الجزء 1 · صفحة 7
[الجزء الاول]
المحتويات
شكر وتقديم
التّقديم
كشاف اصطلاحات الفنون:
البسملة 1
المقدّمة 3
موسوعة المصطلحات 71
حرف الألف 71
حرف الباء 305
حرف التاء 360
حرف الثاء 536
حرف الجيم 544
حرف الجيم الفارسية 607
حرف الحاء 608
حرف الخاء 729
حرف الدال 773
حرف الذال 816
حرف الراء 838
حرف الزاي 902
حرف السين 920
حرف الشين 1000
حرف الصاد 1053
الجزء 1 · صفحة 8
حرف الضاد 1108
حرف الطاء 1123
حرف الظاء 1144
حرف العين 1256
حرف الغين 1245
حرف الفاء 1260
حرف القاف 1295
حرف الكاف 1375
حرف الكاف الفارسيّة 1398
حرف اللام 1399
حرف الميم 1419
حرف النون 1679
حرف الهاء 1736
حرف الواو 1750
حرف الياء 1811
فهرس الفرق والاعلام والقبائل 1819
فهرس الكتب 1845
فهرس المصطلحات 1867
1957 Index Francais
2045 English INDEX
الجزء 1 · صفحة 9
شكر وتقدير
إنّ هذا العمل الذي تركه التهانوي عزّ نظيره وقلّ مثيله. وقد جاء دسما غنيا وشرحا وفيا، فغزرت مادة نصوصه وتداخلت، وتوشّت بأعلام وكتب وغيرها مما ذكرنا. وترتبت جميعها على نظم قديم معقّد. فآلينا على أنفسنا تحويل كل ذلك إلى سهل مبسط، والتعريف بكل معقد ووارد تعريفا مقتضبا مع إجزال في ذكر المراجع والمصادر ليعود إليها القارئ ما شاء استزادة وتفصيلا.
ولعلّ كل هذا يحتاج إلى فرق من الباحثين وليس إلى فريق واحد: فقضي الأمر على هذا الشكل بعون الله، وأنجز العمل بعامين.
وإنّ الفضل يعود إلى الكثيرين ممن ساعد مباشرة أو غير مباشرة، لهم مني ومن فريق العمل الرئيسي كل شكر وتقدير، وأخص بالذكر:
- الأستاذ خليل حبيب الصائغ، الذي تبنّى المشروع بروحه العلمية النافذة، وخبرته العملية الصائبة، ومقداميّته الوثّابة، في وقت قلّت فيه رعاية العلم وتبنّي مشروعاته، وفي فترة كان الوطن يقوم فيها من بين الأنقاض.
- المعهد العالي للدراسات الاسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، ففي رحابه رعينا هذا الرهط من تلامذتنا الباحثين الذي يعدّون رسائل ماجستير فاخترنا منهم جمعا من المساعدين الباحثين باتفاقات خاصة. ومن مكتبته استقينا العلم واغترفنا، هذه المكتبة المتخصّصة في العلوم العربية والاسلامية.
- مكتبة يافث في الجامعة الأميركية التي تختزن زادا علميا وفيرا. ومكتبة كلية الامام الأوزاعي التي تقتني نوادر فهارس مخطوطات الهند.
- جماعة المساعدين الباحثين المدقّقين وهم: الدكتور بسام عبد الحميد، الشيخ علي البقاعي. والباحثات: عاصمة رمضان وسلمى زيني وعناية عبد الله وأمينة الحلبي وإلى ولديّ محمد وماهر، وبهم جميعا تمثّلت الجدية والأمانة والدقة.
وأخيرا أنوّه بزملائي وأشكرهم: د. علي دحروج والشيخ د. عبد الله الخالدي ود.
جورج زيناتي، فقد كنا جميعا كلا واحدا وآلية واحدة متعاضدة متناغمة في أثناء العمل، ولولا ذلك وعون الله لما تحقّق كل ذلك.
رفيق العجم
الجزء 1 · صفحة 11
التّقديم
نستصبح ما عزمنا عليه من عناية في المصطلح بتحقيق كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي. ونستهل بهذا العمل الموسوعي، وهذه المعلمة المعرفية، باكورة التوجه في إعادة بلورة المصطلح كما جمعه علماء العرب والمسلمين، أو كما حزمنا الأمر بعون الله تعالى على جمعه تبعا لأبسط الطرق والأساليب واستعانة بأحدث الآلات، وما توصّل إليه التوثيق والتقميش.
وإننا إذ نتصدى لعمل شاق صعب وغني في حقول المعرفية العربية والاسلامية، وضعه عالم جليل ذو باع طويل ودأب مليل، وأكمله تلامذة أفاضل، حيث وجدنا العمل مغمورا وترتيبه على النهج القديم في أبواب وفصول للجذر، وبالتسلسل الالفبائي، إضافة إلى امتلائه بالمئات من أسماء الأعلام والكتب، ومعظمها مجهول من غير تعريف ولا تحقيق.
فنهجنا منهجا تبسيطيا اعتمد إيراد المصطلح واللفظ كما هو، حيث تمّ إدراج كلّ هذه المصطلحات بالترتيب الألفبائي بحسب ورود الاسم، من غير التفات إلى الجذر أو أي اعتبار آخر. وعلى هذه الوتيرة مثلا: الآحاد/ الآخر/ الآخرة/ الآدم/ الآراء ... الاسراف/ الأسطرلاب الخ. الصاحب/ الصاعقة/ الصالح/ الصالحية/ الصامت/ الصّبا/ الصبائي الخ. والملاحظ هنا أن الاعتماد على الكلمة كما هي مرسومة وتبعا لتسلسل أحرفها: الأول والثاني والثالث وأحيانا الرابع والخامس، تمشيا مع النمط العام والسائد في تبسيط العلوم وتسهيلها، لتصبح في متناول اليد من غير التباس ولا تعقيد، وهو ما درجت عليه بعض المعاجم الحديثة.
وكان الفضل هنا للحاسوب (الكمبيوتر).
وسلكنا مسلكا توثيقيا في التعريف بالأعلام والكتب والأماكن والفرق والمصطلحات، إضافة إلى تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، مع ذكر المرجع أو المراجع، حيث بلغ العمل مبلغ المعلمة الموسوعية. وسيتابع العمل إن شاء الله بعمل موسوعي آخر.
الجزء 1 · صفحة 12
أما ما حزمنا الأمر عليه فهو بعض المصطلحات من العلوم العربية والاسلامية في موسوعات عدة تبعا لما وردت عند العلماء، صافية، بحسب المراجع من غير تدخل دخيل على أقوال قائليها. ويعتبر هذا العمل صنيعا بكرا لم يتحقّق في الحقبتين القديمة والحديثة. ويشكل- إن تمّ- قاعدة منطلق لضبط المصطلح وإحداث المستجد بالنحت والاستقبال.
والبيّن في الأفق حتى الآن تناول مصطلحات: المنطق، أصول الفقه، الفلسفة، علم الكلام، التصوف.
والكشّاف الذي نقدّم له ناهزت الشروح بالفارسية فيه على ربع موضوعاته، وورد الباقي باللغة العربية: فنقلنا الربع إلى العربية. زيادة في اغناء المصطلحات ووضعنا ما يقابلها بالانكليزية والفرنسية وأحيانا باللاتينية، ممّا يسهّل على الباحث المقارنة بين المفاهيم والأذهان والبنى المعرفية، إذ إن ذلك يخفي ضمنا تحاورا داخليا بين معارف العرب والمسلمين ومعارف الأوروبيين، ولا سيما إبان حقبتهم في العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة.
ولا ضير إن وجد الباحث أو الطالب أن هناك الكثير من العلوم والمفاهيم التي عفى عنها الزمان وتخطّتها سنن التطور والترقي. ولا سيما ما حدث على مستوى العلوم البحتة والتفنين في العقود الأخيرة، إلا أنّ هناك الكثير من الشروح والمعاني، في المجالات النظرية خصوصا، باقية ثروة معرفية، ودالّات على بنية من المعارف الغنية، وموروث قابع في أذهاننا ولا وعينا الثقافي؛ لا بدّ من إحيائه واستلهام عناصره وقراءة الحاضر بضوئه، في سيرورة اتصال تمليها البنينة المعرفية السليمة والتحديث الفاعل المؤثر.
والبنينة من فعلنة على وزن فعلن، وهذا الوزن يستفاد منه في أعمال الانصهار الكيميائي والتركيب العناصري والذري. وقد واءمته هنا ليفيد عملية صهر عناصر مع البنية المعرفية «1»، تلك العناصر من المعاني الوافدة التي لا بدّ أن تتراكب مع العناصر القائمة وتنطبع بخصائصها في عملية إرادية فاعلة، نقوم نحن بجزء منها عبر إحياء المصطلحات المعبّرة عن العلوم العربية والاسلامية، فتفد المعاني الحادثة العصرية بعد ذلك بالنقل والترجمة مستفيدة من هذه المصطلحات، لتأتي المرحلة الثالثة وهي شيوع
(1) استفدنا هنا من دراسات بياجيه البنيوية وخصائص البنية عنده وتركيبها منهجا، مطبّقين ذلك إن صح على البنية المعرفية.
الجزء 1 · صفحة 13
المصطلحات العصرية بالعربية مواكبة للعلم والمعارف الراهنة.
ولنا شاهد حي على ذلك، ما حدث من نقلة في دلالات وألفاظ العربية إبّان ظهور الاسلام، حيث استعمل اللفظ قريبا من موضوعه الأصلي. وعلى الرغم من أنّه نقل عن دلالته السابقة إلا أن خيط اتصال بقي بين الأصل والحادث، مثل الواجب:
السقطة مع الهدة من أعلى، كسقوط الحجر من الجبل. وذلك في الدلالات عند عرب الجاهلية. ثم غدا الواجب: الأمر الإلهي المجرد المنزّل من أعلى في الاسلام.
وأمثال ذلك الكثير مما كان من خطاب الله عز وجل للعرب، وما دار من علوم على جنبات كتاب الله. إذ الصلاة عبارة عن الدعاء والحج عن القصد والصوم عن الامساك والزكاة عن النمو وهكذا ...
ومن ثمّ بقيت هذه الألفاظ في معانيها الحادثة قريبة من موضوعها الأصلي.
ولربّ قائل: إنّ المعاني العصرية في شتى العلوم حادثة ومغايرة تماما لمعاني العلوم القديمة التي درج عليها العرب واصطلحوا عليها تعبيرا عمّا توصّلوا إليه. فإن الجواب سهل بيّن ظهر في أوروبا حيث انطلقت النهضة العلمية من ألفاظ اللاتينية والفرنسية وعليها استندت فتشعبت.
والدليل على ذلك أن معظم مصطلحات الطب والطبيعة والكيمياء والمعارف النظرية نجد أصلها باليونانية واللاتينية ثم تتشعب وتتحوّل وينقطع بعضها عن دلالته الأولى. ومن شواهد ذلك: لفظ Paradigme ورد باليونانية بصوت Paradeigma بمعنى المثال أو النموذج المحتذى، ولا سيما عند أفلاطون اشارة إلى المثال القائم في عالم المثل. ثم أصبح اللفظ نفسه في الثورة العلمية عند توماس كون Kuhn النموذج على ما يتفق عليه جماعة العلماء، في عصر معيّن، من قوانين مرتبطة بنظرية محددة، مع ما يعقب ذلك من تطبيق على الملاحظات كمعادلات نيوتن في الحركة: القوة الكتلة التسارع. ق ل* ع. «1» إذ تحكّم هذا النموذج في الميكانيكا، وكصيغة ومعادلة انشتاين في ترابط السرعة بأبعاد المكان الثلاثة والزمان الخ ...
ونخلص من ذلك بتوليفة مفادها: أن إحياء المصطلح وجمعه يصبّ في عملية بناء هادفة تشكّل ركيزة أساسية في التحديث العربي، نأمل أن تطال البنية الثقافية واللغوية على أصول البنية السليمة، رغبة في تشكيل بنية دلالية معرفية للعلوم بالعربية وذلك عبر
(1) Kuhn .T .the Structure of Scientific Revolutions .Chicago . 0791 .. 832.
الجزء 1 · صفحة 14
محطات ثلاث:
1 - إبراز وإحياء مصطلحات العلوم العربية والاسلامية بألفاظها العربية.
2 - نقل علوم الآخر الحادثة بالارتكان والارتكاز على المحطة الأولى، وما يؤدّيه ذلك من توحيد المصطلح وغرس المعنى عند العرب قاطبة.
3 - شيوع وتثبيت لغة علمية عربية حادثة.
ولعلّ هذه المحطات الثلاث تتجاوز الأفراد والمجامع العلمية وتتطلب جهود أجيال، لكن لا بأس في الانطلاق بخطوة أولى، والله ولي التوفيق.
هذا وقد تمّ جمع التقديم على ركنين اثنين:
أولا: تمهيد نظري يتناول إشكالية المصطلح بين اللفظ والمعنى، المبنى والفكر أو «الاذتهان».
ثانيا: دراسة وصفية لعملية التحقيق والتعريف بالمؤلف إلى جانب عرض الصعوبات وتمييز الأساليب الفنية المتّبعة في عملية التحقيق.
الجزء 1 · صفحة 15
إشكاليّة المصطلح بين اللّفظ والمعنى
تمهيد:
إنّ التصورات الذهنية ومحصّلات الأفكار الكشفية الصادرة عن العقل والفهم، والوجدانيات المعنوية المنبعثة من النفس، لا يمكنها جميعا أن تتحقق عند صاحبها ومنه إلى غيره ببيان فراغي، كمثل القابض على الماء، بل لا بدّ لها من أن تتحقّق وتتعيّن وتتشيّأ إشارات ورموزا بنزولها وانسكابها في أنواع من الألفاظ وأنماط من الصيغ تشكل في جملتها بنيانا لغويا له خصائصه وطبعه وجبلته وسيرورة تكونه وتحوّله في بعدي التاريخ والنسق الداخلي لبنيته، علما أنّ هذه البنية قد اكتسبت وحدتها وضبطها وتعقّدها بضوء التجربة المعرفية التي خاضها الناطقون بهذه اللغة والمعبّرون بتلك الألفاظ والأسماء.
ولعلّ العربية، لغة الضاد، من أشد اللغات جمعا لهذين البعدين: السيرورة التاريخية، ونسق البنية الخاص، إذ إنّ لغات العالم بمعظمها مهما غزرت تجربتها أو تحدّدت تتمتع كل منها ببنية لها ميزاتها بحسب معطيات منهج اللغويات العصري والدراسات الأنسية الحادثة. فالعربية أسوة بغيرها لها بنيتها وميزاتها، إلا أنّ للعربية خاصيّة بارزة على سواها تختص في أثر البعد التاريخي في تكوّن الأسماء والألفاظ واستمرار تأثيره على المفردات والأسماء باتصال من غير انقطاع وقطع. ولهذا كله كانت دراسة الحقل الدلالي لألفاظ العربية وأسمائها ترتدي أهمية وأهدافا معرفية عدة.
إن هذه المفردات والأسماء قد استعملت قوالب للفكر والفهم والاذتهان والعرفان على امتداد عشرات القرون في مسار الناطقين بالعربية التاريخي، لهذا فهي محصّلة ونتاج جهود أجيال وحضارات عدة.
الجزء 1 · صفحة 16
إنّ المفردات والأسماء في محطات دلالتها والتعبير، وإبّان النقلات الحضارية واجتياز اللفظة من مدلول إلى آخر، بقيت على اتصال في الدلالة مع ما سبقها وبخيط مشترك من المعنى بين الاثنين. بينما سارت بعض اللغات مسارا آخر تمثّل في قطع دلالي مع مراحل سبقته. وأصبحت اللفظة رمزا وشكلا يطابق معنى حدث من غير رابط مع المعنى الذي كان قائما في تجربة سبقت.
ولعلّ آلية بنية الساميات، والعربية منها، في استحداث الألفاظ والمصطلحات على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الثلاثي، منه تنطلق وإليه تعود، قد فعلت فعلها وتركت طبعها في الحقل الدلالي للألفاظ، ورسّخت أثر السيرورة التاريخية للأسماء في انبنائها واصطلاحها على معان مستجدة. ولم يعن ذلك أن لغات أخرى تفقد هذا الاتصال، إنّما المقصود هنا ضعف السيرورة التاريخية في الحقل الدلالي للألفاظ عند لغات واشتداد ذلك في العربية.
إنّ الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها وانبثاق الكشوف العلمية لديها، وتشعّب تجربتها الفكرية والوجدانية، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ والأسماء والمصطلحات، فعبّرت اللغة تلك عن المعاني، وتحدّدت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم.
ولا مندوحة عن القول إن هذه المعاني حلقة ضرورية أدّت إلى ما بلغه العقل البشري من تطور وكشف. فسيرورة العلم حلقات متصلة بدأت بحاضرات ضفاف الأنهار لتمرّ باليونان والرومان ومن ثمّ العرب والمسلمين، ولتنتقل بعد حين إلى أوروبا الحديثة بحضارتها، وبالتالي، امتدادها إلى أميركا والعالم، في بوتقة عصرية مذهلة بلغ فيها العلم وأنماط المعرفة ووسائلها مبلغا مدهشا يرسّخ ذاك التطور والترقي للانسان واستخدامه الطبيعة لصالحه أفضل استخدام، في عمل دءوب لراحته وسعادته وطول بقائه.
وعند العودة إلى ما بدأناه كيف يمكن لهذه العلوم ومعانيها الحادثة عند الآخر أن تتحقّق عند العرب من غير أن تنسكب في وسائط ترسّخها في الفهم والأذهان؟. ومن غير اللغة القومية وسائط تطال الجمهور والمثقفين وتشمل العامة والخاصة، فتحدث نقلة معرفية في الشعب، بمثل ما تغتني هي كلغة قائمة وفاعلة، إذ إن بقاء العلم منسكبا بلغة من صنع ذاك العلم يؤدّي إلى استقطاب النخب من أهل العربية، لتتحوّل لغة
الجزء 1 · صفحة 17
العلوم والفكر لديهم إلى الانكليزية أو الفرنسية والألمانية واليابانية. وقد يوصل ذلك إلى تعميق الثغرة بين الشعوب فتحدّ عن المشاركة في العلم، وعن وسائله وحسن استخدامها، ممّا يجعل الانسانية في مأزق حضاري لاحق يماثل ردّات الأعراب والبرابرة على الحضارات؛ وقد يفقد الترقي الحضاري الراهن تميّزه الحر المبدع السلمي عما سبقه من تجارب انسانية عريقة.
ولا غرابة أن تتمثل عظمة العرب والمسلمين فيما رافق عنفوان الحضارة عندهم ودرايتهم في شتى أشكال العلم. وقد أغنى كل ذلك مفردات العربية والأسماء والمصطلحات. فعبّرت عن ذلك الغنى في تراث بقي منه بعض المدوّنات والأعمال الموسوعية كتلك التي نبرزها ونحقّقها.
كما وأنّ كسوف العلم وانتقاله إلى غيرهم ترابط مع تحوّله عنهم واضمحلال العمران وجمود المعاني التي عكست نفسها على جمود الألفاظ والمصطلحات، حيث ذكر ابن خلدون في مقدمته: «اعتبر ما قرّرناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لمّا كثر عمرانها صدر الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفنّنوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين، ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من الأمصار» «1».
ومما لا بدّ من الوقوف عليه في طبيعة العربية وطبعها السامي، ذاك النسق الذي هو عليه حقل دلالة الفاظها، في ذاك التواصل والاتصال فيما بين الدلالات على تشعّب العلوم واختلافها واجتياز اللفظ من معنى إلى آخر ومن مصطلح إلى سواه. ولا سيما أنّ نقل المفاهيم والمعاني المستجدّة الحادثة من لدن معطيات الشعوب وتجاربها، ومن نبعات الآخر، لا ينقطع عن تجربة اللغة بألفاظها والمصطلح، إبّان سيرورتها وتجربتها العلمية واللغوية، وإلا كان تفلّتا لا يتوافق مع سنة التطور وطبع العربية وانغراس الفهم في الأذهان على قدر اللغة المعاشة المعبّرة، وعلى معطى اللاوعي المعرفي المنبث في الضمير والتجربة والعادات والمخيّلة، والتعليم والتربية «2».
إنّ الاقرار بفاعلية العودة إلى دراسة المفردات والمصطلحات المعبّرة عن علوم
(1) ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار احياء التراث العربي، د. ت.، ص 434.
(2) العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994، الفصل الأول.
الجزء 1 · صفحة 18
بادت أو تمّ تخطيها، وعن تجارب معرفية ووجدانية فقدت تأثيرها، حلقة وصل ضرورية في حياة اللغة، ومرحلة تواصل ذهني مع ما هو قابع وأداة فهم استقطابا للجديد بخيط دلالي يصل الماضي بالحاضر، لا تنفك العربية عنه.
حقول دلالة العربية:
إنّ العربية بمفرداتها والأسماء عبّرت عن جملة معطيات ومعان، فقد كانت أداة للتعبير عن العرفان في كل معطاه الوجداني والعاطفي واللاواعي، بمثل ما كانت أداة فهم للاحساس الفطري الأول في حياة الناطقين بها. ومن ثمّ انتقلت لتشكّل اشارات وحروفا للفكر والتجريد، فاستعدّت لاستقبال معاني الغير. وهنا في خضم إعمال العقل والفهم وتلقّي المجردات من الخارج انسكبت كل تلك المعاني في قوالب اللغة بعد تلقيها في الأذهان وانطباعها بها، وبالتالي تمّ اتسامها- تصورات الغير- بطبع العربية أيضا وبنيتها، هذه العربية في مبناها لا تنفك عن ذهنية صانعيها وناطقيها.
وهكذا تنجدل الأمور برباط معقّد متفاعل بين ما في الأذهان وما في اللسان انطلاقا مما في الأصوات والأعيان.
ولا بدّ من تمييز الذهن عن العقل، فالذهن في اللسن: «الفهم والعقل ... وحفظ القلب» «1». إذا هو يجمع عملية الفهم والتفكير والقلب، أي الوجدان وما هو قابع في النفس بحسب المعطيات النفسية الحديثة، لذا كان العقل تبعا لدلالة العربية: الجمع للأمر والرأي، والربط والتثبّت من الأمور. وكان الذهن أوسع نطاقا من هذا، وهنا نتلاقى مع التمييز الفرنسي التقليدي بين العقل المكوّن الفاعل la raison constituante وبين العقل المكوّن المنفعل المشيّد السائد la raison constituee . الأول يمثّل النشاط المخي الذي يقوم به الفكر بالربط والجمع، حيث يستخرج الانسان تصورات من ادراك العلاقات بين الأشياء. أما الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد المعتمدة في التفكير أو الاستدلال «2». هذه القواعد تتأتّى من خارج فعل الفرد وفردية نشاط مخه.
لهذا هي أقرب لمعنى الذهن أي العقل المكوّن المشيّد الذي يمارس دوره كاستعداد للادراك، أي إنّه محل المدركات. وهنا يتلاقى مع معنى Mentalite بوجهته النفسية في بعض المناحي.
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة ذهن.
(2)
Lalande. A. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris. P. U. F.
1968.P . 388
الجزء 1 · صفحة 19
ولا ضير إن مررنا لماما على بعض هذه التوضيحات والتعريفات لتبيان علاقة المفاهيم والمعاني باللسان، وكيفية بناء الصياغة اللفظية والحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان، أنّى كان زمانه أو مكانه، ولا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها والابداع. ومن ثمّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك.
حتى أن الاسميين بدءا بالرواقية وانتقالا إلى أهل البيان المسلمين وخاصة ابن تيمية (661 - 726 هـ) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين، جعلوا الحقيقة العلمية ومحصلة التجارب والتصورات تقوم في الأسماء وتعرف من خلالها وبالألفاظ، وان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابا واسعا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة وعلاقة المفردات والكلام.
ولعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى والمبنى، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة.
علما أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة وبناء العربية وبنيتها الشكلية. إلا أن دراسة عقل المعنى وعلم الدلالة متعلّق تعلقا مباشرا بموضوع تحقيقنا للكشاف.
ولقد أدرك العرب والمسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه والمنطق احتفالا ظاهرا، وذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات. فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات. فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم، وبمعرفة الموضوع تمييزا للذات.
والملفت للنظر أنّ للفظ الواحد والمصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها. وهذا الأمر يسري في معظم اللغات وبحسب اختصاص كل علم وفن وتباين حقله عن الآخر. إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات، فتفتح الأفق أمام المحلّل والأناسي واللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية وذهن ناطقيها وطبيعة تاريخ العلم وكيفية صدوره.
ولهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية، فهو حلقة وصل واتصال لنحت المصطلح المستحدث. كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم والموروث
الجزء 1 · صفحة 20
الثقافي برمته، وفي الوقت عينه معلمة مرجعية لعلماء ومراجع وكتب وآراء متعددة منتشرة على امتداد قرون الحضارة العربية والاسلامية.
بنية العربية وقابليتها للتحديث:
لقد طلع علينا زكي الأرسوزي في تصويره عبقرية العربية برأي مفاده أن تأسيس الدلالة ارتكز على عمليتين: تقليد الطبيعة وتصويرها، والتعبير عن المشاعر النفسية الداخلية للفرد. فالأصوات ثم الأسماء بالعربية حدثت من الثنائي إلى الثلاثي ونشأت من خلال هذين البعدين.
ومع بداية القرن العشرين ميّزت الوضعية المنطقية «1» بين وظيفتين رئيسيتين للغة:
احداهما هي الوظيفة المعرفية التي تستخدم اللغة فيها كأداة تشير إلى وقائع وأشياء موجودة في العالم الخارجي، ولا يتعدى دور اللغة غير هذا التصوير لتلك الوقائع والأشياء. أما الوظيفة الثانية للغة فهي الوظيفة الانفعالية ومؤدّاها أنّ الانسان يستعمل اللغة أحيانا للتعبير عن مشاعر وانفعالات تجول في نفسه. ويدخل في اطار هذه المشاعر العبارات التي تعالج مسائل الأخلاق والجمال والماورائيات. فلا عجب إن صنّفنا العدد الكبير من المصطلحات في الكشاف الذي بين أيدينا ضمن دائرة مسائل الأخلاق والماورائيات والمشاعر النفسية التي تبدّت عند الصوفي أو غيره.
(1) شكّلت جماعة فيينا حلقة ذات توجه فلسفي علمي لغوي. من أشهر أعلامها شليك Schlick وفايزمن Waismann وفتغنشتين Wittgenstein وغيرهم مثل كارناب Carnap وفايجل Feigl وكرافت Kraft وآير Ayer . اضافة إلى هؤلاء سارت مدرسة آكسفورد بهذا المنحى، ومن أشهر ممثليها أوستن Austin ورايل Ryle وستراوسون Strawson وهيرت Hart وهامبشير Hampshir وهير Hare . ونويل سميث N .Smith واشعيا برلين I .Berlin وسواهم ك رسل Russell . وشكّل هؤلاء الأفراد من الوضعيين واللغويين توجها معرفيا، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي والمنتصف الأول من القرن العشرين، غرضه التأكيد على الآراء التالية: الفلسفة تحليلية. الفلسفة علمية، أي هي روابط منطقية لغوية لوقائع جزئية مجرّبة في العلوم. القضايا تحليلية أو تركيبية. كل الماورائيات والأفكار القبلية الداخلة على التجربة لغو.
