلة روايتهم عنه.
وأما هو فقد سمع من الأخبار، وجمع ما لم يحط به غيره؛ فإن الأخبار منها ناسخ ومنسوخ، ومثبت وناف، وحاظر ومبيح، ونحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، وأخذ بالناسخ منها، وهو المتأخر، فإن لم يعلم المتأخر، أخذ بارجحهما عنده، وترك الآخر، فإذا أخذ المتأخر أو ما رجح عنده، فربما رواه، وربما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأسقط ما نافاه، ولم يلتفت إليه، وأصحاب الحديث يرون الجميع؛ فلهذا قلت رواية الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من الفقهاء.
الجزء 1 · صفحة 38
وقد يرد أيضاً الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصح الطرق، فيرويه منها، وربما أفتى بحكمه ولم يروه. وأصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلت الرواية عن الفقهاء أولى المقالات.
قال أبو بكر عتيق بن داود اليماني: فإن قال قائل: قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بلغوا عني ولو آية "، وقال عليه الصلاة والسلام: " نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ". قيل له: إذا أفتى بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو بما فعل، فقد بلغ أشد التبليغ؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، يلزمه أن لا يرةى جميع الأخبار المُتنافية، لأن ذلك يؤدي إلى تحير من يستفتي، ولا يحصل له التخلص مما نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصحيح عنده، أو رواه، حصلت للمُستفتي الفائدة، وفي هذا كفاية لكل ذي بصر.
فهذا يدل على أن قلة الرواية عنه، لا تدل على قلة ما نقله من الأخبار والآثار، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
هذا، ولئن سُلم ما زعمه المُشنع من قلة الرواية، فجوابه أنا نقول: قال أبو عمر بن عبد البر: الذي عليه جماعة " فهاء " المسلمين وعُلمائهم ذم الإكثار - يعني من الحديث - دون تفقه ولا تدبر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة الكذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ثم روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم وكثرة الحديث، ومن قال عني فلا يقولن إلا حقاً ".
وروى بسنده أيضاً، عن وهب بن بقية، قال: سمعت خالد بن عبد الله، يقول: سمعت ابن شبرمة، يقول: أقلل الرواية نفقة.
وقال أيضاً: أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عَصرنا " اليوم "، دون نفقة فيه، ولا تدبر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم.
ثم ذكر بعد كلام طويل، قول الأعمش لأبي يوسف: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.
ومن ها هنا قال الترمذي: إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصيدلاني.
وعن ابن المبارك، أنه قال: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث.
ولله در بعضهم حيث يقول:
إن الرُواةَ على جَهْلٍ بما حَملوُا ... مثلُ الجِمَال عليها يُحْمَل الوَدَعُ
لا الوَدْعُ يَنفْعهُ حَمْلُ الجمالِ له ... ولا الجمالُ بِحَمْل الوَدْع تنتفعُ
وقال ابن أبي ليلى: لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويَدَع.
وم التشنيعات أيضاً، قولهم: إن مذهب أبي حنيفة في موضوعه مُخالف لما عليه أساس الإمارة والإمامة، ولا يوافق في كثير من فروعه للأمراء والأئمة.
والجواب عن ذلك هو المنع، بل مذهبه أوفق للإمامة والإمارة، والأصلح للولاة والأئمة.
والدليل على ذلك، ما ذكرناه سابقاً من الجواب عنه لأبي جعفر المنصور في مسألة الاستثناء المُنفصل، وخلافه فيه لابن عباس؛ فإنه أوفق للإمامة والإمارة، بخلاف مذهب غيره.
وكان بعض السلف يقول: لا يزال الإسلام مُشيد الأركان ما بقي له ثلاثة أشياء: الكعبة، والدولة العباسية، والفتيا على مذهب أبي حنيفة. فلولا الموافقة بين الدولة العباسية ومذهب أبي حنيفة ما قرن بينهما.
وقال بعض الشعراء في ذلك:
أبو حنيفةَ فاق الناسَ كُلَّهمُ ... في العِلمِ والزُّهْدِ والعَليَاء والباسِ
له الإمَامَةُ في الدُّنيا مُسلَّمةٌ ... كما الخلافةُ في أولاد عَبَّاسِ
وسماها بعض السلف التوْأمين؛ لاتفاقهما في الموضوع، وظهورهما في زمن واحد.
وكيف يجوز أن يثدعى أن أبا حنيفة على خلاف الإمامة مع ما ذكرناه عنه سابقاً، حين منع من الفتوى، وسألته ابنته عن مسألة فقال لها: سلي أخاك؛ فإن الأمير منعني من الفتيا.
فلم يرض لنفيه أن يعمل بخلاف سلطان زمانه في جواب مسألة.
والذي يدل على صحة ذلك أن من صفة الإمامة أن يكون الإمام غالباً، قاهراً، نافذ الأمر، جائز التصرف في مملكته، مُطلق اليد في الرعية، وعلى مذهب أبي حنيفة كل هذا مفوض إلى الأئمة أينما نزلوا، ومذهب المُخالفين ليس على هذه الصفة.
وبيان ذلك في مسائل كثيرة من فروع الفقه، لا بأس بذكر بعضها في هذا الموضوع للإيضاح.
*مسألة، من له أرض خراجية، عجز عن زراعتها، وأداء خَراجها.
الجزء 1 · صفحة 39
قال أبو حنيفة: للإمام أن يؤجرها من غيره، ويأخذ الخراج من أجرتها، سواء رضى بذلك صاحبها أم لم يرض.
وقال الشافعي: ليس للإمام ذلك.
*مسألة، إذا فتح السلطان بلدة من بلاد الكفار، فأراد أن يمن عليهم ويقرهم على أملاكهم، ويضع الجزية على رؤوسهم، ولا يقسمها بين الأجناد.
قال أبو حنيفة: له أن يفعل ذلك، سواء رضي الجند بذلك أم لم يرضوا.
وقال الشافعي: ليس له ذلك إلا برضى الجُند، وعليه أن يقسمها بين الغانمين.
وهذه مسألة نفسية، والعمل بها على مذهبنا.
*مسألة السلب في حال القتال لا يكون للقاتل عند أبي حنيفة، إلا أن يكون الإمام قال قبل ذلك: من قتل قتيلاً فله سلبه.
وقال الشافعي: السلب للقاتل، سواء قال الإمام ذلك أو لم يقل.
*مسألة، من عزره الإمام، لاستحقاقه التعزيز، فمات في تعزيره.
قال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، ودمه هدر.
وقال الشافعي: يجب عليه الضمان.
*مسألة، من أحيى أرضاً مواتاً.
قال أبو حنيفة: إن أحياها بإذن الإمام ملكها.
وقال الشافعي: يملكها، ولا يحتاج إلى إذن الإمام.
*مسألة، إذا كان للرجل عبد فزنى، أو شرب خمراً، لا يقيم مولاه عليه الحد إلا بإذن الإمام.
وقال الشافعي: يقيم مولاه، ولا يحتاج إلى إذن الإمام.
وهو افتيات على السلطان في ولايته؛ قال عليه الصلاة والسلام: " الحدود للولاة ".
*مسألة، إذا كان للرجل سوائم، وحال عليها الحول، وأدى صاحبها زكاتها.
قال أبو حنيفة: للسلطان أن يأخذ زكاتها ثانياً، ويصرفها إلى الفقراء.
وقال الشافعي: ليس للسلطان ذلك.
وهو افتيات على السلطان أيضاً؛ فإن القبض في الأموال الظاهرة له، لا إلى أصحاب الأموال.
*مسألة أهل مصر خرجوا إلى المصلى يوم العيد، وأرادوا أن يصلوا العيد.
قال أبو حنيفة: إن كان السلطان أو نائبه معهم جاز، وإلا فلا.
وقال الشافعي: يجوز، ولا يحتاج إلى حضور السُلطان ولا نائبه.
*مسألة، رجل قتل لقيطاً متعمداً.
قال أبو حنيفة: للسلطان ولاية استيفاء القصاص من قاتله.
وقال الشافعي: ليس عليه ذلك.
*مسألة، رجل مات، فحضر السلطان وأولياء الميت جنازته.
قال أبو حنيفة: السلطان أحق بالتقديم للصلاة عليه من الأولياء.
وقال الشافعي: الأولياء أحق.
*مسألة، الجزية إذا أخذت على مذهبنا حصل أكثر مما أخذت على مذهبه، وكان أنفع لبيت المال؛ فإن عندنا يوضع على الغني الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط الغنى أربعة وعشرون درهماً، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهماً، وتؤخذ سلفاً، وعنده على كل شخص دينار، والدينار عشرة دراهم، فظهر التفاوت بينهما.
*مسألة الإمام إذا أخذ صدقات أموال الناس، ثم أراد أن يمنع أعيان الصدقة، ويدفع أبدالها وأثمانها إلى الفقراء.
قال أبو حنيفة: له فعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة.
وقال الشافعي: ليس له ذلك.
*مسألة، السلطان إذا احتاج إلى تقويه الجيش، فأخذ من أرباب الأموال ما يكفيه من غير رضاهم، له ذلك.
ومثل هذه المسائل كثيرة، قل أن تحصر في مصنف، وفيما ذكرناه منها كفاية للمنصف؛ فإنه إذا تأمل ما أوردناه، ونظر بعين الإنصاف إلى ما قررناه، ظهر له أن مذهبنا أوفق للإمامة من غيره، وأكثر تفويضاً للأئمة من سواه، والله الموفق للصواب.
ومن التشنيعات أيضاً، قولهم: إنه قدم القياس الذي اختلف الناس في كونه حجة على الأخبار الصحيحة، التي اتفق العلماء على كونها حُجة.
والجواب أن هذا القول زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصحابة، وثبت ذلك واشتهر ولم يظهر له فيه مُخالف، وإن كان أمراً اختلف فيه الصحابة والعلماء، فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكن في الحادثة شيء مما ذكرناه.
والدليل على أن مذهب أبي حنيفة على الصفة المشروحة، ما روى أبو مطيع البلخي، قال: " كتب " أبو جعفر المنصور إلى أبي حنيفة يسأله عن مسائل، وكان مما سأل: أخبرني عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنك ذو رأي، وصاحب اجتهاد وقياس، وكتبت إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالماً علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسلام.
الجزء 1 · صفحة 40
فأجاب عن تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا لأنا نعمل بكتاب الله، ثم سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ثن بأحاديث الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن في الدين، وهذا علم لا يعرفه إلا الخبير البصير، والله ما تكلمت بمسألة حتى أذنت نفسي بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصحابة والتابعون: الأمر بالرأي لا بالكبر والسن، فمن وافق كان أقرب إلى الحق، وأوفق للقرآن والسنن، فالأولى أن يعمل بقولهم.
وقال أبو مطيع البلخي لأبي حنيفة: أرأيت لو رأيت رأياً، ورأى أبو بكر رأياً غيره، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم.
فقلت: أرأيت لو رأيت رأياً، ورأى عمر رأياً، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم.
قال: ثم سألته عن عثمان وعلي، فأجاب بمثل هذا، وقال: إني أدع رأيي عند رأي جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جُندب.
فهذا يدل على أنه يؤخر القياس عند الآثار.
ويدل على ذلك أيضاً، ما روى عن محمد بن النضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال: ما رأيت أحداً تمسك بالآثار أكثر من أبي حنيفة.
وعن أبي مُطيع البلخي، أن سفيان الثوري، ومقاتل بن حيان، وحماد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا وقالوا: إن النعمان هذا يدعي الفقه، وما عنده إلا القياس، فتعالوا حتى نناظره في ذلك، فإن قال: إنه قياس. قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأول من قاس إبليس، لعنه الله، حيث قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) .
فناظرهم أبو حنيفة، يوم الجمعة في جامع الكوفة، وعرض عليهم مذهبه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيد العلماء، فاعف عنا؛ فإننا وقعنا فيك من غير تجربة ولا روية.
فقال لهم أبو حنيفة: غَفر الله لنا ولكم.
وروى أن أبا حنيفة كان يتكلم في مسألة من المسائل القياسية، وشخص من أهل المدينة يتسمع، فقال: ما هذه المُقايسة، دعوها فإن أول من قاس إبليس.
فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام في غير موضعه، إبليس رد على الله تعالى أمره، قال الله تعالى: (ةإذْ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلا إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ) ، وقال تعالى: (فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُهم أجْمَعُون* إلا إبليسَ أبَى أنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدين) ، وقال: (إلا إبليسَ أبَى وَاسْتَكْبَر وَكَانَ مِنَ الكَافِرينَ) ، وقال: (أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) فاستكبر ورد على الله أمره، وكل من رد على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذي نحن فيه نطلب فيه اتباع أمر الله تعالى؛ لأنا نرده إلى أصل أمر الله تعالى في الكتاب، أو السنة، أو إجماع الصحابة والتابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسنة والإجماع، فاتبعنا في أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى: (يَا أيُهَا الَّذِنَ آمَنُوا أطيعوا الله وأطِعوا الرَّسُولَ وَأولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) . إلى قوله: (وَالْيَومِ الآخِرِ) ، فنحن ندور حول الاتباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، ورده عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطت يا أبا حنيفة، وتُبتُ إلى الله تعالى، فنور الله قلبك كما نورت قلبي.
ولا بأس بذكر بعض المسائل الشاهدة لما ذكرنا، والموضحة لما قررنا، على أنها لا تدخل تحت الحضر، والله الموفق للصواب: *مسألة، رجل رد عبداً آبقاً من مسيرة ثلاثة أيام.
قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهماً. وكان القياس أن لا يجب، فترك الناس وأخذ من ذلك بالخبر الذي روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، في خبر طويل، أن رجلاً قدم بآبق من الفيوم، فقال القوم: لقد أصاب أجراً.
فقال ابن مسعود: وأصاب جعلاً.
وقال من خالفه: لا يجب الجعل. فترك الخبر وأخذ بالقياس.
*مسألة، ولو أن رجلاً حلق لحية رجلٍ، أو حاجبيه، فلم تنبت ثانياً.
قال أبو حنيفة: يجب على الحالق دية كاملة.
وقال من خالفه: لا يجب الدية على الكمال.
وكان القياس أن لا يجب الدية على الكمال، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروي في حديث سعيد بن المُسيب، رحمه الله تعالى.
*مسألة، ولو أن رجلاً أوجب على نفسه أن ينحر ولده.
قال أبو حنيفة: يلزمه أن يذبح شاة.
الجزء 1 · صفحة 41
وقال من خالفه: لا يجب عليه شيء. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلاً حلف، وقال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الإسلام. ففعل ذلك.
قال أبو حنيفة: يجب عليه كفارة يمين.
وكان القياس أن لا يجب عليه شيء، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروي عن عائشة، وابن عمر، رضي الله عنهما، أنهما أوجبا فيه كفارة يمين.
وقال من خالفه: لا شيء عليه إلا التوبة. فأخذ القياس.
*مسألة، ولو أن رجلاً اشترى شيئاً بألف درهم، وقبضة، ولم ينقد الثمن، ثم باعه من البائع بخمسمائة درهم.
قال أبو حنيفة: بيع الثاني لا يجوز. وكان ينبغي في القياس أن يجوز. فترك القياس، وأخذ في ذلك بخبر روي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت للمرأة التي سألتها عن هذا البيع: أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب.
وقال من خالفه: يجوز بيعه. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلاً باع من ذمي خمراً.
قال أبو حنيفة: جاز بيعه.
وكان ينبغي في القياس أن لا يجوز، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر الذي روي عن عمر أنه قال: ولوهم بيعها، وخذوا العُشر من أثمانها.
وقال من خالفه: لا يجوز بيعه. وأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلاً اغتسل من الجنابة، ولم يتمضمض ولم يستنشق، وصلى على ذلك.
قال أبو حنيفة: لا يجوز ما لم يتمضمض ويستنشق.
فرآهما فرضين في الجنابة، وكان القياس أن لا يكونا فرضين، فترك القياس، وأخذ بخبر الواحد، وهو ما روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: من ترك المضمضة، والاستنشاق، في الجنابة، وصلى، تمضمض، واستنشق، وأعاد ما صلى.
وقال من خالفه: المضمضة والاستنشاق غير مفروضين في غسل الجنابة. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
ويقع الخلاف من هذا الجنس بين أبي حنيفة ومالك؛ لأن عند أبي حنيفة الخبر المروي عن طريق الآحاد مُقدم على القياس، وعند مالك، القياس مُقدم على الخبر المروي من طريق الآحاد.
*مسألة، ولو أن صائماً أكل، أو شرب، أو جامع، ناسياً.
قال أبو حنيفة: لا يبطل صومه.
وكان القياس أن يبطل، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإن الله تعالى أطعمه وسقاه ".
وقال من خالفه: يبطل صومه. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، ولو أم رجلاً تزوج أمةً على حرةٍ.
قال أبو حنيفة: لا يجوز.
وكان القياس أن يجوز؛ إلا أنه ترك القياس، وأخذ في ذلك بخبر، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال " لا تنكح الأمة على حرة ".
وقال من خالف: يجوز نكاحها. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، إذا تزوج العبد بإذن مولاه.
قال أبو حنيفة لا يجوز أن يتزوج أكثر من امرأتين.
وكان القياس أن يجوز له أن يتزوج بأربع نسوة كالحر، إلا أن أبا حنيفة ترك القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ".
وقال من خالفه بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة رجل وهب آخر هبة، ولم يقبضها الموهوب له.
قال أبو حنيفة: لا تصح الهبة.
وكان القياس أن تصح، إلا أنه ترك القياس، وأخذ بالخبر الوارد في ذلك، وهو ما روي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه قال لعائشة: كنت نحلتك جداد عشرين وسقا بالعالية، ولم تكوني حزتيه، ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث. جعل القبض شرطاً.
ومخالفة أخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، إذا تزوج الرجل امرأة وهو غير كفءٍ لها.
قال أبو حنيفة: للأولياء حق الاعتراض.
وكان القياس أن لا يكون لهم ذلك، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال؛ " لا تزوج النساء إلا من كفءٍ ".
ومخالفة أخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة عند بين اثنين، أعتقه أحدهما وهو معسر.
قال أبو حنيفة: على العبد أن يسعى في نصف قيمته.
وكان القياس أن لا سعاية عليه؛ لأنه لم تكن منه جناية، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في عبدٍ من اثنين أعتقد أحدهما: " إن كان موسراً ضمن نصف قيمته، وإن كان مُعسراً سعى العبد في نصف قيمته غير مشقوق عليه ".
الجزء 1 · صفحة 42
وقال المخالف: لا سعاية عليه. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، السكران إذا طلق امرأته.
قال أبو حنيفة: يقع طلاقه وعتاقه.
وكان القياس أن لا يقع، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والعتاق، والنكاح ".
وقال من خالفه: لا يقع طلاقه، وعتاقه؛ لأنه لا يعقل. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، لو اجتمع جماعة في قتل رجل عَمداً.
قال أبو حنيفة: يقتلون جميعاً.
وكان القياس أن لا تقتل الجماعة بواحد، فترك القياس، وأخذ بخبر روي عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قتل سبعة نفر بقتل رجلٍ واحد، فترك القياس بهذا، حتى قال عمر، رضي الله تعالى عنه: لو اجتمع أهل صنعاء على قتله لقتلتهم به.
وقال من خالفه: لا تقتل الجماعة بواحد. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
وفي هذا القدر كفايةٌ في الدلالة على أن أبا حنيفة رضي الله عنه لم يقدم القياس على الخبر، ومن ادعى ذلك فليس عنده خبر، وأن مخالفه هو الذي فعل ذلك، والله أعلم.
ومن جملة التشنيعات في حق الإمام، رضي الله تعالى عنه، أنهم زعموا أنه ترك من فروع الفقه طريق الاحتياط والتورع، وأفرط في الرخصة فيما يحتاج فيه إلى التحرج.
والجواب عن ذلك، أن هذا زعم ممنوع، وقول غير مسموع، لأن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه، كان من أزهد الناس وأورعهم وأتقاهم لله تعالى، وقد ذكرنا سابقاً من شهادة العلماء له بذلك ما فيه الكفاية، والدلالة على أنه كان أجل قدراً من أن يترك الاحتياط، ويتساهل في الدين.
ولا بأس بذكر بعض المسائل، التي تدل على أنه أخذ فيها بالأحوط، وترك غيره. فنقول، وبالله التوفيق: *مسألة، إذا أكل في رمضان متعمداً.
قال أبو حنيفة: يجب عليه الكفارة، كما يجب على المجامع. فأخذ بالاحتياط.
وقال من خالفه: يجب عليه قضاء يوم واحد، ولا يجب عليه الكفارة.
وفيما ذهب إليه المُخالف ترك الاحتياط.
*مسألة، إذا شرع الرجل في صوم التطوع، ثم أفطر.
قال أبو حنيفة: يجب عليه القضاء.
وقال من خالفه: لا يجب عليه القضاء.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، لا فيما ذهب إليه المُخالف.
*مسألة: إذا صُب في جوف الصائم شراب أو طعام.
قال أبو حنيفة: انتقض صومه، وعليه القضاء. وسلك فيه طريقة الاحتياط.
وقال المخالف: لا ينتقض صومه. فترك الاحتياط في فتواه.
*مسألة، إذا قاء الرجل، أو رعف أو افتصد.
قال أبو حنيفة: انتقض وضوءه.
وقال المخالف: لا ينتقض.
والأحوط ما قاله الإمام.
*مسألة، إذا صلى الرجل خلف إمام، والإمام محدث أو جنب وهو لا يعلم، ثم علم بعد فراغه من الصلاة.
قال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة الغمام، وصلاة المُقتدي.
وقال من خالفه: صلاة المُقتدي جائزة.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا نَسى الرجل الظهر والعصر، في يومين مختلفين، ولا يدري أيهما الأول.
قال أبو حنيفة: يُصلي الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، حتى يسقط الفرض عن ذمته بيقينٍ، ويكون ذلك أخذاً بالاحتياط.
وقال من خالفه: يُصلى مرة واحدة، ولا يصلى مرتين.
وفي ذلك ترك الاحتياط، لأن الفرض لا يسقط عن ذمته بيقينٍ.
*مسألة، إذا تكلم الرجل في صلاته ناسياً.
قال أبو حنيفة: تفسد صلاته.
وقال من خالفه: لا تفسد إن كان قليلاً، وإن كان كثيراً تفسد.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا تناول المُحرم من محظورات إحرامه ناسياً.
قال أبو حنيفة: تلزمه الذكاة.
وقال من خالفه: لا تجب عليه إذا كان ناسياً، إلا في الأشياء التي نص الله في كتابه على تحريمها، نحو قتل الصيد والجماع، وحلق الرأس.
والاحتياط فيما ذهب ليه الإمام.
*مسألة، إذا اشترك الرهط المحرمون في قتل الصيد.
قال أبو حنيفة: يجب على كل واحد منهم كفارة على حدة.
وقال من خالفه: يجب عليهم كفارة واحدة.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة.
*مسألة، إذا استأجر الرجل شيئاً، ثم أجره من غيره بأكثر مما اساجره، ولم يزد من عنده شيئا.
قال أبو حنيفة: لا تطيب له الفضل، ويتصدق به.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، حتى لا يكون داخلاً تحت نهيه عليه الصلاة والسلام عن ربح ما لم يضمن.
ومسائل هذا النوع لا تنحصر، وفيما ذكرناه كفاية.
الجزء 1 · صفحة 43
ومن جملة ما يشنع به الحساد على أبي حنيفة، رضي الله عنه، أنه من جملة الموالي وليس هو من العرب، وأن من كان مجتهداً من العرب أولى بالتقديم من غيره.
والجواب، أن شرف العلم مُقدم على شرف النسب، وشرف الدين مقدم على شرف المنتسبين، وأكرم الناس عند الله أتقاهم، وما يضر العالم كونه من الموالي، وما ينفع الغوي الجاهل كونه حجازياً، أو تميمياً، وهو لا يعرف اليمين من الشمال، ولا يفرق بين الهدى والضلال.
ومما روى أن رجلاً من بني قفل، من خيار بني تيم الله، قال لأبي حنيفة: أنت مولاي.
فقال: والله!! والله أشرف لك منك لي.
فجعل أبو حنيفة شرف القرشي التيمي يكون من مواليه مثل أبي حنيفة، أفضل من شرف أبي حنيفة بكونه من موالي القرشي التيمي، وهذا مما لا شبهة فيه، فإنه ثابت بالكتاب والسنة.
أما الكتاب، فقوله تعالى: (إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ) .
وأما السُّنة، فقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "، وقال صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت ". ونفى الله تعالى ولد نوح عليه الصلاة والسلام منه، فقال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ، وعلى هذا بلال الحبشي، وأبو لهب الهاشمي، وأبو جهل القرشي.
وقد أشد الخطيب الخوارزمي في هذا المعنى، وأجاد، فقال:
إلى التُقَى فانْتسِبْ إن كنتَ مُنْتَسِباً ... فليس يُجديكَ يوماً خالِصُ النَّسَبِ
بِلالٌ الحبشيُّ العَبْدُ فَاق تُقىً ... أحرَارَ صِيدِ قُرَيشٍ صَفْوَةَ العَرَب
غَدَا أبُو لَهبٍ يُرْمَى إلى لَهَبٍ ... فيه غَدَتْ حَطَباً حَمَّالَةُ الحَطَبِ
وذكر القاضي عياض في " الشفاء " عن الشعبي، قال: صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس، فأخذ بركابه، فقال زيد: خَلِّ عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
فقبل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، صلى الله عليه وسلم.
ففعل ابن عباس فعله معه بالعلم، وإنه إنما بالغ في التواضع إلى هذه الغاية، لكونه عالماً، وابن عباس ابن عباس. انتهى.
وفي أوائل " شرح الهداية " لمحمد بن محمد المعروف بابن الشحنة، حكاية مشهورة، نقلها هو وغيره عن عطاء، وأظنه عطاء بن السائب الكوفي. قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرصافة، فقال: يا عطاء، هل لك علم بعلماء الأمصار؟ قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.
فقال: من فقيه أهل المدينة؟ قلت: قلت نافع مولى ابن عمر.
قال: فمن فقيه أهل مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح.
قال: مولى أم عربي.
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان.
قال: مولى أم عربي؟.
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل الشام؟ قلت: مكحول.
قال: مولى أم عربي.
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران.
قال: مولى أم عربي؟ قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم.
