الجزء 1 · صفحة 3
مقدمة
تعريف بالإمام الجصّاص الحنفي المتوفى 370 سنة هجرية الإمام أحمد بن على أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص نسبة إلى عمله بالجص هو إمام الحنفية في عصره ومن المجتهدين المبرزين في المذهب.
ولد في بغداد سنة خمس وثلاثمائة هجرية، وتفقه على أبى سهل الزجاج وعلى أبى الحسن الكرخي عن أبى سعيد البردعي عن موسى بن نصير الرازي عن محمد.
وروى الحديث عن عبد الباقي بن قانع.
خرج إلى الأهواز ثم عاد إلى بغداد ثم خرج إلى نيسابور مع الحاكم النيسابوري برأى شيخه أبى الحسن الكرخي ومشورته فمات الكرخي وهو بنيسابور.
عاد الإمام إلى بغداد سنة أربعة وأربعون وثلاثمائة واستقر للتدريس بها وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع وأعيد عليه الخطاب فلم يفعل.
انتهت للإمام الزاهد رئاسة الأصحاب وأخذ عنه وتفقه عليه الكثيرون ومنهم أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجانى شيخ القدورى وأبو الحسن محمد بن أحمد الزعفراني.
ومن مصنفات الإمام كتاب أحكام القرآن وشرح مختصر الكرخي وشرح مختصر الطحاوي وشرح الجامع لمحمد بن الحسن وشرح الأسماء الحسنى وكتاب في أدب القضاء وآخر في أصول الفقه هو بمثابة المقدمة لكتابه في أحكام القرآن وله جوابات على مسائل وردت عليه.
توفى الإمام في السابع من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة هجرية وقد لخصنا هذا التعريف بالإمام مما ذكر عنه وعن مؤلفاته في كتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية لعبد الحي اللكنوى الهندي وفي كتاب كشف الظنون وفي كتاب طبقات
الجزء 1 · صفحة 4
القارئ وفي كتاب شرح المواهب اللدنية لمحمد بن عبد الباقي الزرقانى وكذلك مما أورده صاحب القاموس في طبقاته للحنفية.
تغمد الله الإمام بواسع رحماته وأفاض علينا من خيراته وبركاته وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 5
سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ مُقَدِّمَةً «1» تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ جُمَلٍ مِمَّا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَتَوْطِئَةً لِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ طُرُقِ اسْتِنْبَاطِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَاسْتِخْرَاجِ دَلَائِلِهِ وَأَحْكَامِ أَلْفَاظِهِ وَمَا تَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ أَنْحَاءُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْأَسْمَاءُ اللُّغَوِيَّةُ وَالْعِبَارَاتُ الشَّرْعِيَّةُ إذْ كَانَ أَوْلَى الْعُلُومِ بِالتَّقْدِيمِ مَعْرِفَةَ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ شِبْهِ خَلْقِهِ وَعَمَّا نَحَلَهُ الْمُفْتَرُونَ مِنْ ظُلْمِ عَبِيدِهِ وَالْآنَ حَتَّى انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ إلَى ذِكْرِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَدَلَائِلِهِ وَاَللَّهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِمَا يُقَرِّبُنَا إلَيْهِ وَيُزَلِّفُنَا لديه إنه ولى ذلك والقادر عليه.
بَابٌ الْقَوْلُ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْكَلَامُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَعْنَى الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهَا وَالثَّانِي هَلْ هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي افْتِتَاحِهِ وَالثَّالِثُ هَلْ هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا وَالرَّابِعُ هَلْ هِيَ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَالْخَامِسُ هَلْ هِيَ آيَة تَامَّةٌ أَمْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ تَامَّةٍ وَالسَّادِسُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ وَالسَّابِعُ تَكْرَارُهَا فِي أَوَائِل السُّوَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالثَّامِن الْجَهْرُ بِهَا وَالتَّاسِع ذِكْرُ مَا فِي مُضْمَرِهَا مِنْ الْفَوَائِدِ وَكَثْرَةِ الْمَعَانِي فَنَقُولُ إنَّ فِيهَا ضَمِيرَ فِعْلٍ لَا يَسْتَغْنِي الْكَلَامُ عَنْهُ لِأَنَّ الْبَاءَ مَعَ سَائِرِ حُرُوفِ الْجَرِّ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِلَ بِفِعْلٍ إمَّا مُظْهَرٍ مَذْكُورٍ وَإِمَّا مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ وَالضَّمِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَنْقَسِمُ إلَى مَعْنَيَيْنِ خَبَرٍ وَأَمْرٍ فَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ خَبَرًا كَانَ مَعْنَاهُ أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ فَحُذِفَ هَذَا الْخَبَرُ وَأُضْمِرَ لِأَنَّ الْقَارِئَ مُبْتَدِئٌ فَالْحَالُ الْمُشَاهَدَةُ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ ومغنية عَنْ ذِكْرِهِ وَإِذَا كَانَ أَمْرًا كَانَ مَعْنَاهُ ابْدَءُوا بِسْمِ اللَّهِ وَاحْتِمَالُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَفِي نَسَقِ تِلَاوَةِ السُّورَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ وَهُوَ قَوْله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] وَمَعْنَاهُ قُولُوا إيَّاكَ كَذَلِكَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ فِي معنى قوله بسم الله وقد ورد الأمر بذلك في مواضع
(1) المراد بهذه المقدمة الكتاب الذي ألفه في أصول الفقه.
الجزء 1 · صفحة 6
مِنْ الْقُرْآنِ مُصَرَّحًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ] فَأُمِرَ فِي افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّسْمِيَةِ كَمَا أُمِرَ أَمَامَ الْقِرَاءَةِ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِعَاذَةِ وَهُوَ إذَا كَانَ خَبَرًا فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْأَمْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ بِأَنَّهُ يَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ فَفِيهِ أَمْرٌ لَنَا بِالِابْتِدَاءِ بِهِ وَالتَّبَرُّكِ بِافْتِتَاحِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَنَا بِهِ لِنَفْعَلَ مِثْلَهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونَ الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ جَمِيعًا مُرَادَيْنِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْخَبَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الضَّمِيرِ فِي انْتِفَاءِ إرَادَةِ الْأَمْرَيْنِ قِيلَ لَهُ إذَا أَظْهَرَ صِيغَةَ الْخَبَرِ امْتَنَعَ أَنْ يُرِيدَهُمَا لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ وَاحِدٍ أَمْرًا وَخَبَرًا فِي حَالٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ بِالْخَبَرِ الْأَمْرَ كَانَ اللَّفْظُ مَجَازًا وَإِذَا أَرَادَ بِهِ حَقِيقَةَ الْخَبَرِ كَانَ حَقِيقَةً وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَجَازًا حَقِيقَةً لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمَجَازُ مَا عُدِلَ بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى غَيْرِهِ وَيَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضِعِهِ وَمَعْدُولًا بِهِ عَنْهُ فِي حَالٍ وَاحِدٍ فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ إرَادَةُ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا الضَّمِيرُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِرَادَةِ وَلَا يَسْتَحِيلُ إرَادَتُهُمَا مَعًا عِنْدَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِإِضْمَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ وَابْدَءُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِ اقْتِدَاءً بِفِعْلِي وَتَبَرُّكًا بِهِ غَيْرَ أَنَّ جَوَازَ إرَادَتِهِمَا لَا يُوجِبُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إثْبَاتَهُمَا إلَّا بِدَلَالَةٍ إذْ لَيْسَ هُوَ عُمُومَ لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ عَلَى مُقْتَضَاهُ وَمُوجَبِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُ حُكْمَ اللَّفْظِ إثْبَاتُ ضَمِيرٍ مُحْتَمَلٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَتَعْيِينُهُ فِي أَحَدِهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلَالَةِ كَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي نَظَائِرِهِ نَحْوَ
قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)
لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا تَعَلَّقَ بِضَمِيرِ يَحْتَمِلُ رَفْعَ الْحُكْمِ رَأْسًا وَيَحْتَمِلُ الْمَأْثَمَ لَمْ يَمْتَنِعْ إرَادَةُ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَلَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُمَا وَجَوَازِ إرَادَتِهِمَا إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ فَيَنْتَظِمُهُمَا فَاحْتَجْنَا فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَوْ إرَادَتِهِمَا جَمِيعًا وَقَدْ يَجِيءُ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُحْتَمِلِ لِأَمْرَيْنِ مَا لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُمَا مَعًا نَحْوَ مَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)
مَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِضَمِيرِ يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْعَمَلِ وَيَحْتَمِلُ أَفْضَلِيَّتَهُ فَمَتَى أَرَادَ الْجَوَازَ امْتَنَعَتْ
الجزء 1 · صفحة 7
إرَادَةُ الْأَفْضَلِيَّةِ لِأَنَّ إرَادَةَ الْجَوَازِ تَنْفِي ثُبُوتَ حُكْمِهِ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَإِرَادَةَ الْأَفْضَلِيَّةِ تَقْتَضِي إثْبَاتَ حُكْمِ شَيْءٍ مِنْهُ لَا مَحَالَةَ مَعَ إثْبَاتِ النُّقْصَانِ فِيهِ وَنَفْيِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ الْأَصْلِ وَنَفْيَ الْكَمَالِ الْمُوجِبِ لِلنُّقْصَانِ فِي حَالٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ إرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ نَفْيِ الْأَصْلِ وَإِثْبَاتِ النَّقْصِ وَلَا يَصِحُّ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَتِهِمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِذَا ثَبَتَ اقْتِضَاؤُهُ لِمَعْنَى الْأَمْرِ انْقَسَمَ ذَلِكَ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ فَالْفَرْضُ هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فِي قوله تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى] فَجَعَلَهُ مُصَلِّيًا عَقِيبَ الذِّكْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرَ التَّحْرِيمَةِ وَقَالَ تَعَالَى [وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا] قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذِكْرُ الِافْتِتَاحِ
رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى [وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى] قال هي بسم الله الرحمن الرحيم
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الذَّبِيحَةِ فَرْضٌ وَقَدْ أَكَّدَهُ بقوله [فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَ] وَقَوْلِهِ [وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ] وَهُوَ فِي الطَّهَارَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَابْتِدَاءِ الْأُمُور نفل فإن قال قائل هل لا أَوْجَبْتُمْ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْوُضُوءِ بِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى خُصُوصِهِ مَعَ مَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)
قِيلَ لَهُ الضَّمِيرُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَيُعْتَبَرُ عُمُومُهُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْهُ مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)
عَلَى جِهَةِ نَفْيِ الْفَضِيلَةِ لِدَلَائِلَ قَامَتْ عَلَيْهِ.
بَابُ الْقَوْل فِي أَنَّ البسملة مِنْ الْقُرْآنِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ في أن بسم الله الرحمن الرحيم مِنْ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ]
وَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ قَالَ لَهُ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ لَهُ [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]
وروى أبو قطن عن المسعودي عن الحرث الْعُكْلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَتَبَ فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ بِاسْمِك اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَ [بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها] فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى [قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ] فَكَتَبَ فَوْقَهُ الرَّحْمَنَ فَنَزَلَتْ قِصَّةُ سُلَيْمَانَ فَكَتَبَهَا حِينَئِذٍ
وَمِمَّا سَمِعْنَا
فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَقَتَادَةُ وَثَابِتٌ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْتُبْ بسم الله الرحمن الرحيم حتى
الجزء 1 · صفحة 8
نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بينه وبين سهيل ابن عمر وكتاب الْهُدْنَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم فَقَالَ لَهُ سُهَيْلٌ بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ
إلَى أَنْ سُمِحَ بِهَا بَعْدُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم لم تكن مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ.
الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْبَسْمَلَة مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَمْ لَا فَعَدَّهَا قُرَّاءُ الْكُوفِيِّينَ آيَةً مِنْهَا وَلَمْ يَعُدَّهَا قُرَّاءُ الْبَصْرِيِّينَ وَلَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا إلَّا أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ حَكَى مَذْهَبَهُمْ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا عِنْدَهُمْ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ آيَةً مِنْهَا عِنْدَهُمْ لَجُهِرَ بِهَا كَمَا جُهِرَ بِسَائِرِ آيِ السور وقال الشَّافِعِيُّ هِيَ آيَةٌ مِنْهَا وَإِنْ تَرَكَهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَتَصْحِيحُ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى الجهل وَالْإِخْفَاءِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شاء الله تعالى.
القول في البسملة هَلْ هِيَ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثَمَّ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ أَوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ لِتَرْكِ الْجَهْرِ بِهَا وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَكَذَلِكَ حُكْمُهَا فِي غَيْرِهَا إذْ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَمَا سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ أَحَدٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا وَلَمْ يَعُدَّهَا أَحَدٌ آيَةً مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (قَالَ الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرحيم قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي أَوْ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وإذا قال مالك يوم الدين قَالَ فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نعبد وإياك نستعين قَالَ هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سأل فيقول عبدى اهدنا الصراط المستقيم إلَى آخِرِهَا قَالَ لِعَبْدِي مَا سَأَلَ)
فَلَوْ كَانَتْ مِنْ فَاتِحَةِ
الجزء 1 · صفحة 9
الْكِتَابِ لَذَكَرهَا فِيمَا ذَكَرَ مِنْ آيِ السُّورَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا عَبَّرَ بِالصَّلَاةِ عَنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَجَعَلَهَا نِصْفَيْنِ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم آيَةً مِنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْقِسْمَةِ الثَّانِي أَنَّهَا لَوْ صَارَتْ فِي الْقِسْمَةِ لَمَا كَانَتْ نِصْفَيْنِ بَلْ كَانَ يَكُونُ مَا لِلَّهِ فِيهَا أَكْثَرِ مِمَّا لِلْعَبْدِ لأن بسم الله الرحمن الرحيم ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا شَيْءَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ فِي أَضْعَافِ السُّورَةِ قِيلَ لَهُ هَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ آيَةً غَيْرَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَلَوْ جَازَ مَا ذَكَرْت لَجَازَ الِاقْتِصَارُ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَا فِي السُّورَةِ مِنْهَا دُونَهَا وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ فِيهِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ فَالْوَاجِبُ لَا مَحَالَةَ أَنْ يَكُون مَذْكُورًا فِي الْقِسْمَةِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيمَا قَسَمَ مِنْ آيِ السُّورَةِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ
مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قال حدثنا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (قَالَ اللَّهُ قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي فَيَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ مالك يوم الدين يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين فَهَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)
فَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَالِكِ يَوْمِ الدين أَنَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ هَذَا غَلَطٌ مِنْ رَاوِيهِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى مَالِكِ يَوْمِ الدين ثَنَاءٌ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا شَيْءَ لِلْعَبْدِ فيه كقوله الحمد لله رب العالمين وَإِنَّمَا جَعَلَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ لِمَا انْتَظَمَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْآيِ بَعْدَهَا مِنْ قَوْله تعالى اهدنا الصراط المستقيم جَعَلَهَا لِلْعَبْدِ خَاصَّةً إذْ لَيْسَ فِيهِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةٌ مِنْ الْعَبْدِ لما ذكروا من جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ قَوْلَهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إياك نعبد وإياك نستعين لَمَّا كَانَ نِصْفَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعُدُّ بسم الله الرحمن الرحيم آيَةً بَلْ كَانَ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعٌ وَلِلْعَبْدِ ثَلَاثٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهَا مَا حَدَّثَنَا
الجزء 1 · صفحة 10
مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هُشَيْمٌ عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ يَزِيدَ الْقَارِي قَالَ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قُلْت لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنْ الْمَئِينِ وَإِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ الْمَثَانِي فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ عُثْمَانُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ ضَعْ هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ
وَكَانَتْ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم فَأَخْبَرَ عُثْمَانُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنْ مِنْ السُّورَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَكْتُبُهَا فِي فَصْلِ السُّورَةِ بَيْنَهَا وَبَيْن غَيْرِهَا لَا غَيْرُ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ مِنْ السُّوَرِ وَمِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَعَرَفَتْهُ الْكَافَّةُ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا مِنْهَا كَمَا عَرَفَتْ مَوَاضِعَ سَائِرِ الْآيِ مِنْ سُورِهَا وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّ سَبِيلَ الْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْآيِ كَهُوَ بِالْآيِ نَفْسِهَا فَلَمَّا كَانَ طَرِيقُ إثْبَاتِ الْقُرْآنِ نَقْلَ الْكَافَّةِ دُونَ نَقْلِ الْآحَادِ وَجَبَ أن يكون كَذَلِكَ حُكْمُ مَوَاضِعِهِ وَتَرْتِيبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إزَالَةُ تَرْتِيبِ آيِ الْقُرْآنِ ولا نقل شيء منه عن مواضعه إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَامَ إزَالَتَهُ وَرَفْعَهُ فَلَوْ كَانَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ لَعَرَفَتْ الْكَافَّةُ مَوْضِعَهَا مِنْهَا كَسَائِرِ الْآيِ وَكَمَوْضِعِهَا مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ فَلَمَّا لَمْ نَرَهُمْ نَقَلُوا ذَلِكَ إلَيْنَا مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ لَمْ يَجُزْ لَنَا إثْبَاتُهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ نَقَلُوا إلَيْنَا جَمِيعَ مَا فِي الْمُصْحَفِ عَلَى أَنَّهُ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ كَافٍ فِي إثْبَاتِهَا مِنْ السُّوَرِ فِي مَوَاضِعَهَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُصْحَفِ قِيلَ لَهُ إنَّمَا نَقَلُوا إلَيْنَا كَتْبَهَا فِي أَوَائِلهَا وَلَمْ يَنْقُلُوا إلَيْنَا أَنَّهَا مِنْهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي أَنَّهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي أَوَائِلَهَا وَنَحْنُ نَقُولُ بِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ أُثْبِتَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ السُّوَرِ وَلَيْسَ إيصَالُهَا بِالسُّورَةِ فِي الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَتُهَا مَعَهَا مُوجِبَيْنِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ ببعض وما قيل بسم الله الرحمن الرحيم مُتَّصِلٌ بِهَا وَلَا يَجِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ سُورَةً وَاحِدَةً فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا نُقِلَ إلَيْنَا الْمُصْحَفُ وَذَكَرُوا أَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْقُرْآنُ عَلَى نِظَامِهِ وَتَرْتِيبِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ لَبَيَّنُوا ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 11
وَذَكَرُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوَائِلِهَا لِئَلَّا تَشْتَبِهَ قِيلِ لَهُ هَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مِنْهُ فَهَذَا السُّؤَالُ سَاقِطٌ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْهَا لَعَرَفَتْهُ الْكَافَّةُ حَسَبَ مَا أَلْزَمْتَ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا مِنْهَا قيل له لا يجب ذلك لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ نَقْلُ كُلِّ مَا لَيْسَ مِنْ السُّورَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِمْ نَقْلُ مَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ نَقْلُ مَا هُوَ مِنْ السُّورَة أَنَّهُ مِنْهَا كَمَا عَلَيْهِمْ نَقْلُ مَا هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهُ مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَرِدْ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِكَوْنِهَا مِنْ السُّوَرِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَنَا إثْبَاتُهَا كَإِثْبَاتِ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ
مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (سُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ له تبارك الذي بيده الملك)
وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً سوى بسم الله الرحمن الرحيم فَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا كَانَتْ إحْدَى وَثَلَاثِينَ آيَةً وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا اتِّفَاقُ جَمِيعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَائِهِمْ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ أَرْبَعُ آيَاتٍ فَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَكَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا عَدُّوا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا عَدُّوا سِوَاهَا لِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهَا عِنْدَهُمْ قِيلَ لَهُ فَكَانَ لَا يَجُوزُ لهم أن يقول سُورَةُ الْإِخْلَاصِ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَسُورَةُ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَالثَّلَاثُ وَالْأَرْبَعُ إنَّمَا هِيَ بَعْضُ السُّورَةِ ولو كان كذلك لَوَجَبَ أَنْ يَقُولُوا فِي الْفَاتِحَةِ إنَّهَا سِتُّ آيَاتٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ
وَقَدْ روى عبد الحميد ابن جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي جَلَالٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (الحمد لله رب العالمين سَبْعُ آيَاتٍ إحْدَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وَشَكَّ بَعْضُهُمْ فِي ذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِسْنَادِ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي جَلَالٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ (إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحْدَى آيَاتِهَا)
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ لَقِيت نُوحًا فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَمِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي السَّنَدِ وَالرَّفْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ تَوْقِيفٌ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَإِنَّهَا إحْدَى آيَاتِهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يُدْرِجُ كَلَامَهُ فِي
الجزء 1 · صفحة 12
الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا لِعِلْمِ السَّامِعِ الَّذِي حَضَرَهُ بِمَعْنَاهُ وَقَدْ وُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي الْأَخْبَارِ فَغَيْرُ جَائِزٍ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ أَنْ يُعْزَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاحْتِمَالِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْهَرُ بِهَا وَظَنَّهَا مِنْ السُّورَةِ لِأَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَى الْجَهْرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَيْضًا لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ عَارِيًّا مِنْ الِاضْطِرَابِ فِي السَّنَدِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الرَّفْعِ وَزَوَالِ الِاحْتِمَالِ فِي كَوْنِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَا جَازَ لَنَا إثْبَاتُهَا مِنْ السُّورَةِ إذْ كَانَ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا نَقْلَ الْأُمَّةِ عَلَى مَا بين آنفا.
فَصْلٌ وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي أَنَّهَا آيَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ تَامَّةٍ فِي سُورَةِ النَّمْلِ وَأَنَّهَا هُنَاكَ بَعْضُ آيَةٍ وَأَنَّ ابْتِدَاءَ الْآيَةِ مِنْ قَوْله تعالى [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ] وَمَعَ ذَلِكَ فَكَوْنُهَا لَيْسَتْ آيَةً تَامَّةً فِي سُورَةِ النَّمْلِ لَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُون آيَةً في غيرها لوجودها مِثْلَهَا فِي الْقُرْآنِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ [الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] فِي أَضْعَافِ الْفَاتِحَةِ هُوَ آيَةٌ تَامَّةٌ وَلَيْسَتْ بآية تامة من قوله [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] عِنْدَ الْجَمِيعِ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ] هُوَ آيَةٌ تَامَّةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى [وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اُحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ بَعْضَ آيَةٍ فِي فُصُولِ السُّوَرِ وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ آيَةً عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ أَيَّة تَامَّةً مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ لِأَنَّ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ تَامَّةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ تَامَّةٌ
حَدِيثُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سلمة رضى الله تعالى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَعَدَّهَا آيَةً
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ
أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يعد بسم الله الرحمن الرحيم آيَةً فَاصِلَةً رَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَرَوَى أَيْضًا أَسْبَاطٌ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يعد بسم الله الرحمن الرحيم آيَةً
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
وَرَوَى عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْبَصْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْبِرَك بِآيَةٍ أَوْ سُورَةٍ لم تنزل على نبي بعد سليمان عليه السلام غَيْرِي فَمَشَى وَاتَّبَعْته حَتَّى انْتَهَى إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ مِنْ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ وَبَقِيَتْ الرِّجْلُ الْأُخْرَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ فقال بأى شيء تفتح القرآن
الجزء 1 · صفحة 13
إذا افتتحت الصلاة فقلت ببسم الله الرحمن الرحيم قَالَ ثُمَّ خَرَجَ)
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا آيَةٌ إذْ لَمْ تُعَارِضْ هَذِهِ الْأَخْبَارَ أَخْبَارٌ غَيْرُهَا فِي نَفْيِ كَوْنِهَا آيَةً فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ يَلْزَمُك عَلَى مَا أَصَّلْت أَنْ لَا تُثْبِتَهَا آيَةً بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حَسَبَ مَا قُلْته فِي نَفْيِ كَوْنِهَا آيَةً مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ قِيلَ لَهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم توقيف الأمة على مقاطع الآية وَمَقَادِيرِهَا وَلَمْ يُتَعَبَّدْ بِمَعْرِفَتِهَا فَجَائِزٌ إثْبَاتُهَا آيَةً بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَمَّا مَوْضِعُهَا مِنْ السُّوَرِ فَهُوَ كَإِثْبَاتِهَا مِنْ الْقُرْآنِ سَبِيلُهُ النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَا بِالنَّظَرِ وَالْمَقَايِيسِ كَسَائِرِ السُّوَرِ وَكَمَوْضِعِهَا مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ أَلَا ترى أنه قد كأنه يكون مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيفٌ عَلَى مَوْضِعِ الْآيِ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْقِيفٌ في سائر الآي على مباديها وَمَقَاطِعِهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوضٍ عَلَيْنَا مَقَادِيرُ الْآيِ فَإِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا آيَةٌ فَلَيْسَتْ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ آيَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ أَوْ أَنْ تَكُونَ آيَةً مُنْفَرِدَةً كُرِّرَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى حَسَبِ مَا يُكْتَبُ فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ آيَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِيهِ لِنَقْلِ الْأُمَّةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْمُصْحَفِ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَخُصُّوا شَيْئًا مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ وُجُودُهَا مُكَرَّرَةً فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُخْرِجَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْقُرْآنِ لِوُجُودِنَا كَثِيرًا مِنْهُ مَذْكُورًا عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ كُلُّ آيَةٍ مِنْهَا وَكُلُّ لَفْظَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِهِ [الْحَيُّ الْقَيُّومُ] في سورة البقرة مثله فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَنَحْوَ قَوْلِهِ [فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ] كُلُّ آيَةٍ مِنْهَا مُفْرَدَةٌ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَا عَلَى مَعْنَى تَكْرَارِ آيَةٍ وَاحِدَةٍ وكذلك بسم الله الرحمن الرحيم وَقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّهَا آيَةٌ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ آيَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فيه.
فَصْلٌ وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيَّ وَالْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ وأبا يوسف ومحمد وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ كَانُوا يَقُولُونَ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعِنْدَ افْتِتَاحِ السُّورَةِ
فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يقرأها فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ ابْتِدَاءِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا يُعِيدُهَا مَعَ السُّورَةِ
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ
الجزء 1 · صفحة 14
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَرَأَهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُسَلِّمَ وَإِنْ قَرَأَهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ فَحَسَنٌ قَالَ الْحَسَنُ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِيمَا يَقْضِي لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ قَرَأَهَا فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَقِرَاءَةُ الْإِمَامَ لَهُ قِرَاءَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم مِنْ الْقُرْآنِ فِي ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُفْرَدَةً عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ فَقَطْ حَسَبِ إثْبَاتِهَا فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ وَالْكُتُبِ وَلَا مَنْقُولَةً عَنْ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ قِرَاءَةِ بسم الله الرحمن الرحيم قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَتَجْدِيدِهَا قَبْلَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجْزِيهِ قِرَاءَتُهَا قَبْلَ الْحَمْدِ وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَقْرَأهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيُعِيدُهَا فِي الْأُخْرَى أَيْضًا قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ قَرَأَ سُوَرًا كَثِيرَةً وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ يُخْفِيهَا قَرَأَهَا عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ سُورَةٍ وَإِنْ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا لَمْ يَقْرَأْهَا لِأَنَّهُ فِي الْجَهْرِ يَفْصِلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَدُلّ عَلَى أن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم إنَّمَا هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أَوْ لِابْتِدَاءِ القراءة وأنها ليست من السورة وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهَا آيَةً وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فَيَقْرَأُهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ سُورَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا تُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ إذَا قَرَأْتَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَك فِيمَا بَقِيَ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يقرأها فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا وَلَا جَهْرًا وَفِي النَّافِلَةِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تُقْرَأُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَات
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
وَقَالَ فِي بَعْضِهَا يُخْفُونَ وَفِي بَعْضِهَا كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْفَرْضِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ فِي الْفَرَائِضِ لَا فِي التَّطَوُّعِ إذْ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ التَّطَوُّعِ فِعْلُهَا فِي جَمَاعَةٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ وَأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ بِهَا وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى تَرْكِهَا رَأْسًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ
رَوَى أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ
الجزء 1 · صفحة 15
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَهَضَ فِي الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين وَلَمْ يَسْكُتْ
قِيلَ لَهُ لَيْسَ لِمَالِكٍ فِيهِ دَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهَا فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهَا رَأْسًا فَلَا
وَقَدْ رُوِيَ قِرَاءَتُهَا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ عَنْ على
وعمر وبن عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ قِرَاءَتُهَا فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْر مُعَارِضٍ لَهُمْ وَعَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا فِي النَّفْيِ كَمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي سَائِرِ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا وَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ دُونَ سَائِرِ الرَّكَعَاتِ وَسُوَرِهَا فَهُوَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَإِنْ كَانَتْ آيَةً فِي مَوْضِعِهَا عَلَى وَجْهِ الْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أَمَرَنَا بِالِابْتِدَاءِ بِهَا تَبَرُّكًا ثَمَّ ثَبَتَ أَنَّهَا مَقْرُوءَةٌ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَكَانَتْ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ حُرْمَةً وَاحِدَةً وَجَمِيعُ أَفْعَالِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى التَّحْرِيمَةِ صَارَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ كَالْفِعْلِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُكْتَفَى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَائِهِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ وَإِنْ طَالَ كَالِابْتِدَاءِ بِهَا فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ وَكَمَا لَمْ تُعَدْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ حُكْمُهَا مَعَ ابْتِدَاءِ السُّورَةِ وَالرَّكَعَاتِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفَصْلِ
مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أبو دواد قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ السُّوَرِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهَا عِنْدَ كُلَّ سُورَةٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا بِقِرَاءَتِهَا عَلَى حَسَبِ مَوْضُوعِهَا قِيلَ لَهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْفَصْلَ قَدْ عُرِفَ بِنُزُولِهَا وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ فِي الِابْتِدَاءَ بِهَا تَبَرُّكًا وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاء الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ هُنَاكَ مُبْتَدَأَةٌ فَيُقْرَأُ مِنْ أَجْلِهَا فَلِذَلِكَ جَازَ الِاقْتِصَارُ بِهَا عَلَى أَوَّلِهَا وَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ لَهَا قِرَاءَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا يَنُوبُ عَنْهَا الْقِرَاءَةُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَمِنْ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَى اسْتِئْنَافِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا صَارَتْ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَ الْمَسْنُونُ فِيهَا قِرَاءَتُهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الثَّانِيَةِ إذْ كَانَ فِيهَا ابْتِدَاءُ قِرَاءَةٍ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهَا عِنْدَ كُلِّ سُورَةٍ لِأَنَّهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ وَكَانَ حُكْمُ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَ
الجزء 1 · صفحة 16
مَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا دَوَامٌ عَلَى فِعْلٍ قَدْ ابْتَدَأَهُ وَحُكْمُ الدَّوَامِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ كَالرُّكُوعِ إذَا أَطَالَهُ وَكَذَلِكَ السُّجُودُ وَسَائِرُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الدَّوَامُ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِد مِنْهَا حُكْمُهُ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ حَتَّى إذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ فَرْضًا كَانَ مَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِهِ وَأَمَّا مَنْ رَأَى إعَادَتَهَا عِنْدَ كُلِّ سُورَةٍ فَإِنَّهُمْ فَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا مَنْ لَمْ يَجْعَلهَا مِنْ السُّورَةِ وَالْآخَرُ مَنْ جُعَلَهَا مِنْ أَوَائِلِهَا فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا مِنْ أَوَائِلِهَا فَإِنَّهُ رَأَى إعَادَتَهَا كَمَا يَقْرَأَ سَائِرَ آيِ السُّورَةِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهَا مِنْ السُّورَةِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ سُورَةٍ كَالصَّلَاةِ الْمُبْتَدَأَةِ فَيَبْتَدِئُ فِيهَا بِقِرَاءَتِهَا كَمَا فَعَلَهَا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بَدَأَ بِهَا فلذلك إذَا قَرَأَ قَبْلَهَا سُورَةً غَيْرَهَا
وَقَدْ رَوَى أنس ابن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا ثُمَّ قَرَأَ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ إنا أعطيناك الكوثر)
إلَى آخِرِهَا حَتَّى خَتَمَهَا
وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ]
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ يَبْتَدِئُ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِهَا وَكَانَ سَبِيلُهَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح السورة ببسم الله الرحمن الرحيم وروى جرير عن المغيرة قال أمنا إبْرَاهِيمُ فَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ] حَتَّى إذَا خَتَمَهَا وَصَلَ بِخَاتِمَتِهَا [لِإِيلافِ قُرَيْشٍ] ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم.