ثم ان الاتجاه اللغوي شدّد على أن اللغة العادية هي الصحيحة ومعاييرها تساعد بصورها واشاراتها على تحقيق الوظيفتين المعرفية والانفعالية للغة فقط.
إن التفريق بين المعنى الدلالي والاشاري يتم خلال التجربة والعلاقة المنطقية الخاصة باللغة.
إن هذه الواقعية التي اتسم بها هذا التوجه تساعد في منهجها والنتائج على فهم عمليات وضع المصطلح في اللغة العربية، وتؤازر على ادراك ذاك التحول بين الدلالة العادية للفظ ودلالته الاصطلاحية وكيف استخدم العرب والمسلمون اللغة العادية والمعايير البنائية للسانهم في صياغة التصورات العلمية، بمثل ما يؤيّد ذلك التعرف على موقع الاصطلاح والمصطلحات في اطار أي وظيفة للغة، ولا سيما أنّ الألفاظ والاصطلاحات المعتقدية والصوفية تغزر في العمل الذي بين أيدينا.
الجزء 1 · صفحة 21
والمتبحّر في فضاء العربية يجد بوضوح كيف استفاد المجتهد والفقيه والعالم والعارف من اللغة العادية ومن الأسماء العربية. فغدا الاسم مثقلا بدلالات عدة سبق للمنطق التقليدي أن أطلق عليها الأسماء المتفقة Homonymes ، وقصد بها ما كان اسما مشتركا لمعان مختلفة.
أما معنى كلمة عادي فهي ما يقابل ضمنا غير المألوف والسوي والاصطلاحي والشعري والرمزي. وتعني كلمة عادي المشترك والمألوف عند العامة والمتداول على كل لسان، لكن هل كل ذلك يتعارض مع الأساليب والأسماء المعتمدة لدى قلة من الناس اصطلحوا عليها في مضمار الفنون والرموز والعلوم؟ «1» وشكلوا الخاصة وأهل النظر. فلقد حرث المصطلح ولغة العلم في العربية حرثا عميقا ومديدا. إذ تمثّل عمقه في تحويل الأسماء بدلالتها الحسية ثمّ الدينية إلى دلالة اصطلاحية عبّرت عن كل علوم من سبق على الحضارة العربية والاسلامية تقريبا مضيفة ما كان من عنديات عقول تلك الحضارة والابداعات والاضافات والتبديّات «2» والمشاعر. وتحصّل مديد المصطلح من طول عمر تلك اللغة العربية وانتشارها الزماني، بحيث يشكل اللسن العربي تاريخيا بين اللغات لسنا معرقا قديما امتد عشرات القرون ولم يزل حيا قادرا على الاستقطاب.
كل هذا يمكن أن نخلص من خلاله إلى عدم التعارض بين اللغة العادية والاصطلاحية.
بيد أنّ الأقدمين تنبهوا إلى مثل هذه العملية داخل اللغة واستخرجوا منها تلك التفعيلات والأوزان الضابطة؛ التي اعتبر ابن جني في خصائصه أنّها قوالب لصياغة التصورات، ودالات لتمييز الأفكار والمعاني، ومنحوتات تقولب خلالها ابداعات المفاهيم ومستحدثاتها.
ثم أبرزها العلائلي عصريا في مقدمته وخرّج بها الكثير من التفنينات والعلوم العصرية.
كما أنّ ابن رشد الفيلسوف وعاها كنحت اصطلاحي وتفسير وتأويل تصوري، فقال بصحتها: على أن لا تخل بعادة لسان العرب. جاعلا من العادة الضابط التقعيدي، منعا من التفلت. ولعلّ هذا الضابط هو ذاك الجسر بين اللغة العادية واللغة الاصطلاحية.
(1) Ryle ,G .,Ordinary Language ,The Philosophical Review ,V ,LXII , 3591،. 167.
(2) نطلق كلمة تبديات على ما بدا للنفس فيوافق ذلك الوظيفة الانفعالية للغة ويماثل الفلسفة الظواهرية والظاهراتية Phenomenologie .
الجزء 1 · صفحة 22
وذهب حديثا مور إلى الدفاع عن اللغة العادية معتبرا إياها الأساس لكل اصطلاح جاعلا اللغة العادية ترتبط بالحس المشترك والحكم الصائب، قائلا إنّ تناقض مذاهب الفلاسفة يعود إلى عبثهم باللغة العادية، وإنّ كل ذلك يحصل عند انتقالهم من استعمال إلى آخر باللفظ ومن غير علم فيقعون بذلك في المحال «1».
بينما انتقد رسل اللغة العادية لأنّها بنظره عاجزة عن التعبير الدقيق عن المفاهيم العلمية، كما أن نظمها syntax كثير ما يضلّل «2».
في حين أكّد فتغنشتين على أنّ اللغة العادية هي المعيار الذي نحكم به على صحة أو بطلان ما يقال من عبارات. يضاف إلى ذلك ميله إلى وضع لغة مثالية منطقية.
وخلاصة ما ذهب إليه أنّ اللغات المثالية بالنهاية ما هي إلا مواضعات لا تعدو كونها توضيحات للغة العادية «3».
كما ذهب شليك إلى أنّ وضع العبارات الجديدة في اللغة يكون عند التعبير عن وقائع في الوجود الخارجي، وهذا يتم على مستوى اللفظ أو الجملة أي الحدّ المتصوّر- المصطلح- أو القضية. وبكلمة أبسط، أي ضرورة وجود (علامات، اشارات، أسماء) بقدر وجود وقائع وأفكار عن وقائع «4».
فهل ما ذهب إليه، إذا أخذنا به لدراسة العربية، يسائلنا: أتكمن المشكلة في الأسماء الجديدة أم في الوقائع؟ وممّا لا شك فيه أنّ تيار شليك يؤكد على فعل الوقائع، بمثل ما أكد انبناء العربية على الوقائع المجرّبة المحسوسة. وهذا أمر يجعلنا نذهب مع القائلين إلى أنّ تلبية العربية للمعرفة المعاصرة وللكشف يكمن في سر المساهمة في وقائع جديدة، أي الانخراط في علوم العصر والمشاركة في التفنين والكشف والابداع. وإن صح القول إحداث المعاني وفهمها، بهضم الجديد وتمثله وليس بالترجمة الحرفية.
حينئذ تلعب اللغة العادية دورها في صياغة المصطلح والاسم الجديد مستأنسة
(1) Moore ,G .E .,Principia Ethica ,Cambridge ,the university press , 8491.
White, A. R., G. E. Moore, A Critical Exposition, Oxford, Basil Black well,
1958,p 43 - 23.
(2)
Russell, B., Reply to Criticism in shlipp, P. A. ed.; The Philosophy of Bertrand Russell, p
694.
(3) لودفيغ فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي اسلام، مراجعة زكي نجيب محمود، القاهرة، الانغلو مصرية، 1968.
(4)
Quoted in Waismann, F, The Principles of Linguistic philosophy, Edited by Hare, R Macmilan, London, Melbourne, Toronto, New York, St. Martin's Press,
1968,pp . 603 - 403.
الجزء 1 · صفحة 23
بالمصطلح السابق كمحطة في سيرورة لا تنقطع.
عندها وبها يكون الكشاف ولغته أداة للتجديد، ويصبّ التهانوي في مصبه التاريخي من عمر العلم واللغة معا عند اللاسنين العرب.
وفي الوقت عينه ذهبت جماعة آكسفورد اللغوية مذهبا بنيويا في عملية الارتباط بين الواقع واللفظة أو الجملة. إذ ترتكز النظرة على محور أساس مؤداه أن هناك تناظرا بين بنية الواقعة وبنية القضية التي تعبر عنها أو الحد المتصوّر المفرد «1». وهذا التناظر بين الواقع واللغة لعب دورا عند رسل وفتغنشتين وشليك. وجلّ النظرة أنّ التعبير يتوقف على امكانية ترتيب العلامات بطرق مختلفة. فالترتيب Order هذا يمكن جعله كشفا لعملية مهمة في بناء اللغات ومنها العربية. مع الاشارة إلى أنّه تم وضع شيء من هذا القبيل قبل ذلك بقرون طويلة على يد ابن جني وآخرين في دور التفعيلات ودلالتها كترتيب ونظم لتحولات الفعل الثلاثي، وكأدوات اجرائية لاختلاف المعاني التي تحصل في الواقع وتستجد، والأمر عينه عند بقية النحويين والبلاغيين في ترتيب وصياغة الجملة العربية. مع اعتبار للفارق الزماني واختصاص العرب بلغتهم وتعميم المعاصرين النظرة على كل اللغات الخ ...
ولعلّ اتجاه أهل البيان في التجربة العربية والاسلامية الذي توجّه ابن تيمية في توجهه الاسمي، وتشييده منطقا يتأسّس على الاسم في بناء التصورات، قد يلتقي في كثير من الأبعاد مع ما آلت إليه أعمال جماعة الذرية المنطقية وجماعة آكسفورد حديثا، حيث قارن فتغنشتين بين: واقعة ذرية تتشكل في مجموعات موضوعات، موجودات Entities أو أشياء. وعلامات بسيطة مستخدمة في قضايا تدعى أسماء «2».
أي أن فتغنشتين حلّل العالم أو علم العالم من وقائع مركبة إلى وقائع بسيطة من غير الممكن تجزئتها إلى ما هو أبسط منها- الواقعة الذرية-، وقوامها مجموعة من صغائر الأشياء. ومماثلة مع ذلك يمضي فتغنشتين في تحليل اللغة من قضايا تنحل إلى قضايا أولية تجزّأ هي بدورها إلى أبسط منها فتغدو مجموعة من الأسماء، فالعالم ينتهي إلى صغائر الأشياء واللغة تنتهي إلى أسماء. وهنا خيط مشترك بين الاسمية القديمة وهذا التيار، يتمثل هذا الخيط في أنّ اللغة ترسم الوجود الخارجي والاسم خير معبّر عن الواقعة. والعلاقة علاقة واحد بواحد.
(1) Ibid ,p . 603.
(2) فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ص 63 وص 73.
الجزء 1 · صفحة 24
ولهذا كله ينصب الاهتمام على دراسة الأسماء أي دلالة المصطلحات لتعبيرها عن الوقائع أو فهم الوقائع- المعنى، التصور الذهني-.
ولم يعن العرب والمسلمون كثيرا بدلالة القضية الجملة بل بمعناها، ووضعوا معايير مختلفة للحكم على معناها من حيث السند والصدق والكذب، النظر والتجربة الخ ... لكن غايتهم انصبت على دلالة الأسماء انصبابا هاما وانقسموا فريقين: فريق أعطى الأولوية للدلالة، علاقة الشكل بالمضمون. وفريق قدّم أولوية المعنى على الدلالة.
بينما رأى فتغنشتين حديثا بأنّ الأسماء ذات دلالة فحسب وليس لها معنى، وأنّ القضايا ذات معنى فحسب وليس لها دلالة «1». وهذا الاتجاه يقارب مفهوم أهل الاصطلاح عند العرب والمسلمين.
بل اعتبر الغزالي أن الواقعة والمعنى والدلالة مترابطة ترابطا تاما، إذ قال إنّ للأشياء وجودا في الأعيان والأذهان واللسان «2».
لكن تطور العلوم العصري جعل معنى الاسم يؤخذ على السياقات التي تستعمل فيها الأسماء. وهذا التوجه يخدم تشعب المصطلحات وغزارتها.
بيد أنّ المصطلح العربي والاسلامي ارتكز على وظيفتين مثله مثل وظيفة اللغة عامة: وظيفة معرفية ووظيفة انفعالية. في حين ضؤل دور الوظيفة الانفعالية في المصطلح العصري الغربي لضمور الآداب والفلسفة أمام العلوم والتفنين. ولم تعد المعرفة العصرية تعنى بتبديات النفس وتخيلات الشعور عنايتها بالوقائع المجربة المصغرة والافتتان بها.
ولم يحدث الأمر في اللغة العربية لعدم انسلاك المجتمعات العربية في سلك العلوم والتفنين وانخراطهم كليا في التكنولوجيا وهضم علومها.
ولا عجب إن جاء الكشاف يلبّي الوظيفة المعرفية للغة، ولكن مصطلحاته الملبّية للوظيفة الانفعالية تطفو وتغزر. ولا سيما أن الدلالات الفلسفية والصوفية الدّالة على التّبديات والتمظهرات الفكرية والنفسية تكثر، وتغني القارئ بحقل واسع من
(1)
Picher. G. The Philosophy of Wittgenstein, Inc., Englewood, Cliffs, N. J., Prentice- Hall,
1964,p . 54.
(2) ولا سيما في كتابيه: معيار العلم والمستصفى من علم أصول الفقه.
الجزء 1 · صفحة 25
الموروث الثقافي العربي والاسلامي. وفي الوقت عينه تصور له تجربة انفعالية نفسية غنية في عمر الشعوب.
لقد جعلت مصطلحات الكشاف القارئ أمام ألفاظ وأسماء لم تقتصر على الوصف، إنّما اصطنعت ألفاظا جديدة بألعاب في اللغة عن طريق التفعيلات تارة وعن طريق الخروج عن العادة طورا.
علاقة المعنى باللفظ
وثمة مسألة تتعلق في المصطلح وباتجاه خاص عند كل من أهل المعنى والمبنى، وقد أثيرت في التراث العربي والاسلامي، وكانت مجالا رحبا للنقاش العصري.
وهذه المسألة ترتبط فيما سبق ذكره عن كنه العلاقة بين المعنى واللفظ أو ما سمّي قديما المفهوم والبيان، الأذهان واللسان، الماهية والاسم، وإذ باتجاه مدرسة آكسفورد يجعل تعريف المعنى في حدود الاستعمال اللغوي، أي إن معنى أية كلمة يرتبط دائما بالسياق الذي تستعمل فيه الكلمة. فإذا، المعنى يتجلّى من خلال الاستعمال «1». وكان سبب موقفهم هذا أنّه تتمة طبيعية لفلسفة الوضعية المنطقية الرافضة لأي قبليات عقلية أو معان ذهنية متباينة من خارج التجربة العينية. وقد تابعت مدرسة آكسفورد هذا فرفضت أيضا إمكانية التحقق للمعنى. أي أنّه لا يوجد منهج للتحقق من أن العشب أخضر وأنّ السماء صافية زرقاء اليوم، إذ لا يوجد من يتعلم كيفية الرؤية والشعور، بينما يوجد من تعلم معنى اسم العشب والأخضر، وارتباط ذلك في جملة إخبارية «2».
وما خلصت هذه المدرسة إليه هو أنّ المعنى لا يتحد بالكلمة اتحاد الروح بالجسد أو المعنى روح في جسد كلمة، إنّما يكشف المعنى عن ذاته في استعمال الكلمة. إذا، إذا قصد كل منا معرفة ما تعنيه الكلمة فعليه النظر وتدبر أمر وكيفية استعمالها، حيث ذهب فايزمن إلى أنّ معنى الكلمة يتغيّر تبعا لتغيّر استعمالها «3».
(1)
CharlesWorth, M. J., Philosophy and Linguistic Analysis, Duquense Studies, Philosophical series 9, Pittsburgh, Duquense University,
1959,p . 071.
(2)Quoted by :Weitz ,M .,Oxford philosophy ,Philosophical Review , 3591,p . 691.
(3)
Waismann, F., The Principles of Linguistic Philosophy, London, R. Macmilan,
1968,pp . 751 - 651.
الجزء 1 · صفحة 26
وقد عثرنا على شيء من هذا التوجه في التراث العربي والاسلامي، مع اختلاف الأغراض والوضوح في المسألة والفضاء المعرفي.
وتمثل هذا التوجه بانتصار أهل البيان لمنطق اللغة على منطق المعنى أي توخّي أوجه النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله «1». فاعتبر السكاكي في مفتاح العلوم «2»: «أنّ من أتقن أصلا واحدا من علم البيان، ... ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل».
وخير شاهد ومثال على هذه المسألة المحاورة التي تمت في مجلس الوزير ابن الفرات في بغداد عام 366 هـ بين السيرافي وأبي بشر متى بن يونس. إذ قال السيرافي لمتى: «ما تقول في قول القائل: زيد أفضل الأخوة؟ قال متى: صحيح. قال السيرافي: فما تقول إن قال: زيد أفضل أخوته؟ قال متى: صحيح ... فقال السيرافي:
أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة. المسألة الأولى جوابك عنها صحيح «والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح ... إن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم. والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وعمرو وبكر وخالد، وإنما تقول عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم. فإذا كان زيد خارجا عن اخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل اخوته، كما لم يجز أن تقول: إنّ حمارك أفضل البغال، لأنّ الحمير غير البغال، كما أن زيدا غير اخوته. فإذا قلت: زيد خير الأخوة، جاز، لأنّه أحد الأخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره فهو بعض الأخوة ... » «3».
إن متّى انتصر لأرسطو في جعله الأخوة جوهرا له ماهيته، أي هو معنى قبلي متصوّر في الذهن. بينما نظر السيرافي من خلال سياق ترتيب الألفاظ والحروف، فهاء الضمير المتّصل في الأخوة تحدّد المعنى وليس للمعنى أسبقية وقبلية. لهذا اختلفت الجملتين فاختلف المعنيان.
ورب سائل يقول: ما علاقة كل هذا من المصطلح كلفظ وتصور، كاسم ومعنى؟
(1) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، تحقيق بن تاويت، تطوان المغرب، د. ت.، ص. 27 و 139.
(2) المرجع نفسه، ص. 182.
(3) التوحيدي، أبو حيان، الامتاع والمؤانسة، القاهرة، التأليف والترجمة، 1939 - 1944، ج 1، ص 121.
الجزء 1 · صفحة 27
والجواب أنّ هذا الحجاج يمدّنا بمعطيات معرفية وتوجهات فلسفية، تجعلنا ندرك تماما فعل المصطلح وأثره في تحريك المعاني في الذهن ودور اللغة في كل ذلك وأثرها. إذ إن المصطلح، على الرغم من كونه في معظم الأحيان، يأتي مفردا، ولفظا واحدا من غير سياق في الجملة؛ إلا أنه كاسم، اتفق على أن له دلالات متعدّدة ومعاني منتشرة يضع أسبقية اللفظ على المعنى من وجهة نظر المنتصرين لفعل اللغة؛ ويحرك في الذهن المعاني الوافدة والمحصّلة بالابداع في اطار بنية وسلطة اللغة. هذه اللغة المعاشة القابعة في اللاوعي المعرفي واللامفكر به. ولعلّ كل ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية التحديث لأغلبية الجمهور. فالإنسان يفكر من خلال مداخل لغته ويستسيغ ويهضم ويتعلم بلغته المعاشة وبشكل أسهل وأسرع؛ من غير أن يعني ذلك عدم مشاركته في لغات العلم والابداع عند الآخر. إلا أن هذه المشاركة تبقى خارج البنية المعرفية والذهنية للجمهور، مما يضعنا أمام المأزق الحضاري الذي أثرناه سابقا.
دلالة المصطلح عربيا:
ولا ضير من بعض السبر والحفر في دلالة المصطلح عربيا، لعلّ ذلك يمدّ القارئ بأبعاد وآفاق ويكشف الستر عن سيرورة في عمر اللفظ وبنائه.
إن جذر اللفظ (مصطلح) من: صلح: والصلاح ضد الفساد. وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة. فيقال: مغرت في الأرض مغرة من مطر. وهي مطرة صالحة.
إن جذر اللفظة له دلالة حسية عند العربي تشير إلى المواجه للفساد والانحلال، أي التنبّت، ومن التنبّت تتشعب معاني الخصب والحياة والاستمرار والبقاء.
ثم استخدم اللفظ على معنى مجرد عند ما انبرى اللغويون إلى تقعيد اللغة، لكن هذا المعنى الذي أشار إلى البقاء والاستمرار عندهم ظل له علاقة ما مع الدلالة الحسية. مثال ذلك: يقول بعض النحويين، كأنّه ابن جني، أبدلت الياء من الواو ابدالا صالحا: أي أبقى وأكثر قابلية للحياة في الاستعمال اللغوي.
ومن ثمّ أخذت اللفظة مجراها في الاشتقاق فأضحت «الاصطلاح» من افتعال وزنا. ووزن افتعال يحمل في دلالته معنى تدخل الإنسان ومهارته العقلية في الفعل، إذ يقال: اصطناع، اقتسام. والاصطلاح حديثا: العرف الخاص، أي اتفاق طائفة
الجزء 1 · صفحة 28
مخصوصة من القوم على وضع الشيء أو الكلمة «1».
ولعلّ الجرجاني (المتوفى 816 هـ)، والذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، ومن معنى بياني لغوي في سيرورتها والمآل. قال الجرجاني «2»:
الاصطلاح «عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول».
وهذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ وكيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معان في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم.
ويتابع الجرجاني فيقول: «إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما».
أما المناسبة بينهما بعد معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى والدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب.
أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. وهذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية والكلامية. واللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة.
ووجب وجبة أي سقط إلى الأرض «3».
إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، وكان المعنى الديني السقوط والتنزيل الآمر. وما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول: «اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى».
وهذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانا آليا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضا واتفاقا.
والأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، واضفاء دلالات على هذه المعاني، وشاهدنا على ذلك قول الفارابي (257 - 339 هـ/ 873 - 950 م) «إذا حدثت ملة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيها
(1) المنجد، بيروت، دار المشرق، 1986، حرف أ.
(2) الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983، ص 28.
(3) ابن منظور، لسان العرب، مادة وجب.
الجزء 1 · صفحة 29
بالشرائع التي وضعها ... وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك» «1».
ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني. وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد «2». إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره، فعلا أو مصدرا، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة. فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية.
وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات: «والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد». وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية. وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية، بيد أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها.
ففي المجال البياني قيل: «لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القرآن، إلى معنى غير ما وضعت له، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل ... » «3».
وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجة (475 - 533 هـ) أن شرح بعد العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية، فيذكر في (تدبير المتوحد)، أنّ التوحّد مميّز من التصوف. فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه. إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث
(1) الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1970، ص 157.
(2) جهامي، جيرار، الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، بيروت، دار المشرق، 1994، الفصل الأول.
(3) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة مصر، مجهول، ج 3، ص 50.
الجزء 1 · صفحة 30
الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بواسطة المجاهدات. وذلك كله ظن وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع «1».
ويتابع ابن رشد (520 - 595 هـ) الدرب عينه ليلخص لنا موقفا مهما، جاعلا الخطاب الديني متوافقا مع ما يقرره العقل إما بالبيان الظاهر وإما بتأويل الدلالة من غير «أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء، التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي» «2». فالتشديد هنا يركّز على سلطتي العقل وبناء اللغة أو ما سمّي عادة لسان العرب.
ولا مندوحة عن القول بأن المصطلح العربي رافق التجربة اللغوية العربية والمعرفية الاسلامية بتعدّدها، فشكّل سيرورة بنائية دلالية معرفية، إذ تضمن في مراحله والمسار محطات رئيسة بارزة:
- اصطلاح على أسماء وألفاظ بين القوم لها موضع أول، أي دلالة حسية.
- دلالة بيانية دينية نقلت الألفاظ إلى مضامين مجردة وحادثة.
- دلالة اختصت بمعان عقلية مجرّدة حادثة ووافدة.
- دلالة على معان ليس لها اتصال لغوي أو معرفي في حياة العرب.
- دلالة على معاني علوم واختصاصات تطبيقية.
ولا بأس، فإنّ هذه المحطات تعبّر عن مجالات الدلالة في اللسن العربي وكيفية حدوث المعاني بسبر جامع لأكثر الحالات المتعلّقة بمفاصل حدوث المصطلح.
ولعلّنا نعثر في الكشاف على كل ذلك.
المصطلح بين الوقف والوضع:
وينقلنا ما تقدّم من تعرّف على دلالة المصطلح لغة إلى التعرّف على أصل المسألة الاصطلاحية ومنبتها. ويتمثّل ذلك في التساؤل: هل المصطلحات والألفاظ موضوعة وضعا مسبقا؟ أهي توقيف؟ وصيغ التساؤل قديما: هل وردتنا عن الله أم صنعها الانسان بعد أن خلقه الله؟ «3»
(1) ابن باجة، رسائل ابن باجة الالهية، تحقيق ماجد فخري، بيروت، دار النهار، 1968، ص ص 53 - 55 وص ص 121 - 141.
(2) ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، المكتبة المحمودية، 1968، ص 16.
(3) الكفوي، أبو البقاء، الكليات، دمشق، الثقافة والارشاد القومي، 1981، ج 1، ص ص 201 - 202.
الجزء 1 · صفحة 31
إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، وعربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال: (ع) تدلّ على صوت الزئير و (ا) الصوت المتكرر. ومثال الثنائي (عو) والثلاثي (عوى) «1». وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات. ويماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ، والموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد، والأمر يحصل عند الطفل تباعا.
ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه.
أما القدماء فوقفوا عند قوله عزّ وجل القائل وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة/ 31. فعلّق الجاحظ (160 - 255 هـ) قائلا: «لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي ...
ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسن فيه ... ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمّن بمعنى» «وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى» «2». وقيل أيضا: «إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له» «3» فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي.
فاللغة وضع في أساسها، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص «4».
وأعاد زكي الأرسوزي- القرن العشرين- هذا الاتجاه وتوسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) وصوت (س) المعبّر عن الحركة.
وذهب هذا المذهب في أوروبا ( Whitney)، ومن أشهر مؤلفاته: (حياة اللغة 1875) و (اللغة ودراستها 1876). واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى ( Semantique)، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى،
(1) العلائلي، عبد الله، تهذيب المقدمة اللغوية، بيروت، دار النعمان، 1968،
(2) الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الخانجي، 1965، ج 1، ص 262.
(3) عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة، وزارة الثقافة، 1961، ج 8، ص 36.
(4) الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار صادر، ج 1، ص 326.
الجزء 1 · صفحة 32
واللغة والفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، ولا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ ويرى هردر (1803 - 1744 Herder ) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما «أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي ... إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم» «1». وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا ودلالات، مبنى ومعنى، وبين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم، ويفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني. علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة، فعملوا على الصهر بينهما» لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة» «2». ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، «فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» «3»
وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية، وعيا أو لا وعيا. وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا وقوالبا، نشوءا وتقعيدا، إنشاء وعلاقات، نحوا وتفنينا- جناس بديع كناية تورية- أصواتا ودلالية ما.
وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، وللذهنية التي ولّدته. ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها، فحملت
(1) Shaft ,Adam ,Langage et connaissance ,Paris ,Anthropos , 7691.p . 6.
(2) التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، دمشق، مطبعة الارشاد، 1964، ج 3، ص 49.
(3) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، ج 2، ص 47.
الجزء 1 · صفحة 33
معارفهم، انها بعد تركيبي، لكنها معرفي تاريخي أيضا لم يضعه الفرد، فهي خارجة عنه فاعلة فيه.
بيد أنّ التجربة السلالية التاريخية لانتماء هذا الفرد المكاني عملت على ايجادها.
ولما كانت اللغة صنيعا بشريا فهي وضع، وبما أنّها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتى لها خصوصياتها، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي، أي العمل والاتصال، فهي عملية وتجريبية، إنها من العقل وفي العقل وللعقل، لأنّها بيانه.
«فليس الطريق بالنهاية في إنشاء ال ( Axiome، البديهة)، بل في العمل على معرفة الوقائع اللسانية واستدراك سوء المفهومية» «1».
ولا عجب أن نرى بأنّ مسألة اللفظ عند الألسنيين لها بعدان: بعد تعبيري له شكل ومادة، وبعد مضموني له شكل ومادة أيضا «2».
أما مادة التعبير فالحقل الصوتي، وشكله الاشارات الصوتية، بينما مادة المضمون الحقل الدلالي، وشكله المفهوم «3» - المعنى-
ولنبيّن الرأي المتعلّق بموضوعنا ومفاده:
- إن المصطلح ينحبس في عالم اللغة بنية مبنى وبنية معنى- حقل دلالي-.
- إن المصطلح يغني اللغة في حقل دلالاتها، فيحدث تأثيرا في البناء المعرفي للناطقين بها، أي ينقلهم من حال إلى حال، ويغني فكرهم، وربما أدّى تراكم هذا الاغناء إلى التأثير في مبنى اللغة، نحو مطواعيتها في التحديث المستمر.
والمصطلح ينطبق عليه القول المأثور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، حيث يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي، ومن ثمّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث. وقد استعملت التفعيل عوضا عن التركيب، تبعا لخصوصية العربية في الاشتقاق وليس في التركيب المقطعي.
(1) يستشهد لالاند في معجمه بقول لا يبنتز هذا. Lalande ,OP .CIT .P .XIII
(2)Groupe M .,Rhetorique generale ,Paris ,Larousse , 0791.pp . 171 - 271.
(3)
Hjemslev. L., Prolegomenes a une theorie du langage, Paris, Minuit. p.
65.
الجزء 1 · صفحة 34
المصطلح ودراسة المبنى:
ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي. ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة. إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف، والأصوات تتركب على نظم معين، وفي أنساق محددة، لتتميّز بنمط ما.
والمبنى متعلّق بالبيان، حيث يردّ اللفظ إلى بين ويدلّ على «1»:
- الظهور والوضوح. وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه، ولا سيما إذا علمنا أن (بين) على وزن (عين) يفيد الفصل، والبعد، والفرقة، ومنها المباينة.
- القدرة على التبليغ والفصاحة، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن، والافصاح مع الذكاء، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ.
- تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة، فقد ورد في القرآن الكريم: خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرحمن/ 3 - 4، فبعد الخلق، فصل الإنسان عن سواه بالبيان «2».
فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال. وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلا:
«المعاني القائمة في صدور الناس ... مستورة خفية ... وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها ... وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى» «3». ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى. إن النحو منطق العربية، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني «4». إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه. فالتعقيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقا للحياة في اللغة، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة. إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان.
وهذا ما حدث عند ما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو. كما إن «تتّبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم
(1) Schaft ,Langage et connaissance ,p . 992.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة بين. والزمخشري، أبو القاسم، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت، دار الكتاب العربي، ج 4، ص 443.
(3) الجاحظ، البيان والتبيين، بيروت، احياء التراث، ج 1، ص 56.
(4) المرجع ذاته، ص 56.
الجزء 1 · صفحة 35
المعاني والبيان» «1».
ونحن عند ما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربا بين المعارف واستعدادا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. ولنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويا، وأخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية. ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية.
والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان والحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها. وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والابدال والاشتقاق. علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز ( Diachronie) في اللفظ.
حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن synchronie ، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة «2».
وتختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له. وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري.
إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى
(1) السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 3.
(2) Saussure .F .,Cours de Linguistique generale ,Paris , 0691.pp . 56 - 02.
الجزء 1 · صفحة 36
تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان، ومن الأوزان إلى التفعيلات الأساسية ومن التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا.
وهذا يشابه تماما حركة (الاكسيوم) البديهيات في الرياضيات الحديثة، وعملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن. ولا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة ومنطق العلوم.
والمصطلح يرافق اللغة وبنيانها النحوي، ويلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها وتلاقحها كمحاولة الغزالي «1». ولنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية وروادا أوائل، تابع الآخرون خطاهم، مثل الكندي والفارابي قديما، والطهطاوي والبستاني حديثا. وقد شق هؤلاء وغيرهم دربا تعزّز، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات. وفي الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ، وأنّه يجنّ الكثير من الفعالية وعناصر التأثير في الفكر والعمل. لكن العودة إلى الأصل الثلاثي، البعد العمقي للبنيان، لم يلق انتباها عند البعض، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد. وهذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة والنقل الحالية.
علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان وتطال المعنى، وهي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها، وهي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن. وكأن الفارابي وعى صعوبة ذلك والإشكالية فقال: علم اللسان ضربان: «حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدلّ على شيء شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ. والقوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة ... » «2».
وكما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا، تنبّه له علماء أفاضل، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا
(1) تميزت محاولة الغزالي بطبع المعاني المنطقية اليونانية بطبع العربية، حتى كادت المعاني تغترب أحيانا عن بعدها اليوناني آخذة الطبع العربي بخصوصيته والأبعاد للتوسع:
العجم، رفيق، المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية وخصوصياته الاسلامية، بيروت، دار المشرق، 1989.
(2) الفارابي، احصاء العلوم، القاهرة، ط 1949، ص 3 - 4.
الجزء 1 · صفحة 37
محسوسا ثم مجردا فاصطلاحا. واقتصر الاصطلاح على عدة مجالات سابرا عدة قرون من العطاء الفكري والعلمي. والملفت أنّ جمع هذا الاصطلاح تم على يد غير العرب بجلّه، ولكن هؤلاء بالرغم من كونهم ليسوا عربا إلا أنّهم ممن ضمّتهم الثقافة العربية بالاسلام. فبذلوا جهدا متميّزا جمّاعا ابتداء من القرن التاسع الهجري. وأخص بالذكر الجرجاني، والكفوي التركي، والتهانوي والنكري الهنديين وغيرهم.
ولما استفاق العقل على مشارف القرن الثالث عشر الهجري لم يعط أهمية لعمل هؤلاء كحلقة وصل لنحت المصطلح الحادث، فحدث التفلت في تخيّر المصطلحات، وتمثّل ذلك بسقطتين:
أولاهما: عدم العناية التامة في تخيّر المصطلح بالوزن ودلالته وأبعاده.
ثانيتهما: غياب الاستئناس والانطلاق ممّا جمعه الموسوعيون من المصطلحات.
ضمن هذه الخلفية تحفّزت أعمالنا في إعادة نظم وتحقيق كشاف اصطلاحات العلوم والفنون وغيره من الأعمال المماثلة المقبلة التي ستلي بعون الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 38
التّعريف بالمؤلّف والكتاب وعمليّة التّحقيق
ضمّ هذا القسم الموضوعات التالية:
1 - سيرة التهانوي
2 - أهمية الكشاف وطبيعته
3 - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق
4 - شكر وتقدير
1 - سيرة التهانوي
حياته:
يعتبر محمد أعلى بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي «1» (الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي) واحدا من العلماء المسلمين الذين لم يجزوا حظا وافرا من الدراسة والبحث والشهرة على الرغم من أنّ عطاءه الكبير المتمثّل في الكشاف ينمّ عن سعة أفق وغزارة معلومات عزّ نظيرهما، وقد أمليا عليه لقب الموسوعي الكبير الذي بزّ أقرانه في عالم الفكر الموسوعي. في حين سكتت المصادر العربية والاسلامية عنه أو أشارت إليه لماما وباقتضاب. لذا جمعنا أخباره ونشأته بجهد جهيد، وذلك من خلال العبارات المتناثرة والجمل الشاردة، التي كوّنت مجتمعة صورة عن هذا العالم الجليل. والأرجح أنّ هناك الكثير من حلقات حياته ما زالت مجهولة لم يستطع الوقوف على معرفتها، ولم يعثر على ما يهدي إليها سبيلا. من ذلك: ولادة الشيخ ووفاته تحديدا، رحلته في الحياة، شيوخه وتلاميذه والتعرّف عليهم. علما أنّ المصادر
(1) الحسيني، عبد الحي، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، حيدرآباد، د. ت.
الجزء 1 · صفحة 39
التي ذكرته كثيرة العدد «1» ضئيلة التفصيل في حياته، وربما استقت معلوماتها من مصدر واحد.
ومن ثمّ تباينت المصادر والمراجع في تفصيل اسمه، حيث ورد في دائرة المعارف اسمه محمد علي «2». كما ذكر جرجي زيدان في ترجمته أنه محمد صابر الفاروقي السنّي الحنفي التهانوي «3»، من غير أن يذكر شيئا عن أبيه أو جده مثلما فعل الحسيني. وجاء في فهرس الكتبخانة الخديوية المصرية: محمد بن محمد بن جابر «4».
وفي اكتفاء القنوع: محمد علي بن أعلى «5». بينما ذكر الزركلي وكحالة أنّه محمد بن علي «6».
والفاروقي نسبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإليه كانت تنسب دولة الفاروقيين في خنديش بالهند، حيث استقلت هذه الدولة عن دلهي عقب وفاة (فيروز تغلق) في أواخر القرن الثامن الهجري، واستمرت حتى أوائل القرن الحادي عشر الهجري. والسنّي نسبة إلى أهل السنة. والحنفي نسبة إلى مذهب أبي حنيفة الذي
(1) يمكن سبر هذه المصادر والمراجع بالآتي:
مقدمة كشاف اصطلاحات الفنون. البستاني، دائرة المعارف بيروت، دار العلم للملايين، ط 8، 1989، 6/ 246 - 247. بروكلمان، الملحق، 2/ 628. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، مصر، 1913 - 1914.- دار الهلال بالقاهرة، 1957، 3/ 329. جميل، د. أحمد، حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي في القرنين 18 - 19، ص 21، وص ص 168 - 170. فنديك، ادوارد، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، مصر، 1313 هـ/ 1896 م، ص 328. صالحية، محمد عيسى، المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، ط 1، 1992، 1/ 266. الجزار، فكري، مداخل المؤلفين والاعلام العرب حتى عام 1215 هـ/ 1800 م، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1411 هـ/ 1991 م، 1/ 247 - 248. الدليل الببليوغرافي للقيم الثقافية العربية (مراجع الدراسات العربية)، اليونسكو، مصر، القاهرة، 1965، ص ص 262 - 263. عطية، عبد الرحمن، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث، بيروت، دار الأوزاعي، ط 2، 1404 هـ/ 1984 م، ص ص 69 - 70. ساجقلي زاده، الشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي، ترتيب العلوم، تحقيق محمد بن اسماعيل السيد أحمد، بيروت، دار البشائر الاسلامية، ط 1، 1408 هـ/ 1988 م، ص ص 47 - 50. الزركلي، خير الدين، الاعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط 8، 1989، 6/ 295. سركيس، اليان، معجم المطبوعات العربية والمعربة، مصر، 1346 هـ/ 1928 م، ص 645.
البغدادي، اسماعيل باشا، هدية العارفين، استنبول، 1951 - 1955، 2/ 326، وإيضاح المكنون، استنبول، 1945 - 1947، 2/ 353. نويهض، عادل، معجم المفسرين، بيروت، ط 3، 1409 هـ/ 1988 م، 2/ 592.
كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، دمشق، 1957 - 1961، 11/ 47 فهرس الكتبخانه الخديوية المصرية (اللغة)، مصر، 1308 - 1310 هـ، 4/ 179. فهرس المكتبة الأزهرية، القاهرة، 1950، 6/ 226.
(2) دائرة المعارف، 6/ 246.
(3) تاريخ آداب العربية، 3/ 329.
(4) الكتبخانة، 4/ 179.
(5) ص 328.
(6) الاعلام، 6/ 295، معجم المؤلفين، 11/ 47.
الجزء 1 · صفحة 40
كان سائدا ولم يزل في بلاد الهند وما جاورها. أما التهانوي فنسبة لبلدة صغيرة تدعى (تهانه بهون) من أعمال مظفر نكر بالهند ومن ضواحي دلهي. وإلى هذه البلدة ينسب عدد من العلماء منهم:
الشيخ عبد الرحيم التهانوي (- 1223 هـ)، الشيخ محمد بن حمد الله التهانوي (- 1296 هـ)، وسبطه أحمد الله التهانوي وقطب الزمان إمداد الله التهانوي الفاروقي الصابري المهاجر المكي وغيرهم.
هذا ولم تمدنا المصادر والمراجع التي ذكرت التهانوي صاحب الكشاف، في شيء ولو يسير عن مولده. ولكن المرجّح لدينا أنّه ولد في أواخر القرن الحادي عشر الهجري. وذلك أنّ معظم المؤرخين اتفقوا على أنّه من علماء القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وأنّ تأليف الكشاف وقع في حدود عام 1158 هـ/ 1745 م. إضافة إلى دليل آخر مفاده ادراك التهانوي لعصر عالمكير. وعالمكير هذا هو العالم الامبراطور (أورنك ذيب) الملقّب بعالم گير (1069 - 1119 هـ/ 1658 - 1707 م) علما أنّ مؤرخي الحركة العلمية والثقافية في عصر المغول ذكروا هذا العالم القائد، وتحدثوا عن اهتمامه الشديد بالعلوم النقلية والعقلية، وعمله الدءوب في نشر الاسلام وعقيدة أهل السنة، فضلا عن اهتمامه بالفتاوى الفقهية، حتى أنّه طلب من بعض الفقهاء وضع كتاب في ذلك سمّي بالفتاوى العالمكيرية.
ومثلما ساد الغموض والتحديد مولد التهانوي فكذلك الأمر بالنسبة لوفاته. إذ غيّبت المصادر والمراجع تاريخ الوفاة. بل كل ما يستفاد منها ومن الكشاف أنّه كان حيا عام 1158 هـ، عند انتهائه من وضع معظم نصوص الكشاف.
وهذا التاريخ أيضا ترافق مع أفول دولة المغول، لذا لا نستطيع الجزم ما إذا كان قد عاش بعد هذا التاريخ لسنوات طويلة أم قليلة. ولم يذكر عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر شيئا عن ذلك، وهو أقدم من أرّخ للتهانوي وعنه أخذ الباقون.
أمّا ما ورد في الكشاف من الارتكان إلى بعض المراجع التي ظهرت في بداية القرن الثالث عشر الهجري، فهذا من عمل واضافات تلاميذه من الذين تابعوا ضبط الكشاف ونصوصه.
ثقافته ومؤلفاته:
تنوعت ثقافة التهانوي وتعدّدت مشارب علومه لغة وفقها وحديثا وتاريخا وفلكا
الجزء 1 · صفحة 41
وفلسفة وتصوفا وغير ذلك. وهو الذي نشأ في بيت علم حيث كان والده من كبار العلماء، لقّب بقطب الزمان. ولاقت الأسرة والابن ضمنها تبجيل وتقدير المجتمع لنسبها إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، ممّا عكس نفسه على تنشئة الولد النابه، فزاده ذلك دافعا وزخما.
والمتتبّع للحركة العلمية التي سادت الهند آنذاك، يجد أنّ هذه الحركة عميقة الجذور متأصلة في التربة منذ أيام الغزنويين قبل عدة قرون، حيث انتشرت المعاهد العلمية وتأسّست المدارس، ولا سيما ما أنشأه السلطان محمود في غزنة. أضف إلى ذلك اهتمام السلاطين المتتابع في المكتبات وإعلاء دورها وتأثيرها، ممّا وفّر المصادر والمراجع الكثيرة بين أيدي طلاب العلم والعلماء.
في هذا الجو المفعم بالزاد والنشاط العلميين عاش التهانوي، فنهل من ينابيع المعرفة وبحار العلم. وجال على الحواضر يلتقي العلماء ويستمع إليهم يأخذ عنهم وينكب على بحثه. فلا عجب إن أورد في تقديمه الكشاف فيما أورد: «لما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي، شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبيعية والالهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والأسطرلاب ونحوها. فلم يتيسر لي تحصيلا من الأساتذة فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أو ان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها ... ».
وما ان نشر كتاب الكشاف واطلع عليه الباحثون والمؤرخون حتى انبروا إلى تقريظ التهانوي والثناء عليه بعبارات المدح وصيغ التبجيل. ومما قالوا عنه: باحث هندي «1»، لغوي «2»، كان إماما بارعا عالما في العلوم «3» ومصطلحاتها «4». والتهانوي مصنّف الكشاف حسنة من حسنات الاسلام الهندي «5».
وبعد الاطلاع على موسوعة الكشاف لا يسعنا القول أمام هذا الانجاز العظيم
(1) الاعلام، 6/ 295.
(2) معجم المؤلفين، 11/ 47.
(3) دائرة المعارف 6/ 246.
(4) حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي، ص 168.
(5) مقدمة الكشاف، ط الهند، ص و.
الجزء 1 · صفحة 42
سوى الاقرار بأعلمية وموسوعية التهانوي التي فاقت كل عمل معجمي وموسوعي في العلوم حتى عصره.
ويبدو أن التهانوي قد ترك مؤلفات عدة وصلنا منها ثلاثة. ولم نعلم إن كتب سواها فضاعت أم اكتفى بها. وهي:
أولا: «أحكام الأراضي». يوجد في المكتبة الهندية تحت رقم 1730، ومكتبة بانكى پور تحت رقم 1599. ويقع الكتاب في 19 ورقة، يشتمل على الأبواب التالية:
أ- في بيان معنى دار الاسلام ودار الحرب.
ب- في بيان أحكام أراضي دار الاسلام.
ج- في بيان أنواع الأراضي وأحكامها.
والكتاب لم يزل مخطوطا لم يطبع بعد.
ثانيا: «سبق الغايات في نسق الآيات». وهو كتاب في تفسير القرآن الكريم، ذكر بعض المترجمين أنّه للتهانوى «1»، وطبع بالهند عام 1316 هـ.
ثالثا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، وهو الكتاب الذي نحققه بحلّة جديدة. وهو أشهر كتبه بل أشهر الأعمال الموسوعية. فقد نال حظا وفيرا لدى أهل العلم والاختصاص. طبع الكتاب مرات عدة، هي:
أ- طبع بالهند لأول مرة عام 1862 م على يد جمعية البنغال الآسيوية من سلسلة المكتبة الهندية، كلكتا، وصحّحه المولوي محمد وجيه والمولوي عبد الحق والمولوي غلام قادر. واهتم به المستشرق النمساوي لويس سبرنغر التيرولي (- 1310 هـ/ 1893 م). والمستشرق الايرلندي وليم ناسوليس. وصدرت هذه الطبعة في مجلدين كبيرين عدد صفحاتهما 1564 صفحة.
ب- الطبعة الثانية كانت بالآستانة عام 1317 هـ، وهذه الطبعة ليست كاملة حيث انتهى الكتاب بفصل الياء من باب الصاد، في مجلد واحد كبير، عدد صفحاته 955 صفحة كبيرة، يليها خمس صفحات تتضمن استدراكات على الأخطاء الواردة في الطباعة.
ج- الطبعة الثالثة كانت بتحقيق لطفي عبد البديع وعبد المنعم محمد حسنين، وراجعه
(1) معجم المفسرين 2/ 592، الاعلام 6/ 295، نزهة الخواطر 6/ 278، معجم المطبوعات العربية، ص 65، معجم المؤلفين 11/ 47، حركة التأليف باللغة العربية ص 171.
الجزء 1 · صفحة 43
أمين الخولي، وصدرت عن مطبعة السعادة بمصر عام 1382 هـ/ 1963 م، تحت اشراف وعناية وزارة الثقافة والارشاد القومي. وكانت هذه الطبعة في أربعة أجزاء، وهي غير كاملة حيث توقفت عند حرف الصاد، كما هي حال طبعة الآستانة.
د- ثم صوّر في مكتبة صادر ولدى شركة خياط في بيروت. والصورتان تحصّلتا عن طبعة كلكتا.
والجدير بالذكر أنّ جميع هذه الطبعات، على تعدادها اكتفت بنشر النص فقط، باستثناء الطبعة المصرية التي حاول فيها المحققون أن يعزوا الأقوال إلى مكانها في المصادر والمراجع ويعودوا إليها أحيانا، هذه الأقوال التي اعتمد عليها التهانوي في كشافه. ولم يتبعوا هذا المنهج في كل أمكنة النص، كما أنّهم نقلوا النص الفارسي إلى العربية.
2 - أهمية الكشاف وطبيعته.
ما إن ظهرت طبعة الكشاف بكلكتا عام 1278 هـ/ 1862 م، حتى انبرى العلماء ينكبون على الكتاب ينهلون من معينه، يمتدحونه ويثنون على مؤلفه بخير العبارات وأفضلها. إذ وجدوا فيه برد اليقين والمرجع الرصين والعلم الواسع والزاد اللغوي الوافر. وبه جمع التهانوي اصطلاحات العلوم والفنون وعرّف بها مع شرح لموضوعاتها واطناب في تشعباتها، وايراد لأعلام المتخصصين فيها، وثبت لأمهات مصادرها. حتى كاد المصطلح أو الفن أحيانا يضج بشواهده ويسبر غوائر دلالاته، فأضحى كل ذلك تأريخا شاملا لعلوم العرب والمسلمين على امتداد حقبتهم الحضارية المزدهرة، وإبان انبلاج قرائحهم وانفتاحها، وتمثّلها علوم السابقين المتقدمين مع ملاحقة أعمال المتأخرين.
فلا غرو إن مثّل الكشاف مختصرا لسبر وفير للمفردات والمعاني والمصطلحات العربية والاسلامية في تعدّد دلالاتها، التي تنمّ عن تجربة كبيرة في ميادين المعرفة وتفرّعات اللغة والعلوم النظرية والكسبية والعملية والسلوكية. هذا في طبيعته والبناء، أما في غايته والهدف فإنّه معلمة جمع لما كان ومحطة وصل لما سيكون.
إذ به ومنه يستعان في وضع الاصطلاح الجديد عبر تجوّز اللفظ والتجويز، كما هي عادة لسان العرب. فعبره يمكن توظيف الكثير من الاصطلاحات لمدلولات حادثة بواسطة خيط رفيع يربط بين المعنيين القديم والجديد أو مناسبة أو قياس.
الجزء 1 · صفحة 44
ولا سيما أنّه بحقله والمعاني مغروس في وعي الذهنية العربية والاسلامية، قابع في اللامفكر به داخلها، وكل نشاط مستجد لن يخرج عن أرضيتها وبنائها. ففي هذه الذهنية وبها يتمثّل المعنى وينطلق اللفظ معبّرا عمّا في الافهام بعد هضمها في الأذهان، عندها يتم الاذتهان ونتمثّل العلوم العصرية خير تمثّل وبأفضل استقلاب مماثلة لما يحدث في العضويات.
قيل في الكشاف: «هو معجم عظيم النفع للمصطلحات العلمية والفنية، يغني عن مراجعه آلاف من الصفحات وعشرات من الكتب. كفى تقديرا له أنّ علماء العرب تلقوه بالقبول، وعلماء الغرب عملوا على نشره» «1».
وذكر أيضا: «والكتاب لا يستغني عنه دارس لجوانب المعرفة التراثية، وبخاصة في ميادين العلوم المختلفة كالطب والفلسفة والرياضيات والتصوف والفقه ... » «2».
كما وصف أيضا بأنه: «ابتكار جديد في الكتب والأدوات المساعدة في التصنيف أكثر منه في التصنيف نفسه، إذ إنّ في تصنيف العلوم قد كتب من كتب ... ولكن كثيرا من مشكلات التصنيف نجد حلا لها في هذا الكشاف. فالصياغات اللفظية لها مدلولاتها في الذهن والواقع» «3».
ولقد وضع العلماء المسلمون عددا من الموسوعات العلمية والمعاجم الشاملة التي تعين الباحث على مبتغاه؛ مثل جامع العلوم الملقّب بدستور العلماء لأحمدنكري، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، والتعريفات للجرجاني وغيرها، ولعلّ أوسع هذه الكتب وأشملها كتاب الكشاف.
الباعث على تأليف الكشاف:
يقول التهانوي عن باعثه إلى انتهاض الجد وتشمير العزم وتوكيد الحزم وتنفيذه فيما حفزه إلى هذا العمل الشاق الواسع:
«إنّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فان لكل علم اصطلاحا خاصا به، إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، ولا إلى انقسامه دليلا. فطريق علمه إما الرجوع إليهم
(1) أحمد، د. جميل، حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي، ص 21 و 169.
(2) عطية، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث ص 70.
(3) ساجقلي زاده، ترتيب العلوم، ص 47.
الجزء 1 · صفحة 45
أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة ... ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها، كي لا يبقى حينئذ للمتعلم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوعا. فلما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية ... شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم من الحكمة ... فصرفت شطرا من الزمان في مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها على ترتيب حروف التهجي كي يسهل استخراجها لكل أحد.
فحصّلت في بضع سنين كتابا جامعا لها. ولما حصل الفراغ من تسويده سنة 1158 هـ، جعلته موسوما وملقّبا بكشاف اصطلاحات الفنون ... » «1».
إذا، كان الغرض الأساسي الذي سعى إليه التهانوي التوفير على طالب العلم الجهد والوقت اللذين يبذلهما في أثناء التعرف على معنى متشعب الدلالات متنوع الموضوعات حيث يضيع بين طيات عشرات الكتب اللغوية والعلمية وربما لا يهتدي إلى مقصوده ولا يجد إليه سبيلا.
منهج الكشاف:
جاء الكشاف استجابة لملء الفراغ في المكتبة العربية والاسلامية. وقد استقصى فيه التهانوي بحث المعاني وايرادها على مختلف دلالاتها متدرجا من الدلالة اللغوية إلى الدلالة النقلية فالعقلية ثم العلمية. وتوسّع أحيانا في ايراد المسائل التي اقتضاها البحث في مجال من المجالات وأسهب. وسار على المنوال نفسه في بعض الألفاظ الفارسية التي طعّمها في الكتاب ولا سيما في آخره، والتي وضعناها تبعا لرسمها ولفظها وبالتسلسل الألفبائي مع العربية.
