الجزء 1
ـ[الْخراج]ـ
الْمُؤلف: أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الْأنْصَارِيّ (الْمُتَوفَّى: 182هـ)
الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث
تَحْقِيق: طبه عبد الرءوف سعد، سعد حسن مُحَمَّد
الطبعة: طبعة جَدِيدَة مضبوطة - مُحَققَة ومفهرسة، أصح الطبعات وأكثرها شمولا
عدد الْأَجْزَاء: 1
[ترقيم الْكتاب مُوَافق للمطبوع وَهُوَ مذيل بالحواشي]
الْكتاب مُرْتَبِط بنسخة مصورة لـ (ط المطبعة السلفية ومكتبتها - الْقَاهِرَة)
الجزء 1 · صفحة 3
مُقَدمَات
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَقْدِيم: الْخراج
الْخراج لَفْظَة عرفت مُنْذُ الْأَيَّام الأولى لِلْإِسْلَامِ وتعني الضريبة السنوية الْمَفْرُوضَة على الْأَرَاضِي الَّتِي تزرع حبوبا ونخيلا وَفَاكِهَة، يَدْفَعهَا الْمزَارِع للمقطع صَاحب الأَرْض الإقطاعية ليؤديها بدوره إِلَى خزانَة الدولة بعد استقطاع مُخْتَلف المصروفات.
وَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَمر بمسح السوَاد وَدفعه إِلَى الفلاحين الَّذين كَانُوا فِيهِ على غلَّة كل سنة، وَلذَلِك سمي خراجا، ثمَّ بعد ذَلِك قيل للبلاد الَّتِي فتحت صلحا ووظف مَا صولحوا عَلَيْهِ على أَرضهم، خَرَاجِيَّة؛ لِأَن تِلْكَ الوظيفية أشبهت الْخراج الَّذِي لزم الفلاحين، وَهُوَ الْغلَّة؛ لِأَن جملَة معنى الْخَارِج الْغلَّة، وَفِي الحَدِيث: "أَن أَبَا طيبَة لما حجم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر لَهُ بصاعين من طَعَام وكلم أَهله؛ فوضعوا عَنهُ من خراجه" أَي من غَلَّته.
وَقد أفرد الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ الْبَاب الثَّالِث عشر من "الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة" لوضع الْجِزْيَة وَالْخَارِج، وَبَين الْأَوْجه الَّتِي يفترقان فِيهَا.
قَالَ حاجي خَليفَة عَن الْكتب الْمُؤَلّفَة بِهَذَا العنوان: "الْخراج":
كتاب الْخراج -للْإِمَام أبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْحَنَفِيّ المتوفي سنة 182 اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَهُوَ الْكتاب الَّذِي بَين يَديك.
وَلأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْكَاتِب الْمُتَوفَّى سنة 270 سبعين وَمِائَتَيْنِ.
وَلأبي الْفرج قدامَة بن جَعْفَر.
ولنصر بن مُوسَى الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ.
ولحسن بن زِيَاد.
أما عَن كتاب القَاضِي أبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْكُوفِي الَّذِي وَضعه للرشيد
الجزء 1 · صفحة 4
فَيَقُول عَنهُ الدكتور عَليّ أوزاك: بِأَنَّهُ يتَمَيَّز عَن كتب الْخراج الْأُخْرَى بخصائص عَددهَا كَمَا يَلِي:
أَولا: أَنه يَشْمَل توصيات إصلاحية للخليفة.
ثَانِيًا: يتَنَاوَل كثيرا من المشاكل الإدارية والمالية والسياسية والاجتماعية، ويداوي كل هَذِه المشاكل بِمَا يُنَاسِبهَا من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والاجتهادات الْعَقْلِيَّة.
ثَالِثا: أَنه سلك طَرِيقا جَدِيدا ذَا أهمية بَالِغَة هُوَ أَنه حينما أَرَادَ أَن يَبْنِي حكما جَدِيدا حاول أَن يحصل على عمل حكمه من سيدنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم أَو من سيدنَا عمر -رَضِي الله عَنهُ- وطبق هَذِه الْقَاعِدَة فِي كل مشكلة واجهها؛ فَإِن لم يحصل على شَيْء من السّنة أَو من تطبيقات عمر، اعْتمد على آراء أبي حنيفَة وَابْن أبي ليلى. ثمَّ يجْتَهد بِرَأْيهِ.
من أجل ذَلِك كَانَ كتاب الْخراج لأبي يُوسُف منبعا عَظِيما ومصدرا غزيرا فِي إنْشَاء الدولة: إداريا وماليا.
ثمَّ يَقُول -حاجي خَليفَة- وَفِي إمكاننا الْآن أَن نقُول: إِن مَنْهَج أبي يُوسُف وَاحِد من المناهج الَّتِي تصلح فِي الجوانب الشَّرْعِيَّة والإدارية والمالية فِي زَمَاننَا هَذَا؛ فَإِنَّهُ مَنْهَج ناجح فِي إدارة شئون الدولة الإسلامية. تِلْكَ الدولة من حَقّهَا أَن تكون مِثَالا للنَّاس أجمع كَمَا حصل فِي التَّارِيخ، ويتخلص الْمُسلمُونَ من هَذِه النّظم الغريبة الْمُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ فِي أَكثر موادها.
ونقول: إِن أهمية هَذَا الْكتاب يرجع إِلَى أُمُور مُتعَدِّدَة:
1- أَنه أول كتاب ألف فِي مَوْضُوعه.
2- أَلفه قَاضِي قُضَاة الْمُسلمين فِي زَمَنه الإِمَام أَبُو يُوسُف تلميذ الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان أول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَصْحَاب الْمذَاهب المتبوعة.
ثمَّ إِن الَّذِي أَمر بتأليفه وَسَأَلَ أسئلته هُوَ الْخَلِيفَة العباسي الْعَظِيم هَارُون الرشد أهم خلفاء هَذِه الدولة.
سَيِّدي الْقَارئ الْعَزِيز: أحب أَن أَقُول إِن تَسْمِيَة الْكتاب "الْخراج" لَا تمثل شَيْئا يذكر من مواضيع الْكتاب؛ فالكتاب شَامِل لمواضيع أُخْرَى كَثِيرَة مهمة تعرفها إِذا قَرَأت فهرسة الْكتاب المفصلة لهَذِهِ السّفر الْكَبِير وَذَلِكَ الْمُؤلف المهم الخطير ولأهميته وَحسن مادته؛ فقد ترْجم هَذَا كتاب إِلَى اللُّغَة التركية ثَلَاث مَرَّات فِي أَيَّام الدولة العثمانية.
الجزء 1 · صفحة 5
الأولى: تَرْجَمَة لكتاب الْخراج، لَا يعلم مترجمها، وَهِي مخطوطة مَوْجُودَة فِي مكتبة إستانبول تَحت رقم "3271".
الثَّانِيَة: تَرْجَمَة كتاب الْخراج لأبي يُوسُف، أعدهَا "ردوسلي زادة مُحَمَّد أَفَنْدِي سنة 1113 هـ. وَهِي مخطوطة مَوْجُودَة فِي مكتبة أسعد أَفَنْدِي تَحت رقم "571- 572".
الثَّالِثَة: تَرْجَمَة كتاب الْخراج لأبي يُوسُف، للأستاذ مُحَمَّد عَطاء الله، وَهَذِه التَّرْجَمَة جَيِّدَة جدا، وَكَانَ "حُسَيْن جميل باشا" وَالِي حلب قد طلب من مُحَمَّد عَطاء الله تَرْجَمَة الْكتاب، ثمَّ قدم هَذِه التَّرْجَمَة إِلَى السُّلْطَان عبد الحميد الثَّانِي من آل عُثْمَان، وَهِي مخطوطة مَوْجُودَة فِي مكتبة جَامِعَة إستانبول تَحت رقم "4652".
وَقد ترْجم كتاب الْخراج لأبي يُوسُف إِلَى اللُّغَة الفرنسية أَيْضا، وطبع سنة 1921، تَرْجمهُ "E. FAGNAN" دكتور الإلهيات بجامعة مرمرا، إستانبول - تركيا "كتاب الْخراج" / 177، 178".
تَقول الدكتورة فَاطِمَة مُحَمَّد مَحْجُوب فِي الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية: يُوجد مخطوطه بدار الْكتب الظَّاهِرِيَّة بِدِمَشْق "أَو بمكتبة الْأسد" الْآن وَجَاء بَيَانه كَمَا يَلِي: الْخراج، الرقم "8200".
تأليف أبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن حبيب الْأنْصَارِيّ الْمُتَوفَّى سنة 182هـ/ 798م، أَلفه بِأَمْر أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد وَبعث بِهِ إِلَيْهِ.
أَوله: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وأدام لَهُ الإعزاز فِي تَمَامٍ مِنَ النِّعْمَةِ، وَدَوَامٍ من الْكَرَامَة.
آخِره: أثابك الله على مصيبتك ثَوَاب من أُصِيب بِمِثْلِهَا من أهل دينك، وَبَارك لنا فِي الْمَوْت، وَجعله خير غَائِب ننتظره، عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ فِيمَا نَزَلَ بِكَ من المصائب.
نُسْخَة جَيِّدَة مصححة. الْخط نسخ مُعْتَاد بعض الْكَلِمَات بالحمرة كتب سنة 1286هـ.
نُسْخَة ثَانِيَة: الرقم "8263". تتفق مَعَ الأولى فِي بدايتها ونهايتها. نُسْخَة جَيِّدَة، جَمِيع صفحاتها مجدولة بالحمرة، الْخط نسخ جيد، بعض الْكَلِمَات مَكْتُوبَة بالحمرة، كتب رسْلَان بن عبد الْقَادِر الْعَطَّار سنة 1296هـ.
الجزء 1 · صفحة 6
نُسْخَة ثَالِثَة: الرقم "9080"، تتفق مَعَ الأولى فِي بدايتها ونهايتها. نُسْخَة جَيِّدَة وقديمة، الْخط نسخ مُعْتَاد، بعض الْكَلِمَات مَكْتُوبَة بالحمرة.
المراجع: مُعْجم المؤلفين 13/ 240، حسن التقاضي فِي سيرة الإِمَام أبي يُوسُف القَاضِي، تأليف الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري، فهرس الخديوية 3/ 102.
مخطوطات الْموصل لداود حَلَبِيّ 37، 62، الْكَشَّاف 234، فهرس المتحف البريطاني الملحق 1/ 178.
بعض طبعات الْكتاب:
طبع هَذَا الْكتاب الْقيم عدَّة طبعات أهمها:
1- فِي مطبعة بولاق سنة 1302.
2- تَرْجَمَة إِلَى الفرنسية فانيان وطبع فِي باريس.
3- طبع فِي الْقَاهِرَة فِي المطبعة السلفية سنة 1927م.
4- طبع فِي الْقَاهِرَة فِي المطبعة السلفية سنة 1932م.
غير طبعات أُخْرَى لم نرها.
الجزء 1 · صفحة 7
المراجع الَّتِي اعتمدنا عَلَيْهَا:
- كشف الظنون لحاجي خَليفَة 2/ 1415.
- وَكتاب الْخراج لأبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. أ. د عَليّ أوزاك. مجلة الْأَزْهَر. الْجُزْء الثَّانِي السّنة الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ صفر 1406هـ - سبتمبر- أكتوبر 1988م/ 177، 178.
- فهرس مخطوطات دَار الْكتب الظَّاهِرِيَّة، الْفِقْه الْحَنَفِيّ - وَضعه مُحَمَّد مُطِيع الْحَافِظ 1/ 291- 293.
- والمنتخب من آدَاب الْعَرَب تأليف طه حُسَيْن وزملائه 2/ 296، 297.
- "ونصوص مفقودة من كتاب الْخراج لقدامة بن جَعْفَر" عَبَّاس هاني الْجراح. مجلة الفيصل: الْعدَد "169" رَجَب 1411 هـ -يناير- فبراير 1991 م. السّنة الْخَامِسَة عشرَة/ 103، 104.
- "الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية" د. فَاطِمَة مَحْجُوب 15/ 362، 375 ومراجعها.
الجزء 1 · صفحة 9
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُقَدّمَة عَن تَارِيخ حَيَاة الْمُؤلف:
مؤلف الْكتاب:
"أَبُو يُوسُف" الْمَوْلُود 113هـ 731م الْمُتَوفَّى 182هـ 798م
هُوَ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن حبيب الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي الْبَغْدَادِيّ "أَبُو يُوسُف" صَاحب الإِمَام الْأَعْظَم "أبي حنيفَة النُّعْمَان" صَاحب الْمَذْهَب الْمَتْبُوع "الْمَذْهَب الْحَنَفِيّ".
وَأَبُو يُوسُف كَمَا هُوَ صَاحب أبي حنيفَة يعْتَبر من تلاميذه المخلصين وَمِمَّنْ نشر مذْهبه، أما الصاحبان الْآخرَانِ فهما مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ وَزفر بن الْهُذيْل.
كَانَ أَبُو يُوسُف فَقِيها عَلامَة وَمن حفاظ الحَدِيث وتفقه بِهِ وبالرواية، ثمَّ لزم أَبَا حنيفَة فغلب عَلَيْهِ الرَّأْي وَالْقَوْل بِهِ، وَولي الْقَضَاء بِبَغْدَاد فِي أزهى عصورها أَيَّام الْمهْدي وَالْهَادِي والخليفة الْعَظِيم هَارُون الرشيد وَالَّذِي مَاتَ فِي خِلَافَته بِبَغْدَاد وَهُوَ على الْقَضَاء.
وَهُوَ أول من دعِي "قَاضِي الْقُضَاة"؛ بل قيل عَنهُ "قَاضِي قُضَاة الدُّنْيَا".
وَهُوَ أول من وضع الْكتب فِي أصُول الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان.
كَانَ -رَحمَه الله- وَاسع الْعلم بالتفسير والمغازي وَأَيَّام الْعَرَب.
من كتبه.
1- كتاب الْآثَار "مُسْند الإِمَام أبي حنيفَة".
2- كتاب النَّوَادِر.
3- اخْتِلَاف الْأَمْصَار.
4- أدب القَاضِي.
5- المالي فِي الْفِقْه.
6- الرَّد على مَالك بن أنس.
الجزء 1 · صفحة 10
7- الْفَرَائِض.
8- الْوَصَايَا.
9- الْوكَالَة.
10- الْبيُوع.
11- الصَّيْد والذبائح.
12- الْغَصْب والاستبراء.
13- كتاب الْجَوَامِع فِي أَرْبَعِينَ فصلا أَلفه ليحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي ذكر فِيهِ اخْتِلَاف النَّاس والرأي الْمَأْخُوذ بِهِ.
لزِيَادَة من المعلومات أَقرَأ:
1- حسن التقاضي فِي سيرة الإِمَام أبي يُوسُف القَاضِي -الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري.
2- مِفْتَاح السَّعَادَة 2: 100- 107.
3- الفهرست لِابْنِ النديم 203.
4- أَخْبَار الْقُضَاة لوكيع 3/ 254.
5- النُّجُوم الزاهرة 2: 107.
6- الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة لِابْنِ كثير 10: 180.
7- الْجَوَاهِر المضية 2/ 220.
8- تَارِيخ بَغْدَاد 14/ 242.
9- ابْن خلكان 2/ 303.
10- الانتقاء 172.
11- مرْآة الْجنان 382- 388.
12- 288: brock. s. i.
13- شرحي ألفية الْعِرَاقِيّ 2/ 163.
14 شذرات الذَّهَب 1/ 298- 301.
15 أَعْلَام الْعَرَب فِي الْعُلُوم والفنون 1/ 30.
الجزء 1 · صفحة 11
هَارُون الرشيد الَّذِي أَمر بتأليف الْكتاب:
الْمَوْلُود 149هـ 766م المتوفي 193هـ 809م:
هَارُون "الرشيد" ابْن مُحَمَّد "الْمهْدي" ابْن الْمَنْصُور العباسي أَبُو جَعْفَر.
وَهُوَ خَامِس خلفاء بني الْعَبَّاس فِي الْعرَاق وأشهرهم كَانَ يحجّ عَاما ويغزو آخر.
ولد بالرى لما كَانَ أَبوهُ أَمِيرا عَلَيْهَا وعَلى خُرَاسَان وَنَشَأ فِي دَار الْخلَافَة بِبَغْدَاد.
ولاه أَبوهُ غَزْو الرّوم فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة فصالحته الملكة إيريني وافتدت مِنْهَا مملكتها بسبعين ألف دِينَار تبْعَث بهَا إِلَى خزانَة الْخَلِيفَة فِي كل عَام.
بُويِعَ بالخلافة بعد وَفَاة أَخِيه الْهَادِي "سنة 170هـ" فَقَامَ بأعبائها حَتَّى ازدهرت الدولة فِي أَيَّامه، واتصلت الْمَوَدَّة بَينه وَبَين ملك فرنسا "كارلوس الْكَبِير" الملقب "شارلمان" فَكَانَا يتهاديان التحف.
وَكَانَ الرشيد عَالما بالأدب وأخبار الْعَرَب والْحَدِيث وَالْفِقْه فصيحا شَاعِرًا.
وَكَانَ لَهُ محاضرات مَعَ عُلَمَاء عصره شجاعا حازما كثير الغز حَتَّى لقب بجبار بني الْعَبَّاس مَعَ كرمه وحزمه وتواضعه وَلم ير خَليفَة أكْرم مِنْهُ؛ إِذْ لم يجْتَمع على بَاب خَليفَة غَيره مَا اجْتمع على بَابه من الْعلمَاء وَالشعرَاء وَالْكتاب والندماء.
وَكَانَ يطوف أَكثر اللَّيَالِي متنكرا يتفقد أَحْوَال الرّعية، تولى مُدَّة 23 عَاما وشهرين وعدة أَيَّام.
توفّي فِي "سناباذ" من طوس وَبهَا قَبره.
لزِيَادَة من المعلومات رَاجع:
1- الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد لبالمر "مستشرق".
2- هَارُون الرشيد "فلبي" تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ عبد الفتاح السرنجاوي.
3- الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة "ابْن كثير" 10: 213.
4 - اليعقوبي 3/ 139.
5- المقريزي = الذَّهَب المسبوك 47- 58.
الجزء 1 · صفحة 12
6- ابْن النديم = الفهرست 6: 69.
7- تَارِيخ الْأُمَم والملوك = تَارِيخ الطَّبَرِيّ 10/ 47- 110.
8- البدء والتاريخ 6/ 101.
9- المَسْعُودِيّ = مروج الذَّهَب 2/ 207- 231.
10- تَارِيخ بَغْدَاد 14.
11- تراجم إسلامية 11.
12- مُخْتَصر تَارِيخ الْعَرَب = سيد أَمِير عَليّ.
وَكتبه المحققان
طه عبد الرءوف سعد (من عُلَمَاء الأزهرالشريف)
سعد حسن مُحَمَّد (مدرس بالأزهر الشريف)
الجزء 1 · صفحة 13
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
"هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ"
أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَدَامَ لَهُ الْعِزَّ فِي تَمَامٍ مِنَ النِّعْمَةِ، وَدَوَامٍ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَجَعَلَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مَوْصُولا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ وَلا يَزُولُ، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَأَلَنِي أَنْ أَضَعَ لَهُ كِتَابًا جَامِعًا يَعْمَلُ بِهِ فِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَالْعُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْجَوَالِي1، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ رَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالصَّلاحَ لأَمْرِهِمْ. وَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَدَّدَهُ وَأَعَانَهُ عَلَى مَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ، وَسَلَّمَهُ مِمَّا يَخَافُ وَيَحْذَرُ.
وَطَلَبَ أَنْ أُبَيِّنَ لَهُ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ مِمَّا يُرِيدُ الْعَمَلَ بِهِ، وَأُفَسِّرَهُ وَأَشْرَحَهُ. وَقَدْ فَسَّرْتُ ذَلِكَ وَشَرَحْتُهُ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ -وَلَهُ الْحَمْدُ- قَدْ قَلَّدَكَ أَمْرًا عَظِيمًا: ثَوَابُهُ أَعْظَمُ الثَّوَابِ، وَعِقَابُهُ أَشَدُّ الْعِقَابِ؛ قَلَّدَكَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ وَأَنْتَ تَبْنِي لِخَلْقٍ كَثِيرٍ قَدِ اسْتَرْعَاكَهُمُ اللَّهُ وَائْتَمَنَكَ عَلَيْهِمْ وَابْتَلاكَ بِهِمْ وَوَلاكَ أَمْرَهُمْ، وَلَيْسَ يَلْبَثُ الْبُنْيَانُ إِذَا أُسِّسَ عَلَى غَيْرِ التَّقْوَى أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَيَهْدِمَهُ عَلَى مَنْ بَنَاهُ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ2؛ فَلا تُضَيِّعَنَّ مَا قَلَّدَكَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَالرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ الْقُوَّةَ فِي الْعَمَلِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
لَا تُؤَخِّرْ عَمَلَ الْيَوْمِ إِلَى غَدٍ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَضَعْتَ. إِنَّ الأَجَلَ دُونَ الأَمَلِ، فَبَادِرِ الأَجَلَ بِالْعَمَلِ، فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ بَعْدَ الأَجَلِ. إِنَّ الرُّعَاةَ مُؤَدُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مَا يُؤَدِّي الرَّاعِي إِلَى رَبِّهِ. فَأَقِمِ الْحَقَّ فِيمَا وَلاكَ اللَّهُ وَقَلَّدَكَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَإِنَّ أَسْعَدَ الرُّعَاةِ عِنْدَ الله يَوْم
1 الجوالي والمفرد جالية، وَهِي لَفْظَة تطلق فِي الأَصْل على أَيَّة جمَاعَة تنْتَقل من وطنها إِلَى وَطن غَيره، وَمن هُنَا أطلق على أهل الذِّمَّة الَّذين أجلاهم عمر عَن جَزِيرَة الْعَرَب، ثمَّ نقل اللَّفْظ إِلَى الْجِزْيَة الَّتِي أخذت مِنْهُم.
2 إِشَارَة إِلَى قَول الله تَعَالَى {قد مكر الَّذين من قبلهم فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم} [النَّحْل: 26] .
الجزء 1 · صفحة 14
الْقِيَامَةِ رَاعٍ سَعِدَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ، وَلا تَزِغْ فَتَزِيغَ رَعِيَّتُكَ، وَإِيَّاكَ الْأَمر بِالْهَوَى وَالأَخْذَ بِالْغَضَبِ.
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلآخِرَةِ وَالآخَرُ لِلدُّنْيَا، فَاخْتَرْ أَمْرَ الآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الآخِرَةَ تَبْقَى وَالدُّنْيَا تَفْنَى.
وَكُنْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاجْعَلِ النَّاسَ عِنْدَكَ فِي أَمْرِ اللَّهِ سَوَاءً: الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَلا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
وَاحْذَرْ فَإِنَّ الْحَذَرَ بِالْقَلْبِ وَلَيْسَ بِاللِّسَانِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّمَا التَّقْوَى بِالتَّوَقِّي، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَقِهْ.
وَاعْمَلْ لأَجَلٍ مَفْضُوضٍ، وَسَبِيلٍ مَسْلُوكٍ، وَطَرِيقٍ مَأْخُوذٍ، وَعَمَلٍ مَحْفُوظٍ، وَمَنْهَلٍ مَوْرُودٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَوْرِدُ الْحَقُّ وَالْمَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي تَطِيرُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَتَنْقَطِعُ فِيهِ الْحُجَجُ لِعِزَّةِ مَلِكٍ قَهَرَهُمْ جَبَرُوتُهُ، وَالْخَلْقُ لَهُ دَاخِرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَنْتَظِرُونَ قَضَاءَهُ وَيَخَافُونَ عُقُوبَتَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ. فَكَفَى بِالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ يَوْمَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ لِمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ، يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ وتتغير فِيهِ الألوان، ويطاول فِيهِ الْقِيَامُ، وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الْحَج: 47] وَقَالَ تَعَالَى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الدُّخان: 40] وَقَالَ تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الْأَحْقَاف: 35] وَقَالَ: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] فيا لَهَا مِنْ عَثْرَةٍ لَا تُقَالُ1، وَيَا لَهَا مِنْ نَدَامَةٍ لَا تَنْفَعُ.