فصل وأما الْجَهْرُ بِهَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا وَالثَّوْرِيَّ قَالُوا يُخْفِيهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ أَخْفَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْهَرُ بِهَا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِمَامِ إذَا صَلَّى صَلَاةً يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فَرَوَى عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُخْفِيهَا ثُمَّ يَجْهَرُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَرَوَى عَنْهُ أَنَسٌ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ كَانَ عَبْدُ الله ابن مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ يُسِرُّونَ قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم لَا يَجْهَرُونَ بِهَا وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّ أَبَا بكر وعمر كانا يسران ببسم الله الرحمن الرحيم وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ وَرَوَى الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ جَهْرُ الْإِمَامِ ببسم الله الرحمن الرحيم فِي الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ عَاصِمٍ الأحول قال ذكر لعكرمة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في
الجزء 1 · صفحة 17
الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَا إذَا أَعْرَابِيٌّ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ ابن مسعود قال الجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم أعرابية وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ قَالَ سئل الحسن عن الجهر ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ إنَّمَا يفعل ذلك الأعرابى وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابن عباس في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قَالَ ذَلِكَ فِعْلُ الْأَعْرَابِ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ عَدَّهَا آيَةً
وَأَنَّهُ قَالَ هِيَ تَمَامُ السَّبْعِ الْمَثَانِي
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قال كان عمر وعلى لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم وَلَا بِالتَّعَوُّذِ وَلَا بِآمِينَ
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا
وَرَوَى أَنَسٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يُسِرُّونَ وَفِي بَعْضِهَا كَانُوا يُخْفُونَ
وَجَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ حَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ
وَرَوَى أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَيَخْتِمُهَا بِالتَّسْلِيمِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةٍ مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم
وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا كَانَ عِنْدَك أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعِهَا فَالْوَاجِبُ الْجَهْرُ بِهَا كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقُرْآنِ إذْ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ دُونَ بَعْضٍ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قِيلَ لَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ بِهَا تَبَرُّكًا جَازَ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى [إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ] الْآيَةَ هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ وَمَنْ اسْتَفْتَحَ بِهِ الصَّلَاةَ لَا يَجْهَرُ بِهِ مَعَ الْجَهْرِ بِسَائِرِ الْقِرَاءَةِ كَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إخْفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ إذْ لَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَجَهَرَ بِهَا كَجَهْرِهِ بِسَائِرِهَا فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا رَوَى نُعَيْمٍ الْمُجَمِّرِ أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ لَمَّا سَلَّمَ قَالَ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً برسول
الجزء 1 · صفحة 18
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا
رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهَا فَيَقْرَأُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين)
وَبِمَا
رَوَى جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)
قيل له وأما حَدِيثُ نُعَيْمٍ الْمُجَمِّرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْجَهْرِ بِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا ذكر بها أَنَّهُ قَرَأَهَا وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ جَهَرَ بِهَا وَجَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ جَهَرَ بِهَا وَإِنْ قَرَأَهَا وَكَانَ عِلْمُ الرَّاوِي بِقِرَاءَتِهَا إمَّا مِنْ جِهَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِخْبَارِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَمِعَهَا لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا كَمَا
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَهَضَ فِي الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَسْكُتْ)
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَنَّهَا مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا لَمْ يُجْهَرْ بِهَا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَعُدُّهَا آيَةً مِنْهَا لَا يَجْهَرُ بِهَا وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَى اللَّيْثُ عن عبد الله بن عبيد بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ مُعَلَّى أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا فَفِي هَذَا الْخَبَر أَنَّهَا نَعَتَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَهْرٍ وَلَا إخْفَاءٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَهَا وَنَحْنُ كَذَلِكَ نَقُولُ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ لَا يجهر بها وجائز أن يكون النبي عليه السلام أَخْبَرَهَا بِكَيْفِيَّةِ قِرَاءَتِهِ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ غَيْرَ جَاهِرٍ بِهَا فَسَمِعَتْهُ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهَا وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ صَلَاةَ فَرْضٍ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا بَلْ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ وَجَائِزٌ عِنْدَنَا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَقْرَأَ كَيْفَ شَاءَ مِنْ جَهْرٍ أَوْ إخْفَاءٍ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ فَإِنَّ جَابِرًا مِمَّنْ لَا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ لِأُمُورٍ حُكِيَتْ عَنْهُ تُسْقِطُ رِوَايَتَهُ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ عَلَى مَا حُكِيَ وَكَانَ يَكْذِبُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَرْوِيهِ وَقَدْ كَذَّبَهُ قَوْمٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ
وَقَدْ رَوَى أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا
وَلَوْ كَانَ الْجَهْرُ ثَابِتًا عِنْدَهُ لَمَا خَالَفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ تَسَاوَتْ الْأَخْبَارُ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ الْإِخْفَاءُ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ظُهُورُ عَمَلِ السَّلَفِ بِالْإِخْفَاءِ دُونَ
الجزء 1 · صفحة 19
الْجَهْرِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الْمُغَفَّلِ وَأُنْسُ بْنُ مَالِكٍ وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ الْجَهْرُ بِهَا بِدْعَةٌ إذْ كَانَ مَتَى رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبَرَانِ مُتَضَادَّانِ وَظَهَرَ عَمَلُ السَّلَفِ بِأَحَدِهِمَا كَانَ الَّذِي ظَهَرَ عَمَلُ السَّلَفِ بِهِ أَوْلَى بِالْإِثْبَاتِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أن الجهر بها لو كان ثابتا ورد النَّقْلُ بِهِ مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا كَوُرُودِهِ فِي سَائِرِ الْقِرَاءَةِ فَلَمَّا لَمْ يَرِدْ النَّقْلُ بِهِ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ إذا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ مَسْنُونِ الْجَهْرِ بِهَا كَهِيَ إلَى مَعْرِفَةِ مَسْنُونِ الْجَهْرِ فِي سَائِرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّ اُحْتُجَّ بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ محمد ابن يعقوب الأصم قال حدثنا ربيع بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن عثمان بن حنتم عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى بِهِمْ ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وَلَمْ يُكَبِّرْ إذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ فَنَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ سَلَّمَ وَالْأَنْصَارُ أَيْ مُعَاوِيَةُ سَرَقْتَ الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم وَأَيْنَ التَّكْبِيرُ إذَا خَفَضْت وَإِذَا رَفَعْت فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً أُخْرَى فَقَالَ فِيهَا ذَلِكَ الَّذِي عَابُوا عَلَيْهِ قَالَ فَقَدْ عَرَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارِ الْجَهْرَ بِهَا قِيلَ لَهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْت لَعَرَفَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الْمُغَفَّلِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ الْإِخْفَاءَ دُونَ الْجَهْرِ وَلَكَانَ هَؤُلَاءِ أَوْلَى بِعِلْمِهِ
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لِيَلِيَنِّي منكم أولوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى)
وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَقْرَبَ إلَيْهِ فِي حال الصلاة من غيرهم من القول الْمَجْهُولِينَ الَّذِينَ ذَكَرْت وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِفَاضَةٍ لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرْت مِنْ قَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إنَّمَا رَوَيْته مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْجَهْرِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنَحْنُ أَيْضًا نُنْكِرُ تَرْكَ قِرَاءَتِهَا وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ أَيُّهُمَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الْأَمْرُ بِاسْتِفْتَاحِ الْأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ عز وجل به وذكرها على الذبيحة وشعار وعلم من علام الدِّينِ وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (إذَا سَمَّى اللَّهَ الْعَبْدُ عَلَى طَعَامِهِ لَمْ يَنَلْ منه الشيطان وَإِذَا لَمْ يُسَمِّهِ نَالَ مِنْهُ مَعَهُ)
وَفِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهُمْ بِذِكْرِ الْأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَهُوَ مَفْزَعٌ لِلْخَائِفِ وَدَلَالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ على انقطاعه إلى الله تعالى ولجأه إلَيْهِ وَأُنْسٌ لِلسَّامِعِ
الجزء 1 · صفحة 20
وَإِقْرَارٌ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَاعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ وَاسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعِيَاذَةٌ بِهِ وَفِيهِ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِ لَا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ وَهُمَا اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ.
بَابٌ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَإِنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وقرأ غيرها فقد أساء وتجزيه صَلَاتُهُ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إذَا لَمْ يَقْرَأْ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَعَادَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّ مَا يُجْزِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَرْفًا وَخَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ أَعَادَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عن عباد ابن رِبْعِيٍّ قَالَ قَالَ عُمَرُ لَا تُجْزِي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَآيَتَيْنِ فَصَاعِدًا وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ الْجَرِيرِيِّ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ لَا تُجْزِي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَآيَتَيْنِ فَصَاعِدًا وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَالَ اقْرَأْ مِنْهُ ما قل أو أكثر وَلَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَلِيلٌ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّ مَنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ فاتحة الكتاب وقرأ غيرها لم يضره وَتُجْزِيهِ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ يَحْيَى أَنَّ جَابِرَ بْن زَيْدٍ قَامَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ فَقَرَأَ [مُدْهامَّتانِ] ثُمَّ رَكَعَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي أَنَّهَا لَا تُجْزِي إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَآيَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ التَّمَامِ لَا عَلَى نَفْيِ الْأَصْلِ إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِهَا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَحْدَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا مَعَ تَرْكِ الْفَاتِحَةِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا قَوْله تَعَالَى [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ] ومعناه قراءة الفجر في صلاة الفجر اتفاق الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقْتَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَّا فِي الصَّلَاةِ وَالْأَمْرُ عَلَى الْإِيجَابِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ النَّدْبِ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ جَوَازَهَا بِمَا قَرَأَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ لِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] وَالْمُرَادُ بِهِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ] إلى قوله [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأُمَّةُ أَنَّ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الصلاة في الليل وقوله تعالى [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] عُمُومٌ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الصَّلَاةِ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ
حديث
الجزء 1 · صفحة 21
أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الصَّلَاةَ حِينَ لَمْ يُحْسِنْهَا فَقَالَ لَهُ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ
عِنْدَنَا إنَّمَا صَدَرَ عَنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّا مَتَى وَجَدْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا يُوَاطِئُ حُكْمًا مَذْكُورًا فِي الْقُرْآنِ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَم بِذَلِكَ عَنْ الْقُرْآنِ كَقَطْعِهِ السَّارِقَ وَجَلْدِهِ الزَّانِيَ وَنَحْوِهَا ثُمَّ لَمْ يُخَصِّصْ نَفْلًا مِنْ فَرْضٍ فَثَبَتَ أَنَّ مُرَادَ الْآيَةِ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا بِغَيْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا دَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْآيَةِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فِي جَوَازِهَا بِغَيْرِهَا وَعَلَى أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ فِي شَأْنِ صَلَاةِ اللَّيْلِ لَوْ لَمْ يُعَاضِدْهُ الْخَبَرُ لَمْ يَمْنَعْ لُزُومَ حُكْمِهَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِض وَالنَّوَافِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ مِثْلُهَا بِدَلَالَةِ أَنَّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّ مَا جَازَ فِي النَّفْلِ جَازَ فِي الْفَرْضِ مِثْلُهُ كَمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هُمَا مُخْتَلِفَانِ عِنْدَكَ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَك فِي الْفَرْضِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي النَّفْلِ إذَا صَلَّاهَا قِيلَ لَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ آكد في حكم القراءة من الفرض إذا جَازَ النَّفَلُ مَعَ تَرْكِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَالْفَرْضُ أَحْرَى أَنْ يَجُوزَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَمَنْ أَوْجَبَ فَرْضَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي أَحَدِهِمَا أَوْجَبَهَا فِي الْآخَرِ وَمَنْ أَسْقَطَ فَرْضَهَا فِي أَحَدِهِمَا أَسْقَطَهُ فِي الْآخَرِ فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَنَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ جَوَازُ النَّفْلِ بِغَيْرِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْفَرْضِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا بِالْآيَةِ قِيلَ لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اقْرَأْ مَا شِئْت أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلِ بِعْ عَبْدِي هَذَا بِمَا تَيَسَّرَ أَنَّهُ مُخَيِّرٌ لَهُ فِي بَيْعِهِ لَهُ بِمَا رَأَى وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ لَمْ يَجُزْ لَنَا إسْقَاطُهُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّ فِيهِ نَسْخَ مَا اقْتَضَتْهُ الْآيَةُ مِنْ التَّخْيِيرِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هُوَ بمنزلة قوله [فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ] وَوُجُوبُ الِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مَعَ وُقُوعِ الِاسْمِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ مَا يُهْدَى وَيُتَصَدَّقُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخُ الْآيَةِ قِيلَ لَهُ إنَّ خِيَارَهُ بَاقٍ فِي ذَبْحِهِ أَيُّهَا شَاءَ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رَفْعُ حُكْمِهَا مِنْ التَّخْيِيرِ وَلَا نَسْخُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّخْصِيصُ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا لَوْ وَرَدَ أَثَرٌ فِي قِرَاءَةِ آيَةٍ دُونَ مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَسْخُ الْآيَةِ لِأَنَّ خِيَارَهُ بَاقٍ فِي أن يقرأ أيما شاء من آي
الجزء 1 · صفحة 22
القرآن قال قائل قوله [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] يُسْتَعْمَلُ فِيمَا عَدَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ نَسْخٌ لَهَا قِيلَ لَهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْقِرَاءَةِ عِبَارَةً عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً إلَّا وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِهَا الَّتِي لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا الثَّانِي أَنَّ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي جَمِيعِ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوز تَخْصِيصُهُ فِي بَعْضِ مَا يُقْرَأْ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا الثَّالِثُ أَنَّ قوله [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ] أَمْرٌ وَحَقِيقَتُهُ وَمُقْتَضَاهُ الْوَاجِبُ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى النَّدْبِ مِنْ الْقِرَاءَةِ دُونَ الْوَاجِبِ مِنْهَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ
مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسماعيل حدثنا حماد عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طلحة عن على بن يحيى ابن خَلَّادٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَقَالَ لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ جاء إلى النبي عليه السلام فسلم فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّهُ لَا تَتِمُّ صلاة واحد مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ وَيَقْرَأَ بِمَا شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولَ الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن مَفَاصِلُهُ
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ وَذَكَرَ نَحْوَهُ ثُمَّ قَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ثُمَّ اقْرَأْ مَا شِئْت وَفِي الثَّانِي مَا تَيَسَّرَ فَخَيَّرَهُ فِي الْقِرَاءَةِ بِمَا شَاءَ وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ إيَّاهَا مَعَ عِلْمِهِ بجهل الرَّجُلِ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ فِي تَعْلِيمِ الْجَاهِلِ عَلَى بَعْضِ فُرُوضِ الصَّلَاةِ دُون بَعْضٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا لَيْسَتْ بفرض
وحدثنا عبد الباقي بن قانع حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عامر ابن سَيَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ يُقْرَأُ فِيهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْقُرْآنِ)
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بقية عن خلد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بهذه القصة
الجزء 1 · صفحة 23
قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قُمْت فَتَوَجَّهْت إلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ
وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فَذَكَرَ فِيهِ قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرَهَا وَهَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَخْبَارِ الأخر لأنه محمول على أنه يقرأ بها إن تَيَسَّرَ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى تَعْيِينِ الْفَرْضِ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ نَسْخِ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ بِالْآخَرِ إذْ كَانَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا ذَكَرَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ التَّخْيِيرَ فِيمَا يُقْرَأُ وَذَكَرَ فِي الْآخَرِ الْأَمْرَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَأَثْبُت التَّخْيِيرَ فِيمَا عَدَاهَا بِقَوْلِهِ وَبِمَا شاء الله أن تقرأ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَخْبَارِ الْأُخَرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَأَنَّ تَرْكَ ذِكْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ إغْفَالٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلِأَنَّ فِي خَبَرِنَا زِيَادَةً وَهُوَ الْأَمْرُ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِلَا تَخْيِيرٍ قِيلَ لَهُ غَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا عَلَى الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ عَلَى مَا ادَّعَيْت لِإِمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ نَقُولَ التَّخْيِيرُ الْمَذْكُورُ فِي الْخَبَرِ الْمُطْلَقِ حُكْمُهُ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِذِكْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ عَامًّا فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهَا كَأَنَّهُ قَالَ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ إنْ شِئْت وَبِمَا سِوَاهَا فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ زِيَادَةِ التَّخْيِيرِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دُونَ تَخْصِيصِهِ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ دُونَ بَعْضٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اُخْرُجْ فَنَادِ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ)
وَقَوْلُهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِالْقُرْآنِ
يَقْتَضِي جَوَازَهَا بِمَا قَرَأَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ
وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ
يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِهَا بِغَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ مُتَعَيِّنًا بِهَا لَمَا
قَالَ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ
وَلَقَالَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيُّمَا صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ) وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مولى هشام ابن زُهْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَاخْتِلَافُهُمَا فِي السَّنَدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُوهِنُهُ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ جَمِيعًا فَلَمَّا قَالَ فَهِيَ
الجزء 1 · صفحة 24
خِدَاجٌ وَالْخِدَاجُ النَّاقِصَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهَا مَعَ النُّقْصَانِ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً لَمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَ النُّقْصَانِ لِأَنَّ إثْبَاتَهَا نَاقِصَةً يَنْفِي بُطْلَانَهَا إذْ لَا يَجُوزُ الْوَصْفُ بِالنُّقْصَانِ لِمَا لَمْ يَثْبُتُ مِنْهُ شَيْءٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلنَّاقَةِ إذَا حَالَتْ فَلَمْ تَحْمِلْ إنَّهَا قَدْ أَخَدَجَتْ وَإِنَّمَا يُقَالَ أَخَدَجَتْ وَخَدَجَتْ إذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا نَاقِصَ الْخِلْقَةِ أَوْ وَضَعَتْهُ لِغَيْرِ تَمَامٍ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ فَأَمَّا مَا لَمْ تَحْمِل فَلَا تُوصَفُ بِالْخِدَاجِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إذْ النُّقْصَانُ غَيْرُ نَافٍ لِلْأَصْلِ بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَصْلِ حَتَّى يَصِحَّ وَصْفُهَا بِالنُّقْصَانِ
وَقَدْ رَوَى أَيْضًا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ (كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ)
فَأَثْبَتَهَا نَاقِصَةً وَإِثْبَاتُ النُّقْصَانِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْأَصْلِ عَلَى مَا وَصَفْنَا
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ (إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ يُكْتَبُ لَهُ نِصْفُهَا خُمُسُهَا عُشْرُهَا)
فَلَمْ يَبْطُلْ جُزْءٌ بِنُقْصَانِهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ
قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عِجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَلَّى صَلَاةً وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ)
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ حَدِيثَ مَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ فِي ذِكْرِهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ دُونِ غَيْرِهَا وَإِذَا تَعَارَضَا سَقَطَا فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا نَاقِصَةً إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قِيلَ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عِجْلَانَ بَلْ السَّهْوُ وَالْإِغْفَالُ أَجْوَزُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى رِوَايَتِهِمَا بِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَارُضٌ إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهُمَا جَمِيعًا قَالَ مَرَّةً وَذَكَرَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَذَكَرَ مَرَّةً أُخْرَى الْقِرَاءَةَ مُطْلَقَةً وَأَيْضًا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بذكر الإطلاق ما قيد فِي خَبَرِ هَذَيْنِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا جَوَّزْت أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ قَالَ الْأَمْرَيْنِ فَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عِجْلَانَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ رَأْسًا لِإِثْبَاتِهِ إيَّاهَا نَاقِصَةً مَعَ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ رَأْسًا قِيلَ لَهُ نَحْنُ نَقْبَلُ هَذَا السُّؤَالَ وَنَقُولُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي ظَاهِرُ الْخَبَرَيْنِ إلَّا أَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ يُفْسِدُهَا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ الْآخَرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ رُوِيَتْ أَخْبَارٌ أُخَرُ فِي قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ يَحْتَجُّ بِهَا مِنْ يَرَاهَا فَرْضًا فَمِنْهَا
حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أبى السائب مولى هشام ابن زُهْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْت الصَّلَاةَ بيني
الجزء 1 · صفحة 25
وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي)
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالُوا فَلَمَّا عَبَّرَ بِالصَّلَاةِ عَنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضَهَا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا عَبَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْقُرْآنِ فِي قوله [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ] وَأَرَادَ قِرَاءَةَ صَلَاةِ الْفَجْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِهَا وَكَمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالرُّكُوعِ فَقَالَ [وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِهَا قِيلَ لَهُ لَمْ تَكُنْ الْعِبَارَةُ عَنْهُمَا لِمَا ذَكَرْت مُوجِبًا لِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فِيهَا دُون مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْإِيجَابِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي أَمْرٌ وَإِنَّمَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلْإِيجَابِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى النَّوَافِلِ وَالْفُرُوضِ وَقَدْ أَفَادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفْيَ إيجَابِهَا لِأَنَّهُ
قَالَ فِي آخِرِهِ فَمَنْ لَمْ يَقْرَأ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ
فَأَثْبَتَهَا نَاقِصَةً مَعَ عَدَمِ قِرَاءَتِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَسْخَ أَوَّلِ كَلَامِهِ بِآخِرِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَذِكْرُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قِرَاءَتُهَا فَرْضًا فِيهَا وَهَذَا كَمَا
رَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عن أنس ابن أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بن العميان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْمُطَّلِبِ ابن أبى وداعة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى وَتَشَهُّدٌ فِي كُلِّ ركعتين وتبأس وتمكن وَتَقَنُّعٌ لِرَبِّك وَتَقُولُ اللَّهُمَّ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهِيَ خِدَاجٌ)
وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّاهُ صَلَاةً مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَرْضًا فيها ومما يحتاج به المخالفون أيضا
حديث عبادة ابن الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)
وَبِمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُنَادِيَ أَنْ لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
فَمَا زَادَ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لَا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)
يحتمل لنفى الْأَصْل وَنَفْيَ الْكَمَالِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عِنْدَنَا عَلَى نَفْيِ الْأَصْلِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْكَمَالِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إرَادَةُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ نَفْيَ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِذَا أَرَادَ نَفْيَ الْكَمَالِ وَإِثْبَاتَ النُّقْصَانِ فَلَا مَحَالَةَ بَعْضُهُ ثَابِتٌ وَإِرَادَتُهُمَا مَعًا مُنْتَفِيَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْأَصْلِ أَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ إسْقَاطُ التَّخْيِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] وَذَلِكَ نَسْخٌ وَغَيْرُ جَائِزٍ نَسْخُ الْقُرْآنِ
الجزء 1 · صفحة 26
بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا
رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ وَأَبُو سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضِرَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا تَجْزِي صَلَاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ ركعة بالحمد لِلَّهِ وَسُورَةٌ)
فِي الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ مَعَهَا غَيْرُهَا وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَا صَلَاةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ نَفْيُ الْكَمَالِ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهَا مُجْزِيَةٌ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ مَعَهَا غَيْرَهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْكَمَالِ وَإِيجَابَ النُّقْصَانِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الْأَصْلِ وَنَفْيَ الْكَمَالِ لِتَضَادِّهِمَا وَاسْتِحَالَةِ إرَادَتِهِمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَأَوْجَبَ بِذَلِكَ قِرَاءَتَهَا وَجَعْلَهَا فَرْضًا فِيهَا وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى مَا ذَكَرَهُ سَعِيدٌ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَشَيْءٍ مَعَهَا وَأَرَادَ بِهِ نَفْيَ الْكَمَالِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ غَيْرَهَا قِيلَ لَهُ لَيْسَ مَعَكَ تاريخ الحديثين ولا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالَيْنِ وَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَبَرَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ وَلِمُخَالِفِك أَنْ يَقُولَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ وَقَدْ ثَبَتَ اللَّفْظَانِ جَمِيعًا جَعَلْتهمَا حَدِيثًا وَاحِدًا سَاقَ بَعْضُ الرُّوَاةِ لَفْظَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَغْفَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ أَلْفَاظِهِ وَهُوَ ذِكْرُ السُّورَةِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ حِينَئِذٍ وَيَثْبُتُ الْخَبَرُ بِزِيَادَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَكُونُ لِقَوْلِ خَصْمِك مَزِيَّةٌ عَلَى قَوْلِك وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُحْكَمَ بِوُجُودِهِمَا مَعًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِد بِزِيَادَةِ السُّورَةِ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ ذِكْرِ السُّورَةِ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أَرَادَ إثْبَاتَ النَّقْصِ حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ
كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ)
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى [إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ] فنفاها بدأ وَأَثْبَتَهَا ثَانِيًا لِأَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْكَمَالِ لَا نَفْيَ الْأَصْلِ أَيْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ وَافِيَةً فَيَفُونَ بِهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلَّا اسْتَعْمَلْت الْأَخْبَارَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَاسْتَعْمَلْت التَّخْيِيرَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ فِيمَا عَدَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ قِيلَ لَهُ لَوْ انْفَرَدَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ الْآيَةِ لَمَا كَانَ فِيهَا مَا يُوجِبُ فَرْضَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا إثْبَاتَ الْأَصْلِ مَعَ تَرْكِهَا وَاحْتِمَالُ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الْأُخَرِ لِنَفْيِ الْأَصْلِ وَنَفْيِ الْكَمَالَ وَعَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً
الجزء 1 · صفحة 27
لِتَعْيِينِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا لَمَا جَازَ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى الْآيَةِ وَصَرْفُهَا عَنْ الْوَاجِبِ إلَى النفل فيما عدا فاتحة الْكِتَابَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ فَإِنَّك تَجِدُهُ كَافِيًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
فَصْلٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِهَا تَقْتَضِي أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى إيَّانَا بِفِعْلِ الْحَمْدِ وَتَعْلِيمٌ لَنَا كَيْفَ نَحْمَدُهُ وَكَيْفَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَكَيْفَ الدُّعَاء لَهُ وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدُّعَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى بِالْإِجَابَةِ لِأَنَّ السُّورَةَ مُفْتَتَحَةٌ
بِذِكْرِ الْحَمْدِ ثُمَّ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ] إلى [مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]
ثُمَّ الِاعْتِرَافِ بِالْعِبَادَةِ لَهُ وَإِفْرَادِهَا لَهُ دُونَ غيره بقوله [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] ثُمَّ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْقِيَامِ بِعِبَادَتِهِ فِي سَائِرِ مَا بِنَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدنيا والدين وهو قوله [وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]
ثُمَّ الدُّعَاءِ بِالتَّثْبِيتِ عَلَى الْهِدَايَةِ الَّتِي هَدَانَا لَهَا مِنْ وُجُوبِ الْحَمْدِ لَهُ وَاسْتِحْقَاقِ الثَّنَاءِ والعبادة لأن قوله [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ] هُوَ دُعَاءٌ لِلْهِدَايَةِ وَالتَّثْبِيتِ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي وَهُوَ التَّوْفِيقُ عَمَّا ضَلَّ عَنْهُ الْكُفَّارُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَاسْتَحَقُّوا لِذَلِكَ غَضَبَهُ وَعِقَابَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ] مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَنَا الْحَمْدَ هُوَ أَمْرٌ لَنَا بِهِ قَوْلُهُ [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَوْلِ الْحَمْدِ مُضْمَرٌ فِي ابْتِدَاءِ السُّورَةِ وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا رُقْيَةٌ وَعَوْذَةٌ وَشِفَاءٌ لِمَا
حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُعَلَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إيَاسٍ عَنْ أَبِي نَضِرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَمَرَرْنَا بِحَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَقَالُوا سَيِّدٌ لَنَا لَدَغَتْهُ الْعَقْرَبُ فَهَلْ فِيكُمْ رَاقٍ قال قلت أنا ولم أفعله حَتَّى جَعَلُوا لَنَا جَعْلًا جَعَلُوا لَنَا شَاةً قَالَ فَقَرَأْت عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَبَرَأَ فَأَخَذْت الشَّاةَ ثُمَّ قُلْت حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا رُقْيَةُ حَقٍّ اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ
وَلِهَذِهِ السُّورَةِ أَسْمَاءٌ مِنْهَا أُمُّ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا ابتدءوه قَالَ الشَّاعِرُ الْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا فَسَمَّى الْأَرْضَ أُمًّا لَنَا لِأَنَّهُ مِنْهَا ابْتَدَأَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَإِحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ تُغْنِي عَنْ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ أُمُّ الْكِتَابِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ فَقِيلَ تَارَةً أُمُّ الْقُرْآنِ وَتَارَةً أُمُّ الْكِتَابِ وَقَدْ رُوِيَتْ الْعِبَارَةُ بِاللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَذَلِكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ السَّبْعُ
الجزء 1 · صفحة 28
الْمَثَانِي قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ السَّبْعِ الْمَثَانِي فَقَالَ السَّبْعُ الْمَثَانِي هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسَّبْعِ أَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ وَمَعْنَى الْمَثَانِي أَنَّهَا تُثْنَى فِي كل ركعة وذلك من سنتها وليس من سنة سائر القرآن إعادته في كل ركعة.