قال: مولى أم عربي؟ قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل البصرة؟ قلت: الحسن، وابن سيرين.
قال: موليان أم عربيان؟ قلت: موليان.
قال: فمن فقيه أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي.
قال: مولى أم عربي؟ قلت: لا، بل عربي.
قال: كادت تخرج نفسي.
أقول: إن اصطلاح أهالي الديار الرومية في هذه الأيام إطلاق لفظ الموالي على العلماء الكبار منهم، سواء كانوا من قسم الموالي المذكورين هنا، أم من الأحرار أباً وجدا، من غير أن يمسهم أو يمس أحداً منهم الرق، والسبب في ذلك - والله تعالى أعلم - أنهم لما رأوا غالب العلماء من طائفة الموالي، أطلقوا هذا على علمائهم تشبهاً بهم، وتقليداً لهم، ومنعوا من إطلاقه على غير أهل العلم، ثم طال الأمد، وقصرت الهمم، وتساهلت الناس في إطلاق الألقاب، على غير ذوي الألباب، وشارك الفاضل المفضول، وتساوى العالم بالجهول،
وصار من ليس لهُ منْصِبٌ ... يُقال عنه جاهلٌ يَمْذُقُ
ومَن غدا بالمال ذا ثروةٍ ... يُقال عنه عالمٌ مُفْلِقُ
مَوْلَى الموالي كلِّهم وهو بالْ ... حقِّ غَبِيٌ جاهلٌ أحمقُ
الجزء 1 · صفحة 44
والعلمُ عندَ الله لا يُرْتجىَ ... به نوالٌ لا ولا يُرْزَقُ
ولا ترى عنه امْرَءاً سائلاً ... ولا به يُعْطَى ولا يُنْفِقُ
وهذا ولم يبق من يستحق أن يوصف بالمولوية بالديار الرومية، على الوجه الأكمل، والوصف الأجمل، إلا جماعة يسيرة، ذُكر آباؤهم في هذه الطبقات، ووفينا كلاً منهم حقه، أدام الله تعالى بهم جمال هذه الدولة العُثمانية بمنه وكرمه.
وأما ما يُنسب إلى أبي حنيفة من الشعر فكثير، منه قوله:
إن يحسُدُوني فإنِّي غيْرُ لاَئمهمْ.............
البيتين السابقين.
ومنه قوله وقد اتفق له مع شيطان الطاق في الحمام لما رآه الإمام مكشوف العورة، ونهاه عن ذلك، ما هو مشهور، وهو:
أقول وفي قولي بلاغٌ وحِكمةٌ ... وما قلتُ قَوْلاً جئتُ فيه بمُنكَرِ
ألا يا عباد الله خَافُوا إلهَكمْ ... فلا تدخلوا الحمَّامَ إلاَّ بمِئزرِ
وأما ما كان يتمثل به أبو حنيفة من الشعر، وما مدح به رضي الله تعالى عنه من النظم، فكثير لا يدخل تحت الحصر، ومنه قول بعضهم:
لأبي حنيفةَ ذي الفَخارِ قراءة ... مشهورةٌ مَنْخُولةٌ غَرَّاءُ
عُرضِتْ على القُرَّاءِ في أيامِهِ فتعجَّبَتْ من حُسْنِها القُراءُ
لله در أبي حنيفة إنهُ ... خضَعَتْ له القُرَّاء والفقهاءُ
خلَف الصَّحابة كلَّهم في علمهمْ ... فتضاءلَت لِجَلالِهِ العُلماءُ
سُلطانُ مَن في الأرضِ من فقهائها وهمُ إذا أفتَوا له أصدَاءُ إن المِياهَ كثيرةٌ لكنَّهُ فَضَلَ الميَاهَ جَمِيعَهَا صَدَّاءُ قال ابن الشحنة: وكأن " أصداء " هذا جمع صدى بالقصر، وهو الذي يجيبك مثل صوتك في الجبال وغيرها، إشارة إلى أن الأصل منه نشأ وعنه أخذ؛ لأنه كان كافل الفقهاء ومُربيهم، لأنهم عياله، كما نص عليه الشافعي. انتهى.
وفي هذه الأبيات تصريح بأن الإمام، رضي الله تعالى عنه، كان من المتقدمين في فن القراءات، كما هو من المتقدمين السابقين في علم الفقه، وهو كذلك، فقد أفردوا بالتآليف قراءته التي انفرد بها، ورووها عنه بالأسانيد.
وممن افردها بالتآليف أبو القاسم الزمخشري، وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهُذلي البسكري، بموحدة وسين مهملة، في كتابه المعروف ب " الكامل "، وغيرهما.
وممن روى عنه القراءة أبو يوسف، ومحمد، رحمهما الله، وغيرهما.
وحروفه معروفة مذكورة في " المناقب "، وغيرها.
وقد وضع بعض الحساد قراءات، ونسبها إليه، فأظهر الله الحق، ومحق الباطل، وجوزي كلٌّ بفعله.
وقال صاحب المناقب يمدحه:
رَسُولُ الله قال سِراجُ ديني ... وأمَّتِي الهُداة أبو حنيفَة
غدا بعد الصَّحابةِ في الفتاوى ... لأحْمَدَ في شريعته خليفَهْ
وقال غيره، يصفه بالعلم والعبادة، من أبيات:
نهارُ أبي حنيفة للإفادة ... وليل أبي حنيفة للعبادَهْ
وَوَدَّعَ نوْمَهُ خمسين عَاماً ... لِطَاعَتِه وَخَدَّاهُ الوِسَادَهْ
وكان يحيى بن معين إذا ذكر من يتكلم في أبي حنيفة، يقول:
حَسَدُوا الفتى إذ لم ينالُوا سَعْيَهُ ... فالقومُ أعْداءٌ لهُ وخُصومُ
كضَرائرِ الحَسْناء قُلْنَ لوَجْهِها ... حَسَداً وَبَغْياً إنَّه لذَميمُ
وقيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون في أبي حنيفة، فقال:
ما يَضُرُّ البَحْرَ أمْسَى زاخراً ... أن رَمَى فيه غلامٌ بِحَجَرْ
ثم أنشد:
إن يحسدوني فزاد الله في حَسَدي ... لا عاش من عاش يَوماً غَيرَ مَحْسُودِ
ما يُحْسَدُ المرء إلا مِنْ فضائِلِه ... بالعلم والبأس أو بالمجْدِ والجُودِ
وقال:
فازدادَ لي حَسداً مَن لستُ أحْسُدُه ... إنَّ الفضيلةَ لا تخلو عن الحَسَدِ
وقال:
ما ضَرني حَسَدُ اللِّئامِ ولم يَزلْ ... ذو الفضلِ يحسُدُهُ ذَوو النُّقْصانِ
يا بُوسَ قومٍ ليس ذَنبي بَيْنَهُمْ ... إلا تظاهُرَ نعمَةِ الرّحمنِ
والله درُّ الشريف الرضي، حيث يقول:
الجزء 1 · صفحة 45
نَظرُوا بعَيْنِ عَدَاوَةٍ وَلَوَ أنها ... عَينُ الرِّضَا لاسْتَحْسَنُوا ما اسْتَقْبحُوا
يُولُونَني شَزْرَ العُيُونِ لأنَّني ... غَلَّسْتُ في طَلَبِ العُلَى وتصبَّحُوا
ومما أنشده صاحب المناقب في مدح الإمام، وذكر واقعته مع أبي هبيرة، قوله:
أرضيت نَفْسَك ضَارب النُّعمانِ ... فكسبتَ جَهلاً سَخطةَ الرَّحمنِ
ما زلت تُنقُصُ لا تزيدُ بضَربهِ ... يا بئسَ ما قدَّمتَ للميزانِ
أضَربْت عابِدَ رَبِّه في ليله ... ونهارهِ يا عَابِدَ الشَّيْطَانِ
أعْطَيْتَه الدنيا ولكن رَدَّها ... رَدَّ التقيِّ الخائف الرباني
حَرّ السَّياط قد ارتضى كي لا يرى ... يَوم الجَزاءِ مَقامعَ النِّيرانِ
مَا ذَلَّ يا ابن هُبيرة بالضَّربِ مَنْ ... مَلأ الفُؤادَ بعِزِّةِ الإيمَانِ
ولصاحب المناقب أيضاً في مدحه قوله:
غدا مذهبُ النعمان خير المذاهب ... كما القَمرُ الوَضَّاحُ خيرُ الكواكب
تفقَّه في خيرِ القرونِ مع التُقَي ... فمذهبهُ لا شَكَّ خيرُ المذاهبِ
ولا عيبَ فيه غيرَ أنَّ جميعَه ... حَلا إذْ تخلى عن جميع المعايب
لأنَّ عِداهُ قد أقرُّوا بحُسْنِه ... وإقرارُهم بالحسنِ ضربَةُ لازِبِ
وكان له صَحبٌ بُنودُ عُلومِهم ... تُجلِّى عن الأحْكام سُجْفَ الغَياهِبِ
ثلاثةُ آلافٍ وألفٌ شيوخُه ... وأصحابُه مثلُ النجوم الثَّواقِبِ
وله أيضاً يمدحه:
نُعمانُ فحل العلم يَعسُوبُ الهُدى ... في خير قَرن قد أتى وقرَانِ
نُعْمَانُ كانَ سِراجَ أفضللِ أُمَّةٍ ... لكنْ سِرَاجاً دائمَ اللَّمَعَانِ
الفِقْهُ في نادِيه مُجْتَمِعُ النَّوى ... راسي القَواعدِ شامِخُ البُنيانِ
وشقائِقُ النُّعْمَانِ في بَهَجاتِها ... هَزأتْ بهنَّ دَقائِقُ النُّعمَانِ
كم قد رَمَوْهُ بمُعْضلاتٍ رَدَّهَا ... بجَوابِ حَقٍّ سَاطعِ البُرْهَانِ
وعن سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الوراق، وكان رجلاً صالحاً، في أبي حنيفة، وله فيه رأي:
إذا ما الناس يوماً قَايَسُونَا ... بمُعْضِلةٍ من الفُتيَا لَطِفَهْ
أَتيْنَاهُمْ بمِقْياسٍ صَحيحٍ ... بَديعٍ مِن طِرَاز أبي حَنيفه
إذا سَمعَ الفقيهُ به وَعَاهُ ... وأثبَتهُ بحِبْرٍ في صَحِفهْ
وعن الحسن بن الربيع، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول:
رأيتُ أبا حنيفة كلَّ يَوْمٍ ... يزِيدُ نَباهَةً ويَزيدُ خِيراً
ويَنْطِقُ بالصَّوابِ ويصْطفِيهِ ... إذا ما قال أهلُ الحقِّ حُورا
يُقايسُ مَن يُقايسُه بلُبٍّ ... ومَن ذا تجعلُونَ له نَظيراً
كَفانا فَقْدَ حَمَّاد وكانتْ ... مُصِيبتُنا به أمْراً كَبيراً
رَأيتُ أبَا حنيفةَ حين يُؤتَى ... ويُطلبُ عِلمهُ بَحْراً غَزيراً
إذا ما المُشْكِلاتُ تدافعَتْها ... رِجَالُ العِلم كانَ بهَا بَصيراً
وقال بعضهم يرثيه بقصيدة، أظنها لصاحب " المناقب "، منها:
لقَدْ طَلَعَ النُّعمانُ من أرْضِ كوفةٍ ... كَغُرَّةِ صُبْحٍ يَسْتّفِيضُ انبلاجُهَا
هو المُرتَى في الدِّين والمُقتدى به ... وصَدرُ الورَى في الخافقيْنِ وتاجُها
إذا مرض الإسلامُ والدِّينُ مَرْضَةً ... فمِن نُكَتِ النُّعمانِ يُلفى عِلاجُها
وإن كسَدتْ سُوقُ الهُدى ونوجَّعت ... فمِن مذهب النُعمان أيضاً رواجُهَا
وَإنْ فُتِحتْ أبْوابُ جهْلٍ وبِدْعَةٍ ... على الناسِ يَوْمَاً كان من رتَاجُها
وإن غُمَّةٌ فمِنهُ انْجلاؤُهَا ... وإن شِدةٌ ضاقت فمِنه انْفراجُها
الجزء 1 · صفحة 46
سَقَاهُ إلهُ الخَلْق في الخُلْدِ شَرْبةً ... بكأسٍ من الكافُورِ كان مِزاجُهَا
وقال عبد الله بن صهيب الكلبي: كان أبو حنيفة يتمثل كثيراً بهذين البيتين، وهما:
عَطاء العَرْشِ خيرٌ من عطائِكمُ ... وسَيْبُهُ واسِعٌ يُرْجَى ويُنتظَرُ
أنتم يُكدِّرُ مَا تُعْطُونَ مَنُّكُمُ ... والله يُعْطي فلا مَنٌ ولا كَدَرُ
هذا، وما قيل في حق الإمام من المديح، وما رُثي به، وما مدح به، وما تمثل به هو، أو تمثل به الغير عند ذكره، فأمر لا يدخل كما قلنا تحت الحَصر، وفيما ذكرناه منه كفاية، والله تعالى أعلم.
فصل
في ذكر بعض ما يؤثر من إجابة الدُعاء عند قبره، وبعض المنامات التي رآها له الصالحون قبل موته، وبعد موته
فمن ذلك ما روي عن الإمام الشافعي، أنه كان يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة رضي الله عنه، وأجى إلى قبره كل يوم، وكنت إذا عَرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة، فما تبعد عني حتى تُقضى.
وقال أبو يوسف: رأيت أبا حنيفة في المنام، وهو جالس على إيوان، وحوله أصحابه، فقال: إيتوني بقرطاس ودواة. فقمت من بينهم وأتيته بهما، فجعل يكتب، فقلت: ما تكتب؟ قال: أكتب أصحابي من أهل الجنة.
فقلت: أفلا تكتبني فيهم؟ قال: نعم.
فكتبني في آخرهم.
وعن أبي مُعاذ، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله، ما تقول في علم أبي حنيفة؟ فقال: ذلك علم يحتاج إليه الناس عند الحُكم.
وعن بعضهم، قال: كنتُ في حلقة مُقاتل بن سليمان، إمام أهل التفسير في زمانه، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا الحسن، رأيت البارحة في المنام كان رجلاً من السماء نزل، ثيابه بيض، وقام على المنارة الفُلانية ببغداد، وهي أطول منارة بها، فنادى: ماذا فقد الناس!! فقال له مقاتل: لئن صدقت رؤياك ليفقدن أعلم الناس.
فأصبحنا فإذا أبو حنيفة قد مات.
وعن ابن بسطام، أنه قال: صحبت أبا حنيفة اثنتي عشرة سنة، فما رأيت أفقه منه، ورأيت ليلة كأن القيامة قد قامت، وإذا أبو حنيفة ومعه لواء وهو واقف، فقلت له: ما بالك واقفاً؟ قال: أنتظر أصحابي، لأذهب معهم.
فوقفت معه فرأيت جماعة عظيمة اجتمعت عليه، ثم مضى ومعه اللواء، ونحن نتبعه.
فأتيته فذكرت ذلك له، فجعل يبكي، ويقول: اللهم اجعل عاقبتنا إلى خير.
وعن أزهر، أنه قال: كنت زاهداً في علم أبي حنيفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفه رجلان، فقيل لي: المُتقدم هو النبي صلى الله عليه وسلم، واللذان خلفه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
فقلت لهما: أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ؟ فقالا لي: سَل، ولا ترفع صوتك.
فسألته عن علم أبي حنيفة.
فقال: هذا علمٌ انتسخ من علم الحضرة.
وعن السري بن طلحة، قال: رأيت أبا حنيفة في النوم جالساً في موضع، فقلت ما يجلسك هنا؟ قال: جئت من عند رب العزة سبحانه وتعالى، وقد أنصفني من سفيان الثوري.
وعن مسدد بن عبد الرحمن البصري، قال: نمت بين الركن والمقام، فإذا أنا بآتٍ قد دنا مني، فقال لي: أتنام في هذا المكان، وهو مكان لا يحجب فيه دعاء!.
فانتبهت من نومي، فقمت مبادراً أدعو الله للمسلمين والمؤمنين إلى أن غلبتني عيناي، فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فدنا مني، فقلت يا رسول الله، ما تقول في هذا الرجل الذي بالكوفة، يُقال له النعمان، أأخذ من علمه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذ من علمه، واعمل به، فنعم الرجل هو.
فقمت من نومي، فإذا مُنادى صلاة الغداة، ولقد كنت، والله، من أكره الناس للنعمان، وأنا أستغفر الله مما كان مني.
ويُحكى أن أبا حنيفة رضي الله عنه، رُثي في المنام على سرير في بستان، ومعه رق عظيم، يكتب جوائز قوم، فسُئل عن ذلك، فقال: إن الله قبل عملي ومذهبي، وشفعني في أصحابي، وأنا أكتب جوائزهم.
ومنامات الصُلحاء والأولياء، التي رؤيت له في مثل ذلك كثيرة، وهذا اليسير منها كافٍ لمن بصره الله تعالى، ولم ينظر بعين الحمية، وقوة العصبية.
نبذ يسيرة من مناقب الإمام وفضائله،
وما يؤثر عن من المحاسن، وحسن الاعتقاد
الجزء 1 · صفحة 47
وهي وإن كان مَحلها الفصول المُتقدمة، فقد ذكرناها هُنا على حِدة، لما أنها وقعت إلينا بعد الانتهاء من الترتيب المتقدم، لأن النفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التوفيق: روي عن علي بن مُسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحج، فشيعه أهل الكوفة، وأنا فيهم، فلما أتى القادسية، رأوه مَغموماً، فقالوا له: مالك؟.
قال: أعليُّ بن مسهر شيعنا؟.
قالوا: نعم.
قال: ادعوه لي.
فدعوني، وقد كان عرفني بمجالسة أبي حنيفة، فقال: ارجع إلى المِصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك.
فرجعت، فسألته، فأملى علي، ثم أتيت بها الأعمش.
وعن أبي مُعاوية، قيل للأعمش في علته: لولا أن أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرتين في اليوم.
فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلونني لما أصنع بهم في الحديث، وقد زدتني أنت عندهم ثقلاً، قالوا لي كيت وكيت.
فقال له: لولا العلم الذي يُجريه الله على لسانك ما رأيتني ولا أحداً من أصحابي ببابك، وذلك أن فيك خِصالاً أنا لها كارهٌ، تتسحر عند طلوع الفجر، وتقول: هو الأول. وقد صح عندي أنه الثاني، وترى الماء وتُفتي به، وتجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل، أنت ولا هي، ولولا أنك تتأول من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلمك، ولكنك تتأول شيئاً غيره، والله أولى بك.
فما تسحر الأعمش بعد ذلك إلا بالليل، ولا قرب أهله إلا اغتسل وأمرها بالغسل، وقال: صيام وصلاةٌ يكونان باختلاف، والله لا أفتيت بذلك أبداً.
وعن عبد الصمد بن حسان، قال: كان سفيان الثوري يختلف إلى أبي حنيفة، فوقعت بينهما وحشة، فقعد عنه، ثم عاد إليه، فجلس مُتقنعاً، فسئل أبو حنيفة عن مَسألة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟ قال: إني أستيقن أنها كما أجبت، كما أستيقن أن هذا سُفيان.
ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحركه ابن المبارك.
وقال عبد الصمد أيضاً: قلتُ لأبي عبد الله سفيان الثوري: ما تقول في الدعوة قبل الحرب؟ فقال: إن القوم قد علموا ما يُقاتلون عليه.
فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها ما قد بَلغك.
فنكس رأسه، ثم رفعه، وأبصر يمينً وشمالاً فلم ير أحداً، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب في العلم أحد من سنان الرمح، وكان، والله، شديد الأخذ للعلم، ذاباً عن المحارم، مُتبعاً لأهل بلده، لا يستحيل أن يأخذ إلا بما يصح عنده من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثقات، والأخير من فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وما أدرك عليه عامة أه لالكوفة، حيث وجد الحق أخذ به، وجعله دينه، وقد شنع عليه قوم بما نستغفر الله منه، بل كان منا اللفظة بعد اللفظة.
قال: فقلت أرجو أن يغفر الله لك ذلك.
وعن قاسم بن آدم، قال: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة.
قال: إن أبا حنيفة عليم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئاً، فحسدوه.
*وحدث أبو سفيان الحميري، قال: قال ابن شبرمة: كنت شديد الإزراء على أبي حنيفة، فحضر الموسم، وكنت حاجاً يومئذٍ، فاجتمع عليه قوم يسألون، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال،: يا أبا حنيفة، قصدتك عن أمر قد أهمني، أو أعجزني.
قال: ما هو؟ قال: لي ولد ليس لي غيره، فإن زوجته طلق، وإن سريته أعتق، وقد عجزت عن هذا، قهل من حيلة؟ فقال له للوقت: اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه هو، ثم زوجها منه، فإن طلقها رجعت مملوكتك، وإن أعتق أعتق ما لا يملك.
قال: فعلمت أن الرجل فقيه من يومئذ، فكففت عن ذكره إلا بخير.
وروى عن الليث بن سعد، أنه كان يقول: كنت أسمع بذكر أبي حنيفة، وأتمنى أن أراه، فكنت يوماً في المسجد الحرام، فرأيت حلقة عليها الناس منقضين، فأقبلت نحوها، فرأيت رجلاً من أهل خراسان أتى أبا حنيفة، فقال: أنا رجل من أهل خُراسان، كثير المال، وأن لي أبناً ليس بالمحمود. وليس له ولد غيره، وذكر نحو ما تقدم.
قال الليث: فوالله ما أعجبني قوله بأكثر مما أعجبني سرعة جوابه.
*وعن عثمان بن زائدة، قال: كنت عند أبي حنيفة، فقال له رجل: ما قولك في الشرب في قدح أو كأس في بعض جوانبه فضة؟ فقال: لا بأس به.
فقال عثمان: فقلت له: مالحجة في ذلك؟
الجزء 1 · صفحة 48
فقال: إنما ورد النهي عن الشرب في إناء الفضة والذهب، فما كان غير الفضة والذهب فلا بأس بما كان فيه منهما.
ثم قال: يا عثمان، ما تقول في رجل مر على نهر، وقد أصابه عطش، وليس معه إناء، فاغترف الماء من النهر، فشربه بكفه، وفي أُصبعه خاتم؟ فقلت: لا بأس.
قال: فهذا كذلك.
قال عُثمان: فما رأيت أحضر جواباً منه.
*وعن زفر بن الهديل، قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وجماعة من العلماء، في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضة، فأبوا أن يستعملوه؛ لحال المُدهن، فأخذه أبو حنيفة، وسلته بأصبعه، وجعله في كفه، ثم تطيب به، وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أتى بخبيص في جام فضة، فقلبه على رغيف، ثم أكله.
فتعجبوا من فطنته وعقله.
وعن أبي الوليد الطيالسي قال: قدم الضحاك الشاري الكوفة، فقال لأبي حنيفة: تب.
فقال: مم أتوب؟ فقال: من قولك بتجويز الحكمين.
فقال: أبو حنيفة: تقتلني أو تناظرني.
قال: بل أناظرك.
قال: فإن اختلفنا في شيء مما تناظرنا فيه، فمن بيني وبينك؟ قال: اجعل أنت من شئت.
فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضحاك: اقعد بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا.
ثم قال الضحاك: أترضى بهذا بيني وبينك؟.
قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: فأنت قد جوزت التحكيم.
فانقطع الضحاك.
*وعن ابي يوسف، قال: بعث ابن هبيرة إلى أبي حنيفة، وعنده ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، فسألهم عن كتاب صُلح الخوارج، وكانت بقيت بقية من الخوارج، من أصحاب الضحاك الخارجي، فقالت الخوارج: نريد أن نكتب لنا صُلحاً، على أن لا نؤخذ بشيءٍ أصبناه في الفتنة، ولا قبلها، لا الأموال، ولا الدماء.
فقال ابن شبرمة: لا يجوز لهم الصلح على ذلك، على هذا الوجه، لأنهم يؤخذون بهذه الأموال والدماء.
وقال ابن أبي ليلى: الصلح لهم جائز في كل شيءٍ.
قال أبو حنيفة: فقال لي ابن هبيرة: ما تقول أنت؟ فقلت: أخطأ جميعاً.
فقال ابن هبيرة: أفحشت، فقل أنت.
فقلت: القول في هذا، إن كان مال ودم أصابوه من قبل إظهار الفتنة، فإن ذلك يؤخذ منهم ولا يجوز لهم الصلح عليه، وأما كل شيء أصابوه من مال ودم في الفتنة، فالصلح عليه جائز، فلا يؤخذون به.
فقال ابن هبيرة: أصبت، وقلت الصواب، هذا هو القول.
وقال: يا غلام، اكتب ما قال أبو حنيفة.
*وعن علي بن عاصم، قال: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر، اختلطت، ثم ضاع درهمان من الثلاثة، لا يعلم أيها هما.
فقال: الدرهم الباقي بينها أثلاثاً.
قال علي: فلقيت ابن شبرمة، فسألته عنها. فقال: سألت عنها أحداً غيري؟ قلت: نعم، سألت أبا حنيفة عن ذلك، فقال: يُقسم الدرهم الباقي بينهما أثلاثاً.
قال: أخطأ أبو حنيفة، درهم من الدرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدرهمين، والدرهم الباقي بعد الماضيين يحتمل أن يكون الدرهم الباقي من الدرهمين، ويحتمل أن يكون الدرهم المنفرد المختلط بالدرهمين، فالدرهم الذي بقى يكون بينهما نصفين.
قال ابن عاصم: فاستحسنت ذلك، ثم لقيت أبا حنيفة، فوالله لو وزن عقله بنصف عقول أهل المصر، يعني الكوفة، لرجح بهم، فقلت له: يا أبا حنيفة: خولفت في تلك المسألة. وقلت له: لقيت ابن شبرمة، فقال: كذا.
فقال أبو حنيفة: إن الثلاثة حين اختلطت ولم تتميز، رجعت الشركة في الكل، فصار لصاحب الدرهم ثلت كل درهم، ولصاحب الدرهمين ثلثا كل درهم، فأي درهم ذهب فعلى هذا.
وعن أبي يوسف، قال: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكة، فاختلف بمكة، فاختلف الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطاناً تصور في صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا؛ فسألنا عنها، وسأل بعضنا بعضاً، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا ليس شيخنا حاضراً، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدي بالكلام.