إِنَّمَا هُوَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ، وَيَجْزِي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ؛ فَاللَّهَ اللَّهَ فَإِنَّ الْبَقَاءَ قَلِيلٌ وَالْخَطْبُ خَطِيرٌ وَالدُّنْيَا هَالِكَةٌ وَهَالِكٌ مَنْ فِيهَا، وَالآخِرَةُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. فَلا تَلْقَ اللَّهَ غَدًا وَأَنْتَ سَالِكٌ سَبِيلَ الْمُعْتَدِينَ فَإِنَّ دَيَّانَ يَوْمِ الدِّينِ إِنَّمَا يَدِينُ الْعِبَادَ بأعمالهم وَلَا يدين بمنازلهم. وَقد حذرت اللَّهُ فَاحْذَرْ، فَإِنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا، وَلَنْ تُتْرَكَ سُدًى. وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ وَعَمَّا عَمِلْتَ بِهِ، فَانْظُرْ مَا الْجَواب.
1 لَا ترفع.
الجزء 1 · صفحة 15
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ تَزُولَ غَدًا قَدَمَا عَبْدٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلا مِنْ بَعْدِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَن أَربع: عَن علمه مَا عَمِلَ فِيهِ،. وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ"؟ فَاعْدِدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابَهَا فَإِنَّ مَا عَمِلْتَ فَأَثْبَتَّ فَهُوَ عَلَيْكَ غَدًا يُقْرَأُ، فَاذْكُرْ كَشْفَ قِنَاعِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي مَجْمَعِ الأَشْهَادِ.
وَإِنِّي أُوصِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِحِفْظِ مَا اسْتَحْفَظَكَ اللَّهُ وَرِعَايَةِ مَا اسْتَرْعَاكَ اللَّهُ، وَأَنْ لَا تَنْظُرَ فِي ذَلِكَ إِلا إِلَيْهِ وَلَهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَتَوَعَّرُ عَلَيْكَ سُهُولَةُ الْهُدَى، وَتَعْمَى فِي عَيْنِكَ وَتَتَعَفَّى رُسُومُهُ وَيَضِيقُ عَلَيْكَ رَحْبُهُ وَتُنْكِرُ مِنْهُ مَا تَعْرِفُ وَتَعْرِفُ مِنْهُ مَا تُنْكِرُ؛ فَخَاصِمْ نَفْسَكَ خُصُومَةَ مَنْ يُرِيدُ الْفَلَجَ1 لَهَا لَا عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الرَّاعِيَ الْمُضَيِّعَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ عَلَى يَدَيْهِ مِمَّا لَوْ شَاءَ رَدَّهُ عَنْ أَمَاكِنِ الْهَلَكَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَوْرَدَهُ أَمَاكِنَ الْحَيَاةِ وَالنَّجَاةِ؛ فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ أَضَاعَهُ وَإِنْ تَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ كَانَتِ الْهَلَكَةُ عَلَيْهِ أَسْرَعُ وَبِهِ أَضَرُّ، وَإِذَا أَصْلَحَ كَانَ أَسْعَدَ مَنْ هُنَالِكَ بِذَلِكَ وَوَفَّاهُ اللَّهُ أَضْعَافَ مَا وَفَّى لَهُ.
فَاحْذَرْ أَنْ تُضَيِّعَ رَعِيَّتَكَ فَيَسْتَوْفِي رَبُّهَا حَقَّهَا مِنْكَ وَيُضَيِّعُكَ -بِمَا أَضَعْتَ- أَجْرَكَ وَإِنَّمَا يُدْعَمُ الْبُنْيَانُ قَبْلَ أَنْ يَنْهَدِمَ.
وَإِنَّمَا لَكَ مِنْ عَمَلِكَ مَا عَمِلْتَ فِيمَنْ وَلاكَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَعَلَيْكَ مَا ضَيَّعْتَ مِنْهُ؛ فَلا تَنْسَ الْقِيَامَ بِأَمْرِ مَنْ ولاك أَمْرَهُ فَلَسْتَ تُنْسَى. وَلا تَغْفَلْ عَنْهُمْ وَعَمَّا يُصْلِحُهُمْ فَلَيْسَ يُغْفَلُ عَنْكَ. وَلا يَضِيعُ حَظُّكَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ والليالي كَثْرَة تَحْرِيم لِسَانِكَ فِي نَفْسِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلا وَتَحْمِيدًا وَالصَّلاةِ عَلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَإِمَامِ الْهُدَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِنَّ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ جَعَلَ وُلاةَ الأَمْرِ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ، وَجَعَلَ لَهُم نورا يضيء لِلرَّعِيَّةِ مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُبَيِّنُ مَا اشْتَبَهَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ. وَإِضَاءَةُ نُورِ وُلاةِ الأَمْرِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ وَرَدُّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا بِالتَّثَبُّتِ وَالأَمْرِ الْبَيِّنِ وَإِحْيَاءِ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا الْقَوْمُ الصَّالِحُونَ أَعْظَمُ مَوْقِعًا، فَإِنَّ إِحْيَاءَ السُّنَنِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي يَحْيَا وَلا يَمُوتُ. وَجَوْرُ الرَّاعِي هَلاكٌ لِلرَّعِيَّةِ، وَاسْتِعَانَتُهُ بِغَيْرِ أهل الشقة وَالْخَيْرِ هَلاكٌ لِلْعَامَّةِ. فَاسْتَتِمَّ مَا آتَاكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النِّعَمِ بِحُسْنِ مُجَاوَرَتِهَا، وَالْتَمِسِ الزِّيَادَةَ فِيهَا بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفرْتُمْ إِن عَذَابي
1 أَي الظفر.
الجزء 1 · صفحة 16
لَشَدِيدٌ} [إِبْرَاهِيم: 7] . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الإِصْلاحِ، وَلا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالْعَمَلُ بِالْمَعَاصِي كُفْرُ النِّعَمِ، وَقَلَّ مَنْ كَفَرَ مِنْ قَوْمِ قَطُّ النِّعْمَةَ ثُمَّ لَمْ يَفْزَعُوا إِلَى التَّوْبَةِ إِلا سُلِبُوا عِزَّهُمْ وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ.
وَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْكَ بِمَعْرِفَتِهِ فِيمَا أَوْلاكَ أَنْ لَا يَكِلَكَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ إِلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ يَتَوَلَّى مِنْكَ مَا تَوَلَّى مِنْ أَوْلِيَائِهِ وأحبائه؛ فَإِنَّهُ ولي ذَلِك والمرغبون إِلَيْهِ فِيهِ.
وَقَدْ كَتَبْتُ لَكَ مَا أَمَرْتَ بِهِ وَشَرَحْتُهُ لَكَ وَبَيَّنْتُهُ، فَتَفَقَّهْهُ وَتَدَبَّرْهُ وَرَدِّدْ قِرَاءَتَهُ حَتَّى تَحْفَظَهُ، فَإِنِّي قَدِ اجْتَهَدْتُ لَكَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ آلُكَ وَالْمُسْلِمِينَ نُصْحًا، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ وَخَوْفَ عِقَابِهِ. وَإِنِّي لأَرْجُو -إِنْ عَمِلْتَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ- أَنْ يُوَفِّرَ اللَّهُ لَكَ خَرَاجَكَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمِ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهَدٍ، وَيُصْلِحَ لَكَ رَعِيَّتَكَ فَإِنَّ صَلاحَهُمْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ وَرَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَالتَّظَالُمِ فِيمَا اشْتَبَهَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ. وَكَتَبْتُ لَكَ أَحَادِيثَ حَسَنَةً، فِيهَا تَرْغِيبٌ وتحضيض مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، مِمَّا تُرِيدُ الْعَمَلَ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَوَفَّقَكَ اللَّهُ لِمَا يُرْضِيهِ عَنْكَ، وَأصْلح بك، وعَلى يَديك.
الجزء 1 · صفحة 17
الْأَحَادِيث الَّتِي رغب فِيهَا أَبُو يُوسُف الْخَلِيفَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنَ النَّارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ تَضْرِبَ بِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ تَضْرِبَ بِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ، (قَالَهَا ثَلاثًا) "
وَإِنَّ فَضْلَ الْجِهَادِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَعَظِيمٌ وَإِنَّ الثَّوَاب عَلَيْهِ لجزيل.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ1 أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ فَمَشَى مَعَهُمْ نَحْوًا مِنْ مِيلَيْنِ. فَقِيل لَهُ: يَا خَليفَة رَسُول الله، لم انْصَرَفْتَ. فَقَالَ: لَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ على النَّار".
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". وَبَلَغَنَا عَنْ مَكْحُولٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" إِنَّمَا هُوَ غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ تخرج فِيهَا بِنَفْسِك خير م الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا تُنْفِقُهَا وَلا تخرج بِنَفْسِك.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِيَ السَّلامَ".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَا جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ: قَالَ قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ قَالَ: خَطَبَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ النَّاسَ
1 يقْصد عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُمَا.
الجزء 1 · صفحة 18
فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلا وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ الْخَيْرَ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ"، وَإِنَّ الشَّرَّ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ، أَلا وَإِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ: فَمَتَى مَا كُشِفَ لِلرَّجُلِ حِجَابٌ كُرْهٍ فَصَبَرَ أَشْرَفَ عَلَى الْجَنَّةِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَتَى مَا كُشِفَ لِلرَّجُلِ حِجَابَ هَوًى وَشَهْوَةٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّارِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا؛ أَلا فَاعْمَلُوا بِالْحَقِّ لِيَوْمٍ لَا يقْضِي يه إِلا بِالْحَقِّ؛ تَنْزِلُوا مَنَازِلَ الْحَقِّ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَنَا مِنَ السَّمَاءِ سَمِعَ دَوِيًّا، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا"؟ قَالَ: حَجَرٌ قُذِفَ بِهِ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمٍ فَهُوَ يَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَالآنَ حِينَ انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُرْسَلُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْبُكَاءُ فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثمَّ يَبْكُونَ حَتَّى يكون من وجوهم كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ1 ثُمَّ يَسْتَجِيزُ النَّاسُ: فَنَاجٍ مُسَلَّمٍ، وَمَخْدُوشٌ ثُمَّ نَاجٍ، وَمُحْتَبِسٌ مَنْكُوسٌ فِيهَا".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَامِرٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الأَعْمَالِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ؛ فَلَمَّا انتهينا إِلَى الْقَبْر جِئْنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَدَرْتُ فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: "إِخْوَانِي، لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الْفَضْلِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ لَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الْوَحْدَةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خطر على
1 نَبَات لَهُ شوك فظيع.
الجزء 1 · صفحة 19
قَلْبِ بَشَرٍ. اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السَّجْدَة: 17] وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الْوَاقِعَة: 30] ، وَلَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمرَان: 185] .
قَالَ أَبُو يُوسُف: وحَدثني الْفضل بن مَرْزُوق بن عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْحُلَمَاءَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي السُّمَحَاءِ. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ بَلاءً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ السُّفَهَاءَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي الْبُخَلاءِ. أَلا مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ حَاجَتِهِ، وَمَنِ احْتَجَبَ عَنْهُمْ دُونَ حَوَائِجِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ أَتَى بِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ إِثْمُهُ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإِمْرَةَ، فَقَالَ: "أَنْتَ ضَعِيفٌ وَهِيَ أَمَانَةٌ وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ فِيهَا".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْتَحِفًا بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَهُ تَحْتَ إِبِطِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ الْإِمَامَ فَقَدْ أَطَاعَنِي. وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى الْإِمَامَ فَقَدْ عَصَانِي".
الجزء 1 · صفحة 20
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ حَبِيبٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُشْهِرَ السِّلاحَ عَلَى إِمَامِكَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ خَالِدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَالإِسْلامَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن عَبْدِ السَّلامِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَقَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا: "فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلاثٌ لَا يُغَلُّ عَلَيْهِمْ قَلْبُ مُؤْمِنٍ1: إِخْلاصُ الْعَمَلِ للَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِوُلاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي غَيْلانُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمَدَانِيُّ عَن أبي بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَمَرَنَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَسُبَّ أمرءانا، وَلا نَغِشَّهُمْ، وَلا نَعْصِيَهُمْ، وَأَنْ نَتَّقِي اللَّهَ وَنَصْبِرَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَسُبُّوا الْوُلاةَ؛ فَإِنَّهُمْ إِنْ أَحْسَنُوا كَانَ لَهُمْ الأَجْرُ وَعَلَيْكُمُ الشُّكْرُ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرُ؛ وَإِنَّمَا هُمْ نِقْمَةٌ يَنْتَقِمُ اللَّهُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاءُ؛ فَلا تَسْتَقْبِلُوا نِقْمَةَ اللَّهِ بِالْحَمِيَّةِ وَالْغَضَبِ، وَاسْتَقْبِلُوهَا بِالاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ؛ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا مُعَاذُ أَطِعْ كُلَّ أَمِيرٍ، وَصَلِّ خَلْفَ كُلِّ إِمَامٍ، وَلا تَسُبَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّكُم تقرؤون هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [الْمَائِدَة: 105] وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ؛ فَإِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فَلَمْ تُنْكَرَ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ جَمِيعًا.
1 أَي لَا يخون يها.
الجزء 1 · صفحة 21
وَصَايَا أبي بكر لعمر وَالْمُسْلِمين رَضِي الله عَنْهُم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ أَوْ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَخْلِفُهُ؛ فَقَالَ النَّاسُ: أَتُخَلِّفُ عَلَيْنَا فَظًّا غَلِيظًا، لَوْ قَدْ مَلَكَنَا كَانَ أَفَظَّ وَأَغْلَظَ؟ فَمَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا لَقِيتَهُ وَقَدِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ: أَتُخَوِّفُونِي بِرَبِّي؟ أَقُولُ: اللَّهُمَّ أَمَّرْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ وَهُوَ مُدْرِكُكَ. وَإِنْ ضَيَّعْتَهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ وَلَنْ تُعْجِزَهُ.
إِنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حَقًّا فِي اللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ فِي اللَّيْلِ، وَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ نَافِلَةٌ حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ؛ وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ إِلا الْبَاطِلَ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا؛ وَإِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ إِلا الْحَقَّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلا. فَإِنْ أَنْتَ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي هَذِهِ فَلا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ. وَلا بُدَّ لَكَ مِنْهُ. وَإِنْ أَنْتَ ضَيَّعْتَ وَصِيَّتِي هَذِهِ فَلا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَبْغَضَ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَنْ تُعْجِزَهُ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي إِنَّمَا اسْتَخْلَفْتُكَ نَظَرًا لِمَا خَلَّفْتُ وَرَائِي، وَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ مِنْ أَثَرَتِهِ أَنْفُسَنَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلَنَا عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَظَلُّ نُهْدِي إِلَى أَهْلِهِ مِنْ فُضُولِ مَا يَأْتِينَا عَنْهُ، وَقَدْ صَحِبْتَنِي فَرَأَيْتَنِي إِنَّمَا اتَّبَعْتُ سَبِيلَ مَنْ كَانَ قَبْلِي: وَاللَّهِ مَا نمت فَحملت وَلا تَوَهَّمْتُ فَسَهَوْتُ، وَإِنِّي لَعَلَى السَّبِيلِ مَا زِغْتُ. وَإِنَّ أَوَّلَ مَا أُحَذِّرُكَ يَا عُمَرُ نَفْسَكَ، إِنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ شَهْوَةً فَإِذَا أَعْطَيْتَهَا تَمَادَتْ فِي غَيْرِهَا. وَاحْذَرْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذين قد انتفحت أَجْوَافُهُمْ وَطَمَحَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَحِبَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَإِنَّ لَهُمْ
الجزء 1 · صفحة 22
لَحَيْرَةٌ عِنْدَ زَلَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مِنْكَ خَائِفِينَ مَا خِفْتَ اللَّهَ، وَلَكَ مُسْتَقِيمِينَ مَا اسْتَقَامَتْ طَرِيقَتُكَ. هَذِهِ وَصِيَّتِي وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَأَنْ تَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بالرهبة وتجمعوا الْإِلْحَاق بالمساءلة فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 90] ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ أَنْفُسَكُمْ وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَكُمْ وَاشْتَرَى مِنْكُمْ الْقَلِيلَ الْفَانِي بِالْكَثِيرِ الْبَاقِي وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ فِيكُمْ لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَلا يُطْفَأُ نُورُهُ، فَصَدِّقُوا بِقَوْلِهِ، وَاسْتَنْصِحُوا كِتَابَهُ، وَاسْتَبْصِرُوا مِنْهُ لِيَوْمِ الظُّلْمَةِ فَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ وَوُكِّلَ بِكُمُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ. ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمَهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْقَضِي الآجَالُ وَأَنْتُمْ فِي عَمَلِ لِلَّهِ فَافْعَلُوا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلا بِاللَّهِ، فَسَابِقُوا فِي ذَلِكَ مَهْلَ آجَالِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِي فَيَرُدَّكُمْ إِلَى أَسْوَأِ أَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْهَاكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ. فَالْوَحَا الْوَحَا1 النَّجَا النَّجَا، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا أمره سريع.
1 يحضهم على سرعَة الِامْتِثَال.
من وَصَايَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ "وَأَكْثَر عَلَيْهِ" فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: اسْكُتْ فَقَدْ أَكْثَرْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعْهُ، لَا خَيْرَ فِيهِمْ إِنْ لَمْ يَقُولُوهَا لَنَا، وَلا خَيْرَ فِينَا إِنْ لَمْ نَقْبَلْ. وَأَوْشَكَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى قَائِلِهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَنَا عَلَيْكُمْ حَقَّ النَّصِيحَةِ بِالْغَيْبِ وَالْمَعُونَةِ عَلَى الْخَيْرِ. أَيُّهَا الرِّعَاءُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْمٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَلا أَعَمَّ نَفْعًا مِنْ حِلْمِ إِمَامٍ وَرِفْقِهِ، وَلَيْسَ مِنْ جَهْلٍ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ وَأَعَمَّ ضَرَرًا مِنْ جَهْلِ إِمَامٍ وَخَرَقِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذْ بِالْعَافِيَةِ فِيمَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ يُعْطَ الْعَافِيَةِ مِنْ فَوْقِهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: دخلت على عمر
الجزء 1 · صفحة 23
حِينَ طُعِنَ فَقُلْتُ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمْتَ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ، وَجَاهَدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْك رَاض، وَلم يخْتل فِي خِلافَتِكَ اثْنَانِ، وَقُتِلْتَ شَهِيدًا؛ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ1 لِي لافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْكِلاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَهْلِكُ مَنْ سِوَاهُ، الَّذِي بِطَاعَتِهِ يَنْتَفِعُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَبِمَعْصِيَتِهِ يُضَرُّ أَعْدَاؤُهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِهَالِكٍ هَلَكَ مَعْذِرَةٌ فِي تَعَمُّدِ ضَلالَةٍ حَسِبَهَا هُدًى، وَلا فِي تَرْكِ حَقٍّ حَسِبَهُ ضَلالَةً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَا تَعَهَّدَ الرَّاعِي مِنْ رَعِيَّتِهِ تَعَهُّدُهُمْ بِالَّذِي لِلَّهِ عَلَيْهِمْ فِي وَظَائِفِ دِينِهِمْ الَّذِي هَدَاهُمْ اللَّهُ لَهُ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَكُمْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَأَنْ نَنْهَاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَنْ نُقِيمَ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَرِيبِ النَّاسِ وَبَعِيدِهِمْ وَلا نُبَالِي عَلَى مَنْ كَانَ الْحَقُّ.
أَلا وَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلاةَ وَجَعَلَ لَهَا شُرُوطًا، فَمِنْ شُرُوطِهَا: الْوُضُوءُ وَالْخُشُوعُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ.
وَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ وَأَنَّ الْيَأْسَ غِنًى، وَفِي الْعِزْلَةِ رَاحَةٌ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَرْضَ عَنِ اللَّهِ فِيمَا أُكْرِهَ مِنْ قَضَائِهِ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ فِيمَا يُحِبُّ كُنْهَ شُكْرِهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عبادا يميتون الْبَاطِل بهرجه وَيُحْيُونَ الْحَقَّ بِذِكْرِهِ رَغِبُوا فَرُغِبُوا وَرَهِبُوا فَرُهِبُوا، أَنْ خَافُوا فَلا يَأْمَنُوا، أَبْصَرُوا مِنَ الْيَقِينِ مَا لَمْ يُعَايِنُوا فَخَلَصُوا بِمَا لَمْ يُزَايِلُوا. أَخْلَصَهُمُ الْخَوْفُ فَهَجَرُوا مَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ لِمَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ، الْحَيَاةُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ وَالْمَوْتُ لَهُمْ كَرَامَة.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ زُبَيْدٍ الأَيَامِيِّ2 قَالَ: لَمَّا أَوْصَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أُوصِي الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوُصِيهِ بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ3 أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الأَمْصَارِ؛ فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلامِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ وَجُبَاةُ الْمَالِ، أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضلهمْ عَمَّن رَضًى مِنْهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَعْرَابِ، فَإِنَّهُمْ أصل
1 أَي الذَّهَب وَالْفِضَّة.
2 هَكَذَا فِي الْأُصُول وَفِي ميزَان الِاعْتِدَال "زبيد بن الْحَارِث اليامي" وَهُوَ الصَّحِيح.
3 رَاجع تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ من هَاجر إِلَيْهِم} إِلَخ.
الجزء 1 · صفحة 24
الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلامِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَوَاشِيَ أَمْوَالِهِمْ فَيَرُدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَهَ الْيَعْمُرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ خَطِيبًا؛ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَبِيَّ الله صلى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَار فَإِنِّي إِنَّمَا بعثتهم ليعملوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُقَسِّمُوا فِيهِمْ فيأهم وَيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ؛ فَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ رَفَعَهُ إِلَيَّ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ خَيْرٌ لِي، أَمْ أُقْبِلُ عَلَى نَفْسِي؟ فَقَالَ: أَمَّا مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا فَلا يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَمَنْ كَانَ خِلْوًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيُقْبِلْ عَلَى نَفْسِهِ وَلْيَنْصَحْ لِوَلِيِّ أَمْرِهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَعْتَرِضْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، وَاعْتَزِلْ عَدُوَّكَ، وَاحْتَفِظْ مِنْ خَلِيلِكَ إِلا الأَمِينَ فَإِنَّ الأَمِينَ مِنَ الْقَوْمِ لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ. وَلا تَصْحَبِ الْفَاجِرَ فَيُعَلِّمُكَ مِنْ فُجُورِهِ. وَلا تُفْشِ إِلَيْهِ سِرَّكَ. وَاسْتَشِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَسْعَدَ الرُّعَاةِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ سَعِدَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ، وَإِنَّ أَشْقَى الرُّعَاةِ مَنْ شَقِيَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَزِيغَ فَتَزِيغَ عُمَّالُكَ فَيَكُونُ مَثَلُكَ عِنْدَ اللَّهِ مَثَلُ الْبَهِيمَةِ نَظَرَتْ إِلَى خطرة مِنَ الأَرْضِ فَرَتَعَتْ فِيهَا تَبْتَغِي بِذَلِكَ السِّمَنَ؛ وَإِنَّمَا حَتْفُهَا فِي سِمَنِهَا1. وَالسَّلامُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ لَا يُضَارِعَ، وَلا يُصَانِعُ، وَلا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ. وَلا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ لَا يَنْتَقِصُ غَرَبُهُ، وَلا يَكْظِمُ فِي الْحَقِّ عَلَى حزبه.
1 تَأْكُل فَوق طاقتها فتنفق "تَمُوت" أَو يذبحها أَهلهَا للِانْتِفَاع بلحمها.
الجزء 1 · صفحة 25
من آثَار عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فِي النَّصِيحَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلا تَبْكِي؛ وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدَّ مِنْهُ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلا والقبر أفظع مِنْهُ".