وكان يعتمد في كل شرح على الكتب المعتبرة في العلوم المختلفة فيذكرها ويذكر أحيانا أصحابها، بمثل ما يورد الثقات من العلماء والمؤلفين، ويعمد أحيانا إلى ايراد المظان التي نقل عنها بارسالها في ثنايا المادة أو في آخرها.
(1) مقدمة الكشاف، ط الهند، ص ص 1 - 2.
الجزء 1 · صفحة 46
وكما ذكرنا فالكشاف موسوعة كبيرة جمعت المصطلحات والمفردات الخاصة بالعلوم المعروفة حتى زمان التهانوي، وربما قيل انه استطاع جمعها أو جمع معظمها، لكن لم يسبرها كلها. فهذا فوق طاقته، إذ الوسائل في عصره لم تكن متوفرة كما هي حال استخدام الآلات الآن، إضافة إلى المراجع.
رتّب التهانوي كشافة ترتيبا هجائيا الفبائيا في أبواب بحسب أوائل الحروف، ثم رتّب مادة كل باب في فصول تتسلسل الفبائيا، ولكن تبعا لأواخر الحروف. فمثلا نجد (أدب) و (أوبة) في باب واحد هو باب الهمزة، وفي فصل واحد ضمن هذا الباب وهو فصل الباء، لأنّ كليهما ينتهي بحرف الباء.
ومن ثمّ افتتح التهانوي كتابه بمقدمة بسطها خطته المنهجية في التأليف. فتصدّرت المقدمة شروح في تبيان العلوم المدوّنة وما يتعلق بها، وعرضت وجوه تقسيم العلوم إلى نظرية وعملية على عادة تصنيف الحكمة لذلك. ثم جاء استعمال كل علم وغايته.
كما فرّعت العلوم إلى عربية وغير عربية، وشرعية وغير شرعية، وحقيقية وغير حقيقية، ونقلية وعقلية، وإلى علوم جزئية وغير جزئية.
انتقل التهانوي عقبها إلى ذكر مباحث في فلسفة التصنيف تنمّ عن عقلية متبحّرة في هذا المضمار، وتعمّق في التعريفات من حيث الذات والعرض وأحوالهما، ومن تحديد لحيثية الموضوع.
والملفت البارز في المقدمة ما سمّاه التهانوي بالرءوس الثمانية، وهي معايير ومواصفات تضبط المادة وتقيّدها وتضمن سلامتها من الزيف، وهي:
1 - الغرض من تدوين العلم أو تحصيله.
2 - المنفعة، أو الفائدة المجتناة من العلم.
3 - السّمة، أي التسمية، عنوان الكتاب.
4 - المؤلف، وهو مصنف الكتاب.
5 - من أي علم هو.
6 - في أي مرتبة هو، أي بيان مرتبة العلم بين العلوم.
7 - القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها.
8 - الانحاء التعليمية، وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، كالتقسيم والتحليل والتحديد والبرهان.
ولعلّ التهانوي يوزع العلوم ببعد خاص، فيجعلها على ثلاث تصنيفات عامة:
الجزء 1 · صفحة 47
أولا: العلوم العربية، التي يقسمها إلى أصول وفروع، ويجمعها على عشرة علوم: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي والنحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة.
ثانيا: العلوم الشرعية الدينية، ويفصّلها على النحو التالي:
علم الكلام أو الفقه الأكبر أو التوحيد والصفات، علم التفسير، علم القراءة- قراءة القرآن الكريم-، علم الاسناد، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الفقه، علم الفرائض، علم السلوك.
ثالثا: العلوم العقلية، وهي التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، وهي:
المنطق وأصوله التسعة، والحكمة وأقسامها: الإلهي والرياضي والطبيعي.
وفروع ستة. والطبيعي له أصول ثمانية وفروع سبعة.
وتجدر الاشارة إلى أنّ مواد الكشاف التي وردت بعد المقدمة انشطرت شطرين ضمن فنين:
الفن الأول: تضمن الألفاظ المصطلحة العربية، وهو الأعظم حجما ومادة، وورد فيه بعض الألفاظ غير المصطلحة، واشتمل على أبواب والأبواب على فصول.
الفن الثاني: ووردت فيه الألفاظ الأعجمية بالترتيب الهجائي، وهي ضئيلة العدد.
وقد بلغ عدد المصطلحات الواردة في الكشاف من الفنين ثلاثة آلاف وخمسة وأربعون مصطلحا، تفاوتت في توزيعها بحسب نظمنا لها، فكان نصيب حرف الميم من أكثرها ثم الألف فالتاء فالحاء فالعين وهكذا.
رحم الله التهانوي العالم الموسوعي والشارح المدقّق رحمة واسعة. ويكفيه فضل أنّه أدرك حاجة طلاب العلم والمكتبة العربية والاسلامية إلى هكذا عمل، فسدّ ثغرة، وتخطّى مرحلة، واختزل جهد مجموعة، حتى قورن عمله، فظنّ به صدى لما قام في أوروبا من أعمال معجمية موسوعية، دأبت عليها لتحقيقها جماعات ووحدانا، وانفرد هو بصبره وإيمانه في إنجاز مشابه، خصّ العربية وأتحف الاسلام. ندعو الله أن يجزيه جزيل الثواب والمغفرة لقاء صنيعه، ونحمده عز وجل، نعم المولى ونعم النصير.
الجزء 1 · صفحة 48
3 - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق.
توزّعت أعمال الفريق على ثلاث شعب رئيسية هي:
تحقيق النص ونظمه، نقل النصوص الفارسية إلى العربية، اختيار الألفاظ الأوروبية المقابلة للمصطلحات.
قام بتحقيق النص وضبطه الدكتور علي دحروج يساعده فريق كبير من الباحثين سنأتي على ذكرهم لاحقا، وتولّيت توزيع العمل بينهم مع المشاركة والمراجعة خطوة خطوة.
أنجز الشيخ د. عبد الله الخالدي نقل النصوص والعبارات الفارسية جميعها إلى العربية. وأشرفت على المادة توزيعا وضبطا فقط.
وضع الدكتور جورج زيناتي الألفاظ المقابلة لمصطلحات الكشاف في الانكليزية والفرنسية وأحيانا في اللاتينية. أما في الالمانية فهي لغة حديثة نسبيا وبعيدة عن مقابلة علوم المسلمين التي ظهرت في فترة سابقة عليها. وشاركت في توزيع العمل والمراجعة.
تدرّج التحقيق وترتّب على مراحل عدة نوجزها بما يلي:
- إعادة تبويب المادة على أساس المصطلح المستقل.
- ايراد المصطلحات وموادها متتالية تبعا للتسلسل الألفبائي وبحسب رسم كل مصطلح وتتابع حروفه كما أشرنا، وذلك من غير اعتبار لأل التعريف وللجذر اللغوي. وقد قام بذلك «الكمبيوتر» الحاسوب، بعد أن أعددنا له لوائح المصطلحات منظّمة على أحرف الألفباء للحرف الأول فيها.
- بقي مضمون مادة المصطلح أو ما سنتعارف عليه بالنص والمتن كما هو من غير مسّ. وضبطت بعض حركاته بالتنوين عند الاقتضاء، تحاشيا للإشكال فقط، من غير قاعدة واحدة، والغرض التيسير على القارئ.
- ولقد اعتمد نص الطبعة الهندية في المتن، وإن وجد فيه نقص أضيفت كلمة أو عبارة من طبعتي: العثمانية والمصرية، وذلك بعد مقارنة كل طبعة على المتن الأصلي.
وإن عثر على فارق أشير في الهامش إلى ذلك الفارق. وفي جميع الأحوال عند وجود النقص أو الفارق أشير في الهامش إلى كل ذلك، مع تثبيت الكلام المختلف ووضع أمامه رمز الطبعة وعلامة زائد عند الزيادة وناقص عند النقص. كما رمز
الجزء 1 · صفحة 49
للطبعة العثمانية (ع) وللمصرية (م). لكن من المعلوم أن الطبعتين وقفتا عند نهاية حرف الصاد وداخلهما بعض من حرف الميم.
- نقل النص الفارسي المنبث في ثنايا المادة إلى الهامش كما هو، ووضع مكانه معناه في العربية حسبما آلت إليه الترجمة. وتم الاكتفاء بتعريبه من دون التعريف بالأعلام وبأسماء الكتب الواردة في متنه لتعذّر ذلك مرجعيا. كما ميّز الكلام العربي المترجم في المتن لفصله عن كلام التهانوي بخط أشد سوادا.
- سبرت وحصرت في النص العربي العناصر التالية: آيات القرآن، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الاعلام، أسماء الكتب، المصطلحات الغريبة، الفرق، القبائل، الأمكنة.
- ولقد تم بعد حصر هذه العناصر الآتي:
* تخريج آيات القرآن بايراد السورة ورقم الآية في الهامش. ووضعت الآية بين هلالين متوجين في المتن.
* اسناد الأحاديث وتصويبها عند الاقتضاء في الهامش انطلاقا من الصحاح والمسانيد وكتب الحديث المعهودة. ووضع الحديث في المتن بين «».
* التعريف بالاعلام في الهامش بالاعتماد على أكثر من مرجع مع ذكر المراجع مختصرة.
* التعريف بأسماء الكتب وأصحابها مع ذكر تاريخ وفاتهم بوضع علامة (-) قبل السنة، والارتكاز في ذلك على مرجع أو أكثر مختصر. كل ذلك في الهامش.
* شرح بعض المصطلحات والتعليق عليها، ولا سيما تلك التي تحمل أبعادا فلسفية. كذلك الأمر في الهامش.
* التعريف بالفرق والقبائل والأمكنة.
اعتمدنا في جل شروحنا بالهامش، معظم الأحيان، على التاريخين الهجري والميلادي. وممّا يلفت إليه كثرة الأخطاء الواردة في النص وفي كل النسخ على اختلاف طبعتها. وربما كان مرد الأمر النسخ أو الطباعة. وتجلّى ذلك في ورود عدد من أسماء الأعلام والكتب مصحّفة، فصوبنا ما استطعنا إليه سبيلا عن قاعدة ومرجع. وقد زاد كل ذلك في الصعوبات.
كما ورد عدد من الأحاديث النبوية بالمعنى دون اللفظ، فاقتضانا ذلك الاشارة وايراد الحديث أحيانا.
وإن قصرنا عن التعريف ببعض الاعلام وأسماء الكتب التي لا تتجاوز العشرة فمرد الأمر التصحيف أو عدم وجودها في المراجع المتوفرة.
الجزء 1 · صفحة 50
وتبيّن أنّ التهانوي كثيرا ما ينتقل في شرحه من العربية إلى الفارسية، لكن الجلي في شروحه الفارسية أنّه قد تعلم هذه اللغة وليس هو ابنها، ويستدل ذلك من بعض الأخطاء أحيانا أو المبالغة أو البساطة تارة والتعقيد طورا. بل حوّرت أحيانا بعض الألفاظ، والمعروف أنّ أصلها هندي، ولا سيما أن الكاتب هندي. فيستفاد من ذلك أن التهانوي غريب عن الفارسية وأتقنها كما حاله مع العربية، ومع الفارق بين اللغتين لجهة تملكه نواصي العربية.
لكن النقل من الفارسية إلى العربية تحصّل يسيرا من غير صعوبات لتشارك اللغتين في المعنى ومساهمتهما معا في الحضارة الاسلامية.
أما الصعوبات المتعددة فقد تأتّت عند نقل المصطلح من العربية إلى الأوروبية.
فعلى الرغم من أنّ جزءا من ذاكرة الحضارة الغربية جاء من الحضارة العربية، حين كانت هذه تحتضن شتى العلوم، إلا أنّ هوة شاسعة زادت من الفصل بينهما تباعا.
حيث تغيرت كثيرا المعطيات العلمية، وطريقة فهم الأشياء. ففي الطب مثلا بقي عدد من أسماء الأمراض على حاله وتغيّر العديد، أما في الأدوية وتصنيفها، وإن احتفظت بشيء من قدمها، فقد تغيرت كثيرا. وفي علم الهيئة والفلك أخذ التنجيم حيّزا هاما في الموسوعة، بينما لم يعد مهما في أوروبا، حيث ظهرت مصطلحاته. وتبدّلت النظريات الفلكية وقياس أبعاد الكواكب كليا. وممّا تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد مثلا أنّ علمي الرمل والجفر قد اختفيا تماما من المصطلح العلمي المعاصر، بينما كان لهما اعتبار مرموق في الكشاف.
ولم يخل الأمر من مفاجآت إبّان الترجمة، إذ يوجد مرض ما أو انحراف حسابي لا وجود لمقابل له في الأوروبية، ممّا يدفع إلى جهد جهيد للتفتيش والاستنباط أحيانا. وربما وجد مصطلح متعارف عليه كلفظ محمولات الذي درج في المنطق عند العرب، لكن اصطلح عليه آنذاك على غير ما تعارفنا عليه. حيث دلّ على دواء خاص وطريقة استعمال، وربما قابل ما ندعوه اليوم «تحميلة».
وأخيرا فمن صعوبات الترجمة ما أدخله المتصوفة بقوة على المصطلحات الشرعية والعلمية من دلالات لا تخصّ معناها الأصلي. حيث استخدموا المصطلحات عينها بعد تحويرها جزئيا أو كليا عن حقلها الدلالي واعطائها معنى من عندياتهم ومن لدن تبدّياتهم. وليس أمام الناقل إلا التمعّن في ذلك وعدم تجاهله وتخيّر المقابل السليم المعبّر.
الجزء 1 · صفحة 51
وقد خلصنا بعد اتمام العمل هذا إلى جملة فهارس زادت العمل اغناء، وستيسر على طالب العلم والقارئ تيسيرا، وتساعده في الوصول إلى مبتغاه ومطلوبه سريعا.
وقد جمعت هذه الفهارس على:
- فهرس أسماء الاعلام تبعا لتسلسلها الألفبائي وبحسب ورودها في صفحاتها.
- فهرس أسماء الكتب ألفبائيا أيضا، مع ذكر ورودها في صفحاتها.
- فهرس للمصطلحات الأوروبية اعتمادا على ذكر المصطلح الأول الانكليزي الفبائيا ومقابله الفرنسي والعربي، تبعا لورودها في صفحاتها.
- فهرس مصطلحات الكشاف كما وردت ألفبائيا مع ذكر صفحاتها. وهذا الفهرس هو بمثابة فهرس المحتويات.
كما لا بدّ من ذكر مختصر للرموز المعتمدة في عملنا:
الهلالان المتوجان: خاص بالآيات القرآنية.
«» المحصوران: خاص بالأحاديث النبوية الشريفة.
ع رمز النسخة العثمانية.
م رمز النسخة المصرية.
(+) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة زائدة.
(-) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة ناقصة.
- ... هـ يشير إلى وفاة علم أو صاحب كتاب.
[] المعقوفان خاص بكلام ورد ضمنهما زيادة على نسخة الهند.
بيروت
الأول من محرم 1416 هـ - 30 أيار 1995 م
رفيق العجم
الجزء 1 · صفحة 1
[الجزء الأول]
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان، وخصّصه بروائع الإحسان، وميّزه بالعقل الغريزي وأتم العرفان. والصلاة على من وجوده رحمة للعالمين، محمد رسول الملائكة والثّقلين أجمعين، أفضل مجموع الملائكة والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الذين بهم طلع شمس الحقّ وأشرق وجه الدين، واضمحلّ ظلام الباطل، ولمع نور اليقين.
وبعد، يقول العبد الضعيف محمد على «1» بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي انّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فإنّ لكل [علم] «2» اصطلاحا خاصا به إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، وإلى انغمامه «3» دليلا.
فطريق علمه إمّا الرجوع إليهم أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة كبحر الجواهر «4» وحدود الأمراض «5» في علم الطب واللطائف الأشرفية «6» ونحوه في علم التصوّف، ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلّف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها كي لا يبقى حينئذ للمتعلّم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلّا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوّعا.
فلمّا فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي شمّرت عن ساق الجدّ إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبعية «7» والإلهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والاسطرلاب ونحوها، فلم يتيسّر تحصيلها من الأساتذة، فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة، في كل باب باب يليق بها على ترتيب حروف التهجّي كي يسهل استخراجها لكل أحد، وهكذا اقتبست من سائر العلوم فحصّلت في بضع سنين
(1) أعلى (م).
(2) علم (+ م).
(3) انفهامه (م).
(4) بحر الجواهر في تحقيق المصطلحات الطبية من العربية واللاتينية واليونانية لمحمد بن يوسف الهروي الطبيب الذي كان يعيش بعد سنة 924 هـ/ 1518 م. طبع الكتاب في كلكوتا باعتناء حكيم أبو المجاد سنة 1830 م. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، 3/ 164.، GALS ,II ، 592.
(5) حدود الأمراض لمحمد أكبر الأرزاني. GALS ,II ، 1030.
(6) اللطائف الأشرفية أو لطائف أشرفي للسيد الأمير أشرف جهانگير ابن السلطان ابراهيم السمناني (- 808 هـ) إيضاح المكنون، 3/ 403
(7) الطبيعية (م).
الجزء 1 · صفحة 2
كتابا جامعا لها.
ولمّا حصل الفراغ من تسويدها سنة ألف ومائة وثمانية وخمسين جعلته موسوما وملقبا بكشّاف اصطلاحات الفنون، ورتّبته على فنّين: فن في الألفاظ العربية، وفنّ في الألفاظ العجمية.
ولمّا كان للعلوم المدوّنة نوع تقدّم على غيرها من حيث إنّا إذا قلنا هذا اللفظ في اصطلاح النحو موضوع لكذا مثلا وجب لنا أن نعلم النحو أولا، وكان ذكرها مجموعة موجبا للإيجاز والاختصار والتسهيل على النّظار ذكرتها في المقدمة، فنقول مستعينا بالوهّاب العلّام.
الجزء 1 · صفحة 3
المقدّمة في بيان العلوم المدوّنة وما يتعلّق بها
العلوم المدوّنة: وهي العلوم التي دوّنت في الكتب كعلم الصرف والنحو المنطق والحكمة ونحوها.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا؛ فقيل: لا يشترط في كون الشخص عالما بعلم أن يعلمه بالدليل؛ وقيل:
يشترط ذلك حتى لو علمه [أحد] «1» بلا أخذ «2» دليل يسمّى حاكيا لا عالما، وإليه يشير كلام المحقق عبد الحكيم «3» في حاشية فوائد الضيائية «4» حيث قال: من قال العلم عبارة عن العلم بالمسائل المدلّلة جعل العلم بالمسائل المجرّدة حكاية لمسائل العلوم، ومن قال إنه عبارة عن المسائل جعله علما انتهى.
وبالنظر إلى المذهب الأول ذكر المحقّق المذكور في حواشي الخيالي «5» من «6» أنّ العلم قد يطلق على التصديق بالمسائل، وقد يطلق على نفس المسائل، وقد يطلق على الملكة الحاصلة منها.
وأيضا مما يقال كتبت علم فلان أو سمعته، أو يحصر في ثمانية أبواب مثلا هو المعنى الثاني، ويمكن حمله على المعنى الأول أيضا بلا بعد، لأن تدوين المعلوم بعد تدوين العلم عرفا، وأمّا تدوين الملكة فممّا يأباه الذوق السليم انتهى. وما يقال فلان يعلم النحو مثلا لا يراد به أن جميع مسائله حاضرة في ذهنه، بل يراد به أنّ له حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ لتفاصيل مسائله، بها يتمكّن من استحضارها، فالمراد بالعلم المتعلّق بالنحو هاهنا هو الملكة وإن كان النحو عبارة عن المسائل، هكذا يستفاد من المطوّل وحواشيه «7».
(1) أحد (+ م).
(2) أخذ (- م).
(3) عبد الحكيم، هو عبد الحكيم بن شمس الدين محمد الهندي السيالكوتي الپنجابي. توفي حوالي العام 1067 هـ/ 1656 م. من أهل سيالكوت التابعة للاهور بالهند. فقيه حنفي، عالم بالتفسير، والعقائد، وكان من كبار العلماء وخيارهم. وله الكثير من التصانيف، الأعلام 3/ 283، معجم المفسرين 1/ 258، خلاصة الأثر 2/ 318، معجم المطبوعات 1068، أبجد العلوم 902، هدية العارفين 1/ 504، إيضاح المكنون 1/ 140، معجم المؤلفين 5/ 95.
(4) حاشية الفوائد الضيائية لعبد الحكيم بن شمس الدين محمد السيالكوتي الپنجابي الهندي الفقيه الحنفي (- 1067 هـ) طبعت في القاهرة سنة 1256 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1069.
(5) حاشية الخيالي لعبد الحكيم بن شمس الدين محمد السيالكوتي (- 1067 هـ) وتعرف بزبدة الافكار. آستانة 1235 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1069.
(6) من (- م، ع).
(7) المطول للعلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) شرح فيه كتاب تلخيص المفتاح في المعاني والبيان لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي المعروف بخطيب دمشق (- 739 هـ).-
الجزء 1 · صفحة 4
وبالنظر إلى المذهب الثاني قال صاحب الأطول «1» في تعريف علم المعاني: أسماء العلوم المدوّنة نحو علم المعاني تطلق على إدراك القواعد عن دليل، حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم بل حاك، ذكره السيّد السند «2» في شرح المفتاح «3».
وقد تطلق على معلوماتها التي هي القواعد، لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد، لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل وإن أطلقوا كما يقتضيه تخصيص الاسم بالإدراك عن دليل كما لا يخفى.
وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، وفي الملكة التي هي تابعة للإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء، وفي متعلّق الإدراك الذي هو المسائل إمّا حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. وفي كونه حقيقة الإدراك نظر، لأنّ المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا حتى يكون حقيقة انتهى. وقال أبو القاسم «4» في حاشية المطول:
إن جعل أسماء العلوم المدوّنة مطلقة على الأصول والقواعد وإدراكها والملكة الحاصلة على سواء، وكذا لفظ العلم صحّ.
ثم إنهم ذكروا أن المناسب أن يراد بالملكة هاهنا كيفية للنفس بها يتمكن من معرفة جميع المسائل، يستحضر بها ما كان معلوما مخزونا منها، ويستحصل ما كان مجهولا، لا ملكة الاستحضار فقط المسمّاة بالعقل بالفعل إذ الظاهر أنّ من تمكّن من معرفة جميع مسائل علم بأن يكون عنده ما يكفيه في تحصيلها يعدّ عالما بذلك العلم من غير اشتراط العلم بجميعها فضلا عن صيرورتها «5» مخزونة، ولا ملكة الاستحصال فقط المسمّاة بالعقل بالملكة، لأنه يلزم حينئذ أن يعدّ عالما من له تلك الملكة مع عدم حصول شيء من المسائل، فالمراد بالملكة أعم من ملكة الاستحضار والاستحصال؛ قال في
وعلى المطول عدة هوامش أهمها حاشية السيد الشريف. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 1/ 474؛ معجم المطبوعات العربية، 637 - 638.
(1) الأطول لعصام الدين ابراهيم بن محمد عرب شاه الأسفراييني (- 951 هـ) شرح فيه تلخيص المفتاح للقزويني، القسطنطنية، 1284 هـ[1 - 2]. اكتفاء القنوع 357.
(2) السيد السند، هو علي بن محمد علي، المعروف بالشريف الجرجاني. ولد بضواحي شيراز عام 740 هـ/ 1340 م، وتوفي فيها عام 816 هـ/ 1413 م. فيلسوف، من كبار علماء العربية. له تصانيف كثيرة وهامة. الاعلام 5/ 7، الفوائد البهية 125، مفتاح السعادة 1/ 167، دائرة المعارف الاسلامية 6/ 333، الضوء اللامع 5/ 328، معجم المطبوعات 678، آداب اللغة 3/ 235.
(3) شرح المفتاح للسيد الشريف الجرجاني (- 816 هـ)، فرغ السيد من تأليفه سنة 803 هـ في ما وراء النهر. كشف الظنون 2/ 1763.
(4) أبو القاسم، هو أبو القاسم بن أبي بكر الليثي السمرقندي. توفي بعد 888 هـ/ بعد 1483 م. عالم بفقه الحنفية، أديب، له عدة مصنفات. الاعلام 5/ 173، كشف الظنون 475، 875، معجم المطبوعات 1044، معجم المؤلفين 8/ 103، إيضاح المكنون 1/ 140.
(5) الصيرورة: صار الأمر الى كذا يصير صيرا ومصيرا وصيرورة ... والصيرورة مصدر يصير. وصيّرته أنا كذا أي جعلته ... وصيّور الشيء: آخره ومنتهاه وما يؤول إليه ... وماله صيور أي عقل ورأي ... صار على ضربين: بلوغ في الحال وبلوغ في المكان. (لسان العرب، مادة صير). يتبيّن مما تقدم أن الدلالة اللغوية تفيد حراكية معينة لأمر ما أو شيء ما، يبلغ فيها الواحد منهما أمرا أو حالا أو موضعا. وهذا المصطلح يعبّر أصدق تعبير عن الحال الثالث في جدل هيغل المتصاعد. ويفيد معنى Devenir في الاوروبية، وهو يتباين عن Processus الذي يقابله لفظ سيرورة على الأرجح.
الجزء 1 · صفحة 5
الأطول: المراد الاستحضار لا الملكة المطلقة، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد وهو يتزايد يوما فيوما ليس بممتنع ولا بمستبعد، فإنّ استحالة معرفة الجميع لا ينافي كون العلم سببا لها، وتسمية البعض فقيها أو نحويا أو حكيما كناية عن علوّ شأنه في العلم بحيث كأنه حصل له الكلّ، وبالجملة فملكة الاستحصال ليست علما وإنما الكلام في أن ملكة استحضار أكثر المسائل مع ملكة استحصال الباقي هل هو العلم أم لا؟ فمن أراد أن يكون إطلاق الفقيه على الأئمة حقيقة مع عجزهم عن جواب بعض الفتاوى التزم ذلك، وأمّا على ما سلكنا من أنّ الإطلاق مجازي فلا يلزمه.
التقسيم
اعلم أن هاهنا، أي في مقام تقسيم العلوم المدوّنة التي هي إمّا المسائل أو التصديق بها، تقسيمات على ما في بعض حواشي شرح المطالع «1». وقال السيّد السّند إن [العلم] «2» بمعنى ملكة الإدراك يتناول العلوم النظرية.