فلما قدم أبو حنيفة تلقيناه بالقادسية، فسألنا عن الأهل والبلد، فأجبناه، ثم قلنا له بعد ذلك: رضي الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟ فكأنه كان في قلوبنا، وأنكرنا، وظن أنه وقعت مسألة معنتة، وأنا قد تكلمنا فيها بشيءٍ فقال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا.
فأمسك ساكتاً ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قُلنا: لم نتكلم فيها بشيءٍ، وخشينا أن نتكلم فيها بشيءٍ فتنكره.
الجزء 1 · صفحة 49
فسرى عنه، وقال: جزاكم الله خيراً، احفظوا عني وصيتي: لا تكلموا فيها ولا تسألوا عنها أبداً، انتهوا إلى أنه كلام الله عز وجل، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم.
*وسئل حفص بن مسلم عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر.
فقال ابنه سالم: هل يخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ فقال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا، وما علمت منه غيره، ولو علمت منه غيره لم أصحبه.
قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه، فِقهاً وعلماً وورعاً، وكان محنة، يعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم، فأبى.
*وعن أبي مقاتل: سمعت أبا حنيفة يقول: الناس عندنا على ثلاث منازل؟ الأنبياء من أهل الجنة، ومن قالت الأنبياء إنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة.
والمنزلة الأخرى المشركون، نشهد عليهم انهم من أهل النار.
والمنزلة الثالثة المؤمنون: نقف عنهم، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة ولا من أهل النار؛ ولكنا نرجو لهم، ونخاف عليهم، ونقول كما قال الله تعالى: (خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أنْ يَتُوُبَ عَلَيْهِمْ) ، حتى يكون الله عز وجل يقضي بينهم، وإنما نرجو لهم، لأن الله عز وجل يقول: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلكَ لِمَنْ يَشَاء) ، ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم، وليس أحدٌ من الناس أوجب له الجنة ولو كان صواماً قواماً غير الأنبياء، ومن قالت فيه الأنبياء إنه من أهل الجنة.
*وعن أبي مقاتل أيضاً، عن أبي حنيفة، قال: الإيمان هو المعرفة، والتصديق، والإقرار بالإسلام.
قال: والناس في التصديق على ثلاث منازل: فمنهم من صدق الله، وما جاء منه بقلبه ولسانه.
ومنهم من صدق بلسانه، وهو يكذبه بقلبه.
ومنهم من يصدق بقلبه ويكذب بلسانه.
فأما من صدق الله، وما جاء به رسوله عليه الصلاة والسلام، بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن.
ومن صدق بلسانه، وكذب بقلبه، كان عند الله كافراً، وعند الناس مؤمناً؛ لأن الناس لا يعلمون ما في قلبه، وعليهم أن يُسموه مؤمناً، بما أظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلفوا علم القلوب.
ومنهم من يكون عند الله مؤمناً، وعند الناس كافراً، وذلك أن يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه في حال التقية، فيسميه من لا يعرفه كافراً، وهو عند الله مؤمن. انتهى. وللإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وصية مشهورة، أوصى به أصحابهن تشتمل على كثير من أصول الدين، نقلها كثير من المؤرخين، يتعين إيرادها هنا، لما اشتملت عليه من صحيح الاعتقاد، ودفع الانتقاد، ورد كلام الحُساد، وهي هذه: قال، رضي الله تعالى عنه: اعلموا يا أصحابي وإخواني، أن مذهب أهل السنة والجماعة على اثنتي عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال لا يكون مبتدعاً، ولا صاحب هوى، فعليكم بهذه الخصال حتى تكونوا في شفاعة سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام: *الأولى، الإيمان، وهو إقرار باللسان، وتصديق بالجنان.
والإقرار وحدة لا يكون إيماناً؛ لأنه لو كان إيماناً لكان المنافقون كلهم مؤمنين.
وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيماناً، لأنها لو كانت إيماناً لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين.
قال الله تعالى في حق المنافقين: (وَاللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِِينَ لَكاذِبُونَ) .
وقال في حق أهل الكتاب: (الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ) .
والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمناً وكافراً.
والمؤمن مؤمن حقاً، والكافر كافر حقاً.
وليس في الإيمان شكٌ، كما أنه ليس في الكفر شكٌ، قال الله تعالى: (أُولئِكَ هُمُ المُؤمنُونَ حقاً) ، و (وَأُولئِكَ هُمُ الكَافِرونَ حَقاً) .
والعاصمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم مؤمنون حقاً، وليسوا بكافرين.
الجزء 1 · صفحة 50
والعمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل؛ بدليل أن كثيراً من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يُقال ارتفع عنهالإيمان، فإن الحائض رفع الله عنها الصلاة، ولا يجوز أن يُقال: رفع الله عنها الإيمان. وأمرها بترك الإيمان. وقال لها الشرع: دعي الصوم ثم أقضيه. ولا يجوز أن يقال: دعي الإيمان ثم اقضيه. ويجوز أن يقال: ليس على الفقراء زكاة. ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقراء إيمان.
وتقدر الخير والشر من الله تعالى؛ لأنه لو زعم أحد أن تقدير الخير والشر من غيره لصار كافراً بالله تعالى، وبطل توحيده، والله أعلم.
*والثانية، نقر بأن الأعمال ثلاثة؛ فريضة، وفضيلة، ومعصية.
فالفريضة بأمر الله تعالى، ومشيئته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والفضيلة ليست بأمر الله، ولكن بمشيئته، ومحبته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والمعصية ليست بأمر الله، لكن بمشيئته، لا بمحبته، وبقضائه، لا برضائه، وبتقديره، لا بتوفيقه، وبخذلانه، وعلمه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
*والثالثة، نقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى، أي استولى، من غير أن يكون جارحةٌ واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان مُحتاجاً لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره، ولو كان مُحتاجاً إلى الجلوس والقرار لكان قبل خلق العرش، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
*والرابعة، نقر بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق، ووحيه، وتنزيله، لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التحقيق، مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسنة، محفوظ في الصدور، غير حال فيها، والحبر والكاغد والكتابة مخلوق، لأنها أفعال العباد، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن، لحاجة العباد إليها.
وكلام الله تعالى قائم بذاته، ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فمن قال بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم، والله تعالى معبود لا يزال عما كان، وكلامه مقروء، ومكتوب، ومحفوظ في الصدور منغير مزايلة عنه.
والخامسة، نقر بان أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم أجمعين؛ لقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونُ السَّابِقُونَ أولئِكَ المُقَرَّبون في جَنَّاتِ النَّعِيمِ) .
وكل من كان أسبق إلى الخير فهو أفضل عند الله تعالى، ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي.
*والسادسة، نقر بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقاً، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة.
*والسابعة، نقر بأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، ولم يكن لهم طاقة؛ لأنهم ضعفاء عاجزون، فالله تعالى خالقهم ورازقهم؛ لقوله تعالى: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ) .
والكسب بالعلم والمال من الحلال حلال، ومن الحرام حرام.
والناس على ثلاثة أصناف؛ المؤمن المخلص في إيمانه، والكافر الجاحد في كفره، والمنافق المداهن في نفاقه.
والله تعالى فَرَض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان، وعلى المنافق الإخلاص؛ لقوله تعالى: (يَا أيُّهَا النَّاسُ أتَّقُوا رَبُّكُمْ) ، يعني يا أيها المؤمنون أطيعوا الله بالعمل الصالح، ويا أيها الكافرون آمنوا، ويا ايها المنافقون أخلصوا، والله أعلم.
*والثامنة، نقر بأن الاستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل، ولا بعد الفعل؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مُستغنياً عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النص؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مُستغنياً عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النص؛ لقوله تعالى: (واللهُ الْغَنِيُّ وَأنْتُم الْفُقَرَاءُ) ، ولو كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنه حصول بغير استطاعة، ولا طاقة.
*والتاسعة، نقر بأن المسح على الخفين واجب للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها؛ لأن الحديث ورد هكذا، فمن أنكر فإنه يُخشى عليه الكفر، لأنه قريب من الخبر المتواتر.
الجزء 1 · صفحة 51
والقصر والإفطار في السفر رخصة بنص الكتاب؛ لقوله تعالى: (وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرض فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) ، وفي الإفطار قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أخَرَ) .
*والعاشر، نقر بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: (وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) .
*والحادية عشر، نقر بأن عذاب القبر كائن لا محالة، وسؤال منكر ونكير حق؛ لورود الأحاديث، والجنة والنار حق، وهما مخلوقتان لأهلهما؛ لقوله تعالى في حق المؤمنين: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) . وفي حق الكافرين: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ) ، خَلقهما الله تعالى للثواب والعقاب، والميزان حق؛ لقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليَوْمِ الْقِيامَةِ) . وقراءة الكتب، لقوله تعالى: (اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَليْكَ حَسيباً) .
*والثانية عشر، نقر بأن الله تعالى يُحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثُهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، للجزاء والثواب، وأداء الحُقوق؛ لقوله تعالى: (وَأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُور) ، ولقاء الله تعالى لأهل الحق حق، بلا كيفية، ولا تشبيه، ولا وجه، وشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للكل من هو من أهل الجنة، وإن كان صاحب الكبيرة، وعائشة رضي الله تعالى عنها بعد خديجة الكبرى أفضل نِساء العالمين، وأم المؤمنين، ومطهرة من الزنا، بريئة عن ما قال الروافض، فمن شهد عليها بالزنا فهو ولد الزنل، وأهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار خالدون، لقوله تعالى في حق المؤمنين: (أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وفي حق الكفار: (أولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيها خَالِدُونَ) .
وللإمام رضي الله تعالى عنه، وصية أخرى، أوصى بها الإمام أبا يوسف، رحمه الله تعالى، لا بأس بإيرادها هنا؛ فإنها قد تضمنت كثيراً من لطائف الحكماء، ومحاسن الكلم، وفيها لمن تدبرها نفع كبير، وأدب غزير.
وقد نقلها الشيخ الفاضل زين بن نجيم، في آخر كتابه " الأشباه والنظائر "، ومنها نقلنا.
وقال رضي الله تعالى عنه: يا يعقوب، وقر السلطان، وعظم منزلته، وإياك والكذب بين يديه، والدخول عليه في كل وقت ما لم يدعك لحاجة؛ فإنك إذا أكثرت الاختلاف عليه تهاون بك، وصغرت منزلتك عنده، فكن منه كما أنت من النار، تنتفع منها، وتتباعد عنها؛ فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإياك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما قلته، ليرى من نفسه بين يدي حاشيته أنه أعلم منك وأنه يخطئك، فتصغر في أعين قومه. ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك وقدر غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه؛ فإنك إن كنت أدون حالاً منه لعلك ترتفع عليه فيضرك، وإن كنت أعلم منه لعلك تنحط عنه فتسقط بذلك من عين السلطان. وإذا عرض عليك شيئاً من أعماله، فلا تقبل منه إلا بعد أن تعلم أنه يرضاك، ويرضى مذهبك في العلم والقضايا؛ كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك في الحكومات. ولا تواصل أولياء السلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط، وتباعد عن حاشيته؛ ليكون مجدك وجاهك باقياً.
ولا تتكلم بين يدي العامة إلا بما تُسأل عنه.
وإياك والكلام في العامة والتجار إلا بما يرجع إلى العلم؛ كيلا يوقف على حبك ورغبتك في المال؛ فإنهم يسيسون الظن بك، ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرشوة منهم.
ولا تضحك، ولا تبتسم بين يدي العامة.
ولا تكثر الخروج إلى الأسواق.
ولا تكلم المراهقين فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلم الأطفال، وتمسح رءوسهم.
ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ والعامة، فإنك إن قدمتهم ازدري بعلمك، وإن أخرتهم ازدري بك من حيث إنهم أسن منك، قال النبي صلى الله عليك وسلم: " من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، فليس منا ".
ولا تقعد على قوارع الطريق، فإذا دعاك ذلك فاقعد في المسجد.
ولا تأكل في الأسواق والمساجد.
ولا تشرب من السقايات، ولا من أيدي السقائين.
ولا تقعد على الحوانيت.
ولا تلبس الديباج، والحلي، وأنواع الإبريسم؛ فإن ذلك يقضي إلى الرعونة.
الجزء 1 · صفحة 52
ولا تكثر الكلام في بيتك مع امرأتك في الفراش، إلا وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثر لمسها، ولا تقربها إلا بذكر الله تعالى، ولا تتكلم بأمر نساء الغير بين يديها ولا بأمر الجواري، فإنها تنبسط إليك في كلامك، ولعلك إذا تكلمت عن غيرها تكلمت عن الرجال الأجانب.
ولا تتزوج امرأة كان لها بعل، أو أب أو أم، أو بنت، إن قدرت، إلا بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها، فأن المرأة إذا كانت ذات مال يدعي أبوها أن جميع مالها له، وأنه عارية في يدها.
ولا تدخل بيت أبيها ما قدرت. وإياك أن ترضى أن تزف في بيت أبويها، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيها غاية الطمع.
وإياك أن تتزوج بذات البنين والبنات، فإنها تدخر جميع المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم؛ فإن الولد أعز عليها منك.
ولا تجمع بين امرأتين في دار واحدة. ولا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائجها.
واطلب العلم أولاً، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوج، فإنك إن طلبت المال في وقت التعلم عجزت عن طلب العلم، ودعاك المال إلى طلب الجواري والغلمان، وتشتغل بالدنيا والنساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد وتكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وترك العلم.
واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك؛ فإن كثرة الولد والعيال يشوش البال، فإذا جمعت المال فتزوج.
وعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة، والنصيحة لجميع الخاصة والعامة.
ولا تستخف بالناس، ووقر نفسك ووقرهم، ولا تكثر معاشرتهم إلا بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله أحيك.
وإياك أن تكلم العامة بأمر الدين في الكلام، فإنهم قوم يقلدونك، فيشتغلون بذلك.
ومن جاءك يستفتيك في المسائل، فلا تجب إلا عن سؤاله، ولا تضم إليه غيره؛ فإنه يشوش عليه جواب سؤاله.
وإن بقيت عشر سنين بغير كتب ولا قوة فلا تعرض عن اعلم، فإنك إن أعرضت عنه كانت معيشتك ضنكا.
وأقبل على مُتفقهيك كأنك اتخذت كل واحد منهم ابناً وولدا، يزيدهم رغبة في العلم.
ومن ناقشك من العامة والسوقة، فلا تُناقشه؛ فإنه يذهب ماء وجهك.
ولا تحتشم من أحدٍ عند ذكر الحق، وإن كان سُلطاناً.
ولا ترض لنفسك من العبادات إلا بأكثر مما يفعله غيرك، وتعاطاها؛ فإن العامة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثر مما يفعلون، اعتقدوا فيك قلة الرغبة، واعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلا ما نفعهم الجهل الذي هم فيه.
وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم، فلا تتخذ لنفسك، بل كن كواحد من أهله؛ ليعلموا أنك لا تقصد جاههم، وإلا يخرجون عليك بأجمعهم، ويطعنون في مذهبك، وتصير مطعوناً عندهم بلا فائدة.
وإن استفتوك في المسائل، فلا تناقشهم في المناظرة والمطارحات، ولا تذكر لهم شيئاً إلا عن دليل واضح، ولا تطعن في أساتذتهم، فإنهم يطعنون فيك.
وكن من الناس على حذر. وكن لله تعالى في سرك كما أنت في علانيتك، ولا يصلح أمر العلم إلا بعد أن يجعل سره كعلانيته.
وإذا ولاك السلطان عملاً، فلا تقبل ذلك منه، إلا بعد أن تعلم أنه إنما يوليك ذلك لعلمك.
وإياك أن تتكلم في مجلس النظر على خوف؛ فإن ذلك يورث الخلل في الألفاظ، والكلل في اللسان.
وإياك أن نكثر الضحك، فإنه يميت القلب.
ولا تمش إلا على طمأنينة. ولا تكن عجولاً في الأمور.
ومن دعاك من خلفك فلا تجبه، فإن البهائم تُنادى من خلف.
وإذا تكلمت فلا تكثر صياحك، ولا ترفع صوتك واتخذ لنفسك السكون وقلة الحركة؛ كي يتحقق عند الناس ثباتك.
وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس؛ ليتعلموا ذلك منك.
واتخذ لنفسك ورداً خلف الصلوات، تقرأ فيه القرآن، وتذكر الله تعالى، وتشكره على ما أودعك من الصبر، وأولاك من النعم.
واتخذ أياماً معدودة من كل شهر تصوم فيها؛ ليقتدي غيرك بك.
وارقب نفسك، وحافظ على الغير؛ لتنتفع من دنياك وآخرتك بعلمك.
ولا تشتر بنفسك ولا تبع، بل اتخذ لك مُصلحاً يقوم بأشغالك، وتعتمد عليه في أمورك، ولا تطمئن إلى دنياك، وإلى ما أنت فيه، فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك.
ولا تشتر الغلمان المرد.
ولا تظهر من نفسك التقرب إلى السلطان قربك؛ فإنه ترفع إليه الحوائج، فإن قمت اهانك، وإن لم تقم أعابك.
الجزء 1 · صفحة 53
ولا تتبع الناس في خطاياهم، بل اتبع في صوابهم.
وإذا عرفت إنساناً بالشر فلا تذكره به، بل اطلب منه خيراً فأذكره به، إلا في باب الدين، فإنك إن عرفت في دينه ذلك فأذكره للناس؛ كيلا يتبعوه ويحذروه، قال عليه الصلاة والسلام: " اذكروا الفاجر بما فيه، حتى يحذره الناس "، وإن كان ذا جاه ومنزلة، فاذكر ذلك، ولا تبال من جاهه؛ فإن الله تعالى معينك وناصرك وناصر الدين، فإذا فعلت ذلك مرة هابوك، ولم يتجاسر أحد على إظهار البدعة في الدين.
وإذا رأيت من سلطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك إياه؛ فإن يده أقوى من يدك، تقول له: أنا مطيع لك في الذي أنت فيه سلطان، ومُسلط علي، غير أني أذكر لك من سيرتك مالا يوافق العلم. فإذا فعلت ذلك مع السلطان مرة كفاك؛ لأنك إذا واظبت عليه، ودمت، لعلهم يمقتونك، فيكون قمعاً للدين، فإذا فعل ذلك مرة أخرى، فادخل عليه وحدك في داره، وانصحه في الدين، وناظره إن كان مبتدعاً، وإن كان سلطاناً، فاذكر له ما يحضرك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن قبل منك، وإلا فاسأل الله تعالى أن يحفظك منه، واذكر الموت، واستغفر للأستاذ، ومن أخذت عنهم العلم، وداوم على التلاوة، وأكثر من زيارة القبور والمشايخ والمواضع المباركة.
واقبل من العامة ما يقصون عليك من رؤياهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ورؤيا الصالحين في المنازل، والمساجد، والمقابر.
ولا تجالس أحداً من أهل الأهواء إلا على سبيل الدعوة إلى الدين. ولا تكثر اللعب، والشتم.
وإذا أذن المؤذن فتأهب لخول المسجد؛ كيلا تتقدم عليك العامة.
ولا تتخذ دارك في جوار السلطان.
وما رأيت على جارك فاستره عليه؛ فإنه أمانة. ولا تظهر أسرار الناس.
ومن استشارك في شيء فأشر عليه بما يقربك إلى الله تعالى.
وإياك والبخل؛ فإنه تنتقص به المروءة.
ولا تك طماعاً، ولا كاذبا، ولا صاحب تخاليط، بل احفظ مروءتك في الأمور كلها.
والبس من الثياب البيض في الأحوال كلها.
وأظهر غنى القلب، مُظهراً في نفسك قلة الحرص، والرغبة في الدنيا. وأظهر من نفسك الغنى، ولا تظهر الفقر، وإن كنت فقيراً.
وكت ذا همة، فإن من ضعفت همته ضعفت منزلته.
وإذا مشيت في الطريق فلا تلتفت يميناً ولا شمالاً، بل داوم النظر إلى الأرض.
وإذا دخلت الحمام، فلا تساو الناس في أجرة الحمام، بل ارجح على ما تعطي العامة؛ لتظهر مروءتك بينهم، فيعظمونك.
ولا تسلم الأمتعة إلى الحائك وسائر الصناع، بل اتخذ لنفسك ثقة تفعل ذلك.
ولا تماكس بالحبات والدوانيق، ولا تزن بالدراهم، بل اعتمد على غيرك.
وحقر الدنيا المحقرة عند أهل العلم؛ فذلك أحفظ لحاجتك.
وإياك أن تكلم المجانين، ومن لا يعرف المناظرة والحجة من أهل العلم، والذين يطلبون الجاة ويستغرقون بذكر المسائل فيما بين الناس؛ فإنهم يطلبون تخجيلك، ولا يبالون منك وإن عرفوك على الحق.
زولإذا دخلت على قوم كبار فلا ترتفع عليهم بعالم يرفعوك لئلا يلحق بك منهم أذية.
وإذا كنت في قوم فلا تتقدم عليهم في الصلاة، ما لم يقدموك على وجه التعظيم.
ولا تدخل الحمام وقت الظهيرة أو الغداة.
ولا تحضر مظالم السلاطين، إلا إذا عرفت أنك إذا قلت شيئاً ينزلون على قولك بالحق، فإنهم إن فعلوا مالا يحل وأنت عندهم ربما لا تملك منعتهم، ويظن الذين هناك أن ذلك حق؛ لسكوتك فيما بينهم وقت الإقدام عليه.
وإياك والغضب في مجلس العلم.
ولا تقص على العامة؛ فإن القاص لا بد له أن يكذب.
وإذا أردت اتخاذ مجلس لأحدٍ من أهل العلم، فاحضر بنفسك، واذكر فيه ما تعلمه؛ كيلا يغتر الناس بحضورك، فيظنون أنه على صفة من العلم، وليس هو على تلك الصفة، فإن كان يصلح للفتوى فاذكر منه ذلك، وإلا فلا، ولا ليدرس بين يديك، بل اترك أحداً من أصحابك؛ ليخبرك بكيفية كلامه، وكمية علمه.
وفوض أمر المناكح إلى خطيب ناحيتك، وكذا صلاة الجنائز العيدين.
ولا تنسى من صالح دعائك.
واقبل هذه الموعظة مني. وإنما أوصيك لمصلحتك، ومصلحة المسلمين. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 54
هذا، وقد آن لنا أن نحبس عنان القلم عن الجري في ميدان لا غاية لمداه، وأن نكف لسان المقال عن تعداد مالا سبيل إلى حصره، وليس يدرك منتهاه، على أن ما أوردنا منه فيه مقنع لمن نور الله بصيرته، وطهر من دنس التعصب سريرته، وأحسن في السلف عقيدته، ولم ينكر لأحد من الناس فضيلته.
ولقد صنف الفضلاء في مناقب هذا الإمام الجليل كتباً لا تحصى، وأورد فيها من فضائله ومناقبه مالا يستقصى، وكل منهم معترف بأنه لم يبلغ من تعداد فضائله، وما يستحقه، وما كان عليه من العلم والعمل، عُشر معشاره، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ونحن نسأل الله تعالى، ونتوسل إليه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أن ينفعنا ببركات علومه في الدنيا والآخرة، وأن يجمع بيننا وبينه في جنات النعيم، إنه جواد كريم، رءوف رحيمٌ.
باب من اسمه آدم، وإبراهيم
1 - آدم بن سعيد بن أبي بكر الجبرتي الحنفي
نزيل مكة المشرفة. شاب قطنها مديماً للاشتغال على فضلائها، والواردين عليها، في الفقه، وأصوله، العربية، وغيرها، وللتلاوة على طريقة جميلة، وفاقةٍ.
ومن جملة شيوخه السراج معمر بن عبد القوي في العربية، وعبد النبي المغربي.
قال السخاوي: وسمع عليَّ وأنا بمكة من " الصحيح "، وغيره، وحضر عندي بعض الدروس.
مات في ليلة الأربعاء، خامس ذي الحجة، سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وصلى عليه من الغد، ودفن بالمعلاة رحمه الله تعالى.
2 - إبراهيم بن إبراهيم بن داود بن حازم الأسدي
بفتح السين، أسد خزيمة.
والد قاضي القضاة شمس الدين محمد.
من بيت العلم، والفضل.
وكان إبراهيم هذا فقيهاً منقطعاً.
تفقه عليه ولده قاضي القضاة.
ذكره في " الجواهر "، ولم يؤرخ له مولداً، ولا وفاة. والله تعالى أعلم.
3 - إبراهيم بن إبراهيم، الشهير بابن الخطيب الرومي
وهو أخو المولى المشهور بخطيب زاده أيضاً.
أخذ عن أخيه المذكور، وصار مدرساً بعدة مدارس، منها إحدى المدارس الثمان، ثم صار مدرساً بمرادية بروسة.
وتوفي وهو مدرس بها، في سنة عشرين وتسعمائة.
وكان من فضلاء بلاده المشهورين بالتقدم. رحمه الله تعالى.
4 - إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن عبد المنعم بن هبة الله ابن محمد بن عبد الباقي الحلبي
المعروف بابن الرهباني، وبابن أمين الدولة وأمين الدولة لقب هبة الله جده الأعلى - أبو إسحاق، كمال الدين.
ولد بحلب، في ربيع الأول، سنة خمسٍ وسبعين وستمائة، وسمع بها من سنقر الحلبي " صحيح البخاري " و " مشيخته "، وسمع من أبي بكر بن أحمد بن العجمي، وأخيه أبي طاهر إبراهيم بن عبد الرحمن بن الشيرازي، وغيرهم.
وولي وكالة بيت المال بحلب، ونظر الدواوين، وغيرهما.
وكان كاتباً مجيداً، رئيساً نبيلاً.
حدث بدمشق، وحلب، وسمع منه ابن ظهيرة.
وهو من شيوخ الحافظ أبي الوفاء سبط ابن العجمي، بالسماع.
مات في ليلة الأحد، ثامن جُمادى الأولى، سنة ست وسبعين وسبعمائة، رحمه الله.
5 - إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن سليمان، أبو إسحاق
الفقيه، الموصلي، الغزنوي الأصل
كان رحمه الله تعالى من كبار أصحاب الإمام برهان الدين أبي الحسن البلخي المشهور. تفقه عليه، وسمع منه الحديث، وكان معه بحلب.
قال ابن عساكر: وما أظنه روى شيئاً، وكذلك قال ابن العديم.