من مواعظ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَسَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ قَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حِينَ اسْتُخْلِفَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَلْحَقَ صَاحِبَكَ فَارْقِعِ الْقَمِيصَ، وَنَكِّسِ الإِزَارَ وَاخْصِفِ النَّعْل، وارفع الْخُفَّ، وَقَصِّرِ الأَمَلَ، وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ:: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً وَلَّى أَمْرَهَا رَجُلا ثُمَّ قَالَ لَهُ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي لَا بُد لَكَ مِنْ لِقَائِهِ وَلا مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ. وَعَلَيْكَ بِالَّذِي بُعِثْتَ لَهُ، وَعَلَيْكَ بِالَّذِي يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ فِيمَا عِنْدَ اللَّهَ خَلَفًا مِنَ الدُّنْيَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْبَجَلِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ.
قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عُكْبُرَاءَ فَقَالَ لِي: -وَأَهْلُ الأَرْضِ معي يسمعُونَ- انْظُرْ أَنْ تَسْتَوْفِيَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ. وَإِيَّاكَ أَنْ تُرَخِّصَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ وَإِيَّاكَ أَنْ يَرَوْا مِنْكَ ضَعْفًا، ثُمَّ قَالَ: رُحْ إِلَيَّ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَرُحْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ الظُّهْرِ فَقَالَ لِي: إِنَّمَا أَوْصَيْتُكَ بِالَّذِي أَوْصَيْتُكَ بِهِ قُدَّامَ أَهْلِ عَمَلِكَ لأَنَّهُمْ قَوْمُ خِدَعٍ، انْظُرْ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِمْ فَلا تَبِيعَنَّ لَهُمْ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلا صيفا، وَلا رِزْقًا يَأْكُلُونَهُ، وَلا دَابَّةً يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا، وَلا تَضْرِبَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَوْطًا وَاحِدًا فِي دِرْهَمٍ، وَلا تُقِمْهُ عَلَى رِجْلِهِ فِي طَلَبِ دِرْهَمٍ، وَلا تَبِعْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ عَرَضًا1 فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَرَاجِ؛ فَإِنَّا إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمُ الْعَفْوَ2. فَإِنْ أَنْتَ خَالَفْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ يَأْخُذُكَ اللَّهُ بِهِ دُونِي وَإِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ خِلافَ ذَلِكَ عَزَلْتُكَ. قَالَ قُلْتُ إِذَنْ أَرْجِعُ إِلَيْكَ كَمَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ. قَالَ: وَإِنْ رَجَعْتَ كَمَا خَرَجْتَ. قَالَ فَانْطَلَقْتُ فَعَمِلْتُ بِالَّذِي أَمَرَنِي بِهِ، فَرَجَعْتُ وَلم أنتقص من الْخراج شَيْئا.
1 هُوَ مَا سوى الذَّهَب وَالْفِضَّة.
2 هُوَ مَا زَاد عَن حَاجتهم.
الجزء 1 · صفحة 26
من سيرة خَامِس الْخُلَفَاء الرَّاشِدين:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ جَعَلْتُ إِلَيْهِ نَظَرًا لَا أَصْرِفُ نَظَرِي عَنْهُ تَعَجُّبًا؛ فَقَالَ: يَا ابْنَ كَعْبٍ إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرًا مَا كُنْتَ تَنْظُرُهُ إِلَيَّ قَبْلُ. قَالَ قُلْتُ: تَعَجُّبًا قَالَ: وَمَا عَجَبُكَ؟ قَالَ قُلْتُ: مَا حَالَ مِنْ لَوْنِكَ، وَنَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ، وَعَفَا مِنْ شَعْرِكَ، قَالَ: فَكَيْفَ لَو رَأَيْتنِي بعد ثَلَاث، وَقد دُلِّيتُ فِي حُفْرَتِي، وَسَالَتْ حَدَقَتَايَ عَلَى وَجْنَتَيَّ، وَسَالَ مِنَخَرايَ صَدِيدًا وَدَمًا؛ لَكُنْتَ لِي أَشَدَّ نُكْرَةً!
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ هِمَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلا رَدُّ الْمَظَالِمِ وَالْقَسْمُ فِي النَّاسِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَكَثَ شَهْرَيْنِ مُقْبِلا عَلَى بَثِّهِ وَحُزْنِهِ لِمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. ثُمَّ أَخَذَ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا، حَتَّى كَانَ هَمُّهُ بِالنَّاسِ أَشَدَّ مِنْ هَمِّهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، فَعَمِلَ بِذَلِك حَتَّى انْقَضَى أَجَلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَلَمَّا هَلَكَ جَاءَ الْفُقَهَاءُ إِلَى زَوْجَتِهِ يُعَزُّونَهَا وَيَذْكُرُونَ عِظَمَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي أُصِيبَ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلامِ لِمَوْتِهِ؛ فَقَالُوا لَهَا: أَخْبِرِينَا عَنْهُ، فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالرَّجُلِ أَهْلُهُ.
قَالَ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ بِأَكْثَرِكُمْ صَلاةً وَلا صِيَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ عَبْدًا للَّهِ كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا لِلَّهِ مِنْ عُمَرَ. كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ فَرَّغَ بَدَنَهُ وَنَفْسَهُ لِلنَّاسِ؛ فَكَانَ يَقْعُدُ لِحَوَائِجِهِمْ يَوْمَهُ فَإِذَا أَمْسَى -وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ حَوَائِجِهِمْ- وَصَلَهُ بِلَيْلَتِهِ؛ فَأَمْسَى يَوْمًا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فَدَعَا بِمِصْبَاحٍ قَدْ كَانَ يَسْتَصْبِحُ بِهِ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْعَى وَاضِعًا يَدَهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَرِقَ الْفَجْرُ فَأَصْبَحَ صَائِمًا.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لشَيْء مَا كَانَ مِنْكَ مَا رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي قَدْ وَجَدْتُنِي وُلِّيتُ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَسْوَدِهَا وَأَحْمَرِهَا فَذَكَرْتُ الْغَرِيبَ الْقَانِعَ الضَّائِعَ، وَالْفَقِيرَ الْمُحْتَاجَ، وَالأَسِيرَ الْمَقْهُورَ وَأَشْبَاهَهُمْ فِي أَطْرَافِ الأَرْضِ؛ فَعَلِمْتُ أَن الله تَعَالَى ساءلني عَنْهُمْ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجِيجِي فِيهِمْ؛ فَخِفْتُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِي عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ، وَلا يَقُومُ لِي مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً، فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي.
الجزء 1 · صفحة 27
وَوَاللَّه إِنْ كَانَ عُمَرُ لَيَكُونُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ سُرُورُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ1 فَيَذْكُرُ الشَّيْءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؛ فَيَضْطَرِبُ كَمَا يَضْطَرِبُ الْعُصْفُورُ قَدْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ بُكَاؤُهُ حَتَّى أَطْرَحَ اللِّحَافَ عَنِّي وَعَنْهُ رَحْمَةً لَهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ لَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الإِمَارَةِ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا الْكُوفِيِّينَ. قَالَ قَالَ لِي شَيْخٌ بِالْمَدِينَةِ: رَأَيْت عمر بن عبد الْعَزِيز بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ من أَحْسَنُ النَّاسِ لِبَاسًا، وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، وَمِنْ أَخْيَلِهِمْ فِي مِشْيَتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ أَنْ وَلِيَ الْخِلافَةِ يَمْشِي مِشْيَةَ الرُّهْبَانِ. قَالَ: فَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ الْمِشْيَةَ سَجِيَّةً2 فَلا تُصَدِّقْهُ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، قَالَ: غَضِبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ -وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ- وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُهُ حَاضِرٌ؛ فَلَمَّا سَكَنَ غَضَبُهُ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَدْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَكَ وَمَوْضِعِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَمَا وَلاكَ مِنْ أَمْرِ عِبَادِهِ أَنْ يَبْلُغَ بِكَ الْغَضَبُ مَا أَرَى؟ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلامَهُ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَا تَغْضَبُ أَنْتَ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ؟ قَالَ: مَا يُغْنِي عَنِّي جَوْفِي إِنْ لَمْ أَرُدَّ الْغَضَبَ فِيهِ حَتَّى لَا يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ.
1 حينما يخْتَلى الرجل مَعَ أَهله وَالْحَال أَنه قد ينسى كل شَيْء كَانَ ابْن عبد الْعَزِيز يخْشَى الله فِي مثل تِلْكَ الْحَال.
2 أَي طيعة لَا تَتَغَيَّر.
الجزء 1 · صفحة 28
بَاب فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ إِذَا أُصِيبَتْ مِنَ الْعَدو
مدْخل
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ إِذَا أُصِيبَتْ مِنَ الْعَدُوِّ وَكَيْفَ يُقَسَّمُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ بَيَانَ ذَلِكَ فِي كِتَابه فَقَالَ فِيمَا أنزر عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْأَنْفَال: 41] .
فَهَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- فِيمَا يُصِيبُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَسَاكِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَمَا أَجْلَبُوا بِهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلَاح والكراع "الْخَيل وَالسِّلَاح"؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْخُمُسُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الْجند الَّذين أَصَابُوا ذَلِكَ: مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَغَيْرِهِمْ، يُضْرَبُ لِلْفَارِسِ مِنْهُمْ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَلا يُفَضَّلُ الْخَيْلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النَّحْل: 8] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الْأَنْفَال: 60] وَالْعَرَبُ تَقُولُ هَذِهِ الْخَيْلُ، وَفَعَلَتِ الْخَيْلُ، لَا يَعْنُونَ بِذَلِك الْفرس دون البردون1 وَلَعَامَّةِ الْبَرَاذِينِ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْخَيْلِ وَأَوْفَقُ لِلْفُرْسَانِ وَلَمْ يخص مِنْهَا شَيْء دُونَ شَيْءٍ، وَلا يُفَضَّلُ الْفَرَسُ الْقَوِيُّ عَلَى الْفَرَسِ الضَّعِيفِ وَلا يُفَضَّلُ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ التَّامُّ السِّلاحِ عَلَى الرَّجُلِ الْجَبَانِ الَّذِي لَا سلَاح مَعَه إِلَّا سَيْفه.
مَا يُسهم للمجاهد وَمَا يُسهم لخيله:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُقْسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ شَهِدْتُ أَنَا وَأَخِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1 البرذون يُطلق على غير الْعَرَبِيّ من الْخَيل وَالْبِغَال عَظِيم الْخلقَة، غليظ الْأَعْضَاء، قوي الأرجل، عَظِيم الحوافر.
الجزء 1 · صفحة 29
حُنَيْنًا وَمَعَنَا فَرَسَانِ لَنَا؛ فَضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَسْهُمٍ أَرْبَعَةٌ لفرسينا وسهمين لنا فبعنا السِّتَّة الأسهم بحنين ببكرين1.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكَانَ الْفَقِيهُ الْمُقَدَّمُ2 أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لِلرَّجُلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَرَسِ سَهْمٌ. وَقَالَ: لَا أُفَضِّلُ بَهِيمَةٌ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ3. ويحتج بِمَا حَدثنَا عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي خَمِيصَةَ الْهَمْدَانِيِّ أَنَّ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَسَّمَ فِي بَعْضِ الشَّامِ لِلْفَارِسِ سَهْمٌ وَلِلرَّجُلِ سَهْمٌ؛ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَلَّمَهُ وَأَجَازَهُ؛ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَجْعَلُ لِلْفَرَسِ سَهْمًا وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا، وَمَا جَاءَ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ أَنَّ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْثَقُ، وَالْعَامَّةُ عَلَيْهِ لَيْسَ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّفْضِيلِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّفْضِيلِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَلِلرَّجُلِ سَهْمٌ؛ لأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَهِيمَةً بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ إِنَّمَا هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ عُدَّةُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ عُدَّةِ الآخَرِ، وَلِيُرَغِّبَ النَّاسَ فِي ارْتِبَاطِ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلا تَرَى أَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ إِنَّمَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ فَلا يَكُونُ لِلْفَرَسِ دُونَهُ، وَالْمُتَطَوِّعُ وَصَاحِبُ الدِّيوَانِ فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ؛ فَخُذْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ رَأَيْتَ، وَاعْمَلْ بِمَا ترى أَنه أفضل وَالْخَيْر لمسلمين فَإِن ذَلِكَ مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَسْتُ أَرَى أَنْ تَقْسِمَ لِلرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ4.
قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْغَزْوِ وَمَعَهُ الأَفْرَاسُ. قَالَ لَا يُقْسَمُ لَهُ مِنَ الْغَنِيمَة لأكْثر من فرسين.
قسْمَة خمس الْغَنِيمَة:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَن يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا يُقْسَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ، وَأَمَّا الْخُمُسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْخُمُسَ كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ سَهْمٌ، وَلِذِي الْقُرْبَى سهم، ولليتامى والمساكن وَابْن السَّبِيل ثَلَاثَة أسْهم.
1 الْبكر: الْفَتى من الْإِبِل.
2 هُوَ أول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَصْحَاب الْمذَاهب وجودا ووفاة.
3 لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك؛ وَلَكِن الْفرس يحْتَاج لمؤنة أَكثر من الْبشر ولأسباب أُخْرَى سيذكرها الْمُؤلف بعد.
4 فَلَا يَأْخُذ أَكثر من خَمْسَة أسْهم على القَوْل الْمَشْهُور أَو ثَلَاثَة أسْهم على رَأْي الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان -رَحمَه الله تَعَالَى-.
الجزء 1 · صفحة 30
ثُمَّ قَسَّمَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَى ثَلاثَةِ أَسْهُمٍ، وَسَقَطَ سَهْمُ الرَّسُول وَسَهْم ذِي القربي وَقسم على الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، ثُمَّ قَسَّمَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا قَسَّمَهُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّه قَالَ: عرض علينا عمر ابْن الْخَطَّابِ أَنْ نُزَوِّجَ مِنَ الْخُمُسِ أَيِّمَنَا1 وَنَقْضِيَ مِنْهُ عَنْ مُغْرِمِنَا؛ فَأَبَيْنَا إِلا أَنْ يُسَلِّمَهُ لَنَا وَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قُلْتُ لَهُ: مَا كَانَ رَأْي عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي الْخُمُسِ؟ قَالَ: كَانَ رَأْيُهُ فِيهِ رَأْيُ أَهْلِ بَيْتِهِ؛ وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} قَالَ: لِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَقَوْلُهُ: "لِلَّهِ" مِفْتَاحُ الْكَلامِ2.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مِنَ الْخُمُسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعْطِي مِنْهُ نَائِبَهُ مِنَ الْقَوْمِ؛ فَلَمَّا كَثُرَ الْمَالُ جُعِلَ فِي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل.
سَهْمُ الرَّسُولِ وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمسيب عَن جُبَير بن مُطْعِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ3.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا مِنَ الْخُمُسِ فَأُقَسِّمَهُ فِي حَيَاتِكَ كَيْ لَا يُنَازِعَنَاهُ أَحَدٌ بَعْدَكَ فَافْعَلْ، قَالَ: فَفَعَلَ. قَالَ: فَوَلانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَّمْتُهُ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ وَلانِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَسَّمْتُهُ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ وَلانِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَسَّمْتُهُ فِي حَيَاتِهِ؛ حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِيِّ عُمَرَ فَأَتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَعَزَلَ حَقَّنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: خُذْهُ فَاقْسِمْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. فَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَّنَةَ، ثُمَّ لَمْ يَدْعُنَا إِلَيْهِ أحد بعد عمر حَتَّى
1 هُوَ من الَّذِي بِلَا زوج ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى.
2 ذكر لفظ الْجَلالَة تبركا باسمه جلّ فِي علاهُ.
3 إِذْ هما فِي الجالهية وَالْإِسْلَام شَيْء وَاحِد وَلَا تجوز عَلَيْهِم الزَّكَاة فعوضوا عَن ذَلِك من الْخمس.
الجزء 1 · صفحة 31
قُمْتُ مَقَامِي هَذَا فَلَقِيَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ خُرُوجِي مِنْ عِنْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَرَمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئًا لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى: لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، لِمَنْ هُوَ، وَهُوَ لَنَا، وَإِنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَانَا إِلَى أَنْ نَنْكِحَ مِنْهُ أَيِّمَنَا، وَنَقْضِي مِنْهُ عَنْ مُغْرِمِنَا، وَنَخْدِمُ مِنْهُ عَائِلَتَنَا. فَأَبَيْنَا إِلا أَنْ يُسَلِّمَهُ لَنَا، وَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّةِ1 قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ: سهم الرَّسُول عَلَيْهِ [الصَّلَاة] وَالسَّلَام، وَسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى؛ فَقَالَ قَوْمٌ: سَهْمُ الرَّسُولِ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى لقرابة الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ؛ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ فِي الْكِرَاعِ2 وَالسِّلاحِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ بِسَهْمِ الرَّسُولِ وَسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى إِلَى بني هَاشم.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكَثْرُ فُقَهَائِنَا يَرَوْنَ أَنْ يُقَسِّمَهُ الْخَلِيفَةُ عَلَى مَا قَسَّمَهُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
أَنْوَاع الْغَنِيمَة الَّتِي تقسم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَعَلَى هَذَا تُقَسَّمُ الْغَنِيمَةُ؛ فَمَا أصَاب املسلمون مِنْ عَسَاكِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَمَا أَجْلَبُوا بِهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَالْكِرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلِّ مَا أُصِيبَ فِي الْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْخُمُسُ -فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَانَ أَوْ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ- وَخُمُسُهُ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ مَوَاضِعِ الصَّدَقَاتِ، وَفِيمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ حِلْيَةٍ وَعَنْبَرٍ؛ فَالْخُمُسُ يُوضَعُ فِي مَوَاضِعِ الْغَنَائِمِ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْن السَّبِيل} [الْأَنْفَال: 41] .
1 ابْن عَليّ بن أبي طَالب وَالْحَنَفِيَّة امْرَأَة من بني حنيفَة تزَوجهَا الإِمَام بعد وَفَاة فَاطِمَة الزهراء رَضِي الله عَنهُ الْجَمِيع.
2 لفظ الكراع يجمع الْخَيل وَالسِّلَاح.
الجزء 1 · صفحة 32
الْغَنِيمَة تخَالف الزَّكَاة، وغنيمة الذَّهَب وَالْفِضَّة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: فِي كُلِّ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ الْخُمُسُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا أَصَابَ فِي مَعْدَنٍ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِ عِشْرِينَ مِثْقَالا ذَهَبًا؛ فَإِنَّ فِيهِ الْخُمُسُ، لَيْسَ هَذَا عَلَى مَوْضِعِ الزَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَوْضِعِ الْغَنَائِمِ وَلَيْسَ فِي تُرَابِ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ إِنَّمَا الْخُمُسُ فِي الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَفِي الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَلا يُحْسَبُ لِمَنِ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَدْ تَكُونُ النَّفَقَةُ تَسْتَغْرِقُ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَلا يَجِبُ إِذَنْ فِيهِ خُمُسٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ الْخُمُسُ حِينَ يُفْرَغُ مِنْ تَصْفِيَتِهِ قَلِيلا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلا يُحْسَبُ لَهُ مِنْ نَفَقَتِهِ شَيْء.
مَا يسْتَخْرج من الْمَعَادِن سوى الذَّهَب وَالْفِضَّة:
وَمَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْمَعَادِنِ سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ -مِثْلَ الْيَاقُوتِ والفيروز وَالْكُحْلِ وَالزِّئْبَقِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْمُغْرَةِ- فَلا خُمُسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنَّمَا ذَلِك بِمَنْزِلَةِ الطِّينِ وَالتُّرَابِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَصَابَ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ أَوِ الْحَدِيدِ أَوِ الرَّصَاصِ أَوِ النُّحَاسِ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَادِحٌ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الْخُمُسُ عَنْهُ. أَلا تَرَى لَوْ أَنَّ جُنْدًا مِنَ الأَجْنَادِ أَصَابُوا غَنِيمَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ خَمْسَة وَلَمْ يُنْظَرْ أَعَلَيْهِمْ دَيْنٌ أَمْ لَا وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الْخُمُسِ.
القَوْل فِي الرِّكَاز:
قَالَ: وَأَمَّا الرِّكَازُ فَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ، فِيهِ أَيْضًا الْخُمُسُ؛ فَمَنْ أَصَابَ كَنْزًا عَادِيًّا فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ -فِيهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ ثِيَابٍ- فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْخُمُسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلَّذِي أَصَابَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ يُغْنَمُهَا الْقَوْمُ فَتُخَمَّسُ وَمَا بَقِيَ فَلَهُمْ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًا وَجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلامِ رِكَازًا، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ بِأَمَانٍ نُزِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْهُ، وَلا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَسُلِّمَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمُكَاتِبُ يَجِدُ رِكَازًا فِي دَارِ الْإِسْلامِ فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبِّرُ، وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُ رِكَازًا فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّ كَانَ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَهُوَ لَهُ وَلا خُمُسَ فِي ذَلِكَ؛ حَيْثُ مَا وَجَدَ كَانَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي
الجزء 1 · صفحة 33
مِلْكِ إِنْسَانٍ فَلا خُمُسَ فِيهِ لأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَوَجَدَهُ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَهُوَ لِلَّذِي وجده.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا عَطِبَ الرَّجُلُ فِي قَلِيبٍ1 جَعَلُوا الْقَلِيبَ عَقِلَهُ2، وَإِذَا قَتَلَتْهُ دَابَّةٌ جَعَلُوهَا عَقِلَهُ، وَإِذَا قَتَلَهُ مَعْدِنٌ جَعَلُوهُ عَقِلَهُ؛ فَسَأَلَ سَائِلٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ 3 وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ؛ فَقِيلَ لَهُ: مَا الرِّكَازُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ"، وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيٌّ مِنْ كُلِّ غَنِيمَةٍ يَصْطَفِيهِ: إِمَّا فَرَسٌ، وَإِمَّا سيف، وَإِمَّا جَارِيَة؛ فَإِن الصَّفِيُّ يَوْمَ خَيْبَرَ صَفِيَّةُ، وَكَانَ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْخُمُسِ مَا قَسَّمَ فِي أَزْوَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ، وَكَانَ لَهُ سَهْمُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَانَ سَهْمُهُ فِي قَسْمِ خَيْبَرَ مَعَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ مِائَةُ سَهْمٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، وَالَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مِنَ الْخُمُسِ؛ فَكَانَ يَكُونُ لَهُ مِنْ ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: فِي الْقِسْمَةِ الصَّفِيُّ وَسَهْمُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الأَرْبَعَةِ الأَخْمَاسِ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْخُمُسِ، وَكَانَ الْقَسْمُ فِي خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةِ عَشَرَ سَهْمًا كُلُّ مِائَةِ سَهْمٍ مَعَ رَجُلٍ، وَكَانَ الصَّفِيُّ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفًا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِوَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ غَنِيمَةٍ صَفِيٌّ يَصْطَفِيهِ؛ فَكَانَ الصَّفِيُّ يَوْمَ خَيْبَرَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَشْعَثُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كَانَ الصَّفِيُّ يَوْمَ بَدْرٍ سيف عَاصِم بن مُنَبّه.
1 القليب الْبِئْر غير المطوية.
2 أَي دِيَته.
3 الْجَبَّار الهدر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ قصاص.
الجزء 1 · صفحة 34
فَصْلٌ: فِي الْفَيْءِ وَالْخَرَاجِ
فَأَمَّا الْفَيْءُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ الْخَرَاجُ عِنْدَنَا خَرَاجُ الأَرْضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الْحَشْر: 7] حَتَّى فَرَغَ مِنْ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الْحَشْر: 8] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الْحَشْر: 9] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيمٌ} [الْحَشْر: 10] فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ سَأَلَ بِلَال وَأَصْحَابه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِسْمَةَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَقَالُوا: اقْسِمِ الأَرْضِينَ بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا كَمَا تُقَسِّمُ غَنِيمَةَ الْعَسْكَرِ؛ فَأَبَى عمر ذَلِك عَلَيْهِم، ولات عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ، وَقَالَ: قَدْ أَشْرَكَ اللَّهُ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ؛ فَلَوْ قَسَّمْتُهُ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ بَعْدِكُمْ شَيْءٌ. وَلَئِنْ بَقِيتُ لَيَبْلُغَنَّ الرَّاعِي بِصَنْعَاءَ نَصِيبُهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ وَدَمه فِي وَجهه.