الأول: العلوم إمّا نظرية أي غير متعلّقة بكيفية عمل، وإمّا عمليّة أي متعلّقة بها. فالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الخياطة كلّها داخلة في العملي لأنها بأسرها متعلّقة بكيفية عمل: إمّا ذهني كالمنطق أو خارجي كالطّب مثلا؛ توضيحه أن العملي والنظري يستعملان لمعان: أحدها في تقسيم العلوم مطلقا كما عرفت. وثانيها في تقسيم الحكمة، فإن العملي هناك علم بما يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا، والنظري علم بما لا يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا. وثالثها ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها [إمّا] «3» عملية أي يتوقّف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية [أي] «4» لا يتوقف حصولها عليها، وعلى هذا فعلم الفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطبّ العملي خارجة عن العملي إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال، بخلاف علوم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة. والعملي بالمعنى الأول أعم من العملي المذكور في تقسيم الحكمة، لأنه يتناول ما يتعلّق بكيفية عمل ذهني كالمنطق ولا يتناوله العملي المذكور في تقسيم الحكمة لأنه هو الباحث عن أحوال ما لاختيارنا مدخل في وجوده مطلقا، أو الخارجي.
وموضوع المنطق معقولات ثانية لا يحاذى بها أمر في الخارج، ووجودها الذهني لا يكون مقدورا لنا فلا يكون داخلا في العملي بهذا المعنى.
وأما العملي المذكور في تقسيم الصناعات فهو أخصّ من العملي بكلا المعنيين لأنه قسم من الصناعة المفسرة بعلم متعلّق بكيفية العمل سواء حصل بمزاولة العمل أولا، فالعملي بالمعنى الأول نفس الصناعة، وبالمعنى الثاني أخصّ من الأول لكنه أعمّ من هذا المعنى الثالث لعدم المزاولة ثمة بخلافها هاهنا.
(1) شرح المطالع أو لوامع الأسرار شرح مطالع الأنوار لقطب الدين محمد بن محمد الرازي (- 766 هـ)، طهران 1314. معجم المطبوعات العربية، 919 - 920.
(2) العلم (+ م، ع).
(3) إمّا (+ م، ع).
(4) أي (+ م، ع).
الجزء 1 · صفحة 6
الثاني: العلوم إمّا آلية أو غير آلية، لأنها إمّا أن لا تكون في أنفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها، أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها، الثانية تسمّى آلية والأولى تسمّى غير آلية.
ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلية أنّ الآليّة ذاتية لأنّ الآليّة للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره، وما هو كذلك ليس ذاتيا بل المراد أنه في حدّ ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة يعرض له الآلية ولا يحتاج في عروضها له إلى غيره، كما أنّ الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلّا بالقياس إلى وجوده؛ والتسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة فإنّ العلم الآلي مسائل كلّ منها ممّا يتوسّل به إلى ما هو آلة له، وهو الأظهر إذ لا يتوسل بجميع علم إلى علم.
ثمّ اعلم أنّ مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان؛ فإنّ ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بدّ أن يكون متعلّقا بكيفية تحصيله فهو متعلّق بكيفية عمل، وما يتعلّق بكيفية عمل لا بدّ أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره، فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي، وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلّقا بكيفية عمل، وما لم يتعلّق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره، فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد.
ثم اعلم أنّ غاية العلوم الآلية أي العلّة الغائية لها حصول غيرها، وذلك لأنها متعلّقة بكيفية العمل ومبيّنة لها، فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم، وغاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها وذلك لأنها في حدّ أنفسها مقصودة بذواتها وإن أمكن أن يترتّب عليها منافع أخرى، فإنّ إمكان الترتّب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتّب عليه مقصودا بالذات إنّما المنافي له قصد الترتّب. والحاصل أنّ المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع، فإنّ الباعث للشارع في الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها، وفي العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها.
فإن قيل: غاية الشيء علّة له ولا يتصوّر كون الشيء علّة لنفسه، فكيف يتصوّر كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها؟ قيل: الغاية تستعمل على وجهين: أحدهما أن تكون مضافة إلى الفعل وهو الأكثر، يقال غاية هذا الفعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على نفس ذي الغاية وتكون علّة لها. الثاني أن تكون مضافة إلى المفعول، يقال غاية ما فعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على فعله وعلّة له لا لذي الغاية، أعني ما أضيف إليه الغاية؛ والغاية فيما نحن فيه من القسم الثاني لأن المضاف إليه للغاية هاهنا المفعول وهو المحصل، أعني العلوم دون الفعل الذي هو التحصيل، فالمراد بغايتها ما يترتّب على تحصيلها ويكون علّة له لا لها، هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع وحواشيه. الثالث إلى عربية وغير عربية. الرابع إلى شرعية وغير شرعية. الخامس إلى حقيقية وغير حقيقية. السادس إلى عقلية ونقلية، فالعقلية ما لا يحتاج فيه إلى النقل والنقلية بخلاف ذلك. السابع إلى العلوم الجزئية وغير الجزئية، فالعلوم التي موضوعاتها أخصّ من موضوع علم آخر تسمّى علوما جزئية كعلم الطب فإن موضوعه وهو الإنسان أخصّ من موضوع الطّبعي، والتي موضوعاتها أعمّ يسمّى بالعلم الأقدم لأن الأعمّ أقدم للعقل من الأخصّ، فإن إدراك الأعم قبل إدراك الأخصّ كذا في بحر الجواهر.
الجزء 1 · صفحة 7
اجزاء العلوم
قالوا: كل علم من العلوم المدوّنة لا بدّ فيه من أمور ثلاثة: الموضوع والمسائل والمبادئ، وهذا القول مبني على المسامحة، فإنّ حقيقة كل علم مسائله، وعدّ الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنّما هو لشدّة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم.
أمّا الموضوع فقالوا: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؛ وتوضيحه أن كمال الإنسان بمعرفته أعيان الموجودات من تصوّراتها والتصديق بأحوالها على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، ولمّا كانت معرفتها بخصوصها متعذّرة مع عدم إفادتها كمالا معتدّا بها لتغيّرها وتبدّلها أخذوا المفهومات الكليّة الصادقة عليها، ذاتية كانت أو عرضية، وبحثوا عن أحوالها من حيث انطباقها عليها، ليفيد علمها بوجه كلّي علما باقيا أبد الدهر. ولمّا كانت أحوالها متكثّرة وضبطها منتشرة مختلفة متعسّرا، اعتبروا الأحوال الذاتية لمفهوم مفهوم، وجعلوها علما منفردا بالتدوين وسمّوا ذلك المفهوم موضوعا لذلك العلم، لأن موضوعات مسائله راجعة إليه، فصارت كلّ طائفة من الأحوال المتشاركة في موضوع علما منفردا ممتازا في نفسه عن طائفة أخرى متشاركة في موضوع آخر، فجاءت علومهم متمايزة في أنفسها بموضوعاتها؛ وهذا أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن يعد كل مسئلة علما برأسه ويفرد بالتعليم، ولا بدّ من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علما واحدا ويفرد بالتدوين، فالامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنّما هو للمعلومات بالأصالة، وللعلوم بالتبع.
والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم، وإن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع.
ثم إنهم عمّموا الأحوال الذاتية وفسّروها بما يكون محمولا على ذلك المفهوم، إمّا لذاته أو لجزئه الأعم أو المساوي؛ فإنّ له اختصاصا بالشيء من حيث كونه من أحوال مقوّمه أو للخارج المساوي له، سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم على الإطلاق، أو مع مقابله مقابلة التّضاد، أو العدم، والملكة دون مقابلة السلب والإيجاب، إذ المتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم، ضبطا للانتشار بقدر الإمكان، فأثبتوا الأحوال الشاملة على الإطلاق لنفس الموضوع والشاملة مع مقابلتها لأنواعه، واللاحقة للخارج المساوي لعرضه الذاتي، ثم إنّ تلك الأعراض الذاتية لها عوارض ذاتية شاملة لها على الإطلاق، أو على التقابل، فأثبتوا العوارض الشاملة على الإطلاق لنفس الأعراض الذاتية، والشاملة على التقابل لأنواع تلك الأعراض، وكذلك عوارض تلك العوارض، وهذه العوارض في الحقيقة قيود للأعراض المثبتة للموضوع ولأنواعه إلّا أنّها لكثرة مباحثها جعلت محمولات على الأعراض، وهذا تفصيل ما قالوا: معنى البحث عن الأعراض الذاتية أن تثبت تلك الأعراض لنفس الموضوع أو لأنواعه أو لأعراضه الذاتية أو لأنواعها، أو لأعراض أنواعها، وبهذا يندفع ما قيل إنه ما من علم إلّا ويبحث فيه عن الأحوال المختصّة بأنواعه فيكون بحثا عن الأعراض الغريبة، للحوقها بواسطة أمر أخصّ كما يبحث في الطبعي «1» عن الأحوال
(1) الطبيعي (م).
الجزء 1 · صفحة 8
المختصة بالمعادن والنباتات والحيوانات، وذلك لأن المبحوث عنه في العلم الطبعي «1» أن الجسم إمّا ذو طبيعة أو ذو نفس، آلي أو غير آلي، وهي من عوارضه الذاتية، والبحث عن الأحوال المختصّة بالعناصر وبالمركّبات التامة وغير التامة، كلّها تفصيل لهذه العوارض وقيود لها.
ولاستصعاب هذا الإشكال قيل: المراد بالبحث عن الأعراض الذاتية حملها على موضوع العلم، كقول صاحب علم أصول الفقه: الكتاب يثبت الحكم قطعا، أو على أنواعه كقوله: الأمر يفيد الوجوب، أو على أعراضه الذاتية كقوله: يفيد القطع، أو على أنواع أعراضه الذاتية كقوله: العام الذي خصّ منه يفيد الظنّ. وقيل معنى قولهم: يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أنه يرجع البحث فيه إليها، بأن يثبت أعراضه الذاتية له أو يثبت لنوعه ما هو عرض ذاتي لذلك النوع أو لعرضه الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك العرض او يثبت لنوع العرضي الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك النوع. ولا يخفى عليك أنه يلزم دخول العلم الجزئي في العلم الكلّي كعلم الكرة المتحرّكة في علم الكرة وعلم الكرة في العلم الطبعي «2»، لأنه يبحث فيها عن العوارض الذاتية لنوع الكرة أو الجسم الطبعي «3»، أو لعرضه الذاتي، أو لنوع عرضه الذاتي.
ثم اعلم أنّ هذا الذي ذكر من تفسير الأحوال الذاتية إنّما هو على رأي المتأخرين الذاهبين إلى أنّ اللاحق للشيء بواسطة جزئه الأعم من أعراضه الذاتية المبحوث عنها في العلم، فإنّهم ذكروا أنّ العرض هو المحمول على الشيء الخارج عنه، وان العرض الذاتي هو الخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته، بأن يكون منتهاه الذات كلحوق إدراك الأمور الغريبة للإنسان بالقوة، أو يلحقه بواسطة جزئه الأعم كلحوق التحيّز له لكونه جسما، أو المساوي كلحوق التكلّم له لكونه ناطقا، أو يلحقه بواسطة أمر خارج مساو كلحوق التعجّب له لإدراكه الأمور المستغربة؛ وأما ما يلحق الشيء بواسطة أمر خارج أخصّ أو أعم مطلقا أو من وجه أو بواسطة أمر مباين فلا يسمّى عرضا ذاتيا بل عرضا غريبا.
والتفصيل أنّ العوارض ستة: لأن ما يعرض للشيء إمّا أن يكون عروضه لذاته أو لجزئه أو لأمر خارج عنه سواء كان مساويا له أو أعمّ منه أو أخصّ أو مباينا، فالثلاثة الأول تسمّى أعراضا ذاتية لاستنادها إلى ذات المعروض أي لنسبتها إلى الذات نسبة قوية وهي كونها لا حقة بلا واسطة أو بواسطة لها خصوصية بالتقديم أو بالمساواة، والبواقي تسمّى أعراضا غريبة لعدم انتسابها إلى الذات نسبة قوية. أمّا المتقدمون فقد ذهبوا إلى أن اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة التي لا يبحث عنها في ذلك العلم، وعرّفوا العرض الذاتي بالخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته أو لما يساويه، سواء كان جزءا لها أو خارجا عنها.
قيل هذا هو الأولى إذ الأعراض اللاحقة بواسطة الجزء الأعم تعمّ الموضوع وغيره، فلا تكون آثارا مطلوبة له لأنها هي الأعراض المعيّنة المخصوصة التي تعرضه بسبب استعداده المختص، ثم في عدّ العارض بواسطة المباين مطلقا من الأعراض الغريبة نظر، إذ قد يبحث في العلم الذي موضوعه
(1) الطبيعي (م).
(2) الطبيعي (م).
(3) الطبيعي (م).
الجزء 1 · صفحة 9
الجسم الطبعي «1» عن الألوان مع كونها عارضة له بواسطة مباينة، وهو السطح.
وتحقيقه أن المقصود في كل علم مدوّن بيان أحوال موضوعه: أعني أحواله التي توجد فيه ولا توجد في غيره ولا يكون وجودها فيه بتوسّط نوع مندرج تحته، فإن ما يوجد في غيره لا يكون من أحواله حقيقة بل هو من أحوال ما هو أعم منه؛ والذي يوجد فيه فقط لكنه لا يستعد لعروضه ما لم يصر نوعا مخصوصا من أنواعه، كان من أحوال ذلك النوع حقيقة، فحقّ هاتين الحالين أن يبحث عنهما في علمين موضوعهما ذلك الأعم والأخص، وهذا أمر استحساني كما لا يخفى.
ثم الأحوال الثابتة للموضوع على الوجه المذكور على قسمين: أحدهما ما هو عارض له، وليس عارضا لغيره إلّا بتوسّطه، وهو العرض الأولى. وثانيهما ما هو عارض لشيء آخر وله تعلّق بذلك الموضوع بحيث يقتضي عروضه له بتوسّط ذلك الآخر، الذي يجب أن لا يوجد في غير الموضوع، سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه، إمّا مساويا له في الصدق، أو مباينا له فيه ومساويا في الوجود، فالصواب أن يكتفى في الخارج بمطلق المساواة، سواء كانت في الصدق أو في الوجود، فإن المباين إذا قام بالموضوع مساويا له في الوجود ووجد له عارض قد عرض له حقيقة لكنه يوصف به الموضوع كان ذلك العارض من الأحوال المطلوبة في ذلك العلم، لكونها ثابتة للموضوع على الوجه المذكور.
واعلم أيضا أنّ المطلوب في العلم بيان إنّية «2» تلك الأحوال، أي ثبوتها للموضوع، سواء علم لمّيتها «3» أي علّة ثبوتها له أو لا.
واعلم أيضا أنّ المعتبر في العرض الأولي هو انتفاء الواسطة في العروض دون الواسطة في الثبوت التي هي أعم، يشهد بذلك أنهم صرّحوا بأنّ السطح من الأعراض الأولية للجسم التعليمي مع أن
(1) الطبيعي (م).
(2) الأنّية: أنّى كلمة معناها كيف وأين. لسان العرب، مادة أنن. فالنسبة إليها الأنيّة بالهمزة المفتوحة. وفي لغة تميم بمعنى كيف وأين وللتوكيد. أما إنّي فتثنية إنّا، وكان في الأصل إنّنا فكثرت النونات فحذفت إحداها، وقيل إنّا، وقوله عز وجل إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ، المعنى إنّنا أو إنّكم ... كما تقول إنّي وإيّاكم، معناه إنّي وإنك. والنسبة إلى ذلك الإنّية بالهمزة المكسورة. وقد استعمل هذه الكلمة الكندي (المتوفي 256 هـ) دلالة على الذات وعين الأنا المفردة.
ثم عبّر الحلاج (المتوفي 309 هـ) عن هذا الفهم في طاسين الالتباس والأزل ص 28 في تفسيره للفظ عزازيل- إبليس- بالقول: «عين عزازيل لعلو همته والزاء لازدياد الزيادة في زيادته والألف آراؤه في إنّيته ... » وهناك تفريق بين الإنّية والأيّية في الفلسفة ومنذ الكندي القائل: «الفصل هو المقول على كثير مختلفين بالنوع منبئ عن أيّية الشيء» رسالة الكندي في الفلسفة الأولى، تحقيق أبي ريدة القاهرة، ص 129. وبهذا تتميز الإنّية من الأيّية بمثل تميّز الجوهر عن الفصل. الفارابي، المنطق، تحقيق العجم، ج 3، ص 132. ثم إن الأمر التبس على اللاحقين.
فذكر طاش كبرى زادة (المتوفي 968 هـ) في مفتاح السعادة، تحقيق بكري وابو النور، القاهرة ج 1، ص 93، تحت علم إملاء العربية: «هو علم يبحث بحسب الأنّية واللميّة عن الأحوال العارضة لنقوش الألفاظ العربية» بينما ورد عند حاجي خليفة (المتوفي 1067 هـ) في كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، مط. المثنى، ص 169، تحت علم املاء الخط: «هو علم يبحث فيه حسب الأنّية والكمية عن الأحوال العارضيّة لنقوش الخط العربي.» ونرجح أن خطأ مطبعيا وقع بين اللميّة والكميّة أدّى لاختلاف الشرح بين حاجي خليفة وطاش كبرى زادة. والأرجح أن معنى الاصطلاح للإنّية واللميّة هو أين توضع الحروف والتنوين وما شابه وكيف يكون الشكل لمواضع الحروف ومواقع التنوين، ولا سيما أن الأصل والفصل لهما مصطلحاتهما الفلسفية كالماهيّة والأيّية والإنّية.
(3) اللميّة: من لمى: اللمّة: الجماعة من الناس أو المثل يكون من الرجال والنساء. واللمّة: الشكل: لسان العرب، مادة لما. وبهذا التعريف تلتقي اللفظة مع ما سبق أن شرحناه من معنى الأنّية.
الجزء 1 · صفحة 10
ثبوته [له] «1» بواسطة انتهائه وانقطاعه، وكذلك الخط للسطح والنقطة للخط، وصرّحوا بأنّ الألوان ثابتة للسطوح أولا وبالذات، مع أنّ هذه الأعراض قد فاضت على محالها من المبدأ الفيّاض «2»، وعلى هذا فالمعتبر فيما يقابل العرض الأولي، أعني سائر الأقسام، ثبوت الواسطة في العروض.
وإن شئت الزيادة على ما ذكرنا فارجع إلى شرح المطالع وحواشيه وغيرها من كتب المنطق.
فائدة
قالوا يجوز أن تكون الأشياء الكثيرة موضوعا لعلم واحد، لكن لا مطلقا بل بشرط تناسبها، بأن تكون مشتركة في ذاتي كالخط والسطح والجسم التعليمي للهندسة، فإنها تتشارك في جنسها وهو المقدار، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه والأغذية والأدوية والأركان والأمزجة، وغير ذلك إذا جعلت موضوعات للطب، فإنها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية القصوى في ذلك العلم.
فائدة
قالوا الشيء الواحد لا يكون موضوعا للعلمين، وقال صدر الشريعة «3» هذا غير ممتنع، فإنّ الشيء الواحد له أعراض متنوعة، ففي كل علم يبحث عن بعض منها، ألا ترى أنهم جعلوا أجسام العالم وهي البسائط موضوع علم الهيئة، من حيث الشكل، وموضوع علم السماء والعالم، من حيث الطبيعة، وفيه نظر. أمّا أولا فلأنهم لمّا حاولوا معرفة أحوال أعيان الموجودات وضعوا الحقائق أنواعا وأجناسا، وبحثوا عمّا أحاطوا به من أعراضها الذاتية، فحصلت لهم مسائل كثيرة متّحدة في كونها بحثا عن أحوال ذلك الموضوع، وإن اختلفت محمولاتها فجعلوها بهذا الاعتبار علما واحدا، يفرد بالتدوين والتسمية، وجوّزوا لكل أحد أن يضيف إليه ما يطّلع عليه من أحوال ذلك الموضوع؛ فإنّ المعتبر في العلم هو البحث عن جميع ما تحيط به الطاقة الإنسانية من الأعراض الذاتية للموضوع، فلا معنى للعلم الواحد إلّا أن يوضع شيء أو أشياء متناسبة فيبحث عن جميع عوارضه، ولا معنى لتمايز العلوم إلّا أنّ هذا ينظر في أحوال شيء، وذلك في أحوال شيء آخر مغاير له بالذات أو بالاعتبار، بأن يؤخذ في أحد العلمين مطلقا وفي الآخر مقيّدا أو يؤخذ في كل منهما مقيّدا بقيد آخر، وتلك الأحوال مجهولة مطلوبة، والموضوع معلوم بيّن الوجود وهو الصالح سببا للتمايز. وأمّا ثانيا فلأنه ما من علم إلّا ويشتمل موضوعه على أعراض ذاتية متنوّعة، فلكل أحد أن يجعله علوما متعددة بهذا الاعتبار، مثلا يجعل البحث عن فعل المكلّف من حيث الوجوب علما، ومن حيث الحرمة علما آخر، إلى غير ذلك فيكون الفقه علوما متعددة موضوعها فعل المكلّف، فلا ينضبط الاتحاد والاختلاف.
(1) له (+ م، ع).
(2) المبدأ الفياض: أطلقه المسلمون على الله عز وجل والفلاسفة على العقل الأول أو العقل الفعّال، وله مصطلح في الكشاف.
(3) صدر الشريعة هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري الحنفي، صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الأكبر. توفي في بخاري حوالي عام 747 هـ/ 1346 م. من علماء الحكمة والأصول والفقه والطبيعيات. له الكثير من المؤلفات. الأعلام 4/ 197، الفوائد البهية 109، مفتاح السعادة 2/ 60، المكتبة الأزهرية 2/ 24، سركيس 1119.
الجزء 1 · صفحة 11
فائدة
قال صدر الشريعة: قد يذكر الحيثية في الموضوع وله معنيان: أحدهما أنّ الشيء مع تلك الحيثية موضوع، كما يقال: الموجود من حيث إنه موجود، أي من هذه الجهة وبهذا الاعتبار موضوع العلم الالهي، فيبحث فيه عن الأحوال التي تلحقه من حيث إنّه موجود كالوحدة، والكثرة، ونحوهما، ولا يبحث فيه عن تلك الحيثية أي حيثية الوجود لأن الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية لا ما يبحث عنه وعن أجزائه. وثانيهما أن الحيثية تكون بيانا للأعراض الذاتية المبحوث عنها فإنه يمكن أن يكون للشيء عوارض ذاتية متنوعة، وإنّما يبحث في علم من «1» نوع منها، فالحيثية بيان لذلك النوع، فيجوز أن يبحث عنها، فقولهم: موضوع الطبّ بدن الإنسان من حيث إنّه يصحّ ويمرض، وموضوع الهيئة أجسام العالم من حيث إنّ لها شكلا يراد به المعنى الثاني لا الأول، إذ في الطب يبحث عن الصحة والمرض، وفي الهيئة من «2» الشكل، فلو كان المراد الأول لم يبحث عنها.
قيل: ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنها في الأول جزء من الموضوع، بل قيد لموضوعيته، بمعنى أن البحث يكون عن الأعراض التي تلحقه من تلك الحيثية؛ وبذلك الاعتبار وعلى هذا لو جعلنا في القسم الثاني أيضا قيدا للموضوع لا بيانا للأعراض الذاتية على ما هو ظاهر كلام القوم لم يكن البحث عنها في العلم بحثا عن أجزاء الموضوع ولم يلزم للقوم ما لزم لصدر الشريعة من تشارك العلمين في موضوع واحد بالذات والاعتبار.
وأمّا الإشكال بلزوم عدم كون الحيثية من الأعراض المبحوث عنها في العلم ضرورة أنها ليست ممّا يعرض للموضوع من جهة نفسها، وإلّا لزم تقدّم الشيء على نفسه، مثلا ليست الصحّة والمرض مما يعرض لبدن الإنسان من حيث يصحّ ويمرض، فالمشهور في جوابه أن المراد من حيث إمكان الصحة والمرض وهذا ليس من الأعراض المبحوث عنها.
والتحقيق أن الموضوع لمّا كان عبارة عن المبحوث عنها في العلم عن أعراضه الذاتية قيّد بالحيثية، على معنى أن البحث عن العوارض إنّما يكون باعتبار الحيثية وبالنظر إليها أي يلاحظ في جميع المباحث هذا المعنى الكلّي لا على معنى أن جميع العوارض المبحوث عنها يكون لحوقها للموضوع بواسطة هذه الحيثية البتة. وتحقيق هذه المباحث يطلب من التوضيح «3» والتلويح «4».
وأمّا المسائل فهي القضايا التي يطلب بيانها في العلوم وهي في الأغلب نظريات، وقد تكون ضرورية فتورد في العلم إمّا لاحتياجها إلى تنبيه يزيل عنها خفاءها، أو لبيان لمّيتها، لأن القضية قد تكون بديهية دون لمّيتها ككون النار محرقة فإنه معلوم الإنيّة أي الوجود مجهول اللمّية، كذا في شرح
(1) عن (م).
(2) عن (م).
(3) التوضيح في حل غوامض التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي (- 747 هـ/ 1346 م)، دهلي، 1267 هـ. والكتاب شرح لتنقيح الأصول للمؤلف نفسه. اكتفاء القنوع، 140، ومعجم المطبوعات العربية، 1199 - 1200.
(4) التلويح في كشف حقائق التنقيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) شرح فيه تنقيح الأصول لصدر الشريعة، دهلي، 1267 هـ. معجم المطبوعات العربية 1200 واكتفاء القنوع 140.
الجزء 1 · صفحة 12
المواقف «1» وبعض حواشي تهذيب المنطق «2»؛ وقال المحقق التفتازاني «3»: المسألة لا تكون إلّا.
نظرية، وهذا ممّا لا اختلاف فيه لأحد، وما قيل من احتمال كونها غير كسبية فسهو ظاهر.
ثم للمسائل موضوعات ومحمولات، أمّا موضوعها فقد يكون موضوع العلم، كقولنا كلّ مقدار إمّا مشارك للآخر أو مباين، والمقدار موضوع علم الهيئة، وقد يكون موضوع العلم مع عرض ذاتي كقولنا: كل مقدار وسط في النسبة فهو ضلع ما يحيط به الطرفان. فقد أخذ في المسألة المقدار مع كونه وسطا في النسبة وهو عرض ذاتي، وقد يكون نوع موضوع العلم كقولنا: كل خط يمكن تنصيفه، فإن الخط نوع من المقدار، وقد يكون نوعا مع عرض ذاتي كقولنا: كل خط قام على خط فإنّ زاويتي جنبتيه قائمتان أو مساويتان لهما، فالخط نوع من المقدار، وقد أخذ في المسألة مع قيامه على خط وهو عرض ذاتي، وقد يكون عرضا ذاتيا كقولنا: كل مثلّث فإن زواياه مثل القائمتين، فالمثلث عرض ذاتي للمقدار؛ وقد يكون نوع عرض ذاتي كقولنا: كل مثلّث متساوي الساقين فإن زاويتي قاعدته متساويتان. وبالجملة فموضوعات المسائل هي موضوعات العلم أو أجزاؤها أو أعراضها الذاتية أو جزئياتها، وأمّا محمولاتها فالأعراض الذاتية لموضوع العلم فلا بدّ أن تكون خارجة عن موضوعاتها، لامتناع أن يكون جزء الشيء مطلوبا بالبرهان، لأن الأجزاء بيّنة الثبوت للشيء، كذا في شرح الشمسية «4».