قالا: واستنابة برهان الدين بمدينة بصرى، ثم ولي التدريس بالمدرسة الصادرية وولي قضاء الرها بعد فتحها من أيدي الفرنج.
وذكر ابن عساكر أن والده هو الذي تولى القضاء بها.
قال: وتوفي يوم الأربعاء، ثاني عشر ذي الحجة، سنة ستين وخمسمائة، ودفن بجبل قاسيون، رحمه الله تعالى.
كذا ذكر هذه الترجمة في الجواهر " الجواهر المُضية "، ثم ذكر ترجمة مختصرة فيمن اسمه إبارهيم ابن محمد، وأرخ وفاة صاحبها كما هنا، ووعد في هذه الترجمة أن يذكر والد صاحبها أحمد في محله، ولم يذكره، فإما أن تكون الترجمتان لواحد، ويكون المؤلف أو الكاتب أسقط أباه أحمد، وجده إبراهيم، أو أن كل ترجمة منها لواحد غير الآخر، وقد اتفقا في الوفاة، والله تعالى أعلم.
6 - إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الجعفري الدمشقي
قال ابن حجر: برع في الفقه، وناب في الحُكم، ودرس.
وقال الولي العراقي: كان مشكوراً.
الجزء 1 · صفحة 55
مات في المحرم، سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
7 - إبراهيم بن أحمد بن أبي الفرج بن أبي عبد الله ابن السديد الدمشقي، أبو إسحاق
المنعوت زين الدين
كان إماماً بالمقصورة الكندية الشرقية بجامع دمشق، وتصدر بها لإقراء النحو.
وسمع من المحدث عمرو بن بدر الموصلي " مسند أبي حنيفة " رواية البلخي. وروى عنه المزي، وابن العطار.
وتوفي في جمادى الأولى، سنة سبع وسبعين وستمائة، بالمزة.
وكان مولده في شعبان، سنة أربع وستمائة. رحمه الله تعالى.
8 - إبراهيم بن أحمد بن بركة الفقيه الموصلي
له " شرح المنظومة "، وله " سلالة الهداية ".
كذا في " الجواهر ".
9 - إبراهيم بن أحمد بن عقبة بن هبة الله ابن عطاء بن ياسين بن زهير، أبو إسحاق، البصراوي، القاضي المُلقب بالصدر
تفقه ببصرى على الطوري، مدرس الأمينية، بها.
ودرس بالمدرسة الركنية بجبل قاسيون.
وولي قضاء حلب، ثم عزل، وأقام معزولاً مدة طويلة، ثم قدم إلى الديار المصرية، وتوصل إلى أن كتب تقليده بقضاء حلب، وعاد به إلى دمشق، فأقام بها مدة، فأدركه الحمام قبل بلوغ المرام، في يوم السبت، حادي عشر رمضان، سنة سبع وتسعين وستمائة، ودفن في غد ذلك اليوم.
وكان مولده ببصرى، سنة تسع وستمائة، رحمه الله تعالى.
وبصرى، بضم الباء وسكون الصاد المهملة وفتح الراء بهدها ألف.
10 - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن حمويه بن بندار ابن مسلمة، الفقيه، البياري، بكسر الباء الموحدة
سكن بيار، من أعمال قومس، وحدث بها عن أبي القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، في آخرين. وروى عنه ولده أبو أحمد.
قال في " الجواهر ": ذكره ابن النجار، وأسنده عنه حديثاً واحداً، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعاً، مَتنه: " اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا ".
11 - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن خضر ابن مسلم الدمشقي الحنفي
ولد في رمضان، سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
وناب في القضاء بمصر، ودرس وأفتى، وولى إفتاء دار العدل.
وكان جريئاً، مقداماً، ثم ترك الاشتغال بأخرة، وافتقر.
ومات في ربيع الأول، سنة ست عشرة وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
كذا ذكره السخاوي، نقلاً عن ابن حجر. رحمهما الله تعالى.
12 - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد - ثلاث محمدين - الخجندي، بضم الخاء وفتح الجيم، ثم المدني، برهان الدين، أبو محمد، ابن العلامة جلال الدين أبي الطاهر
أحد الأفاضل الأعيان، الذين سار بذكرهم الركبان.
ولد سنة تسع وسبعين وسبعمائة.
وسمع ابن صديق، والمراغي.
وأجاز له التنوخي، وابن الذهبي.
ودرس وصنف " شرحاً " على " الأربعين النووية ".
وله نظم، ونثر، وترسل.
مات في رجب، سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، بالمدينة النبوية، وقد جاوز السبعين.
كذا عده جلال الدين السيوطي في " أعيان الأعيان ".
وذكره السخاوي في " الضوء اللامع " بأبسط من ذلك، فقال: إنه ولد بالمدينة الشريفة في التاريخ المذكور، ونشأ بها، فحفظ القرآن العظيم، و " الكنز " و " الألفية "، و " الكافية " وتلا بالسبع على يحيى التلمساني الضرير، وغيره وأخذ النحو عنه أيضاً، وعن والده الجلال، وأخذ الفقه عن أبيه وغيره، وانتفع بأخيه، وسمع جماعة كثيرة، منهم البلقيني، وغيره.
وحج غير مرة.
وبرع في العربية، وتهانى الأدب، وجمع لنفسه " ديواناً "، وأنشأ عدة رسائل، بحيث انفرد في بلده بذلك.
وكان يترسل مع سميه البلقاني الباعوني، وكان يكتب الخط الجيد. وقد درس وحدث بالبخاري، وغيره.
وقرأ عليه ولده، وسمع منه الطلبة، ولقيه البقاعي، فكتب عنه، وزعم أن جيد شعره قليل، يتنقل من بحر إلى بحر، ومن لجة إلى قفر، وهو بالعربية غير واف، وكثير منه سفساف، وربما انتقل من الحضيض إلى السها، وكأنه ليس له.
قال السخاوي: إنما هو في مدح الناس، وإذا قال في الغرام أجاد.
وذكر أنه رأى في بعض الاستدعاءات مكتوباً قوله:
أجَزْتُ لَهُمْ أبْقَاهُمُ الله كُلَّ ما ... رَوَيْتُ عن الأشْيَاخِ في سَالِفِ الدَّهْرِ
ومَالِي مِن نَثْرٍ وَنَظْمٍ بِشَرْطِهِ ... على رأي مَن يَروي الحديثصَ وَمَن يُقْري
الجزء 1 · صفحة 56
وأسْألُ إحْسَاناً مِن القوم دَعْوةً ... تُحَقِّقُ لِي الآمالَ والأمْنَ في الحَشْرِ
ثم قال: وكان فاضلاً، بارعاً، ناظماً، ناثراً، بليغاً، كَيِّساً، حَسن المُجالسة، مُحباً للفائدة، لطيف المحاضرة، كثير النوادر والمُلح، ذا كرم زائد، وآداب وغرائب.
ومات في ثاني رجب، من التاريخ المذكور، ودفن في يومه بالبقيع، بعد الصلاة عليه بالروضة. رحمه الله تعالى.
وأورد من شعره المقريزي في " عقوده " قوله:
كُنْ جَوَابي إذا قَرأتَ كِتابي ... لا تَرُدَّنَّ لجوابِ كتابَا
أعفِني مِن نَعَمْ وَسَوْفَ ولي شُغْ ... لٌ وكُنْ خيْرَ مَن دُعِي فأجَابَا
13 - إبراهيم بن أحمد بن يوسف ابن محمد، برهان الدين، بن القاضي شهاب الدين أبي العباس، بن قاضي الجماعة الجمالي أبي المحاسن الدمشقي، ويعرف بابن القطب
سمع الحديث وناب في قضاء النفية، ثم خطب للقضاء استقلالاً ببذل شيء فأبى ذلك، فحبس، وضيق عليه إلى أن أجاب، وولي قضاء مصر استقلالاً.
وكان قبل ذلك قد طلب إلى القاهرة، وأخذ عنه بعض الطلبة.
ومات سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
كذا ذكره السخاوي.
وذكره في " الغُرف العلية "، فقال: ولد سنة سبع وعشرين وثمانمائة، واشتغل، وحصل، وبرع، وأخذ عن العلامة حميد الدين الحنفي.
ودرس، وأفتى، وناب في الحكم.
ولما عُين لقضاء الحنفية استقلالاً امتنع من قبوله، مع أهليته الزائدة، فحبس إلى أن قبله، وسار في الناس سيرة حسنة، وصار يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، على حسب ما يقتضيه زمانه.
وذكر أنه قرأ عليه، وأنه مات في التاريخ المذكور. انتهى.
14 - إبراهيم بن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إبراهيم ابن هبة الله بن طارق بن سالم الأسدي، الحلبي، نجم الدين، أبو إسحاق، ابن النحاس
ذكره صاحب " دُرة الأسلاك " فقال: رئيس أشرق نجمه، وأصاب الغرض سهمه، وظهر فضله وعلمه، وعلت همته وسما عزمه.
كان ذا نفس سخية، وأخلاق رضية، وتواضع وتلطف، وميل إلى فِعل الخير وتشوف.
كتب الحكم لبني العديم، ولازم التحلي بعقد بيتهم النظيم، واحسن إلى ذوي الطلب، ودرس بالجردبكية بحلب.
وكانت وفاته بها، وقد جاوز الستين، وذلك في سنة أربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
15 - إبراهيم بن أحمد البصراوي
ذكره في " الغرف العلية "، ونقل عن البرزالي أنه ولد سنة خمس وأربعين وستمائة، وانه قرأ القرآن، وسمع الحديث، وقرأ على الشيوخ كثيراً من الكتب والأجزاء، وكان مشهوراً بحسن القراءة.
وبعد ملازمته للطلب، والاشتغال بالعلم، خدم في الديوان، وحصل له دنيا وافرة.
ثم أنه رأى رؤيا أوجبت له التوبة، والإقلاع عما كان عليه، وحج، ولازم المسجد والتلاوة، وبقي على ذلك عشرين سنة، وعرض له صمم في آخر عمره.
ومات سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
16 - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عباد بن محمد، برهان الدين، أبو إسحاق بن أبي الفداء، العنبوسي - نسبة لقرية من نابلس - المقدسي الحنفي، الكتبي
ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ببيت المقدس.
ونشأ به، فقرأ القرآن، واشتغل في الفقه والتفسير على القاضي سعد الدين ابن الديري، ووالده.
وقرأ في الحديث على الشمس ابن المصري وابن ناصر الدين عبد الكريم القلقشندي، وغيرهما.
وباشر قراءة الحديث بالمسجد الأقصى، وكتب بخطه الكثير، وتميز في معرفة الشروط.
ونظم الشعر المتوسط، والغالب عليه فيه المجون، مع الخير، والسمت الحسن، والتواضع، والتفنع بتجليد الكتب.
ومن نظمه قوله:
في وَجْهِ حِبِّى آياتٌ مُبيَّنَةٌ ... فاعْجَبْ لآياتِ حُسْنٍ قد حَوَتْ سُوَرَا
فَنُونُ حَاجِبِه مَعْ صَاد مُقلتِه ... ونُونِ عارِضه قدْ حَيَّر الشُعَرَا
وقوله:
أنا المُقِلُّ وحِبي ... أذاب قلبي وُلوعُهْ
أبْكي عليه بجُهْدي ... جُهْدُ المُقِلَّ دُموعُهْ
ومن نظمه في مسائل الشهادة بالاستفاضة، قوله:
افْهَمْ مَسَائِلَ سِتَّةً واشْهدْ بها ... من غيرِ رُؤياها وغير وُقوفِ
نَسَبٌ ومَوتٌ والوِلادُ وناكِحٌ ... ووِلايةُ القاضي وأصلُ وُقوفِ
وله غير ذلك كثير.
الجزء 1 · صفحة 57
وكانت وفاته يوم الجمعة، عشري المحرم، سنة أربع وستين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
كذا لخصت هذه الترجمة من " الضوء اللامع ".
17 - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الطرزي، بالتحريك
من أهل دامغان.
ذكره أبو العلاء الفرضي، في " معجم شيوخه "، فقال: كان شيخاً فقيهاً، وعالماً فاضلاً، زاهداً عابداً، مُدرساً مُفتياً، عارفاً بأصول الفقه وفروعه، مُلازماً بيته، لا يخرج إلا إلى مسجده أو إلى الجامع.
وكان قد رحل إلى بخارى، وتفقه بها، ثم رجع إلى بلده، ولم يزل يُفتي ويدرس، إلى أن توجهت العساكر الأحمدية إلى خراسان، فعبروا على دامغان، وكانوا كُرجاً نصارى، فعذبوا أهلها، وعذب الشيخ في جملة من عُذب، وأصابته جراحات، فهرب إلى بسطام، فتوفي بها، ودفن هناك، في سنة اثنتين وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى.
18 - إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس، أبو إسحاق الزهري، القاضي، الكوفي
سمع جعفر بن عون المعمري، وإسحاق بن منصور السلولي، ويعلي بن عبيد الطنافسي.
روى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، ومحمد بن خلف وكيع، وأحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، وشعيب بن محمد الذارع، ويحيى بن صاعد، وعامة الكوفيين.
وولي قضاء مدينة المنصور بعد أحمد بن محمد بن سماعة.
وكان ثقة، خيراً فاضلاً، كيساً، ديناً، صالحاً.
قال محمد بن خلف وكيع: كتبت عنه، وهو على قضاء مدينة المنصور، في سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
وعن طلحة بن محمد بن جعفر، قال: صرف أحمد بن محمد بن سماعة، واستقصى مكانه إبارهيم بن إسحاق بن أبي العبس، وذلك في سنة خمس وثلاثين، وكان تقلد قضاء الكوفة، وهذا رجل جليل القدر، صالح العلم، حسن الدين، من أصحاب الحديث، حمل الناس عنه حديثاً كثيراً، وكان سبب صرفه أن الموفق أراد منه أن يدفع إليه أموال الأيتام على سبيل القرض، فأبى أن يدفعها، وقال: لا والله، ولا حبة منها. فصرفه عن الحكم في سنة أربع وخمسين ومائتين، ورد إلى قضاء الكوفة. انتهى.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء، لثلاث بقين من ربيع الآخر، سنة سبع وسبعين ومائتين، وقد بلغ ثلاثاً وتسعين سنة، رحمه الله تعال.
19 - إبراهيم بن إسحاق بن يحيى ابن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، الآمدي الأصل، الدمشقي، عفيف الدين، ابن فخر الدين
ولد بدمشق في ليلة عاشوراء، سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
وسمع من ابن مشرف، والتقي سليمان، وابن الموازيني، وغيرهم.
وأجاز له أبو الفضل ابن عساكر، وإسماعيل الفراء، وغيرهما.
وخرج له المحدث صدر الدين ابن إمام المشهد " مشيخة "، حدث بها بدمشق ومصر.
قال ابن حجر: سمع منه جماعة من أصحابنا، منهم المجد إسماعيل البرماوي وقريبه محمد بن عبد الدائم بن فارس، وأبو حامد ابن ظهيرة، وأبو محمد سبط ابن العجمي، وغيرهم.
قال: وهو من شيوخي الإجازة العامة.
وقد ولي نظر الأيتام والأوقاف، ثم نظر الجيش بدمشق، والجامع، وغير ذلك من المناصب الجليلة.
وكان مشكور السيرة، مُعظماً عند الناس.
وحصل له في آخر عمره صمم.
وحدث بمصر، ودمشق.
مات في ربيع الأول، سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
20 - إبراهيم بن أسعد بن أحمد، أبو العباي
من بيت علم وفضل.
روى عنه ابن ابنه نصر بن أحمد بن إبراهيم، الآتي ذكره في محله، إن شاء الله تعالى.
21 - إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بان يحيى، أبو إسحاق، الدمشقي، المعروف بابن الدرجي
ذكره الذهبي في " العبر "، وقال: روى عن الكندي، وأبي الفتوح البكري.
وأجاز له أبو جعفر الصيدلاني، وطائفة.
وحدث " بالمعجم الكبير " للطبراني.
وتوفي في صفر سنة إحدى وثمانين وستمائة. انتهى.
وذكر في " المنهل " أنه ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
قال: وكان ثقة، فاضلاً خيراً، ديناً.
روى عنه ابن تيمية، والمزي، والبرزالي، وابن العطار. وأجاز الذهبي.
وذكره الدُمياطي في " معجم شيوخه ".
22 - إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد
ابن إسحاق بن شيت بن نصر الأنصاري، الوائلي،
أبو إسحاق، الفقيه، المعروف بالصفار
من بيت العلم والفضل.
تفقه على والده، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 58
وسمع " الآثار " للطحاوي على والده، وكتاب " العالم والمتعلم " لأبي حنيفة، على أبي يعقوب السياري بقراءة والده، و " السير الكبير " لمحمد بن الحسن، على أبي حفص البزاز، وكتاب " الكشف في مناقب أبي حنيفة "، تصنيف عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي، على والده، وكتاب " الرد على أهل الأهواء " تصنيف أبي حفص الكبير.
وكان مولد إبراهيم هذا في حدود سنة ستين وأربعمائة.
نقله أبو سعد في " ذيله "، وقال: كان من أهل بخارى، موصوفاً بالزهد، والعلم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم.
ثم مات ببخارى في السادس والعشرين من ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
واشتغل عليه الجم الغفير، ومن جملتهم قاضي خان. رحمه الله تعالى.
23 - إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الكريم ابن سلطان اللبناني الحنفي، السيد برهان الدين
كذا ذكره في " الغرف العلية "، ثم قال: ذكره شيخنا ابن المبرد في " اختصار الدرر "، وقال: أخذ عن الفخر ابن البخاري، وأثنى عليه البرزالي، ووصفه بالكرم والمروءة.
وكانت وفاته سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
24 - إبراهيم بن إسماعيل
المعروف والده بإسماعيل المتكلم، صاحب كتاب " الكافي ".
قال في " الجواهر ": وهو إمام ابن إمام. رحمهما الله تعالى.
25 - إبراهيم بن أيوب بن أحمد الحنفي
كتب عنه سعيد بن عبد الله الدهلي الحنفي شعره.
ومنه قوله:
وحَبيبُ قلبي بالصُّدُودِ مُواصِلي ... مَاذا أقولُ وذَنْبُهُ مَغْفورُ
26 - إبراهيم بن أبي بكر بن محمود ابن إبراهيم بن محمود الحموي
شقيق عبد الرحمن، الآتي ذكره وذكر أبيهما في محله، إن شاء الله تعالى.
ولي قضاء الحنفية بعد أبيه، في سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة.
وكان له فضيلة، وهو أصغر من أخيه سناً وفضلاً. رحمه الله تعالى.
27 - إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم ابن محمد بن يوسف، أبو إسحاق الأنصاري الإسكندري، الكاتب، عُرف بابن العطار
ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وتأدب على أبي زكريا يحيى بن معطي النحوي، وجال في بلاد الهند، واليمن، والعراق، والروم.
قال منصور بن سليم، في " تاريخ الإسكندرية ": مات سنة تسع وأربعين وستمائة، فيما بلغني بالقاهرة.
قال منصور: ورأيته بالموصل، وبغداد، رحمه الله تعالى.
28 - إبراهيم بن أبي يزيد
- بالياء المثناة من تحت، ورأيت بعضهم ضبطه خطأ بالباء الموحدة،
والراء المهملة، مُصغراً -
الهندي الشيخ الإمام، العلامة، المُحقق، برهان الدين
نزيل القاهرة بالجوهرية، ثم شيخ القبانية.
كان من أفراد علماء عصره الأفاضل، ومن الفضلاء الأماثل.
قدم مكة فحج، وأخذ بها عنه الجم الغفير؛ منهم قاضيها البرهان ابن ظهيرة.
ثم قدم القاهرة، فنزل بالجوهرية، وشهر بالفضائل، وقصده الفضلاء، وأخذوا عنه في فنون متعددة.
ثم قرره الظاهر في مشيخه الحنفية بالقانبانية عوضاً عن ابن التفهني بحكم وفاته، ودام بها مدة.
وكان شكله حسناً، خيراً، ديناً، كثير الأدب.
توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
29 - إبراهيم بن الجراح بن صبيح التميمي
مولى بني تميم.
أصله من مرو الرود، وسكن الكوفة، ثم مصر، عُبيد الله بن السريّ القضاء بها، بعد امتناع إبراهيم بن إسحاق، وذلك في مُستهل جمادى الأولى، سنة خمس ومائتين، فاستكتب عمرو بن خالد الحراني، وجعل على مسائله معاوية بن عبد الله الأسواني.
تفقه على أبي يوسف، وسمع منه الحديث، وكتب عنه " الأمالي ".
وروى عن عليّ بن الجعد، وأحمد بن عبد المؤمن، وأحمد بن عبد الله البكري.
وذكره ابن حِبان في " الثقات "، وقال: كان من أصحاب الرأي، سكن مصر بخطى.
وقال كاتبه عمرو بن خالد: ما صحبت أحداً من القضاة مثل إبراهيم بن الجراح، كنت إذا عملت له المحضر، وقرأته عليه، أقام عنده ما شاء الله أن يقيم، حتى ينظر فيه، ويرى رأيه، فإذا أراد أن يمضي ما فيه دفعه إلى لأُنشئ له منه سجلاً، فأجد بحافته: " قال أبو حنيفة كذا. قال ابن أبي ليلى كذا. قال مالك كذا. قال أبو يوسف كذا "، وعلى بعضها علامة له كالخط، فأعلم أن اختياره وقع على ذلك القول، فأنشئ عليه.
الجزء 1 · صفحة 59
ولم يزل إبراهيم على القضاء حتى توجه عبد الله بن طاهر بن الحُسين، من قبل المأمون إلى مصر، ليحارب عبيد الله بن السري، فصرفه عن القضاء، سنة إحدى عشرة ومائتين.
وعن أبي جعفر الطحاوي، أنه قال: كان إبراهيم بن الجراح راكباً في موكب، فيه جمعٌ كثير من الناس، فبلغهم أنه عزل، فتفرقوا أولاً فأولا، إلى أن لم يبق معه أحد، فقال لغلامه: ما بال الناس!!.
قال: بلغهم أنك عُزلت.
فقال: سبحان الله، ما كنا إلا في موكب ريح.
ولما صرف عن القضاء، قال: سمعت أبا يوسف يقول: سمعت أبا حنيفة في جنازة رجل ينشد هذه الأبيات عند القبر:
لمَّا رأيتُ المَشِيبَ قد نَزَلاَ ... وبَانَ عَنِّي الشبَابُ وارتَحلا
أيْقَنْتُ بالموتِ فانْكَسَرْتُ لهُ ... وكلُّ حَيٍّ يُوافِقُ الأجَلا
كم من أخٍ لي قد كان يُؤنِسُني ... فصارَ تحت التُّرابِ مُنْجَدِلاَ
لا يسمعُ الصَّوتَ إن هتفْتُ بهِ ... ولا يَردُّ الجوابَ إن سُئِلا
لَوْ خَلَّدَ الله فاعْلموا أحداً لَخلَّد الأنبياء والرُّسُلا وذكره ابن الجوزي في " المنتظم "، وقال: أصله من مرو الروذ، وعزل سنة عشر ومائتين، وعاش بعد ذلك إلى أن مات بالرملة، سنة سبع عشرة. يعني ومائتين.
وقال ابن يونس: مات في المحرم، بمصر.
وعن عبد الرحمن بن عبد الحكم، أنه قال: لم يكن إبراهيم بن الجراح بالمذموم في أول ولايته حتى قدم عليه ابنه من العراق، فتغير حاله، وفسدت أحكامه.
*وإبراهيم هذا هو آخر من روى عن أبي يوسف، قال: أتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار، أن يرميها الرجل راجلاً أو راكباً؟ فقلت: راكباً.
فقال: أخطأت.
ثم قال: أما ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه راجلاً، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكباً.
ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات، رحمه الله تعالى.
30 - إبراهيم بن حاجي صارم الدين ابن شيخ تربة برقوق، وقاضي العسكر، زين الدين، الحنفي
سمع على الجمال الحنبلي " ثمانيات النجيب "، " وسُباعياته ".
ولقيه البقاعي، وغيره.
كذا ذكره السخاوي في " ضوئه "، ثم قال: ولم أعلم متى مات، رحمه الله تعالى.
31 - إبراهيم بن الحسن الفقيه، أبو الحسن العزري
بفتح العين، وسكون الزاي، وكسر الراء؛ نسبة إلى باب عزرة، محلة كبيرة بنيسابور.
سمع من أبي سعيد عبد الرحمن بن الحسن، وإبراهيم بن محمد، النيسابوريين.
وسمع منه الحاكم، وذكره في " تاريخ نيسابور " وقال: كان من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه.
وذكره أبو سعد في " أنسابه " أيضاً.
قال الحاكم: توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
32 - إبراهيم بن الحسين بن هارون أبو إسحاق، السمرقندي، الدقاق
قال في " الجواهر ": ذكره أبو سعد الإدريسي، " في تاريخ سمرقند " فقال: كان من عباد الله الصالحين، من أصحاب أبي حنيفة، فاضلاً في نفسه، أنفق على أهل مذهبه جملة، وأوقف عليهم ضياعات فاخرة.
قال: إلا أنه لم يكن يعلم رسوم الحديث والرواية، رأيته يُحدث بكتاب أبي عيسى الترمذي، عن أبي عليّ الحافظ، من أصل لم يكن فيه سماع.
مات سنة تسعين وثلاثمائة، أو بعد التسعين بقليل، رحمه الله تعالى.
33 - إبراهيم بن خليل باشا ابن إبراهيم بن خليل الرومي
كان أبوه وزيراً للسلطان مراد خان.
وكان جده الأعلى خليل أول من ولي قضاء العسكر في الدولة العثمانية، كما سيأتي في محله من حرف الخاء.
وولي إبراهيم هذا قضاء مدينة أدرنة، فلما فتح السلطان محمد قسطنطينية غضب على أبيه خليل، وصادره واستصفى أمواله، وحبسه إلى أن مات، وعزل ابنه إبراهيم عن قضاء أدرنة، وأقصاه عن حضرته الجميلة، ومناصبه الجليلة، فتوجه إلى حضرة الشيخ حاجي خليفة، وأقام عنده مدة، وسلك طريقته.
ثم قدم قسطنطينية في خبر طويل، وفوض إليه السلطان محمد قضاء أماسية، وكان بها إذ ذاك ولده السلطان با يزيد، فلما توفي السلطان محمد، وولى السلطان ولده المذكور، فوض لإبراهيم قضاء العسكر بولاية روملى، عوضاً عن المولى القسطلاني، ثم فوض إليه الوزارة العُظمى، وارتفع جاهه، وبعد صيته.