أحكام سُورَةِ الْبَقَرَةِ
قَوْله تَعَالَى [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ] يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا مِنْ صِفَات الْمُتَّقِينَ وَمِنْ شَرَائِط التَّقْوَى كَمَا جَعَلَ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَبِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وسائر ما لزمنا اعتقاده من طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ شَرَائِطِ التَّقْوَى فَاقْتَضَى ذَلِكَ إيجَابَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْآيَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ وُجُوهٌ مِنْهَا إتْمَامُهَا مِنْ تَقْوِيمِ الشَّيْءِ وَتَحْقِيقِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ [وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ] وَقِيلَ يُؤَدُّونَهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ قِيَامٍ وَغَيْرِهِ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْقِيَامِ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ فُرُوضِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى فُرُوضٍ غَيْرِهِ كقوله [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ الَّتِي فِيهَا الْقِرَاءَةُ وقَوْله تَعَالَى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ] الْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَكَقَوْلِهِ [وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ] وقوله [ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا] وقوله [وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] فَذَكَرَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهَا الَّذِي هُوَ مِنْ فُرُوضِهَا وَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ فِيهَا وَعَلَى إيجَابِ مَا هُوَ مِنْ فُرُوضِهَا فصار قوله [يُقِيمُونَ الصَّلاةَ] مُوجِبًا لِلْقِيَامِ فِيهَا وَمُخْبَرًا بِهِ عَنْ فَرْضِ للصلاة ويحتمل [يُقِيمُونَ الصَّلاةَ] يُدِيمُونَ فُرُوضَهَا فِي أَوْقَاتِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى [إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً] أَيْ فَرْضًا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ لَهَا وَنَحْوُهُ قوله تعالى [قائِماً بِالْقِسْطِ] يَعْنِي يُقِيمُ الْقِسْطَ وَلَا يَفْعَلُ غَيْرَهُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي الشَّيْءِ الرَّاتِبِ الدَّائِمِ قَائِمٌ وَفِي فَاعِلِهِ مُقِيمٌ يُقَالُ فُلَان يُقِيمُ أَرْزَاقَ الْجُنْدِ وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ قَامَتْ السُّوقُ إذَا حَضَرَ أَهْلُهَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الِاشْتِغَالَ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا وَمِنْهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى اخْتِلَافِهَا تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً بالآية وقوله [وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ] فِي فَحْوَى الْخِطَابِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَفْرُوضُ مِنْ النَّفَقَةِ وَهِيَ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وقوله [وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] وَقَوْلُهُ [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ] وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا أنه قرنها
الجزء 1 · صفحة 29
إلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَكِتَابِهِ وَجَعَلَ هَذَا الْإِنْفَاقَ مِنْ شَرَائِط التَّقْوَى وَمِنْ أَوْصَافِهَا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَفْرُوضُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ إذَا أُطْلِقَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ أَوْ شَرْطٍ يَقْتَضِي الصَّلَوَاتِ الْمَعْهُودَةَ الْمَفْرُوضَةَ كَقَوْلِهِ [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ] و [حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى] وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَرَادَ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْفَاقِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَمَّا مَدَحَ هَؤُلَاءِ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الرِّزْقِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ مِنْهُ دُونَ الْمَحْظُورِ وَأَنَّ مَا اغْتَصَبَهُ وَظَلَمَ فِيهِ غَيْرَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رِزْقًا لَهُ لَجَازَ إنْفَاقُهُ وَإِخْرَاجُهُ إلَى غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْغَاصِبَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِمَا اغْتَصَبَهُ وَكَذَلِكَ
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)
وَالرِّزْقُ الْحَظُّ فِي اللُّغَةِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى [وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ] أَيْ حَظَّكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ التَّكْذِيبَ بِهِ وَحَظُّ الرَّجُلِ هُوَ نَصِيبُهُ وَمَا هُوَ خَالِصٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ مَا مَنَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ وَهُوَ الْمُبَاحُ الطَّيِّبُ وَلِلرِّزْقِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَقْوَاتِ الْحَيَوَانِ فَجَائِزٌ إضَافَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ قُوتًا وَغِذَاءً
وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ وَإِخْبَارُهُ عَنْهُمْ بِإِظْهَارِ الْإِيمَانِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ عَقِيدَةٍ وَإِظْهَارِ الْكُفْرِ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الشَّيَاطِينِ فِي قَوْلِهِ [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ]
وَقَوْلِهِ [يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ] إلَى قَوْلِهِ
[وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ] يُحْتَجُّ بِهِ فِي اسْتِتَابَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي اُطُّلِعَ مِنْهُ عَلَى إسْرَارِ الْكُفْرِ مَتَى أَظْهَرَ الْإِيمَانَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يؤمر بِقَتْلِهِمْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَبُولِ ظَاهِرِهِمْ دُونِ مَا عَلِمَهُ هُوَ تَعَالَى مِنْ حَالِهِمْ وَفَسَادِ اعْتِقَادِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْدَ فَرْضِ الْقِتَالِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ بَعْد الْهِجْرَةِ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ نَظَائِرُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَسُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرِهِمَا فِي ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَقَبُولِ ظَاهِرِهِمْ دُونَ حَمْلِهِمْ عَلَى أَحْكَام سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ وَإِذَا انْتَهَيْنَا إلَى مَوَاضِعِهَا ذَكَرْنَا أَحْكَامَهَا وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الزِّنْدِيقِ وَاحْتِجَاجَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَا فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَظْهَرُ مِنْ
قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (أمرت أن
الجزء 1 · صفحة 30
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحقها وحسابهم على الله)
وأنكر عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ قَتَلَ فِي بَعْض السَّرَايَا رَجُلًا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ حِين حَمَلَ عَلَيْهِ لِيَطْعَنَهُ
فَقَالَ (هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ)
يَعْنِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عَقْدِ الضَّمِيرِ وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وقَوْله تَعَالَى [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ الْإِقْرَارَ دُونَ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْ إقْرَارِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَنَفَى عَنْهُمْ سَمْتَهُ بِقَوْلِهِ وما هم بمؤمنين وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَانِ فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً فِي نعت المنافقين والنفاق اسم شرعي جعله سِمَةً لِمَنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ خُصُّوا بِهَذَا الِاسْم لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ إذْ كَانُوا مُخَالِفِينَ لِسَائِرِ الْمُبَادِينَ بِالشِّرْكِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مِنْ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ وَهُوَ الْجُحْرُ الَّذِي يَخْرُج مِنْهُ إذَا طُلِبَ لِأَنَّ لَهُ أَجْحُرَةٌ «1» يَدْخُلُ بَعْضُهَا عِنْدَ الطَّلَبِ ثُمَّ يُرَاوِغُ الَّذِي يُرِيدُ صَيْدَهُ فَيَخْرُجُ مِنْ جُحْرٍ آخَرَ قَدْ أَعَدَّهُ وقَوْله تعالى [يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا] هُوَ مَجَازٌ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْإِخْفَاءُ وَكَأَنَّ الْمُنَافِقَ أَخْفَى الْإِشْرَاكَ وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ عَلَى وَجْهِ الْخِدَاعِ وَالتَّمْوِيهِ وَالْغُرُورِ لِمَنْ يُخَادِعُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخَادَعَ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ يَخْلُو هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لا يخدع بتساتر بشيء أَوْ غَيْرَ عَارِفِينَ فَذَلِكَ أَبْعَدُ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْصِدَهُ لِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا عَمَلَ الْمُخَادِعِ وَوَبَالُ الْخِدَاعِ رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا يُخَادِعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَقِيلِ إنَّ الْمُرَادَ يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُذِفَ ذِكْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا قَالَ [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] وَالْمُرَادُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَهُوَ مَجَازٌ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا خَادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ تَقِيَّةً لِتَزُولَ عَنْهُمْ أَحْكَامُ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِقَتْلِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيُوَالُوهُمْ كَمَا يُوَالِي الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَوَاصَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ لهم الإيمان ليفشوا إليهم أسرارهم
(1) هكذا في النسخ التي بأيدينا وصوابه جحرة.
الجزء 1 · صفحة 31
فَيَنْقُلُوا ذَلِكَ إلَى أَعْدَائِهِمْ
وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تعالى [اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ] مَجَازٌ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا عَلَى جِهَةِ مُقَابَلَةِ الْكَلَامِ بِمِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى [وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها] وَالثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِسَيِّئَةٍ بَلْ حَسَنَةٍ وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَابَلَ بِهَا السَّيِّئَةَ أَجْرَى عَلَيْهَا اسْمَهَا وقَوْله تَعَالَى [فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ] وَالثَّانِي لَيْسَ بِاعْتِدَاءٍ وقَوْله تَعَالَى [وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ] وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِعِقَابٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مُقَابَلَةِ اللفظ بمثله ومزاوجته له وَتَقُولُ الْعَرَبُ الْجَزَاءُ بِالْجَزَاءِ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَدِحْ بِالْجَهْلِ وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ وَمُقَابَلَتِهِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ أطلقه الله تعالى على التَّشْبِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَبَالُ الِاسْتِهْزَاءِ راجعا عليهم ولا حقا لَهُمْ كَانَ كَأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِهِمْ وَقِيلَ لَمَّا كَانُوا قَدْ أُمْهِلُوا فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُعَاجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ وَالْقَتْلِ كَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَأَخَّرَ عِقَابَهُمْ فَاغْتَرُّوا بالإمهال كانوا كالمستهزئ بِهِمْ وَلَمَّا كَانَتْ أَجْرَامُ الْمُنَافِقِينَ أَعْظَمَ مِنْ أجرام سائر الكفار المبادين بالكفر لأنه جمعوا الاستهزاء والمخادعة بقوله [يُخادِعُونَ اللَّهَ] وقولهم [إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ] وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ [فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ] وَمَعَ مَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مِنْ عِقَابِهِمْ وَمَا يَسْتَحِقُّونَهُ فِي الْآخِرَةِ خَالَفَ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَحْكَامِ سَائِرِ الْمُظْهِرِينَ لِلشِّرْكِ فِي رَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ بِإِظْهَارِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَجْرَاهُمْ مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي التَّوَارُثِ وَغَيْرِهِ ثَبَتَ أَنَّ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى مَقَادِيرِ الْأَجْرَامِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ فِيهَا وَعَلَى هَذَا أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى أَحْكَامَهُ فَأَوْجَبَ رَجْمَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَلَمْ يُزِلْ عَنْهُ الرَّجْمَ بِالتَّوْبَةِ أَلَا تَرَى إلَى
قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ في ما عز بَعْد رَجْمِهِ وَفِي الْغَامِدِيَّةِ بَعْد رَجْمِهَا لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ وَالْكُفْرُ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا وَلَوْ كَفَرَ رَجُلٌ ثُمَّ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ
وَقَالَ تَعَالَى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ] وحكم الْقَاذِفِ بِالزِّنَا بِجَلْدِ ثَمَانِينَ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَى الْقَاذِفِ بِالْكُفْرِ الْحَدَّ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا وَأَوْجَبَ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ الْحَدَّ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَى شَارِبِ الدَّمِ وَآكِلِ الْمَيْتَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا غَيْرُ مَوْضُوعَةِ عَلَى مَقَادِيرِ الْأَجْرَامِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ جَائِزًا
الجزء 1 · صفحة 32
فِي الْعَقْلِ أَنْ لَا يُوجِبَ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ حَدًّا رَأْسًا وَيَكِلَ أَمْرَهُمْ إلَى عقوبات جَازَ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهَا فَيُوجِبَ فِي بَعْضِهَا أغلظ ما يُوجِبُ فِي بَعْضٍ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ وَإِنَّمَا طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق وما ذكر اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِقْرَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ لَنَا بِقِتَالِهِمْ أَصْلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْعُقُوبَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا مِنْ فِعْلِ الْإِمَامِ وَمَنْ قَامَ بِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ جَارِيَةٌ مَجْرَى مَا يَفْعَلُهُ هُوَ تَعَالَى مِنْ الْآلَامِ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ فَلَمَّا جَازَ أَنْ لَا يُعَاقِبَ الْمُنَافِقَ فِي الدُّنْيَا بِالْآلَامِ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَالْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ بَلْ يَفْعَلُ بِهِ أَضْدَادَ ذَلِكَ وَيَكُونَ عِقَابُهُ الْمُسْتَحِقَّ بِكُفْرِهِ وَنِفَاقِهِ مُؤَجَّلًا إلَى الْآخِرَةِ جَازَ أَنْ لَا يَتَعَبَّدَنَا بِقَتْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَتَعْجِيلِ عُقُوبَةِ كفره ونفاقه وقد غير النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا بَعَثَهُ الله تعالى ثلاث عشر سَنَةً يَدْعُو الْمُشْرِكِينَ إلَى اللَّهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ بِقِتَالِهِمْ بَلْ كَانَ مَأْمُورًا بِدُعَائِهِمْ في ذلك بلين الْقَوْلِ وَأَلْطَفِهِ فَقَالَ تَعَالَى [ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] وقال [وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً] وَقَالَ [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِأَحْسَنِ الْوُجُوهِ ثُمَّ فَرَضَ الْقِتَالَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِالْمَصْلَحَةِ مِنْ كِلَا الْحَالَيْنِ بِمَا تَعَبَّدَ بِهِ فَجَازَ مِنْ أَصْلِ مَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ خَاصًّا فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ وَهُمْ المجاهرون بالكفر دون ما يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ وَإِنْ كَانَ الْمُنَافِقُ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنْ غَيْرِهِ
وقَوْله تَعَالَى [الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً] يعنى والله أعلم قرارا وَالْإِطْلَاقُ لَا يَتَنَاوَلُهَا وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ مُقَيَّدًا كقوله تعالى [وَالْجِبالَ أَوْتاداً] وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْأَوْتَادِ لَا يُفِيدُ الْجِبَالَ وَقَوْلُهُ [الشَّمْسَ سِراجاً] وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ إنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَنَامَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَحْنَثُ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ فَقَعَدَ فِي الشَّمْسِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُعْتَادِ الْمُتَعَارَفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَلَيْسَ فِي العادة إطلاق هذا الإسم للأرض والشمس هذا كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْجَاحِدُ لَهُ كَافِرًا وَسَمَّى الزَّارِعَ كَافِرًا وَالشَّاكِّ السِّلَاحَ كَافِرًا وَلَا يَتَنَاوَلُهُمَا هَذَا الِاسْمُ فِي الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكَافِرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ كَثِيرَةٌ وَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَمَا
الجزء 1 · صفحة 33
كَانَ فِي الْعَادَةِ مُطْلَقًا فُهِمَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ فِيهَا عَلَى تَقْيِيدِهِ وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعَهُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَهُوَ ارْتِفَاعُ السَّمَاءِ وَوُقُوفُهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ ثُمَّ دَوَامُهَا على طول الدهر غير متزايلة ولا متغير كَمَا قَالَ تَعَالَى [وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً] وَكَذَلِكَ ثَبَات الْأَرْضِ وَوُقُوفُهَا عَلَى غَيْرِ سَنَدٍ فِيهِ أَعْظَمُ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَعَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَفِيهَا تَنْبِيهٌ وَحَثٌّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى اللَّهِ وَتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ وقَوْله تَعَالَى [فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ] نَظِيرُ قَوْلِهِ [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً] وَقَوْلِهِ [وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ] وَقَوْلِهِ [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ] يُحْتَجُّ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْإِبَاحَةِ مِمَّا لَا يَحْظُرُهُ الْعَقْلُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ
وقَوْله تَعَالَى [وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ] فِيهِ أَكْبَرُ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَقَرَعَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْحَمِيَّةِ وَأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَعَنْهُمْ أَخَذَ فَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْهُمْ خَطِيبٌ وَلَا تَكَلَّفَهُ شَاعِرٌ مَعَ بَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي تُوهِينِ أَمْرِهِ وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ وَكَانَتْ مُعَارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهَا أَبْلَغَ الْأَشْيَاءِ فِي إبْطَالِ دَعْوَاهُ وَتَفْرِيقِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الذي لا يعجز شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْعِبَادِ مِثْلُهُ وَإِنَّمَا أَكْبَرُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ وَأَنَّهُ سِحْرٌ فَقَالَ تَعَالَى [فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ] وقال [فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ] فَتَحَدَّاهُمْ بِالنَّظْمِ دُونَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَظْهَرَ عَجْزَهُمْ عَنْهُ فَكَانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً لنبينا صلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَبَانَ اللَّهُ تعالى بها نبوة نبيه وفضله بها لأن سائر معجزات الأنبياء على سائر الأنبياء نقضت بِانْقِضَائِهِمْ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُعْجِزَةً مِنْ طَرِيقِ الْأَخْبَارِ وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ كُلُّ مَنْ اعتراض عليها بعده قَرَّعْنَاهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ كَمَا كَانَ حُكْمُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ مِنْ لُزُومِ الْحُجَّةِ بِهِ وَقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السلام وعند الجاحدين لنبوته أنه من كَانَ مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ عَقْلًا
الجزء 1 · صفحة 34
وَأَكْمَلِهِمْ خُلُقًا وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيَا فَمَا طَعَنَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي كَمَالِ عَقْلِهِ وَوُفُورِ حِلْمِهِ وَصِحَّةِ فَهْمِهِ وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أَرْسَلَهُ إلَى خَلْقِهِ كَافَّةً ثُمَّ جَعَلَ عَلَامَةَ نُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةَ صِدْقِهِ كَلَامًا يُظْهِرُهُ وَيَقْرَعُهُمْ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وَبُطْلَانُ دَعْوَاهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتحدهم بذلك ولم يقرعهم بالعجز عنه إلا هو مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى مِثْلِهِ الثَّالِثُ
قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يُعَارِضُونَهُ وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ إخْبَارٌ بِالْغَيْبِ وَوُجِدَ مُخْبِرُهُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَلَا تَتَعَلَّقُ هَذِهِ بِإِعْجَازِ النُّظُمُ بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا فِي تَصْحِيحِ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْغَيْبِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِي أَنَّكُمْ مَعَ صِحَّةِ أَعْضَائِكُمْ وَسَلَامَةِ جَوَارِحُكُمْ لَا يَقَعُ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَمَسَّ رَأْسَهُ وَأَنْ يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ سَلَامَةِ أَعْضَائِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَتَقْرِيعِهِمْ بِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إذْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا كَوْنُهُ مِنْ قِبَلِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ الَّذِي صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ تَحَدَّى اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى [قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً] فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ قَالَ [فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ] فَلَمَّا عَجَزُوا قَالَ [فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ] فَتَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ وَأَعْرَضُوا عَنْ طَرِيق الْمُحَاجَّةِ وَصَمَّمُوا عَلَى الْقِتَالِ وَالْمُغَالَبَةِ أَمَرَ اللَّهِ نَبِيَّهُ بِقِتَالِهِمْ وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى [وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ] إنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَصْنَامَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ إنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ مِنْ يُصَدِّقُكُمْ وَيُوَافِقُكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ وَأَفَادَ بِذَلِكَ عَجْزَ الْجَمِيعِ عَنْهُ فِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ كَقَوْلِهِ [لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً] فَقَدْ انْتَظَمَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ مِنْ ابْتِدَائِهَا إلَى حَيْثُ انْتَهَيْنَا إلَيْهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ الْأَمْرُ والتبدئة باسم اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْلِيمُنَا حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءَ لَهُ وَالرَّغْبَةَ إلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ إلَى الطَّرِيقِ المؤدى إلى معرفته وإلى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ دُونَ طَرِيقِ الْمُسْتَحَقِّينَ لِغَضَبِهِ وَالضَّالِّينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَشُكْرِهِ عَلَى نِعْمَتِهِ ثُمَّ ابْتَدَأَ في سورة
الجزء 1 · صفحة 35
الْبَقَرَةِ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَصْفِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ الْكَافِرِينَ وَصِفَتَهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَنَعْتَهُمْ وَتَقْرِيبَ أَمْرِهِمْ إلَى قُلُوبِنَا بِالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ بِاَلَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا وَبِالْبَرْقِ الَّذِي يُضِيءُ فِي الظُّلُمَاتِ مِنْ غَيْرِ بَقَاءٍ وَلَا ثَبَاتٍ وَجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِإِظْهَارِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَهُمْ ثَابِتُونَ عَلَيْهِ هُوَ الْكُفْرُ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَالْمَطَرِ اللَّذَيْنِ يَعْرِضُ فِي خِلَالِهِمَا بَرْقٌ يُضِيءُ لَهُمْ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَبْقَوْنَ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ثُمَّ ابْتَدَأَ بَعْد انْقِضَاءِ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ بِمَا لَا يُمْكِنْ أحد دَفْعُهُ مِنْ بَسْطِهِ الْأَرْضَ وَجَعْلِهَا قَرَارًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَجَعْلِ مَعَايِشِهِمْ وَسَائِرِ مَنَافِعِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ مِنْهَا وَإِقَامَتِهَا عَلَى غَيْرِ سَنَدٍ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون لَهَا نِهَايَةٌ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حُدُوثِهَا وَأَنَّ مُمْسِكَهَا وَمُقِيمَهَا كَذَلِكَ هُوَ اللَّهُ خَالِقُهَا وَخَالِقكُمْ الْمُنْعِمُ عَلَيْكُمْ بِمَا جَعَلَ لَكُمْ فِيهَا مِنْ أَقْوَاتِكُمْ وَسَائِرِ مَا أَخْرَجَ مِنْ ثِمَارِهَا لَكُمْ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إلَّا الْقَادِرُ الَّذِي لَا يعجزه ولا يشبهه شيء فحثهم عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِدَلَائِلِهِ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى نِعَمِهِ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا أَظْهَرَ مِنْ عَجْزِهِمْ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَدَعَاهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ الْمُنْعِمِ عَلَيْنَا بِهَذِهِ النِّعَمِ فَقَالَ [فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَا تَدْعُونَهُ آلِهَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَيْكُمْ بِهِ دُونَهَا وَهُوَ الْخَالِق لَهَا وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] إنَّكُمْ تَعْلَمُونَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِ الْوَاجِبِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْعَقْلِ مَا يُمْكِنُكُمْ بِهِ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَوَجَبَ تَكْلِيفُكُمْ ذَلِكَ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعَقْلِ إبَاحَةُ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَعَ إزَاحَةِ الْعِلَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ فَلَمَّا قَرَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِدَلَائِلِهِ الدَّالَّةِ عليه عقد عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ]
ثُمَّ عَقَّبَ بِذِكْرِ مَا وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ] إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله وقد تضمنت هذه الآيات مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ الْأَمْرَ بِاسْتِعْمَالِ حُجَجِ الْعُقُولِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِدَلَائِلِهَا وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِمَذْهَبِ مَنْ نَفَى الِاسْتِدْلَالَ بِدَلَائِلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاقْتَصَرَ عَلَى الْخَبَرِ بزعمه في معرفة الله والعلم بصدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْتَصِرْ فِيمَا دَعَا النَّاسَ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ
الجزء 1 · صفحة 36
عَلَى الْخَبَرِ دُونَ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ عُقُولِنَا وقَوْله تَعَالَى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ هِيَ الْخَبَرُ السَّارُّ والإظهار وَالْأَغْلَبُ أَنَّ إطْلَاقَهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يُحْدِثُ عِنْدَهُ الِاسْتِبْشَارَ وَالسُّرُورَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجْرِي عَلَى غَيْرِهِ مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ [فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ] وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ أَيُّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِوِلَادَةِ فُلَانَةَ فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرُوهُ جَمَاعَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَنَّ الْأَوَّلَ يَعْتِقُ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ حَصَلَتْ بِخَبَرِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ أَيُّ عَبْدِ أَخْبَرَنِي بِوِلَادَتِهَا فَأَخْبَرُوهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَنَّهُمْ يَعْتِقُونَ جَمِيعًا لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى خَبَرٍ مُطْلَقٍ فَيَتَنَاوَلُ سَائِرَ الْمُخْبِرِينَ وَفِي الْبِشَارَةِ عَقَدَهَا عَلَى خَبَرٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ وَهُوَ مَا يُحْدِثُ عِنْدَهُ السُّرُورَ وَالِاسْتِبْشَارَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْخَبَرِ مَا وَصَفْنَا قَوْلُهُمْ رَأَيْت الْبِشْرَ فِي وَجْهِهِ يَعْنِي الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ قَالَ اللَّهُ فِي صِفَةِ وُجُوهِ أَهْلِ الجنة [وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ] فَأَخْبَرَ عَمَّا ظَهَرَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ آثَارِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ بِذِكْرِ الِاسْتِبْشَارِ وَمِنْهُ سَمُّوا الرَّجُلَ بَشِيرًا تَفَاؤُلًا مِنْهُمْ إلَى الْإِخْبَارِ بِالْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ وَسَمُّوا مَا يُعْطَى الْبَشِيرَ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ بُشْرَى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ يتناول الخير الْمُفِيدَ سُرُورًا فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ فِي الشَّرِّ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْخَبَرُ فَحَسْبُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى [فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ] مَعْنَاهُ أُخْبِرْهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْبَشِيرَ هُوَ الْمُخْبِرُ الْأَوَّلُ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْيَمِينِ قَوْلُهُمْ ظَهَرَتْ لَنَا تَبَاشِيرُ هَذَا الْأَمْرِ يَعْنُونَ أَوَّلَهُ وَلَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الشَّرِّ وَفِيمَا يَغُمُّ وَإِنَّمَا يَقُولُونَهُ فِيمَا يَسُرُّ وَيُفْرِحُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ أَصْلَهُ فِيمَا يَسُرُّ وَيَغُمُّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا يَظْهَرُ أَوَّلًا فِي بَشَرَةِ الْوَجْهِ مِنْ سُرُورٍ أَوْ غَمٍّ إلَّا أَنَّهُ كَثُرَ فِيمَا يَسُرُّ فَصَارَ الْإِطْلَاقُ أَخَصَّ بِهِ مِنْهُ بِالشَّرِّ
وقَوْله تَعَالَى [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا لِآدَمَ أَعْنِي الْأَجْنَاسَ بِمَعَانِيهَا لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي ذِكْرِ الأسماء وقوله [ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ] فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يُوجِبُ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ عرضهم دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَسْمَاءُ مِنْ يَعْقِلُ لِأَنَّ هُمْ إنَّمَا يُطْلَقُ فِيمَا يَعْقِلُ دُونَ مَا لَا يَعْقِلُ قِيلَ لَهُ لَمَّا أَرَادَ مَا يعقل وما لا يعقل جاز تغليب مَا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى
الجزء 1 · صفحة 37
[خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ] لَمَّا دَخَلَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَعْقِلُ أَجْرَى الْجَمِيعَ مَجْرًى وَاحِدًا وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُصُولَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا تَوْقِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا وَأَنَّهُ عَلَّمَهُ إيَّاهَا بِمَعَانِيهَا إذْ لَا فَضِيلَةَ فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَعَانِي وَهِيَ دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَفَضِيلَتِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ إعْلَامَ الْمَلَائِكَةِ فَضِيلَةَ آدَمَ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ بِمَعَانِيهَا حَتَّى أَخْبَرَ الْمَلَائِكَةَ بِهَا وَلَمْ تَكُنْ الْمَلَائِكَةُ عَلِمَتْ مِنْهَا مَا عَلِمَهُ آدَم فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالْفَضْلِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُولُ إنَّ لُغَةَ آدَمَ وَوَلَدِهِ كَانَتْ وَاحِدَةً إلَى زَمَانِ الطُّوفَانِ فَلَمَّا أَغْرَقَ اللَّه تَعَالَى أَهْلَ الْأَرْضِ وَبَقِيَ مِنْ نَسْلِ نُوحٍ مَنْ بَقِيَ وَتُوُفِّيَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَوَالَدُوا وَكَثُرُوا أَرَادُوا بِنَاءَ صَرْحٍ بِبَابِلَ يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنْ طوفان أن كَانَ بَلْبَلَ اللَّهُ أَلْسِنَتَهُمْ فَنَسِيَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اللِّسَانَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَّمَهَا اللَّهُ الألسنة التي توارثها بعد ذلك ذريتهم عنهم وَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ وَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى إنْسَانٌ كَامِلُ الْعَقْلِ جَمِيعَ لُغَتِهِ الَّتِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهَا بِالْأَمْسِ وَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا عَارِفِينَ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ إلَى أَنْ تَفَرَّقُوا فَاقْتَصَرَ كُلُّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ عَلَى اللِّسَانِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَتَرَكُوا سَائِرَ الْأَلْسِنَةِ الَّتِي كَانُوا عَرَفُوهَا وَلَمْ تَأْخُذْهَا عَنْهُمْ أَوْلَادُهُمْ وَنَسْلُهُمْ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ نَشَأَ بَعْدَهُمْ سَائِرَ اللغات.