اعلم أنّ من عادة المصنّفين أن يذكروا عقيب الأبواب ما شذّ منها من المسائل فتصير مسائل من أبواب متفرّقة، فتترجم تارة بمسائل منشورة وتارة بمسائل شتّى، كذا في فتح القدير «5»، وأكثر ما يوجد ذلك في كتب الفقه.
وأمّا المبادئ فهي التي تتوقّف عليها مسائل العلم، أي تتوقف على نوعها مسائل العلم، أي التصديق بها إذ لا توقّف للمسألة على دليل مخصوص؛ وهي إمّا تصوّرات أو تصديقات. أمّا التصورات فهي حدود الموضوعات، أي ما يصدق عليه موضوع العلم لا مفهوم الموضوع كالجسم الطبعي «6»، وحدود أجزائها كالهيولى والصورة وحدود جزئياتها كالجسم البسيط، وحدود أعراضها
(1) شرح المواقف [في أصول الدين] لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م) طبع في Leipzig باعتناء سورتس 1848 م وفي بولاق مع المواقف 1841 م، القسطنطينية 1239 و1242 هـ. اكتفاء القنوع، 200.
(2) تهذيب المنطق والكلام لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) ألّفه سنة 789 هـ طبع في لكنا و1869 م. وله شروح كثيرة. معجم المطبوعات العربية، 636 - 637.
(3) التفتازاني هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين. ولد بتفتازان عام 712 هـ/ 1312 م وتوفي بسمرقند عام 792 هـ/ 1389 م. من أئمّة البيان واللغة والمنطق. له العديد من المصنفات. الاعلام 7/ 219، بغية الوعاة 391، مفتاح السعادة 1/ 165، الدرر الكامنة 4/ 350.
(4) شرح الشمسية لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) وتعرف بسعد الدين على الشمسية، شرح فيها التفتازاني متن الشمسية لنجم الدين لعلي بن عمر بن علي القزويني الكاتبي (- 675 هـ/ 1277 م). وعلى الشمسية شروح كثيرة. استانة 1312 هـ. معجم المطبوعات العربية، 637.
(5) فتح القدير للعاجز الفقير لكمال الدين محمد السيواسي المعروف بابن الهمام (- 861 هـ/ 1456 م)، شرح فيه متن الهداية لابي الحسن برهان الدين علي المرغيناني (- 593 هـ/ 1197 م). طبع في لكناو. 1292 هـ.
(6) الطبيعي (م).
الجزء 1 · صفحة 13
الذاتية كالحركة للجسم الطبعي «1»، وخلاصته تصوّر الأطراف على وجه هو مناط للحكم.
وأمّا التصديقات فهي مقدمات إمّا بيّنة بنفسها وتسمّى علوما متعارفة كقولنا: في علم الهندسة المقادير المساوية لشيء واحد متساوية، وإمّا غير بيّنة بنفسها سواء كانت مبيّنة هناك أو في محل آخر أو في علم آخر يتوقف عليها الأدلة المستعملة في ذلك العلم سواء كانت قياسات أو غيرها من الاستقراء والتمثيل، وحصرها في المبيّنة فيه والمبيّنة في علم آخر وفي أجزاء القياسات كما توهم محلّ نظر.
ثم الغير البيّنة بنفسها إمّا مسلّمة فيه أي في ذلك العلم على سبيل حسن الظن، وتسمّى أصولا موضوعة، كقولنا في علم الهندسة: لنا أن نصل بين كل نقطتين بخط مستقيم، أو مسلّمة في الوقت أي وقت الاستدلال مع استنكار وتشكّك إلى أن تستبين «2» في موضعها، وتسمّى مصادرات، لأنه تصدّر بها المسائل التي تتوقف عليها كقولنا فيه: لنا أن نرسم على كل نقطة وبكلّ بعد دائرة؛ ونوقش في المثال بأنه لا فرق بينه وبين قولنا لنا أن نصل الخ في قبول المتعلّم بهما بحسن الظن. وأورد مثال المصادرة قول اقليدس «3» إذا وقع خط على خطّين وكانت الزاويتان الداخلتان أقلّ من قائمتين فإنّ الخطين إذا أخرجا بتلك الجهة التقيا، لكن لا استبعاد في ذلك، إذ المقدمة الواحدة قد تكون أصلا موضوعا عند شخص، مصادرة عند شخص آخر. ثم الحدود والأصول الموضوعة والمصادرات يجب أن يصدّر بها العلم. وأما العلوم المتعارفة فعن تصدير العلم بها غنية لظهورها، وربما تخصص العلوم المتعارفة بالصناعة إن كانت عامة، وتصدّر بها في جملة المقدمات كما فعل اقليدس في كتابه.
واعلم أنّ التصدير قد يكون بالنسبة إلى العلم نفسه بأن يقدّم عليه جميع ما يحتاج إليه، وقد يكون بالنسبة إلى جزئه المحتاج، لكن الأول أولى.
هذا وقد تطلق المبادئ عندهم على المعنى الأعم وهو ما يبدأ به قبل الشروع في مقاصد العلم كما يذكر في أوائل الكتب قبل الشروع في العلم، لارتباطه به في الجملة، سواء كان خارجا من العلم، بأن يكون من المقدمات، وهي ما يكون خارجا يتوقف عليه الشروع فيه ولو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة ووفور الرغبة في تحصيله بحيث لا يكون عبثا عرفا، أو في نظره، كمعرفة العلم برسمه المفيد لزيادة البصيرة، ومعرفة غايته، أو لم يكن خارجا عنه، بل داخلا فيه، بأن يكون
(1) الطبيعي (م).
(2) تستبين (م).
(3) أقليدس: المهندس النجار الصوري المتوفي (285 ق. م.) لم يذكر الكثير عن مجرى حياته، لكن قيل إنه تنشّأ على مدرسة افلاطون. مارس التعليم في الاسكندرية، عهد بطليموس الأول، حيث افتتح مدرسة. ترك كتبا باليونانية في الرياضيات ولا سيما في الهندسة، وقد فقد معظمها. ولعلّ أهم معالجاته الهندسية مسائل السطح والأمكنة عليه، إذ بنى نظرية هندسية بقيت تعرف باسمه حتى القرن العشرين، ومن أشهر مسلماته أنه من نقطة خارج خط لا يمكننا أن نمد إلا خطا موازيا واحدا. عرفه العرب وذكروه كما عرفوا كتابه «الأصول» الذي انقسم إلى ثلاثة عشر كراسا.
Larousse du xxes siec ,Paris، 1930،T . 3،P . 233.
Webster's, New International Dictionary, sec. Ed., U. S. A., Meriam Company publishers
1945،P . 978.
والسجستاني، ابو سليمان المنطقي، صوان الحكمة، تحقيق بدوي، طهران، 1974 م، ص 206. القفطي، جمال الدين ابو الحسن، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، القاهرة، السعادة، 1326 هـ، ص 45.
الجزء 1 · صفحة 14
من المبادئ المصطلحة السابقة من التصوّرات والتصديقات؛ وعلى هذا تكون المبادئ أعم من المقدمات أيضا، فإنّ المقدمات خارجة عن العلم لا محالة بخلاف المبادئ. والمبادئ بهذا المعنى قد تعدّ أيضا من أجزاء العلم تغليبا، وإن شئت تحقيق هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه «1». ومنهم من فسّر المقدمة بما يعين في تحصيل الفنّ فتكون المقدمات أعم، كذا قيل، يعني تكون المقدمات بهذا المعنى أعمّ من المبادئ بالمعنى الأول لا من المبادئ بالمعنى الثاني وإن اقتضاه ظاهر العبارة إذ بينها وبين المبادئ بالمعنى الثاني هو المساواة، إذ ما يستعان به في تحصيل الفنّ يصدق عليه أنه مما يتوقف عليه الفنّ إمّا مطلقا، أو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة، وبالجملة فالمعتبر في المبادئ التوقّف مطلقا. قال السيد السند: مبادئ العلم ما يتوقف عليه ذات المقصود فيه «2»، أعني التصوّرات التي يبتنى عليها إثبات مسائله، وهي قد تعدّ جزءا منه، وأمّا إذا أطلقت على ما يتوقف عليه المقصود ذاتا أو تصوّرا أو شروعا فليست بتمامها من أجزائه؛ فإنّ تصوّر الشيء ومعرفة غايته خارجان عنه، ولا من جزئيات ما يتضمنه حقيقة لدخوله في العلم قطعا، انتهى.
الرءوس الثمانية
قالوا الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرّض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود، يسمّيها قدماء الحكماء الرءوس الثمانية.
أحدها الغرض من تدوين العلم أو تحصيله، أي الفائدة المترتبة عليه لئلّا يكون تحصيله عبثا في نظره.
وثانيها المنفعة وهي ما يتشوّقه الكلّ طبعا وهي الفائدة المعتدّ بها ليتحمل المشقّة في تحصيله، ولا يعرض له فتور في طلبه، فيكون عبثا عرفا؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية «3». وفي شرح التهذيب «4» وشرح إشراق الحكمة «5» أنّ المراد بالغرض هو العلّة الغائية، فإنّ ما يترتب على فعل يسمّى فائدة ومنفعة وغاية فإن كان باعثا للفاعل على صدور ذلك الفعل منه يسمّى غرضا وعلّة غائية، وذكر المنفعة إنّما يجب إن وجدت لهذا العلم منفعة ومصلحة سوى الغرض الباعث، وإلّا فلا.
وبالجملة فالمنفعة قد تكون بعينها الغرض الباعث.
(1) شرح مختصر الأصول لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م) شرح فيه مختصر منتهى السئول والأمل في علمي الأصول والجدل لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- 646 هـ/ 1249 م).
استانه، د. ت. كشف الظنون، 2/ 1853 - 1854. معجم المطبوعات العربية، 679.
(2) منه (م).
(3) تكملة الحاشية الجلاليّة (حاشية جلال الدين الدواني على شرح القوشجي لتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي).
معجم المطبوعات العربية 892، اكتفاء القنوع 197.
(4) شرح التهذيب لجلال الدين محمد بن أسعد الدواني الصديقي الشافعي (- 907 هـ)، طبع في لكناو 1293 هـ.
معجم المطبوعات العربية، 892.
(5) شرح اشراق الحكمة. الأرجح أنه شرح حكمة الإشراق لقطب الدين محمد بن مسعود بن مصلح الدين الفارسي (- 710 هـ)، اسماء الكتب 87.
الجزء 1 · صفحة 15
وثالثها السّمة وهي عنوان الكتاب، ليكون عند الناظر إجمال ما يفصّله الغرض، كذا في شرح اشراق الحكمة. وفي تكملة الحاشية الجلالية السّمة هي عنوان العلم؛ وكأنّ المراد منه تعريف العلم برسمه أو بيان خاصّة من خواصه ليحصل للطالب علم إجمالي بمسائله ويكون له بصيرة في طلبه؛ وفي شرح التهذيب السّمة العلامة، وكأنّ المقصود الإشارة إلى وجه تسمية العلم؛ وفي ذكر وجه التسمية إشارة إجمالية إلى ما يفصل العلم من المقاصد.
ورابعها المؤلّف وهو مصنّف الكتاب ليركن قلب المتعلّم إليه في قبول كلامه، والاعتماد عليه لاختلاف ذلك باختلاف المصنّفين؛ وأما المحقّقون فيعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ولنعم ما قيل: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. ومن شرط المصنفين أن يحترزوا عن الزيادة على ما يجب والنقصان عمّا يجب وعن استعمال الألفاظ الغريبة المشتركة وعن رداءة الوضع، وهي تقديم ما يجب تأخيره وتأخير ما يجب تقديمه.
وخامسها أنه من أيّ علم هو، أي من اليقينيات أو الظنّيات، من النظريات أو العمليات، من الشرعيات أو غيرها، ليطلب المتعلّم ما تليق به المسائل المطلوبة.
وسادسها أنه أيّة مرتبة هو، أي بيان مرتبته فيما بين العلوم، إمّا باعتبار عموم موضوعه أو خصوصه، أو باعتبار توقّفه على علم آخر، أو عدم توقّفه عليه، أو باعتبار الأهمية أو الشرف، لتقدّم تحصيله على ما يجب، أو يستحسن تقديمه عليه، ويؤخّر تحصيله عما يجب أو يستحسن تأخيره عنه.
وسابعها القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها ليطلب المتعلّم في كل باب منها ما يتعلّق به، ولا يضيّع وقته في تحصيل مطالب لا تتعلّق به، كما يقال: أبواب المنطق تسعة، كذا وكذا؛ وهذا قسمة العلم، وقسمة الكتاب كما يقال: كتابنا هذا مرتّب على مقدمة، وبابين وخاتمة، وهذا الثاني كثير شائع لا يخلو عنه كتاب.
وثامنها الأنحاء التعليمية وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، أحدها التقسيم، وهو التكثير من فوق إلى أسفل، أي من أعم إلى ما هو أخصّ، كتقسيم الجنس إلى الأنواع، والنوع إلى الأصناف، والصنف إلى الأشخاص. وثانيها التحليل، وهو عكسه أي التكثير من أسفل إلى فوق، أي من أخصّ إلى ما هو أعم، كتحليل زيد إلى الإنسان والحيوان، وتحليل الإنسان إلى الحيوان والجسم؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية، وشرح إشراق الحكمة. وفي شرح التهذيب كأنّ المراد من التقسيم ما يسمّى بتركيب القياس، وذلك بأن يقال: إذا أردت تحصيل مطلب من المطالب التصديقية ضع طرفي المطلوب واطلب جميع موضوعات كل واحد منهما، وجميع محمولات كل واحد منهما سواء كان حمل الطرفين عليها، أو حملها على الطرفين، بواسطة، أو بغير واسطة، وكذلك اطلب جميع ما سلب عنه الطرفان أو سلب هو عن الطرفين، ثم انظر إلى نسبة الطرفين إلى الموضوعات والمحمولات، فإن وجدت من محمولات موضوع المطلوب ما هو موضوع المحمول فقد حصل المطلوب عن «1» الشكل الأول، أو ما هو محمول على محموله فمن الشكل الثاني، أو من موضوعات موضوعه «2» ما هو موضوع لمحموله فمن الشكل الثالث، أو محمول لمحموله فمن
(1) حصلت المطلوب من (م).
(2) موضوعه (- م).
الجزء 1 · صفحة 16
الرابع، كلّ ذلك بحسب تعدّد اعتبار الشرائط بحسب الكيفية والكمية والجهة، كذا في شرح المطالع. فمعنى قولهم: وهو التكثير من فوق أي من النتيجة لأنها المقصود الأقصى بالنسبة إلى الدّليل، وأما التحليل فقد قيل في شرح المطالع: كثيرا ما تورد في العلوم قياسات منتجة للمطالب لا على الهيئات المنطقية، اعتمادا على الفطن العارف بالقواعد، فإن أردت أن تعرف أنه على أيّ شكل من الأشكال فعليك بالتحليل وهو عكس التركيب فحصّل المطلوب فانظر إلى القياس المنتج له، فإن كان فيه مقدمة يشاركها المطلوب بكلا جزئيه فالقياس استثنائي، وإن كانت مشاركة للمطلوب بأحد جزئيه فالقياس اقتراني، ثم انظر إلى طرفي المطلوب فتتميّز عندك الصغرى عن الكبرى لأن ذلك الجزء إن كان محكوما عليه في النتيجة فهي الصغرى، أو محكوما به فهي الكبرى، ثم ضم الجزء الآخر من المطلوب إلى الجزء الآخر من تلك المقدمة، فإن تألّفا على أحد التأليفات الأربع، فما انضمّ إلى جزئي المطلوب هو الحدّ الأوسط، وتتميّز لك المقدمات والأشكال، وإن لم يتألّفا كان القياس مركبا، فاعمل بكلّ واحد منهما العمل المذكور، أي ضع الجزء الآخر من المطلوب والجزء الآخر من المقدمة كما وضعت طرفي المطلوب أولا، أي في التقسيم، فلا بد أن يكون لكل منهما نسبة إلى شيء «1» ما في القياس وإلّا لم يكن القياس منتجا للمطلوب، فإن وجدت حدّا مشتركا بينهما فقد تمّ القياس، وإلّا فكذا تفعل مرّة بعد أخرى إلى أن تنتهي إلى القياس المنتج للمطلوب بالذات، وتتبيّن لك المقدمات والشكل والنتيجة. فقولهم التكثير من أسفل إلى فوق، أي إلى النتيجة انتهى.
وثالثها التحديد أي فعل الحدّ، أي إيراد حدّ الشيء، وهو ما يدلّ على الشيء دلالة مفصّلة بما به قوامه بخلاف الرسم فإنه يدلّ عليه دلالة مجملة، كذا في شرح إشراق الحكمة، وفي شرح التهذيب:
كأنّ المراد بالحدّ المعرّف مطلقا، وذلك بأن يقال إذا أردت تعريف شيء فلا بدّ أن تضع ذلك الشيء وتطلب جميع ما هو أعمّ منه وتحمل عليه بواسطة أو بغيرها، وتميّز الذاتيات عن العرضيات، بأن تعدّ ما هو بين الثبوت أو ما يلزم من مجرّد ارتفاعه ارتفاع نفس الماهية ذاتيا، وما ليس كذلك عرضيا، وتطلب جميع ما هو مساو له، فيتميّز عندك الجنس من العرض العام، والفصل من الخاصّة، ثم تركّب أي قسم شئت من أقسام المعرّف بعد اعتبار الشرائط المذكورة في باب المعرّف. ورابعها البرهان، أي الطريق إلى الوقوف على الحق، أي اليقين إن كان المطلوب نظريا، وإلى الوقوف عليه والعمل به إن كان عمليا، كأن يقال إذا أردت الوصول إلى اليقين فلا بدّ أن تستعمل في الدليل بعد محافظة شرائط صحّة الصورة، إمّا الضروريات الستّ، أو ما يحصل منها بصورة صحيحة، وهيئة منتجة، وتبالغ في التفحّص عن ذلك، حتى لا يشتبه بالمشهورات والمسلّمات والمشبّهات وغيرها، بعضها ببعض، وعدّ الأنحاء التعليمية بالمقاصد أشبه، فينبغي أن تذكر في المقاصد، ولذا ترى المتأخّرين كصاحب المطالع «2» يعدّون ما سوى التحديد من مباحث الحجة ولواحق القياس، وأمّا التحديد فشأنه أن يذكر في مباحث المعرّف، كذا في شرح التهذيب.
واعلم أنهم إنّما اقتصروا على هذه الثمانية لعدم وجدانهم شيئا آخر يعين في تحصيل الفن، ومن وجد ذلك فليضمه إليها، وهذا أمر استحساني لا يلزم من تركه فساد على ما لا يخفى، هكذا في
(1) مما (م).
(2) المطالع أو مطالع الأنوار لسراج الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي (- 682 هـ). معجم المطبوعات العربية، 428.
الجزء 1 · صفحة 17
تكملة الحاشية الجلالية.
واعلم أنهم قد يذكرون وجه الحاجة إلى العلم، ولا شكّ أنه هاهنا بعينه بيان الغرض منه، وقد يذكرون وجه شرف العلم، ويقولون شرف الصناعة إما بشرف موضوعها، مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة التي هي الجلد «1»، وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما بشدّة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطبّ، إذ ما من واقعة في الكون إلّا وهي مفتقرة إلى الفقه، إذ به انتظام صلاح الدنيا والدين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. والمراد بذلك بيان مرتبة العلم على ما يفهم مما سبق، ويؤيده ما قال السيّد السّند في شرح المواقف، وأما مرتبة علم الكلام أي شرفه فقد عرفت أن موضوعه أعمّ الأمور وأعلاها الخ.
العلوم العربية
في شرح المفتاح: اعلم أنّ علم العربية المسمّى بعلم الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة، وينقسم على ما صرّحوا به إلى اثني عشر قسما، منها أصول هي العمدة في ذلك الاحتراز، ومنها فروع.
أما الأصول فالبحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادّها فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئاتها فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصلية والفرعية فعلم الاشتقاق، وإمّا عن المركّبات على الإطلاق، فإمّا باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية فعلم النحو، وإمّا باعتبار إفادتها لمعان زائدة على أصل المعنى فعلم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الفائدة في مراتب الوضوح فعلم البيان، وإمّا عن المركّبات الموزونة، فإمّا من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر أبياتها فعلم القافية.
وأمّا الفروع فالبحث فيها إمّا أن يتعلّق بنقوش الكتابة فعلم الخط، أو يختصّ بالمنظوم فعلم عروض الشعراء، أو بالمنثور فعلم إنشاء النثر من الرسائل، أو من الخطب، أو لا يختص بشيء منهما فعلم المحاضرات ومنه التواريخ؛ وأمّا البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه.
وفي إرشاد القاصد «2» للشيخ شمس الدين الاكفاني السنجاري «3»: الأدب وهو علم يتعرّف منه التفاهم عمّا في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة، وموضوعه اللفظ والخط من جهة دلالتهما على
(1) الذي هو (ع)، الذي هو جلد الميتة (م).
(2) ارشاد القاصد إلى اسنى المقاصد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني السنجاري المعروف بابن الأكفاني (- 749 هـ/ 1348 م). طبع في كلكوتا، د. ت مع كتاب حدود النحو لعبد الله بن احمد الفاكهي. معجم المطبوعات العربية، 464.
(3) شمس الدين الأكفاني السنجاري: هو محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري السنجاري، المعروف بابن الأكفاني، ابو عبد الله. ولد في سنجار وتوفي بالقاهرة بعد العام 749 هـ/ 1348 م. طبيب، باحث، عالم بالحكمة والرياضيات. له الكثير من التصانيف. الأعلام 5/ 299، الدرر الكامنة 3/ 279، البدر الطالع 2/ 79.
الجزء 1 · صفحة 18
المعاني، ومنفعته إظهار ما في نفس الإنسان من المقاصد وإيصاله إلى شخص آخر من النوع الإنساني، حاضرا كان أو غائبا، وهو حلية اللسان والبنان، وبه تميّز ظاهر الإنسان على سائر أنواع الحيوان. وإنما ابتدأت به لأنه أوّل أدوات الكمال. ولذلك من عري عنه لم يتم بغيره من الكمالات الإنسانية.
وتنحصر مقاصده في عشرة علوم وهي: علم اللغة وعلم التصريف وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم النحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة، وذلك لأن نظره إمّا في اللفظ أو الخط، والأول فإمّا في اللفظ المفرد أو المركب، أو ما يعمهما.
وأمّا نظره في المفرد فاعتماده إمّا على السماع وهو اللغة أو على الحجة وهو التصريف، وأمّا نظره في المركّب فإما مطلقا أن مختصّا بوزن، والأول إن تعلّق بخواص تراكيب الكلام وأحكامه الإسنادية فعلم المعاني، وإلّا فعلم البيان، والمختص بالوزن فنظره إمّا في الصورة أو في المادة، الثاني علم البديع، والأول إن كان بمجرد الوزن فهو علم العروض، وإلّا فعلم القوافي؛ وما يعمّ المفرد والمركب فهو علم النحو، والثاني فإن تعلّق بصور الحروف فهو علم قوانين الكتابة، وإن تعلّق بالعلامات فعلم قوانين القراءة. وهذه العلوم لا تختصّ بالعربية بل توجد في سائر لغات الأمم الفاضلة من اليونان وغيرهم.
واعلم أنّ هذه العلوم في العربية لم تؤخذ عن العرب قاطبة بل عن الفصحاء البلغاء منهم، وهم الذين لم يخالطوا غيرهم، كهذيل «1» وكنانة «2» وبعض تميم «3» وقيس عيلان «4» ومن يضاهيهم من عرب الحجاز «5» وأوساط نجد «6»؛ فأما الذين صابوا «7» العجم في الأطراف فلم تعتبر لغاتهم
(1) هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن عدنان. جد جاهلي، بنوه قبيلة كبيرة، وكان أكثر سكان وادي نخلة المجاور لمكة منهم، ولهم منازل بين مكة والمدينة ومنهم في جبال السراة، وكانوا أهل عدد وعدة ومنعة واشتهر منهم كثيرون في الجاهلية والإسلام. وفيهم شعراء ومشاهير. وقد نشر ديوان للعديد من شعرائهم. الأعلام 8/ 80، معجم البلدان 8/ 167 - 168، جمهرة الانساب 185 - 187، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، معجم قبائل العرب 1213، قلب جزيرة العرب 1202.
(2) كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة، من كلب، من قضاعة، جد جاهلي، يرتقي نسبه للقبائل العربية القحطانية. وبنوه قبيلة ضخمة يقال لها كنانة عذرة، وسكنوا أعالي الحجاز بالقرب من تبوك وجوارها. وانحدرت منها قبائل كثيرة منها: بنو عدي، بنو جناب، وغيرها كثير. كما كانت لهم صلات قوية بقريش وبالأوس والخزرج. خفاجة محمد عبد المنعم، قصة الأدب في الحجاز 90، جمهرة الانساب 425 - 427، معجم قبائل العرب 996.
(3) تميم بن قرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. جد جاهلي قديم بنوه بطون كثيرة جدا. قال عنهم ابن حزم: وهم قاعدة من أكبر قواعد العرب كانت منازلهم بأرض نجد والبصرة واليمامة وامتدت إلى قرب الكوفة. وقد تفرقوا في الحواضر والبوادي. واخبارهم كثيرة، وفيهم شعراء ومشاهير، وقد أدركوا الاسلام، ولهم مواقف مشهودة.
الاعلام 2/ 87 - 88، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 196 - 221، معجم قبائل العرب 126 - 133، دائرة المعارف الاسلامية 5/ 473 - 478.
(4) قيس عيلان بن مضر بن نزار، من عدنان، جد جاهلي ينتسب للعرب الإسماعيلية. انحدرت منه قبائل كثيرة منها:
هوازن، سليم، غطفان، عدوان، باهلة وغيرهم. وتروي كتب السير والتاريخ أن الجد الأعلى كان على دين اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام وقد امتدحهم النبي (ص) في بعض أحاديثه، وكانت سكناهم بالطائف وجوارها من بلاد الحجاز، البكري، معجم ما استعجم 1/ 64 - 66، 76 - 77، ابن خلدون، العبر 2/ 300، 305، 315، اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 232، 437، معجم قبائل العرب 972، تاريخ الاسلام 1/ 13.