الجزء 1 · صفحة 60
وكانت سيرته في القضاءة والوزارة سيرة محمودة، وطريقته مشكورة.
وكان كريم النفس، جواد الكف، يأكل من مطبخه كل يوم نحو ستمائة نفر، ولم يُخلف من المال سوى ثمانية آلاف درهم عثماني، تغمده الله تعالى برحمته.
34 - إبراهيم بن خير خان
ابن مودود بن خير خان
ذكره في " الجواهر "، وقال: سمع من أبي طاهر بركات الخشوعي وحدث.
مات بدمشق، سنة خمس وأربعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
35 - إبراهيم بن داد بن دنكة أبو إسحاق، التركي
والد العباس أحمد، الآتي ذكره.
تفقه عليه ولده أبو العباس المذكور، وكان فقيهاً فاضلاً.
وداد، بدالين مهملتين بينهما ألف.
قال في " الجواهر ": وهو اسم مشترك بين لسان الفارسية والتركية، ومعناه العدل. نقلاً عن شيخنا شجاع الدين هبة الله التركستاني.
36 - إبراهيم بن داود بن حازم
والد إبراهيم المتقدم ذكره في أول حرف الهمزة.
وهو الإمام الملقب نجم الدين، رحمه الله تعالى.
37 - إبراهيم بن رستم
أبو بكر، المروزي
أحد الأئمة الأعلام.
سمع منصور بن عبد الحميد، وهو شيخ يروي عن أنس بن مالك، وسمع أيضاً مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذنب، وسفيان الثوري، وغيرهم.
قدم بغداد غير مرة، وحدث بها، فروى عنه العراقيين؛ سعيد بن سليمان سعدويه، وأحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وغيرهم.
قال العباس بن مصعب: كان إبراهيم بن رستم من أهل كرمان، ثم نزل مرو في سكة الدباغين، وكان أولاً من أصحاب الحديث، فحفظ الحديث، فنقم عليه من أحاديث، فخرج إلى محمد بن الحسن وغيره من أهل الرأي، فكتب كتبهم، وحفظ كلامهم، فاختلف الناس إليه، وعُرض عليه القضاء، فدعاه المأمون، فقربه منه، وحدثه.
روى أنه لما عرض عليه القضاء فامتنع، وانصرف إلى منزله، تصدق بعشرة آلاف درهم، وأتاه ذو الرياستين إلى منزله مُسلماً، فلم يتحرك له، ولا فرق أصحابه.
فقال إشكاب - وكان رجلاً متكلماً -: عجباً لك، يأتيك وزير الخليفة فلا تقوم من أجل هؤلاء الدباغين!.
فقال رجل من هؤلاء المتفقهة: نحن من دباغي الدين، الذي رفع إبراهيم بن رستم حتى جاءه وزير الخليفة.
فسكت إشكاب.
وسئل عن يحيى بن معين، فقال: ثقة.
وذكر عن الدارمي توثيقه أيضاً.
قال إسحاق بن إبراهيم الحفصي: مات إبراهيم بن رستم المروزي بنيسابور، قدمها حاجاً، وقد مرض بسرخس، فبقي عندنا تسعة أيام وهو عليل، ومات في اليوم العاشر، وهو يوم الأربعاء، لعشر بقين من جمادى الآخرة، سنة إحدى عشرة ومائتين، في دار إسماعيل الطوسي، في سكة حفص، وصلى عليه الأمير محمد بن محمد بن حميد الظاهري، ودفن بباب معمر.
وقال محمد بن إسحاق الثقفي: إنه مات سنة عشر ومائتين. رحمه الله تعالى.
38 - إبارهيم بن سالم، أبو إسحاق، الشكاني
بكسر الشين المعجمة، وفتح الكاف، وفي آخرها النون؛ نسبة إلى شكان، قرية من قرى بُخارى، في ظن السمعاني، وقيل: من قرى كش. والصحيح الأول.
قال السمعاني: فقيه فاضل، تفقه على أبي بكر محمد بن الفضل.
وروى الحديث عن أبي عبد الله الرازي، وأبي محمد أحمد بن عبد الله المُزني، وغيرهما.
وروى عنه السيد أبو بكر محمد بن علي الجعفري، وأبو بكر محمد بن نصر الخطيب.
وكان يملى ببخارى.
ومات سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
39 - إبراهيم بن سُليمان بن عبد الله
أبو إسحاق، التميمي، الصرخدي، الفقيه
خطيب صرخد أنشأ خُطباً مليحة، وله ترسل وشعر.
مات بصرخد، سنة سبع عشرة وستمائة، وقد بلغ أربعاً وخمسين سنة. رحمه الله تعالى.
40 - إبراهيم بن سليمان الحموي
المنطقي، الإمام
رضي الدين، الرومي الأصل، المعروف بالآب كرمي؛ نسبة إلى بلدة صغيرة من بلاد قونية، يقال لها آب كرم.
كان فقيهاً، نحوياً، مفسراً، منطقياً، ديناً، متواضعاً.
درس بالقيمازية، ثم تركها لولده، ثم درس بها بعد موت ولده.
وتفقه ببلاده، ثم ورد دمشق، فتفقه عليه جماعة، وأقام بها إلى أن مات، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، في سادس عشري ربيع الأول، وقيل: في خامس عشره، ودفن بمقبرة الصوفية، وقد جاوز الثمانين.
وكان قد حج سبع مرات.
الجزء 1 · صفحة 61
وشرح " الجامع الكبير " في ست مجلدات، وله " شرح المنظومة " في مجلدين. رحمه الله تعالى.
41 - إبراهيم بن شعيب
قال في " الجواهر ": من طبقة بشر بن أبي الأزهر القاضي، رحمهما الله تعالى.
42 - لإبراهيم بن طهمان
عالم خراسان.
ذكره الذهبي في " طبقات الحفاظ "، وقال: حدث عن سماك بن حرب، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد الجمجمي، وأبي حمزة، وثابت البناني، وأبي إسحاق، وطبقتهم.
وعنه ابن المبارك، وحفص بن عبد الله، ومعن بن عيسى، وخالد بن نزار الأبلي، ومحمد بن سنان العوفي، وأبو حذيفة النهدي، وسعد بن يزيد الفراء.
وحدث عنه شيوخه صفوان بن سليم، وأبو حنيفة الإمام.
قال ابن راهويه: كان صحيح الحديث، ما كان بخراسان أكثر منه.
وقال أبو حاتم: ثقة مرجئ.
وقال أحمد بن حنبل: هو صحيح الحديث، مُقارب، يُرمى بالإرجاء، وكان شديداً على الجهمية.
وعن ابن معين، أنه قال مرة: ليس به بأس، يكتب حديثه. ومرة: ثقة.
وقال الدارقطني: ثقة، إنما تكلموا فيه للإرجاء.
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: فاضل يرمى بالإرجاء.
وضعفه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وحده، فقال: ضعيف، مُضطرب الحديث. ولا عبرة بتضعيفه، مع ما ذكرنا من ثناء الأئمة عليه.
وقد روى له الأئمة الستة، وغيرهم.
قال الخطيب: قيل كان لإبراهيم على بيت المال شئٌ، وكان يسخو به، فسئل يوماً عن مسألة في مجلس الخليفة، فقال: لا أدري. فقيل له: تأخذ في كل شهر كذا وكذا، ولا تُحسن مسألة؟ فقال: ما آخذه فعلى ما أحسن، ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال. فأعجب ذلك أمير المؤمنين.
قال الذهبي: وكان إبراهيم قد جاور بمكة في أواخر عمره، ومات في سنة ثلاث وستين ومائة.
وعن الفضل بن عبد الله المسعودي، قال: كان إبراهيم بن طهمان حسن الخلق، واسع الأمر سخي النفس، يطعم الناس، ويصلهم، ولا يرضى بأصحابه حتى ينالوا من طعامه.
وعن عبد الله بن أبي داود السجستاني، قال: سمعت أبي يقول: كان إبراهيم بن طهمان ثقة، وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج، فقدم نيسابور، فوجدهم على قول جهم، فقال: الإقامة على قول هؤلاء افضل منالحج. فنثلهم من قول جهم إلى الإرجاء.
وروى الخطيب بسنده، عن أبي الصلن، قال: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: ما قدم علينا خُراساني أفضل من أبي رجاء عبد الله بن وافد الهروي.
قلت له: فإبراهيم بن طهمان؟ قال: كان ذلك مُرجئاً.
وقال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث، أن الإيمان قول بلا عمل، وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم كانوا يرجئون لأهل الكبائر الغفران، رداً على الخوارج وغيرهم، الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكانوا يرجئون، ولا يكفرون بالذنوب، ونحن على ذلك.
سمعت وكيع بن الجراح، يقول: سمعت سفيان الثوري في آخر عنره، يقول: نحن نرجو لجميع أهل الذنوب والكبائر، الذين يدينون ديننا، ويصلون صلاتنا، وإن عملوا أي عمل.
وروى الخطيب بسنده أيضاً، عن عبيد الله بن عبد الكريم، قال: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر عنده إبراهيم بن طهمان، وكان متكياً من علة، فاستوى جالساً، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيُتكى.
ثم قال أحمد: حدثني رجل من أصحاب ابن المبارك، قال: رأيت ابن المبارك في المنام، ومعه شيخ مهيب، فقلت: من هذا معك؟ قال: أما تعرف، هذا سفيان الثوري! قلت: من أين أقبلتم؟ قال: نحن نزور كل يوم إبراهيم بن طهمان.
قلت: وأين ترونه؟ قال: في دار الصديقين، دار يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام.
43 - إبراهيم بن عبد الله
- وفي " تاريخ دمشق " عوض عبد الله عبد الرحمن -
ابن جعفر بن عبد الرحمن بن جعفر، أبو السمح، التنوخي
الفقيه، المعري
رحل إلى أصبهان، وسمع الحديث بها، وبغيرها، وروى عن عبد الواحد بن محمد الكفرطابي، وغيره.
قال ابن عساكر، في " تاريخ دمشق ": اجتاز بها عند توجهه إلى بيت المقدس، وكان زاهداً، ورعاً، ديناً، حدثنا عنه أبو الصيب أحمد بن عبد العزيز المقدسي، إمام مسجد الرافقة.
وقال أبو المغيث، في " ذيله ": كان أبو السمح زاهداً، ورعاً فقيهاً على مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 62
وذكره ابن النجار في " تاريخه "، وقال: كان شاعراً، أديباً، فاضلاً، قدم بغداد، ومدح بها الإمام المقتدي بأمر الله، ومدح خوجا بزرك، فمن شعره قوله:
أهْلاً وَسَهْلاً بالخيَالِ الزَّائِرِ ... مَنحَ الوِصَالَ من الحبيبِ الهَاجرِ
يَا مَرْحباً بخَيالِه الوافِي وَيَا ... لهفِي على ذاك الغَزالِ النَّافِرِ
أمَّا الجفُونُ فقد وَفَتْ لهَواكُمُ ... يا نائمين عَنِ المُعَنىَّ السَّاهِرِ
وقال في " تاريخ دمشق ": وأنشدَني أبو الطيب، قال: أنشدني أبو السمح، قال: وجدت بخط عمر بن علي بن محمد البخاري المُحدث بكفرطاب:
مَا لاَمَني فيك أحْبابي وأعْدَائي ... إلا لغفلتِهم عن عُظم بلوائي
تركتُ للناس دُنيَاهُمُ ودِينَهُمُ ... شُغْلاً بحُبِّكَ يا دِيني ودُنْيَائي
وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة ثلاث وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
44 - إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم
ابن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن محمد
ابن عبد الباقي، الشهير بابن أمين الدولة
أبو إسحاق، الحلبي
من بيت الرياسة والتقدم.
مولده بحلب، سنة عشرين وستمائة.
ذكره البرزالي في " معجم شيوخه "، وقال: سمع من أبي خليل، ودخل بغداد، وسمع بها من الكشغري، ودرس بالحلاوية بحلب.
قال: وكان شيخاً حسناً، فقيهاً على مذهب أبي حنيفة.
مات بالقاهرة، سنة إحدى وتسعين وستمائة، وصلي عليه بجامع الحاكم، ودفن بباب النصر، رحمه الله تعالى.
وذكره ابن حبيب، وأثنى عليه، فقال: عالم تجلى بدر كماله، وتحلى جيد الطرس بدر مقاله، وطاب محتده، وأناف مجده وسؤدده.
سمع بحلب وبغداد ومكة، ونظم بسلك أهل الحديث النبوي سلكة، واجتهد فيما هو من العلم بصدده، وباشر تدريس الحلاوية المجاورة لجامع بلده.
45 - إبراهيم بن عبد الله بن موسى
تاج الدين، الحميدي
كان من فضلاء الديار الرومية، وصار مُلازماً من المولى صاري كرز، وأخذ عن المولى العلامة شيخ بن إلياس، مُفتي الديار الرومية، والسيد الشريف محمد المشهور بمعلول أمير.
وصار مدرساً بمدارس متعددة؛ منها إحدى الثمان، وأيا صوفية، وسليمة اصطبول، ثم صار مدرساً بمدرسة السلطان بايزيد خان، عليه الرحمة والرضوان، بمدينة أماسية، ومفتياً بولايتها.
ثم فرغ عن ذلك كله، وجعل له ثمانون درهماً عُثمانياً بطريق التقاعد.
ومات بقسطنطينية، في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، رحمه الله تعالى.
ومن مؤلفاته " حاشية على صدر الشريعة " لم تكمل، وهي من كتاب الحج إلى آخره.
46 - إبراهيم بن عبد الله الطرابلسي الأصل، الدمشقي، ثم المصري، الحنفي الشيخ، الإمام، العلامة، برهان الدين
اشتغل، وحصل، وبرع، ودرس، وأفتى.
واختصر " مجمع البحرين "، وزاد زيادات حسنة.
وولي مشيخة النحاسية بمصر.
وتوفي سنة تسع وتسعين وثمانمائة، وصلى عليه بدمشق صلاة الغائب، رحمه الله تعالى.
كذا نقلت هذه الترجمة من " الغرف العلية " بحروفها.
47 - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المنبجي، الفقيه، المنعوت بهاء الدين
سمع منه أبو حفص عمر بن ابن العديم، وذكره في " تاريخه "، فقال: شيخ حسن، وقور، فقيه، من أصحاب أبي حنيفة.
ولي التدريس بالأتالكية، بباب مراغا، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى منبج في سنة غحدى وثلاثين وستمائة.
وتوفي في حدود الأربعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
ومنبج، بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وبعدها جيم: من مدن الشام) .
48 - إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد ابن إسماعيل، أبو الوفاء، وأبو الفضل الكركي الأصل، القاهري المولد والدار
ولد بالقاهرة، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وأمه جركسية، من خدم يشبك المشد.
حفظ القرآن، وجوده على الشمس ابن الحمصاني، وأخذ الميقات عن البدر القيمري، والفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية، وكذا أخذ عن النجم القرمي، قاضي العسكر، وقرأ " الصحيحين " على الشهاب ابن العطار، ولازم التقي الحصني في فنون، وكذا التقى الشمسي، والسيف الحنفي، وحضر دروس الكافيجي في آخرين وذكر أنه أخذ عن ابن الهمام وغيره.
الجزء 1 · صفحة 63
وذكر السخاوي أنه ولي المناصب الجليلة، وتقدم في الدولة، وعاشر الملوك والوزراء والأمراء.
وساق له في " الضوء اللامع " ترجمة حافلة، وبالغ في مدحه، والثناء عليه.
وذكر أنه جمع في الفقه " فتاوى " في مجلدين، وأنه صنف " حاشية " على " توضيح ابن هشام " في النحو.
وقال بعضهم: كانت سيرته غير محمودة، وطريقته غير مشكورة.
قال: وقد رأيت بخطه مِن نظمه مُقرظاً لبعض الفضلاء المُقتبسين من علمه، قوله:
فيالله دَرُّكَ مِن كتابٍ ... حَوى مَا لم يُسَطَّرْ في كتاب
أتى ببلاغةٍ وفَصِيحِ لفظٍ ... وأسْئلةٍ مُحَرَّرَةِ الجَوَابِ
وتحقيقٍ وتدقيقٍ نَفِيسٍ ... به يُهْدَى لِمَعْرفةِ الصَّوَابِ
ومُنشِهُ جَزاهُ الله خيراً ... وضَاعَفَ أجْرَهُ يَوْمَ الحِسَابِ
بفَضْلِ المصطفَى خيْرِ البرَايَا ... إمام المُرسَلين بلا ارتيابِ
فصَلَّى الله مَوْلانا عليه ... وآتاهُ الوَسيلةَ في المَآبِ
وناظِمهَا الإمام عُبيْدُ بَاب ... يَرُومُ شفاعةً يَوْمَ الحِسَابِ
فيا مَوْلاى بَلِّغْهُ مُناهُ ... وجُدْ وامْنُن بتَحْسِينِ الثَّوابِ
49 - إبراهيم بن عبد الرزاق بن رزق الله
ابن أبي بكر بن خلف الرسعني، أبو إسحاق
عرف بابن المحدث.
سمع بالموصل من والده الإمام عز الدين، وتفقه عليه.
وكان فقيهاً، عالماً، فاضلاً.
ذكره البرزالي في " معجم شيوخه "، وقال: كتبت عنه، وفاق أبناء جنسه معرفة، وذكاء.
وكان نبيهاً، نبيلاً، فاضلاً، عالماً، متنسكاً، ورعاً، حسن الأخلاق.
وله منظوم، ومنثور.
وشرح " القدوري "، وكتب الإنشاء بديوان الموصل.
أنشدني من شعره كثيراً في كل فن.
مولده في جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة بالموصل.
وتوفي في شهر رمضان، سنة خمس وتسعين وستمائة، بدمشق، ودُفن بسفح قاسيون. انتهى.
كذا في " الجواهر المضية ".
وقوله: إنه تفقه على أبيه فيه شُبهة، لأن الصحيح أن أباه كان حنبلي المذهب، كما سيأتي في محله إن شاء الله، اللهم إلا أن يكون تفقه عليه حنبلياً، ثم صار حنفياً، والله أعلم.
وذكره ابن شاكر الكُتبي في " عيون التواريخ "، وأنشد له من الشعور قوله:
سَلامٌ مِنَ الصَّبِّ المُقيمِ عَلى العهد ... عَلَى نَازِحٍ دَانٍ خَلِيٍّ مِنَ الوَجْدِ
عَنِ العَين ناءٍ وهو في القلبِ حاضِرٌ ... بنفسي حبيباً حاضراً غائباً أفْدِي
غَدَتْ أرْضُهُ نَجْداً ما فاحَ نَشْرُ نَسِمِهَالِفَرْط الأسَى أطْوي الضُّلُوعَ عَلَى وقْدِ
وإن لاحَ مِن أكْنافِها لِيَ بَارِقٌ ... فسُحْبُ دُمُوع العَيْنِ تَهْمى على الخَدِّ
كَلِفتُ به لا أنْثَنِي عَن صَبَابتي ... بِهِ والجَوَى حَتَّى اوسَّدَ في لَحْدِي
فيا عَاذِلي خَلِّ المَلامَةَ في الهوَى وكُنْ عاذرِي فاللَّْمُ في الحُبِّ لا يُجْدِي
فلستُ أرَى عنه مدَى الدهرِ سَلْوةً ... ولا ليَ مِنْهُ قَطُّ ما عِشْتُ مِن بُدِّ
50 - إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي الغارات
أبو إسحاق الموصلي
شرح قطعة كبيرة من " القدوري ".
وكتب الإنشاء لصاحب الموصل، ثم استعفى من ذلك.
توفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى.
51 - إبراهيم بن عبد الواحد بن إبراهيم
ابن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب
المرشدي، المكي، الحنفي
ولد يوم الثلاثاء، منتصف صفر، سنة ست عشرة وثمانمائة، بمكة المشرفة.
وحفظ القرآن الكريم، و " القدوري "، واشتغل على أبيه.
وكان تالياً في لكتاب الله تعالى، مُتعففاً عن الصدقات والزكوات، متقنعاً مع ثروة.
مات في ظهر يوم الجمعة، عاشر صفر، سنة سبع وسبعين وثمانمائة، بمكة المشرفة.
أرخه ابن فهد. كذا في " الضوء اللامع " للسخاوي.
وهو من بيت العلم، والفضل والديانة، وفي هذا الكتاب كثير من أهله وأقاربه.
52 - إبراهيم بن عثمان، أبو القاسم
ابن الوزان، القيرواني، اللغوي، والنحوي، الحنفي
الجزء 1 · صفحة 64
قال الزبيدي، وياقوت: كان إماماً في النحو واللغة والعروض غير مُدافع، مع قلة ادِّعَاء وخفض جَناح، وانتهى من اعلم إلى ما لعله لم يبلغه أحدٌ قبله، وأما من في زمانه فلا يُشك فيه.
وكان يحفظ " العين "، و " غرائب أبي عبيد "، و " إصلاح المنطق " لابن السكيت، و " كتاب يبويه " وغير ذلك، ويميل إلى مذهب البصريين، مع إتقانه مذهب الكوفيين.
قال عبد الله المكفوف النحوي: ولو قائل: إنه أعلم من المبرد وثعلب، لصدقه من وقف على علمه.
وكان يستخرج من العربية ما لا يستخرجه أحدٌ، وله في النحو واللغة تصانيف كثيرة، وكان مع ذلك مُقصراً في الشعر.
مات يوم عاشوراء، سنة ست وأربعين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
كذا في " طبقات النحاة " للحافظ جلال الدين السيوطي، نقلته من نسخة مصححة بخطه؛ وما أدري هل قوله " الحنفي " نسبة إلى المذهب، أو نسبة إلى القبيلة، لكن الذي يغلب على الظن هو الأول؛ لأن المذهب لأبي حنيفة كان في تلك البلاد أظهر المذاهب، إلى أن حمل المعز على مذهب أبي الإمام مالك، وحسم مادة الخلاف في المذاهب، واستمر ذلك إلى الآن، وكانت ولادة المعز بالمنصورية، سنة أربع وخمسين وأربعمائة؛ فيكون على هذا صاحب الترجمة، متقدماً على المُعز، وكان الغالب قبله مذهب أبي حنيفة، والغالب له الحكم، حتى يتبين خلافه.
ولم يذكره في " الجواهر ".
53 - إبراهيم بن عثمان بن يوسف
ابن أيوب، أبو إسحاق بن أبي عَمرو، الكشغري
المحتد، البغدادي الدار والوفاة، الفقيه، الزركشي
قال في " الجواهر ": هكذا رأيته بخط الحافظ الدمياطي، فيما جمعه من الشيوخ الذين أجازوا له.
وقال: مولد الكاشغري ببغداد، في الثاني عشر من جمادي الأولى، سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
ووفاته في سنة خمس وأربعين وستمائة.
وكان يتشيع، رحمه الله تعالى.
وكاشغر بفتح الكاف بعدها ألف، ثم شين معجمة، وغيت مفتوحة، وفي آخرها راء: من بلاد الشرق.
54 - إبراهيم بن علي بن إبراهيم
ابن خشنامبن أحمد الكردي، الحميدي
الحلبي، الحنفي، شمس الدين
ولد في رجب سنة تسع وعشرين وستمائة.
وتفقه، وسمع من أبي البقاء يعيش النحوي، وابن رواحة، ومكي بن علان، ويوسف ابن خليل، والعماد ابن النحاس، وغيرهم، في صحبة ابن العديم.
ثم ولي قضاء حمص، ثم إمامة الجامع بها، ونظر المشهد الخالدي.
وكان شهماً، شجاعاً، جرياً، فلما وصل التاتارإلى حمص داخل غازان، وولي قضاء حمص، وكم، وظلم، ثم سافر مع التاتار فولوه قضاء خلاط، فأقام بها ست سنين.
ومات سنة خمس وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
ذكر ذلك البرزالي.
55 - إبراهيم بن علي بن إبراهيم
ابن محمد بن سعيد بن عبيد الله،
السيد، برهان الدين، بن العلاء
الحسيني، البقاعي الأصل الدمشقي، الصالحي
ولد بعد الخمسين تقريباً، بصالحية دمشق، ونشأ بها.
وقرأ القرآن عند عمر اللؤلؤي الحنبلي.
وأخذ الفقه عن قاسم الرومي، والشرف ابن عيد، والكمال ابن شهاب النيسابوري، وعنه أخذ أصول الدين والنحو، والمنطق والمعاني.
ولازم عبد النبي المغربي في الأصلين، والحكمة، وأدب البحث، والمنطق، وغيرهما.
وجود القرآن على عبد الله ابن العجمي الرفاء.
وسمع الحديث على البرهان ابن مفلح، وغيره.
وأم بالريحانية، وتكسب بالشهادة، وحج، وجاور.
قال السخاوي: ولازمني حينئذ، حتى قرأ " شرحي على التقريب " للنووي، وكتبه بخطه، بل وسمع في " شرحي الألفية "، وكذا " شرح المصنف ".
وكان إنساناً فاضلاً، يستحضر كثيراً من " البخاري " وغيره.
رحمه الله تعالى.
56 - إبراهيم بن علي بن أحمد
ابن علي بن محمد بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم
ابن علي الدمشقي، ابن قاضي حصن الأكراد،
برهان الدين، ابن كمال الدين، المعروف بابن عبد الحق
وعبد الحق هذا هو ابن خلف الواسطي الحنبلي، جد صاحب الترجمة لأمه.
ولد إبراهيم سنة سبع، أو تسع وستين وستمائة.
وتفقه على الظهير أبي الربيع سليمان، وغيره.
وأخذ الأصول والعربية عن ظهير الدين الرومي، والصفي الهندي، والمجد التونسي وغيرهم.
ودخل إلى القاهرة، وأخذ عن ابن دقيق العيد، وأذن له بالإفتاء، وأخذ عن السروجي، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 65
وسمع على أبيه كمال الدين علي، وعمه نجم الدين إسماعيل، وشرف الدين الفزازي، والفخر ابن البخاري، وغيرهم.
وتصدر للتدريس، بدمشق، وحدث، وخرج له الحافظ علم الدين البرزالي " مشيخة "، وحدث بها بالقاهرة، بقراءة التاج ابن مكتوم.
ثم طلب إلى مصر، بعد وفاة شمس الدين الحريري، وفوض إليه قضاء الديار المصرية، ودرس في عدة أماكن.