بَابِ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى
قَالَ اللَّه تَعَالَى [وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا] رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الطَّاعَةَ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي السُّجُودِ لِآدَمَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ [وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً] قَالَ كَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ السُّجُودَ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يكون ذلك السجود عبادة الله تَعَالَى وَتَكْرِمَةً وَتَحِيَّةً لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَذَلِكَ سُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَأَهْلِهِ لَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تعالى والتحية والتكرمة جائز ان لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ضَرْبًا مِنْ التَّعْظِيمِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ السُّجُودَ كَانَ لِلَّهِ وَآدَمَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقِبْلَةِ لَهُمْ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِآدَمَ فِي ذَلِكَ حَظٌّ مِنْ التَّفْضِيلِ وَالتَّكْرِمَةِ وَظَاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آدَم مُفَضَّلًا مُكَرَّمًا فَذَلِكَ كَظَاهِرِ الْحَمْدِ إذَا وَقَعَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يُطْلَقُ مِنْ ذَلِكَ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ أَخْلَاقُ فلان محمودة
الجزء 1 · صفحة 38
وَمَذْمُومَةٌ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى بَابِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ قَدْ كَانَ أَرَادَ بِهِ تَكْرِمَةَ آدَمَ عليه السلام وتفضيله قَوْلِ إبْلِيسَ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ [أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ] فَأَخْبَرَ إبْلِيسُ أَنَّ امْتِنَاعَهُ كَانَ مِنْ السُّجُودِ لِأَجْلِ مَا كَانَ مِنْ تَفْضِيلِ اللَّهِ وَتَكْرِمَتِهِ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالسُّجُودِ لَهُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ نُصِبَ قِبْلَةً لِلسَّاجِدِينَ من غير تكرمة ولا فضيلة له لَمَا كَانَ لِآدَمَ فِي ذَلِكَ حَظٌّ وَلَا فَضِيلَةٌ تُحْسَدُ كَالْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَةِ لِلْقِبْلَةِ وَقَدْ كَانَ السُّجُودُ جَائِزًا فِي شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمَخْلُوقِينَ وَيُشْبِهْ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ بَاقِيًا إلَى زَمَانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ضَرْبًا مِنْ التَّعْظِيمِ وَيُرَادُ إكْرَامُهُ وَتَبْجِيلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبِمَنْزِلَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إبَاحَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ أَخْبَارٌ وَقَدْ رُوِيَ الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّكْرِمَةِ وَالتَّحِيَّةِ مَنْسُوخٌ بِمَا
رَوَتْ عَائِشَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ (مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ وَلَوْ صَلُحَ لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)
مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا لَفْظُ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَوْله تَعَالَى [وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ] قِيلَ إنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ [وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ] وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ قَبِيحًا مِنْ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ الْجَمِيعُ أَنَّ السَّابِقَ إلَى الْكُفْرِ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِمَأْثَمِهِ وَجُرْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى [وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ] وَقَوْلِهِ [مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً]
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْقَاتِلِ كِفْلًا مِنْ الْإِثْمِ فِي كُلِّ قَتِيلٍ ظُلْمًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قَوْله تَعَالَى [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى صَلَاةٍ مَعْهُودَةٍ وَزَكَاةٍ مَعْلُومَةٍ وَقَدْ عَرَفَهَا أَوْ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا صَلَاةً مُجْمَلَةً وَزَكَاةً مُجْمَلَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْبَيَانِ إلَّا أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا الْآنَ أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِمَا فِيمَا خُوطِبْنَا به من هذه الصلوات المفروضة والزكاة الواجبة إما لأنه كان مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ فِي حَالِ وُرُودِ الْخِطَابِ أَوْ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مُجْمَلًا وَرَدَ بَعْدَهُ بَيَانُ الْمُرَادِ فَحَصَلَ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَأَمَّا قوله [وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]
الجزء 1 · صفحة 39
فَإِنَّهُ يُفِيدُ إثْبَاتَ فَرْضِ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ إنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الرُّكُوعَ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاتِهِمْ فَنَصَّ عَلَى الرُّكُوعِ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قوله [وَارْكَعُوا] عِبَارَةً عَنْ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا بالقراءة في قوله [فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] وَقَوْلِهِ [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً] وَالْمَعْنَى صَلَاةُ الْفَجْرِ فَيَنْتَظِمُ وَجْهَيْنِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَحَدُهُمَا إيجَابُ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالرُّكُوعِ إلَّا وَهُوَ مِنْ فَرْضِهَا وَالثَّانِي الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْمُصَلِّينَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ لم ذكر الصلاة في قوله [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرِيدَ بِعِطْفِ الرُّكُوعِ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا قِيلَ لَهُ هَذَا جَائِزٌ إذَا أُرِيدَ بِالصَّلَاةِ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهَا الْإِجْمَالُ دُونَ صَلَاةٍ مَعْهُودَةٍ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ [وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] إحَالَةً لَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي بَيَّنَهَا بِرُكُوعِهَا وَسَائِرِ فُرُوضِهَا وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِغَيْرِ رُكُوعٍ وَكَانَ فِي اللَّفْظِ احْتِمَالُ رُجُوعِهِ إلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يرد الصلاة التي تعبد بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ بَلْ الَّتِي فِيهَا الرُّكُوعُ
وقوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ] يَنْصَرِفُ الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَفِعْلِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةُ أَنَّهُمَا مَعُونَتَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلُ الصَّلَاةِ لُطْفٌ فِي اجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ كَقَوْلِهِ [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّبْرَ وَالصَّلَاةَ الْمَنْدُوبَ إلَيْهِمَا لَا الْمَفْرُوضَيْنِ وَذَلِكَ نَحْوُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ المفروض منها لأن ظاهر الأمر للإيجاب وَلَا يُصْرَفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وقَوْله تعالى [وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ] فِيهِ رَدُّ الضَّمِيرِ عَلَى وَاحِدٍ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ [وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ] وَقَالَ [وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
قَوْله تَعَالَى [فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ] يُحْتَجُّ بِهَا فِيمَا وَرَدَ مِنْ التَّوْقِيفِ فِي الْأَذْكَارِ وَالْأَقْوَالِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا إلَى غَيْرِهَا وَرُبَّمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْنَا الْمُخَالِفُ فِي تَجْوِيزِنَا تَحْرِيمَةَ الصَّلَاةَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ وَالتَّسْبِيحِ وَفِي تَجْوِيزِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أبى حنفية وفي تجويز النجاح بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَلْزَمُنَا فِيمَا ذَكَرْنَا لأن قوله تعالى [فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا] إنَّمَا هُوَ فِي الْقَوْمِ
الجزء 1 · صفحة 40
الذين قيل لهم [ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ] يَعْنِي حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ قال ابن عباس أمروا أن يستغفروا روى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا لَا إلَهِ إلَّا اللَّهُ فقالوا بدل هذا حطنة حَمْرَاءُ تَجَاهُلًا وَاسْتِهْزَاءً وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَنْ الْحَسَنِ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ لَتَبْدِيلِهِمْ الْقَوْلَ إلَى لَفْظٍ فِي ضِدِّ الْمَعْنَى الَّذِي أُمِرُوا بِهِ إذْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ فَصَارُوا إلَى الْإِصْرَارِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فَأَمَّا مِنْ غَيْر اللَّفْظُ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ إذْ كَانَتْ الْآيَةُ إنَّمَا تَضَمَّنَتْ الْحِكَايَةَ عَنْ فِعْلِ قَوْمٍ غَيَّرُوا اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جميعا فالحق بهم الذم بهذا الفعل وَإِنَّمَا يُشَارِكُهُمْ فِي الذَّمِّ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْفِعْلِ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَأَمَّا مَنْ غَيَّرَ اللَّفْظَ وَأَتَى بِالْمَعْنَى فَلَمْ تَتَضَمَّنَهُ الْآيَةُ وَإِنَّمَا نَظِيرُ فِعْلِ الْقَوْمِ إجَازَةُ مَنْ يُجِيزُ الْمُتْعَةَ مَعَ قَوْله تَعَالَى [إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ] فَقَصْرَ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَمَنْ اسْتَبَاحَهُ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَهُ الذَّمُّ بِحُكْمِ الْآيَةِ
وقَوْله تَعَالَى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً- إلَى قَوْلِهِ- وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها] إلَى آخَرِ الْآيَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ قِصَّةِ الْمَقْتُولِ وَذَبْحِ الْبَقَرَةِ ضُرُوبٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ فَأَوَّلُهَا أَنَّ
قَوْله تَعَالَى [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً] وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ شَأْنِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ إنَّمَا كَانَ سَبَبُهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذِكْرَ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي النُّزُولِ وَالْآخَرُ أَنَّ تَرْتِيبَ نُزُولِهَا عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ تِلَاوَتِهَا وَنِظَامِهَا وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ اُذْكُرْ إذْ أَعْطَيْت أَلْفَ دِرْهَمِ زَيْدًا إذْ بَنَى دَارِي وَالْبِنَاءُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَطِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَقَرَةِ مُقَدَّمٌ فِي النزول
قوله تعالى [فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها]
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ أُضْمِرَتْ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّوفَانِ وَانْقِضَائِهِ [قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ] وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ هَلَاكِهِمْ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ وَتَأْخِيرَهُ إذَا
الجزء 1 · صفحة 41
كَانَ بَعْضُهُ مَعْطُوفًا عَلَى بَعْضِ بِالْوَاوِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَرْتِيبَ الْمَعْنَى عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ وَقَوْلُهُ [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ وُرُودِ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ بَقَرَةً مَجْهُولَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ وَلَا مَوْصُوفَةٍ وَيَكُونُ الْمَأْمُورُ مُخَيَّرًا فِي ذَبْحِ أَدْنَى مَا يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَنَازَعَ مَعْنَاهُ الْفَرِيقَانِ مِنْ نُفَاةِ الْعُمُومِ وَمَنْ مُثْبِتِيهِ وَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لِمَذْهَبِهِ فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فَاحْتَجُّوا بِهِ مِنْ جِهَة وُرُودِهِ مُطْلَقًا فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لَازِمًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومِ وَأَنَّهُمْ لَمَّا تعنتوا رسول الله عليه السلام فِي الْمُرَاجَعَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ التَّكْلِيفَ وَذَمَّهُمْ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ بِقَوْلِهِ [فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ]
وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ اعْتَرَضُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَتْ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ بِأَنَّ الله تعالى لم يعنفهم على المراجعة بدأ وَلَوْ كَانَ قَدْ لَزِمَهُمْ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ اقْتِضَاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَوَرَدَ النَّكِيرُ فِي بَدْءِ الْمُرَاجَعَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ النَّكِيرَ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ فِي اللَّفْظِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا تَغْلِيظُ الْمِحْنَةِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ النَّكِيرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ] والثاني قوله [وَما كادُوا يَفْعَلُونَ] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا تَارِكِينَ لِلْأَمْرِ بدا وأنه كَانَ عَلَيْهِمْ الْمُسَارَعَةُ إلَى فِعْلِهِ فَقَدْ حَصَلَتْ الْآيَةُ عَلَى مَعَانٍ أَحَدِهَا وُجُوبُ اعْتِبَارِ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيمَا يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ وَأَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ الْمُسَارَعَةَ إلَى فِعْلِهِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ وَالثَّالِثُ جَوَازُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِشَيْءِ مَجْهُولِ الصِّفَةِ مَعَ تَخْيِيرِ الْمَأْمُورِ فِي فِعْلِ مَا يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالرَّابِعُ وُجُوبُ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى النَّدْبِ إلَّا بِدَلَالَةٍ إذْ لَمْ يَلْحَقهُمْ الذَّمُّ إلَّا بِتَرْكِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وَعِيدٍ وَالْخَامِس جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وُقُوعِ الْفِعْلِ بَعْدَ التمكن منه وذلك أَنَّ زِيَادَةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الْبَقَرَةِ كُلٌّ مِنْهَا قَدْ نَسَخَ مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً اقْتَضَى ذَبْحَ بَقَرَةٍ أَيُّهَا كَانَتْ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءُوا وَقَدْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالُوا [ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ] فَقَالَ [إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ] نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ فِي ذَبْحِ الْبَقَرَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةُ وَذَبْحِ غَيْرِهَا وَقَصَرُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وقيل
الجزء 1 · صفحة 42
لهم افعلوا ما تؤمرون فَأَبَانَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذْبَحُوا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَيُّ لَوْنٍ كَانَتْ وَعَلَى أَيِّ حَالِ كَانَتْ مِنْ ذَلُولٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَمَّا قَالُوا [ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها] نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي كَانَ فِي ذَبْحِ أَيِّ لَوْنٍ شَاءُوا مِنْهَا وَبَقِيَ التَّخْيِيرُ فِي الصِّفَةِ الْأُخْرَى مِنْ أَمْرِهَا فَلَمَّا رَاجَعُوا نُسِخَ ذَلِكَ أَيْضًا وَأُمِرُوا بِذَبْحِهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ وَاسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهَا بَعْدَ تَغْلِيظِ الْمِحْنَةِ وَتَشْدِيدِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَمْرِ النَّسْخِ دل على أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَوَامِر الْوَارِدَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ الْقَوْمِ إنَّمَا كَانَ زِيَادَةً فِي نَصٍّ كَانَ قَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فَأَوْجَبَ نَسْخَهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْفَرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتَهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْفَرْضَ عليهم بدأ قَدْ كَانَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ ذَلِكَ قَدْ كَانَ وَقْتُ فِعْلِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الْأَمْرِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْإِمْكَانِ وَاسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ وَثَبَتَ ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ الْفِعْلِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إذَا عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالسَّادِسُ دَلَالَةُ قَوْلِهِ [لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ] عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالِ غَالِبِ الظَّنّ فِي الْأَحْكَامِ إذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْفَارِضِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالسَّابِعُ اسْتِعْمَالُ الظَّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ خلافه بقوله [مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُسَلَّمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ بَرِيئَةٌ مِنْهَا وَذَلِكَ لَا نَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا نَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُون بِهَا عَيْبٌ بَاطِنٌ وَالثَّامِنُ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْمُرَاجَعَةِ الْأَخِيرَةِ [وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ] لَمَّا قَرَنُوا الْخَبَرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وُفِّقُوا لِتَرْكِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَهَا وَلِوُجُودِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمَا اهْتَدَوْا لَهَا أَبَدًا وَلَدَامَ الشَّرُّ بينهم وكذلك قوله [وَما كادُوا يَفْعَلُونَ] فأعلمنا الله ذلك لنطلب نجح الْأُمُورِ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ مَشِيئَةُ اللَّهِ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ] فَفِيهِ اسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالِاعْتِرَافُ بِقُدْرَتِهِ وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ وَأَنَّهُ مَالِكُهُ وَالْمُدَبِّرُ لَهُ وَالتَّاسِعُ دَلَالَةُ قَوْلِهِ [أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ] عَلَى أَنَّ الْمُسْتَهْزِئَ يَسْتَحِقُّ سِمَةَ الْجَهْلِ لِانْتِفَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْل
بِنَفْيِهِ الِاسْتِهْزَاءَ عَنْ نَفْسِهِ
الجزء 1 · صفحة 43
وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِأَمْرِ الدِّينِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِهَا لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ مَأْثَمُهُ النِّسْبَةَ إلَى الْجَهْلِ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مِسْعَرٍ أَنَّهُ تَقَدَّمَ إلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ الْقَاضِي قَالَ وَعَلَيَّ جُبَّةُ صُوفٍ وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَثِيرَ الْمَزْحِ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَصُوفُ نَعْجَةٍ جُبَّتُك أَمْ صُوفُ كَبْشٍ فَقُلْت لَهُ لَا تَجْهَلْ أَبْقَاكَ اللَّهُ قَالَ وَأَنَّى وَجَدْت الْمِزَاحَ جَهْلًا فَتَلَوْت عَلَيْهِ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ من الجاهلين قَالَ فَأَعْرَضِ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِقَتْلِ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ وَإِنَّمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لِنَبِيِّ الله أتتخذنا هزوا كُفْرٌ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ لِمُوسَى [اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ] ويدل عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ هَذَا لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً بين نسائهم وبينهم لأنه لم يأمرهم بِفِرَاقِهِنَّ وَلَا تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ وقَوْله تعالى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يَسَّرَهُ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَدَامَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ سيظهره وهو كَمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (إنَّ عَبْدًا لَوْ أَطَاعَ اللَّهَ مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حِجَابًا لَأَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ)
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قُلْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ يُخْفُوا لِي أَعْمَالَهُمْ وَعَلَيَّ أَنْ أُظْهِرَهَا وقَوْله تَعَالَى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ] عَامٌّ وَالْمُرَادُ خَاصٌّ لِأَنَّ كُلَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِالْقَاتِلِ بِعَيْنِهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قوله [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ] عَامًّا فِي سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بنفسه وهو عاما فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا حِرْمَانُ مِيرَاثِ الْمَقْتُولِ رَوَى أَبُو أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ لَهُ ذُو قَرَابَةٍ وَهُوَ وَارِثُهُ فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ ثُمَّ ذَهَبَ فَأَلْقَاهُ عَلَى بَابِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَذَكَرَ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ وَذَكَرَ بَعْدَهَا فَلَمْ يُوَرَّثْ بَعْدَهَا قَاتِلٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مِيرَاثِ الْقَاتِلِ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً
وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ وَلَا مِنْ سَائِرِ مَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا إنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَرِثَ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ قَاتِلُ الْخَطَإِ يَرِثُ دُونَ قَاتِلِ الْعَمْدِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَإِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ عَمْدًا مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا وَلَا مِنْ مَالِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا قَتَلَ الباغي العادل
الجزء 1 · صفحة 44
أَوْ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ لَا يَتَوَارَثَانِ لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ قَاتِلِ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ إذَا كان بالغا غافلا بِغَيْرِ حَقٍّ وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِ الْخَطَإِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ لَقِيطٍ الضَّبِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالْمُثَنَّى وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ)
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا التُّسْتَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده عن عمر ابن الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ)
وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ)
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْقَاتِلُ عَمْدًا لَا يَرِثُ مِنْ أَخِيهِ وَلَا مِنْ ذِي قَرَابَتِهِ شَيْئًا وَيَرِثُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ نَسَبًا بَعْدَ الْقَاتِلِ)
وَرَوَى حِصْنُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ لِي امْرَأَتَانِ فَاقْتَتَلَتَا فَرَمَيْت إحْدَاهُمَا فَقَالَ اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ حِرْمَانُ الْقَاتِلِ مِيرَاثَهُ مِنْ سَائِرِ مَالِ الْمَقْتُولِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ لِعُمُومِ لَفْظِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْخَبَرَ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ فَجَرَى مَجْرَى التَّوَاتُرِ
كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)
وَقَوْلِهِ [لَا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها]
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مِنْ جِهَةِ الْإِفْرَادِ وَصَارَتْ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ لِتَلَقِّي الْفُقَهَاءُ لَهَا بِالْقَبُولِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ إيَّاهَا فَجَازَ تَخْصِيصُ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِهَا
وَيَدُلُّ عَلَى تَسْوِيَةِ حُكْمِ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ
وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ عَلَيْهِمْ وَغَيْرُ جَائِزِ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ فِي شُيُوعِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ التَّابِعِينَ وَلَمَّا وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سَائِرِ مَالِهِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ دِيَتَهُ مَالُهُ وميراث عنه بدليل أنه تقتضي مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ وَيَرِثُهَا سَائِرُ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَرِثُونَ سَائِرَ أَمْوَالِهِ فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ كَانَ ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 45
حُكْمَ سَائِرِ مَالِهِ فِي الْحِرْمَانِ كَمَا أَنَّهُ إذَا وَرِثَ مِنْ سَائِرِ مَالِهِ وَرِثَ مِنْ دِيَتِهِ فَمِنْ حَيْثُ كَانَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ فِي الْحِرْمَانِ إذا كَانَ الْجَمِيعُ مُسْتَحَقًّا عَلَى سِهَامِ وَرَثَتِهِ وَأَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِهِ فِي الدَّيْنِ عَلَى الْمِيرَاثِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ لِمَا اقْتَضَاهُ الْأَثَرُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَثَرَ لَمْ يَفْصِلْ فِي وُرُودِهِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّمَا وَرِثَ قَاتِلُ الْخَطَإِ مِنْ سَائِرِ مَالِهِ سِوَى الدِّيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي دِيَتِهِ لِأَنَّهَا مِنْ التُّهْمَةِ أَبْعَدُ فَوَاجِبٌ عَلَى مُقْتَضَى عِلَّتِهِ أَنْ يَرِثَ مِنْ دِيَتِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي قَاتِلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ سَائِرَ مَالِهِ كَمَا لَا يَرِثُ من دينه إذَا وَجَبَتْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ قَاتِلِ الْخَطَإِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ مِنْ دِيَتِهِ وَأَيْضًا إذَا كَانَ قَتْلُ الْعَمْدِ وَشِبْهُ الْعَمْدِ إنَّمَا حَرَّمَا الْمِيرَاثَ لِلتُّهْمَةِ فِي إحْرَازِ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِهِ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَظْهَرَ رَمْيَ غَيْرِهِ وَهُوَ قَاصِدٌ بِهِ قَتْلَهُ لِئَلَّا يُقَادَ مِنْهُ وَلَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثَ فَلَمَّا كَانَتْ التُّهْمَةُ مَوْجُودَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ وَأَيْضًا تَوْرِيثُهُ بَعْضَ الْمِيرَاثِ دُونَ بَعْضٍ خَارِجٌ مِنْ الْأُصُولِ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ مَنْ وَرِثَ بَعْضَ تَرِكَةٍ وَرِثَ جَمِيعَهَا وَمَنْ حُرِمَ بَعْضُهَا حُرِمَ جَمِيعُهَا وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يُحْرَمَانِ الْمِيرَاثَ بِالْقَتْلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ فِي الأموال فَأُجْرِيَ قَاتِلُ الْخَطَإِ مَجْرَاهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ بِقَتْلِ الْخَطَإِ تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ الْقَتْلَ بِرَمْيِهِ أَوْ بِضَرْبِهِ وَأَنَّهُ أَوْهَمَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِغَيْرِهِ فَأُجْرِيَ فِي ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْهُمَا ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقَّانِ الدَّمَ
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ)
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي سُقُوطَ حُكْمِ قَتْلِهِ رَأْسًا مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ لَمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ النَّائِمُ الْمِيرَاثَ إذَا انْقَلَبَ عَلَى صَبِيِّ فَقَتَلَهُ قِيلَ لَهُ هُوَ مِثْلُ قَاتِلِ الْخَطَإِ يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ أَنَّهُ نَائِمٌ ولم يكن نائما في الحقيقة أما قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَادِلِ إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ حُرِمَ الْمِيرَاثَ فَلَا وَجْه لَهُ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ وَقَدْ كَانَ الْبَاغِي مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 46
إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ يُحْرِمُهُ الْمِيرَاثَ لَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُحَارِبًا فَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ حَدًّا أَنْ لَا يَكُونَ مِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ فِي إجراء الحكم عليه فكأنه قَتَلُوهُ فَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمِيرَاثِ مَنْ ذَكَرْنَا أَمْرَهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَامَ مَقَامَهُمْ فِي قَتْلِهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِحَقِّ لَا يُحْرِمُ قَاتِلُهُ مِيرَاثَهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي حَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ إذَا عَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ إنَّهُ لَا يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ غَيْرَ قَاتِلٍ فِي الْحَقِيقَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لِلْقَتْلِ وَلَا لِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِالْمَقْتُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ على ثلاثة أوجه عمدا وَخَطَأٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ وَحَافِرُ الْبِئْرِ وَوَاضِعُ الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ حَفْرُ الْبِئْرِ وَوَضْعُ الْحَجَرِ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ كَالرَّامِي وَالْجَارِحِ أَنَّهُمَا قَاتِلَانِ لِفِعْلِهِمَا السَّبَبَ قِيلَ لَهُ الرَّمْيُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ مُرُورِ السَّهْمِ هُوَ فِعْلُهُ وَبِهِ حَصَلَ الْقَتْلُ وَكَذَلِكَ الْجُرْحُ فَعَلَهُ فَصَارَ قاتلا به لاتصال فعله للمقتول وَعِثَارُ الرَّجُلِ بِالْحَجَرِ وَوُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِهِ قَاتِلًا
وقَوْله تَعَالَى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ بِالْحَقِّ الْمُعَانِدَ فِيهِ أَبْعَدُ مِنْ الرُّشْدِ وَأَقْرَبُ إلَى الْيَأْسِ مِنْ الصَّلَاحِ مِنْ الْجَاهِلِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] يُفِيدُ زَوَالَ الطَّمَعِ فِي رُشْدِهِمْ لِمُكَابَرَتِهِمْ الْحَقَّ بَعْد الْعِلْمِ بِهِ
وقَوْله تَعَالَى [وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً] قِيلَ فِي مَعْنَى مَعْدُودَةً إنَّهَا قَلِيلَةٌ كَقَوْلِهِ [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ] أَيْ قَلِيلَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ فِي قوله أياما معدودة إنَّهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا مِقْدَارُ مَا عَبَدُوا الْعِجْلَ وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ تَعَالَى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ] فَسَمَّى أَيَّامَ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعْدُودَاتٍ وَأَيَّامُ الشَّهْرِ كُلِّهِ وَقَدْ احْتَجَّ شُيُوخُنَا لِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَعَشْرَةٌ
بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا)
وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ
(دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِك)
وَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَيْض تُسَمَّى أَيَّامًا وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهَا عَشَرَةٌ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ يُقَالُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ يُقَالُ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الِاسْمَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ أَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ فَمِنْ النَّاسِ من يعترض على هذا الاستدلال بقوله [أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ] وَهِيَ أَيَّامُ الشَّهْرِ وَقَوْلِهِ [إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً] وقد قيل
الجزء 1 · صفحة 47
فِيهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَقْدَحُ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَيَّامًا قَلِيلَةً كَقَوْلِهِ [دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ] يَعْنِي قَلِيلَةً وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْدِيدَ الْعَدَدِ وَتَوْقِيتَ مِقْدَارِهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّوْمِ مَا يَشْتَدُّ وَيَصْعُبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَقْتًا مُبْهَمًا كَقَوْلِهِمْ أَيَّامَ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَيَّامَ الْحَجَّاجِ وَلَا يُرَادُ بِهِ تَحْدِيدُ الْأَيَّامِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ زَمَانُ مُلْكِهِمْ
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك)
قَدْ أُرِيدَ بِهِ لَا مَحَالَةَ تَحْدِيدُ الْأَيَّامِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَيْضِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ مَخْصُوصٌ لَا يَتَجَاوَزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ فَمَتَى أُضِيفَ ذِكْرُ الْأَيَّامِ إلَى عدد مخصوص يتناول إما بين الثلاثة إلى العشرة
وقوله تَعَالَى [بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ] قَدْ عُقِلَ مِنْهُ اسْتِحْقَاقُ النَّارِ بِمَا يَكْسِبُ من السيئة وإحاطتها به فَكَانَ الْجَزَاءُ مُسْتَحَقًّا بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى شَرْطَيْنِ فِي عَتَاقٍ أَوْ طلاق أو غيرهما أنه لا يَحْنَثُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا دُونَ وُجُودِ الْآخَرِ
قَوْله تَعَالَى [وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً] يَدُلّ عَلَى تَأْكِيدِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَوُجُوبِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا كَافِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُؤْمِنَيْنِ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ إلَى الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ [وَذِي الْقُرْبى] يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إلَى اليتامى والمساكين [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً]
رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا كُلُّهُمْ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى قَوْله تَعَالَى [ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] وَالْإِحْسَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ إلَيْهِ وَالنُّصْحُ فِيهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى [لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ] وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِلَعْنِ الْكُفَّارِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ وَالْإِنْكَارِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفْ فِيهِ شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْقَوْلِ الْحَسَنِ أَحَدُ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذلك خَاصًّا فِي الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ وَالنَّكِيرَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَهُوَ الدُّعَاءُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنٌ وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا ذكر والميثاق وهو الْعَقْدُ الْمُؤَكَّدُ إمَّا بِوَعِيدٍ أَوْ بِيَمِينٍ وَهُوَ نحو أمر الله الصحابة بمبايعة النبي صلّى الله عليه وسلم على
الجزء 1 · صفحة 48
شَرَائِطِهَا الْمَذْكُورَةِ
وقَوْله تَعَالَى [وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ] يحتمل وجهين أحدهما لَا يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى [وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] وكذلك أخراهم من ديارهم وكقوله [وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا] وَالْآخَرُ أَنْ لَا يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ إمَّا بِأَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْهِنْدُ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْيَأْسُ مِنْ الْخَلَاصِ عند شِدَّةٍ هُوَ فِيهَا أَوْ بِأَنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ فَيُقْتَلَ بِهِ فَيَكُونَ فِي مَعْنَى قَتْلِ نَفْسِهِ واحتمال اللفظ الْمَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حُكْمِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِمَّا كَانَ يَكْتُمُهُ الْيَهُودُ لِمَا عَلَيْهِمْ في ذلك الْوَكْسِ وَيَلْزَمُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الذَّمِّ فَأَطْلَعَ اللَّه نَبِيَّهُ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ دَلَالَةً وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي جَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ وَلَا عَرَفَ مَا فِيهَا إلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ وَكَذَلِكَ جميع ما حكى الله بعد هذه الآية عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِ [وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا] وَسَائِرُ مَا ذَمَّهُمْ هُوَ تَوْقِيفٌ مِنْهُ لَهُ عَلَى مَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَقْرِيعٌ لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَإِظْهَارِ قَبَائِحِهِمْ وَجَمِيعُهُ دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وقَوْله تَعَالَى [وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِدَاءَ أُسَارَاهُمْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إخْرَاجُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَسَرَ بَعْضَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُفَادُوهُمْ فَكَانُوا فِي إخْرَاجِهِمْ كَافِرِينَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ لِفِعْلِهِمْ مَا حَظَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي مُفَادَاتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ بِقِيَامِهِمْ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ وُجُوبِ مُفَادَاةِ الْأُسَارَى ثَابِتٌ عَلَيْنَا
رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ وَيَفْدُوا اعانيهم بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ)
فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يَدُلَّانِ عَلَى فِكَاكِ الْأَسِيرِ لِأَنَّ الْعَانِيَ هُوَ الْأَسِيرُ
وَقَدْ رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَى أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشْرِكِينَ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى مَنْ فدى الأسيرى قَالَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ عَنْهَا
قَوْله تَعَالَى [قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ]
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الجزء 1 · صفحة 49
قَالَ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَمَاتُوا أو لرأوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّار
وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْ تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لِشُرِّقُوا بِهِ وَلَمَاتُوا وَقِيلَ فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ تَحُدُّوا بِأَنْ يَدْعُوا بِالْمَوْتِ على أن الْفَرِيقَيْنِ كَانَ كَاذِبًا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ لَمَّا قَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قِيلَ لَهُمْ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا إظْهَارُ كَذِبِهِمْ وَتَبْكِيتِهِمْ بِهِ وَالثَّانِي الدَّلَالَةُ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تعالى بتحدى النَّصَارَى بِالْمُبَاهَلَةِ فَلَوْلَا عِلْمُهُمْ بِصِدْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذِبِهِمْ لَسَارَعُوا إلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ ولسارعت النَّصَارَى إلَى الْمُبَاهَلَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَزَلَ الْمَوْتُ وَالْعَذَابُ بِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ فِي إظْهَارِهِمْ التَّمَنِّي وَالْمُبَاهَلَةِ تَكْذِيبٌ لَهُ وَدَحْضٌ لِحُجَّتِهِ إذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ مَا أَوْعَدَهُمْ فَلَمَّا أَحْجَمُوا عَنْ ذَلِكَ مَعَ التَّحَدِّي وَالْوَعِيدِ مَعَ سُهُولَةِ هَذَا الْقَوْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِمَا عَرَفُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ كَمَا
قَالَ تَعَالَى [وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ] فيه دَلَالَةٌ أُخْرَى عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَهُوَ إخْبَارُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مَعَ خِفَّةِ التَّمَنِّي وَسُهُولَتِهِ عَلَى الْمُتَلَفِّظِ وَسَلَامَةِ أَلْسِنَتِهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ قَالَ لَهُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَا يَمَسُّ رَأْسَهُ مَعَ صِحَّةِ جَوَارِحِهِ وَأَنَّهُ إنْ مَسَّ أَحَدٌ منكم رأسه فأنا مبطل فلا يمس أحدا مِنْهُمْ رَأْسَهُ مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَمَعَ سَلَامَةِ أَعْضَائِهِمْ وَصِحَّةِ جَوَارِحِهِمْ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَاقِلًا لَا يَتَحَدَّى أعداء بِمِثْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْغَيْبِ إذْ لَمْ يَتَمَنَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الْمَوْتَ وَكَوْنُ مُخْبِرِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِين تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ وَقَرَّعَهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَإِخْبَارِهِ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ بِقَوْلِهِ [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَنَّوْا لِأَنَّهُمْ لَوْ تَمَنَّوْا لَكَانَ ذَلِكَ ضَمِيرًا مُغَيَّبًا عِلْمُهُ عَنْ النَّاسِ وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّكُمْ قَدْ تَمَنَّيْتُمْ بِقُلُوبِكُمْ قِيلَ لَهُ هَذَا يَبْطُلُ من وجهين أحدهما أن للمتمنى صِيغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لَيْتَ اللَّهَ غَفَرَ لِي وَلَيْتَ زَيْدًا قَدِمَ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَمَتَى قَالَ ذَلِكَ قَائِلٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُتَمَنِّيًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِضَمِيرِهِ وَاعْتِقَادِهِ كَقَوْلِهِمْ فِي الْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَالنِّدَاءِ
الجزء 1 · صفحة 50
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَالتَّحَدِّي بِتَمَنِّي الْمَوْتَ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي فِي لُغَتِهِمْ أَنَّهَا تَمَنٍّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالتَّكْذِيبِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَبَهْتِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ فِي أَمْرِهِ فَيَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ مَعَ عِلْمِ الْجَمِيعِ بِأَنَّ التَّحَدِّيَ بِالضَّمِيرِ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَقَالِهِ وَلَا فَسَادِهَا وَأَنَّ الْمُتَحَدَّى بِذَلِكَ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ قد تمنيت بقلبي ذلك ولا يمكن خصمه إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى كَذِبِهِ وَأَيْضًا فَلَوْ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى التَّمَنِّي بِالْقَلْبِ دُونَ الْعِبَارَةِ بِاللِّسَانِ لَقَالُوا قَدْ تَمَنَّيْنَا ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا فَكَانُوا مُسَاوِينَ لَهُ فِيهِ وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ دَلَالَتُهُ عَلَى كَذِبِهِمْ وَعَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوهُ لَنُقِلَ كَمَا لَوْ عَارَضُوا القرآن بأى كلام كان لقل فَعُلِمَ أَنَّ التَّحَدِّيَ وَقَعَ بِالتَّمَنِّي بِاللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ دون الضمير والاعتقاد.