حكم غنيمَة الأَرْض والأنهار:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى سَعْدِ حِينَ افْتَتَحَ الْعِرَاقَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوكَ أَنْ تَقْسِمَ بَيْنَهُمْ مَغَانِمَهُمْ، وَمَا أَفَاءَ الله عَلَيْهِمْ؛ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْكَ بِهِ إِلَى الْعَسْكَرِ مِنْ كِرَاعٍ وَمَالٍ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاتْرُكِ الأَرَضِينَ وَالأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ فِي اعْطِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ قَسَّمْتَهَا بَيْنَ مَنْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بعدهمْ شَيْء.
من أسلم قبل الْقِتَال وَبعده:
وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُو مَنْ لَقِيتَ إِلَى الْإِسْلامِ قَبْلَ الْقِتَالِ؛ فَمَنْ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ قبل
الجزء 1 · صفحة 35
الْقِتَالِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلامِ. وَمَنْ أَجَابَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْهَزِيمَةِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَالَهُ لأَهْلِ الْإِسْلامِ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُ قَبْلَ إِسْلامِهِ؛ فَهَذَا أَمْرِي وعهدي إِلَيْك.
تدوين عمر رَضِي الله عَنهُ الدَّوَاوِين وَالْقَوْل فِي قسمه الأَرْض الْمَفْتُوحَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَيْشُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ شَاوَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ. وَقَدْ كَانَ اتَّبَعَ رَأْيَ أَبِي بَكْر فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَلَمَّا جَاءَ فَتْحُ الْعِرَاقِ شَاوَرَ النَّاسَ فِي التَّفْضِيلِ، وَرَأَى أَنَّهُ الرَّأْيُ؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَنْ رَآهُ. وَشَاوَرَهُمْ فِي قِسْمَةِ الأَرَضِينَ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِيهَا وَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ وَمَا فَتَحُوا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِدُونَ الأَرْضَ بِعُلُوجِهَا1 قَدِ اقْتُسِمَتْ وَوُرِّثَتْ عَنِ الآبَاءِ وَحِيزَتْ، مَا هَذَا بِرَأْيٍ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: فَمَا الرَّأْي، مَا الأَرْض والعلوج إِلَّا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هُوَ إِلا كَمَا تَقُولُ، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَا يُفْتَحُ بَعْدِي بَلَدٌ فَيَكُونُ فِيهِ كَبِير نبيل؛ بَلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ كُلا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِذَا قُسِّمَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ بِعُلُوجِهَا، وَأَرْضُ الشَّامِ بِعُلُوجِهَا فَمَا يُسَدُّ بِهِ الثُّغُورُ وَمَا يَكُونُ لِلذُّرِّيَّةِ وَالأَرَامِلِ بِهَذَا الْبَلَدِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ؟
استشارة عمر الصَّحَابَة فِي قسْمَة الأَرْض الْمَفْتُوحَة:
فَأَكْثَرُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالُوا: أَتَقِفُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلأَبْنَاءِ الْقَوْمِ وَلأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا؟
فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُول: هَذَا رَأْي.
قَالُوا: فَاسْتَشِرْ. قَالَ: فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَ رَأْيُهُ أَنْ تُقَسَّمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَرَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَأْيُ عُمَرَ.
فَأَرْسَلَ إِلَى عَشْرَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: خَمْسَةٍ مِنَ الأَوْسِ وَخَمْسَةٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ؛ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُزْعِجَكُمْ إِلا
1 العلوج كفار الْعَجم.
الجزء 1 · صفحة 36
لأَنْ تَشْتَرِكُوا فِي أَمَانَتِي فِيمَا حُمِّلْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ؛ فَإِنِّي وَاحِدٌ كَأَحَدِكُمْ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تُقِرُّونَ بِالْحَقِّ، خَالَفَنِي مَنْ خَالَفَنِي وَوَافَقَنِي مَنْ وَافقنِي، وَلَيْسَ أُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعُوا هَذَا الَّذِي هَوَايَ، مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ نَطَقْتُ بِأَمْرٍ أُرِيدُهُ مَا أُرِيدُ بِهِ إِلا الْحَقَّ.
قَالُوا: قُلْ نَسْمَعْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ كَلامَ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنِّي أَظْلِمَهُمْ حُقُوقَهُمْ. وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْكَبَ ظُلْمًا، لَئِنْ كُنْتُ ظَلَمْتُهُمْ شَيْئًا هُوَ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُ غَيْرَهُمْ لَقَدْ شَقِيتُ؛ وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُفْتَحُ بَعْدَ أَرْضِ كِسْرَى1، وَقَدْ غَنَّمَنَا اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْضَهُمْ وَعُلُوجَهُمْ فَقَسَّمْتُ مَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالٍ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَخْرَجْتُ الْخُمُسَ فَوَجَّهْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَنَا فِي تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَحْبِسَ الأَرَضِينَ بِعُلُوجِهَا وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ فهيا الْخَرَاجَ وَفِي رِقَابِهِمُ الْجِزْيَةَ يُؤَدُّونَهَا فَتَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَلِمَنْ يَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ. أَرَأَيْتُمْ هَذِه الثغور لَا بُد لَهَا مِنْ رِجَالٍ يَلْزَمُونَهَا، أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْمُدُنَ الْعِظَامَ -كَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ والكوفة وَالْبَصْرَة ومصر- لَا بُد لَهَا مِنْ أَنْ تُشْحَنَ بِالْجُيُوشِ، وَإِدْرَارِ الْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَمِنْ أَيْنَ يُعْطَى هَؤُلاءِ إِذَا قُسِّمَتِ الأَرَضُونَ والعلوج.
مَا جبي من أَرض السوَاد فِي عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
فَقَالُوا جَمِيعًا: الرَّأْيُ رَأْيُكَ؛ فَنِعْمَ مَا قلت وَمَا رَأَيْت، وَإِن لَمْ تَشْحِنْ هَذِهِ الثُّغُورَ وَهَذِهِ الْمُدُنَ بِالرِّجَالِ، وَتُجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَتَّقَوَّوْنَ بِهِ رَجَعَ أَهْلُ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ؛ فَقَالَ: قَدْ بَانَ لِيَ الأَمْرُ فَمَنْ رَجُلٌ لَهُ جَزَالَةٌ وَعَقْلٌ يَضَعُ الأَرْضَ مَوَاضِعَهَا، وَيَضَعُ عَلَى الْعُلُوجِ مَا يَحْتَمِلُونَ؟ فَاجْتَمَعُوا لَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حنيف وَقَالُوا: تبعثه إِلَى أهل ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَهُ بَصَرًا وَعَقْلا وَتَجْرِبَةً؛ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَوَلاهُ مِسَاحَةَ أَرْضِ السَّوَادِ فَأَدَّتْ جِبَايَةَ سَوَادِ الْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِعَامٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ وَدَانِقَانِ، وَنِصْفٌ، وَكَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ يَوْمَئِذٍ وَزْنُ الْمِثْقَالِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرَادُوا عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُقَسِّمَ الشَّامَ كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بن الْعَوام
1 أَرض فَارس.
الجزء 1 · صفحة 37
وبلال بن رَبَاحٍ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَنْ أَتْرُكُ مَنْ بعدكم من الْمُسلمين لَا شَيْء لَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ: فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الطَّاعُونَ الَّذِي أَصَابَهُمْ بِعَمْوَاسَ عَنْ دَعْوَةِ عُمَرَ1 قَالَ: وَتَرَكَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذِمَّةً يؤدون الْخراج للْمُسلمين.
مَا اسْتشْهد بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَقْسِيم الْفَيْء:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي السَّوَادِ حِينَ افْتُتِحَ؛ فَرَأَى عَامَّتُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَهُ وَكَانَ بِلَال بن رَبَاح أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلا يُقَسِّمَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ، وَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً أَوْ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنِّي قَدْ وَجَدْتُ حُجَّةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْحَشْر: 6] ؛ حَتَّى فَرَغَ مِنْ شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ فَهَذِهِ عَامَّةٌ فِي الْقُرَى كُلِّهَا. ثُمَّ قَالَ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الْحَشْر: 7] ، ثُمَّ قَالَ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الْحَشْر: 8] ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ؛ فَقَالَ: {وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الْحَشْر: 9] ؛
فَهَذَا فِيمَا بَلَغَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِلأَنْصَارِ خَاصَّةً. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّك رؤوف رَحِيمٌ} [الْحَشْر: 10] ؛ فَكَانَتْ هَذِهِ عَامَّةٌ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ؛ فَقَدْ صَارَ هَذَا الْفَيْءُ بَيْنَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا؛ فَكَيْفَ نُقَسِّمُهُ لِهَؤُلاءِ وَنَدَعُ مَنْ تَخَلَّفَ بَعْدَهُمْ بِغَيْرِ قَسْمٍ؛ فَأَجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَمْعِ خَرَاجِهِ.
1 فقد مَاتَ أَكْثَرهم فِي طعون عمواس الَّذِي وَقع فِي أَرض الشَّام.
الجزء 1 · صفحة 38
كَانَ رَأْي عمر هُوَ الصَّوَاب:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالَّذِي رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْ قِسْمَةِ الأَرَضِينَ بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا عِنْدَ مَا عَرَّفَهُ اللَّهُ مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كَانَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ، وَفِيهِ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيمَا رَآهُ مِنْ جَمْعِ خَرَاجِ ذَلِكَ وَقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومَ النَّفْعِ لِجَمَاعَتِهِمْ؛ لأَنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى النَّاسِ فِي الأُعْطِيَاتِ وَالأَرْزَاقِ لَمْ تُشْحَنَ الثُّغُورُ وَلَمْ تَقْوَ الْجُيُوشُ عَلَى السَّيْرِ فِي الْجِهَادِ، وَلَمَا أَمِنَ رُجُوعَ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالْمُرْتَزَقَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ.
الجزء 1 · صفحة 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1
مَا عُمِلَ بِهِ فِي السَّوَادِ:
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ السَّوَادِ2 وَمَا الَّذِي كَانَ أَهْلُهُ عُومِلُوا بِهِ فِي خَرَاجِهِمْ وَجِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، وَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَهَلْ يَجْرِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ صُلْحٌ، وَمَا الْحُكْمُ فِي الصُّلْحِ مِنْهُ وَالْعُنْوَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: افْتَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعِرَاقَ كُلَّهَا إِلا خُرَاسَانَ وَالسِّنْدَ، وَافْتَتَحَ الشَّامَ كُلَّهَا وَمِصْرَ إِلا إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمَّا خُرَاسَان وإفريقية فافتتحتا فِي زمَان عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَافْتَتَحَ عُمَرُ السَّوَادَ وَالأَهْوَازَ؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يقسم السوَاد وَأهل الأهواز وَمَا افْتُتِحَ مِنَ الْمُدُنِ؛ فَقَالَ لَهُمْ: فَمَا يَكُونُ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَتَرَكَ الأَرْضَ وَأَهْلَهَا، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنَ الأَرْض.
من كَانَ لَهُ عهد من الْمُسلمين:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ السَّوَادِ؛ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ؛ فَلَمَّا رَضِيَ مِنْهُمْ بِالْخَرَاجِ صَارَ لَهُمْ عَهْدٌ؛ فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ إِلا لأَهْلِ الْحِيرَةِ، وَأَهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، وَأَهْلِ أُلَّيْسَ، وَبَانِقْيَا؛ فَأَمَّا أَهْلُ بَانِقْيَا فَإِنَّهُمْ دَلُّوا جَرِيرًا عَلَى مَخَاضَةٍ، وَأَمَّا أَهْل أُلَّيْسَ فَإِنَّهُمْ أَنْزَلُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَدَلُّوهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غِرَّةِ الْعَدُوِّ، وَأَهْلُ الْحِيرَةِ صَالَحَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَصَالَحَ أَهْلَ عَيْنِ التَّمْرِ وَأَهْلَ أَلَيْسَ.
فتح الْقَادِسِيَّة:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجَّهَ أَبَا عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مِهْرَانَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ الْقَادِسِيَّةُ آخِرَ السَّنَةِ فَجَاءَ رُسْتُمُ صَاحِبُ الْعَجَمِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ مِهْرَانُ يعْمل عمل الصّبيان؛ فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَحَدَّثَنِي قَيْسٌ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ عَبَرَ إِلَى مِهْرَانَ الْفُرَات فَقطعُوا الجسر3
1 هَذِه الْبَسْمَلَة يَبْدُو أَنَّهَا كَانَت أول جُزْء من إِحْدَى مخطوطات الْكتاب.
2 سَواد الْعرَاق: مَا بَين الْبَصْرَة إِلَى الْكُوفَة وَمَا حولهما من الْقرى، وَكَانَت أَرضًا زراعية خضراء شَدِيدَة الخضرة وَالْعرب تسمى مَا كَانَ كَذَلِك سوادا.
3 وَيُسمى يَوْم الجسر وَهِي الْوَاقِعَة الوحيدة الَّتِي انهزم فِيهَا الْمُسلمُونَ رَاجع فتوح الشَّام وفتوح الْبلدَانِ من تحقيقنا.
الجزء 1 · صفحة 40
خَلْفَهُ فَقَتَلُوهُ وَأَصْحَابَهُ؛ فَأَوْصَى إِلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَوَلِيَ أَمْرَ النَّاسِ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ جَرِيرٌ فَلَقِيَ مِهْرَانَ فَهَزَمَهُ اللَّهُ وَالْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلَ مِهْرَانُ فَرَفَعَ جُرَيْرٌ رَأْسَهُ عَلَى رُمْحٍ، ثُمَّ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ1 إِلَى رُسْتُمَ فَالْتَقَوْا بِالْقَادِسِيَّةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ بِالْقَادِسِيَّةِ وَمَعَهُ النَّاسُ. قَالَ فَمَا أَدْرِي لَعَلَّنَا كُنَّا لَا نَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ آلافٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ آلافٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ سِتُّونَ أَلْفًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، مَعَهُمُ الْفُيُولُ. قَالَ فَلَمَّا نَزَلُوا قَالُوا لَنَا: ارْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا نَرَى لَكُمْ قُوَّةً وَلا سِلاحًا؛ فَارْجِعُوا. قَالَ: فَقُلْنَا: مَا نَحْنُ بِرَاجِعِينَ. فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ بِنِبَالِنَا وَيَقُولُونَ دوس يُشَبِّهُونَهَا بِالْمَغَازِلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَبَيْنَا عَلَيْهِمُ الرُّجُوعَ، قَالُوا: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلا عَاقِلا يُخْبِرُنَا مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا عُدَّةً. قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَنَا لَهُمْ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ، فَجَلَسَ مَعَ رُسْتَمَ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَخَرَ وَنَخَرُوا حِينَ جَلَسَ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: وَالله مَا زادني مجْلِس هَذَا رِفْعَةً وَلا نَقَصَ صَاحِبَكُمْ، فَقَالَ لَهُ رُسْتَمُ: أَنْبِئُونِي مَا جَاءَ بِكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا عُدَّةً.
فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: كُنَّا قَوْمًا فِي شَقَاءٍ وَضَلالَةٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيًا فَهَدَانَا اللَّهُ بِهِ وَرَزَقَنَا عَلَى يَدَيْهِ فَكَانَ فِيمَا رُزِقْنَا حَبَّةً زَعَمُوا أَنَّهَا تَنْبُتُ فِي هَذِهِ الأَرْضَ؛ فَلَمَّا أَكَلْنَا مِنْهَا وَأَطْعَمْنَا أَهْلِينَا قَالُوا لَا صَبْرَ لَنَا حَتَّى تُنْزِلُونَا هَذِه الْبِلَاد فتأكل هَذِهِ الْحَبَّةِ. فَقَالَ رُسْتَمُ: إِذَنْ نَقْتُلَكُمْ فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُمُونَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَتَلْنَاكُمْ دَخَلْتُمُ النَّارَ، وَإِلا فَأَعْطُونَا الْجِزْيَةَ، قَالَ فَلَمَّا قَالَ أَعْطُونَا الْجِزْيَةَ صَاحُوا وَنَخَرُوا، وَقَالُوا لَا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَقَالَ: الْمُغِيرَةُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالَ: رُسْتَمُ: نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ -مُدِلا- قَالَ فَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى عَبَرَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَرَ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ.
قَالَ حُصَيْنٌ وَكَانَ مَلِكُهُمْ رُسْتَمُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَمْشِي عَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ نَعْبُرُ الْخَنْدَقَ، مَا مَسَّهُمْ سِلاحٌ قَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: وَوَجَدْنَا جِرَابًا فِيهِ كَافُورٌ. قَالَ: فَحَسِبْنَاهُ مِلْحًا وَطَبَخْنَا لَحْمًا فَطَرَحْنَا فِيهِ مِنْهُ؛ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ طَعْمًا؛ فَمَرَّ بِنَا عَبَّادِيٌّ مَعَهُ قَمِيصٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُتَعَبِّدِينَ لَا تُفْسِدُوا طَعَامَكُمْ؛ فَإِنَّ مِلْحَ هَذِهِ الأَرْضِ لَا خَيْرَ فِيهِ فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ بِهِ هَذَا الْقَمِيصَ؟ قَالَ: فَأَعْطَانَا بِهِ
1 أَي ابْن أبي وَقاص.
الجزء 1 · صفحة 41
قَمِيصًا؛ فَأَعْطَيْنَاهُ صَاحِبًا لَنَا فَلَبِسَهُ، فَإِذَا ثَمَنُ الْقَمِيصِ حِينَ عُرِفَتِ الثِّيَابُ دِرْهَمَانِ.
قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشرت غلى رَجُلٍ وَعَلَيْهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَسِلاحُهُ تَحْتَهُ فِي قَبْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُبُورِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَمَا كَلَّمَنَا وَلا كَلَّمْنَاهُ حَتَّى ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَهَزَمْنَاهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْفُرَاتَ. قَالَ: فَرَكبْنَا وطلبناهم فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى سِوَارٍ، قَالَ: وَطَلَبْنَاهُمْ فَانْهَزَمُوا حَتَّى أَتَوُا الصراة، فَطَلَبْنَاهُمْ فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ فَنَزَلُوا كَوْثَى، وَبِهَا مَسْلَحَةٌ1 لِلْمُشْرِكِينَ بِدِيرِ الْمَسَالِحِ فَأَتَتْهُمْ خَيْلُنَا فَقَاتَلَتْهُمْ؛ فَانْهَزَمَتْ مَسْلَحَةُ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى لَحِقُوا بِالْمَدَائِنِ، وَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ فَعَبَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا مِنْ عُلْوِ الْوَادِي أَوْ مِنْ أَسْفَلِ الْمَدَائِنِ فَحَصَرْنَاهُمْ حَتَّى مَا وَجَدُوا طَعَامًا إِلا كِلابَهُمْ وَسَنَانِيرُهُمْ2، فَتَحَمَّلُوا فِي لَيْلَةٍ حَتَّى أَتَوْا جَلُولاءَ؛ فَسَارَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ فِي النَّار وَعَلى مُقَدِّمَتِهِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: فَهِيَ الْوَقْعَةُ الَّتِي كَانَتْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَانْطَلَقَ يَهْزِمُهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ.
قَالَ: فَكَانَ كُلُّ أَهْلِ مِصْرٍ يَسِيرُونَ إِلَى حُدُودِهِمْ وَبِلادِهِمْ، قَالَ حُصَيْنٌ: فَلَمَّا هَزَمَ سَعْدٌ الْمُشْرِكِينَ بِجَلُولاءَ وَلَحِقُوا بِنَهَاوَنْدَ، رَجَعَ فَبَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَدَائِنِ؛ فَأَرَادَ أَنْ ينزلها بِالنَّاسِ فَاجْتَوَاهَا3 النَّاسُ وَكَرِهُوهَا، فَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ فَسَأَلَ: هَلْ يَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ؟ قَالُوا: لَا؛ لأَنَّ بِهَا الْبَعُوضَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَصْلُحُ بِأَرْضٍ لَا تَصْلُحُ بِهَا الإِبْلُ. ارْجِعُوا، فَلَقِيَ سَعْدٌ عَبَّادِيًّا فَقَالَ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَرْضٍ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْبقْعَة وَتَطَأْطَأَتْ عَنِ السَّبْخَةِ وَتَوَسَّطَتِ الرِّيفَ وظعنت فِي أَنْفِ الْبَرِيَّةِ، قَالُوا: هَاتِ: قَالَ أَرض بَين الْحبرَة وَالْفُرَاتِ. فَاخْتَطَّ النَّاسُ الْكُوفَةَ وَنَزَلُوهَا.
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَقَدْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلاهُ، وَهُوَ يَفْحَصُ وَيَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النِّسَاء: 69] ؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ: وحَدثني عَمْرو بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ أُتِيَ بِهِ إِلَى سَعْدٍ، وَقَدْ شَرِبَ خَمْرًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ؛ فَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْقَيْدِ. وَكَانَتْ بِسَعْدٍ جِرَاحَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ إِلَى النَّاسِ، فَصَعَدُوا بِهِ فَوْقَ الْعَذِيبِ لِيَنْظُرَ إِلَى النَّاس قَالَ: وَاسْتعْمل
1 المسلحة مَوضِع السِّلَاح وكل مَوضِع مَخَافَة يقف فِيهِ الْجند بِالسَّلَامِ للمراقبة والمحافظة وكل قوم مسلحون فِي ثغر أَو مخفر للمحافظة على الْمَكَان.
2 يَعْنِي قططهم.
3 لم يناسبهم جوها.
الجزء 1 · صفحة 42
سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ عَرْفَطَةَ؛ فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ:
كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْتَدِي الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا
ثُمَّ قَالَ لامْرَأَةِ سَعْدٍ: أَطْلِقِينِي، فَلَكِ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ رَاجع حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي الْقَيْدِ وَإِنْ أَنَا قُتِلْتُ اسْتَرَحْتُمْ مِنِّي قَالَ: فَأَطْلَقَتْهُ حِينَ الْتَقَى النَّاسُ.
قَالَ: فَرَكِبَ فَرَسًا لِسَعْدٍ أنْثَى يُقَالُ لَهَا الْبَلْقَاءُ، وَأَخَذَ رُمْحًا وَخَرَجَ فَجَعَلَ لَا يَحْمِلُ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْعَدُوِّ إِلا هَزَمَهُمْ؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ: هَذَا مَلَكٌ لِمَا يَرَوْنَهُ يَصْنَعُ، وَجَعَلَ سَعْدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: الصَّبْرُ صَبْرُ الْبَلْقَاءِ1 وَالطَّعْنُ طَعْنُ أَبِي مِحْجَنٍ، وَأَبُو مِحْجَنٍ فِي الْقَيْدِ!
فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ وَرَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ حَتَّى وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْقَيْدِ فَأَخْبَرَتِ امْرَأَةُ سَعْدٍ سَعْدًا بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَضْرِبُ الْيَوْمَ رَجُلا أَبْلَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى يَدَيْهِ مَا أَبْلَى. قَالَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ. فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: قد كنت حَيْثُ كَانَ الْحَدُّ يُقَامُ عَلَيَّ وأطهر مِنْهَا، وَأما الْيَوْم فو الله لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَتْ بُجَيْلَةُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ رُبُعُ النَّاسِ. قَالَ وَلَحِقَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ بِالْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ بَأْسَ النَّاسِ هَاهُنَا لِبُجَيْلَةَ، قَالَ فَوَجَّهُوا إِلَيْنَا سِتَّةَ عَشَرَ فِيلا وَإِلَى سَائِرِ النَّاسِ فِيلَيْنِ، قَالَ: وَالله إِن عمر ابْن معديكرب يُحَرِّضُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ كُونُوا أُسْدًا عَنَابِسَةً؛ فَإِنَّمَا الْفَارِسِيُّ تَيْسٌ بَعْدَ أَنْ يُلْقِيَ نَيْزَكَهُ. قَالَ: وَأَسْوَارٌ2 مِنْ أَسَاوِرَتِهِمْ لَا تَقَعُ لَهُ نَشَّابَةٌ فَقُلْتُ: اتِّقَاءً يَا أَبَا ثَوْرٍ، وَرَمَاهُ الْفَارِسِيُّ فَأَصَابَ فَرَسَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو فَاعْتَنَقَهُ، وَذَبَحَهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ وَأَخَذَ سَلَبَةُ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَقِبَاءٍ دَيْبَاجٍ وَمِنْطَقَةٍ بِالذَّهَبِ.