ولم يزل قاضياً بها إلى أن صرف هو والقاضي جلال الدين القزويني معاً، فرجع إلى دمشق، واستقر مكانه الحسام الغوري.
قال ابن حجر: وكان يقال: إنه انتهت إليه رياسة المذهب في عصره، وكان يقرر " الهداية " تقريراً بليغاً، وصرف عن القضاء، في النصف من جماى، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فرجع إلى الشام، ودرس بالعذراوية، والخاتونية، رافعاً أعلام العلم، إلى أن مضى لسبيله، في ذي الحجة، سنة أربع وأربعين وسبعمائة. انتهى.
وله من التصانيف " شرح الهداية " ضمنه الآثار، ومذاهب السلف - قال في " الجواهر ": رأيت منه قطعة، وما أظنه كمله - و " المنتقى " في فروع المسائل، و " نوازل الوقائع " في مجلد، و " إجازة الإقطاع " في مجلد، و " إجازة الأوقاف زيادة على المدة "، و " مسألة قتل المسلم بالكافر "، واختصر " السنن الكبير "، للبيهقي، في خمس مجلدات، واختصر " التحقيق " لابن الجوزي، في أحاديث الخلاف، واختصر " ناسخ الحديث ومنسوخه " لأبي حفص ابن شاهين.
وكان رحمه الله تعالى من محاسن الزمان، وفيه يقول الأديب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي، لما ولي الحكم بمصر، من أبيات:
طُوبَى لمِصْر فقد حَلَّ السُّرُورُ بها ... من بَعْد مَا رُمِيتْ دَهراً بأَحزانِ
كِنانةُ الله قد قامَ الدَّليلُ على ... تفْضِيلِها من بَنِي حَقٍّ ببُرْهَانِ
أكْرِمْ بها وبقاضيها فقد جمعتْ نِهايةَ الوَصْفِ من حُسْنٍ وإحسَانِ
قد كان قِدْماً بِهَا بَحْرٌ وفاض بها ... بَحْرُ العلُوم فِفيها الآن بَحْرانِ
غدا بها مذهب النُّعمانِ ذَا شَرَفٍ ... بأوْحَدٍ مَالَه في فضلِه ثَانِ
دَعَاه للمَنْصِبِ السُّلطانُ مُنْتخِباً ... لا عِزَّ في دَوْلةٍ إلا بسُلْطانِ
فاسْلَمْ بِها حَامَ الحُكَّامِ في دَعَةٍ ... مَا غَنَّتِ الوُرْقُ تَحْرِيكاً لِعِيدَانِ
57 - إبراهيم بن علي بن أحمد
ابن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد،
نجم الدين، أبو إسحاق، الطرسوسي، ابن القاضي عماد الدين
كذا ترجمه ابن قطلوبغا، واللبوادي، وغيرهما، فيمن اسمه إبراهيم، وترجمه صاحب " الجواهر " فيمن اسمه أحمد، وأسقط اسم جده أحمد، والصحيح الأول.
ولد سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وناب عن أبيه في قضاء دمشق، ثم وليه استقلالاً في سنة ست وأربعين، ونزل له أبوه عنه، فباشره مباشرة حسنة، ولكن أجلس المالكي فةقه لكبر سنه، إلى أن مات المالكي، فعاد إلى مكانه.
وله نظم رقيق، منه قوله:
مَن لي مُعيدٌ في دِمَشْقَ لَيَالياً ... قَضَّيْتُها والعَوْدُ عِنديَ أحْمَدُ
بَلَدٌ تفُوقُ على البلادِ شَملئلاً ... ويَذُوبُ غَيظْاً مِن ثَرَاها العَسْجَدُ
وكانت وفاته في شعبان، في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وكانت جنازته حافلة وصلى هليه أمير علي المارداني، نائب دمشق، إماماً.
وكان له سماع من أبي نصر ابن الشيرازي، والحجار، وغيرهما.
وخرج له بعض الطلبة " مشيخة ".
ولما نازعه علاء الدين ابن الأطروش في تدريس الخاتونية، كتب له أئمة الشام ذا ذاك محضراً بالغوا في الثناء عليه، منهم أبو البقاء السبكي، وقال فيه: إنه شيخ الحنفية بالشام.
وكتب فيه أيضاً الشيخ ناصر الدين ابن مؤذن الربوة، وغيره.
قال الحُسيني في حقه: برع في الفقه، والأصول، ودرس، وافتى، وناظر، وأفاد، مع الديانة، والصيانة، والتعفف.
وقال في " المنهل ": نشأ في حياة والده، وتصدر للإقراء سنين، وناب في الحكم عن والده، ثم استقل بالوظيفة، وحسُنت سيرته.
وكان إماماً، عالماً، عفيفاً، وقوراً، مُعظماً في الدولة، وله تصانيف كثيرة. انتهى.
ومن تصانيفه " الفتاوي الطرسوسية "، و " أرجوزة في معرفة ما بين الأشاعرة والحنفية من الخلاف في أصول الدين ".
الجزء 1 · صفحة 66
وذكره ابن طولون في " الغرف العلية "، وأثنى عليه، وعد له من الصنفات غير ما ها هنا: كتاب " رفع الكلفة عن الإخوان، في ذكر ما قدم فيه القياس على الاستحسان "، وكتاب " مناسك الحج " مطول، وكتاب " الاختلافات الواقعة في المصنفات "، وكتاب " محظورات الإحرام "، وكتاب " الإشارات في ضبط المشكلات " عدة مجلدات، وكتاب " الإعلام في مصطلح الشهود والحكام "، وكتاب " الفوائد المنظومة " في الفقه.
وترجمه صاحب " الجواهر " في الأحمدين، والصحيح ما هنا. رحمه الله تعالى.
58 - إبراهيم بن علي بن عبد الوهاب الأنصاري
عرف بابن حمود
تفقه على الفقيه الري ندي بن عبد الغني مدة، وحصل من معرفة المذهب قطعة صالحة.
وأعاد بالمدرسة السيوفية بالقاهرة.
وحصل كتباً حسنة، ونظر في شيء من علم الحديث.
وتوفي بالقاهرة، في ثاني صفر، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. رحمه الله تعالى.
59 - إبراهيم بن علي بن منصوره
أخو القاضي صدر الدين.
كان يتعانى الشهادة، وولي قضاء بعض البلاد الشامية، ثم ولي الحسبة مدة.
وكان لا بأس به، وعنده فضيلة.
مات في ربيع الأول، سنة سبع وتسعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى
60 - إبراهيم بن علي المرغيناني
المُلقب نظام الدين، أبو إسحاق
أحد مشايخ قاضي خان، وقد انتفع، وتفقه عليه، وتخرج به، رحمهما الله تعالى.
61 - إبراهيم بن عمر بن حماد بن أبي حنيفة
روى عنه أنه قال: قال أبو حنيفة: لا يكتني بكنيتي بعدي إلا مجنون.
قال: فرأينا عدة اكتنوا بها، فكان في عقولهم ضعف.
وسيأتي كل من عمر وحماد، في بابه، إن شاء الله تعالى.
62 - إبراهيم بن عمر بن علي
ابن عمر بن محمد بن أبي بكر العلوي
الفقيه، المحدث، أبو إسحاق
قال الخزرجي: كان فقيهاً نبيهاً، حنفي المذهب، عارفاً، محققاً، وإليه انتهت الرياسة في علم الحديث باليمن.
وأخذ عن كبار العلماء كابن أبي الخير الشماخي، وإبراهيم بن محمد الطبري، والحجار، وغيرهم.
وعنه أخذ فقهاء العصر، وإليه كانت الرحلة منالآفاق، وحضر مجلسة جلة العلماء.
وكان جامعاً بين فضيلتي العلم والعمل، وكان متواضعاً، سهل الأخلاق، كثير البشاشة، مسموع القول، له قبول عظيم عند الخاص والعام.
درس في مدرسة أم السلطان المجاهد بزبيد.
وكان ميلاده سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
وتوفي ليلة السبت، عشري ذي الحجة، سنة اثنين وخمسين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
63 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
ابن العلامة جلال الدين أحمد بن محمد بن محمد
ابن محمد، البرهان، أبو إسحاق، الخجندي، المدني
المتقدم ذكر جده إبراهيم.
ولد يوم الجمعة، عاشر جمادى الأولى، سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة بطيبة، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم، و " الكنز ".
وأخذ في الفقه ببلده عن أخيه الشهاب أحمد، والفخر عثمان الطرابلسي.
وفي العربية، وعلم الكلام، عن الشهاب ابن يونس المغربي.
وكذا أخذ في " شرح العقائد " عن السيد السمهودي.
وسمع على أبيه، وأبي الفرج المراغي.
وقرأ بمكة في منى على النجم ابن فهد " الثلاثيات ".
ودخل القاهرة مِراراً؛ أولها في سنة أربع وسبعين، وسمع بها على الشاوي والديمي، وأجاز له جماعة، وأخذ بها عن الزين قاسم، والعضد السيرامي الفقه، وغيره، وعن النظام الفقه، والأصول، والعربية، وعن الجوجري، العربية، وكذا قرأ فيها على الزيني زكريا " شرحه لشذور الذهب "، ولازم الأمين الأقصرائي في فنون عديدة.
قال السخاوي: وأكثر أيضاً من ملازمتي رواية ودراية، ثم كان ممن لازمني حين إقامتي بطيبة، وقرأ على جميع " ألفية العراقي " بحثاً، وحمل عنى كثيراً من " شرحها " للناظم سماعاً، وقراءة، وغير ذلك من تآليفي ومروياتي، وأذنت له على الوجه الذي اثبته في ترجمته، من " تاريخ المدينة ".
وقد ولي إمامة الحنفية بالمدينة الشريفة بعد أخيه.
إلى أن قال: ونعم الرجل فضلاً، وعقلاً، وتواضعاً، وسكوناً، وأصلاً، انتهى.
مات في سنة ثمان وتسعين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
64 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
ابن ظهير الدين - ظهير كوزير - برهان الدين
السلموني الأصل، القاهري
والد البدر محمد. المعروف بابن ظهير.
الجزء 1 · صفحة 67
كان والده فيما يقال، يذكر بالفضيلة.
ونشأ ولده هذا في طلب العلم وتحصيله.
وناب عند التفهني، وولي الشهادة ببعض الدواوين، وغير ذلك من المناصب، وكان ماهراً في المباشرة، ذا وجاهةٍ.
مات في الاثنين، ثالث صفر، سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة مَطعوناً، ولم يكمل السنين، وصلى عليه من الغد بمصلى باب النصر، ودفن بالتربة المعروفة بهم تجاه تربة يلبغا العمري.
انتهى ملخصاً من " الضوء اللامع "، رحمه الله تعالى.
65 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
ابن محمد بن نوح بن زيد النوحي
تفقه على أبيه.
وهو من بيت مشهور بالعلم، والفضل، والتقدم.
قال السمعاني رحمه الله تعالى: هذه النسبة نسبة إلى الجد، وذكر منهم إسحاق بن محمد ابن إبراهيم.
ثم قال: وإخوته أهل بيت كلهم يقال لهم النوحي، وهم علماء فضلاء، رحمهم الله تعالى.
66 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
ابن محمد بن سالم بن علوي، أبو منصور
الأنصاري، الخزرجي، الفقيه، القاضي الهيتي
ولد بهيت، سنة ستين.
وقدم بغداد، وأستوطنها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وتفقه على قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني.
وتفقه عليه أبو السعادات يحيى بن هبة الله بن أحمد.
وبرع في الفقه وأجاد، وله يد طولى في المناظرة، وكان يعرف العربية معرفة حسنة، وكان أنظر أصحاب أبي حنيفة في زمانه.
وكان ينوب في القضاء عن قاضي القضاة الزينبي، إلى أن كبر وعجز عن الحركة، وقعد في داره.
سمع الشريف أبا نصر الزينبي، وأبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، في آخرين.
وخرج له الحافظ أبو عبد الله بن خسروا الفقيه البلخي الحنفي " فوائد " انتقاها من أصوله.
وقرأ عليه السمعاني كتاب " البعث " لأبي بكر بن داود.
وذكره عبد الخالق بن أسد الحنفي في " معجم شيوخه "، فقال: كان مشاراً في أيامه، وكان عارفاً بمعاني القرآن وأحكامه، وعلم الحديث، حافظاً لمذهب أبي حنيفة، بصيراً بأحكام القضاء، موصوفاً بالحفظ، مشهوراً بالورع.
درس بمشهد الإمام أبي حنيفة.
ومات في شوال، سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وصلى عليه قاضي القضاة الزينبي، ودفن عند مشهد أبي حنيفة، بالخيزرانية.
وهو استاذ نصر الله بن علي بن منصور الواسطي، وعنه علق نصر مسائل الخلاف. والله تعالى أعلم.
67 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
أبو إسحاق الخدامي، بالخاء المعجمة،
النيسابوري، الفقيه، المحدث
سمع بالعراق، بالشام، وكان أول سماعه بنيسابور، من أحمد بن نصر اللباد الحنفي، وأبي بكر ابن ياسين.
وروى عنه أبو أحمد محمد بن شُعيب بن هارون الشعيبي.
وذكره الحاكم في " تاريخ نيسابور ": وقال: كان من جلة الفقهاء لأصحاب أبي حنيفة، وأزهدهم، وحدث بالعراق، وخراسان، والشام الكثير.
قال: ورأيت له مصنفات عند أخيه أبي بشر، ورأيت له عند أخيه أيضاً أصولاً صحيحة.
توفي في شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
والخدامي، بكسر الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة، في آخره ميم، نسبة إلى خدام. والله أعلم.
68 - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
الحلبي ثم القسطنطيني
خطيب جامع السلطان محمد، وإمامه.
ذكره الشيخ بدر الدين الغزي، في " رحلته "، وقال في حقه: الشيخ الصالح، العالم الأوحد، الكامل الخير، الجيد، المقري المجود.
وذكر أنه اجتمع به مرات عديدة، وأنه كان يستعير منه بعض الكتب، وأثنى عليه، ودعا له.
وذكره صاحب " الشقائق " وبالغ في الثناء عليه.
وحكى أنه صار مدرساً بدار القراء التي عمرها المفتي سعدي أفندي.
وأنه كان ماهراً في العلوم العربية، والتفسير، والحديث، وعلوم القراءات، والفقه، وكانت له فيهما يد طولى، وكان أكثر فروع المذهب نصب عينيه.
وكان ورعاً، تقياً، زاهداً ناسكاً، متجمعاً عن الناس، لا يكاد يُرى إلا في المسجد، أو في بيته، ولا يلتذ بشيء سوى العبادة والعلم، ومذاكرته، والتصنيف.
وله عدة مصنفات: منها، كتاب سماه " ملتقى الأبحر "، وشرح " منية المصلي " سماه " بغية المُتملي، في شرح منية المصلي " أطنب فيه، وأجاد.
الجزء 1 · صفحة 68
واختصر " الجواهر المضية "، واقتصر فيه على من حوله تصنيف، أو له ذكرٌ معروف في كتب المذهب، واختصر " شرح العلامة ابن الهمام "، وانتقد عليه في بعض المواضع انتقادات لا بأس بها.
وبالجملة فقد كان من الفضلاء والمشهورين، والعلماء العاملين. رحمه الله تعالى.
69 - إبراهيم بن محمد بن أحمد
ابن قريش، أبو إسحاق، المذكر، المروزي
سكن سمرقند.
وروى عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الكاتب، وعبد الله بن محمود السعدي، المروزيين.
ذكره أبو سعد الإدريسي، في " تارخ سمرقند "، وقال: كتبنا عنه بسمرقند، لا بأس به، كان من أصحاب أبي حنيفة، ينتحل مذهب الزهد والتقشف.
ومات بسمرقند، في صفر، سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
والمروزي، نسبة إلى مرو الشاهجان.
70 - إبراهيم بن محمد بن أحمد
ابن هشام، الفقيه، أبو إسحاق
البخاري، المعروف بالأمين
سمع أبا علي صالحاً جزرة.
وقدم بغداد، وحدث بها، وروى عنه أهلها.
قال محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري: هو فقيه أهل النظر في عصره.
قدم علينا حاجاً، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
71 - إبراهيم بن محمد بن أحمد
البصراوي، الدمشقي، عماد الدين،
المعروف بابن الكيال
مولده سنة خمس وأربعين وستمائة.
سمع منابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن البخاري، وغيرهم.
وخدم في الديوان، مشارفاً مرة، وناظراً مرة، وغير ذلك.
ثم ترك الديوان، وولى إمامة الربوة.
ثم فرغ عنها، وولى إمامة المسجد المجاور لكنيسة اليهود بدمشق، وانقطع به للعبادة، وفرغ عن كل ما يشغله عنها، إلى أن مات بالمسجد المذكور، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
72 - إبراهيم بن محمد بن بن إسحاق
ابن إبراهيم بن نصرويه، أبو إسحاق
الدهقان، السمرقندي، النصروي
مولده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
قال الإدريسي أبو سعد: كتبنا عنه، وكان يحدثنا عن كتب جده إبراهيم بن نصرويه، وكان فاضلاً، من أصحاب الرأي.
73 - إبراهيم بن محمد بن أيدمر
ابن دقماق، صارم الدين، القاهري، الحنفي
مؤرخ الديار المصرية في زمانه.
ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، واشتهر بجد جده، فيقال له ابن دقماق.
واشتغل بالفقه يسيراً، واعتنى بالتاريخ، فكتب منه الكثير بخطه، وعمل " تاريخ الإسلام "، و " تاريخ الأعيان "، " وأخبار الدولة التركية " في مجلدين، " وسيرة الظاهر برقوق "، و " طبقات الحنفية "، لم أقف عليها إلى الآن.
وأخبرني قاضي العسكر، بولاية روملي عبد الكريم الشهير بابن قطب الدين، أن عنده منها نسختين، ووعدني بإعارة واحدة منهما، ولم يفعل.
وامتحن ابن دقماق بسبب هذه الطبقات؛ لأنه وجد فيها بخطه حطٌ شنيع على الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، فطولب بالجواب عن ذلك في مجلس القاضي الشافعي، فذكر أنه نقله من كتاب عند أولاد الطرابلسي، فعزره القاضي جلال الدين بالضرب والحبس، هذا مع أن الناس متفقون على أنه كان قليل الوقيعة في الناس، لا تراه يذم أحداً من معارفه، بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم، ويعتذر لهم بكل طريق.
وقال ابن حجر: كان يحب الأدبيات، مع عدم معرفته بالعربية، ولكنه كان جميل العشرة، كثير الفكاهة، حسن الود، قليل الوقيعة في الناس.
قال السخاوي: وهو أحد من اعتمده شيخنا - يعني ابن حجر - في " إنبائه ".
قال: وغالب ما نقله من خطه وخط ابن الفرات عنه، وقد اجتمعت به كثيراً.
ثم ذكر أنه بعد ابن كثير عندة العيني، حتى يكاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية، وربما قلده فيها يهم فيه، حتى في اللحن الظاهر. انتهى.
74 - إبراهيم بن محمد بن حمدان
الخطيب، المهلبي، أبو إسحاق
من طبقة أبي بكر محمد بن الفضل.
روى عنه الحسين بن الخضر بن محمد النسفي.
75 - إبراهيم بن محمد بن حيدر
ابن علي، أبو إسحاق المودني، الخوارزمي
أحد علماء أصحاب أبي حنيفة في وقته.
ولد في ذي الحجة، سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
الجزء 1 · صفحة 69
ذكره أبو بكر بن المبارك بن الشعار، فقال: جليل القدر، كثير المحفوظ، متقن في علوم الإسلام والشريعة، إمام في الفقه، والفرائض، وعلم التفسير، والحديث، والأصل، والكلام، مع معرفة النجوم، واللغة، والأدب.
وكان له اعتناء بتصانيف الزمخشري، كثير الميل إليها.
وذكر له تصانيف.
76 - إبراهيم بن محمد بن سالم الهيتي
القاضي، الإمام
عم محمد بن نصر الله بن سالم الهيتي، وجد إبراهيم بن محمد الأنصاري، المتقدم ذكره قريباً.
كان مقيماً بمشهد أبي حنيفة، رضي الله عنه.
وهو أستاذ الصفار المروزي.
رحمه الله تعالى.
77 - إبراهيم بن محمد بن سفيان
أبو إسحاق، النيسابوري
الفقيه الزاهد.
قال الحاكم أبو عبد الله ابن البيع: سمعت محمد بن يزيد العدل، يقول: كان إبراهيم بن سفيان مجاب الدعوة، وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد، صاحب الرأي الفقيه، الحنفي. انتهى.
وذكره في " تاريخ الإسلام "، وذكر جماعة ممن روي عنه، ونقل عن محمد بن أحمدبن شعيب، أنه قال: ما كان في مشايخنا أزهد ولا أكثر عبادة من إبراهيم بن محمد بن سفيان.
قال في " الجواهر ": وإبراهيم هذا هو راوي " صحيح مسلم "، عن مسلم.
قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب، في شهر رمضان، سنة سبع وخمسين ومائتين.
ومات إبراهيم في رجب، سنة ثمان وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
78 - إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عون
الطيبي، الدمشقي، الشاغوري، برهان الدين، أبو إسحاق
ولد سنة خمس وخمسين وثمانمائة، ورحل إلى مصر مرات.
وأخذ الحديث عن جماعة؛ منهم: الشيخ أمين الدين الأقصرائي.
وحل: مجمع البحرين "، و " شرحه " لابن الملك، على الشيخ أمين الدين المذكور.
وحضر دروس زين الدين ابن العيني، وكتب عنه بعض مؤلفاته.
وتلا بالسبع على الشمس ابن عمران، ببيت المقدس المقدس، وأفتى، ودرس.
وكان حسن الأخلاق، قليل الكلام، صبوراً على الأذى، مُحباً للطلبة، خصوصاً الفقراء والغرباء منهم، لا تعرف له صبوة.
وقلما وقعت مسألة خلافية إلا وانتصر بقول أئمتنا، وربما وضع فيها مؤلفاً.
وشرح " المقدمة الأجرومية "، وجمع منسكاً مفيداً.
وقرأ عليه صاحب " الغرف العلية "، وانتفع به، وذكر فيها ترجمة حافلة، ومنها لخصت هذه الترجمة.
قال: وقد جمعت ما تيسر لي من " فتاويه " في كراريس، سميتها " النفحات الأزهرية في الفتاوي العونية ".
وكانت وفاته سنة تسعمائة وست عشرة، وصلى عليه مفتي دار العدل جمال الدين ابن طولون، ودفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى.
79 - إبراهيم بن محمد بن شهاب الدين
أبو الطيب، العطار
حدث عن أبي مسلم الكجي، ومحمد بن يونس الكديمي، وعبد الله بن أيوب الخراز، وإبراهيم بن محمد العُمري.
وروى عنه أبو عبيد الله المرزباني، ومحمد بن طلحة النعالي.
وكان أحد متكلمي المعزلة.
وعن محمد بن عمران المرزباني، وقال: كان أبو الطيب إبراهيم بن محمد بن شهاب العطار أحد مشايخ المتكلمين، والفقهاء على مذهب العراقيين، عاشرني في منزلي أربعين سنة، أو أكثر منها، معاشرة متصلة غير منقطعة.
ومات في شهر ربيع الآخر، سنة ست وخمسين وثلاثمائة، عن أربع وثمانين، أو خمس وثمانين سنة. رحمه الله تعالى.
80 - إبراهيم بن محمد بن طنبغا الغزي
اشتغل، وحصل، وأخذ عن الكافيجي.
ونظم " المجمع ".
وولي قضاء غزة غير مرة، وكذا قضاء صفد، ثم اقتصر على الشهادة.
كذا ذكره السخاوي، ثم قال: وهو الآن حي يرزق.
81 - إبراهيم بن محمد بن عبد الله
ابن سعد بن أبي بكر
ابن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد الدين اليري
قاضي القضاة، برهان الدين، ابن قاضي القضاة شمس الدين.
من بيت العلم، والفضل، والرياسة، والتقديم. وفي الكتاب منهم جماعة كثيرة.
ذكره الحافظ جلال الدين السيوطي، في " أعيان الأعيان "، وقال: ولد سنة عشر وثمانمائة.
وسمع على والده، وعلى الشرف ابن الكويك.
وتفقه، وبرع، وتفنن.
وولي نظر الإصطبل، ثم كتابة السر، ثم مشيخة المؤيدية، ثم قضاء الحنفية.
مات في سنة ست وسبعين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 70
وذكره السخاوي في كتابه " بغية العلماء، والرواة "، الذي جعله ذيلاً على كتاب " رفع الإصر عن قضاة مصر "، لشيخه الحافظ شهاب الدين ابن حجر، فقال ما ملخصه: إنه ولد في ثاني عشر جمادي الآخرة، سنة عشر وثمانمائة، ببيت المقدس.
وقدم مع أبيه القاهرة وهو صغير، وحفظ القرآن العظيم، ثم حفظ " المغني " للخبازي، و " المختار " و " المنظومة "، و " التلخيص "، وكذا حفظ " الحاجبية " في سبعة وعشرين يوماً، وقطعة من " مختصر ابن الحاجب ".
وتفقه بالسراج قارئ " الهداية "، قرأ عليه " الهداية " بكمالها، وكذا أخذ عن والده، وأخيه سعد الدين الآتي ذكره، وعنه أخذ أصول الدين.
وأخذ العربية وغيرها عن الشهاب الحناوي، والعز عبد السلام البغدادي، وكتب الخط الحسن.
ودرس بالفخرية في حياة والده، قبل استكماله خمس عشر سنة، وناب عنه في مشيخة المؤيدية.
وعرف بقوة الحافظة، وولي تدريس الفقه بمدرسة سودون من زاده، وناب عن أخيه في القضاء بتفويض من السلطان، ثم وليه استقلالاً بعد صرف القاضي محب الدين ابن الشحنة، فباشره مباشرة حسنة، بفقهٍ ونزاهة، وأكد على النواب في عدم الارتشاء، وحسن تصرفه في الأوقاف وغيرها، وحمدت سيرته، وسلك طريق الاحتشام.
ثم صرف بعد مدة بالمحب ابن الشحنة المذكور، ولزم منزله بالمؤيدية، يفتي، ويدرس، مع الانجماع عن الناس، والتقنع باليسير، بالنسبة إلى ما ألفه قبل ذلك، وسلوك مسالك الاحتشام، ومراعاة ناموس المناصب، مع ما اشتملت عليه من حسن الشكالة، والفصاحة في العبارة، وقوة الحافظة، وحسن العقيدة، وعدم الخوص فيما لا يعنيه.