باب السجود وَحُكْمُ السَّاحِرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ] إلَى آخَرِ الْقِصَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاجِبُ أَنْ نُقَدِّمَ الْقَوْلَ فِي السِّحْرِ لِخَفَائِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَضْلًا عَنْ الْعَامَّةِ ثُمَّ نُعَقِّبُهُ بِالْكَلَامِ فِي حُكْمِهِ فِي مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ فَنَقُولُ إنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَذْكُرُونَ أَنَّ أَصْلَهُ فِي اللُّغَةِ لِمَا لطف وخفى سببه والسحر عندهم بالفتح هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه قال لبيد:
أرنا مَوْضِعَيْنِ لِأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحِرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
قِيلِ فِيهِ وَجْهَانِ نُعَلَّلُ وَنُخْدَعُ كَالْمَسْحُورِ وَالْمَخْدُوعِ وَالْآخَرُ نُغَذَّى وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَمَعْنَاهُ الْخَفَاءُ وَقَالَ آخَرُ:
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
وَهَذَا الْبَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْمَعْنَى مَا احْتَمَلَهُ الْأَوَّلُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُسَحَّرِ أَنَّهُ ذُو سِحْرٍ وَالسَّحَرُ الرِّئَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُلْقُومِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْخَفَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وقَوْله تَعَالَى [إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ] يَعْنِي مِنْ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يُطْعَمُ وَيُسْقَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى [وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى [مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذُو سِحْرٍ مِثْلُنَا وَإِنَّمَا يُذْكَرُ السِّحْرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِضَعْفِ هَذِهِ الْأَجْسَادِ وَلَطَافَتِهَا وَرِقَّتِهَا وَبِهَا مَعَ ذَلِكَ قَوَامُ
الجزء 1 · صفحة 51
الْإِنْسَانِ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ ضَعِيفٌ مُحْتَاجٌ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى السِّحْرِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ نُقِلَ هَذَا الِاسْمُ إلَى كُلِّ أَمْرٍ خَفِيَ سَبَبُهُ وَتُخُيِّلَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ وَيَجْرِي مَجْرَى التَّمْوِيهِ وَالْخِدَاعِ وَمَتَى أُطْلِقَ وَلَمْ يُقَيَّدْ أَفَادَ ذَمَّ فَاعِلِهِ وَقَدْ أُجْرِيَ مُقَيَّدًا فِيمَا يمتدح ويحمد
رُوِيَ (إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَقَالَ لِعَمْرٍو خَبِّرْنِي عَنْ الزِّبْرِقَانَ فَقَالَ مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ شَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ هُوَ وَاَللَّهُ يَعْلَمْ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَالَ عَمْرٌو إنَّهُ زَمِرُ الْمُرُوءَةِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ أَحْمَقُ الْأَبِ لَئِيمُ الْخَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْت فِيهِمَا أَرْضَانِي فَقُلْت أَحْسَنُ مَا عَلِمْت وَأَسْخَطَنِي فَقُلْت أَسْوَأُ مَا عَلِمْت فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)
وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَدِمَ رَجُلَانِ فَخَطَبَ أَحَدُهُمَا فَعَجَبَ النَّاسُ لِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)
قَالَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا وَإِنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا)
قَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ الْعِلْم جَهْلًا فَيَتَكَلَّفُ العالم إلى علمه ما لا يعلمه فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْأَمْثَالُ وَالْمَوَاعِظُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا فَعَرْضُك كَلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مِنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ فَسَمَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ بَيْنَ أَنْ يُنْبِئَ عَنْ حَقٍّ فَيُوضِحَهُ وَيُجَلِّيهِ بِحُسْنِ بَيَانِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَفِيَّا فَهَذَا مِنْ السِّحْرِ الْحَلَالِ الَّذِي أَقَرَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عمر بْنَ الْأَهْتَمِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسْخِطْهُ مِنْهُ وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ بَلِيغٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ عُمَرُ هَذَا وَاَللَّهِ السِّحْرُ الْحَلَالُ وَبَيْنَ أَنْ يُصَوِّرَ الْبَاطِلَ فِي صُورَةِ الْحَقِّ بِبَيَانِهِ وَيَخْدَعَ السَّامِعِينَ بِتَمْوِيهِهِ وَمَتَى أُطْلِقَ فَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ أَمْرٍ مُمَوَّهٍ بَاطِلٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا ثَبَاتَ
الجزء 1 · صفحة 52
قال الله تعالى [سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ] يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ تَسْعَى وَقَالَ [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى] فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِيلًا وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا كَانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً قَدْ مُلِئَتْ زِئْبَقًا وَكَذَلِكَ الْحِبَالُ كَانَتْ مَعْمُولَةً مِنْ أُدُمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا وَقَدْ حَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَحْتَ الْمَوَاضِعِ أسرابا وجعلوا آزاجا وملؤها نَارًا فَلَمَّا طُرِحَتْ عَلَيْهِ وَحَمِيَ الزِّئْبَقُ حَرَّكَهَا لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الزِّئْبَقِ إذَا أَصَابَتْهُ النَّارُ أَنْ يَطِيرَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مموها على غير حقيقة وَالْعَرَبُ تَقُولُ لَضَرْبٌ مِنْ الْحُلِيِّ مَسْحُورٌ أَيْ مُمَوَّهٌ عَلَى مَنْ رَآهُ مَسْحُورٌ بِهِ عَيْنُهُ فَمَا كَانَ مِنْ الْبَيَانِ عَلَى حَقٍّ وَيُوَضِّحُهُ فَهُوَ مِنْ السِّحْرِ الْحَلَالِ وَمَا كَانَ مِنْهُ مَقْصُودًا بِهِ إلَى تَمْوِيهٍ وَخَدِيعَةٍ وَتَصْوِيرِ بَاطِلٍ فِي صُورَةِ الْحَقِّ فَهُوَ مِنْ السِّحْرِ الْمَذْمُومِ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ مَوْضُوعُ السِّحْرِ التَّمْوِيهَ وَالْإِخْفَاءَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَا يُوَضِّحُ الْحَقَّ وَيُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا وَهُوَ إنَّمَا أَظْهَرَ بِذَلِكَ مَا خَفِيَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَى إخْفَاءِ مَا ظَهَرَ وَإِظْهَارُهُ غَيْرُ حَقِيقَةٍ قِيلَ لَهُ سُمِّيَ ذَلِكَ سِحْرًا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْأَغْلَبُ فِي ظَنِّ السَّامِعِ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ مُسْتَنْكَرٍ غَيْرِ مُبَيَّنٍ لَمَا صَادَفَ مِنْهُ قَبُولًا وَلَا أَصْغَى إلَيْهِ وَمَتَى سَمِعَ الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ مَقْبُولَةٍ عَذْبَةٍ لَا فَسَادَ فِيهَا وَلَا اسْتِنْكَارَ وَقَدْ تَأَتَّى لَهَا بِلَفْظِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ بِمَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْغَبِيُّ الَّذِي لَا بَيَانَ لَهُ أَصْغَى إلَيْهِ وَسَمِعَهُ وَقَبِلَهُ فَسَمَّى اسْتِمَالَتَهُ لِلْقُلُوبِ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا كَمَا يَسْتَمِيلُ السَّاحِرُ قُلُوبَ الْحَاضِرِينَ إلَى مَا مَوَّهَ بِهِ وَلَبَّسَهُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَ الْبَيَانُ سِحْرًا لَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَمَّى الْبَيَانَ سِحْرًا لِأَنَّ الْمُقْتَدِرَ عَلَى الْبَيَانِ رُبَّمَا قبح ببيانه بَعْضَ مَا هُوَ حَسَنٌ وَحَسُنَ عِنْدَهُ بَعْضُ مَا هُوَ قَبِيحٌ فَسَمَّاهُ لِذَلِكَ سِحْرًا كَمَا سَمَّى مَا مَوَّهَ بِهِ صَاحِبُهُ وَأَظْهَرَ عَلَى غَيْر حَقِيقَةٍ سِحْرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاسْمِ السِّحْرِ إنَّمَا أُطْلِقْ عَلَى الْبَيَانِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَالْحَقِيقَةُ مَا وَصَفْنَا وَلِذَلِكَ صَارَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ أَمْرٍ مُمَوَّهٍ قَدْ قُصِدَ بِهِ الْخَدِيعَةُ وَالتَّلْبِيسُ وَإِظْهَارُ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا ثَبَاتَ وَإِذْ قَدْ بَيَّنَّا أَصْلَ السِّحْرِ فِي اللُّغَةِ وَحُكْمَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَلْنَقُلْ فِي مَعْنَاهُ فِي التَّعَارُفِ وَالضُّرُوبِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمُ وَمَا يَقْصِدُ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ مُنْتَحِلِيهِ وَالْغَرَضِ الَّذِي يَجْرِي إلَيْهِ مُدَّعُوهُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى أَنْحَاءَ مُخْتَلِفَةٍ فَمِنْهَا سِحْرُ أَهْلِ بَابِلِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ [يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ]
وَكَانُوا قَوْمًا صَابِئِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ
الجزء 1 · صفحة 53
السَّبْعَةَ وَيُسَمُّونَهَا آلِهَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ حَوَادِثَ الْعَالَمِ كُلِّهَا مِنْ أَفْعَالِهَا وَهُمْ مُعَطِّلَةٌ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالصَّانِعِ الْوَاحِدِ الْمُبْدِعِ لِلْكَوَاكِبِ وَجَمِيعِ أَجْرَامِ الْعَالَمِ وَهُمْ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّه تَعَالَى إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحَاجَّهُمْ بِالْحِجَاجِ الَّذِي بَهَرَهُمْ بِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُمْ دَفْعُهُ ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَرْدًا وَسَلَامًا ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ إلَى الشَّامِ وَكَانَ أَهْلُ بَابِلَ وَإِقْلِيمِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالرُّومِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ إلى أيام بيوراسب الذي تسمه
الْعَرَبُ الضَّحَّاكَ وَإِنَّ أَفْرِيدُونَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ دنباوند اسْتَجَاشَ عَلَيْهِ بِلَادَهُ وَكَاتَبَ سَائِرَ مَنْ يُطِيعُهُ وَلَهُ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ حَتَّى أَزَالَ مُلْكَهُ وَأَسَرَهُ وَجُهَّالُ الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ أَفْرِيدُونَ حَبَسَ بيوراسب فِي جَبَلٍ دنباوند الْعَالِي عَلَى الْجِبَالِ وَأَنَّهُ حَيٌّ هُنَاكَ مُقَيَّدٌ وَأَنَّ السَّحَرَةَ يَأْتُونَهُ هُنَاكَ فَيَأْخُذُونَ عَنْهُ السِّحْرَ وَأَنَّهُ سَيَخْرُجُ فَيَغْلِبُ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ الذي أخبر به النبي عليه السلام وحذرنا به وَأَحْسَبُهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ الْمَجُوسِ وَصَارَتْ مَمْلَكَةُ إقْلِيمِ بَابِلَ لِلْفُرْسِ فَانْتَقَلَ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ فَاسْتَوْطَنُوهَا وَلَمْ يَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ بَلْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ مُقِرِّينَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ إلَّا أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُعَظِّمُونَ الْعَنَاصِرَ الْأَرْبَعَةَ الْمَاءَ وَالنَّارَ وَالْأَرْضَ وَالْهَوَاءَ لِمَا فِيهَا مِنْ مَنَافِعِ الْخَلْقِ وَأَنَّ بِهَا قِوَامُ الْحَيَوَانِ وَإِنَّمَا حَدَثَتْ الْمَجُوسِيَّةَ فِيهِمْ بَعْد ذَلِكَ فِي زَمَانِ كشتاسب حِينَ دَعَاهُ زَرَادُشْتُ فَاسْتَجَابَ لَهُ عَلَى شرائط وأمور يطول شرحها وإنما غرضنا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْإِبَانَةَ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ سَحَرَةُ بَابِلَ وَلَمَّا ظَهَرَتْ الْفُرْسُ عَلَى هَذَا الْإِقْلِيمِ كَانَتْ تَتَدَيَّنُ بِقَتْلِ السَّحَرَةِ وَإِبَادَتِهَا وَلَمْ يَزُلْ ذَلِكَ فِيهِمْ وَمِنْ دِينِهِمْ بَعْدَ حُدُوثِ الْمَجُوسِيَّةِ فِيهِمْ وَقَبْلَهُ إلَى أَنْ زَالَ عَنْهُمْ الْمُلْكُ وَكَانَتْ عُلُومُ أَهْلِ بَابِل قَبْلَ ظُهُورِ الْفُرْسِ عَلَيْهِمْ الْحِيَلَ والنيرنجيات وَأَحْكَامِ النُّجُومِ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ أَوْثَانًا قَدْ عَمِلُوهَا عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَجَعَلُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا هَيْكَلًا فِيهِ صَنَمُهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهَا بِضُرُوبٍ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادَاتِهِمْ مِنْ مُوَافَقَةِ ذَلِكَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَطْلُبُونَ مِنْهُ بِزَعْمِهِمْ فِعْلَ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَمَنْ أَرَادَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ بِزَعْمِهِ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا يُوَافِقُ الْمُشْتَرَى مِنْ الدَّخَنِ الرقى وَالْعَقْدِ وَالنَّفْثِ عَلَيْهَا وَمَنْ طَلَبِ شَيْئًا مِنْ الشَّرِّ وَالْحَرْبِ وَالْمَوْتِ وَالْبَوَارِ لِغَيْرِهِ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلَى زُحَلَ بِمَا يُوَافِقُهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَرَادَ الْبَرْقَ وَالْحَرْقَ وَالطَّاعُونَ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلَى الْمِرِّيخِ بِمَا يُوَافِقُهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ ذَبْحِ
الجزء 1 · صفحة 54
بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَجَمِيعُ تِلْكَ الرُّقَى بِالنَّبَطِيَّةِ تَشْتَمِلُ عَلَى تَعْظِيمُ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ إلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَمَحَبَّةٍ وَبُغْضٍ فَيُعْطِيهِمْ مَا شَاءُوا مِنْ ذَلِكَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ يَفْعَلُونَ مَا شَاءُوا فِي غَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرٍ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُلَامَسَةٍ سِوَى مَا قَدَّمُوهُ مِنْ الْقُرُبَاتِ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي طَلَبُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَمِنْ الْعَامَّةِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَقْلِبُ الْإِنْسَانَ حِمَارًا أَوْ كَلْبًا ثُمَّ إذَا شَاءَ أَعَادَهُ وَيَرْكَبُ الْبَيْضَةَ وَالْمِكْنَسَةَ وَالْخَابِيَةَ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَيَمْضِي مِنْ الْعِرَاقِ إلَى الْهِنْدِ وَإِلَى مَا شَاءَ مِنْ الْبُلْدَانِ ثُمَّ يَرْجِعُ مِنْ لَيْلَتِهِ وَكَانَتْ عَوَامُّهُمْ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَكُلُّ مَا دَعَا إلَى تَعْظِيمِهَا اعْتَقَدُوهُ وكانت الساحرة تَحْتَالُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ بِحِيَلٍ تُمَوِّهُ بِهَا عَلَى الْعَامَّةِ إلَى اعْتِقَاد صِحَّتِهِ بِأَنْ يَزْعُمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ وَلَا يَبْلُغُ مَا يُرِيدُ إلَّا مَنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَ وَلَمْ تَكُنْ مُلُوكُهُمْ تَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانَتْ السَّحَرَةُ عِنْدَهَا بِالْمَحَلِّ الْأَجَلِ لِمَا كَانَ لَهَا فِي نُفُوسِ الْعَامَّةِ مِنْ مَحِلِّ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَلِأَنَّ الْمُلُوكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ تَعْتَقِدُ مَا تَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ لِلْكَوَاكِبِ إلَى أَنْ زَالَتْ تِلْكَ الْمَمَالِكُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاس فِي زَمَنِ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَتَبَارَوْنَ بِالْعِلْمِ وَالسِّحْرِ والحبل والمحاريق وَلِذَلِكَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَصَا وَالْآيَاتِ الَّتِي عَلِمَتْ السَّحَرَةُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ السِّحْرِ فِي شَيْءٍ وَأَنَّهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا زَالَتْ تِلْكَ الْمَمَالِكُ وَكَانَ مَنْ مُلْكِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ يَطْلُبُونَهُمْ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ وَكَانُوا يَدْعُونَ عَوَامَّ النَّاسِ وَجُهَّالَهُمْ سِرًّا كَمَا يَفْعَلُهُ السَّاعَةَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مَعَ النِّسَاءِ والأحداث الأغمار وَالْجُهَّالِ الْحَشْوَ وَكَانُوا يَدْعُونَ مَنْ يَعْمَلُونَ لَهُ ذَلِكَ إلَى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ وَالِاعْتِرَافِ بِصِحَّتِهِ وَالْمُصَدِّقُ لَهُمْ بِذَلِكَ يَكْفُرُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدِهَا التَّصْدِيقُ بوجوب تعظيم الْكَوَاكِبَ وَتَسْمِيَتِهَا آلِهَةً وَالثَّانِي اعْتِرَافُهُ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ تَقْدِرُ عَلَى ضَرِّهِ وَنَفْعِهِ وَالثَّالِثُ أَنَّ السَّحَرَةَ تَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ يُبَيِّنَانِ لِلنَّاسِ حَقِيقَةَ مَا يَدَّعُونَ وَبُطْلَانَ مَا يَذْكُرُونَ وَيَكْشِفَانِ لَهُمْ مَا بِهِ يُمَوِّهُونَ وَيُخْبِرَانِهِمْ بِمَعَانِي تِلْكَ الرُّقَى وَأَنَّهَا شِرْكٌ وَكُفْرٌ وَبِحِيَلِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إلَى التَّمْوِيهِ عَلَى الْعَامَّةِ وَيُظْهِرُونَ لَهُمْ حَقَائِقَهَا وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ قَبُولِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا بِقَوْلِهِ [إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ] فَهَذَا أَصْلُ سِحْرِ بَابِلَ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانُوا
يَسْتَعْمِلُونَ سَائِرَ وُجُوهِ السِّحْرِ وَالْحِيَلِ الَّتِي نَذْكُرُهَا وَيُمَوِّهُونَ بِهَا عَلَى الْعَامَّةِ وَيَعِزُّونَهَا إلَى فِعْلِ الْكَوَاكِبِ لِئَلَّا يَبْحَثَ
الجزء 1 · صفحة 55
عَنْهَا وَيُسَلِّمَهَا لَهُمْ فَمِنْ ضُرُوبِ السِّحْرِ كَثِيرٌ مِنْ التَّخْيِيلَاتِ الَّتِي مَظْهَرُهَا عَلَى خِلَافِ حَقَائِقِهَا فَمِنْهَا مَا يَعْرِفهُ النَّاسُ بِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهَا وَظُهُورِهَا وَمِنْهَا مَا يَخْفَى وَيَلْطُفُ وَلَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وَمَعْنَى بَاطِنِهِ إلَّا مَنْ تَعَاطَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ وَظَاهِرٍ وَغَامِضٍ فَالْجَلِيُّ مِنْهُ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ رَآهُ وَسَمِعَهُ مِنْ الْعُقَلَاءِ وَالْغَامِضُ الْخَفِيُّ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُهُ ومن تعاطى معرفته وتكلف فعله البحث عَنْهُ وَذَلِكَ نَحْوُ مَا يَتَخَيَّلُ رَاكِبُ السَّفِينَةِ إذَا سَارَتْ فِي النَّهْرِ فَيَرَى أَنَّ الشَّطَّ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ النَّخْلِ وَالْبُنْيَانِ سَائِرٌ مَعَهُ وَكَمَا يَرَى الْقَمَرَ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ يَسِيرُ لِلْغَيْمِ فِي مَهَبِّ الْجَنُوبِ وَكَدَوَرَانِ الدَّوَّامَةِ فِيهَا الشَّامَةِ فَيَرَاهَا كَالطَّوْقِ الْمُسْتَدِيرِ فِي أَرْجَائِهَا وَكَذَلِكَ يَرَى هَذَا فِي الرَّحَى إذَا كَانَتْ سَرِيعَةَ الدَّوْرَانِ وَكَالْعُودِ فِي طَرَفِهِ الْجَمْرَةُ إذَا أَدَارَهُ مديره رأى إذا تِلْكَ النَّارَ الَّتِي فِي طَرَفِهِ كَالطَّوْقِ الْمُسْتَدِيرِ وَكَالْعِنَبَةِ الَّتِي يَرَاهَا فِي قَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ كَالْخَوْخَةِ وَالْإِجَّاصَةِ عَظْمًا وَكَالشَّخْصِ الصَّغِيرِ يَرَاهُ فِي الضَّبَابِ عَظِيمًا جَسِيمًا وَكَبُخَارِ الْأَرْضِ الَّذِي يُرِيك قُرْصَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا عَظِيمًا فَإِذَا فَارَقَتْهُ وَارْتَفَعَتْ صَغُرَتْ وَكَمَا يُرَى الْمُرَدَّى فِي الْمَاءِ مُنْكَسِرًا أَوْ مُعْوَجًّا وَكَمَا يُرَى الْخَاتَمُ إذَا قَرَّبْته مِنْ عَيْنِك فِي سَعَةِ حَلْقَةِ السِّوَارِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُتَخَيَّلُ عَلَى غَيْرِ حَقَائِقِهَا فَيَعْرِفُهَا عَامَّةُ النَّاسِ وَمِنْهَا مَا يَلْطُفُ فَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ تَعَاطَاهُ وَتَأَمَّلَهُ كَخَيْطِ السَّحَّارَةِ الَّذِي يَخْرُجُ مَرَّةً أَحْمَرَ وَمَرَّةً أَصْفَرَ وَمَرَّةً أَسْوَدَ وَمِنْ لَطِيفِ ذَلِكَ وَدَقِيقِهِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُشَعْوِذُونَ مِنْ جِهَةِ الْحَرَكَات وإظهار التخيلات الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى غَيْرِ حَقَائِقِهَا حَتَّى يُرِيك عُصْفُورًا مَعَهُ أَنَّهُ قَدْ ذَبَحَهُ ثُمَّ يُرِيكَهُ وَقَدْ طَارَ بَعْدَ ذَبْحِهِ وَإِبَانَةِ رَأْسِهِ وَذَلِكَ لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ وَالْمَذْبُوحُ غَيْرُ الَّذِي طَارَ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ قَدْ خَبَّأَ أَحَدَهُمَا وَأَظْهَرَ الآخر ويخبأ لِخِفَّةِ الْحَرَكَةِ الْمَذْبُوحَ وَيُظْهِرُ الَّذِي نَظِيرُهُ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ إنْسَانًا وَأَنَّهُ قَدْ بَلَعَ سيفا معه وَأَدْخَلَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ حَقِيقَةٌ وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحَرَكَات لِلصُّوَرِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ صُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَرَى فَارِسَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيَنْصَرِفُ بِحِيَلٍ قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ وَكَفَارِسٍ مِنْ صُفْرٍ عَلَى فَرَسٍ فِي يَدِهِ بُوقٌ كُلَّمَا مَضَتْ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ ضَرَبَ بِالْبُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ وَلَا يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْكَلْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْجُنْدِ خَرَجَ بِبَعْضِ نَوَاحِي الشَّامِ مُتَصَيِّدًا وَمَعَهُ كَلْبٌ لَهُ وَغُلَامٌ فَرَأَى ثَعْلَبًا فَأَغْرَى بِهِ الْكَلْبَ فَدَخَلَ الثَّعْلَبُ ثُقْبًا فِي تَلٍّ هُنَاكَ وَدَخَلَ الْكَلْبُ خَلْفَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ فَأَمَرَ الْغُلَامَ أَنْ يَدْخُلَ فَدَخَلَ وانتظره