قَالَ فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ أُعْطِيَتْ بُجَيْلَةُ رُبُعَ السَّوَادِ فَأَكَلُوهُ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَفَدَ جرير إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: يَا جُرَيْرُ إِنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَسَلَّمْتُ لَكُمْ مَا قَسَمْتُ لَكُمْ؛ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُرَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَدَّهُ جُرَيْرٌ فَأَجَازَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِثَمَانِينَ دِينَارًا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ قَدِ اسْتَعَمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرَّنٍ عَلَى كُسْكَرَ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن
1 يَعْنِي فرسه.
2 هُوَ الْقَائِد من قواد الْفرس.
الجزء 1 · صفحة 43
مَثَلِي وَمَثَلَ كُسْكَرَ مَثَلُ رَجُلٍ شَابٍّ عِنْدَهُ مُومِسَةٌ تَتَلَوَّنُ لَهُ وَتَتَعَطَّرُ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهُ لَمَا عَزَلْتَنِي عَنْ كُسْكَرَ وَبَعَثْتَنِي فِي جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ إِلَيه عُمَرُ أَنْ سِرْ إِلَى النَّاسِ بِنَهَاوَنْدَ فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ -وَهَذَا حِين انْهَزَمت الْفرس من جلاولاء - فَائْتِ نَهَاوَنْدَ.
قَالَ فَسَارَ إِلَيْهِمُ النُّعْمَانُ فَالْتَقَوْا فَكَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ وُجِدَ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنِ1 الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ حُصَيْنٍ فَحَدَّثَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا شَاوَرَ الْهُرْمُزَانَ فِي فَارِسٍ وَأَصْبَهَانَ وَأَذَرَبِيجَانَ فَقَالَ لَهُ الهرمزان: إِن أَصْبَهَان الرَّأْي وَفَارِسٌ وَأَذْرَبِيجَانَ الْجَنَاحَانِ؛ فَابْدَأْ بِالرَّأْسِ أَوَّلا. فَدَخَلَ عُمَرُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ يُصَلِّي، فَقَعَدَ إِلَى جَنْبِهِ؛ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: لَا أَرَانِي إِلا مُسْتَعْمِلُكَ. قَالَ أَمَّا جَابِيًا فَلا، وَلَكِنْ غَازِيًا. قَالَ: فَإِنَّكَ غَازٍ؛ فَوَجَّهَهُ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ -وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اخْتَطَّ النَّاسُ بِهَا وَنَزَلُوا- أَنْ يَمُدُّوهُ، وَمَعَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَمْرُو بن معديكرب وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَالأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ فَسَارَ النُّعْمَانُ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى نُهَاوَنْدَ أَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مَلِكِهِمْ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، فَقَطَعَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةَ نَهْرَهُمْ. فَقِيلَ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ: إِنَّ رَسُولَ الْعَرَبِ هَاهُنَا، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ وَمَنْ مَعَهُ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنْ أَقْعُدَ لَهُ فِي بَهْجَةِ الْمُلْكِ وَهَيْبَتِهِ أَوْ أَقْعُدَ لَهُ فِي هَيئته الْحَرْبِ؟ فَقَالُوا. اقْعُدْ لَهُ فِي بهجة الْملك وهيبته؛ فَقَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَوَضَعَ تَاجًا عَلَى رَأْسِهِ، وَأَجْلَسَ أَبْنَاءَ الْمُلُوكِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ عَلَيْهِمْ أَسْوِرَةُ الذَّهَبِ وَالْقِرَطَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالدَّيْبَاجِ، ثُمَّ أَذِنَ لِلْمُغِيرَةِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ أَخَذَ بِضَبْعَيْهِ رَجُلانِ. وَمَعَ الْمُغِيرَةِ سَيْفُهُ وَرُمْحُهُ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ فِي بُسُطِهِمْ يُخَرِّقُهَا لِيَتَطَيَّرُوا مِنْ ذَلِكَ. حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمَهُ وَالتَّرْجُمَانُ يُتَرْجِمُ بَيْنَمَا؛ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَمَّا أَصَابَكُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْجَهْدِ جِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَمَرْنَا لَكُمْ وَرَجَعْتُمْ.
فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنَّا أَذِلَّةً، يَطَؤُنَا النَّاسُ وَلا نَطَؤُهُمْ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ مِنَّا نَبِيًا فِي شَرَفٍ مِنْ أَوْسَطِنَا حَسَبًا وَأَصْدَقِنَا حَدِيثًا، فَأَخْبَرَنَا بِأَشْيَاءَ وَجَدْنَاهَا كَمَا قَالَ، وَإِنَّهُ وَعَدَنَا فِيمَا وَعَدَنَا أَنْ سَنَمْلِكُ مَا هَاهُنَا ونغلب عَلَيْهِ، وَأرى هَاهُنَا أَثَرَهُ وَهَيْئَةَ مَا مَنْ خَلْفِي بِتَارِكِيهَا حَتَّى يُصِيبُوهَا.
قَالَ الْمُغيرَة وَقَالَت لَيْسَ نَفسِي لَو جمعت جرامبزك فَوَثَبْتَ وَقَعَدْتَ مَعَ الْعِلْجِ عَلَى
1 يَبْدُو أَن هُنَا سقطا.
الجزء 1 · صفحة 44
السَّرِيرِ حَتَّى يَتَطَيَّرُوا، قَالَ: فَوَثَبْتُ فَإِذَا أَنَا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَجعلُوا يطؤوني بِأَرْجُلِهِمْ وَيُنَحُّونِي بِأَيْدِيهِمْ. قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّا لَا نَفْعَلُ هَذَا بِرُسُلِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ عَجَزْتُمْ فَلا تُؤَاخِذُونِي، فَإِنَّ الرُّسُلَ لَا يُفْعَلُ بِهَا هَذَا. قَالَ: فَكَفُّوا عَنِّي.
قَالَ فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنْ شِئْتُمْ قَطَعْنَا إِلَيْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ قَطَعْتُمْ إِلَيْنَا، قَالَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَلْ نَقْطَعُ إِلَيْكُمْ. قَالَ: فَقَطَعْنَا إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَتَسَلْسَلُوا كُلُّ خَمْسَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَعَشْرَةٍ فِي سِلْسِلَةٍ حَتَّى لَا يَفِرُّوا. قَالَ: فَعَبَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَصَافُّوهُمْ فَرَشَقُونَا حَتَّى أَسْرَعُوا فِينَا، قَالَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِلنُّعْمَانِ: إِنَّهُ قَدْ أَسْرَعَ فِي النَّاسِ وَقَدْ جُرِحُوا فَلَوْ حَمَلْتَ؛ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان إِنَّك لذُو مَنَاقِبَ وَقَدْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلُ النَّصْرُ.
ثُمَّ قَالَ: إِنِّي هَازٌّ الرَّايَةَ ثَلاثَ هِزَّاتٍ؛ فَأَمَّا أَوَّلُ هِزَّةٍ فَلْيَقْضِ الرَّجُلَ حَاجَتَهُ وَلْيُجَدِّدَ وَضُوءًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةَ فَلْيَنْظُرِ الرَّجُلُ إِلَى شِسْعِهِ وَيَرُمَّ مِنْ سِلاحِهِ1؛ فَإِذَا هَزَزْتُ الثَّالِثَةَ فَاحْمِلُوا، وَلا يَلْوِيَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ قُتِلَ النُّعْمَانُ فَلا يَلْوِيَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنِّي دَاع الله بِدَعْوَةٍ فَأَقْسَمْتُ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ لَمَا أَمَّنَ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقِ النُّعْمَانَ شَهَادَةً الْيَوْمَ فِي نَصْرٍ وَفَتْحٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَأَمَّنَ الْقَوْمُ، قَالَ: فَهَزَّ الرَّايَةَ ثَلاثَ هِزَّاتٍ، قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ فَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلُ صَرِيعٍ، قَالَ: فَمَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَرِيعٌ، قَالَ: فَأَسِفْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرْتُ عَزِيمَتَهُ؛ فَلَمْ أَلْوِ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُ عِلْمًا حَتَّى يعر مَكَانُهُ. قَالَ: فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَتَلُوا الرَّجُلَ شَغَلُوا عَنْهُ أَصْحَابَهُ، وَوَقَعَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ عَنْ بَغْلَةٍ لَهُ شهباء انْشَقَّ بَطْنُهُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَأَتَى مَكَانَ النُّعْمَانِ فَإِذَا بِهِ رَمَقٌ، وَأَتَوْهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلَ النَّاسُ؟ قَالَ فَقِيلَ لَهُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اكْتُبُوا بِذَلِك إِلَى عُمَرَ. وَقَضَى نَحْبَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَحِمَهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِنَهَاوَنْدَ: إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ فَلَا تَفِرُّوا وَإِذا غنتم فَلا تَغُلُّوا2؛ فَلَمَّا لَقِينَا الْعَدُوَّ وَقَالَ لنا النُّعْمَان: لَا تُوَاقِعُوهُمْ -ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة- حَتَّى يَصْعَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْتَنْصِرْ3، ثمَّ وقعناهم؛ فَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلُ صَرِيعٍ فَقَالَ: سجوني ثوبا4.
1 أَي يصلحه.
2 الْغلُول من الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة الْأَخْذ.
3 أَي يصعد الْمِنْبَر لخطبة الْجُمُعَة فيدعو بالنصر للْمُسلمين.
4 غطوني بِهِ.
الجزء 1 · صفحة 45
وَأَقْبِلُوا عَلَى عَدُوِّكُمْ وَلا أَهُولَنَّكُمْ. قَالَ: فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ أَتَى عمر الْخَبَر صعد الْمِنْبَرَ فَنَعَى النُّعْمَانَ إِلَى النَّاسِ،
وَقد كَانَ خير نَهَاوَنْدَ وَالْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَ عَلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فَكَانَ يَسْتَنْصِرُ وَكَانَ النَّاسُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ اسْتِنْصَارِهِ لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ إِلا نَهَاوَنْدَ وَابْنَ مُقَرِّنٍ.
فَحَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْخٌ قَدِيمٌ قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ الْمَدِينَةَ فَقَالَ مَا بَلَغَكُمْ عَنْ نَهَاوَنْدَ وَابْنِ مُقَرِّنٍ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا شَيْءٌ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرَ كُلَيْبٌ الْجَرْمِيُّ فَخَبَّرَهُ بِخَبَرِ الأَعْرَابِيِّ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا ذِكْرُكَ نَهَاوَنْدَ وَابْنَ مُقَرِّنٍ إِلا وَعِنْدَكَ خَبَرٌ أَخْبِرْنَا؛ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنا فلَان ابْن فُلانٍ الْفُلانِيُّ، خَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَهْلِي وَمَالِي، فَنَزَلْنَا مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا؛ فَلَمَّا ارْتَحَلْنَا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْعِرَاقِ. قُلْنَا: فَمَا خَبَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: الْتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدو؛ وَقتل ابْن مقرن، وَلَا وَالله مَا أَدْرِي مَا تهاوند وَلا ابْنَ مُقَرِّنٍ، قَالَ: أَتَدْرِي بِأَيِّ يَوْمٍ ذَلِكَ مِنَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي؛ لَكِنِّي أَدْرِي مَتَى فُعِلَ ذَلِكَ قَالَ: ارْتَحَلْنَا يَوْمَ كَذَا فَنَزَلْنَا مَوْضِعَ كَذَا -يَعُدُّ مَنَازِلَهُ- قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: ذَاكَ يَوْمُ كَذَا هُوَ الْجُمُعَةُ وَلَعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ لَقِيتَ بَرِيدًا مِنْ بُرُدِ الْجِنِّ، فَإِنَّ لَهُمْ بُرُدًا قَالَ: فَمَضَى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ أَنَّهُمُ الْتَقَوْا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أُتِيَ عُمَرُ بِنَعْيِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عَوْفٍ الأَحْمَسِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ إِذْ أَتَاهُ رَسُولُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَسْأَلُهُ عَنِ النَّاسِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَذْكُرُ مَنْ أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ بِنَهَاوَنْدَ؛ فَيَقُولُ: فُلانُ ابْنُ فُلانٍ وَفُلانُ ابْنُ فُلانٍ، ثُمَّ قَالَ الرَّسُولُ: وَآخَرُونَ لَا نعرفهم. قَالَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَكِنِ اللَّهُ يَعْرِفُهُمْ، قَالَ: وَرَجُلٌ شَرَى نَفْسَهُ1 -يَعْنِي عَوْفَ بْنَ أَبِي حَيَّةَ أَبَا شِبْلٍ الأحمسي- فَقَالَ مدرك ابْن عَوْفٍ: ذَاكَ وَاللَّهِ خَالِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ أُولَئِكَ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الآخِرَةَ بِالدُّنْيَا.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَكَانَ أُصِيبَ وَهُوَ صَائِمٌ فَاحْتُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى.
رَأْي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي تَقْسِيم السوَاد:
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: فَلَمَّا افْتُتِحَ السَّوَادُ شَاوَرَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
1 بَاعهَا فِي سَبِيل الله.
الجزء 1 · صفحة 46
النَّاسَ فِيهِ فَرَأَى عَامَّتُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَهُ، وَكَانَ بِلالُ بْنُ رَبَاحٍ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْ يُقَسِّمَهُ، وَكَانَ رَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ رَأْيَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَكَانَ رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلا يُقَسِّمَهُ حَتَّى قَالَ عِنْدَ إِلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ فِي قِسْمَتِهِ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ؛ فَمَكَثُوا بِذَلِك أَيَّامًا حَتَّى قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَهُم: فقد وَجَدْتُ حُجَّةً فِي تَرْكِهِ وَأَنْ لَا أُقَسِّمَهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ الله ورضوانا} ؛ فمثلا عَلَيْهِمْ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} . قَالَ: فَكَيْفَ أُقْسِمُهُ لَكُمْ، وَأَدَعُ مَنْ يَأْتِي بِغَيْرِ قَسْمٍ؟ فَأَجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَمْعِ خَرَاجِهِ وَإِقْرَارِهِ فِي أَيدي أهليه وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِيهِمْ وَالْجِزَيَةِ على رُءُوسهم.
مساحة السوَاد وَمَا وَضعه عمر عَلَيْهِ:
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَسَحَ السَّوَادَ؛ فَبَلَغَ سِتَّةً وَثَلاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جُرَيْبٍ1، وَأَنَّهُ وَضَعَ على جريب الزَّرْع درها وَقَفِيزًا، وَعَلَى الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَعَلَى الرَّطِبَةِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الرَّجُلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةً وَعشْرين درها، وَثَمَانِية وَأَرْبَعين درهما2.
مَا وظفه عمر لعماله:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالْحَرْبِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى مِسَاحَةٍ الأَرَضِينَ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ شَاةً كُلَّ يَوْم -شَرطهَا وَبَطْنُهَا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَرُبُعُهَا لعبد الله بن مَسْعُودٍ، وَالرُّبُعُ الآخَرُ لِعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ- وَقَالَ: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّسَاء: 6] وَاللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلا اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا.
مَا وظف على أَنْوَاع الثَّمر والرءوس وَالْأَرْض:
قَالَ: فَمَسَحَ عُثْمَانُ الأَرَضِينَ، وَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وعَلى جريب
1 الجريب مكيال قدر أَرْبَعَة أَقْفِزَة، والقفيز يعادل بِالْكَيْلِ الْمصْرِيّ نَحْو سنة عشر كيلو جرام.
2 حسب فقره وتسوطه وغناه.
الجزء 1 · صفحة 47
النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الرَّأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَطَّلَ مِنْ ذَلِكَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ. قَالَ سَعِيدٌ وَخَالَفَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي فَقَالَ: عَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ جَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ السَّوَادَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُحْصُوا؛ فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصِيبُ الاثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةَ مِنَ الْفَلاحِينَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَعْهُمْ يَكُونُوا مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِم ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما، وَأَرْبَعين وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَّمْتُ السَّوَادَ بَيْنَكُمْ. وَشَكَا أَهْلُ السَّوَادِ إِلَيْهِ فَبَعَثَ مِائَةَ فَارِسٍ، فِيهِمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمَّانِيُّ؛ فَلَمَّا رَجَعَ ثَعْلَبَةُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَرْجِعَ إِلَى السَّوَادِ أَبَدًا. لِمَا رَأَى فِيهِ مِنَ الشَّرِّ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ عَلَى مَا وَرَاءَ دِجْلَةَ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى مَا دُونَهُ؛ فَأَتَيَاهُ فَسَأَلَهُمَا: كَيْفَ وَضَعْتُمَا عَلَى الأَرْضِ، لَعَلَّكُمَا كَلَّفْتُمَا أَهْلَ عملكما مَا لَا يُطِيقُونَ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ تَرَكْتُ فَضْلا. وَقَالَ عُثْمَانُ: لَقَدْ تَرَكْتُ الضِّعْفَ. وَلَوْ شِئْتُ لأَخَذْتُهُ؛ فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لأَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لأَدَعَنَّهُمْ لَا يَفْتَقِرُونَ إِلَى أَمِيرٍ بعدِي.
قَالَ: وحثدني السَّرِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَرَضَ عَلَى الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الرَّطِبَةِ خَمْسَةً، وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ يَبْلُغُهَا الْمَاءُ عَمِلَتْ أَوْ لَمْ تَعْمَلْ دِرْهَمًا وَمَخْتُومًا "قَالَ عَامِرٌ: هُوَ الْحَجَّاجِيُّ، وَهُوَ الصَّاعُ"، وَعَلَى مَا سَقَتِ السَّمَاءُ مِنَ النَّخْلِ الْعُشْرَ وَعَلَى مَا سُقِيَ بِالدَّلْوِ نِصْفَ الْعُشْرِ1، وَمَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ عُمِلَتْ أَرْضُهُ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء.
1 وَالْأول هُوَ مَا سقِِي بالراحة وَالثَّانِي مَا سقِِي بالكلفة.
الجزء 1 · صفحة 48
قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأودي قَالَ: شهِدت عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِثَلاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَاقِفًا عَلَى حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمَا: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ. وَكَانَ عُثْمَانُ عَامِلا عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ، وَحُذَيْفَةُ على مَا رواء دِجْلَةَ مِنْ جَوْخَى وَمَا سَقَتْ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ: حَمَّلْتُ الأَرْضَ أَمْرًا هِيَ لَهُ مطيقة ولوشئت لأَضْعَفْتُ أَرْضِي.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُحْتَمِلَةٌ، وَمَا فِيهَا كَثِيرَة فَضْلٍ؛ فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْظُرَا لَا تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، أَمَا لَئِنْ بَقِيتُ لأَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لأَدَعُهُنَّ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدِي، وَكَانَ حُذَيْفَةُ عَلَى خَتْمِ جَوْخَى وَعُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ عَلَى خَتْمِ أَسْفَلِ الْفُرَاتِ -خَتْمِ الأَعْنَاقِ، قَالَ: وَأَوْصَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَصِيَّتِهِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَن يُوفى لَهُم بعدهمْ وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَأَنْ يُقَاتل من ورائهم1.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ لَمَّا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَمْسَحَ السَّوَادَ أَرْسَلَ إِلَى حُذَيْفَةَ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِدِهْقَانٍ مِنْ جَوْخَى. وَبَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِدِهْقَانٍ مِنْ قِبَلِ الْعِرَاقِ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ وَمَعَهُ تَرْجُمَانُ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ؛ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تُؤَدُّونَ إِلَى الأَعَاجِمِ فِي أَرْضِهِمْ؟ قَالُوا: سَبْعَةٌ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا أَرْضَى بِهَذَا مِنْكُمْ، وَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ2 عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ يَنَالُهُ الْمَاءُ قَفِيزًا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ قَفِيزًا مِنْ شَعِيرٍ وَدِرْهَمًا؛ فمسحا على ذَلِك؛ فَكَانَت مساحتها مُخْتَلِفَةٌ. كَانَ عُثْمَانُ عَالِمًا بِالْخَرَاجِ فَمَسَحَهَا مِسَاحَةَ الدَّيْبَاجِ، وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَكَانَ أهل جوخى قوما مَنَاكِير فَلَعِبُوا بِهِ فِي مِسَاحَتِهِ، وَكَانَتْ جَوْخَى يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ فَخَرِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَغَارَتْ مِيَاهُهَا وَقَلَّتْ مَنَافِعُهَا، وَصَارَتْ وَظِيفَتُهَا يَوْمَئِذٍ هَيِّنَةٌ لِمَا كَانُوا عَمِلُوا عَلَى حُذَيْفَةَ فِي مِسَاحَتِهِ3.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ بن عتيبة عَن عَمْرو بن مَيْمُون وَجَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ عُثْمَان بن حَنِيفٍ عَلَى السَّوَادِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يمسحه فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ مِمَّا يُعْمَلُ مِثْلُهُ درهما
1 فَإِن من ظلم معاهدا حَقه لم يرح رَائِحَة الْجنَّة -كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2 ذكرنَا معنى الجريب قبل.
3 وَهَكَذَا كل مكير يمكر الله بِهِ {ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين} يجازيهم على مَكْرهمْ.
الجزء 1 · صفحة 49
وَقَفِيزًا، وَأَلْغَى الْكَرْمَ وَالنَّخْلَ وَالرِّطَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَرْضِ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَضِيَافَةً ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لِمَنْ مر بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَجَبَاهُمْ عُثْمَانُ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ: إِنَّهُمْ يُطِيقُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَسَحَ السَّوَادَ مَا دُونَ جَبَلِ حُلْوَانَ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ يَنَالهُ المَاء بدلُوا أَوْ بِغَيْرِهِ زُرِعَ أَوْ عُطِّلَ1 دِرْهَمًا وَقَفِيزًا وَاحِدًا، وَمِنْ كُلِّ رَأْسٍ مُوسِرٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَمِنَ الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمِنَ الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَخَتَمَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ رَصَاصًا، وَأَلْغَى لَهُمُ النَّخْلَ عَوْنًا لَهُمْ وَأَخَذَ مِنْ جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْ جَرِيبِ السِّمْسِمِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنَ الْخُضَرِ مِنْ غَلَّةِ الصَّيْفِ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْ جَرِيبِ الْقُطْنِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ إِذَا صَالَحَ قَوْمًا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مِنَ الْخَرَاجِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْ يُقْرُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ2، وَأَن يهدوا الطَّرِيق وَلَا يمالئوا علينا عدونا وَلَا يئووا لَنَا مُحْدِثًا؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فهم آمنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَهُم بذلك ذمَّة اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ معرة الْجَيْش3.
1 إِذا الْعَيْب على صَاحبه الَّذِي عطله عَن الزَّرْع.
2 أَي يضيفون الغرباء.
3 معرة الْجَيْش أَن ينزلُوا بِقوم فَيَأْكُلُونَ من زرعهم وَأَمْوَالهمْ بِمَا لم يُؤْذونَ لَهُم فِيهِ.
الجزء 1 · صفحة 50
فَصْلٌ: فِي أَرْضِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ الشَّامِ والجزية وَفُتُوحِهِمَا، وَمَا كَانَ جَرَى عَلَيْهِ الصُّلْحُ فِيمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ مِنْهُمَا؛ فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ لَهُ عِلْمٌ بِأَمْرِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ فِي فَتْحِهِمَا أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ: حَفِظَكَ اللَّهُ وَعَافَاكَ، قَدْ جَمَعْتُ لَكَ مَا عِنْدِي مِنْ عِلْمِ الشَّام والجزيرة وَلَيْسَ بِشَيْء حَفِظْتُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَلا عَمَّنْ يُسْنِدُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ؛ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ من حَدِيث من ويصف بِعِلْمِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْأَلْ عَنْ إِسْنَاده أحدا مِنْهُم.