وله نظم رقيق، فمنه ارتجالاً قوله:
كَرِيمٌ إذا مَا القومُ شَحُّوا تراكَمتْ ... عَطَايَاهُ عَن بِشْرٍ يَفوحُ بِنَشْرِه
يَجُودُ بمَا يَلْقاهُ من كُلِ نِعْمةٍ ... ويُعْطِي جَزِيلاً ثمَّ يأتي بعُذْرهِ
ومنه أيضاً:
تَباشِيرُ الصَّباحِ لنا أبَاحَتْ ... دَمَ العُنْقودِ في وقتِ الصَّبُوح
ونَشْرُ الرَّوضِ هَيَّجَ كُلَّ صَبٍّ ... إلى لُقْياكَ بالخَبَرِ الصَّحِيحِ
وماءُ المُزْنِ صَبَّ لنا مِزاجاً ... فخُذْ بُشْرَاكَ من قَوْلٍ نَصُوحِ
إذا ما الغَيْمُ قطَّبَ كُنْ بَشوشاً ... وهَيِّئ من غَبُوقكَ للصَّبُوحِ
وكانت وفاته ليلة الجمعة، تاسع المحرم، في التاريخ المتقدم، وصلى عليه من الغد، ودفن بالقرافة، بجوار الشيخ أبي الخير الأقطع، والبوصيري، صاحب " البردة "، وتأسف الناس عليه. رحمه الله تعالى.
82 - إبراهيم بن محمد بن عبد الله الظاهري
أخو أبي العباس أحمد، الآتي ذكره في بابه.
سمع من أبي إسحاق إبراهيم بن خليل، أخي الحافظ يوسف بن خليل " معجم الطبراني الصغير "، وكتاب " اقتضاء العلم العمل " للخطيب، وسمع غيره.
وروى، وحدث.
ومات في سابع عشر ذي الحجة، سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، ودفن بباب النصر.
وكان مولده بحلب، سنة سبع وأربعين وستمائة.
83 - إبراهيم بن محمد بن عبد المحسن
ابن خولان الدمشقي، الحنفي
قال السخاوي: ذكره شيخنا في " معجمه "، وقال: رافقنا في سماع الحديث بالقاهرة، ثم ولي وكالة بيت المال، بدمشق، وكانت لديه فضائل.
وحدث عن أبي جعفر الغرناطي المعروف بابن الشرقي، بكثير من شعره.
ومن النوادر التي كان يخبر بها، أن رجلاً من أصدقائه ماتت امرأته، فطالت عُزبته فسئل عن ذلك، فقال: لم أهم بالتزويج إلا رأيتها في المنام، فأواقعها، فأصبح وهمتي باردة عن ذلك.
قال: فاتفق أنه تزوج أختها، بعد ثلاث سنين، فلم يرها بعد ذلك في المنام.
مات في الكائنة العظمى، فيما أظن.
وترجمه أيضاً فيما قرأته بخطه، فيما استدركه على المقريزي، فقال: سمع كثيراً، وولى وكالة بيت المال، بدمشق، وكان يلازم يلبغا السالمي، فاعتنى به، وكان لطيف المحاضرة.
مات بدمشق، في الفتنة العظمى، سنة ثلاث وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
84 - إبراهيم بن محمد بن علي بن غالب
الإستراباذي، أبو القاسم
كان قاضياً بإستراباذ.
تفقه على أبيه محمد بن علي، من أصحاب الصيمري.
كذا ذكره في " الجواهر "، من غير زيادة.
الجزء 1 · صفحة 71
85 - إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد ابن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير
العقيلي، الحلبي، جمال الدين، ابن ناصر الدين،
ابن كمال الدين، المشهور بابن العديم
من بيت كبير مشهور بحلب، تحلى أكثر أهله بفضيلتي العلم والرياسة.
ولد في سادس ذي الحجة، سنة إحدى عشرة وسبعمائة تقريباً.
وسمع " صحيح البخاري " على الحجار بحماة، وسمع من العز إبراهيم بن صالح بن العجمي، والكمال ابن النحاس، وحفظ " المختار ".
وولي قضاء حلب، بعد أبيه، إلى أن مات، إلا أنه تخلل في ولايته أنه صرف مرة بابن الشحنة.
قال علاء الدين في " تاريخه ": كان عاقلاً، عادلاً في الحكم، خبيراً بالأحكام، عفيفاً، كثير الوقار والسكون، إلا أنه لم يكن نافذاً في الفقه، ولا في غيره من العلوم، مع أنه درس بالمدارس المتعلقة بالقاضي الحنفي كالحلاوية، والشادبختية، وكان يحفظ " المختار "، ويطالع في " شرحه ".
قال ابن حجر: وقرأت بخط البرهان المحدث، أن ابن العديم هذا ادعى عنده مُدع على آخر بمبلغ، فأنكره، فأخرج المدعي وثيقة فيها: أقر فلان بن فلان.
فأنكر المدعى عليه أن الاسم المذكور في الوثيقة اسم أبيه.
قال: فما أسمك أنت؟ قال: فلان.
قال: واسم أبيك؟ قال: فلان.
فسكت عنه القاضي، وتشاغل بالحديث مع من كان عنده، حتى طال ذلك، وكان القارئ يقرأ عليه في " صحيح البخاري "، فلما فرغ المجلس، صاح القاضي: يا ابن فلان، فأجابه المدعى عليه متبادراً.
فقال له: أدفع لغريمك حقه.
فاستحسن من حضر هذه الحيلة، التي استغفل المدعى عليه، حتى التجأ إلى الاعتراف.
وكانت وفاته في سادس عشري المحرم، سنة سبع وثمانين وسبعمائة.
قال: وقرأت بخط البرهان الحلبي: كان من قضاة السلف، وفيه مواظبة على الصلوات في الجامع، نظيف اللسان، وافر الفضل، طويل الصمت والمهابة، في غاية العفة، مع المعرفة بالمكاتيب والشروط، كبير القدر عند الملوك والأمراء، وله مكارم ومآثر، وكان حسن النظر في مصالح أصحابه. رحمه الله تعالى.
86 - إبراهيم بن محمد بن محمد
ابن عمر بن محمود، سعد الدين بن محب الدين،
القاضي، شمس الدين
سبط السراج، قارئ " الهداية "، ويعرف بابن الكماخي.
أحد نواب الحنفية كأبيه وجده.
ولد في تاسع عشر شعبان، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة.
ونشأ، فحفظ القرآن، وكتبا، وعرض، واشتغل في الفقه، وأصوله، والعربية، وغيرها، وشارك في الفضائل.
ومن شيوخه الأمين الأقصرائي، والسمني.
وكان عاقلاً، متودداً، محتشماً، لطيف العشرة.
واستقر بعد أبيه في تدريس الفقه بالظاهرية القديمة، محل سكنهم، وبمدرسة قلمطاي بالقرب من الرملة، وباشر في عدة جهات، وحج غير مرة، وجاور.
ومات في يوم الاثنين، ثامن ربيع الأول، أو ليلة التاسع منه، سنة ست وثمانين وثمانمائة، وصلى عليه من الغد.
ومما كتبه عنه الشهاب الحجازي، من نظمه، قوله:
مِن رَحْمةِ الرحمنِ لا تيْأَسَنْ ... إن كنتَ في العَالَمِ ذا مَرْحَمَه
فمَن يَكُنْ في الناسِ ذا رَحمةٍ ... حُقَّ على الرَّحمَنِ أن يَرْحَمَهْ
87 - إبراهيم بن محمد بن نوح بن محمد بن زيد
ابن النعمان بن عبد الله بن زيد بن نوح
النوقدي، النوحي، الفقيه
يروى عن أبي بكر بن بندار الإستراباذي، وأبي حفص محمد بن إبراهيم النوقاني. وغيرهما.
روى عن أبو العباس المستغفري، وغيره.
مات في ذي القدة، سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
والنوقدي، بفتح النون، وسكون الواو، وفتح القاف، وفي آخرها دال مهملة؛ نسبة إلى نوقد قريش، وهي من قرى نسف.
88 - إبراهيم بن محمد بن يوسف
العابودي، المنعوت كمال الدين، أبو إسحاق
المعروف جده بإمام الحرمين.
تفقه يسيراً، وكان إماماً في الشعر.
قال في " الجواهر ": رأيت بخط الحافظ اليغموري، أنشدني كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يوسف العابودي، سنة ثلاثين وستمائة، بدمشق:
قُلْتُ وجَفْنُ الليلِ مُغْرَوْرِق ... ومَوْعِدُ الإصْبَاحِ قد فَاتَا
ما طَالَ لَيْلي وجَرَى مَدْمَعِي ... إلا لأنَّ الصُّبحَ قدْ مَاتَا
89 - إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الفقيه
الدهستاني
الجزء 1 · صفحة 72
دخل نيسابور في سنة نيف وستين وأربعمائة، وتفقه في مدرسة الإمام الصندلي، ومهر، في الفقه، وصار من المدرسين والمسئولين.
وسمع " سنن أبي داود " على أبي الحسين أحمد بن عبد الرحيم الحاكم الإسماعيلي.
وكان إمام الحرمين يقبل عليه في مجالس المناظرة، كعادته يشم منه رائحة التحقيق في أي فن كان.
وولي قضاء الريّ.
وكان يحفظ طريقة أبي زيد الدبوسي، على وجهها، ويتكلم في مناظرته بها.
وذكره الهمذاني في " الطبقات " من أصحاب الصندلي، وقال: قرأ على أبي زيد الفرائض والحساب.
ووهب له معين الملك " تفسير أبي العباس السمناني " قاضي الري، وهو ثلاثة عشر مجلداً كباراً ضخمة، ابتغاها من تركة أبي يوسف القزويني.
وكانت وفاة الدهستاني، فيما يقال: سنة ثلاث وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
90 - إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق،
الموصلي، القاضي
قال في " الجواهر ": درس بالمدرسة الصادرية.
ومات سنة ستين وخمسمائة.
ذكره الذهبي في " تاريخه ".
91 - إبراهيم بن محمد، برهان الدين القرمي
القاهري
ابن أخي النجم إسحاق، الآتي ذكره.
لازم عمه المذكور، والأمين الأقصرائي.
وفهم، وحصل، وتكسب بالشهادة، وحج غير مرة.
وسعى في قضاء العسكر، فأجيب إليه، لكنه أجاب داعي الله قبله، ومات فجأة، ليلة الأربعاء، تاسع ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وثمانمائة.
وكان يذكر بديانة، وهمة، وتودد، ومساعدة. رحمه الله تعالى.
92 - إبراهيم بن محمد الرومي الحنفي
كان عالماً، عاملاً، فقيهاً، فاضلاً، يرجع إليه في أمر الفتوى في زمانه.
كذا ترجمه في " الشقائق "، من غير زيادة.
93 - إبراهيم بن محمود الغزنوي أبو إسحاق
قال عبد القادر: تفقه يسيراً، وله شعر حسن.
سمع منه الحافظ الدمياطي، وأنشد من شعره قوله:
ورشيقٍ دَمْعي عليه طَلِيقٌ ... وفُؤادِي الْعانِي لَدَيْه أسيرُ
أمَّرُوهُ على المِلاجِ وهذا ... شَعرُه إن شككْتُمُ المنشورُ
كُلَّما جاء بالمَلامِ عَذُولِي ... قُلتُ ذا مُنكَرٌ وهذا نَكِيرُ
ومولده سنة خمس وستمائة تقريباً.
ودرس بمدرسة الصادرية، بدمشق.
94 - إبراهيم بن محمود بن أحمد
ابن حسن، أبو الطيب، الأقصرائي الأصل، المواهبي
نسبة إلى شيخ يقال له أبو المواهب، وكان يقرأ عليه فاشتهر به.
أخذ عن إينال باي الفقه.
وأثنى عليه القاضي خير الدين السخاوي قاضي المالكية بطيبة، وتكلم فيه غيره، والله أعلم بحاله.
95 - إبراهيم بن معقل، أبو إسحاق، النسفي
قاضي نسف.
ذكره في " تاريخ دمشق ".
وروى له حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أحدهما عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " من صلى صلاة الضحى بنى الله له قصراً في الجنة من ذهب "، وفي رواية أخرى: " من صلى ثنتى عشرة ركعة من الضحى بنى له بيت في الجنة ".
والحديث الثاني، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بني الإسلام على خمسة أسهم، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول عبد هـ ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ".
ولم يؤرخ وفاته.
وقال في " الجواهر ": مات سنة خمس وتسعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
قلت: وذكره الذهبي، في " تاريخ الإسلام "، فقال: إبراهيم بن معقل بن الحجاج، أبو إسحاق، النسفي، قاضي نسف وعالمها.
رحل، وكتب الكثير.
وسمع جباره بن المغلس، وقتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار، وأقرانهم.
وروى " الصحيح " عن أبي عبد الله البخاري.
وكان فقيه النفس، عارفاً باختلاف العلماء.
وروى عنه ابنه سعيد، وعبد المؤمن بن خلف، ومحمد بن زكريا، النسفيون، وخلف بن محمد الخيام، وخلق سواهم.
صنف " المسند "، و " التفسير "، وغير ذلك.
وتوفي في ذي الحجة، سنة خمس وتسعين ومائتين. انتهى.
96 - إبراهيم بن منصور
سبط حفص بن عبد الرحمن، راوي وفاة جده حفص، على ما يأتي.
كذا في " الجواهر " من غير زيادة.
97 - الفقيه، الصالح.
قال الخزرجي: كان فقيهاً، صالحاً، ورعاً، ناسكاً.
وكان مولده سنة تسع وثمانين وستمائة.
وهو أحد الفقهاء المدرسين على مذهب الإمام أبي حنيفة، درس بالدعاسية بزبيد.
الجزء 1 · صفحة 73
وكان ذا مروءة، وحسن خلق.
وتوفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
98 - إبراهيم بن موسى بن أبي بكر
ابن الشيخ علي الطرابلسي، الحنفي
نزيل القاهرة.
أخذ في دمشق، عن جماعة، منهم: الشرف ابن عبيد، وقدم معه القاهرة، حين طلب لقضائها.
ولازم الصلاح الطرابلسي، ورغب له عن تصرفه بالمؤيدية، لما أعطي مشيخة الأشرفية.
وأخذ عن الديمي " شرح ألفية العراقي " للناظم، وعن السباطي أشياء.
قال السخاوي: وكذا سمع على " شرح معاني الآثار " لمحمد بن الحسن، وغيرهما، وعلق عني بعض التآليف.
وهو فاضل، ساكن، دين. رحمه الله تعالى.
ورأيت بخط الشيخ العلامة علي ابن غانم المقدسي، مفتي الديار المصرية، أن من تآليف صاحب الترجمة كتاب " الإسعاف في أحكام الأوقاف "، وكتاب " مواهب الرحمن في مذهب النعمان " وشرحه سماه " البرهان ".
99 - إبراهيم بن موسى، أبو إسحاق
الفقيه الوزدولي
ذكره السهمي في " تاريخ جرجان "، فقال: روى عن المعتمر بن سليمان، وعبد الله ابن المبارك، وفضيل بن عياض، وخالد بن نافع، وأبي معاوية، وابن عيينة، وابن علية، ومن في طبقتهم.
روى عنه عبد الرحمن بن عبد المؤمن، وأحمد بن حفص السعدي، وغيرهما.
روى عن جعفر بن محمد الفريابي، وكان أحد المتعصبين على أصحاب أبي حنيفة، انه قال: دخلت جرجان، فكتب عن العصار، والسباك، وموسى بن السندي، فقيل: يا أبا بكر، وإبراهيم بن موسى الوزدولي؟ قال: نعم، كان يحدث هناك، ولم أكتب عنه، لأني لا أكتب عن أصحاب الرأي، وإبراهيم شيخ أصحاب الرأي.
وروى له في " التاريخ " المذكور بإسناده إلى أبي الحسن القصري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من زعم أنه عالم فهو جاهل ".
وكان لإبراهيم ولد فاضل مُحدث، صنف الكتب والسير، وهو مستقيم الحديث. رحمهما الله تعالى.
100 - إبراهيم بن ميمون، الصائغ، المروزي
روى عن أبي حنيفة، وعطاء، وغيرهما.
وروى عنه حسان بن إبراهيم، وغيره.
وروى له النسائي، وأبو داود.
وقال النسائي: لا بأس به.
قال السمعاني: كان فقيهاً فاضلاً، قتله أبو مسلم الخراساني بمرو، سنة إحدى وثلاثين ومائة.
قال ابن المبارك: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا إنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلاً عاقلاً، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر.
قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله تعالى، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدمت إليه بالشيء، فيسألني عنه، ولا يرضاه، ولا يذوقه، وربما رضيه فأكله.
*فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا عل أنه فريضة من الله تعالى، فقال لي: مد يدك حتى أبايعك.
فأظلمت الدنيا بيني وبينه.
فقلت: ولم؟
قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل واحد قتل ولم يصلح للناس أمرٌ، ولكن إن وجد أعواناً صالحين، ورجلاً يرأس عليهم مأموناً على دين الله، فنعم.
وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي الغريم الملح، فأقول: هذا أمر لا يصلح بواحدٍ، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كالفرائض، يقوم بها الرجل وحده، وهذا متى أمر الرجل به وحده أشاط بدمه، وعرض نفسه للقتل فأخاف أن يعين على قتل نفسه، ولكن ننتظر، فقد قالت الملائكة: (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيها) الآية سورة البقرة 30.
ثم خرج إلى مرو، حتى كانأبو مسلم فكلمه بكلام غليظ، فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء خراسان وعبادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده، فزجره، ثم عاوده، ثم قال: ما أجد شيئاً أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنك بلساني، ليس لي قوة بيدي، ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه. فقتله، رحمه الله تعالى.
وروى ابن عساكر في " تاريخ دمشق " بسنده، عن الحسن بن رشيد العنبري، قال: سمعت يزيد النحوي، يقول: أتاني إبراهيم الصائغ، فقال لي: ما ترى ما يصنع هذا الطاغية! - يعني أبا مسلم الخراساني - إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم.
قال: قلت لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت؛ إن أمرت ونهيت، يقبل منا أو يقتلنا، ولكن أخاف أن يبسط علينا، وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط.
فقال الصائغ: لكن لا أنتي عنه.
الجزء 1 · صفحة 74
قال: فذهب إبراهيم، فدخل على أبي مسلم، فأمره ونهاه، فقتله على ذلك.
وعن الحسن بن رشيد، أيضاً، أنه قال: سمعت النعمان: أنا حدثت إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله على ذلك ".
وعن الحسن بن رشيد أيضاً، قال: دعا أبو مسلم الناس إلى البيعة، فدعا الصائغ، فقال له: بايع طوعاً غير كاره.
فقال الصائغ: لا، بل كرهاً غير طائع.
قال: فكيف بايعت لنصر بن سيار؟ قال: إني لم أسأل عن ذلك، ولو سئلت لقلت.
وقال أحمد بن سيار: وذكر يعمر بن بشر، قال: كتب إبراهيم الصائغ إلى أبي مسلم بكتاب، يأمره وينهاه، وذكر أنه كان بين أبي مسلم وبينه اجتماع أيام دعوته، وأن أبا مسلم وعده القيام بالحق، والذب عن الحرام أيام دولة بني أُمية؛ فلما ملك أبو مسلم وبسط يده، دخل عليه إبراهيم الصائغ، فوعظه ونهاه.
فقال أبو مسلم: يا إبراهيم، أين كنت عن نصر بن سيار، وهو يتخذ زقاق الذهب للخمر فيبعث بها إلى الوليد بن يزيد!؟.
فقال إبراهيم: إني كنت معهم أخشى، وأنت وعدتني أن تعمل بالحق وتقيمه.
فكف عنه أبو مسلم، وكان إبراهيم يظهر مخالفته إياه، ومع ذلك لا يدع ما يمكنه.
تغمده الله برحمته؛ فما كان أحبه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وروى ابن عساكر، بسنده عن علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، قال: لما قتل أبو مسلم إبراهيم الصائغ، فأحببت أن أراه في المنام، فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي مغفرة ليس بعدها مغفرة.
قلت: فأين يزيد النحوي؟ قال: أيهات، هو أرفع مني بدرجات.
قلت: لم وقد كنتما سواء؟ قال: بقراءة القرآن.
قال: ورأيت في منامي رجلاً على مصلاة على النار يغلي، فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبو مسلم.
قال علي: فأخبرتني بعض أهل بيتي، عن أبي، قال: قيل لي في منامي: إنه سيرى في كل بلاد خراسان مثل ما رأيت في هذه الليلة.
وبالجملة، فقد كان إبراهيم من العلماء العاملين الآمر بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذابين عن محارم الله، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته، وبركات علومه، في الدنيا والآخرة، آمين.
101 - إبراهيم بن نصرويه بن سختام
روى عنه ابنه على الآتي ذكره وذكر أخيه إسحاق، إن شاء الله تعالى.
102 - إبراهيم بن والي الذكرى
الأصل، العزي المنشأ والدار
ذكره في " الغرف العلية "، وقال: قدم علينا في صفر، سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، وأراني " نظم الأجرومية ".
ثم إنه - أعني صاحب " الغرف " - ذكر له جماعة ممن نظم الأجرومية وشرحها، وذكر أنه أنشده بعض الأشعار، وساق منها شيئاً لم أكتبه؛ لسفم النسخة، وتحريف الكاتب، وإن ظفرت له بشيء صحيح ألحقته. تغمده الله برحمته.
103 - إبراهيم " بن يحيى " بن أحمد البصراوي
الشيخ الإمام، المحدث، عماد الدين، أبو إسحاق
ذكره في " الغرف العلية ".
ونقل عن البرزالي، أنه ولد سنة خمس وأربعين وستمائة.
وأنه قرأ القرآن، وسمع الحديث، وقرأ على الشيوخ كثيراً من الكتب والأجزاء، وكان مشهوراً بحسن القراءة.
وبعد مُلازمته للطلب والاشتغال بالعلم، خدم في الديوان، وحصل له دنيا وافرة.
ثم إنه رأى رؤيا أوجبت له التوبة والإقلاع عما كان فيه، وحج ولازم المسجد والتلاوة، وبقي على ذلك عشرين سنة، وعرض له صمم في آخر عمره.
ومات سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
104 - إبراهيم بن يعقوب بن إبراهيم
وهو أخو الإمام يوسف بن أبي يوسف.
تفقه على أبيه، رحمه الله تعالى.
ذكره في " الجواهر "، هو والذي قبله.
105 - إبراهيم بن يعقوب بن البهلول
التنوخي، أبو إسحاق، الأنباري
من بيت كبير، مشهور بالعلم والتقدم ورواية الحديث.
روى عنه ابن أخيه أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب حكاية.
ويأتي أحمد، في بابه، إن شاء الله تعالى.
106 - إبراهيم بن يعقوب بن أبي نصر
ابن أبي النصر بن مدوسة، الواعظ، الكاشاني
سكن سمرقند، وتولى خطابتها نيابة عن محمود بن أحمد الشاغرجي، الملقب شيخ الإسلام.
سمع بالكشانية أباه، وبسمرقند أبا إبراهيم إسحاق بن محمد الخطيب النوحي.
الجزء 1 · صفحة 75
وكان فقيهاً، فاضلاً، عارفاً بمذهب أبي حنيفة، وروايته، مفسراً، واعظاً، حسن السيرة.
ولد في عشر ذي القعدة، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وتوفي بسمرقند، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، رحمه الله.
107 - إبراهيم بن يوسف بن رستم
قال في " الجواهر ": هكذا نسبه في " مآل الفتاوى " فلا أدري؛ أهو إبراهيم بن رستم، الإمام المذكور قبله، ونُسب إلى جده رستم، أو غيره؟ ولا أعلم أحداً من الحفاظ ذكر أن رستم جد إبراهيم، والله تعالى أعلم.
108 - إبراهيم بن يوسف بن علي
البرهان، أبو إسحاق، القاهري، الحنفي، المعروف،
بابن العداس
ولد تقريباً في العشر الأوسط من شهر رمضان، سنة إحددى وأربعين وسبعمائة.
واشتغل بالفقه، والقراءات، وغيرهما.
وقرأ على السيخ أكمل الدين " شرحه للهدايا "، وغيره، وعلى التقي ابن البغدادي " الصحيحين "، وعلى الجمال ابن خير أولهما.
وفضل بحيث ناب في القضاء.
وحدث، سمع منه الزين رضوان، والشمس محمد بن علي بن محمد بن عبد الكريم الفوي.
وروى عنه بالإجازة التقى السمني.
مات في ليلة الاثنين، سابع جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
109 - إبراهيم بن يوسف بن محمد
ابن البوني، أبوالفرج
إمام مِحراب الحنفية بدمشق.
مقرئ، مُحدث.
روى عن أبي القاسم ابن عساكر.
ومات سنة اثنتي عشرة وستمائة. رحمه الله.
110 - إبراهيم بن يوسف بن ميمون
ابن قدامة، وقيل ابن رزين، أبو إسحاق، الباهلي
عرف بالماكياني؛ نسبة إلى جده، فيما ذكره السمعاني.
وهو أخو عصام، ومحمد، ووالد عبد الله وعبد الرحمن، الآتي كل منهم في بابه.
وإبراهيم هذا هو الإمام المشهور، الكبير المحل عند أصحاب أبي حنيفة، وشيخ بلخ، وعامها في زمانه.
لزم أبا يوسف حتى برع، وروى عن سفيان بن عُيينة وإسماعيل بن عُلية، وحماد بن زيد.
وروى عن مالك بن أنس حديثاً واحداً، عن نافع مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ".
وسبب تفرده أنه دخل على مالك وقتيبة بن سعيد حاضر، فقال لمالك: إن هذا يرى الإرجاء. فأمر أن يقام من المجلس، ولم يسمع غير هذا الحديث، ووقع له بهذا مع قتيبة عداوة، فأخرجه من بلخ، فنزل بغلان، وكان بها إلى أن مات.
وروى النسائي عن إبراهيم هذا، وقال: ثقة.
وذكره ابن حبان في " الثقات ".
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب " الرد على الجهمية ": حدثني عيسى بن بنت إبراهيم بن طهمان، قال: كان إبراهيم بن يوسف شيخاً جليلاً فقيهاً، من أصحاب أبي حنيفة.
طلب الحديث بعد أن تفقه في مذهبهم، فأدرك ابن عيينة ووكيعاً.