الجزء 1 · صفحة 56
صَاحِبُهُ فَلَمْ يَخْرُجْ فَوَقَفَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ فَمَرَّ بِهِ رَجُل فَأَخْبَرَهُ بِشَأْنِ الثَّعْلَبِ وَالْكَلْبِ وَالْغُلَامِ وَأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَنَّهُ مُتَأَهِّبٌ لِلدُّخُولِ فَأَخَذَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ إلَى هُنَاكَ فَمَضَيَا إلَى سِرْبٍ طَوِيلٍ حَتَّى أَفْضَى بِهِمَا إلَى بَيْتٍ قَدْ فُتِحَ لَهُ ضَوْءٌ مِنْ مَوْضِعٍ يُنْزَلُ إلَيْهِ بِمِرْقَاتَيْنِ فَوَقَفَ بِهِ عَلَى الْمِرْقَاةِ الْأُولَى حَتَّى أَضَاءَ الْبَيْتَ حِينًا ثُمَّ قَالَ لَهُ اُنْظُرْ فَنَظَرَ فَإِذَا الْكَلْبُ وَالرَّجُلُ وَالثَّعْلَبُ قَتْلَى وَإِذَا فِي صَدْرِ الْبَيْتِ رَجُلٌ وَاقِفٌ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَتَرَى هَذَا لَوْ دَخَلَ إلَيْهِ هَذَا الْمَدْخَلَ أَلْفُ رِجْلٍ لَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ فَقَالَ وَكَيْفَ قَالَ لِأَنَّهُ قَدْ رُتِّبَ وَهُنْدِمَ عَلَى هَيْئَةٍ مَتَى وَضَعَ الْإِنْسَانُ رِجْلَهُ عَلَى الْمِرْقَاةِ الثَّانِيَةِ لِلنُّزُولِ تَقَدَّمَ الرَّجُلُ الْمَعْمُولُ فِي الصَّدْرِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْزِلْ إلَيْهِ فَقَالَ فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي هَذَا قَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَحْفِرْ مِنْ خَلْفِهِ سَرَبًا يُفْضِي بِك إلَيْهِ فَإِنْ وَصَلَتْ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ لَمْ يَتَحَرَّك فَاسْتَأْجَرَ الْجُنْدِيُّ أُجَرَاءَ وَصُنَّاعًا حَتَّى حَفَرُوا سَرَبًا مِنْ خَلْف التَّلِّ فَأَفْضَوْا إلَيْهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَإِذَا رَجُل مَعْمُولٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ أُلْبِسَ السِّلَاحُ وَأُعْطِيَ السَّيْفُ فَقَلَعَهُ وَرَأَى بَابًا آخَرَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ فَفَتَحَهُ فَإِذَا هُوَ قَبْرٌ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ مَيِّتٍ عَلَى سَرِيرِ هُنَاكَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَمِنْهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُهَا مصوروا الرُّومِ وَالْهِنْدِ حَتَّى لَا يُفَرِّقَ النَّاظِرُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهَا وَمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ أَنَّهَا صُورَةٌ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهَا إنْسَانٌ وَحَتَّى تَصَوُّرُهَا ضَاحِكَةً أَوْ بَاكِيَةً وَحَتَّى يُفَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الضَّحِكِ مِنْ الْخَجَلِ
وَالسُّرُورِ وَضَحِكِ الشَّامِتِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ لَطِيفِ أُمُورِ التَّخَايِيلِ وَخَفِيِّهَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ جَلِيِّهَا وَكَانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْن مِنْ هَذَا الضَّرْبِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا مِنْ حِيَلِهِمْ فِي الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ بَابِلَ فِي الْقَدِيمِ وَسِحْرِهِمْ وَوُجُوهِ حِيَلِهِمْ بَعْضُهُ سَمِعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وَبَعْضُهُ وَجَدْنَاهُ فِي الْكُتُبِ قَدْ نُقِلَتْ حَدِيثًا مِنْ النَّبَطِيَّةِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا كِتَابٌ فِي ذِكْرِ سِحْرِهِمْ وَأَصْنَافِهِ وَوُجُوهِهِ وَكُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُرْبَانَاتٍ الْكَوَاكِبِ وَتَعْظِيمِهَا وَخُرَافَاتٍ مَعَهَا لَا تُسَاوِي ذِكْرَهَا وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا وَضَرْبٌ آخَرُ مِنْ السِّحْرِ وَهُوَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ حَدِيثِ الجن والشياطين وطاعتهم لَهُمْ بِالرُّقَى وَالْعَزَائِمِ وَيَتَوَصَّلُونَ إلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ ذَلِكَ بِتَقْدِمَةِ أُمُورٍ وَمُوَاطَأَةِ قَوْمٍ قَدْ أَعَدُّوهُمْ لِذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ يَجْرِي أَمْرُ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتْ أَكْثَرُ مخارق الحلاج من باب الموطآت وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَا يَحْتَمِلُ اسْتِقْصَاءَ ذَلِكَ لَذَكَرْت مِنْهَا
الجزء 1 · صفحة 57
مَا يُوقِفُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَخَارِيقِهِ وَمَخَارِيقِ أَمْثَالِهِ وَضَرَرُ أَصْحَابِ الْعَزَائِمِ وَفِتْنَتِهِمْ عَلَى النَّاسِ غَيْرُ يَسِيرٍ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَى النَّاسِ مِنْ بَابِ أَنَّ الْجِنَّ إنَّمَا تُطِيعُهُمْ بِالرُّقَى الَّتِي هِيَ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ يُجِيبُونَ بِذَلِكَ مَنْ شَاءُوا وَيُخْرِجُونَ الْجِنَّ لِمَنْ شَاءُوا فَتُصَدِّقُهُمْ الْعَامَّةُ عَلَى اغْتِرَارٍ بِمَا يُظْهِرُونَ مِنْ انْقِيَادِ الْجِنِّ لَهُمْ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي كَانَتْ تُطِيعُ بِهَا سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَهُمْ بِالْخَبَايَا وَبِالسُّرُقِ وَقَدْ كَانَ الْمُعْتَضِدُ بِاَللَّهِ مَعَ جَلَالَتِهِ وَشَهَامَتِهِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ اغْتَرَّ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ فِي دَارِهِ الَّتِي كَانَ يَخْلُو فِيهَا بِنِسَائِهِ وَأَهْلِهِ شَخْصٌ فِي يَدِهِ سَيْفٌ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَكْثَرُهُ وَقْتُ الظُّهْرِ فَإِذَا طُلِبَ لَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ مَعَ كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ وَقَدْ رَآهُ هُوَ بِعَيْنِهِ مِرَارًا فَأَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ وَدَعَا بِالْمُعَزِّمِينَ فَحَضَرُوا وَأَحْضَرُوا مَعَهُمْ رِجَالًا وَنِسَاءً وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهِمْ مَجَانِينَ وَأَصِحَّاءَ فَأَمَرَ بَعْضَ رُؤَسَائِهِمْ بِالْعَزِيمَةِ فَعَزَّمَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا فَجُنَّ وَتَخَبَّطَ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ هَذَا غَايَةُ الْحِذْقِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ إذْ أَطَاعَتْهُ الْجِنُّ فِي تَخْبِيطِ الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ العزم بِمُوَاطَأَةٍ مِنْهُ لِذَلِكَ الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى عَزَّمَ عَلَيْهِ جَنَّنَ نَفْسَهُ وَخَبَّطَ فَجَازَ ذَلِكَ على المتعضد فَقَامَتْ نَفْسُهُ مِنْهُ وَكَرِهَهُ إلَّا أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ أَمْرِ الشَّخْصِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي دَارِهِ فمخرقوا عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ عَلَّقُوا قَلْبَهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلٍ لِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ وَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ حَضَرَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِم ثُمَّ تَحَرَّزَ الْمُعْتَضِدُ بِغَايَةِ مَا أَمْكَنَهُ وَأَمَرَ بِالِاسْتِيثَاقِ مِنْ سُورِ الدَّارِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ مِنْ تَسَلُّقٍ ونحوه وبطحت في أعلى السور خواب لِئَلَّا يَحْتَالَ بِإِلْقَاءِ الْمَعَالِيقِ الَّتِي يَحْتَالُ بِهَا اللُّصُوصُ ثُمَّ لَمْ يُوقَفْ لِذَلِكَ الشَّخْصِ عَلَى خَبَرٍ إلَّا ظُهُورُهُ لَهُ الْوَقْتَ بَعْدَ الْوَقْتَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُعْتَضِدُ وَهَذِهِ الْخَوَابِي الْمَبْطُوحَةُ عَلَى السُّورِ وَقَدْ رَأَيْتهَا عَلَى سُوَرِ الثُّرَيَّا الَّتِي بَنَاهَا الْمُعْتَضِدُ فَسَأَلْت صَدِيقًا لِي كَانَ قَدْ حَجَبَ لِلْمُقْتَدِرِ بِاَللَّهِ عَنْ أَمْرِ هَذَا الشَّخْصِ وَهَلْ تَبَيَّنَ أَمْرُهُ فَذَكَرَ لِي أَنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلَى حَقِيقَةِ هَذَا الْأَمْرِ إلَّا فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ كَانَ خَادِمًا أَبْيَضَ يُسَمَّى يَقِقْ وَكَانَ يَمِيلُ إلَى بَعْضِ الْجَوَارِي اللَّاتِي فِي دَاخِلِ دُورِ الْحَرَمِ وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ لِحًى عَلَى أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَكَانَ إذَا لَبِسَ بَعْضَ تِلْكَ اللِّحَى لَا يَشُكُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهَا لِحْيَتُهُ وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِحْيَةً مِنْهَا وَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَفِي يَدِهِ سَيْف أَوْ غَيْرُهُ مِنْ السِّلَاحِ حَيْثُ يَقَعُ نَظَرُ الْمُعْتَضِدِ فَإِذَا طُلِبَ دَخَلَ بَيْنَ
الجزء 1 · صفحة 58
الشَّجَرِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ أَوْ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَمَرَّاتِ أَوْ الْعَطَفَاتِ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَبْصَارِ طَالِبِيهِ نَزَعَ اللِّحْيَةَ وَجَعَلَهَا فِي كُمِّهِ أو حزته وَيَبْقَى السِّلَاحُ مَعَهُ كَأَنَّهُ بَعْضُ الْخَدَمِ الطَّالِبِينَ لِلشَّخْصِ وَلَا يَرْتَابُونَ بِهِ وَيَسْأَلُونَهُ هَلْ رَأَيْت فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ أَحَدًا فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَاهُ صَارَ إلَيْهَا فَيَقُولُ مَا رَأَيْت أَحَدًا وَكَانَ إذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الْفَزَعِ فِي الدَّارِ خَرَجَتْ الْجَوَارِي مِنْ دَاخِلِ الدُّورِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَيَرَى هُوَ تِلْكَ الْجَارِيَةَ وَيُخَاطِبُهَا بِمَا يريد وإنما كان غرضه مشاهدة الجارية وَكَلَامَهَا فَلَمْ يَزُلْ دَأْبُهُ إلَى أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْبُلْدَانِ وَصَارَ إلَى طَرَسُوسَ وَأَقَامَ بِهَا إلَى أَنْ مَاتَ
وَتَحَدَّثَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِهِ وَوُقِفَ عَلَى احْتِيَالِهِ فَهَذَا خَادِمٌ قَدْ احْتَالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ لَهَا أَحَدٌ مَعَ شِدَّةِ عناية المعتضد به وَأَعْيَاهُ مَعْرِفَتُهَا وَالْوُقُوفُ عَلَيْهَا وَلَمْ تَكُنْ صِنَاعَتُهُ الْحِيَلَ وَالْمَخَارِيقَ فَمَا ظَنُّك بِمَنْ قَدْ جَعَلَ هَذَا صِنَاعَةً وَمَعَاشًا وَضَرْبٌ آخَرُ مِنْ السِّحْرِ وَهُوَ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْوِشَايَةِ بِهَا وَالْبَلَاغَاتُ وَالْإِفْسَادِ وَالتَّضْرِيبِ مِنْ وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ وَذَلِكَ عَامٌّ شَائِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَرَادَتْ إفْسَادَ مَا بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَصَارَتْ إلَى الزَّوْجَةِ فَقَالَتْ لَهَا إنَّ زَوْجَك مُعْرِضٌ وَقَدْ سُحِرَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ عَنْك وَسَأَسْحَرُهُ لَك حَتَّى لَا يُرِيدَ غَيْرَك وَلَا يَنْظُرَ إلَى سِوَاك وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذِي مِنْ شَعْرٍ حَلَقَهُ بِالْمُوسَى ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ إذَا نَامَ وَتُعْطِينِيهَا فَإِنَّ بِهَا يَتِمُّ الْأَمْرُ فَاغْتَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِقَوْلِهَا وَصَدَّقَتْهَا ثُمَّ ذَهَبَتْ إلَى الرَّجُلِ وَقَالَتْ لَهُ إنَّ امْرَأَتَك قَدْ عَلَّقَتْ رَجُلًا وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى قَتْلِك وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا فَأَشْفَقْت عَلَيْك وَلَزِمَنِي نُصْحُك فَتَيَقَّظْ وَلَا تَغْتَرَّ فَإِنَّهَا عَزَمَتْ عَلَى ذَلِكَ بِالْمُوسَى وَسَتَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهَا فَمَا فِي أَمْرِهَا شَكٌّ فَتَنَاوَمَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا ظَنَّتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ نَامَ عَمَدَتْ إلَى مُوسَى حَادٍّ وَهَوَتْ بِهِ لِتَحْلِقَ مِنْ حَلْقِهِ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَهُ فَرَآهَا وَقَدْ أَهْوَتْ بِالْمُوسَى إلَى حَلْقِهِ فَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّهَا أَرَادَتْ قَتْلَهُ فَقَامَ إلَيْهَا فَقَتَلَهَا وَقُتِلَ وَهَذَا كَثِيرٌ لَا يُحْصَى وَضَرْبٌ آخَرُ مِنْ السِّحْرِ وَهُوَ الِاحْتِيَالُ فِي إطْعَامِهِ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَلِّدَةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْعَقْلِ وَالدُّخَنِ الْمُسَدِّرَةِ الْمُسْكِرَةِ نَحْوُ دِمَاغِ الْحِمَار إذَا طَعِمَهُ إنْسَانٌ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ وَقَلَّتْ فِطْنَتُهُ مَعَ أَدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الطِّبِّ وَيَتَوَصَّلُونَ إلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي طَعَامٍ حَتَّى يَأْكُلَهُ فَتَذْهَبَ فِطْنَتُهُ وَيَجُوزَ عليه أشياء مما لو كان نام الْفِطْنَةِ لَأَنْكَرَهَا فَيَقُولُ النَّاسُ إنَّهُ مَسْحُورٌ وَحِكْمَةٌ كَافِيَةٌ تُبَيِّنُ لَك أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَخَارِيقُ وَحِيَلٌ لَا حَقِيقَةَ لِمَا يَدَّعُونَ لَهَا أَنَّ
الجزء 1 · صفحة 59
الساحر والمعزم لو قدرا على ما أدعيا مِنْ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَدَّعُونَ وَأَمْكَنَهُمَا الطَّيَرَانُ وَالْعِلْمُ بِالْغُيُوبِ وَأَخْبَارِ الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ وَالْخَبِيئَاتِ وَالسُّرُقِ وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ مِنْ غَيْرِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَقَدَرُوا عَلَى إزَالَةِ الْمَمَالِكِ وَاسْتِخْرَاجِ الْكُنُوزِ وَالْغَلَبَةِ عَلَى الْبُلْدَانِ بِقَتْلِ الْمُلُوكِ بِحَيْثُ لَا يَبْدَأهُمْ مَكْرُوهٌ وَلَمَا مَسَّهُمْ السُّوءُ وَلَا امْتَنَعُوا عَمَّنْ قَصَدَهُمْ بِمَكْرُوهٍ وَلَاسْتَغْنَوْا عَنْ الطَّلَبِ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ الْمُدَّعُونَ لِذَلِكَ أَسْوَأَ النَّاسِ حَالًا وَأَكْثَرَهُمْ طَمَعًا وَاحْتِيَالًا وَتَوَصُّلًا لِأَخْذِ دَرَاهِمِ النَّاسِ وَأَظْهَرَهُمْ فَقْرًا وَإِمْلَاقًا عَلِمْت أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ على شيء من ذلك ورؤساء الحشو وَالْجُهَّالُ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْ أَسْرَعِ النَّاسِ إلَى التَّصْدِيقِ بِدَعَاوَى السَّحَرَةِ وَالْمُعَزِّمِينَ وَأَشَدِّهِمْ نَكِيرًا عَلَى مَنْ جَحَدَهَا وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا مُفْتَعَلَةً مُتَخَرِّصَةً يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا كَالْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوُونَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ إنِّي سَاحِرَةٌ فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ فَقَالَتْ وَمَا سِحْرُك قَالَتْ سِرْت إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ هَارُوتُ وَمَارُوتُ بِبَابِلَ لِطَلَبِ عِلْمِ السِّحْرِ فَقَالَا لِي يَا أَمَةَ اللَّهِ لَا تَخْتَارِي عَذَابَ الْآخِرَةِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا فَأَبَيْت فَقَالَا لِي اذْهَبِي فَبُولِي عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ فَذَهَبْت لِأَبُولَ عَلَيْهِ فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَقُلْت لَا فَعَلْت وَجِئْت إلَيْهِمَا فَقُلْت قَدْ فَعَلْت فَقَالَا مَا رَأَيْت فَقُلْت مَا رَأَيْت شيئا فقالا ما فعلت اذْهَبِي فَبُولِي عَلَيْهِ فَذَهَبْت وَفَعَلْت فَرَأَيْت كَأَنَّ فَارِسًا قَدْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِي مُقَنَّعًا بِالْحَدِيدِ حَتَّى صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ فَجِئْتهمَا فَأَخْبَرْتهمَا فَقَالَا ذَلِكَ إيمَانُك خَرَجَ عَنْك وَقَدْ أَحْسَنْت السِّحْرَ فَقُلْت وَمَا هُوَ فَقَالَا لَا تُرِيدِينَ شَيْئًا فتصورينه وَهْمِك إلَّا كَانَ فَصَوَّرْت فِي نَفْسِي حَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ فَإِذَا أَنَا بِالْحَبِّ فَقُلْت لَهُ انْزَرِعْ فَانْزَرَعَ وَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ سُنْبِلَا فَقُلْت لَهُ انْطَحَنَ وَانْخَبِزْ إلَى آخَرِ الْأَمْرِ حَتَّى صَارَ خُبْزًا وَإِنِّي كُنْت لَا أُصَوِّرُ فِي نَفْسِي شَيْئًا إلَّا كَانَ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ لَيْسَتْ لَك تَوْبَةٌ فَيَرْوِي الْقُصَّاصُ وَالْمُحَدِّثُونَ الْجُهَّالُ مِثْلَ هَذَا لِلْعَامَّةِ فَتُصَدِّقُهُ وَتَسْتَعِيدُهُ وَتَسْأَلُهُ أَنْ يُحَدِّثَهَا بِحَدِيثِ سَاحِرَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَيَقُولُ لَهَا إنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ أَخَذَ سَاحِرَةً فَأَقَرَّتْ لَهُ بِالسِّحْرِ فَدَعَا الْفُقَهَاءَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ حُكْمِهَا فَقَالُوا الْقَتْلُ فَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَسْت أَقْتُلُهَا إلَّا تغريقا قال فأخذ رحى البزر فَشَدَّهَا فِي رِجْلِهَا وَقَذَفَهَا فِي الْفُرَاتِ فَقَامَتْ فَوْقَ الْمَاءِ مَعَ الْحَجَرِ فَجَعَلَتْ تَنْحَدِرُ مَعَ الماء فخافوا أن نفوتهم فَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ مَنْ يُمْسِكُهَا وَلَهُ كَذَا وَكَذَا فَرَغِبَ رَجُلٌ مِنْ السَّحَرَةِ كَانَ حَاضِرًا فِيمَا بِذَلَهُ فَقَالَ
أَعْطَوْنِي قَدَحَ زُجَاجٍ فِيهِ ماء فجاؤه بِهِ فَقَعَدَ عَلَى الْقَدَحِ وَمَضَى إلَى الْحَجَرِ فشق الحجر
الجزء 1 · صفحة 60
بِالْقَدَحِ فَتَقَطَّعَ الْحَجَرُ قِطْعَةً قِطْعَةً فَغَرِقَتْ السَّاحِرَةُ فَيُصَدِّقُونَهُ وَمَنْ صَدَّقَ هَذَا فَلَيْسَ يَعْرِفُ النُّبُوَّةَ ولا يأمن أَنْ تَكُونَ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا سَحَرَةً وَقَالَ اللَّهُ تعالى [وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى] وَقَدْ أَجَازُوا مِنْ فِعْلِ السَّاحِرِ مَا هُوَ أَطَمُّ مِنْ هَذَا وَأَفْظَعُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُحِرَ وَأَنَّ السِّحْرَ عَمِلَ فِيهِ حَتَّى قَالَ فِيهِ إنَّهُ يُتَخَيَّلُ لِي أَنِّي أَقُولُ الشَّيْءَ وَأَفْعَلُهُ وَلَمْ أَقُلْهُ وَلَمْ أَفْعَلْهُ وَأَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً سَحَرْته فِي جُفِّ طَلْعَةٍ وَمُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا سَحَرَتْهُ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ وَهُوَ تَحْتَ رَاعُوفَةِ الْبِئْرِ فَاسْتُخْرِجَ وَزَالَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُكَذِّبًا لِلْكُفَّارِ فِيمَا ادَّعَوْهُ من ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ [وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً] ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تعليا بالحشوا الطَّغَامِ وَاسْتِجْرَارًا لَهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَالْقَدْحِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاءِ وَفِعْلِ السَّحَرَةِ وَأَنَّ جَمِيعَهُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَجْمَعُ بَيْنَ تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَإِثْبَاتِ مُعْجِزَاتِهِمْ وَبَيْنَ التَّصْدِيقِ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ فِعْلِ السَّحَرَةِ مَعَ قَوْله تَعَالَى [وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى] فَصَدَّقَ هَؤُلَاءِ مَنْ كَذَّبَهُ اللَّهُ وَأَخْبَرَ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَانْتِحَالِهِ وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْيَهُودِيَّةُ بِجَهْلِهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهَا بِأَنَّ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِي الْأَجْسَادِ وَقَصَدَتْ بِهِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى مَوْضِعِ سِرِّهَا وَأَظْهَرَ جَهْلَهَا فِيمَا ارْتَكَبَتْ وَظَنَّتْ لِيَكُونَ ذَلِكَ من دلائل نبوته لا أن ذَلِكَ ضَرَّهُ وَخَلَطَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَمْ يَقُلْ كُلُّ الرُّوَاةِ إنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظُ زِيدَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا أَصْلَ لَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِ التَّخْيِيلَاتِ أَنَّ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ هِيَ عَلَى حَقَائِقِهَا وَبَوَاطِنُهَا كَظَوَاهِرِهَا وَكُلَّمَا تَأَمَّلْتهَا ازْدَدْت بَصِيرَةً فِي صِحَّتِهَا وَلَوْ جَهَدَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى مُضَاهَاتِهَا وَمُقَابِلَتِهَا بِأَمْثَالِهَا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْهَا وَمَخَارِيقُ السَّحَرَةِ وَتَخْيِيلَاتُهُمْ إنَّمَا هِيَ ضَرْبٌ مِنْ الْحِيلَةِ وَالتَّلَطُّفِ لِإِظْهَارِ أُمُورٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَمَا يَظْهَرُ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ وَالْبَحْثِ وَمَتَى شاء شَاءَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَ غَيْرِهِ وَيَأْتِي بِمِثْلِ مَا أَظْهَرَهُ سِوَاهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى السِّحْرِ وَحَقِيقَتِهِ مَا يَقِفُ النَّاظِرُ عَلَى جُمْلَتِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَلَوْ اسْتَقْصَيْنَا ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْحِيَلِ لَطَالَ وَاحْتَجْنَا إلَى اسْتِئْنَافِ كِتَابٍ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ
الجزء 1 · صفحة 61
فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَيَانُ مَعْنَى السِّحْرِ وَحُكْمِهِ وَالْآنَ حَيْثُ انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ إلَى ذِكْرِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ حُكْمِهِ وَمَا يَجْرِي عَلَى مُدَّعِي ذَلِكَ مِنْ الْعُقُوبَات عَلَى حَسَبِ مَنَازِلِهِمْ فِي عِظَمِ الْمَأْثَمِ وكثرة الفساد والله أعلم بالصواب.
بَابُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ وَقَوْلِ السَّلَف فِيهِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجَاءَ قَالَ أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ الله عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا فَوَجَدُوا سِحْرَهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَأَنْكَرَهُ فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ أَمْرَهَا وَكَانَ عُثْمَانُ إنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قُتِلَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بن دينار أنه سمع بحالة يَقُولُ كُنْت كَاتِبًا لِجُزَيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَتَى كِتَابُ عُمَرَ أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ وَرَوَى أَبُو عَاصِمٍ عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ يُقْتَلُ السَّاحِرُ وَلَا يُسْتَتَابُ وَرَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ سَاحِرًا فَدَفَنَهُ إلَى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمِ بن أبى الجعد قال كان قيس ابن سَعْدٍ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ فَجَعَلَ يَفْشُو سِرَّهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي يُفْشِي سِرِّي فَقَالُوا ساحر هاهنا فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إذَا نَشَرْت الْكِتَابَ عَلِمْنَا مَا فِيهِ فَأَمَّا مَا دَامَ مَخْتُومًا فَلَيْسَ نَعْلَمُهُ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَّافِينَ كُهَّانُ الْعَجَمِ فَمَنْ أَتَى كَاهِنًا يُؤْمِنُ لَهُ بِمَا يَقُولُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَرَوَى مُبَارَكٌ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ جُنْدُبًا قَتَلَ سَاحِرًا وَرَوَى يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ أَعْصِمَ وَامْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ يُقْتَلُ السَّاحِرُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ السَّاحِرِ وَنَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى كُفْرِهِ وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي حُكْمِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّاحِرِ يُقْتَلُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَلَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي أَتْرُكُ السِّحْرَ وَأَتُوبُ منه
الجزء 1 · صفحة 62
فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَوَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ سِحْرٌ قُتِلَ وَلَا يُسْتَتَابُ وَإِنَّ أَقَرَّ فَقَالَ كُنْت أَسْحَرُ وَقَدْ تَرَكْت مُنْذُ زَمَانٍ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُقْتَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَرَّةً سَاحِرًا وَأَنَّهُ تَرَكَ مُنْذُ زَمَانٍ لَمْ يُقْتَلْ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ السَّاعَةَ سَاحِرٌ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَيُقْتَلُ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْحُرُّ الذِّمِّيُّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَيُقْتَلُ وَلَا يُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ شُهِدَ عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَوَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ سِحْرٌ لم يقبل تَوْبَتُهُ وَيَقْتُل وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ أَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا وَتَرَكَ ذَلِكَ مُنْذُ زَمَانٍ قبل ذلك منه وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَرَّةً سَاحِرًا وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ السَّاعَةَ سَاحِرٌ لَمْ يُقْتَلْ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهَا أَنَّهَا سَاحِرَةٌ أَوْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وَحُبِسَتْ وَضُرِبَتْ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ لَهُمْ تَرْكُهَا لِلسِّحْرِ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهَا سَاحِرَةٌ أَوْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وَحُبِسَتْ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهَا تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ فَحَكَمَ فِي السَّاحِرِ وَالسَّاحِرَةِ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ إلَّا أَنْ يَجِيءَ فَيُقِرَّ بِالسِّحْرِ أَوْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الثَّبَاتِ عَلَى الرِّدَّةِ وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّازِيّ قَالَ سَأَلْت أَبَا يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّاحِرِ يُقْتَلُ ولا يستتاب لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فَقَالَ السَّاحِرُ قَدْ جَمَعَ مَعَ كُفْرِهِ السَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالسَّاعِي بِالْفَسَادِ إذَا قَتَلَ قُتِلَ قَالَ فَقُلْت لِأَبِي يُوسُفَ مَا السَّاحِرُ قَالَ الَّذِي يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مِثْلُ مَا فَعَلَتْ الْيَهُودُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ إذَا أَصَابَ بِهِ قَتْلًا فَإِذَا لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ إذْ كَانَ لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ بَيَانُ مَعْنَى السِّحْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْقَتْلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ فِي السِّحْرِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَشْوُ مِنْ إيصَالِهِمْ الضَّرَرَ إلَى الْمَسْحُورِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا سَقْيِ دَوَاءٍ وَجَائِزٌ أن يكون سحر اليهود للنبي صلّى الله عليه وسلم عَلَى جِهَةِ إرَادَتِهِمْ التَّوَصُّلَ إلَى قَتْلِهِ بِإِطْعَامِهِ وأطلعه الله على ما أردوا كَمَا سَمَّتْهُ زَيْنَبُ الْيَهُودِيَّةُ فِي الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ فَأَخْبَرَتْهُ الشَّاةُ بِذَلِكَ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ إذَا تَوَلَّى عَمَلَ السِّحْرِ قُتِلَ وَلَا يُسْتَتَابُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ بَاطِنًا لَمْ تُعْرَفْ تَوْبَتُهُ بِإِظْهَارِهِ الْإِسْلَامَ قَالَ إسماعيل ابن إِسْحَاقَ فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَضُرَّ الْمُسْلِمِينَ فيقتل
الجزء 1 · صفحة 63
لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا قَالَ السَّاحِرُ أَنَا أَعْمَلُ عَمَلًا لِأَقْتُلَ فَأُخْطِئُ وَأُصِيبُ وَقَدْ مَاتَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ عَمَلِي فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ قَالَ عَمَلِي يَقْتُلُ الْمَعْمُولَ بِهِ وَقَدْ تَعَمَّدْت قَتْلَهُ قُتِلَ بِهِ قَوَدًا وَإِنْ قَالَ مرض منه ولم يمت أقسم أوليائه لَمَاتَ مِنْهُ ثُمَّ تَكُونُ الدِّيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَجْعَلْ الشَّافِعِيُّ السَّاحِرَ كَافِرًا بِسِحْرِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ جَانِيًا كَسَائِرِ الْجُنَاةِ وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِاسْتِحْقَاقِ سِمَةِ السِّحْرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهُ كَافِرًا وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ خارج عن قول جميعهم يَعْتَبِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِعَمَلِهِ السِّحْرَ فِي إيجَابِ قَتْلِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مَعَانِي السِّحْرِ وَضُرُوبَهُ وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ سِحْرِ أَهْلِ بَابِلَ فِي الْقَدِيمِ وَمَذَاهِبِ الصَّابِئِينَ فِيهِ وَهُوَ
الذي ذكر اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ [وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] فِيمَا يُرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِهِ وَالْمُصَدِّقَ بِهِ وَالْعَامِلَ بِهِ كَافِرٌ وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عِنْدِي إنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ هَذَا الضَّرْبُ مِنْ السِّحْرِ مَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا نظير قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ هُوَ السِّحْرُ الَّذِي نَسَبَهُ عَامِلُوهُ إلَى النُّجُومِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِحْرِ أَهْلِ بَابِل وَالصَّابِئِينَ لِأَنَّ سَائِرَ ضُرُوبِ السِّحْرِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنُّجُومِ عِنْدَ أَصْحَابِهَا وَالثَّانِي أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ السِّحْرِ الْمَذْمُومِ يَتَنَاوَلُ هَذَا الضرب منه وهذا يدل على أن التعارف عِنْدَ السَّلَفِ مِنْ السِّحْرِ هُوَ هَذَا الضَّرْبُ مِنْهُ وَمِمَّا يَدَّعِي فِيهِ أَصْحَابُهَا الْمُعْجِزَاتِ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقُوا ذَلِكَ بِفِعْلِ النُّجُومِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِقَتْلِ فَاعِلِهِ إذْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ عَامِلِ السِّحْرِ بِالْأَدْوِيَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسِّعَايَةِ وَالشَّعْوَذَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مِنْ السَّحَرِ لَا تُوجِبُ قَتْلَ فَاعِلهَا إذَا لَمْ يَدَّعِ فِيهِ مُعْجِزَةً لَا يُمْكِنُ الْعِبَادَ فِعْلُهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إيجَابَهُمْ قَتْلَ السَّاحِرِ إنَّمَا كَانَ لِمَنْ ادَّعَى بِسِحْرِهِ مُعْجِزَاتٍ لَا يَجُوزُ وُجُودُ مِثْلِهَا إلَّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِمْ وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ مِنْ سِحْرِ أَهْلِ بَابِل وَالْآخَرُ مَا يَدَّعِيهِ الْمُعَزِّمُونَ وَأَصْحَابُ النيرنجيات مِنْ خِدْمَةِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا كَافِرَانِ أَمَّا الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ فِي
الجزء 1 · صفحة 64
سِحْرِهِ تَعْظِيمَ الْكَوَاكِبِ وَاعْتِقَادَهَا آلِهَةً وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي فَلِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَرِفَةً بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا حَيْثُ أَجَازَتْ أَنْ تُخْبِرَهَا الْجِنُّ بِالْغُيُوبِ وَتَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ فُنُونِ الْحَيَوَانِ وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَتْ وُجُودَ مِثْلِ أَعْلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَعَ الْكَذَّابِينَ الْمُتَخَرِّصَيْنِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِدْقَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ لِتَجْوِيزِهِ كَوْنَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْلَامِ مَعَ غَيْرِهِمْ فَلَا يَأْمَنُ من أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ مُتَخَرِّصًا كَذَّابًا فَإِنَّمَا كُفْرُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ جَهْلُهُ بِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ الَّذِي رَأَتْ الصَّحَابَةُ قَتْلَهُ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ مِنْهُمْ عَنْ حَالِهِ وَلَا بَيَانٍ لِمَعَانِي سِحْرِهِ أَنَّهُ السَّاحِرُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى [يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] وَهُوَ السَّاحِرُ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ عِنْدَ ذِكْرِنَا ضُرُوبَ السِّحْرِ وَهُوَ سِحْرُ أَهْلِ بَابِلَ فِي الْقَدِيمِ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَغْلَبَ الْأَعَمَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْ يَتَعَاطَى سَائِرَ ضُرُوبِ السَّحَر الَّذِي ذَكَرْنَا وَكَانُوا يَجْرُونَ فِي دَعْوَاهُمْ الْإِخْبَارَ بِالْغُيُوبِ وَتَغْيِيرِ صُوَرِ الْحَيَوَانِ عَلَى مِنْهَاجِ سَحَرَةِ بَابِلَ وَكَذَلِكَ كُهَّانُ الْعَرَبِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ اسْمُ الْكُفْرِ لِظُهُورِ هَذِهِ الدَّعَاوَى مِنْهُمْ وَتَجْوِيزِهِمْ مُضَاهَاةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي مُعْجِزَاتِهِمْ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مَعْنَى السِّحْرِ عِنْدَ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْ أَحَدٍ إيجَابُ قَتْلِ السَّاحِرِ مِنْ طَرِيقِ الْجِنَايَةِ عَلَى النُّفُوسِ بَلْ إيجَابُ قَتْلِهِ بِاعْتِقَادِهِ عَمَلَ السِّحْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ مِنْهُمْ لِجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْمُشَعْوِذُونَ وَأَصْحَابُ الْحَرَكَاتِ وَالْخِفَّةِ بِالْأَيْدِي وَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِسَقْيِ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَلِّدَةِ لِلْعَقْلِ أَوْ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ وَمَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ السَّعْيِ بِالنَّمَائِمِ وَالْوِشَايَةِ وَالتَّضْرِيبِ وَالْإِفْسَادِ فَإِنَّهُمْ إذَا اعْتَرَفُوا بِأَنَّ ذَلِكَ حِيَلٌ وَمَخَارِيقُ حُكْمُ مَنْ يَتَعَاطَى مِثْلَهَا مِنْ النَّاس لَمْ يَكُنْ كَافِرًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ وَيُزْجَرَ عَنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ مُسْتَحِقٌّ لِاسْمِ الكفر قوله تعالى [وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ] أَيْ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ المفسرين وقوله تتلوا مَعْنَاهُ تُخْبِرُ وَتَقْرَأُ ثُمَّ قَوْله تَعَالَى [وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَادَّعَتْهُ مِنْ السِّحْرِ عَلَى سُلَيْمَانَ كَانَ كُفْرًا فَنَفَاهُ اللَّهُ عَنْ سُلَيْمَانَ وَحَكَمَ بِكُفْرِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ تَعَاطَوْهُ وَعَمِلُوهُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى [وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ
الجزء 1 · صفحة 65
وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ]
فَأَخْبَرَ عَنْ الْمَلَكَيْنِ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لِمَنْ يُعَلِّمَانِهِ ذَلِكَ لَا تَكْفُرْ بِعَمَلِ هَذَا السِّحْرِ وَاعْتِقَادِهِ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ إذَا عُمِلَ بِهِ واعتقده ثُمَّ قَالَ [وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمْ مِنْ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ الله ماله فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ يَعْنِي مِنْ نَصِيبٍ
ثُمَّ قَالَ [وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ] فَجَعَلَ ضِدَّ هَذَا الْإِيمَانِ فِعْلَ السِّحْرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَانَ فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِ السِّحْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ وَإِذَا ثَبَتَ كُفْرُهُ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ قد ظهر منه الإسلام في وقت كفره بِفِعْلِ السِّحْرِ فَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)
وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا خَالَفَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ عَنْهُ إنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي فَرْقِ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّ السَّاحِرَ قَدْ جَمَعَ إلَى كُفْرِهِ السَّعْيَ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ قَالَ قَائِلُ فَأَنْتَ لَا تَقْتُلُ الْخُنَّاقَ وَالْمُحَارِبِينَ إلَّا إذَا قَتَلُوا فَهَلَّا قُلْتَ مِثْلَهُ فِي السَّاحِرِ قِيلَ لَهُ يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَنَّاقَ وَالْمُحَارِبَ لَمْ يَكْفُرَا قَبْلَ الْقَتْلِ وَلَا بَعْدَهُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّا الْقَتْلَ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُمَا سَبَبٌ يَسْتَحِقَّانِ بِهِ الْقَتْلَ وَأَمَّا السَّاحِرُ فَقَدْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ قَتَلَ بِهِ أَوْ لَمْ يَقْتُلْ فَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ بِكُفْرِهِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ مَعَ كُفْرِهِ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَانَ وُجُوبُ قَتْلِهِ حَدًّا فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ كَالْمُحَارِبِ إذَا اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ لَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ مُشْبِهٌ لِلْمُحَارِبِ الَّذِي قَتَلَ فِي أَنَّ قَتْلَهُ حد لَا تُزِيلُهُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَيُفَارِقَ الْمُرْتَدَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ بِإِقَامَتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَحَسْبُ فَمَتَى انْتَقَلَ عَنْهُ زَالَ عَنْهُ الْكُفْرُ وَالْقَتْلُ وَلِمَا وَصَفْنَا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ السَّاحِرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِيمَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِالْمُحَارَبَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ الْمَرْأَةُ السَّاحِرَةُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ عِنْدَهُمْ لَا تُقْتَلُ حَدًّا وَإِنَّمَا تُقْتَلُ قَوَدًا وَوَجْهٌ آخَرُ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَرْكِ اسْتِتَابَةِ السَّاحِرِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُف فِي نَوَادِرَ ذَكَرَهَا عَنْهُ أَدْخَلَهَا فِي أَمَالِيهِ عَلَيْهِمْ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ اُقْتُلُوا الزِّنْدِيقَ سِرًّا فَإِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُعْرَفُ وَلَمْ يَحْكِ أَبُو يُوسُف خِلَافَهُ وَيَصِحُّ بِنَاءُ مَسْأَلَةِ السَّاحِرِ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ سِرًّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزِّنْدِيقِ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتَلَ
الجزء 1 · صفحة 66
السَّاحِرُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّ كُفْرَهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ لِأَجْلِ الْكُفْرِ قِيلَ لَهُ الْكُفْرُ الَّذِي أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ هُوَ مَا أَظْهَرَهُ لَنَا وَأَمَّا الْكُفْرُ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ بِسِحْرِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُقَرٍّ عَلَيْهِ وَلَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّةَ عَلَى إقْرَارِهِ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَأَلَنَا إقْرَارَهُ عَلَى السِّحْرِ بِالْجِزْيَةِ لَمْ نُجِبْهُ إلَيْهِ وَلَمْ نُجِزْ إقْرَارَهُ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاحِرِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَأَيْضًا فَلَوْ أَنَّ الذِّمِّيَّ السَّاحِرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْلَ بِكُفْرِهِ لَاسْتَحَقَّهُ بِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَالْمُحَارِبِينَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَقَوْلُهُمْ فِي تَرْكِ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ يُوجِبُ أَنْ لَا يُسْتَتَابَ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَسَائِرُ الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ مِنْهُمْ اعْتِقَادُ الْكُفْرِ كَسَائِرِ الزَّنَادِقَةِ وَأَنْ يَقْتُلُوا مَعَ إظْهَارهمْ التَّوْبَةَ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ السَّاحِرِ مَا
حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ قَانِعٍ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مسلم عن الحسن ابن جندب أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ)
وَقِصَّةُ جُنْدُبٍ فِي قَتْلِهِ السَّاحِرَ بِالْكُوفَةِ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مَشْهُورَةٌ
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ)
قَدْ دَلَّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُوبُ قَتْلِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ حَدٌّ لَا يُزِيلُهُ التَّوْبَةُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ إذَا وَجَبَتْ وَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَتْلِهِ عَلَى وَجْهِ قَتْلِ الْمُحَارِبِ قَالُوا فِيمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إنَّهُ إذَا قَالَ كنت ساحرا وقد ثبت أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ كَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا وَجَاءَ تَائِبًا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُحَارِبِينَ [إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] فَاسْتَثْنَى التَّائِبَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ وَيُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى [إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً] إلَى آخِرِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ السَّاحِرِ حَدًّا لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ لِعَمَلِهِ السِّحْرَ وَاسْتِدْعَائِهِ النَّاسَ إلَيْهِ وَإِفْسَادِهِ إيَّاهُمْ مَعَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ أَجْرَى السَّاحِرَ مَجْرَى الزِّنْدِيقِ فَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ كَمَا لَا يَقْبَلُ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ وَلَمْ يَقْتُلْ سَاحِرَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ بِكُفْرِهِ وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ فَلَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ فَيُقْتَلُ كَمَا يُقْتَلُ الْحَرْبِيُّ وَقَدْ بَيَّنَّا مُوَافَقَةَ السَّاحِرِ الذِّمِّيِّ لِلزِّنْدِيقِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ اسْتَحْدَثَ كُفْرًا سِرًّا لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةِ وَلَا غَيْرِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاحِرِ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُحَارِبِ فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُنْتَحِلِي الذِّمَّةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ
الجزء 1 · صفحة 67
بَيَّنَّا خُرُوجَهُ عَنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَعْتَبِرْ قَتْلَهُ بِسِحْرِهِ وَأَوْجَبُوا قَتْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِحُصُولِ الِاسْمِ لَهُ وَهُوَ مَعَ ذلك لا يخلوا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي ذِكْرِهِ قَتْلَ السَّاحِرِ بِغَيْرِهِ إمَّا أَنْ يُجِيزَ عَلَى السَّاحِرِ قَتْلَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا اتِّصَالِ سَبَبٍ إلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ وَذَلِكَ فَظِيعٌ شَنِيعٌ وَلَا يُجِيزُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ فِعْلِ السَّحَرَةِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ مُضَاهَاتِهِ أَعْلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَجَازَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ سَقْيِ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَانَ هَذَا أَرَادَ فَإِنَّ مِنْ احْتَالَ فِي إيصَالِ دَوَاءٍ إلَى إنْسَانٍ حَتَّى شَرِبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دِيَةٌ إذْ كَانَ هُوَ الشَّارِبَ لَهُ وَالْجَانِيَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَنْ دَفَعَ إلَى إنْسَانٍ سَيْفًا فقتل به نفسه وإن كان إنما أو جره إيَّاهُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لِشُرْبِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ إلَّا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا يَسْتَوِي فِيهِ السَّاحِرُ وَغَيْرُهُ ثُمَّ قَوْلُهُ إذَا قَالَ السَّاحِرُ قَدْ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ وَقَدْ مَاتَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ عَمَلِي فَفِيهِ الدِّيَةُ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا بِحَدِيدَةِ قَدْ يَمُوتُ الْمَجْرُوحُ مِنْ مِثْلِهِ وَقَدْ لَا يَمُوتُ لَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقِصَاصُ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى قَوْلِهِ إيجَابَ الْقِصَاصِ كَمَا يَجِبُ فِي الْحَدِيدَةِ وَقَوْلُهُ قَدْ يَمُوتُ وَقَدْ لَا يَمُوتُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي زَوَالِ الْقِصَاصِ لِوُجُودِهَا فِي الْجَارِحِ بِحَدِيدَةٍ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ السَّاحِرُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالضَّرْبِ بِالْعَصَا وَاللَّطْمَةِ الَّتِي قَدْ تَقْتُلُ وَقَدْ لَا تَقْتُلُ قِيلَ لَهُ وَلِمَ صَارَ بِالْقَتْلِ بِالْعَصَا وَاللَّطْمَةِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْحَدِيدَةِ فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا سِلَاحٌ وَذَاكَ لَيْسَ بِسِلَاحِ لَزِمَهُ فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِسِلَاحِ أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ اعْتِبَارُ السِّلَاحِ دُونَ غَيْرِهِ فِي إيجَابِ الْقَوَدِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ قَالَ مَرِضَ مِنْهُ وَلَمْ يَمُتْ أَقْسَمَ أَوْلِيَاؤُهُ لَمَاتَ مِنْهُ مُخَالِفٌ فِي النَّظَرِ لِأَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ لِأَنَّ مَنْ جَرَحَ رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ لَزِمَهُ حُكْمُ جِنَايَتِهِ وَكَانَ مَحْكُومًا بِحُدُوثِ الْمَوْتِ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى أَيْمَانِ الْأَوْلِيَاءِ فِي مَوْتِهِ مِنْهَا فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي السَّاحِرِ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الْمَسْحُورَ مَرِضَ مِنْ سِحْرِهِ فَإِنْ قِيلَ كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْمَرِيضِ مِنْ الْجِرَاحَةِ إذَا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ أَنَّهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يُحْكَمْ بِالْقَتْلِ حَتَّى يُقْسِمَ أَوْلِيَاءُ الْمَجْرُوحِ قِيلَ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ مِثْلَهُ لَوْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ وَوَالَى بَيْنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَتَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَقَالَ الْجَارِحُ مَاتَ مِنْ عِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ قَبْلَ الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ قَالَ اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَمُتْ مِنْ ضَرْبَتِي أَنْ تُقْسِمَ الْأَوْلِيَاءُ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَكَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا قال
الجزء 1 · صفحة 68
أَبُو بَكْرٍ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي مَعْنَى السِّحْرِ واختلاف الفقهاء بما فيه كفاية فِي حُكْمِ السَّاحِرِ وَنَتَكَلَّمُ الْآنَ فِي مَعَانِي الْآيَةِ وَمُقْتَضَاهَا فَنَقُولُ إنَّ قَوْله تَعَالَى [وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ] فَقَدْ
رُوِيَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان ابن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ جريح وَابْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سُلَيْمَانَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَرَادَ الْجَمِيعَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ مُتَّبِعِي السِّحْرِ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَزَالُوا مُنْذُ عَهْدِ سُلَيْمَانَ إلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ نبيه محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَصَفَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا الْقُرْآنَ وَنَبَذُوهُ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ يُرِيدُ شَيَاطِينَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمَعْنَى تَتْلُو تُخْبِرُ وَتَقْرَأُ وَقِيلَ تَتْبَعُ لِأَنَّ التَّالِيَ تَابِعٌ وَقَوْلُهُ [عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ] قِيلَ فِيهِ عَلَى عَهْدِهِ وَقِيلَ فِيهِ عَلَى مُلْكِهِ وَقِيلَ فِيهِ تَكْذِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَبَرُ كَذِبًا قِيلَ تَلَا عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ صِدْقًا قِيلَ تَلَا عَنْهُ وَإِذَا أُبْهِمَ جَازَ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] وَكَانَتْ الْيَهُودُ تُضِيفُ السِّحْرَ إلَى سُلَيْمَانَ وَتَزْعُمُ أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ بِهِ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ بَعْضُ أَحْبَارِ الْيَهُودِ أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ نَبِيًّا وَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى [وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ] وَقِيلَ إنَّ الْيَهُودَ إنَّمَا أَضَافَتْ السِّحْرَ إلَى سُلَيْمَانَ تَوَصُّلًا مِنْهُمْ إلَى قَبُولِ النَّاسِ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلِتُجَوِّزهُ عَلَيْهِمْ وَكَذَبُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقِيلَ إنَّ سُلَيْمَانَ جَمَعَ كُتُبَ السِّحْرِ وَدَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ أَوْ فِي خِزَانَتِهِ لِئَلَّا يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَلَمَّا مَاتَ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ الشَّيَاطِينُ بِهَذَا كَانَ يَتِمُّ مُلْكُهُ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي الْيَهُودِ وَقَبِلَتْهُ وَأَضَافَتْهُ إلَيْهِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الشَّيَاطِينُ دَفَنُوا السِّحْرَ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ فَلَمَّا مَاتَ وَظَهَرَ نَسَبُوهُ إلَى سُلَيْمَانَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُونَ لِذَلِكَ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَوْهَمُوا النَّاس أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُوهِمُوهُمْ وَيَخْدَعُوهُمْ بِهِ قَوْله تَعَالَى [وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ] قَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ اللَّامِ وَخَفْضِهَا فَمَنْ قَرَأَهَا بِنَصْبِهَا جَعَلَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ قَرَأَهَا بِخَفْضِهَا جَعَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الضحاك أنهما كان عِلْجَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ وَالْقِرَاءَتَانِ
الجزء 1 · صفحة 69
صَحِيحَتَانِ غَيْرُ مُتَنَافِيَتَيْنِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ مَلَكَيْنِ فِي زَمَنِ هَذَيْنِ الْمَلِكَيْنِ لِاسْتِيلَاءِ السِّحْرِ عَلَيْهِمَا وَاغْتِرَارِهِمَا وَسَائِرِ النَّاسِ بِقَوْلِهِمَا وَقَبُولِهِمْ مِنْهُمَا فَإِذَا كَانَ الْمَلَكَانِ مَأْمُورَيْنِ بِإِبْلَاغِهِمَا وَتَعْرِيفِهِمَا وَسَائِرِ النَّاسِ مَعْنَى السِّحْرِ وَمَخَارِيقِ السَّحَرَةِ وَكُفْرِهَا جَازَ أَنْ نَقُولَ فِي إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ وما أنزل على الملكين اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِأَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ وَنَقُولُ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّ الْمَلِكَيْنِ كَانَا مَأْمُورَيْنِ بِإِبْلَاغِهِمَا وَتَعْرِيفِهِمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي خِطَابِ رَسُولِهِ [وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا] فأضاف الإنزال تارة إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم وَتَارَةً إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَلَكَيْنِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَا مَأْمُورَيْنِ بِتَعْرِيفِ الْكَافَّةِ لِأَنَّ الْعَامَّةَ كَانَتْ تَبَعًا لِلْمَلِكَيْنِ فَكَانَ أَبْلَغُ الْأَشْيَاءِ فِي تَقْرِيرِ مَعَانِي السِّحْرِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِهِ تَخْصِيصَ الْمَلِكَيْنِ بِهِ لِيَتْبَعَهُمَا النَّاسُ كَمَا قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ [اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى] وَقَدْ كَانَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَسُولَيْنِ إلَى رَعَايَاهُ كَمَا أُرْسِلَا إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالْمُخَاطَبَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ فِي اسْتِدْعَائِهِ وَاسْتِدْعَاءِ رَعِيَّتِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ دُونَ رَعَايَاهُمَا وَإِنْ كَانَ رَسُولًا إلَى كَافَّةِ النَّاسِ لِمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ تَبَعٌ لِلرَّاعِي وكذلك
قال صلّى الله عليه وسلم فِي كِتَابِهِ لِكِسْرَى (أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وَإِلَّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ)
وَقَالَ لِقَيْصَرَ (أَسْلِمْ تسلم وإلا فعليك إثم الأريسين)
يَعْنِي أَنَّك إذَا آمَنْتَ تَبِعَتْكَ الرَّعِيَّةُ وَإِنْ أَبَيْتَ لَمْ تَسْتَجِبْ الرَّعِيَّةُ إلَى الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْك فَهُمْ تَبَعٌ لَك فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ فَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَصَّ الْمَلِكَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ بِإِرْسَالِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ] فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَلَائِكَةُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَمُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ قِيلَ لَهُ هَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُرْسِلُ الْمَلَائِكَةَ بَعْضَهُمْ إلَى بَعْضٍ كَمَا يُرْسِلُهُمْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ كَثَّفَ أَجْسَامَهُمْ وَجَعَلَهُمْ كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ لِئَلَّا يَنْفِرُوا مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا] يَعْنِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ وقَوْله تَعَالَى [يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ الْمَلَكَيْنِ لِيُبَيِّنَا لِلنَّاسِ مَعَانِي السِّحْرِ وَيَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ وَكَذِبٌ وَتَمْوِيهٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ حَتَّى يَجْتَنِبُوهُ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ لِيَجْتَنِبُوهُ وَلَا يَأْتُوهُ فَلَمَّا كَانَ السِّحْرُ كُفْرًا وَتَمْوِيهًا وَخِدَاعًا وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 70
الزَّمَانِ قَدْ اغْتَرُّوا بِهِ وَصَدَّقُوا السَّحَرَةَ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِهِ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ عَلَى لِسَانِ هَذَيْنِ الْمَلَكَيْنِ لِيَكْشِفَا عَنْهُمْ غُمَّةَ الْجَهْلِ وَيَزْجُرَاهُمْ عَنْ الِاغْتِرَارِ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى [وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَيَّنَّا سَبِيلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِيَجْتَبِيَ الْخَيْرَ وَيَجْتَنِبَ الشَّرَّ وَكَمَا قِيلَ لِعُمَرَ ابن الْخَطَّابِ فُلَانٌ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ قَالَ أَجْدَرُ أَنْ يَقَعْ فِيهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَيَانِ مَعَانِي السِّحْرِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ وَبَيْنَ بَيَانِ سَائِرِ ضُرُوبِ الْكُفْرِ وَتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَتَحْرِيم الزِّنَا وَالرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ لِمَا بَيَّنَّا فِي اجْتِنَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ كَهُوَ فِي بَيَانِ الْخَيْرِ إذْ لَا يَصِلْ إلَى فِعْلِهِ إلَّا بَعْدَ الْعِلْم بِهِ كَذَلِكَ اجْتِبَاءُ الطَّاعَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ فَمِنْ حَيْثُ وَجَبَتْ وَجَبَ بَيَانُ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ إذْ لَا يَصِلُ إلَى تَرْكِهِ وَاجْتِنَابِهِ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ وَمِنْ النَّاس مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ قَوْلَهُ [وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَذَبُوا عَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ كَمَا كَذَبُوا عَلَى سُلَيْمَانَ وَأَنَّ السِّحْرَ الَّذِي يَتْلُوهُ هَؤُلَاءِ لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِمَا وزعم أن قوله تعالى [فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما] مَعْنَاهُ مِنْ السِّحْرِ وَالْكُفْرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ [وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا] يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى [سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى] أَيْ يَتَجَنَّبُ الْأَشْقَى الذِّكْرَى قَالَ وَقَوْلُهُ [وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ] مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ لَا يُعَلِّمَانِ ذَلِكَ أَحَدًا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَقْتَصِرَانِ عَلَى أَنْ لَا يُعَلِّمَاهُ حَتَّى يُبَالِغَا فِي نَهْيِهِ فَيَقُولَا [إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ] وَاَلَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اسْتِنْكَارُهُ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ السِّحْرَ مَعَ ذَمِّهِ السِّحْرِ وَالسَّاحِرِ وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ لَا يُوجَبُ لِأَنَّ الْمَذْمُومَ مَنْ يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ لَا من بينه لِلنَّاسِ وَيَزْجُرُهُمْ عَنْهُ كَمَا أَنَّ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ مِنْ النَّاسِ مَعْنَى السِّحْرِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ لِيَجْتَنِبَهُ وَهَذَا مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي أَلْزَمَنَا إيَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا رَأَيْنَا مِنْ اُخْتُدِعَ بِهِ وَتَمَوَّهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ قَوْله تَعَالَى [إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ] فَإِنَّ الْفِتْنَةَ مَا يَظْهَرُ بِهِ حَالُ الشَّيْءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ تَقُولُ الْعَرَبُ فَتَنْتُ الذَّهَبَ إذَا عَرَضْته عَلَى النَّارِ لِتَعْرِفَ سَلَامَتَهُ أَوْ غِشَّهُ وَالِاخْتِبَارُ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَالَ تَظْهَرُ فَتَصِيرُ كَالْمُخْبِرَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَالْفِتْنَةُ الْعَذَابُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى [ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ] فَلَمَّا كَانَ الْمَلَكَانِ يُظْهِرَانِ حَقِيقَةَ السِّحْرِ وَمَعْنَاهُ قالا إنما نحن فتنة وقال قتادة إنما نحن فتنة بَلَاءٌ وَهَذَا سَائِغٌ أَيْضًا لِأَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ تعالى ورسله فتنته لِمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ لِيَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ إنَّا فِتْنَةٌ وَبَلَاءٌ لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي الشَّرِّ وَلَا يُؤْمَنُ
الجزء 1 · صفحة 71
وُقُوعُهُ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وقولهما فلا تكفر يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ السِّحْرِ كُفْرٌ لِأَنَّهُمَا يعلمانه إياه لئلا يعمل به لأنهما علماهما ما السحر وكيف الاحتيال ليجتنبه وَلِئَلَّا يُتِمُّوهُ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال بِهَا وقَوْله تَعَالَى [فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ] يَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ السَّامِعُ فَيَكْفُرُ فَيَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً بِالرِّدَّةِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ وَالْوِشَايَةِ وَالْبَلَاغَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالْإِغْرَاءِ وَالْإِفْسَادِ وَتَمْوِيهِ الْبَاطِلِ حَتَّى يَظُنَّ أنه حق فيفارقها قوله تَعَالَى [وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ] الْإِذْنُ
هُنَا الْعِلْمُ فَيَكُونُ اسْمًا إذَا كَانَ مُخَفَّفًا وَإِذَا كَانَ مُحَرَّكًا كَانَ مَصْدَرًا كَمَا يَقُولُ حَذِرَ الرَّجُلُ حَذَرًا فَهُوَ حَذِرٌ فَالْحَذِرُ الإسم والحذر المصدر ويجوز أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَالُ عَلَى وَجْهَيْنِ كَشَبَهٍ وَشِبْهٍ وَمَثَلٍ وَمِثْلٍ وَقِيلَ فِيهِ إِلا بِإِذْنِ الله أى تخليته أيضا وَقَالَ الْحَسَنُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْعَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ السِّحْرُ وَمَنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَضَرَّهُ قَوْله تَعَالَى [وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ] قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ اللَّهِ ماله فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَهُوَ النَّصِيبُ مِنْ الخير وقال الحسن ماله مِنْ دِينٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالسِّحْرِ وَقَبُولَهُ كُفْرٌ وَقَوْلُهُ [وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ] قِيلَ بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْت هَامَهْ
يَعْنِي بِعْته وَهَذَا أَيْضًا يُؤَكِّدُ أَنَّ قَبُولَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ [وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا] يقتضى ذَلِكَ أَيْضًا
قَوْله تَعَالَى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا] قَالَ قُطْرُبٌ هِيَ كَلِمَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى وَجْهِ الْهُزْءِ وَقِيلَ إنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ] وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمْ يُرِيدُونَ الهزء كما قال الله تعالى [وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ] لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ السَّامُّ عَلَيْكَ يُوهِمُونَ بِذَلِكَ أنهم يسلمون عليه فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك من أمرهم ونهى المسلمون أن يقولوا مثله وقوله راعنا وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الْمُرَاعَاةَ وَالِانْتِظَارَ فَإِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْهُزْءَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي كَانَتْ الْيَهُودُ تُطْلِقُهُ نُهُوا عَنْ إطْلَاقِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الْمَعْنَى الْمَحْظُورِ إطْلَاقُهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الإطلاق مقتضيا
الجزء 1 · صفحة 72
لِمَعْنَى الْهُزْءِ وَإِنْ احْتَمَلَ الِانْتِظَارَ وَمِثْلُهُ مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْوَعْدِ يُطْلَقُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا] وقال تعالى [ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] وَمَتَى أُطْلِقَ عُقِلَ بِهِ الْخَيْرُ دُونَ الشَّرِّ فكذلك قوله راعنا فِيهِ احْتِمَالُ الْأَمْرَيْنِ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَكُونُ بِالْهُزْءِ أَخُصَّ مِنْهُ بِالِانْتِظَارِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فَغَيْرُ جَائِزٍ إطْلَاقُهُ حَتَّى يُقَيَّدَ بِمَا يُفِيدُ الْخَيْرَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهُزْءَ مَحْظُورٌ فِي الدِّينِ وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ هُوَ مَحْظُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعَانِي كِتَابِهِ.