قسْمَة أَرض الجزيرة قبل الْفَتْح:
إِنَّ الْجَزِيرَةَ كَانَتْ قَبْلَ الإِسْلامِ طَائِفَةٌ مِنْهَا لِلرُّومِ، وَطَائِفَةٌ لِفَارِسَ، وَلِكُلٍّ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْهَا جند وعمال؛ فَكَانَت رَأْي الْعَيْنِ فَمَا دُونَهَا إِلَى الْفُرَاتِ لِلرُّومِ، وَنَصِيبَيْنَ وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى دِجْلَةَ لِفَارِسٍ، وَكَانَ سَهْلُ مَارْدِينَ وَدَارَا إِلَى سِنْجَارَ وَإِلَى الْبَرِّيَّةِ لِفَارِسَ، وَجَبَلُ مَارْدِينَ وَدَارَا وَطُورِ عَبْدِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَتْ مَسْلَحَةُ1 مَا بَيْنَ الرُّومِ وَفَارِسِ حِصْنًا يُقَالُ لَهُ حِصْنُ سِرْجَةَ بَيْنَ دَارَا وَبَين نَصِيبين.
من فتح الشَّام:
فَلَمَّا تَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ؛ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَدْ بَعَثَ مَعَهُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَسَمَّى لَهُ وِلايَةَ الأَرْدُنَّ وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَسَمَّى لَهُ دِمَشْقَ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَمَدَّهُ بِهِ مِنَ الْيَمَامَةِ وسمى لَهُ حمص، وأمده بَعْدَمَا شَارَفَ الشَّامَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَقَامَ أَبُو عُبَيْدَة بِأَطْرَافِ الشَّامِ وَمَضَى شُرَحْبِيلُ إِلَى الأُرْدُنِّ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى دِمَشْقَ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى حِمْصَ. فَلَمَّا انْتَظَمَ لَهُمُ الأَمْرُ وَاسْتَقَامَ وَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ شُرَحْبِيلَ إِلَى قِنَّسْرِينَ فَفَتحهَا.
1 المسلح والمسلحة: كل مَوضِع مَخَافَة يقف فِيهِ الْجند بِالسِّلَاحِ للمراقبة والمحافظة.
الجزء 1 · صفحة 51
دُخُول الرها وَمَا صولح عَلَيْهِ أَهلهَا:
وَوَجَّهَ عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَمَدِينَةِ مَلِكِ الرُّومِ يَوْمَئِذٍ الرُّهَا فَعَمَدَ لَهَا عِيَاضُ بن غنم، وَلم يتَعَرَّض لشَيْء مِمَّا مَرَّ بِهِ مِنَ الْقُرَى وَالرَّسَاتِيقِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَلا جُنْدًا حَتَّى نَزَلَ الرَّهَا فَأَغْلَقَ أَصْحَابُهَا أَبْوَابَهَا وَأَقَامَ عِيَاضٌ عَلَيْهَا لُبْثًا لَمْ يُسَمَّ لِي؛ فَلَمَّا رأى صَاحبهَا الحاصر وَيَئِسَ مِنَ الْمَدَدِ فَتَحَ لَهَا بَابا من الْجَبَلِ لَيْلا فَهَرَبَ، وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَبَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَهْلُهَا مِنَ الأَنْبَاطِ وَهُمْ كَثِيرٌ، وَمَنْ لَمْ يُرِدِ الْهَرَبَ مِنَ الرُّومِ وَهُمْ قَلِيلٌ؛ فَأَرْسَلُوا إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنَمٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ سَمَّوْهُ فَكَتَبَ عِيَاضٌ بِذَلِك إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ؛ فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ بَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ؛ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهُمُ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى فَعَجَزُوا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُمْ وَلَمْ تَجِدْ بُدًا مِنْ إبِْطَال مَا اشتطرت عَلَيْهِمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ أَيْسَرُوا أَدَّوْهُ عَلَى غَيْرِ الصَّغَارِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهِمْ؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمُ الصُّلْحَ وَأَعْطِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الطَّاقَةَ، فَإِن أَيْسَرُوا أَوْ أَعْسَرُوا لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِمْ إِلا مَا يَطِيقُونَ، وَتَمَّ لَكَ شَرْطُكَ وَلَمْ يَبْطُلْ.
فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنَمٍ؛ فَلَمَّا أَتَى عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ الْكِتَابُ أَعْلَمَهُمْ مَا جَاءَ فِيهِ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَالَ قَائِلٌ: قَبِلُوا الصُّلْحَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. وَقَالَ آخَرُ: أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَلِمُوا أَنَّ فِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالا وَفُضُولا تَذْهَبُ إِنْ أُخِذُوا بِالطَّاقَةِ وَأَبَوْا إِلا شَيْئًا مُسَمًّى؛ فَلَمَّا رَأَى عِيَاضٌ إِبَاءَهُمْ وَحَصَانَةَ مَدِينَتِهِمْ وَآيِسَ مِنْ فَتْحِهَا عُنْوَةً صَالَحَهُمْ عَلَى مَا سَأَلُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ إِلا أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ وَقَعَ وَفُتِحَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ لَا شكّ فِي ذَلِك.
دُخُول حران وَالصُّلْح مَعَ أَهلهَا:
ثُمَّ سَارَ عِيَاضُ بْنُ غَنَمٍ إِلَى حرَام أَوْ بَعَثَ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ الْمَدَائِنِ إِلَيْهِ فَأَغْلَقَهَا أَهْلُهَا مِنَ الأَنْبَاطِ وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنَ الرُّومِ وَكَانُوا بِهَا؛ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا أَعْطَى أَهْلَ الرَّهَا؛ فَلَمَّا رَأَوْا مَدِينَةَ مُلْكِهِمْ قَدْ فُتِحَتْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ أَجْمَعُونَ.
فَأَمَّا الْقُرَى وَالرَّسَاتِيقَ فَإِنَّ أحدا مِنْهُمْ لَمْ يَدَعْ وَلَمْ يَمْتَنِعْ؛ إِلا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ كَوْرَةٍ كَانُوا إِذَا فُتِحَتْ مَدِينَتُهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ أُسْوَةَ أَهْلِ مَدِينَتِنَا وَرُؤَسَائِنَا.
وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ عِيَاضًا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَلا أَبَاهُ عَلَيْهِمْ؛ فَأَمَّا مَنْ وَلِيَ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ فَتْحِهَا فَإِنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أُسْوَةَ أهل الْمَدَائِن إِلَّا فِي أزراق الْجند فَإِنَّهُم
الجزء 1 · صفحة 52
حَمَّلُوهَا عَلَيْهِمْ دُونَ أَهْلِ الْمَدَائِنِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ: إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لأَنَّ أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أَصْحَابُ الأَرَضِينَ وَالزَّرْعِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْمَدَائِنِ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ يَقُولُونَ: حَقُّنَا فِي أَيْدِينَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي دَوَاوِينِكُمْ وَقَدْ جَهِلْتُمْ وَجَهِلْنَا كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ الأَمْرِ؛ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أَنْ تُحْدِثُوا عَلَيْنَا مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ ثَبْتٌ وَتَنْقُضُونَ هَذَا الأَمْرَ الثَّابِتَ فِي أَيْدِيكُمْ الَّذِي لَمْ نَزَلْ عَلَيْهِ.
مَا وضع على أهل فَارس:
وَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِي أَهْلِ فَارِسٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ فَإِنَّهُ لم يبلغنِي فِيهِ شَيْءٍ أَحْفَظُهُ؛ إِلا أَنَّ فَارِسَ لَمَّا هُزِمَتْ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ هُنَالِكَ مِنْ جُنُودِهِمْ تَحَمَّلُوا بِجَمَاعَتِهِمْ وَعَطَّلُوا مَا كَانُوا فِيهِ إِلا أَهْلَ سِنْجَارَ؛ فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا بِهَا مَسْلَحَةً يَذُبُّونَ عَنْ سَهْلِهَا وَسَهْلِ مَارْدِينَ وَدَارَا؛ فَأَقَامُوا فِي مَدِينَتِهِمْ؛ فَلَمَّا هَلَكَتْ فَارِسٌ وَأَتَاهُمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ أَجَابُوا وَأَقَامُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَوَضَعَ عِيَاضُ بْنُ غَنَمٍ الْفِهْرِيُّ على الجماجم الْجِزْيَة1 عَلَى كُلِّ جُمْجُمَةٍ دِينَارًا وَمُدَّيْنِ قَمْحًا وَقِسْطَيْنِ زَيْتًا وَقِسْطَيْنِ خَلا، وجعلهم جَمِيعًا طَبَقَةً وَاحِدَةً؛ فَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ هَذَا عَلَى صُلْحٍ وَلا عَلَى أَمْرٍ أَثْبَتَهُ، وَلا بِرِوَايَةٍ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَلا بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ.
فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعَثَ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيِّ فَاسْتَقَلَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فَأَحْصَى الْجَمَاجِمَ، وَجَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ عُمَّالا بِأَيْدِيهِمْ، وَحَسَبَ مَا يَكْسِبُ الْعَامِلُ سَنَتَهُ كُلَّهَا ثُمَّ طَرَحَ مِنْ ذَلِكَ نَفَقَتَهُ فِي طَعَامِهِ وَأُدْمِهِ2 وَكِسْوَتِهِ وَحِذَائِهِ وَطَرَحَ أَيَّامَ الأَعْيَادِ فِي السَّنَةِ كُلَّهَا؛ فَوَجَدَ الَّذِي يُحْصَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا وَجَعَلَهَا طَبَقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ حَمَلَ الأَمْوَالَ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهَا وَبُعْدِهَا فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ مِائَةِ جَرِيبِ زَرْعٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ أَصْلِ كَرْمٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ أَلْفَيْ أَصْلٍ مِمَّا بَعُدَ دِينَارًا، وَعَلَى الزَّيْتُونِ عَلَى كُلِّ مِائَةِ شَجَرَةٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ مِائَتَيْ شَجَرَةٍ مِمَّا بَعُدَ دِينَارًا، وَكَانَ غَايَةُ الْبُعْدِ عِنْدَهُ مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا دُونَ الْيَوْمِ فَهُوَ فِي الْقُرْبِ. وَحُمِلَتِ الشَّامُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَحُمِلَتِ الْموصل على مثل ذَلِك.
1 أَي جِزْيَة الرُّءُوس.
2 مَا يَأْكُل مَعَ الْخبز.
الجزء 1 · صفحة 53
فَصْلٌ: كَيْفَ كَانَ فَرْضُ عُمَرَ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي عَنْهُم
قسْمَة أبي بكر على النَّاس:
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَالٌ؛ فَقَالَ: من كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ فَلْيَأْتِ؛ فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرين أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا1 يُشِير بِيَدِهِ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: خُذْ؛ فَأَخَذَ بكفيه ثمَّ عده فَوَجَدَهُ خَمْسَمِائَةٍ
فَقَالَ: خُذْ إِلَيْهَا أَلْفًا؛ فَأَخَذَ أَلْفًا ثُمَّ أَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَهُ شَيْئًا، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَالِ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى. فَخَرَجَ عَلَى سَبْعَةِ دَرَاهِمَ وَثُلُثٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ جَاءَ مَالٌ كَثِيرٌ هُوَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَصَابَ كُلُّ إِنْسَانٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. قَالَ فَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّكَ قَسَّمْتَ هَذَا الْمَالَ فَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنَ النَّاسِ أُنَاسٌ لَهُمْ فَضْلٌ وَسَوَابِقُ وَقِدَمٌ؛ فَلَوْ فَضَّلْتَ أَهْلَ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ وَالْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ وَالْفَضْلِ فَمَا أَعْرَفَنِي بِذَلِك؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَهَذَا مَعَاشٌ فَالأُسْوَةُ فِيهِ خير من الأثرة.
مفاضلة عمر رَضِي الله عَنهُ بَين النَّاس فِي الْقِسْمَة:
فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَجَاءَتِ الْفُتُوحُ فَضْلٌ، وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَ؛ فَفَرَضَ لأَهْلِ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ2، وَلِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِمَنْ كَانَ لَهُ إِسْلامٌ كَإِسْلامِ أَهْلِ بَدْرٍ دُونَ ذَلِكَ، أَنْزَلَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلهمْ من السوابق.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلَى عَمْرَةَ وَغَيْرُهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَت عمر
1 يَعْنِي ثَلَاث مَرَّات وَلذَلِك أعطَاهُ ألفا وَخَمْسمِائة.
2 أَي لكل وَاحِد خَمْسَة آلَاف.
الجزء 1 · صفحة 54
ابْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْفُتُوحُ وَجَاءَتِ الأَمْوَالُ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى فِي هَذَا الْمَالِ رَأْيًا وَلِي فِيهِ رَأْيٌ آخَرُ، لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ.
فَفَرَضَ للمهاجرين وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِمَنْ كَانَ إِسْلامُهُ كَإِسْلامِ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عشر ألفا اثْنَي عشر ألفا إِلا صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ؛ فَإِنَّهُ فَرَضَ لَهما سِتَّةَ آلافٍ سِتَةَ آلافٍ؛ فَأَبَيَا أَنْ يَقْبَلا؛ فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّمَا فرضت لَهُنَّ لِلْهِجْرَةِ. فَقَالَتَا: لَا إِنَّمَا فَرَضْتَ لَهُنَّ لِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَنَا مِثْلُهُ؛ فَعَرَفَ ذَلِكَ عُمَرُ فَفرض لَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.
وَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَفَرَضَ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -ابْنِهِ- ثَلاثَةَ آلافٍ؛ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، لِمَ زِدْتَهُ عَلَيَّ أَلْفًا1، مَا كَانَ لأَبِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لأَبِي، وَمَا كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِي، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا أُسَامَةَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكَ، وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، أَلْحَقَهُمَا بِأَبِيهِمَا لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفَرَضَ لأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ؛ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: زِيدُوهُ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: مَا كَانَ لأَبِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ لآبَائِنَا، وَمَا كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَنَا. فَقَالَ: إِنِّي فَرَضْتُ لَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سَلَمَةَ أَلْفَيْنِ وَزِدْتُهُ بِأُمِّهِ أُمِّ سَلَمَةَ2 أَلْفًا، فَإِنْ كَانَ لَكَ أُمٌّ مِثْلَ أُمِّ سَلَمَةَ زِدْتُكَ أَلْفًا.
وَفَرَضَ لأَهْلِ مَكَّةَ وَالنَّاسِ ثَمَانِمِائَةٍ ثَمَانِمِائَةٍ؛ فَجَاءَ طَلْحَة بن عَبدِي اللَّهِ بِأَخِيهِ عُثْمَانَ فَفَرَضَ لَهُ ثَمَانِمِائَةٍ فَمَرَّ بِهِ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ عُمَرُ: افْرِضُوا لَهُ أَلْفَيْنِ. فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: جِئْتُكَ بِمِثْلِهِ فَفَرَضْتَ لَهُ ثَمَانِمِائَةٍ وَفَرَضْتَ لِهَذَا أَلْفَيْنِ. فَقَالَ: إِنَّ أَبَا هَذَا لَقِيَنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْتُ: مَا أُرَاهُ إِلا قَدْ قُتِلَ. فَسَلَّ سَيْفَهُ وَكَسَرَ غِمْدَهُ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَبُو هَذَا يَرْعَى الشَّاءَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَعمل عمر بِهَذَا مُدَّة خِلَافَته.
1 لم يَقُولُوا ذَلِك طَمَعا فِي المَال؛ وَإِنَّمَا خَافُوا أَن يقلل ذَلِك من شرفهم فِي الْإِسْلَام -رَضِي الله عَن صحابة رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم أجعين.
2 إِذْ كَانَت زوجا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ابْنهَا ربيبه.
الجزء 1 · صفحة 55
أَثَرَة عمر رَضِي الله عَلَى نَفْسِهِ:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ لِلنَّاسِ -وَكَانَ رَأْيُهُ خَيْرًا مِنْ رَأْيِهِمْ- قَالُوا لَهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، قَالَ: لَا فَبَدَأَ بِالأَقْرَبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ ثُمَّ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حَتَّى وَالَى بَيْنَ خَمْسِ قَبَائِلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَمَّنْ شَهِدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَفَتَحَ فَارِسَ وَالرُّومَ جَمَعَ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ؛ فَإِنِّي أَرَى أَنْ أجعَل عَطاء النَّاس ي كُلِّ سَنَةٍ وَأَجْمَعَ الْمَالَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ. قَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُوَفَّقٌ. قَالَ: فَفَرَضَ الأُعْطِيَاتِ، فَدَعَا بِاللَّوْحِ فَقَالَ: بِمَنْ أَبْدَأُ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ رَهْطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَكَتَبَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ -مِنْ مَوْلًى أَوْ عَرَبِيٍّ1- لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ آلافٍ خَمْسَةُ آلافٍ، وَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ وَفَرَضَ لِلْبَدْرِيِّينَ أَجْمَعِينَ -عَرَبِيِّهِمْ وَمَوْلاهُمْ- خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِلأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ؛ فَكَانَ أَوَّلُ أَنْصَارِي فرض لَهُ مُحَمَّد ابْن مَسْلَمَةَ وَفَرَضَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَة آلافٍ عَشْرَةَ آلافٍ وَفَرَضَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا2، وَفَرَضَ لِمُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَفرض لعمل بْنِ أَبِي سَلَمَةَ لِمَكَانِ أُمِّ سَلَمَةَ أَرْبَعَةَ آلافٍ.
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: لِمَ تُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَيْنَا أَلِهِجْرَةِ أَبِيهِ؟ فَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا وَشَهِدُوا بَدْرًا.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي يَسْتَعْتِبُ بِأُمٍّ مِثْلَ أُمِّهِ أُعْتِبُهُ3.
وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم4.
1 وَهَكَذَا هُوَ الْإِسْلَام لَا يفرق بَين أحد وَغَيره إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالح.
2 إِذْ كَانَت حب رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، اللَّهُمَّ ارزقنا حبه وَحب من أحبه وَحب من يُحِبهُ آمين يَا رب الْعَالمين.
3 أَي أزيل عتابه.
4 ولدا فَاطِمَة الزهراء سيدة نسَاء أهل الْجنَّة وَسَيِّدًا شباب أهل الْجنَّة ولدا الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب -جمعا الْفضل من جَمِيع جوانبه فَمن مثلهمَا.
الجزء 1 · صفحة 56
ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ ثَلاثَمِائَةٍ ثَلاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ لِلْعَرَبِيِّ وَالْمَوْلَى، وَفَرَضَ لِنِسَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ سِتَّمِائَةٍ سِتَّمِائَةٍ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَلاثَمِائَةٍ ثَلاثَمِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ وَفَرَضَ لأُنَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِلْمِرْقَالِ حِينَ أَسْلَمَ أَلْفَيْنِ، وَقَالَ لَهُ: دَعْ أَرْضِي فِي يَدِي أُعَمِّرُهَا وَأُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ مَا كَانَتْ تُؤَدِّي. فَفَعَلَ.
قَالَ مُجَالِدٌ: فَكَانَتْ عَمَّةٌ لِي أَعْطَاهَا مِائَتَيْنِ؛ فَلَمَّا أَمَّرَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْكُوفَة ألغى أَحدهمَا؛ فَلَمَّا قدم على رَضِي الله عَنهُ دَخَلَ عَلَيَّ عَائِدًا لِجَدِّي فَكَلَّمْتُهُ فِيهَا فأثبتها لَهَا.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قالَ: قَدِمْتُ من الْبَحْرين بخسمائة أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخطاب رَضِي الله عَنْهُ مُمْسِيًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْبِضْ هَذَا الْمَالَ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَتَدْرِي كَمْ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِائَةُ أَلْفٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ: أَنْتَ نَاعِسٌ، اذْهَبْ فَبِتِ اللَّيْلَةَ حَتَّى تُصْبِحَ؛ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: اقْبِضْ مِنِّي هَذَا الْمَالَ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أَمِنْ طِيبٍ هُوَ؟ قَالَ قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ إِلا ذَاكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ مَالٌ كَثِيرٌ فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نُكِيلَ لَكُمْ كِلْنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعُدَّ لَكُمْ عَدَدْنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَزِنَ لَكُمْ وَزَنَّا لَكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ دون للنَّاس دَوَاوِينَ يُعْطَوْنَ عَلَيْهَا. فَاشْتَهَى عُمَرُ ذَلِك.
مَا فَرْضه عمر للصحابة:
فَفَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَلِلأَنْصَارِ ثَلاثَةَ آلافٍ ثَلاثَةَ آلافٍ، وَلأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، قَالَ: فَلَمَّا آتى زَيْنَب بنت جَحْشٍ مَالَهَا قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كَانَ فِي صَوَاحِبَاتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَى قِسْمَةِ هَذَا الْمَالِ مِنِّي؛ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَكِ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَصُبَّ وَغَطَّتْهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ قَالَتْ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهَا: أدخلي يَديك لآلِ فُلانٍ وَآلِ فُلانٍ؛ فَلَمْ تَزَلْ تُعْطِي لآلِ فُلانٍ وَآلِ فُلانٍ حَتَّى قَالَتْ لَهَا الَّتِي تُدْخِلُ يَدَهَا لَا أَرَاكِ تَذْكُرِينِي وَلِي عَلَيْكِ حَقٌّ. فَقَالَتْ: لَكِ مَا تَحْتَ الثَّوْبِ. قَالَ: فَكَشَفَتِ الثَّوْب فَإِذا ثمَّ [هُنَاكَ] خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا قَالَ: ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي عَطَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ عَامِي هَذَا أَبَدًا، قَالَ: فَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَذكرنَا لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ أَسْخَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعطاهن.
الجزء 1 · صفحة 57
وَجَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَطَاءَ الأَنْصَارِ؛ فَبَدَأَ بِأَهْلِ الْعَوَالِي، فَبَدَأَ بِبَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الأَوْسِ لِبُعْدِ مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ الْخَزْرَجِ حَتَّى كَانَ هُوَ آخِرُ النَّاسِ، وَهُمْ بَنُو مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَمَلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَلْفَ أَلْفٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ: بِكَمْ قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: بِأَلْفِ أَلْفٍ. قَالَ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ قَالَ: نَعَمْ، قَدِمْتُ بِمَائَةِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفٍ حَتَّى عَدَّ عَشْرَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ بِالْيَمَنِ وَدَمُهُ فِي وَجهه.
التَّفَاضُل فِي الْعَطاء وَسَببه:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِب عَن يزِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا أَحَدٌ إِلا وَلَهُ فِي هَذَا المَال حَتَّى أُعْطِيَهُ أَوْ مُنِعَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ1، وَمَا أَنَا فِيهِ إِلَّا كأحدكم، وَلَكنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَالرَّجُلُ وَتِلادُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغِنَاهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ فِي الإِسْلامِ. وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمَرَّ وَجْهُهُ يَعْنِي فِي طَلَبِهِ2. قَالَ: وَكَانَ دِيوَانُ حِمْيَرَ عَلَى حِدَةٍ، وَكَانَ يَفْرِضُ لأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَالْقُرَى فِي الْعَطَاءِ مَا بَيْنَ تِسْعَةِ آلافٍ وَثَمَانِيَةِ آلافٍ وَسَبْعَةِ آلافٍ عَلَى قَدْرِ مَا يُصْلِحُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَمَا يَقُومُونَ بِهِ من الْأُمُور.
عَطاء الْأَطْفَال:
قَالَ: وَكَانَ لِلْمَنْفُوسِ إِذَا طَرَحَتْهُ أُمُّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ فَإِذَا تَرَعْرَعَ بَلَغَ بِهِ مِائَتَيْنِ؛ فَإِذَا بَلَغَ زَادَهُ. قَالَ: وَلَمَّا رَأَى الْمَالَ قَدْ كَثُرَ قَالَ لَئِنْ عِشْتُ إِلَى هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنْ قَابِلٍ لأُلْحِقَنَّ أُخْرَى النَّاسِ بِأُولاهُمْ حَتَّى يَكُونُوا فِي الطَّاء سَوَاءٌ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ قبل ذَلِك.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُ بِأَخْمَاسِ فَارِسٍ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَجِنُّهَا سَقْفٌ دُونَ السَّمَاءِ حَتَّى أُقَسِّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ بَيْنَ صَفَّيِّ الْمَسْجِد
1 إِذْ العَبْد وَمَا فِي يَده ملك لسَيِّده فَهُوَ لَا يملك اسْتِقْلَالا.