*فسمعت محمد بن محمد بن الصديق، يقول: سمعته يقول القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق فهو كافر، بانت منه امرأته، ولا يصلى خلفه، ولا يصلى عليه إذا مات، ومن وقف فهو جهمي.
*وقال أحمد بن محمد بن الفضل: سمعت محمد بن داود الفرعي، يقول: حلفت أن لا أكتب إلا عن من يقول: الإيمان قول وعمل.
فأتيت إبراهيم بن يوسف، فقال: اكتب عني فإني أقول: الإيمان قول وعمل.
*وكان عصام بن يوسف، أخو إبراهيم هذا يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرفع، وكان إبراهيم لا يرفع.
توفي سنة إحدى وأربعين، في أولها، وقيل: سنة تسع وثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى.
111 - إبراهيم بن يوسف
*روى عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يحل لأحدٍ أن يُفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قُلنا.
قال في " الجواهر ": ولعله الذي قبله، والله تعالى أعلم.
112 - إبراهيم، تاج الدين الرومي، الشهير بابن الخطيب
قرأ على المولى يكان، ودأب، وحصل، وصارت عنده مهارة تامة في غالب الفنون، وصار مدرساً بمدرسة أزنبق.
وكان شيخاً فاضلاً، صاحب شيبه نيرة، وأخلاق حميدة.
توفي في أوائل سلطنة السلطان محمد خان ببلدة أزنبق، تغمده الله تعالى برحمته.
113 - إبراهيم السيد الشريف العجمي
ثم الرومي، الشهير ببير أمير كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين، ومن أبناء الأكابر.
اشتغل، وحصل، وأخذ عن المولى حسن السامسوني، والمولى خواجا زاده.
وصار مدرساً بعدة مدارس، وصار أيضاً مُفتياً بمدينة أماسية.
الجزء 1 · صفحة 76
وكانت وفاته سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، وقد أناف على التسعين، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه.
وكان مجرداً، لم يتأهل قط، وأفنى عمره في الأشتغال والعبادة.
وكان فقيهاً بتلك الديار منقطع القرين، وكان يكتب الخط المليح جداً.
وعمى في آخر عمره، ثم عولج فأبصر بعينه الواحدة، واكتفى بها إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
114 - إبراهيم الرومي، الشهير بابن الأستاذ
كان أبوه دباغاً، وهو فيما قيل: أول من صبغ الجلود اللازوردية.
ورغب ابنه في الاشتغال، والتحصيل، وقرأ على المولى سنان باشا، وغيره.
وصار مدرساً بأنقرة وأماسية، وقاضياً ببعض النواحي.
وكان عنده فضيلة تامة، وله في العلوم مشاركة، رحمه الله تعالى.
115 - إبراهيم بن الكركي الحنفي
المصري، قاضي القضاة، برهان الدين
ولي قضاء الديار المصرية عوضاً عن عبد البر ابن الشحنة، سادس عشر رجب، سنة ثمان عشرة وتسعمائة، وكان له نهار مشهور.
وتوفي سنة ثلاث وعشرين وصلى عليه الغائب بدمشق.
كذا نقلته من " الغرف العلية ".
116 - أحمد بن إبراهيم بن أسد
ابن أحمد بن محمد الهروي
والد نصر الفقيه الآتي ذكره، وتقدم أبوه إبراهيم.
روى عنه ابنه نصر.
117 - أحمد بن إبراهيم بن أيوب،
شهاب الدين، العينتابي
قاضي العسكر، بدمشق.
قال الوالي العراقي: اشتغل على الشيخ رضي الدين المنطيقي.
ودرس بعدة مدارس بدمشق.
وقال ابن حجر: تفقه، ودرس.
وجمع " شرحاً للمُغني "، وشرح " مجمع البحرين " في ست مجلدات.
ومات في المحرم، سنة سبع وستين وسبعمائة.
وذكره ابن حبيب في " تاريخه "، وقال في حقه: إمام شهابه لامع، وسحابه هامع، وقلمه لأشتات الفضائل جامع، وكلمه يفيد الطالب ويطرب السامع.
كان ذا شكل حسن، وبراعة ولسن، وأخلاق جميلة، وطريقة معروفة بالفضيلة، عادلاً، في أحكامه، بارعاً في مذهب إمامه.
أقام بحلب مدة، من الدهر، ثم استوطن دمشق، مُنتقلاً من النهر إلى البحر.
أفتى، ودرس، ونوع، وجنس، وحرر المنقول من النقول، وشرح " مجمع البحرين " و " المُغني " في الأصول.
وقال أحمد بن محمد بن الشحنة، ومن خطه نقلت: شرح " معجم البحرين "، وقفت عليه، واسمه " المنبع في شرح المجمع "، و " المرتقي في شرح الملتقي "، وهو في ست مجلدات كبار، نحو ثلاثمائة كراس.
118 - أحمد بن إبراهيم بن داد
ابن دنكة التركي، أبو العباس، القاضي محيي الدين
مولده سنة أربع وسبعين وستمائة، بالقاهرة.
تفقه على والده، ثم ورد حلب، ودرس بها في عدة مدارس.
وولي مشيخة الخانقاة المقدمية، وأذن له والده في الفتوى، وانتهت إليه رياسة الحنفية بحلب في زمانه.
وكان حياً بحلب، في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
قاله في " الجواهر ".
وقال ابن حجر: إنه مات في السنة المذكورة. رحمه الله تعالى.
119 - أحمد بن داود المعري،
الحلبي، شهاب الدين، أبو العباس، المعروف بابن البرهان
ذكره في " تاج التراجم " وقال: كان فقيهاً، فاضلاً، له مشاركة في علوم عديدة، ومصنفات مفيدة، شرح " الجامع الكبير "، وانتفع به الصغير والكبير.
وكانت وفاته سادس عشر رجب الفرد، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وذكره أيضاً ابن حبيب، فقال: عالم شهابه زاهر، وبرهانه ظاهر، وبحل فضله زاخر، ودُر مصنافاته فاخر.
كان خيراً ديناً، فاضلاً متفنناً، بارعاً في مذهبه، عارفاً بمعجمه ومعربه، مواظباً على التعليم والتعريف، ماهراً في القراءات والنحو والتصريف، متصدياً للفتوى، سالكاً طريق العُزلة والتقوى.
باشر بحلب تدريس الشهابية، ونيابة الحكم العزيز، ونصب حال جماعة من الطلبة على المدح والتميز.
وكانت وفاته بها وقد جاوز الستين، تغمده الله برحمته، آمين.
120 - أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني
ابن أبي إسحاق، أبو العباس، السروجي
قاضي القضاة بمصر.
ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة، أو بعدها، وتفقه على مذهب أحمد، فحفظ بعض " المقنع "، ثم تحول حنفياً، فحفظ " الهداية "، وأخذ عن الشيخ نجم الدين أبي الطاهر إسحاق بن علي بن يحيى، وصاهره على ابنتيه، وأخذ أيضاً عن القاضي صدر الدين سليمان ابن أبي العز، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 77
وبرع في المذهب، وأتقن الخلاف، واشتغل في الحديث والنحو، وشارك في الفنون، وصار من أعيان الفهاء، وفقهاء الأعيان.
وشرع في " شرح " على " الهداية " أطال فيه النفس، وهو مشهور، ولم يكمل، تكلم فيه على الأحاديث، وعللها.
وكان قد سمع الحديث من محمد بن أبي الخطاب بن دحية، وغيره.
فلما مات معز الدين النعمان قرر عوضه في قضاء الحنفية، وحكى عنه أنه شرب ماء زمزم لولاية القضاء، فحصل له.
وكان مشهوراً بالمهابة، والعفة والصيانة، والسماحة، وطلاقة الوجه، مع عدم مراعاة أصحاب الجاه.
فلما عزل لم يجد معه من يساعده، فمات قهراً في شهر رجب، سنة عشر وسبعمائة.
ولعل الله أراد به خيراً، وادخر له ذلك عنده.
ومن تصانيفه " الرد على ابن تيمية "، وهو فيه منصف، متأدب، صحيح المباحث، وبلغ ذلك عن ابن تيمية، فتصدى للرد على رده.
وذكره الذبي في " تاريخ "، فقال: كان نبيلاً، وقوراً، فاضلاً، كثير المحاسن والبر، وما أظنه روى شيئاً من الحديث. انتهى.
ولما كان شهر رجب سنة سبعمائة طلب بطرك النصارى، وربان اليهود، وجميع القضاة والعلماء، وفوض إليه أخذ العهد عليهم وتجديده، فجددوه، وكان من جملة ما شرط عليهم، أن لا يركب أحداً منهم فرساً ولا بغلة؛ وأن لا تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، فالتزموا بذلك واستمر.
ويقال: إنه كان له دفتر يكتب فيه ما يستدينه، فأوصى عند موته أن يعتمد ما فيه، فجاء شخص، فذكر أن له عنده مائتي درهم، فلم يجدوها في الدفتر، فرآه شخص من أصدقائه في منامه، فقال له: إن الرجل صادق، وإنها في الدفتر بقلم دقيق. فانتبه الرجل، فوجد الأمر كما قال.
ويقال إنه حج، فسأل الله حاجة، ولم يذكر ذلك لأحد، فجاء شخص بعد مدة، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فأمرني ان أقول لك: أعطني جميع ما عمدك، والأمارة الحاجة التي سألتها بمكة.
فقال: نعم. وأخرج ما عنده، وهو مائة دينار وألف درهم. وقال: لو كان عندي أكثر من هذا لدفعته لك؛ فإن الإمارة صحيحة.
والله تعالى أعلم.
121 - أحمد بن إبراهيم بن عمر
ابن أحمد العمري، الصالحي، شهاب الدين
المعروف بابن زبيبة، بزاي مضمومة، وباء موحدة، وياء مشددة، تصغير زبيبة.
نزيل حلب، وأقام بها مدة يشتغل، ويدرس.
ثم توجه إلى القاهرة، وناب في الحكم بها.
وكان حفظه للنوادر والحكايات المضحكات، كثيراً جداً.
ثم ولي القضاء بالإسكندرية، وهو أول حنفي ولي بها القضاء.
ومات بها في ربيع الأول، سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.
أثنى عليه ابن حبيب، وقال: إنه عاش سبعين سنة.
كذا ذكر هذه الترجمة الحافظ ابن حجر.
وأما الوالي العراقي، فقال: أحمد بن محمد العمري الحنفي، الشهير بابن زبيبة.
تفقه، ودرس، وناب في الحكم، ثم ولي قضاء الإسكندرية.
وكان كثير الحفظ للحكايات المضحكة، حلو النادرة.
مات في رجب أو شعبان، سنة اثنتين وستين وسبعمائة. انتهى.
وهو كما تراه مُخالف لما قاله ابن حجر في اسم الأب، وتاريخ الوفاة، ولعله من تحريف الكتاب، والله تعالى أعلم.
122 - أحمد بن إبراهيم بن محمد
ابن عبد الله، شهاب الدين، أبو العباس،
اليماني الأصل، الرومي، الزاهد
نزيل الشيخونية المعروف بابن العرب، وبعرب زاده، وهو بمعنى الأول.
أصله من اليمن، ثم انتقل أبوه منها إلى بلاد الروم فسكنها، وولد صاحب الترجمة بها، ونشأ بمدينة بروسة.
وكان يقال له عرب زاده، على عادة الروم والترك في بلادهم، لمن يكون أصله عربياً ولو ولد ببلادهم، ونشأ بها.
وكانت نشأته حسنة، على قدم جيد.
ثم قدم القاهرة وهو شاب، ونزل بقاعة الشيخونية، وقرأ على غمامها خير الدين سليمان ابن عبد الله، وغيره، ونسخ بالأجرة مدة، واشتغل.
الجزء 1 · صفحة 78
ثم انقطع عن الناس، فلم يكن يجتمع بأحدٍ، بل اختار العزلة، مع المواظبة على الجمعة والجماعات، ويبكر في الجمعة بعد اغتساله لها بالماء البارد صيفاً وشتاء، ولا يكلم أحداً في ذهابه وإيابه، ولا يجترئ أحدٌ على الكلام معه، لهيبته ووقاره، وتورع جداً، بحيث إنه لم يكن يقبل من أحد شيئاً، ومتى اطلع على أن أحداً من الباعة حاباه؛ لكونه عرفه لم يعد إليه؛ وللخوف من ذلك كان يتنكر ويشتري بعد العشاء الآخرة قوت يومين أو ثلاثة، وأقام على هذه الطريقة أكثر من ثلاثين سنة، وكراماته كثيرة، ولم يكن في عصره من يدانيه في طريقته.
قال العيني: وثبت بالتواتر أنه أقام أكثر من عشرين سنة لا يشرب الماء أصلاً، وكان يقضي أيامه بالصيام، ولياليه بالقيام.
مات في ليلة الأربعاء، ثاني شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وثمانمائة، وصلى عليه العيني، وكان الجمع في جنازته موفوراً، مع أن أكثر الناس كان لا يعرفه، ولا يعلم بسيرته، فلما تسامعوا بموته هرعوا إليه، ونزل السلطان من القلعة، فصلى عليه بالرميلة، وأعيد إلى الخانقاه، فدفن بجوار الشيخ أكمل الدين، وحمل نعشه على الأصابع، وتنافس الناس في شراء ثياب بدنه، واشتروها بأغلى الأثمان، فاتفق أنه حسب ما اجتمع من ثمنها، فكان قدر ما تناوله من المعلوم من أول ما نزل بالخانقاه، وإلى أن مات، لا يزيد ولا ينقص، وعد هذا من كراماته، رحمه الله تعالى.
ذكره في " الضوء اللامع ".
123 - أحمد بن إبراهيم بن محمد
ابن عمر بن عبد العزيز بن أبي جرادة، العقيلي
الحلبي، المعروف بابن العديم
أخو كمال الدين، قاضي الحنفية بالقاهرة.
وولي هذا قضاء حلب.
وله إجازة من عمر بن أميلة، وموسى بن فياض.
ومن مسموعاته على بعض شيوخه عن إبراهيم بن صالح " جزء الجابري "، وعلى محمد ابن علي بن أبي سلام " مسلسلات التيمي ".
قال ابن حجر في " المجمع المؤسس ": وكان في سنة خمس وعشرين موجوداً، ثم لقيته في سنة ست وثلاثين بحلب، وسمعت عليه من " عشرة الحداد "، وغير ذلك.
وقال السخاوي، في " الضوء اللامع ": إنه ولي عدة مدارس، وحمدت سيرته، وكان محافظاً على الجماعة والأذكار، ولم يكن تام الفضيلة، مع اشتغاله في صغره.
وقد حدث، وسمع منه الأئمة، وأخذ عنه غير واحد من أصحابنا، وأثنى عليه البرهان الحلبي.
مات ليلة الأربعاء، منتصف شوال، سنة سبع وأربعين وثمانمائة.
124 - أحمد بن إبراهيم بن محمد
الفقيه، الزاهد، أبو حامد، البغولني
بفتح الباء الموحدة، وضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وفي آخره النون.
قال السمعاني: هذه النسبة إلى بغولن. قال: وظني أنها من قرى نيسابور، منها، أبو حامد، من أصحاب أبي حنيفة، وشيخهم في عصره.
درس بنيسابور، والعراق.
وتوفي في سابع عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
كذا في " الجواهر المضية ".
وقال في " تاريخ الإسلام ": أحمد بن إبراهيم بن محمد، العلامة، أبو حامد، البغولني، النيسابوري، الحنفي، الزاهد. شيخ أهل الرأي في عصره، وزاهدهم.
أفتى، ودرس، نحواً من ستين سنة.
وكتب الحديث بنيسابور، والعراق، وبلخ، وترمذ، وحدث.
ترجمه الحاكم، وقال: مات في رمضان، واجتمع الخلق الكثير في جنازته، رحمه الله تعالى.
125 - أحمد بن إبراهيم بن الشيخ كريم الدين
ابن جلال الدين بن سيف الدين، أبو سيادة،
الحسيني الأودهي، الهندي
قال السخاوي في " الضوء اللامع "، ومن خطه نقلت: لقيني بمكة في المجاورة الثانية، فقرأ على " البخاري "، ولازمني في أشياء، بل كتب عني ما أمليته هناك، وكتبت له إجازة حافلة. انتهى.
126 - أحمد بن إبراهيم بن يحيى
ابن أحمد الفزاري، الدمشقي الحنفي، الكاتب
يعرف أبوه بابن الكيال.
ذكره السخاوي، في " الذيل التام لدول الإسلام ".
وأرخ وفاته في شهر ذي الحجة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
127 - أحمد بن إبراهيم الكشي الصالحي
ذكره ابن حجر في " الدرر الكامنة "، وقال في حقه: كان من فضلاء الحنفية.
مات في رجب، سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
128 - أحمد بن إبراهيم الميداني
قال في " الجواهر ": هكذا هو مذكور في الكتب، كتب أصحابنا.
الجزء 1 · صفحة 79
وهذه النسبة إلى موضعين؛ أحدهما ميدان زياد بنيسابور، والثاني إلى محلة بأصبهان.
129 - أحمد بن إبراهيم الفقيه
قال في " الجواهر ": هكذا هو مذكور في " الذخيرة ".
*وحكى عنه فرعاً، وهو أن من غسل وجهه، وغمض عينيه شديداً، لا يجوز وضوءه.
ولعله الذي قبله. انتهى.
130 - أحمد بن أحمد بن عبد اللطيق
ابنأبي بكر الأصيل الفاضل، المحدث،
زين الدين - حفيد سراج الدين - اليماني،
الشرجي الزبيدي
أحد أفاضل الحنفية، وأعيانهم.
ولد سنة ثمانمائة وستة عشر، بزبيد، ومات أبوه وهو حمل فسمي باسمه.
واشتغل ودأب، وحصل، وسمع، وحدث.
وكان أديباً، شاعراً، له مؤلفات مها، " طبقات الخواص "، و " مختصر صحيح البخاري "، " ونزهة الأحباب " في مجلد كبير، يتضمن أشياء كثيرة، من أشعار ونوادر، ومُلح، وحكايات، وفوائد، وهو كتاب يشمل على مائة فائدة، وغير ذلك.
مات سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ونزل الناس في زبيد بموته درجة في الرواية. رحمه الله تعالى.
131 - أحمد بن أحمد بن محمود
ابن موسى الهثمامي، شهاب الدين، المقدسي،
ثم الدمشقي، المقري
ويعرف بالعجيمي، وفي الشام بالمقدسي.
قرأ القراءات على جماعة، منهم العلاء بن اللفت، ومهر فيها، وتصدى لإقرائها، فانتفع به جماعة؛ أولاده، وغيرهم.
وهو ممن أخذ أيضاً عن ابن الهمام، والعماد ابن شرف، وآخرين.
وتحول إلى الشام، في سنة خمسة وعشرين، باستدعاء محمد بن منجك؛ لإقراء بنيه، فقطنها، وتكسب بكتابة المصاحف، وكان متقناً فيها، مقصوداً من الآفاق بسببها.
مات بدمشق، في جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
قال السخاوي، نقلاً عن الهمامي، ابن صاحب الترجمة، رحمه الله تعالى.
132 - أحمد بن إدريس بن يحيى المارداني الحنفي
كان زكياً، فاضلاً، كثير المحفوظ.
وكتب الشروط، وجلس تحت الساعات، وكان يحب الكتب، وجمع منها شيئاً كثيراً.
وحصل له في آخر عمره مرض، وطال به، وتعلل إلى أن مات، في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. تغمده الله تعالى برحمته.
133 - أحمد بن إسحاق " بن محمد " بن أحمد
ابن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن موسى،
أبو جعفر، الإصطخري، الحلبي
قاضي حلب، الملقب بالجرذ.
حدث ببغداد ومصر، وحلب، عن محمد بن معاذ المعروف ببدران، وأبي عبد الله أحمد ابن خليل الكندي الحلبي.
روى عنه ابن أخيه علي بن محمد بن إسحاق القاضي.
ذكره الخطيب.
وذكره ابن عساكر، وقال: قضى بحلب في أيام سيف الدولة ابن حمدان.
كذا ذكره عبد القادر في " الجواهر ".
وذكره الذهبي، فيمن توفي في حدود سنة خمسين وثلاثمائة.
134 - أحمد بن إسحاق بن البهلول
ابن حسان بن سنان، أبو جعفر، التنوخي،
الأنباري الأصل
ولي قضاء مدينة المنصور نحو عشرين سنة، وحدث حديثاً كثيراً.
وسمع أباه إسحاق بن البهلول، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبا سعيد الأشج، وسعيد بن يحيى الأموي، وغيرهم.
وروى عنه أبو الحسن الجراحي، ومحمد بن إسماعيل الوراق، وأبو الحسن الدارقطني، وجماعة سواهم.
وكان ثقة.
قال طلحة بن محمد، في تسمية قضاة بغداد: وأحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان ابن سنان التنوخي، من أهل الأنبار، عظيم القدر، واسع الأدب، تام المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق، ولكنه غلب عليه الأدب.
وكان لأبيه إسحاق " مسند " كثير حسن، وكان ثقة، وحمل الناس عن جماعة من أهل هذا البيت، منهم البهلول بن حسان، ثم ابنه إسحاق، ثم أولاد إسحاق.
حدث منهم بهلول بن إسحاق، وحدث القاضي أحمد بن إسحاق، وابنه محمد، وحدث ابن أخي القاضي داود بن الهيثم بن إسحاق، وكان أسن من عمه القاضي، وأبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق الأزرق، وكان من جملة الكتاب.
ولم يزل أحمد بن إسحاق بن البهلول على قضاء المدينة، من سنة ست وتسعين ومائتين، إلى شهر ربيع الآخر، سنة ست عشرة، ثم صرف. انتهى.
قال الخطيب: وكان ثبتاً في الحديث، ثقة، مأموناً، جيد الضبط لما حدث به.
وكان متفنناً في علوم شتى؛ منها: الفقه على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما خالفهم في مُسئلات يسيرة.
الجزء 1 · صفحة 80
وكان تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، وله في كتاب ألفه.
وكان واسع الحفظ للشعر القديم والمحدث، والأخبار الطوال والسير، والتفسير.
وكان شاعراً، كثير الشعر جداً، خطيباً، حسن الخطابة والتفوه بالكلام، لسناً، صالح الحظ من الترسل في الكتابة، والبلاغة في المخاطبة.
وكان ورعاً، متخشعاً في الحكم.
وتقلد القضاء بالأنبار، وهيت وطريق الفرات، من قبل الموفق بالله الناصر لدين الله، في سنة ست وسبعين ومائتين، ثم تقلده للناصر دفعة أخرى، ثم تقلده للمعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي، في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يخرج إليها.
ثم قلده المقتدر بالله، في سنة ست وتسعين، بعد فتنة ابن المعتز، القضاء بمدينة المنصور، مدينة السلام، وطسوجى قطربل، ومسكن، وأنبار، وهيت، وطريق الفرات.
ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة، لما مات قاضيها إذ ذاك محمد بن خلف، المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال، إلى أن صرف عنها، في سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وروى " سبط " ابن الجوزي في " مرآة الزمان " بسندهِ عن أبي الحسن علي بن محمد ابن أبي جعفر بن البهلول، قال: طلبت السيدة أم المقتدر من جدي كتاب وقف بضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، وأرادت أخذه لتحرقه، وتتملك الوقف، ولم يعلم أحد بذلك، فحمله على الدار، وقال للقهرمانة: قد أحضرت الكتاب، فأين ترسم؟ فقالوا: نريد أن يكون عندنا.
فأحس بالأمر، فقال لأم موسى القهرمانة: تقولين لأم المقتدر السيدة، اتقي الله، هذا والله ما لا سبيل إليه أبداً، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم؛ فإن مكنتموني من خزنه كما يجب، وإلا فاصرفوني، وتسلموا الديوان دفعة واحدة، فاعملوا فيه ما شئتم، وأما أن يفعل شيءٌ من هذا على يدي فوالله لا كان ذلك أبداً، ولو عرضت علي السيف.
ونهض والكتاب معه، وجاء إلى طيارة، وهو لا يشك في الصرف، فصعد إلى ابن الفرات، وحدثه بالحديث، فقال: ألا دافعت عن الجواب، وعرفتني حتى أكتب، وأملي في ذلك، والآن، أنت مصروف، فلا حيلة لي مع السيدة في أمرك.
قال: وأدت القهرمانة الرسالة إلى السيدة، فشكت إلى المقتدر، فلما كان يوم الموكب خاطبه المقتدر شفاهاً في ذلك، فكشف له الصورة، وقال له مثل ذلك القول والاستعفاء.
فقال له المقتدر: مثلك يا أحمد من قلد القضاء، أقم على ما أنت عليه، بارك الله فيك، ولا تخف أن ينثلم محلك عندنا.
قال: فلما عاودت السيدة، قال لها المقتدر: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب بها، وابن البهلول مأمون علينا، محب لدولتنا، ولو كان هذا شيئاً يجوز لما منعك إياه.
فقال السيدة: كأن هذا لا يجوز!.
فقيل لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على بيعه. وأعلمها كاتبها ابن عبد الحميد شرح الأمر، وأن الشراء لا يصح بتمزيق الكتاب، وأن هذا لا يحل، فارتجعت المال وفسخت الشراء وعادت تشكر جدي، وانقلب ذلك أمراً جميلاً عندهم، فقال جدي بعد ذلك: من قدم أمر الله على أمر المخلوق كفاه الله شرهم.
وحدث القاضي أبو نصر يوسف بن عمر القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، قال: كنت أحضر دار المقتدر، وأنا غلام حدث بالسواد، مع أبي أبى الحسين، وهو يومئذ يخلف أباه أبا عمر، وكنت أرى في بعض المواكب أبا جعفر القاضي يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي عدل إلى موضعه، فجلس عنده، فيتذاكران بالشعر والأدب والعلم، حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كبير، كما يجتمع على القصاص، استحساناً لما يجري بينهما؛ فسمعته يوماً قد أنشد بيتاً، لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيها القاضي، إني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية.
فصاح عليه أبو جعفر صيحة عظيمة، وقال، اسكت ألي تقول هذا، وأنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشر ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافها. يكررها مراراً.
وحدث القاضي أبو طالب محمد بن القاضي أبى جعفر بن البهلول، قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه جالس أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة، ويسليه، وينشده أشعاراً، ويروي له أخباراً، فداخله الطبري في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب، والعلم، استحسنها الحاضرون، وعجبوا منها، وتعالى النهار، وافترقنا.