(5) الحجاز بلاد واسعة تقع شمالي اليمن وشرقي تهامة. وتتكون من عدة أودية، وتتخللها سلسلة جبال السراة الممتدة من الشام إلى نجران في اليمن. وقد وصفه جوستاف لوبون بأنه اقليم جبلي رملي في الصقع الأوسط من المنطقة المعتدلة الشمالية تجاه البحر الأحمر وفيه المدينتان المقدستان: مكة والمدينة. وقد سمّي حجازا لأنه يحتجز بين تهامه ونجد. تاريخ معجم البلدان 3/ 219، تاريخ الإسلام السياسي والديني والاجتماعي 1/ 4، معجم ما استعجم 1/ 1 - 90، حضارة العرب 1/ 11، المسالك والممالك 12، قصة الأدب في الحجاز 24.
(6) نجد وهو اقليم يمتد بين اليمن جنوبا وبادية السماوة شمالا والعروض وأطراف العراق، وسمي نجدا لارتفاع أرضه. تاريخ الإسلام 1/ 4.
(7) صاقبوا (م).
الجزء 1 · صفحة 19
وأحوالها في أصول هذه العلوم، وهؤلاء كحمير «1» وهمدان «2» وخولان «3» والازد «4» لمقاربتهم الحبشة «5» والزنج «6»، وطيّ «7» وغسان «8» لمخالطتهم الروم بالشام، وعبد القيس «9» لمجاورتهم
(1) حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. جد جاهلي قديم كان ملك اليمن، وإليه ينسب الحميريون (ملوك اليمن). وهو من سلالة العرب العاربة، أي العرب الخلص أو الأصليون. ولد. له أبناء كثيرون انحدرت منهم قبائل كثيرة منها: السكاسك، الشعبيون، بنو الريان، قضاعة، عبد شمس. وكان لبني حمير في الجاهلية صنم يقال له:
نسر نصب بنجران وآخر بصنعاء اسمه رئام. وقد قامت مملكة حمير على اثر مملكة سبأ وبلغت شأوا بعيدا، وقامت فيها حضارة عامرة، كما اشتهر فيها ملوك عظام. الأعلام 2/ 284، القلقشندي، صبح الأعشى 1/ 313 - 315، قصة الأدب 81، جمهرة الانساب 406 و459، طرفة الأصحاب 12 و43، تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 1/ 17، العرب قبل الإسلام لزيدان 1/ 121، تاريخ الإسلام 1/ 8.
(2) همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة، من بني كهلان، من قحطان. جد جاهلي قديم. كان بنوه يسكنون في شرقي اليمن، ونزل كثير منهم بعد الإسلام في بلاد الحجاز وغيرها، وقد تشيع قسم كبير منهم وانحاز للامام علي بن أبي طالب، وانحدر منهم بطون كثيرة، أما صنمهم في الجاهلية فهو يعوق وكان منصوبا في أرحب. الاعلام 8/ 94، جمهرة الانساب 369، 445، 459، ابن خلدون 2/ 252، معجم قبائل العرب 1225.
(3) خولان بن عمرو بن الحاق بن قضاعة، من بني كهلان، يرتقي نسبه إلى القبائل القحطانية. جد عربي قديم كان يسكن وبنوه بلاد اليمن. وإلى بنيه تنسب بلاد خولان في شرقي اليمن. واسم صنمهم في الجاهلية: عم أنس. كما اشتركوا مع همدان في الصنم يعوق. وقد عبدوا النار أيام انتشار المجوسية في اليمن. ومنهم انحدرت قبائل كثيرة، منها: الربيعة، بنو بحر، بنو مالك، بنو غالب، بنو حرب، الزبيديون، بنو منبه وغيرهم ادركوا الإسلام، وكانت لهم وقائع مشهورة، الاعلام 2/ 325، طرفة الأصحاب 56، ابن خلدون العبر 2/ 256، تاريخ العرب لجواد علي 2/ 203 - 211، جمهرة الانساب 392، معجم قبائل العرب 365.
(4) الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. يرتقي نسبه للقبائل القحطانية. جد جاهلي قديم من اليمن.
ويقال له: الأسد وقد انقسم بنوه إلى ثلاثة أقسام: أزد شنوءة، أزد السراة وازد عمان. وانحدر منهم بطون كثيرة منها: قبائل غسان، خزاعة، أسلم، بني جفنه، الأوس، الخزرج وغيرهم. من أصنامهم في الجاهلية رئام، كما اشتركوا في صنم مناة. ادركوا الاسلام. وفيهم مشاهير. الاعلام 1/ 290، صبح الأعشى 1/ 313 - 315، ابن خلدون 2/ 252، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 458، طرفة الأصحاب 6 و19، دائرة المعارف الاسلامية 2/ 37 واللباب 1/ 36.
(5) الحبشة هي بلاد واسعة جدا، تتصل بالبحر من الجهة الشرقية، وساحلها مقابل لبلاد اليمن، ويقال: ان أول بلادهم من الجهة الغربية بلاد التكرور. ومملكة الحبشة قسمان: بلاد النصرانية وبلاد المسلمين. والقسم الثاني يقع على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) وما يتصل به من بحر الهند (المحيط الهندي) ويقال له بلاد الزيلع، مع أن الزيلع إحدى مدنه الكبيرة. تقويم البلدان 153، صبح الأعشى 5/ 302 و324، الأمصار ذوات الآثار 229.
(6) الزنج بلادهم مثل بلاد السودان وتقع شرقي الخليج البربري، وهي تقابل بلاد الحبشة من البر الآخر. صبح الأعشى 5/ 337، البيان المعرب 1/ 6، الأمصار ذوات الآثار 229.
(7) طيّئ بن أد، من بني يشجب، من كهلان. يرتقي نسبه لقبائل العرب القحطانية. جد جاهلي. كانت منازل بنيه في اليمن، ثم انتقلوا إلى الشمال وسكنوا بين جبلي أجأ وسلمى من بلاد نجد، إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة.
واسم صنمهم في الجاهلية الفلس. وقد انحدرت من طي قبائل كثيرة منها: نبهان، جديلة، زبيد، ثعلبة، بنو شمّر وغيرها ونبغ فيهم شعراء كثيرون ومشاهير. تاريخ الاسلام 1/ 8 - 9، نهاية الأرب 266، ابن خلدون، العبر 2/ 254، جمهرة الانساب 380 و459، معجم قبائل العرب 689، عشائر العراق 1/ 130، الاعلام 3/ 234.
(8) غسان في الأصل كلمة غسان هي اسم لبئر يقع في نواحي الشام، نزلت حوله قبيلة جفنه بن عمر الأزدية التي تنحدر من قبائل كهلان القحطانية، وبسبب ذلك عرفوا باسم قبائل غسان، ومنها انحدر ملوك الغساسنة الذين حكموا بادية الشام. وكان الحارث بن جبلة من أشهر أمرائهم، وهو الذي حارب المنذر أمير الحيرة، وقد كان الحارث مع بنيه والبطون التي تفرعت منه يعملون مع الروم ضد الفرس. كما كانت لهم وقائع مشهورة. الأعلام 2/ 153 - 154، نولدكه، أمراء غسان 192، تاريخ الاسلام 1/ 9، قصة الأدب في الحجاز 81،
(9) عبد القيس بن أفصى بن دعمي، من أسد ربيعة، من عدنان. جد جاهلي. النسبة إليه عبدي وقيسي. كانت ديار بنيه بتهامة ثم خرجوا إلى البحرين واستقروا بها وهم بطون كثيرة، وفيهم مشاهير. الأعلام 4/ 49، جمهرة الانساب 278 - 282، نهاية الأرب 275، اللباب 2/ 113، معجم البلدان 8/ 65، معجم قبائل العرب 726.
الجزء 1 · صفحة 20
أهل الجزيرة «1» وفارس «2»، ثم أتى ذوو العقول السليمة والأذهان المستقيمة ورتّبوا أصولها وهذّبوا فصولها حتى تقررت على غاية لا يمكن المزيد عليها، انتهى.
علم الصرف:
ويسمّى بعلم التصريف أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب ولا بناء، هكذا قال ابن الحاجب «3». فقوله علم بمنزلة الجنس، لأنه شامل للعلوم كلها، وقوله تعرف بها أحوال أبنية الكلم يخرج الجميع سوى النحو، وقوله ليست بإعراب ولا بناء يخرج النحو.
وفائدة اختيار «تعرف» على «تعلم» تذكر في تعريف علم المعاني. ثم المراد من بناء الكلمة وكذا من صيغتها ووزنها هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتّبة، وحركاتها المعيّنة، وسكونها مع اعتبار حروفها الزائدة والأصلية، كلّ في موضعه؛ فرجل مثلا على هيئة وصفة يشاركه فيها عضد، وهي كونه على ثلاثة أحرف، أولها مفتوح، وثانيها مضموم، وأما الحرف الأخير فلا تعتبر حركاته وسكونه في البناء، فرجل ورجلا ورجل على بناء واحد، وكذا جمل على بناء ضرب، لأن الحرف الأخير متحرّك بحركة الإعراب وسكونه وحركة البناء وسكونه. وإنما قلنا يمكن أن يشاركها لأنه قد لا يشاركها في الوجود كالحبك بكسر الحاء وضم الباء، فإنه لم يأت له نظير، وإنما قلنا حروفها المرتبة لأنه إذا تغيّر النظم والترتيب تغيّر الوزن، كما تقول يئس على وزن فعل وأيس على وزن عفل، وإنما قلنا مع اعتبار الحروف الزائدة والاصلية لانه يقال ان كرّم مثلا على وزن فعّل لا على وزن فعلل [أو أفعل] «4» أو فاعل، مع توافق الجميع في الحركات المعيّنة والسكون،
(1) الجزيرة هي جزيرة أقور الواقعة بين دجلة والفرات، وتشمل على ديار ربيعة ومضر وبكر. وهي بلاد واسعة فيها مدن هامة وكبيرة منها: حرّان، الرها، الرّقة، الموصل، سنجار وآمد وغيرها. وخرج منها علماء ومحدثون وغير ذلك.
الانساب 3/ 248، معجم البلدان 2/ 134، تقويم البلدان 273 - 298، صبح الأعشى 4/ 314، تذكرة الحفاظ 3/ 924، الاعلان بالتواريخ 627، الأمصار ذوات الآثار 193.
(2) فارس هي بلاد واسعة يحدّها من الغرب بلاد خوزستان والجبال، ومن الشرق بلاد كرمان، ومن الجنوب بحر فارس (الخليج العربي)، ومن الشمال المفازة التي بينها وبين خراسان والجبال، وهي تشمل اليوم ايران وما جاورها إلى الشرق والشمال الشرقي. معجم البلدان 4/ 226، تقويم البلدان 321، الأمصار ذوات الآثار 230.
(3) ابن الحاجب هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس جمال الدين بن الحاجب. ولد في أسنا من صعيد مصر عام 570 هـ/ 1174 م، وتوفي بالاسكندرية عام 646 هـ/ 1249 م. من فقهاء المالكية ومن كبار علماء العربية. تنقل بين القاهرة ودمشق، وله العديد من التصانيف الاعلام 4/ 211، وفيات الأعيان 1/ 314، غاية النهاية 1/ 508.
(4) أو أفعل (+ م، ع).
الجزء 1 · صفحة 21
وقولنا كل في موضعه لأنّ نحو درهم ليس على وزن قمطر لتخالف مواضع الفتحتين والسكونين، وكذا نحو بيطر مخالف لشريف في الوزن لتخالف موضعي الياءين، وقد يخالف ذلك في أوزان التصغير فيقال: أوزان التصغير فعيل وفعيعل وفعيعيل، ويدخل في فعيل رجيل وحمير وغير ذلك، وفي فعيعل اكيلب وحميّر ونحوها، وفي فعيعيل مفيتيح وتميثيل، ونحو ذلك، ويعرف وجهه في لفظ الوزن. فعلى هذا لا حاجة إلى تقييد الأحوال بكونها لا تكون إعرابا ولا بناء إذ هما طارئان على آخر حروف الكلمة، فلم يدخلا في أحوال الأبنية. لكن بقي هاهنا شيء وهو أنه يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف، أعني الاصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والأمر والصفة وأفعل التفضيل والآلة والموضع والمصغّر والمصدر لكونها أصولا تعرف بها أبنية الكلم لا أحوال أبنيتها، فإن أريد أن الماضي والمضارع مثلا حالان طارئان على بناء المصادر ففيه بعد، لأنهما بناءان مستأنفان بنيا بعد هدم بناء المصدر، ولو سلّم فلم عدّ المصادر في أحوال الأبنية ثم الماضي والمضارع والأمر وغير ذلك مما مرّ، كما أنها ليست بأحوال الأبنية على الحقيقة، بل هي أشياء ذوات أبنية على ما مرّ، من تفسير البناء. بلى قد يقال: لضرب مثلا هذا بناء حاله كذا مجازا، ولا يقال أبدا إنّ ضرب حال بناء، وإنّما يدخل في أحوال الأبنية الابتداء، والوقف، والإمالة، وتخفيف الهمزة، والإعلال [والإبدال، والحذف] «1» وبعض الإدغام، وهو إدغام بعض حروف الكلمة في بعض، وكذا بعض التقاء الساكنين، وهو ما إذا كان «2» الساكنان في كلمة [كما في قل وأصله قول] «3»، فهذه المذكورات أحوال الأبنية، ثم الوقف والتقاء الساكنين في كلمتين، والإدغام فيهما ليست بأبنية ولا أحوال أبنية لعدم اعتبار حركة الحرف الأخير وسكونها، اللهم إلّا أن يقال: أريد بالبناء الحروف المرتّبة بلا اعتبار الحركات والسكنات، كذا ذكر المحقّق الرّضي «4» في شرح الشافية «5».
والجواب عن ذلك بأنه أريد بأبنية الكلم ما يطرأ عليها، أي على الكلم من الهيئات والأحوال كما عرفت، فهي نفس أحوال الكلم، فالإضافة بيانية كما في قولهم شجر أراك، فمعنى أحوال أبنية الكلم على هذا أحوال هي أبنية الكلم، فلا يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف من أبنية الماضي والمضارع ونحوهما. وبالجملة فعلم الصرف علم بأصول تعرف بها أبنية الكلم، ثم إنه كما يبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوعه كذلك يبحث فيه عن أعراض تلك الأعراض، فدخل في أبنية الكلم الابتداء والإمالة ونحوهما ممّا هو من أحوال الأبنية، ويؤيّده ما وقع في الأصول من أنّ الصرف علم تعرف به أحوال الكلمة بناء وتصرّفا فيه، أي في ذلك البناء، لا إعرابا وبناء، وكذا يدخل في الحدّ الوقف لأنه من أحوال الأبنية يعرضها باعتبار قطعها عمّا بعدها، لا باعتبار حركة
(1) والإبدال، والحذف (+ م، ع).
(2) وهو إذا كان (م، ع).
(3) كما في قل وأصله قول (+ م، ع).
(4) المحقق الرضي هو محمد بن الحسن الأسترآباذي. توفي نحو 686 هـ/ 1287 م في استراباذ. عالم بالعربية، وله بعض التصانيف في النحو والصرف. الاعلام 6/ 86، مفتاح السعادة 1/ 147، خزانة الادب 1/ 12، بغية الوعاة 248.
(5) شرح الشافية لرضي الدين محمد بن الحسن الأسترآباذي (حوالي 686 هـ/ 1287 م) وهو شرح مطول، طبع في لكناو، 1280 هـ. اكتفاء القنوع، 306.
الجزء 1 · صفحة 22
الحرف الأخير أو سكونه، وإلّا لخرج بعض أقسام الوقف من الوقف، كالحذف والإبدال والزيادة فتدبر. وذكر التقاء الساكنين في الكلمتين والإدغام فيهما استطرادي كذكر الجزئي في علم المنطق، وهذا الجواب مما استخرجته مما ذكروه في هذا المقام. فعلى هذا موضوع الصّرف هو الكلمة من حيث أنّ لها بناء وقد عرفت أنه لا محذور في البحث عن قيد الحيثية إذا كانت بيانا للموضوع، فلا محذور في البحث عن الأبنية في هذا العلم. ويؤيّد هذا ما مرّ في تقسيم العلوم العربية من أنّ الصرف يبحث فيه عن المفردات من حيث صورها وهيئاتها، وكذا ما ذكر المحقق عبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية من أنّ التصريف والمعاني والبيان والبديع والنحو، بل جميع العلوم الأدبية، تشترك في أنّ موضوعها الكلمة والكلام، إنّما الفرق بينها بالحيثيات، انتهى. وفي شرح الشافية «1» للجار بردي «2» أنّ موضوعه الأبنية من حيث تعرض الأحوال لها، والأبنية عبارة عن الحروف والحركات والسكنات الواقعة في الكلمة، فيبحث عن الحروف من حيث أنها ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ومن حيث أنها زائدة أو أصلية، وكيف يعرف الزائد من الأصلي، وعن الحركات والسكنات من حيث أنها خفيفة أو ثقيلة، فيخرج عن هذا العلم معرفة الأبنية، ويدخل فيه معرفة أحوالها، لأن الصرف علم بقواعد تعرف بها أحوال الأبنية، أي تعرف بها الماضي والمضارع والأمر الحاضر إلى غير ذلك؛ فإنّ جميع ذلك أحوال راجعة إلى أحوال الأبنية، لا إلى نفس الأبنية، انتهى. فعلى هذا إضافة أحوال الأبنية ليست بيانية، ويرد عليه أنّ الماضي ونحوه ليس بناء ولا حال بناء، بل هو شيء ذو بناء كما مرّ، وأضعف منه ما وقع في بعض كتب الصرف من أن موضوعه الأصول والقواعد، حيث قال:
موضوع علم الصّرف هو تلك الأصول المتعدّدة التي بحثوا فيها في هذا العلم، وأثبتوا له أحوالا.
والمراد بالأصول هي تلك المسائل الكلّية التي تتفرّع عنها مسائل جزئية. فمثلا إليك إحدى هذه القواعد الكلية «3»: إذا اجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية. وأمّا جزئيّات هذا الأصل فمثل كلمتي مرميّ ومرويّ، فإن أصلهما مرموي، ومرووي، وهذه المسألة الكلية المذكورة جعلت مسألة مستقلة: وهذان المثالان فرعان عن تلك المسألة الكلية التي تحقّقت بالمثالين، حيث لاحظ المتكلم في هذه المسألة الآلة، وإن ذكره الموضوع المشار إليه هو لإثبات الأحوال لذلك الأصل، أي أنه بعبارة أخرى: حيث أنّ الأصل قد تحقّق من خلال الفرع الذي هو مرمي ومروي فهو يصدق عليه «4». ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله، كحدّ الكلمة والاسم والفعل والحرف ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم: إنما يوقع الإعلال في الكلمة لإزالة الثقل منها، ومسائله الأحكام المتعلّقة بالموضوع، كقولهم: الكلمة إمّا مجرّد أو مزيد،
(1) شرح الشافية لفخر الدين أحمد بن الحسن الجاربردي الشافعي (- 746 هـ/ 1346 م) وصفه الخوانساري بأنه من أحسن الشروح على الرسالة المذكورة. معجم المطبوعات العربية، 670.
(2) هو أحمد بن الحسن بن يوسف، فخر الدين الجاربردي، توفي سنة 746 هـ/ 1346 م. فقيه شافعي له العديد من كتب الفقه والأصول، الاعلام 1/ 111، البدر الطالع 1/ 47، الدرر الكامنة 1/ 123، طبقات الشافعية 5/ 169، شذرات الذهب 6/ 148.
(3) صرف أن أصول چنديست كه أز وى درين علم بحث كرده اند واثبات احوالات بر وى كرده اند ومراد باصول آن مسائل كليه است كه متفرع شود بر آن مسائل جزئيات أن مسائل مثلا يكى از اصول اين فن اين قاعده كليه است.
(4) جزئيات وى مثل مرمي ومروي كه در اصل مرموي ومرووي بود كه اين مسأله كليه مذكوره را موضوع عنواني كرده شد كه اين دو مثال فرع آن مسأله كليه است كه آن در ضمن اين دو مثال متحقق شده كه متكلم آن مسأله را آلة
الجزء 1 · صفحة 23
أو جزئه كقولهم: ابتداء الكلمة لا يكون ساكنا، أو جزئية كقولهم: الاسم إمّا ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو عرضه كقولهم: الإعلال إمّا بالقلب أو الحذف أو الإسكان.
وغايته غاية الجدوى حيث يحتاج إليه جميع العلوم العربية والشرعية، كعلم التفسير والحديث والفقه والكلام؛ ولذا قيل: إنّ الصرف أمّ العلوم والنحو أبوها. قال الرضي: اعلم أنّ التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصنعة، والتصريف على ما حكى سيبويه «1» عنهم هو أن تبني من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما بنيته، ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما يقتضيه قياس كلامهم، كما يتبيّن في مسائل التمرين. والمتأخّرون على أنّ التصريف علم بأبنية الكلمة وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحّة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك، انتهى. فالصرف والتصريف عند المتأخّرين مترادفان، والتصريف على ما حكى سيبويه عنهم جزء من الصرف الذي هو جزء من أجزاء النحو [لأنه من مبادئ النحو، والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] «2».
علم النحو:
ويسمّى علم الإعراب أيضا، على ما في شرح اللبّ «3»، وهو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقاما، وكيفية ما يتعلّق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه، من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه؛ كذا في الإرشاد. فقوله: علم، جنس، وقوله كيفية التركيب العربي فصل، يخرج علم أصول الفقه والفقه وغيرهما، فإنه لا يعرف بها كيفية التركيب العربي وهو أي التركيب العربي لا يستلزم كون جميع أجزائه عربيا، فيشتمل أحوال المركّبات وأحوال الأسماء الأعجمية، ولو قيل كيفية الكلم العربية، كما قال البعض لخرج العجمية، إلّا أن يقال إنها ملحقة بالعربية بعد النقل إلى العرب. وقوله صحة وسقاما تمييز لقوله كيفية التركيب، أي تعرف به صحة التركيب العربي وسقمه، إذ يعرف منه أنّ نحو ضرب غلامه زيد صحيح، وضرب غلامه زيدا فاسد، وخرج به علم المعاني والبيان والبديع والعروض، فإنها تعرف بها كيفية التركيب من حيث الفصاحة والبلاغة ونحوها، لا من حيث الصحة والسقم؛ ويتناول أحكام ضرورة الشعر لأنها أيضا تبحث من حيث الصحة والسقام؛ وما في قوله ما يتعلّق عبارة عن الأحوال، أي تعرف به أحوال الألفاظ لكن لا مطلقا، بل من حيث وقوعها في التركيب العربي من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه، كتقديم المبتدأ وتأخيره، وتذكير الفعل وتأنيثه، لا مثل الأحوال التي هي الحركات والسكنات ونحوها، فخرج علم الصرف.
فالحاصل أنّ تلك الأحوال من حيث هي هي تتعلّق بالألفاظ فقط، ومن حيث أنها باستعمالها يصحّ التركيب، مثل ابن زيد، وبتركها يفسد التركيب، مثل زيد ابن تتعلّق بالتركيب، هذا خلاصة ما
ملاحظه نموده است وذكر موضوع عنواني كرده اثبات احوال بر آن اصل كرده شد از آن حيثيت كه آن اصل متحقق ميشود در ضمن آن فرع كه مرمي ومروي است يعني صادق مىيد بر وى.
(1) هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي. ولد بشيراز عام 148 هـ/ 765 م وتوفي بالأهواز عام 180 هـ/ 796 م. إمام النحاة واللغة. وضع كثيرا من كتب النحو وناظر العلماء. ولفظ سيبويه فارسي يعني رائحة التفاح. الأعلام 5/ 81، وفيات الأعيان 1/ 385، البداية والنهاية 10/ 176، تاريخ بغداد 12/ 195، طبقات النحويين 66 - 74، وغيرها.
(2) [لأنه من مبادئ النحو والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] (+ م).
(3) شرح اللب سيرد ذكره.
الجزء 1 · صفحة 24
في حواشي الإرشاد. فعدّهم الصرف من أجزاء النحو بناء على كونه من مبادئ النحو لأنه يتوقّف عليه مسائل النحو، أي التصديق بها، وهذا كما عدّ صاحب مختصر الأصول «1» علم الكلام والعلوم العربية من مبادئ أصول الفقه لتوقف مسائله عليهما تصورا أو تصديقا، وإن شئت توضيح هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه.
وموضوع النحو اللفظ الموضوع مفردا كان أو مركّبا، وهو الصواب، كذا قيل؛ يعني موضوع النحو اللفظ الموضوع باعتبار هيئته التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية لا مطلقا، فإنه موضوع العلوم العربية على ما مرّ قبل هذا. وقيل الكلمة والكلام، وفيه أنه لا يشتمل المركّبات الغير الإسنادية مع أنها أيضا موضوع النحو. وقيل هو المركب بإسناد أصلي، وفيه أنه لا يشتمل الكلمة والمركّبات الغير الإسنادية؛ ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله كحدّ المبتدأ والخبر ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم في حجة رفع الفاعل إنه أقوى الأركان، والرفع أقوى الحركات؛ ومسائله الأحكام المتعلقة بالموضوع، كقولهم الكلمة إما معرب أو مبني، أو جزئه كقولهم آخر الكلمة محلّ الإعراب، أو جزئيه كقولهم الاسم بالسببين يمتنع عن الصرف، أو عرضه كقولهم الخبر إما مفرد أو جملة، أو خاصته كقولهم الإضافة تعاقب التنوين ولو بواسطة، أو وسائط، أي ولو كان تعلّق الأحكام بأحد هذه الأمور ثابتا بواسطة أو وسائط كقولهم الأمر يجاب بالفاء، فالأمر جزئي من الإنشاء والإنشاء جزئي من الكلام، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به، هكذا في الإرشاد وحواشيه وغيرها.
علم المعاني:
وهو علم تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال، هكذا ذكر الخطيب «2» في التلخيص «3». فالعلم جنس يشتمل جميع العلوم المدوّنة. ثم إنه إن حمل العلم على الأصول والقواعد والإدراك المتعلّق بها فعدم شموله لعلم أرباب السليقة ظاهر، لأنهم لا يعلمون القواعد مفصّلة، وإن كانوا يعتبرون مقتضياتها في المواد بسليقتهم، وإن حمل على الملكة فعدم شموله لعلمهم بناء على أن الملكة إنّما تحصل من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، وعدم شموله على التقدير الأول لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل غير ظاهر. وأمّا على التقدير الثاني، أي على تقدير حمله
(1) مختصر الأصول لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- 646 هـ/ 1249 م). أختصر فيه كتابه المسمّى منتهى السئول والأمل في علمي الأصول والجدل وعلى هذا المختصر شروح كثيرة.
(2) الخطيب: هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر، ابو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق. ولد بالموصل عام 666 هـ/ 1268 م، وتوفي بدمشق عام 739 هـ/ 1338 م. قاض، من أدباء الفقهاء له عدة مؤلفات. الاعلام 6/ 192، مفتاح السعادة 1/ 168، بغية الوعاة 66، ابن الوردي 2/ 324، البدر الطالع 2/ 183، البداية والنهاية 14/ 185، النجوم الزاهرة 9/ 318، مرآة الجنان 4/ 301، طبقات الشافعية 5/ 238، الدرر الكامنة 4/ 3.