2 إِذْ الطَّالِب عَادَة مَا يخجل والحمرة دَلِيل عَلَيْهِ.
الجزء 1 · صفحة 58
وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمَ فَبَاتَا عَلَيْهَا، ثُمَّ غَدَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِالنَّاسِ عَلَيْهِ فَأمر بالجلابيب فَكُشِفَتْ عَنْهَا فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى شَيْء لم تَرَ عَيناهُ مِثْلَهُ مِنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَبَكَى؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا مِنْ مَوَاقِفِ الشُّكْرِ، فَمَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَجَلْ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ قَوْمًا هَذَا إِلا أَلْقَى بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَة والبغضاء، ثمَّ قَالَ: أنحشو لَهُمْ أَوْ نَكِيلُ لَهُمْ بِالصَّاعِ؟ قَالَ: ثُمَّ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَن يحشو لَهُم فحشا لَهُمْ قَالَ: وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يدون الدَّوَاوِين.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَن جَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَأَلَ: كَمْ يَكْفِي الْعَيِّلَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ بِجَرِيبٍ يَكُونُ سَبْعَةَ أَقْفِزَةٍ فَخُبِزَ وَجُمِعَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأَشْبَعَهُمْ وَفَعَلَ بِالْعَشِيِّ مِثْلَهُ قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ لِلْعَيِّلِ جَرِيبَيْنِ فِي الشَّهْرِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ لَنَا قَدِيمٌ قَالَ حَدثنِي أشياخي قَالُوا: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَرْبَعَةُ آلافِ فَرَسٍ مَوْسُومَةٌ1 فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا كَانَ فِي عَطَاءِ الرَّجُلِ خِفَّةٌ أَوْ كَانَ مختاجا أَعْطَاهُ الْفَرَسَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ أَعْيَيْتَهُ أَوْ ضَيَّعْتَهُ مِنْ عَلَفٍ أَوْ شُرْبٍ فَأَنْتَ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَاتَلْتَ عَلَيْهِ فَأُصِيبَ أَوْ أُصِبْتَ فَلَيْسَ عَلَيْك شَيْء.
1 أَي عَلَيْهَا عَلامَة.
الجزء 1 · صفحة 59
فَصْلٌ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي السوَاد
قَالَ أَبُو يُوسُف: رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ: نَظَرْتُ فِي خَرَاجِ السَّوَادِ وَفِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُجْبَى عَلَيْهَا، وَجَمَعْتُ فِي ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْخَرَاجِ وَغَيْرِهِمْ وَنَاظَرْتُهُمْ فِيهِ؛ فَكُلٌّ قَدْ قَالَ فِيهِ بِمَا لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؛ فَنَاظَرْتُهُمْ فِيمَا كَانَ وُظِّفَ عَلَيْهِمْ فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي خَرَاجِ الأَرْضِ وَاحْتِمَالِ أَرْضِهِمْ إِذْ ذَاكَ لِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ؛ حَتَّى قَالَ عُمَرُ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ -وَكَانَ عُثْمَانُ عَامِلُهُ إِذْ ذَاكَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ وَحُذَيْفَةُ عَامِلُهُ عَلَى مَا وَرَاءِ دِجْلَةَ مِنْ جَوْخَى وَمَا سَقَتْ-
فَقَالَ عُثْمَانُ: حَمَّلْتُ الأَرْضَ أَمْرًا هِيَ لَهُ مطيقة، وَلَو شِئْت لأشعفت.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُحْتَمِلَةٌ وَمَا فِيهَا كَثِيرُ فَضْلٍ، وَإِنَّ أَرَاضِيهِمْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْخَرَاجُ الَّذِي وُظِّفَ عَلَيْهَا؛ إِذْ كَانَ صاحبا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِ اخْتِلافٌ؛ فَذَكَرُوا أَنَّ الْعَامِرَ كَانَ مِنَ الأَرَضِينِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كثيرا وَأَن الْمُعَطل مِنْهَا كَانَ يَسِيرًا، وَوَصَفُوا كَثْرَةَ الْعَامِرِ الَّذِي لَا يُعْمَلُ وَقِلَّةَ الْعَامِرِ الَّذِي يُعْمَلُ، وَقَالُوا لَوْ أَخَذْنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ الْخَرَاجِ الَّذِي كَانَ حَتَّى يَلْزَمَ لِلْعَامِرِ الْمُعَطَّلِ مِثْلَ مَا يلْزم لِلْعَامِلِ المعتمل، ثمَّ تقوم بِعِمَارَةِ مَا هُوَ السَّاعَةَ غَامِرٌ وَلَا نحرثه لِضَعْفِنَا عَنْ أَدَاءِ خَرَاجِ مَا لم نعمله وَقلة ذَات أَيْدِينَا.
فَأَما مَا تعطل مُنْذُ مائَة سنة وَأكْثر وَأَقل؛ فَلَيْسَ يُمكن عِمَارَته وَلا اسْتِخْرَاجِهِ فِي قَرِيبٍ وَلِمَنْ يَعْمُرُ ذَلِكَ حَاجَةٌ إِلَى مُؤَنَةٍ وَنَفَقَةٍ لَا تُمْكِنُهُ؛ فَهَذَا عُذْرُنَا فِي تَرْكِ عِمَارَةِ مَا قَدْ تَعَطَّلَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ وَظِيفَةً مِنَ الطَّعَامِ -كَيْلًا مُسَمًّى أَوْ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ مُخْتَلَفًا- فِيهِ دَخَلٌ عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَظِيفَة الطَّعَام فِي الرُّخص والغلاء:
أَمَّا وَظِيفَةُ الطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ رَخِصًا فَاحِشًا لَمْ يَكْتَفِ السُّلْطَانُ بِالَّذِي وَظَّفَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِالْحَطِّ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْوَ بِذَلِكَ الْجُنُودُ وَلَمْ تُشْحَنْ بِهِ الثغور، وَإِمَّا غلاء فَاحِشا
الجزء 1 · صفحة 60
لَا يَطِيبُ السُّلْطَانُ نَفْسًا بِتَرْكِ مَا يَسْتَفْضِلُ أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ ذَلِكَ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقُومَانِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِد.
وَظِيفَة الدَّرَاهِم:
وَكَذَلِكَ وَظِيفَةُ الدَّرَاهِمِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَفْسِيرُهَا يَطُولُ، وَلَيْسَ لِلرِّخَصِ وَالْغَلاءِ حَدٌّ يُعْرَفُ وَلا يُقَامُ عَلَيْهِ؛ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ لَا يُدْرَى كَيْفَ هُوَ. وَلَيْسَ الرُّخْصُ مِنْ كَثْرَةِ الطَّعَامِ وَلا غَلاؤُهُ مِنْ قِلَّتِهِ؛ إِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الطَّعَامُ كَثِيرًا غَالِيًا، وَقَدْ يَكُونُ قَلِيلا رخيصا.
القَوْل فِي التسعير:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ السِّعْرَ غَلا فِي زَمَنِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ: إِنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلا فَوَظِّفْ وَظِيفَة نقوم عَلَيْهَا. "إِنَّ الرُّخْصَ وَالْغَلاءَ بِيَدِ اللَّهِ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَجُوزَ أَمْرَ الله وقضاءه".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ أَبُو حَمْزَةَ الْيَمَانِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّاسُ: الرَّسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلا؛ فَسَعِّرْ لَنَا سِعْرًا. فَقَالَ "إِنَّ السِّعَر غَلاؤُهُ وَرُخْصُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ يَطْلُبُنِي بِهَا".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: غَلا السِّعْرُ عَلَى عَهْد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تُسَعِّرْ لَنَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَابِضُ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْبَاسِطُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أُعْطِيكُمْ شَيْئًا وَلا أَمْنَعُكُمُوهُ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ أَضَعُ هَذَا الأَمْرَ حَيْثُ أُمِرْتُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي نَفْسٍ وَلا دم وَلَا مَال".
مَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ فِيمَا بَينهم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا مَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْل الْخراج فِيمَا بَينهم؛ فَلَا بُد لِهَاتَيْنِ الطَّبَقَتَيْنِ مِنْ مِسَاحَةٍ أَوْ طِرَادَةٍ. وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْقُوَّةِ أَهْلَ الضَّعْفِ، وَاسْتَأْثَرُوا بِهِ وَحَمَلُوا الْخَرَاجَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَعَلَى الإِنْكَارِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَوْلَا أَن تطول لفسترها؛ وَلَكِنِّي قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْجُو أَنْ يُكْتَفَى بِهِ فِي جبابة الْخراج والعشور
الجزء 1 · صفحة 61
وَالصَّدَقَاتِ وَالْجَوَالِيَ وَفِي الْعَمَلِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًَا أَوْفَرَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلا أَعْفَى لأَهْلِ الْخَرَاجِ مِنَ التَّظَالُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَمْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلا أَعْفَى لَهُمْ مِنْ عَذَابِ وُلاتِهِمْ وَعُمَّالِهِمْ مِنْ مُقَاسَمَةٍ عَادِلَةٍ خَفِيفَةٍ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ رِضًا وَلأَهْلِ الْخَرَاجِ مِنَ التَّظَالُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَمْلِ بَعضهم على بعض رَاحَة وَفضل، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ- أَعْلَى بِذَلِكَ عَيْنًا وَأَحْسَنَ فِيهِ نَظَرًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ بِهِ من دينه وعباده، وَاللَّهُ أَسْأَلُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ التَّوْفِيقَ فِيمَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ وَأَحَبَّ، وَحُسْنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الرَّشَادِ، وَصَلاحِ الدَّين والرعية.
الْمُقَاسَمَة على أَنْوَاع من الزَّرْع:
رَأَيْتُ -أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- أَنْ يُقَاسَمَ مِنْ عَمَلِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ جَمِيعًا عَلَى خُمْسَيْنِ لِلسَّيِّحِ مِنْهُ، وَأَمَّا الدَّوَالِي فَعَلَى خُمُسٍ وَنِصْفٍ، وَأَمَّا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ وَالرِّطَابِ وَالْبَسَاتِينِ فَعَلَى الثُّلُثِ، وَأَمَّا غِلالُ الصَّيْفِ فَعَلَى الرُّبُعِ، وَلا يُؤْخَذُ بِالْخَرَصِ فِي شَيْء من ذَلِك، وَلَا يحرز عَليْهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ يُبَاعُ مِنَ التُّجَّارِ ثُمَّ تَكُونُ الْمُقَاسَمَاتُ فِي أَثْمَانِ ذَلِكَ أَوْ يُقَوَّمُ ذَلِكَ قِيمَةً عَادِلَةً لَا يَكُونُ فِيهَا حَمْلٌ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ، وَلا يَكُونُ عَلَى السُّلْطَانِ ضَرَرٌ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَخَفَّ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقِسْمَةُ الثَّمَنِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ، أَخَفَّ فعل ذَلِك بهم.
مُعَاملَة أهل خَيْبَر:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى الْيَهُودِ مُسَاقَاةً بِالنِّصْفِ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ أَيُّ النِّصْفَيْنِ شَاءُوا، أَوْ يَقُولُ لَهُمُ: اخْرُصُوا أَنْتُمْ وَخَيِّرُونِي فَيَقُولُونَ: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ1.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ بِالنِّصْفِ؛ فَكَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي حَيَاةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَعَامَّةِ وِلايَةِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ هُوَ الَّذِي نَزَعَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ:
1 أَي بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمر بِهِ الْإِسْلَام حَتَّى مَعَ أعدائه.
الجزء 1 · صفحة 62
لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرًا قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا أَرْبَابُ الأَمْوَالِ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ فَعَامِلُونَا بِهَا؛ فَعَامَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنَّا إِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ؛ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ خَيْبَرَ سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَنَزَلُوا عَلَى مَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَصُونَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْلِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ؛ فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1؛ وَذَلِكَ أَنَّه لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُقْسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِعَمَلِهَا مِنْكُمْ فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا بِالنِّصْفِ، ثُمَّ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ يُقَسِّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَأَهْدَوْا إِلَيْهِ فَرَدَّ هَدِيَّتَهُمْ، وَقَالَ: لَمْ يَبْعَثْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ؛ وَإِنَّمَا بَعَثَنِي لأَقْسِمَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ عَمِلْتُ وَعَالَجْتُ وَكِلْتُ لَكُمُ النِّصْفَ وَإِنْ شِئْتُمْ عَمِلْتُمْ وعالجتم وكلتم لنا النّصْف؛ فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا صَالَحْنَا أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ نُخْرِجَهُمْ مَتَى أَرَدْنَا وَأَنَّهُمْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعَ عَدْوِهِمْ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ قَبْلِهِ فَلا نَعْلَمُ لنا، ثمَّ [هُنَاكَ] عَدُوًّا غَيْرَهُمْ؛ فَمَنْ كَانَ لَهُ بِخَيْبَرَ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإِنِّي مخرجهم.
القَوْل فِي القطائع وَأَرْض الْعشْر:
قَالَ ابو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: فَأَما القطائع فَمَا كَانَ مِنْهَا سَيِّحًا فَعَلَى الْعُشْرِ وَمَا سُقِيَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ وَالْغَرْبِ وَالسَّانِيَةِ فَعَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ لِمُؤَنَةِ الدَّالِيَةِ وَالْغَرْبِ وَالسَّانِيَةِ2.
وَإِنَّمَا الْعُشْرُ وَالصَّدَقَةِ فِي الثِّمَارِ وَالْحَرْثِ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَمَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ وَالسُّنَّةُ الْعشْر من ذَلِك مَا سُقِيَ سَيْحًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ على مَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ وَالدَّالِيَةِ وَالسَّانِيَةِ؛ فَهَذَا الْمجمع عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ عُلَمَائِنَا وَمَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ، وَلَسْتُ أَرَى الْعُشْرَ إِلا عَلَى مَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ، لَيْسَ عَلَى الْخُضَرِ الَّتِي لَا بَقَاءَ لَهَا وَلا عَلَى الأَعْلافِ وَلا عَلَى الْحَطَبِ عُشْرٌ، وَالَّذِي لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاس هُوَ مثل البطيح والقثاء
1 أَي لم يكن للْمُسلمين فِيهَا نصيب.
2 فَالْأول مَا سقِِي بالراحة وَالْبَاقِي أَن يسقى بالآلة.
الجزء 1 · صفحة 63
وَالْخِيَارِ وَالْقَرْعِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ وَالْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ وَأَشْبَاهِ هَذا؛ فَلَيْس فِي هَذَا عُشْرٌ1.
وَأَمَّا مَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يُكَالُ بِالْقَفِيزِ، وَيُوزَنُ بِالأَرْطَالِ فَهُوَ مِثْلُ الْحِنْطَة وَالشعِير والذة وَالأُرْزِ وَالْحُبُوبِ وَالسِّمْسِمِ وَالشَّهْدَانِجِ2 وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْجَوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالزَّيْتُونِ والقرطم والكزيرة وَالْكَرَاوِيَا وَالْكَمُّونِ وَالْبَصَلِ وَالثَّوْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَكْثَرَ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ تُسْقَى سَيْحًا أَوْ سَقَتْهَا السَّمَاءُ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَرْضٍ تُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِذَا نقص عَن خَمْسَة أوسق لم يكن فِيهِ شَيْء.
وَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ نِصْفَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ حِنْطَةً وَنِصْفَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ شَعِيرًا كَانَ فِيهَا الْعُشْرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَتْ قَدْرَ وَسْقٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ شَعِيرٍ وَقَدْرَ وسق من أزر وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ زَبِيبٍ، وَتَمَّ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعُشْرُ.
وَإِنْ نَقَصَ عَنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَسْقٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْعُشْرُ مَا خَلا الزَّعْفَرَانُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ الْعُشْرُ، وَأَخْرَجَ الله مِنْهُ منا يَكُونُ قِيمَتَهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا تُخْرِجُ الأَرْضُ مِنَ الْحُبُوبِ مِمَّا عَلَيْهِ الْعُشْرُ؛ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا أَوْ تُسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَإِذَا سُقِيَ بَغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلا شَيْءَ فِيهِ.
القَوْل فِي الزَّعْفَرَان فِي أَرض الْعشْر وَالْخَرَاج وَوقت الْأَدَاء:
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الزَّعْفَرَانُ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ لم تخرج الأَرْض مِنْهُ إِلَّا رَطْلا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ أَدَاءِ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ أَدْنَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ فَلا صَدَقَةَ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَة أوسق.
الْمِقْدَار الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ:
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ الْعُشْرِ وَسُقِيَ سَيْحًا، وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَو سانية.
1 وَهُوَ كل مَا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد وَلَا يدّخر وَالَّذِي يدّخر الْحُبُوب مثلا.
2 هُوَ بزر القنب.
الجزء 1 · صفحة 64
وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ والزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالْحُبُوبِ وَأَنْوَاعِ الْبُقُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ غَلاتِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مِمَّا يُكَالُ وَلا يُكَالُ؛ فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَلا تُحْسَبُ مِنْهُ أُجْرَةُ الْعُمَّالِ وَلا نَفَقَةُ الْبَقَرِ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا أَوْ تَسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَهِيَ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَحَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ شَيْءٍ؛ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ إِلا دُسْتُجَةَ1 بَقْلٍ؛ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْخُذُ بِهَذَا، وَيَقُولُ: لَا تُتْرَكُ أَرْضٌ تَعْتَمِلُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنَ الْخَرَاجِ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخراج وَمَا يجب عَلَيْهَا مِنَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ قَلِيلا أَخْرَجَتْ أَمْ كَثِيرًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا صَدَقَةَ فِيمَا تُخْرِجُ الأَرْضُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنِ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ صَدَقَةً، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةً، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
مِقْدَار الوسق:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ، وَهُوَ مِثْلُ قَفِيزِ الْحُجَّاجِ وَمِثْلُ الرُّبُعِ الْهَاشِمِيِّ وَالْمَخْتُومِ الْهَاشِمِيِّ؛ الأول اثْنَان وَثَلَاثُونَ رطلا.
الحكم فِيمَا إِذا أكل رب المَال من ثمره:
فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَلاثَمِائَةِ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ؛ فَأَكَلَ رَبُّ الأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًَا أَوْ أَطْعَمَ أَهْلَهُ أَوْ جَارَهُ أَوْ صديقه؛ فَصَارَ مَا بَقِي ينص عَنْ ثَلاثِمِائَةِ صَاعٍ كَانَ فِيمَا بَقِيَ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا كَانَ يُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا أَطْعَمَ وَأَكَلَ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ سُرِقَ بَعْضُهُ كَانَ عَلَيْهِ فِيمَا بَقِي الْعشْر أَو
1 الدستجة فارسية: الحزمة وَمَا يُطلق عَلَيْهِ الْآن "الدستة" وَهِي "اثْنَا عشر".
الجزء 1 · صفحة 65
نِصْفُ الْعُشْرِ؛ فَهَذَا جَمِيعُ مَا جَاءَ فِيمَا أخرجت الأَرْض.
وَهَذِه أُصُولُ ذَلِكَ؛ فَمَا تَفَرَّعَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ وَبِهِ يُشَبَّهُ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ وَيُمَثَّلُ عَلَيْهِ؛ فَخُذْ فِي ذَلِكَ بِمَا رَأَيْتَ أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلرَّعِيَّةِ وَأَوْفَرُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَبِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْت.
اسْتِيفَاء الْعشْر أَو نصف الْعشْر:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعُشْرُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، مَا سُقِيَ مِنْ ذَلِكَ سَيْحًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالْغَيْلِ1 نِصْفُ الْعُشْرِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِي كُلِّ عَشْرَةٍ وَاحِدٌ، وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ فَفِي كُلِّ عِشْرِينَ وَاحِدٌ، وَقَالَ: فِي مَوضِع عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِدَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ غَرْبٍ فَنِصْفُ الْعشْر".
مِمَّا يُؤْخَذ مِنْهُ الصَّدَقَة وَمِمَّا لَا يُؤْخَذ:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُمَرُو بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى صَدَقَةً إِلا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالزَّبِيبِ. قَالَ: وَعِنْدَنَا كِتَابٌ كَتَبَهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ، أَوْ قَالَ نُسْخَةٌ أَوْ وَجَدْتُ نُسْخَةً هَكَذَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ "فِيمَا
1 الغيل: المَاء الْجَارِي على وَجه الأَرْض.
الجزء 1 · صفحة 66
سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ أَوْ السَّوَانِي أَوِ النَّضُوحِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" قَالَ عَمْرٌو: وَالْوَسْقُ عِنْدَنَا سِتُّونَ صَاعا.
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ معمر قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ يَوْمَئِذٍ وَسْقَانِ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَحَدّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصَّدَقَةُ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَصَاعِدًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ زَكَاةٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ يَقُولُ: لَا صَدَقَةَ فِي الْخُضَرِ الرَّطْبَةِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي النَّخْلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْكَرْمِ، وَيَعْنِي بِالصَّدَقَةِ فِي هَذِه الْعشْر.
قَالَ: وحَدثني قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ زَكَاةٌ: الْبَقْلُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبَانٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْبُقُولِ زَكَاةٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالا: فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ صَدَقَةٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَة عَن عمر بن
الجزء 1 · صفحة 67
الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا زَكَاةَ إِلا فِي أَرْبَعَةٍ: التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ".
فَأَمَّا الْعَسَلُ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ عَلَى الأَشْجَارِ وَفِي الْكُهُوفِ فَلا شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَكُونُ فِي الْجِبَالِ وَالأَوْدِيَةِ لَا خراج عَلَيْهَا وَلَا عشر.
القَوْل فِيمَا يخرج من الْعَسَل:
حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كَتَبَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الطَّائِفِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ أَصْحَابَ النَّحْلِ لَا يُؤَدُّونَ إِلَيْنَا مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَسْأَلُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ نَحْمِيَ أَوْدِيَتِهِمْ؛ فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِرَأْيِكَ فِي ذَلِكَ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنْ أَدَّوْا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحْمِ لَهُمْ أَوْدِيَتَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ فَلا تَحْمِ لَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَتَبَ فِي الْعَسَلِ: مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَرْطَالٍ رَطْلٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُحَرَّرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِي الْعَسَل الْعشْر".
القَوْل فِي اللوز والجوز وأمثالهما:
فَأَمَّا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبُنْدُقُ وَالْفُسْتُقُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ يُكَال.
مَا لَيْسَ فِيهِ خمس وَلَا عشر وَلَا خراج:
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: وَلَيْسَ فِي الْقَصَبِ وَلا فِي الْحَطَبِ وَلا فِي الْحَشِيشِ وَلا فِي التِّبْنِ وَلا فِي السَّعْفِ عُشْرٌ وَلا خَمْسٌ وَلا خَرَاجٌ.
الجزء 1 · صفحة 68
القَوْل فِي قصب الذريرة وقصب السكر:
فَأَمَّا قَصَبُ الذَّرِيرَةِ1 فَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ، وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لأَنَّهُ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَل فَلهُ ثمن وَمَنْفَعَة.
القَوْل فِي النفط وَمَا أشبهه:
وَلَيْسَ فِي النِّفْطِ وَالْقِيرِ وَالزِّئْبَقِ والموميا إِذا كَانَ لشَيْء مِنْ ذَلِكَ عَيْنٌ فِي الأَرْضِ شَيْءٌ نَعْلَمُهُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ أَرْضِ خَرَاجٍ.
وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُقْسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَام: 141] قَالَ: الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَآتُوا حَقه يَوْم حَصَاده} قَالَ: هَذَا سِوَى مَا فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَآتُوا حَقه يَوْم حَصَاده} ، قَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُسَنَّ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فَلَمَّا سُنَّ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ تُرِكَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده} قَالَ: هِيَ الصَّدَقَةُ مِنَ الْحَبِّ وَالثِّمَارِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْم حَصَاده} قَالَ: يُضِيفُكَ الضَّيْفُ فَتَعْلِفُ دَابَّتَهُ، وَيَأْتِيكَ السَّائِلُ فَتُعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقَعُ فِيهِ الْعشْر وَنصف الْعشْر.
1 هُوَ فتات قصب الطّيب.
الجزء 1 · صفحة 69
فصل: فِي ذكر القطائع
مَا هِيَ القطائع:
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله: فَأَمَّا الْقَطَائِعُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَكُلُّ مَا كَانَ لِكِسْرَى وَمَرَازِبَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِالسَّوَادِ مِنْهُ- قَالَ: بَلَغَتِ الصَّوَافِي عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلافِ أَلْفٍ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا صَوَافِي الأَثْمَارِ؛ وَذَلِكَ أَنَّه كَانَ أَصْفَى كُلَّ أَرْضٍ كَانَتْ لِكِسْرَى أَوْ لأَهْلِهِ أَوْ لِرَجُلٍ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ أَوْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ مَغِيضِ مَاءٍ أَوْ دَيْرِ بَرِيدٍ؛ قَالَ: وَذَكَرَ لِي خَصْلَتَيْنِ لَمْ أحفظهما.
أَصْنَاف الصَّواف:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَرَّةَ قَالَ: أَصْفَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عَشْرَةَ أَصْنَافٍ: أَرْضُ مَنْ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ، وَأَرْضُ مَنْ هَرَبَ، وَكُلُّ أَرْضٍ كَانَتْ لِكِسْرَى، وَكُلُّ أَرْضٍ كَانَتْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ وَكُلُّ مَغِيضِ مَاءٍ وَكُلُّ دَيْرِ بَرِيدٍ، قَالَ: ونسيت أَربع خِصَال كَانَت لِلأَكَاسِرَةِ. قَالَ: وَكَانَ خَرَاجُ مَا اسْتَصْفَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعَةَ آلافِ أَلْفٍ فَلَمَّا كَانَتِ الْجَمَاجِمُ1 أَحْرَقَ النَّاسُ الدِّيوَانَ فَذَهَبَ ذَلِكَ الأَصْلُ وَدَرَسَ وَلَمْ يُعْرَفْ.
مَا فعل عمر بِهَذِهِ الأَرْض = أَرض الصوافي:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَشْيَخَةِ الْقُدَمَاءِ قَالَ: وُجِدَ فِي الدِّيوَانِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَصْفَى أَمْوَالَ كِسْرَى وَآلِ كِسْرَى وَكُلِّ مَنْ فَرَّ عَنْ أَرْضِهِ وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَكُلِّ مَغِيضِ مَاءٍ أَوْ أَجَمَةٍ؛ فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقْطِعُ مِنْ هَذِهِ لِمَنْ أَقْطَعَ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ وَفِي لَا يَدِ وَارِثٍ فَلِلإِمَامِ الْعَادِلِ أَنْ يُجِيزَ مِنْهُ وَيُعْطِي مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ وَيَضَعُ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ وَلا يُحَابِي بِهِ،
1 وَاقعَة الجماجم بَين عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث وَالْحجاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَقد انهزم الأول.
الجزء 1 · صفحة 70
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الأَرْضُ.
فَهَذَا سَبِيلُ الْقَطَائِعِ عِنْدِي فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ.
وَالَّذِي صَنَعَ الْحَجَّاجُ ثُمَّ فَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ لأَنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ فَلَيْسَ لأحد أَن يرد ذَلِك.
مَا يُؤْخَذ من القطائع:
فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ وَاحِدٍ وَأَقْطَعَ آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ غَصَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ وَاحِدٍ وَأَعْطَى وَاحِدًا؛ وَإِنَّمَا صَارَتِ الْقَطَائِعُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عَشْرًا فَعَل، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَهَا خَرَاجًا -إِذَا كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِ الْخَرَاجِ- فَعَلَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ خَاصَّةً؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لِمَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الإِقْطَاعِ مِنَ الْمُؤَنَةِ فِي حَفْرِ الأَنْهَارِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ وَعَمَلِ الأَرْضِ، وَفِي هَذَا مُؤُنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى صَاحِبِ الإِقْطَاعِ؛ فَمِنْ ثَمَّ صَارَ عَلَيْهِ الْعشْر لم يَلْزَمُ مِنَ الْمُؤَنَةِ. وَالأَمْرُ فِي ذَلِك إِلَيْك مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ أَصْلَحُ؛ فَاعْمَلْ بِهِ إِن شَاءَ الله.
الجزء 1 · صفحة 71
فصل: أَرض الْحجاز وَمَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَمَّا أَرْضُ الْحِجَازِ وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَأَرْضُ الْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا؛ لأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمُهُ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ فُتُوحًا مِنَ الأَرْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تِلْكَ الأَرَضِينَ.
أَلا تَرَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَراجٌ فَأَجْرَوُا الأَرْضَ الْعَرَبِيَّةَ كُلَّهَا هَذَا الْمَجْرَى وَأَجْرَى الْبَحْرَانِ والطائف كَذَلِك أَو لَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ حُكْمُهُمْ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ وَلا تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَهَذَا خِلافُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَرَبِ.
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [الْمَائِدَة: 51] وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مُعَافِرِيًّا1؛ فَأَمَّا الأَرْضُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا خَرَاجًا؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعُشْرَ فِي السَّيْحِ وَنِصْفَ الْعُشْرَ فِي الدَّالِيَةِ لِمُؤَنَةِ الدَّالِيَةِ والسانية.
1 نوع من الثِّيَاب.
فصل: مَا أَخطَأ فِيهِ الْخَوَارِج فِي هَذَا الْمَوْضُوع
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ أَخْطَأُوا الْمَحَجَّةَ وَجَعَلُوا قُرًى عَرَبِيَّةً بِمَنْزِلَةِ قُرًى عَجَمِيَّةً وَلَمْ يَأْخُذُوا بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَمَنِ اجْتَمَعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ أَحْسَنُ تَأْوِيلا وَتَوْفِيقًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمين.
الجزء 1 · صفحة 72
فصل: فِي حكم أَرض الْبَصْرَة وخراسان
وَأَمَّا أَرْضُ الْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ فَإِنَّهُمَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّوَادِ مَا افْتُتِحَ مِنْ ذَلِكَ عُنْوَةً؛ فَهُوَ أَرْضُ خراج وَمَا صلوح عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَعَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَلا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَمَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَهُوَ عُشُرٌ، وَلَسْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ هَذِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا؛ وَلَكِنْ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَأَمْضَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَرَأَيْتُ أَنْ تُقِرَّهَا عَلَى حَالِهَا؛ وَذَلِكَ الأَمْرُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
الأَرْض الَّتِي لَيست فِي يَد أحد وَلَا ملكه:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا عَامِرَةٌ وَلَيْسَتْ لأَحَدٍ وَلا فِي يَدِ أَحَدٍ وَلا مِلْكَ أَحَدٍ وَلا وِرَاثَةً وَلا عَلَيْهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ فَأَقْطَعَهَا الْإِمَامُ رَجُلا فَعَمَرَهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ الْخراج أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أَقْطَعَهَا الْخَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ مَا افْتُتِحَ عُنْوَةً، مِثْلُ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أقطعها الْعشْر.
أَرض الْعُشْرَ:
وَأَرْضُ الْعُشْرِ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، وَأَرْضُ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ؛ فَكُلُّ أَرْضٍ أَقْطَعَهَا الإِمَامُ مِمَّا فُتِحَتْ عُنْوَةً فَفِيهَا الْخَرَاجُ إِلا أَنْ يُصَيِّرُهَا الإِمَامُ عُشْرِيَّةً؛ وَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِذَا أَقْطَعَ أحدا أَرضًا من أَرْضَ الْخَرَاجِ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عُشْرًا، أَوْ عُشْرًا وَنِصْفًا، أَوْ عُشْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ خَرَاجًا؛ فَمَا رَأَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَعَلَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَكَيْفَمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَ؛ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ فَإِنَّ هُنَالك لَا يَقَعُ خَرَاجٌ وَلا يَسَعُ الإِمَامَ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ وَلا يُحَوِّلَهُ عَمَّا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمُهُ؛ فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ فَخُذْ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْتَ، وَاعْمَلْ بِمَا تَرَى أَنَّه أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعَمُّ نَفْعًا لِخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَأَسْلَمُ لَكَ فِي دِينِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطاب رَضِي
الجزء 1 · صفحة 73
اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ -وَكَانَتْ تُسَمَّى أَرْضُ الْهِنْدِ- فَدَخَلَهَا وَنَزَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاص الْكُوفَة، وَأَن زيادا ابْنَ أَبِيهِ هُوَ الَّذِي بَنَى مَسْجِدَهَا وَقَصْرَهَا وَهُوَ الْيَوْمُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ افْتَتَحَ تُسْتَرَ وَأَصْبَهَانَ وَمَهْرَجَانَ قُذَقَ وَمَاهَ ذُبْيَانَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاص محاصر الْمَدَائِن.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَالْجِبَالِ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي ذكرنَا أَن الإِمَام أَنْ يُقْطِعَ مِنْهَا؛ فَلا يَحِلُّ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَلا يُخْرِجَهُ من يَدي من هُوَ ي يَدِهِ وَارِثًا أَوْ مُشْتَرِيًا؛ فَأَمَّا إِنْ أَخَذَ الْوَالِي مِنْ يَدِ وَاحِدٍ أَرْضًا وَأَقْطَعَهَا آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ غَصَبَ وَاحِدًا وَأَعْطَى آخَرَ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ وَلا يَسَعُهُ أَنْ يُقْطِعَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهِدٍ وَلا يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِذَلِك الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُقْطِعَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنَ النَّاسِ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ.
وَالأَرْضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ فالإمام أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ، وَمَنْ يَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لأَمْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ الأَرَضُونَ يُقْطِعُ الإِمَامُ مِنْهَا مَنْ أَحَبَّ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّيْتُ، وَلا أَرَى أَنْ يَتْرُكَ أَرْضًا لَا مِلْكَ لأَحَدٍ فِيهَا وَلا عِمَارَةً حَتَّى يُقْطِعَهَا الإِمَام فَإِن ذَلِك أعمر لبلاد وَأَكْثَرُ لِلْخَرَاجِ؛ فَهَذَا حَدُّ الإِقْطَاعِ عِنْدِي على مَا أَخْبَرتك.
من كَانَ لَهُ أَرض فَلم يعمرها وَالْحكم فِي إقطاع الإِمَام:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَلَّفَ عَلَى الإِسْلامِ أَقْوَامًا وَأَقْطَعَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ رَأَوْا أَنَّ فِي إِقْطَاعِهِ صَلاحًا.
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ لأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَرضًا؛ فَلم يعرموها فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَخَاصَمَهُمُ الْجَهْنِيُّونَ أَوِ الْمُزَنِيُّونَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَرَدَدْتُهَا؛ وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ تَرَكَهَا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ يَعْمُرَهَا فعمرها قوم آخَرُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أَرضًا يُقَال لَهَا الجرف، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْطَعَ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ لِلنَّاسِ حَتَّى جَازَتْ قَطِيعَةُ أَرْضِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُسْتَقْطِعُونَ مُنْذُ الْيَوْمَ فَإِنْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ فَتَحْتَ قَدَمَيَّ. قَالَ خَوات بن جُبَير:
الجزء 1 · صفحة 74
أَقْطِعْنِيهِ، فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ أَبَا بَكْرٍ وَأَقْطَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ صَلْتٍ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَعْطَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضًا؛ فَعَجَزُوا عَنْ عِمَارَتِهَا فَبَاعُوهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثَمَانِيَةِ آلافِ دِينَارٍ أَوْ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ فَوَضَعُوا أَمْوَالَهُمْ عِنْدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَلَمَّا أَخَذُوهَا وَجَدُوهَا تَنْقُصُ فَقَالُوا: هَذَا نَاقِصٌ قَالَ: أحسبوا زَكَاته؛ قَالَ: فَحَسبُوا فوجوده وَافِيًا، فَقَالَ: أَحَسِبْتُمْ أَنِّي أُمْسِكُ مَالا لَا أُزَكِّيهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَال بن الْحَارِث الْمُزَنِيَّ مَا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالصَّخْرِ؛ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ هَذَا؛ فَطَيَّبَ لَهُ أَنْ يُقْطَعَهَا مَا خَلا الْمَعَادِنَ فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: أَقْطَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي النَّهْرَيْنِ، وَلِعَمَّارِ بن يسَار إِسْتِينْيَا، وَأَقْطَعَ خَبَّابًا صَنْعَاءَ، وَأَقْطَعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَرْيَةَ هُرْمُزَانَ قَالَ: فَكُلٌّ جَارٍ. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَعْدُ يعطيان أرضهما بِالثُّلثِ وَالرّبع1.
وَقَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكَانَ لِخَبَّابٍ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكَانَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَرْضُ خَرَاجٍ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لِشُرَيْحٍ أَرْضُ خَرَاجٍ فَكَانُوا يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْخَرَاجَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الآثَارُ بِأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ أَقْوَامًا، وَأَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ أَقْطَعُوا، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاحَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ كَان فِيهِ تَأَلُّفٌ عَلَى الإِسْلامِ وَعِمَارَةٌ لِلأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ إِنَّمَا أَقْطَعُوا مَنْ رَأَوْا أَنَّ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ وَنِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَرَأَوْا أَنَّ الأَفْضَلَ مَا فَعَلُوا، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَأْتُوهُ وَلَمْ يَقْطَعُوا حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهَدٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ بِغَيْرِ حَقٍّ طوقه من سبع أَرضين".
1 أَي إِجَارَة وَالْقَوْل فِي إِجَارَة الأَرْض الزراعية فِيهَا اخْتِلَاف بَين الْفُقَهَاء تراجع فِي كتب الْفُرُوع "كتب الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة".
الجزء 1 · صفحة 75
فَصْلٌ: فِي إِسْلامِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ عَلَى أَرضهم وَأَمْوَالهمْ
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا الْحُكْمُ من ذَلِكَ؟ فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ حَرَامٌ وَمَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ فَلَهُمْ وَكَذَلِكَ أَرْضُوهُمْ لَهُمْ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَدِينَةِ؛ حَيْثُ أَسْلَمَ أَهْلُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ أَرْضُهُمْ أَرْضَ عُشْرٍ، وَكَذَلِكَ الطَّائِفُ وَالْبَحْرَانِ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ إِذَا أَسْلَمُوا عَلَى مِيَاهِهِمْ وَبِلادِهِمْ؛ فَلَهُمْ مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَيّدهُم وَلَيْسَ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَبَائِلِ أَنْ يَبْنِيَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يسْتَحق مِنْهُ شَيْئا وَلَا يحْفر فِيهِ بِئْرا يسْتَحق بِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْكَلأَ وَلا يَمْنَعُوا الرِّعَاءَ وَلا الْمَوَاشِي من المَاء وَلَا حَافِظًا وَلا خُفًّا1 فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يُخْرِجُونَ عَنْهَا فِيمَا بَعْدُ وَيَتَوَارَثُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ بِلادٍ. أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ لَهُمْ وَمَا فِيهَا.
وَأَيُّمَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ صَالحهمْ الإِمَام أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى الْحُكْمِ وَالْقَسْمِ، وَأَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ فَهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ خَرَاجٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَيُوَفَّى لَهُمْ وَلا يُزَادُ عَلَيْهِمْ.
وَأَيُّمَا أَرْضٍ افْتَتَحَهَا الإِمَامُ عُنْوَةً فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا؛ فَإِنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِنْ لَمْ يَرَ قِسْمَتَهَا وَرَأَى الصَّلاحَ فِي إِقْرَارِهَا فِي أَيدي أهليها كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السَّوَادِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ وَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ يَتَوَارَثُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا وَيَضَعُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، وَلا يُكَلَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُونَ.
1 الْحَافِظ للْفرس وشبهة والخف لِلْإِبِلِ.
الجزء 1 · صفحة 76
فَصْلٌ: فِي مَوَاتِ الأَرْضِ فِي الصُّلْحِ وَالْعُنْوَةِ وَغَيْرِهِمَا
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الأَرَضِينَ الَّتِي افْتُتِحَتْ عُنْوَةً أَوْ صُولِحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَفِي بَعْضِ قُرَاهَا أَرْضٌ كَثِيرَةٌ لَا يُرَى عَلَيْهَا أَثَرُ زِرَاعَةٍ وَلا بِنَاءٍ لأَحَدٍ، مَا الصَّلاحُ فِيهَا؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَهِ الأَرَضِينَ أَثَرُ بِنَاءٍ وَلا زَرْعٍ، وَلَمْ تَكُنْ فَيْئًا لأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَلا مَسْرَحًا وَلا مَوْضِعَ مَقْبَرَةٍ وَلا مَوْضِعَ مُحْتَطَبِهِمْ وَلَا مَوضِع مرعى دوايهم وَأَغْنَامِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِمِلْكٍ لأَحَدٍ وَلا فِي يَدِ أَحَدٍ فَهِيَ مَوَاتٌ؛ فَمَنْ أَحْيَاهَا أَوْ أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ. وَلَكَ أَنْ تُقْطِعَ ذَلِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ وَرَأَيْتَ وَتُؤَاجِرَهُ وَتَعْمَلَ فِيهِ بِمَا تَرَى أَنَّهُ صَلاحٌ. وَكُلُّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهَل لَهُ إِذَا أَجَازَهُ الإِمَامُ، وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ، وَلِلإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيَصْنَعَ فِيهَا مَا رأى من الْإِجَازَة وَالإِقْطَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ لأَبِي يُوسُفَ: مَا يَنْبَغِي لأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ هَذَا إِلا مِنْ شَيْءٍ لأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ"؛ فَبَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ الشَّيْءَ فَإنَّا نرجو أَنْ تَكُونَ قَدْ سَمِعْتَ مِنْهُ فِي هَذَا شَيْئًا يُحْتَجُّ بِهِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: الإِحْيَاءُ لَا يَكُونُ إِلا بِإِذْنِ الإِمَام. أَرَأَيْت رجلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَخْتَارَ مَوْضِعًا وَاحِدًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَعَ صَاحِبَهُ، أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِهِ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُحْيِيَ أَرْضًا مَيْتَةً بِفِنَاءِ رَجُلٍ وَهُوَ مقرّ أَن لَا حق لَهُ فيِهَا فَقَالَ: لَا تُحْيِهَا فَإِنَّهَا بِفِنَائِي؛ وَذَلِكَ يَضُرُّنِي. فَإِنَّمَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذْنَ الْإِمَامِ فِي ذَلِك هَهُنَا فَصْلا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ لإِنْسَانٍ كَانَ لَهُ أَن يُحْيِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الإِذْنُ جَائِزًا مُسْتَقِيمًا.
وَإِذَا مَنَعَ الإِمَامُ أَحَدًا كَانَ ذَلِكَ الْمَنْعُ جَائِزًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّاسِ التَّشَاحُّ فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ وَلا الضِّرَارُ فِيهِ مَعَ إِذْنِ الإِمَامِ وَمَنْعِهِ.
وَلَيْسَ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرُدُّ الأَثَرَ إِنَّمَا رَدُّ الأَثَرِ أَنْ يَقُولَ: إِن أَحْيَانًا بِإِذْنِ الإِمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ؛ فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ هِيَ لَهُ فَهَذَا اتِّبَاعُ الأَثَرِ وَلَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِيَكُونَ إِذْنُهُ فَصْلا فِيمَا بَيْنَهُمْ
الجزء 1 · صفحة 77
من خصوماتهم وإضرار بَعضهم بعض1.
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا أَنَا فَأَرَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا لأَحَدٍ فِيهِ خُصُومَةٌ أَنَّ إِذْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَائِزٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِذَا جَاءَ الضَّرَرُ؛ فَهُوَ عَلَى الْحَدِيثِ "وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ".
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنِي هِشَام بن عُرْوَة عبن أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: "وَمن أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بن يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". قَالَ عُرْوَةُ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى ذَلِكَ النَّخْلَ يُضْرَبُ فِي أَصْلِهِ بِالْفُئُوسِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَادِيٌّ الأَرْضِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ثُمَّ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ؛ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ"2.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لمتحجر حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ"؛ وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالا كَانُوا يَحْتَجِرُونَ مِنَ الأَرْضِ مَا لَا يَعْمَلُونَ3.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا حَقٌّ لأَحَدٍ فِيهَا وَلا مِلْكٌ؛ فَمَنْ أَحْيَاهَا وَهِيَ كَذَلِكَ فَهِيَ لَهُ: يَزْرَعُهَا وَيُزَارِعُهَا وَيُؤَاجِرُهَا وَيُكْرِي مِنْهَا الأَنْهَارَ وَيُعَمِّرُهَا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ أدّى عَنْهَا الْعشْر، وَإِن
1 وَهَذَا من بعد نظر الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان رَضِي الله عَنهُ لِئَلَّا يَقع تشاح بَين النَّاس وَاخْتِلَاف.
2 أَي إِذا لم يصلحها فِي تِلْكَ الْمدَّة السنوات الثَّلَاث.
3 فَلَا استفادوا وَلَا أفادوا غَيرهم واحتجر الأَرْض علمهَا وَفصل حُدُودهَا فَجعل لَهَا عَلامَة.
الجزء 1 · صفحة 78
كَانَتْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَإِنِ احْتَفَرَ لَهَا بِئْرًا أَوِ اسْتَنْبَطَ لَهَا قَنَاةً كَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَأَيُّمَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَادُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَبَقِيَتْ أَرْضُوهُمْ مُعَطَّلَةٌ، وَلا يُعْرَفُ أَنَّهَا فِي يَدِ أَحَدٍ وَلا أَنَّ أَحَدًا يَدَّعِي فِيهَا دَعْوَى، وَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَعَمَرَهَا وَحَرَثَهَا وَغَرَسَ فِيهَا، وَأَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ وَالْعُشْرَ فَهِيَ لَهُ.
وَهَذِهِ الْمَوَاتُ هِيَ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لِلإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إِلا بِحَقٍ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ.
وَلِلإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ كُلَّ مَوَاتٍ وَكُلُّ مَا كَانَ لَيْسَ لأحد يه مِلْكٌ، وَلَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَعَمُّ نَفْعًا.
وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا مِمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ افْتَتَحُوهُ مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِي أَهْل الشِّرْكِ عُنْوَةً، وَقَدْ كَانَ الإِمَامُ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْجُنْدِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا وَخَمَّسَهَا؛ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لأَنَّهُ حِينَ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ صَارَتْ أَرْضَ عُشْرٍ؛ فَيُؤَدِّي عَنْهَا الَّذِي أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا الْعُشْرَ، كَمَا يُؤَدِّي هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَسَّمَهَا الإِمَامُ بَيْنَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ افْتَتَحَهَا تَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَسَّمَهَا بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَرَكَ السَّوَادَ فِي أَيدي أهليه؛ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ يُؤَدِّي عَنْهَا الَّذِي أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا الْخَرَاجَ كَمَا يُؤَدِّي الَّذِي كَانَ الإِمَامُ أَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَحْيَا أَرضًا من أَرض الْمَوَاتِ -مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ أَوْ أَرْضِ الْعَرَبِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ- فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الأَرَضِينَ الَّتِي افْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ مِمَّا فِي أَيْدِي أَهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإِنْ أَحْيَاهَا وَسَاقَ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنَ الْمِيَاهِ الَّتِي كَانَت ي أَيْدِي أَهْلِ الشِّرْكِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَإِنْ أَحْيَاهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَاءِ -بِبِئْرٍ احْتَفَرَهَا فِيهَا أَوْ عَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا مِنْهَا- فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ. وَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسُوقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنَ الأَنْهَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِي الأَعَاجِمَ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ سَاقَهُ أَوْ لَمْ يَسُقْهُ.
وَأَرْضُ الْعَرَبِ مُخَالِفَةٌ لأَرْضِ الْعَجَمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الإِسْلامِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلا الإِسْلامَ؛ فَإِنْ عُفيَ لَهُم عَن بِلَادهمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِنْ قَسَّمَهَا الإِمَامُ وَلَمْ يَدَعْهَا لَهُمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْحُكْمُ فِي الْعَرَب الحكم.