(3) تلخيص المفتاح لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني المعروف بخطيب دمشق (- 739 هـ/ 1338 م) لخصّه من القسم الثالث من مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي،. طبع في كلكوتا، 1815 م. معجم المطبوعات العربية 1508.
الجزء 1 · صفحة 25
على الملكة فظاهر فتدبّر، كذا ذكر الفاضل الچلپي «1». هذا، وأمّا على ما اختاره صاحب الأطول من أنّ المعتبر في جميع العلوم المدوّنة حصول العلم عن دليل على ما سبق في تعريف العلوم المدوّنة، فعدم شموله لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل على جميع التقادير واضح، لأنّ علم الله تعالى وكذا علم جبرائيل ليس استدلاليا، وكذا الحال في علم الصرف والنحو والبيان والبديع ونحو ذلك.
واختار «تعرف» دون «تعلم» لأن المعرفة إدراك الجزئي، فكأنّه قال: هو علم تستنبط منه إدراكات جزئية، هي معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورات في هذا العلم، بمعنى أنّ أي فرد يوجد منها أمكننا أن نعرفه بذلك، لا أنّها تحصل جملة بالفعل، لأن وجود ما لا نهاية له محال، فلا يرد ما قيل إن أريد الكلّ فلا يكون هذا العلم حاصلا لأحد، أو الجنس، أو البعض، فيكون حاصلا لكل من عرف مسئلة منه. وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يجاب بأنّ المراد معرفة الكل واستحالة معرفة الكل لا ينافي كون العلم سببا لها، كما أنّ استحالة عدم صفات الواجب لا ينافي سببية عدم الواجب، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد ليس بمستبعد ولا بممتنع، وتسمية البعض فقيها مجاز، وقد سبق إلى هذا إشارة في تعريف العلوم المدوّنة.
والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة المتغيّرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك، وأحوال الإسناد أيضا من أحوال اللفظ باعتبار أنّ كون الجملة مؤكّدة أو غير مؤكّدة اعتبار راجع إليها؛ ويجيء تحقيق قوله: التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال في لفظ الحال، واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة كالإعلال والإدغام والرّفع والنصب وما أشبه ذلك من المحسّنات البديعية، فإنّ بعضها ممّا يتقدم على المطابقة وبعضها مما يتأخر منها «2»، فإن الإعلال والإدغام ونحوهما مما لا بدّ منه في تأدية أصل المعنى مقدّم على المطابقة، والمحسّنات البديعية من التجنيس والترصيع ونحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة متأخّر عن المطابقة، ولا بدّ من اعتبار قيد الحيثية المستفادة من تعليق الحكم [بالمشتق ثمّ] «3» بالموصول الذي صلته مشتقّة، أي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال من حيث هو كذلك، ليتم أمر الاحتراز، وإلّا ادخل فيه بعض المحسّنات والأحوال النحوية والبيانية التي ربما يقتضيها الحال، فإن الحال ربما يقتضي تقديما أو تأخيرا يبحث عنه النحوي، وربما يقتضي السجع وغيره، وربما يقتضي إيراد المجاز والتشبيه. فلولا قيد الحيثية لدخلت هذه الأمور التي تعلّقت بعلوم أخر في المعاني.
ثم موضوع العلم ليس مطلق اللفظ العربي كما توهمه العبارة، بل الكلام من حيث أنه يفيد زوائد المعاني. فلو قال أحوال الكلام العربي لكان أوفق، إلّا أنه راعى أن أكثر تلك الأحوال من عوارض أجزاء الكلام بالذات، وإنّ صاحب المعاني يرجعه إلى الكلام، فاختار اللفظ ليكون صحيحا في
(1) الفاضل الچلبي هو الحسن بن محمد شاه بن محمد شمس الدين بن حمزة الفناري، الملقّب بملّا حسن شلبي. ولد بتركيا عام 840 هـ/ 1436 م وتوفي فيها عام 886 هـ/ 1481 م. من علماء الدولة العثمانية. عارف بالأصول والحديث والمعقول. له الكثير من المؤلفات. الاعلام 2/ 216، الضوء اللامع 3/ 127، شذرات الذهب 7/ 324، هدية العارفين 1/ 288، المكتبة الأزهرية 2/ 673، البدر الطالع 1/ 208، معجم المؤلفين 3/ 213، الفوائد البهية 64، إيضاح المكنون 2/ 193.
(2) عنها (م).
(3) [بالمشتق ثم] (+ م).
الجزء 1 · صفحة 26
بادئ الرأي. وقد نبّه بتقييد اللفظ بالعربي وإطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أنّ تخصيص البحث باللفظ العربي مجرّد اصطلاح، وإلّا فيطابق بها مطلق اللفظ لمقتضى الحال، وبها يرتفع شأن كلّ مقال؛ ولهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أنّ الأحوال الشاملة بغير اللفظ العربي، كيف تكون من الأحوال التي تبحث في العلم، ولا تبحث فيه إلّا عن الأعراض الذاتية، ولا يندفع إلّا بما ذكره المحقق التفتازاني في بعض تصانيفه من أنّ اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنّما هو عند الفلسفي. وأما أرباب تدوين العربية فربّما لا يتم في علومهم هذا إلّا بمزيد تكلّف، كذا في الأطول؛ ولا يخفى أنّ هذا الإيراد إنما هو على مذهب المتقدّمين الذاهبين إلى أنّ اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة، وأمّا على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنه من الاعراض الذاتية فلا إيراد.
وقد عرّف صاحب المفتاح «1» [علم] «2» المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره، والتعريف الأول أخصر وأوضح كما لا يخفى. وأيضا التعريف بالتتبّع تعريف بالمباين إذ التتبّع ليس بعلم ولا صادق عليه، وإن شئت التوضيح فارجع إلى المطول والاطول.
علم البيان:
وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، كذا ذكر الخطيب في التلخيص. فالعلم جنس، وقوله يعرف به إيراد المعنى الواحد، أي علم يعرف به إيراد كلّ معنى واحد يدخل في قصد المتكلّم، على أن اللام في المعنى للاستغراق العرفي، وهذا هو العرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها، فلو عرف من ليس له هذه الملكة أو الأصول أو الإدراك على اختلاف معاني العلم كالعربي المتكلّم بالسليقة إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن عالما بعلم البيان، وفسّر القوم المعنى الواحد بما يدلّ عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، واعترض عليه بأنه مما لا يفهم من العبارة، ويخرج البحث عن المجاز المفرد مع أنه من البيان، ويمكن دفعه بأنّ تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أنّ موضوع الفن اللفظ البليغ، على أنّ وصف المعنى بالواحد يحتمل أن يكون باعتبار وحدة تحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصحّ تقديم جزء على جزء، فهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ. وأمّا المجاز المفرد وأمثاله، فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ، وقد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان. وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيّد السّند من أنّ فيما ذكره القوم تنبيه على أن علم البيان ينبغي أن يتأخّر عن علم المعاني في الاستعمال، وذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضا، فإن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح والخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإنّ هذه كالأصل في المقصودية وتلك فرع وتتمة لها؛ وكذا خرج به ملكة الاقتدار على معنى الشّجاع بألفاظ مختلفة [في الوضوح] «3» كالأسد والغضنفر والليث
(1) مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي السكاكي.
(2) [علم] (+ م).
(3) [في الوضوح] (+ م).
الجزء 1 · صفحة 27
والحارث؛ وقوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ والمراد بالطرق التراكيب، ويستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند ومسند إليه، ونسبة لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. ولا يشكل عليك أنه وإن تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، وأزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح وهو خفي جدّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها فلا محالة تتحقق «1» المعاني المختلفة وضوحا وخفاء ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه.
بقي هاهنا شيء وهو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من «2» مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلّا أن يقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف ولا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب والمختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلّا في الدلالات العقلية، وإمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، وترك في التعريف ذكر الخفاء، وإن ذكر في المفتاح للاختصار ولاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. وقوله عليه، أي على المعنى الواحد، وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى.
علم البديع:
وهو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه
(1) تحقق (م).
(2) بين (م).
الجزء 1 · صفحة 28
على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلّا لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنا عرضيا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة «1» ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع.
بيان الغرض من تلك العلوم:
اعلم أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع، فما يحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع.
علم العروض:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع، والقيد الأخير احتراز عن علم القافية. وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له وزنا.
علم القافية:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث التقفية، والقيد الأخير احتراز عن علم العروض.
وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له قافية.
العلوم الشرعية
وتسمّى العلوم الدينية، وهي العلوم المدوّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلّق بها تعلّقا معتدا به، ويجيء تحقيقه في الشرع، وهي أنواع فمنها.
(1) خلاصة (- م).
الجزء 1 · صفحة 29
علم الكلام:
ويسمّى بأصول الدين، أيضا، وسماه أبو حنيفة «1» رحمه الله تعالى بالفقه الاكبر. وفي مجمع السلوك «2»: ويسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضا، ويسمّى أيضا، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد «3» للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمّى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، وبإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، وإن سلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلا إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلا.
وفي اختيار يقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غير لازم، وفي اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادرة من الباء، إذ المراد الترتّب العادي، وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات هاهنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه.
والمتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، ولئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. وليس المراد بالحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناء على تناول المخطئ، ولا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معيّنا حتى يرد أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائما عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد
(1) ابو حنيفة: هو الإمام النعمان بن ثابت، التيمي الكوفي، أبو حنيفة. ولد بالكوفة عام 80 هـ/ 699 م وتوفي ببغداد عام 150 هـ/ 767 م. فقيه مجتهد أصولي ومتكلم، من أئمة الفقه الأربعة الكبار. له الكثير من المؤلفات الفقهية الهامة. الأعلام 8/ 36، تاريخ بغداد 13/ 323، وفيات الأعيان 2/ 163، النجوم الزاهرة 2/ 12، البداية والنهاية 10/ 107، الجواهر المضية 1/ 26، نزهة الجليس 2/ 176، تاريخ الخميس 2/ 326، مفتاح السعادة 2/ 63، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 330، مرآة الجنان 1/ 309 وغيرها.
(2) مجمع السلوك في التصوف للشيخ سعد الدين الخيرآبادي (- 882 هـ). إيضاح المكنون، 4، 434.
(3) شرح العقائد النسفية لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) طبع في كلكوتا، 1260 هـ. معجم المطبوعات العربية، 637.
الجزء 1 · صفحة 30
دوّن للعمليات الفقه.
والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام سواء كانت صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها «1»، فلا يتعذّر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام.
وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا.
وللبعد مراتب متفاوتة؛ وقد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الارموي «2»: موضوعه ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، وإمّا في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، وفيه بحث، وهو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّنا بذاته وهو باطل، أو كونه مبيّنا في علم آخر سواء كان شرعيا أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر جدا. وقال طائفة ومنهم حجّة الإسلام «3»: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي، وفيه أيضا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام.
(1) لا يزاد فيها (م).
(2) الأرموي: هو محمود بن أبي بكر بن أحمد، أبو الثناء، سراج الدين الأرموي. ولد بنواحي أذربيجان عام 594 هـ/ 1198 م وتوفي بمدينة قونية عام 682 هـ/ 1283 م. عالم بالأصول والمنطق، فقيه شافعي. تنقل في البلاد وله كثير من المصنفات. الأعلام 7/ 166، طبقات السبكي 5/ 155، معجم المطبوعات 1/ 427، هدية العارفين 2/ 406.
(3) حجة الإسلام: الغزالي هو الإمام محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجّة الإسلام. ولد بطوس بنواحي خراسان عام 450 هـ/ 1058 م وفيها توفي عام 505 هـ/ 1111 م. فيلسوف، فقيه وصوفي، له العديد من المصنفات الهامة. الأعلام 7/ 22، وفيات الأعيان 1/ 463، طبقات الشافعية 4/ 101، شذرات الذهب 4/ 10، الوافي بالوفيات 1/ 277، مفتاح السعادة 2/ 191، تبيين كذب المفتري 291، تاريخ آداب اللغة 3/ 97، اللباب 2/ 170 وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 31
وفائدة علم الكلام وغايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، والزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس، وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين.
ومن هذا تبيّن «1» مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضا دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل وقد تأيّدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلّها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعيا أو غيره، بل مباديه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلّا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلا ولا دفع الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلا، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة والمعاد، علما يتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علما مستغنيا في نفسه عمّا عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر.
وأمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، ومنها:
علم التفسير:
وهو علم يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها وغيرها. وقال أبو حيان «2»: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية
(1) يتبين (م).
(2) أبو حيان: هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي الجيّاني، اثير الدين أبو حيان. ولد بجهة غرناطة عام 654 هـ/ 1256 م وتوفي بالقاهرة عام 745 هـ/ 1344 م. من كبار العلماء بالعربية والتفسير
الجزء 1 · صفحة 32
والتركيبية، ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. قال: فقولنا علم جنس، وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة، وقولنا ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية يشتمل «1» علم الصرف والنحو والبيان والبديع، وقولنا ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب يشتمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، فإنّ التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا ويصدّ عن الحمل عليه صادّ، فيحمل على غيره وهو المجاز، وقولنا وتتمّات ذلك هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول «2» وتوضيح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك. وقال الزركشي «3»: التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النّزول والناسخ والمنسوخ، كذا في الاتقان «4»، فموضوعه القرآن.
وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم اعلم أنّ من المعلوم أن الله تعالى إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وانزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة، وهي أنّ كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة: أحدها كمال فضيلة المصنف، فإنه بقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده فقصد بالشروح ظهور تلك المعاني الدقيقة؛ ومن هاهنا كان شرح بعض الأئمة لتصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له. وثانيها إغفاله بعض متمّمات المسألة أو شروطها اعتمادا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر، فيحتاج الشارح لبيان المتروك ومراتبه. وثالثها احتمال اللفظ لمعان مختلفة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السّهو والغلط، أو تكرار الشيء، أو حذف المهمّ، وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
وإذا تقرر هذا، فنقول: إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن فصحاء العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر، كسؤالهم لما نزل [قوله] «5» وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «6» فقالوا وأيّنا لم يظلم نفسه، ففسّره
والحديث والتراجم واللغات. له الكثير من المصنفات. الأعلام 7/ 152، الدرر الكامنة 4/ 302، بغية الوعاة 121، فوات الوفيات 2/ 282، نكت الهميان 280، غاية النهاية 2/ 285، نفح الطيب 1/ 598، شذرات الذهب 6/ 145، النجوم الزاهرة 10/ 111، طبقات السبكي 6/ 31، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 332.
(1) هذا يشمل (م).
(2) المنزل (م).
(3) الزركشي: هو محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين. ولد بمصر عام 745 هـ/ 1344 م وفيها مات عام 794 هـ/ 1392 م. فقيه أصولي، عالم بالقرآن وعلومه. له تصانيف عديدة. الأعلام 6/ 60، الدرر الكامنة 3/ 397، شذرات الذهب 6/ 335.
(4) الإتقان في علوم القرآن لأبي الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر جلال الدين السيوطي (- 911 هـ)، طبع في كلكوتا، 1271 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1074.
(5) [قوله] (+ م).
(6) الأنعام/ 82.
الجزء 1 · صفحة 33
النبي صلى الله عليه وسلم بالشّرك، واستدل عليه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «1»، وغير ذلك مما سألوا عنه عليه الصلاة والسلام. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه مع أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد احتياجا إلى التفسير.
وأما شرفه فلا يخفى، قال الله تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «2». وقال الأصبهاني «3»: شرفه من وجوه: أحدها من جهة الموضوع، فإن موضوعه كلام الله تعالى الذي [هو] «4» ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة. وثانيها من جهة الغرض، فإنّ الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى. وثالثها من جهة شدّة الحاجة، فإنّ كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى.
فائدة
اختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما أديبا متّسعا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلّا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسّر إليها وهي خمسة عشر علما: اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع وعلم القراءات، لأنه يعرف به كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، وأصول الدين أي الكلام وأصول الفقه وأسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه، والناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره والفقه والأحاديث المبيّنة لتفسير المبهم والمجمل، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث «من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم» «5». وقال البغوي «6» والكواشي «7» وغيرهما: التأويل، وهو صرف الآية إلى معنى موافق لما
(1) لقمان/ 13.
(2) البقرة/ 269.
(3) الأصبهاني: هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب. توفي حوالي العام 502 هـ/ 1108 م. أديب، من الحكماء العلماء واشتهر أمره حتى قرن بالإمام الغزالي. له الكثير من المؤلفات. الأعلام 2/ 255، روضات الجنان 249، كشف الظنون 1/ 36، تاريخ حكماء الإسلام 112، تاريخ آداب اللغة 3/ 44، بغية الوعاة 396، الذريعة 5/ 45، سفينة البحار 1/ 528 وغيرها.
(4) هو (+ م، ع).
(5) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء، 2/ 347، الحديث رقم 2542، وقال عقبه: رواه أبو نعيم عن أنس. ورجعت إلى الحلية فلم أجده بهذا اللفظ، ووجدته بلفظ: «من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق». عن أبي بكر بن أبي قعدان. ج 10/ 377، ترجمة أحمد بن أبي سعدان رقم 650، وعنه: من عمل بما علم هدى واهتدى.
(6) البغوي: هو الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء. ولد عام 436 هـ/ 1044 م وتوفي عام 510 هـ/ 1117 م في مروالروذ. لقب بمحيي السنة، فقيه، محدث ومفسر، وله العديد من المصنفات. الأعلام 2/ 259 وفيات الأعيان 1/ 145، تهذيب ابن عساكر 4/ 345، دائرة المعارف الإسلامية 4/ 27.
(7) الكواشي: هو أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، موفق الدين ابو
الجزء 1 · صفحة 34
قبلها وما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنّة، غير محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «1» قيل شبابا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل نشّاطا وغير نشّاط، وقيل أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ، والآية تحتمله. وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ «2» انهما علي وفاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «3» يعني الحسن والحسين.
فائدة:
وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. وقال النسفي «4» في عقائده «5»: النصوص محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان «6». فإن قلت: قال رسول
العباس الكواشي ولد بالموصل عام 590 هـ/ 1194 م. وفيها توفي عام 680 هـ/ 1281 م. مفسر، فقيه شافعي.
له الكثير من المؤلفات. الاعلام 1/ 274، النجوم الزاهرة 7/ 348، نكت الهميان 116.
(1) التوبة/ 41.
(2) الرحمن/ 19.
(3) الرحمن/ 22.
(4) النسفي: هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي. ولد عام 461 هـ/ 1068 م، وتوفي 537 هـ/ 1142 م. عالم بالتفسير والأدب والتاريخ، فقيه حنفي، له العديد من المصنفات. الأعلام 5/ 60، لسان الميزان 4/ 327، إرشاد الأريب 6/ 53.
(5) العقائد النسفية لأبي حفص، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي (- 537 هـ/ 1142 م). وكتابه في العقيدة وأصول الدين. طبع في كلكوتا سنة 1260 هـ، وألّفت عليه شروحات وحواشي كثيرة أهمها: شرح العقائد النسفية للتفتازاني وقد سبقت الإشارة إليها. معجم المطبوعات العربية 637.
(6) العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي والاسلامي تعبيرا عن طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف؛ على أن الإلهام والكشف يحصلان بعدة مسالك، منها الإشراق المعرفي، ومنها الكرامة الصوفية، وأخرى بالخيال والتنبؤ. وعرف لغة: العلم، وعرفه عرفة وعرفانا وعرفانا ومعرفة ...
ورجل عروف وعرفة: عارف يعرف الأمور. وفي حديث ابن مسعود: فيقال لهم هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا ... ويقال للحاذي- يدّعي علم الغيب- عرّاف ...
وللطبيب (لسان العرب، مادة عرف). وقيل: العلم يقال لادراك الكلي أو المركب، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، ولهذا يقال عرفت الله دون علمه ... ويستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته. (الكفوي، الكليات، ج 3، ص 204) فعرف والعرفان تشيران إلى الادراك المباشر وإلى ادراك الآثار. ثم إن عرفان على وزن فعلان: خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفا أو ثقيلا ... وفعلان: خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف. (العلائلي، المقدمة اللغوية، ص 66 وص 75). وبهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف. وفي الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافا إلى دلالة لفظ عرف والاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان ومفهومه. إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان والعلم الكلي يداخله الظن وحشد الاوصاف والاضطراب مثلما يباطنه الكشف والحدس. ومن ثمّ أطلق اللفظ على ثلاثة معان:
- قابل لفظة الغنوص Gnose ، ودلّ احيانا على من اتبع المعرفة الغنوصية.
الجزء 1 · صفحة 35
الله صلى الله عليه وسلم «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع» «1». قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلّا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود «2» فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع وهو أقرب إلى الصواب أنّ القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله ولكل حرف حدّ أي منتهى فيما أراد من معناه، وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله ولكل حدّ مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصّل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدلّ على أنّ في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع [بل] «3»، لا بدّ منه في ظاهر التفسير لتتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بدّ منه أوّلا، إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. هذا كله نبذ مما وقع في الاتقان، وإن شئت الزيادة فارجع إليه.
علم القراءة:
وهو علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، وموضوعه القرآن من حيث إنه كيف يقرأ.
- رافق المفهوم الاشراقي الشرقي، ودلّ على المعرفة بالنور، أصل من أصلين عند الفرس.
- عبّر عن التيار الصوفي الاسلامي وطريقته في المعرفة والتيار الباطني وطريقته في التأويل. وقد ميّز الفكر الحديث، بمؤتمر مدينة Missine بايطاليا عام 1966 م بين العرفان والعرفانية، معتبرا أن العرفان هو المعرفة الإلهية يخصّ صفوة من الناس. أما العرفانية فهي مذاهب دينية متعدّدة ومختلفة، كثرت في القرن الثاني الميلادي، تتفق على جامع واحد مفاده: أنها ترقى إلى معرفة تفوق المعرفة العقلية وتسمو عليها، إنها المعرفة الباطنية. Jambet ,Ch .,la Logique des Orienteaux ,Paris ، 1983،P . 171.
ولعلّ هذه المذاهب ترجع إلى مذهب هرمس الهرامس- أو ادريس، أخنوخ الفرعوني- وهرمس لغة سريانية تعني العالم، لمزيد من التفصيل عن كل هذا التيار. (العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الاسلامية، بيروت، 1992، ج 1، فصل العرفان).
(1) لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع. أخرجه البيهقي في الشعب، 2/ 485، عن معقل بن يسار، باب في تعظيم القرآن (16)، فصل في فضائل السور، الحديث رقم 2478، بلفظ: « ... لكل آية نور يوم القيامة ... ».
(2) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، ابو عبد الرحمن. توفي بالمدينة المنورة عام 32 هـ/ 653 م.
صحابي جليل. من اهل مكة. من السابقين للاسلام. خدم الرسول وصاحبه. من أكابر الصحابة علما وورعا.
الاعلام 4/ 137، غاية النهاية 1/ 458، صفة الصفوة 1/ 154، حلية الأولياء 1/ 124، تاريخ الخميس 2/ 257، سير أعلام النبلاء 1/ 461، الاصابة 2/ 360 وغيرها.
(3) بل (+ م).
الجزء 1 · صفحة 36
علم الإسناد:
ويسمّى بأصول الحديث أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث صحة النقل وضعفه والتحمّل والأداء، كذا في الجواهر «1»؛ وفي شرح النخبة «2» هو علم يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء انتهى.
فموضوعه الحديث بالحيثية المذكورة.
علم الحديث:
ويسمّى بعلم الرواية والأخبار والآثار أيضا على ما في مجمع السلوك، حيث قال ويسمّى جملة علم الرواية والأخبار والآثار علم الأحاديث، انتهى. فعلى هذا علم الحديث يشتمل علم الآثار أيضا، بخلاف ما قيل، فإنه لا يشتمله، والظاهر أن هذا مبني على عدم إطلاق الحديث على أقوال الصحابة وأفعالهم على ما عرف. وعلم الحديث علم تعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله.
أما أقواله عليه الصلاة والسلام فهي الكلام العربي، فمن لم يعرف حال الكلام العربي فهو بمعزل عن هذا العلم، وهو كونه حقيقة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيّدا ومنطوقا ومعنويا ونحو ذلك، مع كونه على قانون العربية الذي بيّنه النحاة بتفاصيله، وعلى قواعد استعمال العرب، وهو المعبر بعلم اللغة.
وأما أفعاله عليه الصلاة والسلام فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها أولا كالأفعال الصادرة عنه طبعا أو خاصة، كذا في العيني «3» شرح صحيح البخاري «4»، وزاد الكرماني «5» وأحواله.
ثم في العيني: وموضوعه ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث أنه رسول الله، ومباديه هي ما تتوقف عليه المباحث، وهي أحوال الحديث وصفاته، ومسائله هي الأشياء المقصودة منه، وغايته الفوز بسعادة الدارين.
(1) الجواهر المكلّلة في الأخبار المسلسلة لأبي الحسن علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (- 643 هـ/ 1245 م). الرسالة المستطرفة، 83.
(2) شرح النخبة ويعرف بنزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ شهاب الدين احمد بن علي بن حجر العسقلاني (- 852 هـ/ 1448 م) وقد شرح فيه كتابه نخبة الفكر.
(3) العيني هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، ابو محمد، بدر الدين العيني الحنفي. ولد بضواحي حلب عام 762 هـ/ 1361 م وتوفي بالقاهرة عام 855 هـ/ 1451 م. مؤرخ، علامه، من كبار المحدثين، له الكثير من المصنفات الهامة. الاعلام 7/ 163، الضوء اللامع 10/ 131، خطط مبارك 6/ 10، شذرات الذهب 7/ 286، الجواهر المضية 2/ 165، إعلام النبلاء 5/ 255، آداب اللغة 3/ 196، معجم المطبوعات 1402.
(4) عمدة القاري شرح صحيح البخاري لمحمود بن أحمد بن موسى، أبو محمد بدر الدين العيني (- 855 هـ/ 1451 م). طبع في القسطنطينية، 1310 هـ، اكتفاء القنوع، 126.
(5) الكرماني هو محمود بن حمزة بن نصر برهان الدين الكرماني. توفي حوالي العام 505 هـ/ 1110 م. عالم بالقراءات. الاعلام 7/ 168، غاية النهاية 2/ 290، إرشاد الأريب 7/ 146، الاتقان في علوم القرآن 2/ 221، مفتاح السعادة 1/ 421، هدية العارفين 2/ 402.