بَابُ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَذِكْرُ وُجُوهِ النَّسْخِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها] قَالَ قَائِلُونَ النَّسْخُ هُوَ الْإِزَالَةُ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الْإِبْدَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ] أَيْ يُزِيلُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيُبَدِّلُ مَكَانَهُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ وَقِيلَ هُوَ النَّقْلُ مِنْ قَوْلِهِ [إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مَوْضُوعِهِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَمَهْمَا كَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ فِي إطْلَاقِ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ وَالنَّسْخُ قَدْ يَكُونُ فِي التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ وَيَكُونُ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلَاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي شَرِيعَةِ نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ النَّسْخِ فَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ نَسْخُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالسَّبْتِ وَالصَّلَاةِ إلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَالَ لِأَنَّ نَبِيَّنَا صلّى الله عليه وسلم آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَشَرِيعَتَهُ ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ ذَا حَظٍّ مِنْ الْبَلَاغَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ غَيْرَ مَحْظُوظٍ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَكَانَ سَلِيمَ الِاعْتِقَادِ غَيْرَ مَظْنُونٍ بِهِ غَيْرَ ظَاهِرٍ أَمْرُهُ وَلَكِنَّهُ بَعُدَ مِنْ التَّوْفِيقِ بِإِظْهَارِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهَا أَحَدٌ بَلْ قَدْ عَقَلَتْ الْأُمَّةُ سَلَفَهَا وَخَلَفَهَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَتِهِ نَسْخَ كَثِيرٍ مِنْ شَرَائِعِهِ وَنُقِلَ ذَلِكَ إلَيْنَا نَقْلًا لَا يَرْتَابُونَ بِهِ وَلَا يجيزون فيه التأويل كما عَقَلَتْ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ عَامًّا وَخَاصًّا وَمُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا فَكَانَ دَافِعُ وُجُودِ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ وَالسَّنَةِ كَدَافِعِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ إذْ كَانَ وُرُودُ الْجَمِيعِ وَنَقْلُهُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَارْتَكَبَ هَذَا الرَّجُلُ فِي الْآيِ الْمَنْسُوخَةِ وَالنَّاسِخَةِ وَفِي أَحْكَامِهَا أُمُورًا خَرَجَ بِهَا عَنْ أَقَاوِيلِ الْأُمَّةِ مَعَ تَعَسُّفِ الْمَعَانِي وَاسْتِكْرَاهِهَا وَمَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ وَأَكْثَرُ ظَنِّي فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهِ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِهِ بِنَقْلِ النَّاقِلِينَ لِذَلِكَ وَاسْتِعْمَالِ رَأْيِهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِمَا قَدْ قَالَ السلف
الجزء 1 · صفحة 73
فِيهِ وَنَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ وَكَانَ مِمَّنْ
رُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي وُجُوهِ النَّسْخِ وَمَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا لَا يَجُوزُ بِمَا يُغْنِي وَيَكْفِي وأما [أَوْ نُنْسِها] قيل إنه من النسيان وننسأها مِنْ التَّأْخِيرِ يُقَالُ نَسَأَت الشَّيْءَ أَخَّرْته وَالنَّسِيئَةُ الدَّيْنُ الْمُتَأَخِّرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ] يَعْنِي تَأْخِيرَ الشُّهُورِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ النِّسْيَانُ فَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يُنْسِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى التِّلَاوَةَ حَتَّى لَا يَقْرَءُوا ذَلِكَ وَيَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ تِلَاوَتِهِ فَيُنْسَوْهُ عَلَى الْأَيَّامِ وَجَائِزٌ أَنْ يَنْسَوْهُ دَفْعَةً وَيَرْفَعَ من أوهامهم ويكون ذلك معجزة للنبي صلّى الله عليه وسلم وَأَمَّا مَعْنَى قِرَاءَةِ أَوْ نَنْسَأْهَا فَإِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُؤَخِّرَهَا فَلَا يُنَزِّلُهَا وَيُنَزِّلُ بَدَلًا مِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمُصْلِحَةِ أَوْ يَكُونُ أَصْلَحَ لِلْعِبَادِ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَخِّرَ إنْزَالَهَا إلَى وَقْتٍ يَأْتِي فَيَأْتِي بَدَلًا مِنْهَا لَوْ أَنْزَلَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَقُومَ مَقَامَهَا فِي الْمُصْلِحَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ [نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها] فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ فِي التَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ كَالْأَمْرِ بِأَنْ لَا يُوَلَّى وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَةٍ فِي الْقِتَالِ ثم قال [الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ] أو مثلها كالأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى البيت الْمَقْدِسِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ فِي كَثْرَةِ الصَّلَاحِ أَوْ مِثْلِهَا فَحَصَلَ مِنْ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ أَنَّ الْمُرَادَ خَيْرٌ لَكُمْ إمَّا فِي التَّخْفِيفِ أَوْ فِي الْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَيْرٌ مِنْهَا فِي التِّلَاوَةِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ فِي مَعْنَى التِّلَاوَة وَالنَّظْمِ إذْ جَمِيعُهُ مُعْجِزٌ كَلَامُ اللَّهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي امْتِنَاعِ جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسَّنَةِ لِأَنَّ السَّنَةَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ لَا تَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْقُرْآنِ وَهَذَا إغْفَالٌ مِنْ قَائِلِهِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي التِّلَاوَةِ وَالنَّظْمِ لِاسْتِوَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي إعْجَازِ النَّظْمِ وَالْآخِرُ اتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّظْمَ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ إمَّا التَّخْفِيفُ أَوْ الْمَصْلَحَةِ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَكُونُ بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ أَرَادَ التِّلَاوَةَ فَدَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِهِ بِهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إنَّمَا تَقْتَضِي نَسْخَ التِّلَاوَةِ وَلَيْسَ لِلْحُكْمِ فِي الآية لأنه ذكر قال تعالى [ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ] وَالْآيَةُ إنَّمَا هِيَ اسْمٌ لِلتِّلَاوَةِ وَلَيْسَ فِي نَسْخِ التِّلَاوَةِ مَا يُوجِبُ نَسْخَ الْحُكْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا نَنْسَخْ مِنْ تِلَاوَةِ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ مِنْ مُحْكَمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهَا وَقَدْ
الجزء 1 · صفحة 74
اسْتَقْصَيْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيَطْلُبْهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَوْله تَعَالَى [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قال نسختها [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ] وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قُرِئَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى [لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ] وقوله تعالى [وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ] وقوله تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ] وقَوْله تَعَالَى [قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ] قَالَ نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ] وقَوْله تَعَالَى [قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ] الْآيَةُ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى [فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا] وقوله تعالى [وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] وقَوْله تَعَالَى [وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُتَارَكَةً فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا أُنْزِلَتْ قَبْلَ لُزُومِ فَرْضِ الْقِتَالِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ حِينَئِذٍ بِالْحِجَاجِ وَالنَّظَرِ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَحْوُهُ قَوْله تَعَالَى [قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ] وقَوْله تَعَالَى [قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ] وقَوْله تَعَالَى [أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ] [أَفَلا تَعْقِلُونَ] [فَأَنَّى تُصْرَفُونَ] وَنَحْوُهَا مِنْ الْآيِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَظْهَرْهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقِتَالِ بَعْدَ قَطْعِ الْعُذْرِ فِي الْحِجَاجِ وَتَقْرِيرِهِ عِنْدَهُمْ حِينَ اسْتَقَرَّتْ آيَاتُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ عِنْدَ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي وَالدَّانِي وَالْقَاصِي بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ الَّتِي لَا يُكَذَّبُ مِثْلُهَا وَسَنَذْكُرُ فَرْضَ الْقِتَالِ عِنْدَ مَصِيرِنَا إلَى الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وقَوْله تَعَالَى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ] روى معمر عن قتادة رضى الله تعالى عنهم قَالَ هُوَ بَخْتُ نَصْر خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَعَانَ عَلَى ذَلِكَ النَّصَارَى وقَوْله تَعَالَى [أُولئِكَ
الجزء 1 · صفحة 75
مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ]
قَالَ هُمْ النَّصَارَى لَا يَدْخُلُونَهَا إلَّا مُسَارَقَةً فَإِنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ عُوقِبُوا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ قَالَ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ في هذه الآية قال هم النصارى خربو بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا رُوِيَ فِي خَبَرِ قَتَادَةَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا مِنْ رَاوِيهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ عَهْدَ بَخْتَ نَصَّرَ كَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَهْرِ طَوِيلٍ وَالنَّصَارَى إنَّمَا كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ وَإِلَيْهِ يَنْتَمُونَ فَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ بَخْتَ نَصَّرَ فِي تخريب بيت المقدس والنصارى إنما استقاض دِينُهُمْ فِي الشَّامِ وَالرُّومِ فِي أَيَّامِ قُسْطَنْطِين الْمَلِكِ وَكَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِمِائَتِي سَنَةٍ وَكُسُورٍ وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أو ثان وَكَانَ مِنْ يَنْتَحِلُ النَّصْرَانِيَّةَ مِنْهُمْ مَغْمُورِينَ مُسْتَخِفِّينَ بِأَدْيَانِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّصَارَى تَعْتَقِدُ مِنْ تَعْظِيمِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِثْلَ اعْتِقَادِ الْيَهُودِ فَكَيْفَ أَعَانُوا عَلَى تَخْرِيبِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ فِيهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْآيَةَ إنَّمَا هِيَ فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ مَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّ سَعْيَهُمْ فِي خَرَابِهِ إنَّمَا هُوَ مَنْعُهُمْ مِنْ عِمَارَتِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَنْعِ أَهْلِ الذِّمَّة دُخُولَ الْمَسَاجِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ] وَالْمَنْعُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْآخَرُ الِاعْتِقَادُ وَالدِّيَانَةُ وَالْحُكْمُ لِأَنَّ مِنْ اعْتَقَدَ مِنْ جِهَةِ الدِّيَانَةِ الْمَنْعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْمَسَاجِد فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ فِيهِ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدًا أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمَهُ فَيَكُونُ الْمَنْعُ هَاهُنَا مَعْنَاهُ الْحَظْرُ كَمَا جَائِز أَنْ يُقَالَ مَنَعَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْعُصَاةَ مِنْ الْمَعَاصِي بِأَنْ حَظَرَهَا عَلَيْهِمْ وَأَوْعَدَهُمْ عَلَى فِعْلِهَا فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُنْتَظِمًا لِلْأَمْرَيْنِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَوْلُهُ [أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إخْرَاجَهُمْ مِنْهَا إذَا دَخَلُوهَا لَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانُوا خَائِفِينَ بِدُخُولِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ [وَسَعى فِي خَرابِها] وَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخَرِّبَهَا بِيَدِهِ وَالثَّانِي اعْتِقَادُهُ وُجُوبَ تَخْرِيبِهَا لِأَنَّ دِيَانَاتهمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَتُوجِبُهُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ [أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَيَدُلُّ عَلَى مِثْلِ دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى [مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ] وَعِمَارَتُهَا تَكُون مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِنَاؤُهَا وَإِصْلَاحُهَا وَالثَّانِي حُضُورُهَا وَلُزُومُهَا كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ يَعْمُرُ مجلس
الجزء 1 · صفحة 76
فلان يعنى يحضره ويلزمه
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم (إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ)
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ [إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ] فَجَعَلَ حُضُورَهُ الْمَسَاجِدَ عِمَارَةً لَهَا وَأَصْحَابُنَا يُجِيزُونَ لَهُمْ دُخُولَ الْمَسَاجِدِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامٌ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً إطْلَاقُهُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ فَإِنْ قِيلَ جَائِز أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مَوْضِع مِنْ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ كَمَا يُقَالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَجْلِسِ مَجْلِسٌ فَيَكُونُ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى جُمْلَتِهِ تَارَةً وَعَلَى كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ فِيهِ أُخْرَى قِيلَ لَهُ لَا تَنَازُعَ بَيْن أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ مَسَاجِدُ كَمَا لَا يُقَالُ إنَّهُ مَسْجِدَانِ وَكَمَا لَا يُقَالُ لِلدَّارِ الْوَاحِدَةِ إنَّهَا دُورٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَإِنْ سُمِّيَ مَوْضِعُ السُّجُودِ مَسْجِدًا وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ مُقَيَّدًا غَيْرَ مُطْلَقٍ وَحُكْمُ الْإِطْلَاقِ فِيمَا يَقْتَضِيهِ مَا وَصَفْنَا وَعَلَى أَنَّك لَا تَمْتَنِعُ مِنْ إطْلَاقِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ وَإِنَّمَا تُرِيدُ تَخْصِيصَهُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَك بِغَيْرِ دَلَالَةٍ
قَوْله تَعَالَى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]
رَوَى أَبُو أَشْعَثَ السَّمَّانُ عَنْ عَاصِمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رِجْلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ ثُمَّ أَصْبَحْنَا فذكرنا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]
وَرَوَى أَيُّوبُ بْنُ عَتَبَة عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ قَوْمًا خَرَجُوا فِي سَفَرٍ فَصَلُّوا فَتَاهُوا عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا فَرَغُوا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَمَّتْ صَلَاتُكُمْ وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سِوَادَة عَنْ رَجُلٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَمَّنْ يُخْطِئُ الْقِبْلَةَ فِي السَّفَرِ وَيُصَلِّي قَالَ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْحَافِظِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ وَجَدْت فِي كِتَابِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً كُنْت فِيهَا فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفْ الْقِبْلَةَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْقِبْلَةَ هَاهُنَا قِبَلَ الشَّمَالِ فَصَلُّوا وَخَطُّوا خُطُوطًا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْقِبْلَةُ هَاهُنَا قِبَلَ الْجَنُوبِ وَخَطُّوا خُطُوطًا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ وَأَصْبَحَتْ تِلْكَ الْخُطُوطُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةُ فَلَمَّا قَفَلْنَا مِنْ سَفَرِنَا سَأَلْنَا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فَسَكَتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ [فَأَيْنَما
الجزء 1 · صفحة 77
تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]
أَيْ حَيْثُ كُنْتُمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ سَبَب نُزُول الْآيَةِ كَانَ صَلَاةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَلَّوْا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ اجْتِهَادًا
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ وَفِيهِ أُنْزِلَتْ [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] قَالَ هِيَ الْقِبْلَةُ الْأُولَى ثُمَّ نَسَخَتْهَا الصَّلَاةُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقِيلَ فِيهِ إنَّ الْيَهُودَ أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ما كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ وَمِنْ الناس مَنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُخَيَّرًا فِي أَنْ يُصَلِّيَ إلَى حَيْثُ شَاءَ وَإِنَّمَا كَانَ تَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ حَتَّى أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ قَوْلُهُ [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] فِي وَقْتِ التَّخْيِيرِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ صَلَّى فِي سَفَرٍ مُجْتَهِدًا إلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا وَالثَّوْرِيُّ إنْ وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ فعرفه جِهَةَ الْقِبْلَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعَرِّفُهُ جِهَتَهَا فَصَلَّاهَا بِاجْتِهَادِهِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ صَلَّاهَا مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشَرِّقًا أَوْ مَغْرِبًا عَنْهَا وَرُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ يُعِدْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْهُ إنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إذَا صَلَّاهَا مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ أَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ وَإِنْ تَيَامَنَ قَلِيلًا أَوْ تَيَاسَرَ قَلِيلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ اجْتَهَدَ فَصَلَّى إلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ رَأَى الْقِبْلَةَ فِي الْمَغْرِبِ اسْتَأْنَفَ فَإِنْ كَانَتْ شَرْقًا ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ مُنْحَرِفٌ فَتِلْكَ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرِفَ وَيُعْتَدُّ بِمَا مَضَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلّ عَلَى جَوَازِهَا إلَى أَيِّ جِهَةٍ صَلَّاهَا وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] مَعْنَاهُ فَثَمَّ رِضْوَانُ اللَّهِ وَهُوَ الْوَجْهَ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى [إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ] يَعْنِي لِرِضْوَانِهِ وَلِمَا أَرَادَهُ مِنَّا وَقَوْلُهُ [كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ] يَعْنِي مَا كَانَ لِرِضَاهُ وَإِرَادَتِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَجَابِرٍ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنَا أَنَّ الْآيَةَ فِي هَذَا أُنْزِلَتْ فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَيَانِ الْقِبْلَةِ قِيلَ لَهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّفِقَ هَذِهِ الأحوال كلها في وقت واحد ويسئل النبي صلّى الله عليه وسلم عَنْهَا فَيُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَة وَيُرِيدُ بِهَا بَيَانَ حُكْمِ جَمِيعِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ
الجزء 1 · صفحة 78
مِنْهَا بِأَنْ يَقُولَ إذَا كُنْتُمْ عَالِمِينَ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ مُمَكَّنِينَ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا فَذَلِكَ وَجْهُ اللَّهِ فَصَلُّوا إلَيْهَا وَإِذَا كُنْتُمْ خَائِفِينَ أَوْ فِي سَفَرٍ فَالْوَجْهُ الَّذِي يُمْكِنُكُمْ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فَهُوَ وَجْهُ اللَّهِ وَإِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْكُمْ الْجِهَاتُ فَصَلَّيْتُمْ إلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ فَهِيَ وَجْهُ اللَّهِ وَإِذَا لَمْ تَتَنَافَ إرَادَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى الْوَجْهِ الذي ذكرنا لا سيما وقد نصر حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا أَخْطَأَ وَأَخْبَرَ فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَدْبِرَ لِلْقِبْلَةِ وَالْمُتَيَاسِرَ وَالْمُتَيَامِنَ عَنْهَا سَوَاءٌ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَهُمْ صَلَّى إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالْآخِرَ إلَى نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ وَهَاتَانِ جِهَتَانِ مُتَضَادَّتَانِ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا أَيْضًا
حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ ابن مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ
وَهَذَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ جَمِيعِ الْجِهَاتِ قِبْلَةً إذْ كَانَ قَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ جَمِيعُ الْآفَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ رَبُّ الْمَشْرِقِ والمغرب أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَعْقُولِ خِطَابِ النَّاسِ مَتَى أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا ذَكَرَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَيَشْمَلُ اللَّفْظُ جَمِيعَهَا وَأَيْضًا مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا لِظُهُورِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ عَلَيْهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ مَكَّةَ فَإِنَّمَا صَلَاتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ اجْتِهَادٍ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُوقِنُ بِالْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا فِي مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ عَنْهَا وَصَلَاةُ الْجَمِيعِ جَائِزَةٌ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَهَا فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي السَّفَرِ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ غيرها ومن أوجب الإعادة فإنما يلزم فَرْضًا آخَرَ وَغَيْرُ جَائِزٍ إلْزَامَهُ فَرْضًا بِغَيْرِ دَلَالَةٍ فَإِنْ أَلْزَمُونَا عَلَيْهِ بِالثَّوْبِ يُصَلَّى فِيهِ ثُمَّ تُعْلَمُ نَجَاسَتُهُ أَوْ الْمَاءِ يُتَطَهَّرُ بِهِ ثُمَّ يُعْلَمُ أَنَّهُ نَجِسٌ قِيلَ لَهُمْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَاهُ بَعْدَ الْعِلْمِ فَرْضًا آخَرَ بِدَلَالَةِ قَامَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ عَلَى إلْزَامِ الْمُجْتَهِدِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَرْضًا آخَرَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهِيَ صَلَاةُ النَّفْلِ على الراحلة ومعلوم أنه لا ضرر بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فَلَمَّا جَازَتْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِذَا صَلَّى الْفَرْضَ إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا عَلَى مَا كُلِّفَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّبَيُّنِ غَيْرُهَا وَلَمَّا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِمَاءِ نَجِسٍ بِحَالٍ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فَلَا يَلْزَمُهُ
الجزء 1 · صفحة 79
الْإِعَادَةُ لِأَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي تَوَجَّهَ إلَيْهَا قَدْ قَامَتْ لَهُ مَقَامَ الْقِبْلَةِ كَالتَّيَمُّمِ قَائِمٌ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَلَمْ يُوجَدْ لِلْمُصَلِّي فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ وَالْمُتَطَهِّرِ بِمَاءٍ نَجِسٍ مَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّهَارَةَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَلِّي بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ وَلَا مَاءٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ مَسْأَلَتُنَا صَلَاةُ الْخَائِفِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيُبْنَى عَلَيْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا جِهَةٌ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَهَا فِي الْحَالِ وَالثَّانِي قِيَامُ هَذِهِ الْجِهَةِ مَقَامَ الْقِبْلَةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَالْمُتَيَمِّمِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى [فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] الصَّلَاةُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مِقْدَارَ مِسَاحَةِ الْكَعْبَةِ لَا يَتَّسِعُ لِصَلَاةِ النَّاسِ الْغَائِبِينَ عَنْهَا حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُصَلِّيًا لِمُحَاذَاتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَامِعَ مِسَاحَتُهُ أَضْعَافُ مِسَاحَةِ الْكَعْبَةِ وَلَيْسَ جَمِيعُ مَنْ يُصَلِّي فِيهِ مُحَاذِيًا لِسَمْتِهَا وَقَدْ أُجِيزَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا التَّوَجُّهَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي هِيَ فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهَا مُحَاذِيَةُ الْكَعْبَةِ لَا مُحَاذَاتُهَا بِعَيْنِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ جِهَةٍ قَدْ أُقِيمَتْ مَقَامَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي حَالِ الْعُذْرِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا جَازَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْتُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُحَاذِي لِلْكَعْبَةِ دُونَ مَنْ بَعُدَ مِنْهُ وَلَمْ يَظْهَرْ في الثاني توجه إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ نَظِيرَ مَسْأَلَتِنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِهَا قِيلَ لَهُ لَوْ كَانَ هَذَا الِاعْتِبَارُ سَائِغًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَوَجَبَ أَنْ لَا تُجِيزَ صَلَاةَ الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُحَاذَاةُ الْكَعْبَةِ مِقْدَارَ عِشْرِينَ ذِرَاعًا إذَا كَانَ مُسَامِتَهَا ثُمَّ قَدْ رَأَيْنَا أَهْلَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ قَدْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بأن الذي حاذوهاهم الْقَلِيلُ الَّذِينَ يَقْصُرُ عَدَدُهُمْ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ لِقِلَّتِهِمْ وَجَائِزٌ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحَاذِي الْكَعْبَةَ حِينَ لَمْ يغادروها ثُمَّ أَجْزَأَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُ الْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ مَعَ تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ فِي الْأُصُولِ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ مُرْتَدٍّ وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ وَمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مُسْلِمٍ تَاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُصُولِ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ يُجْرَى حُكْمُهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَكْثَرِ الْأَعَمِّ حُكْمٌ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ ثَبَتَ أَنَّ الَّذِي كُلِّفَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي وَقْتِهِ هُوَ مَا عِنْده أَنَّهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ وَفِي اجْتِهَادِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا وَأَنْ لَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ فَأَنْتَ
الجزء 1 · صفحة 80
تُوجِبُ الْإِعَادَةَ عَلَى مِنْ صَلَّى بِاجْتِهَادِهِ مَعَ إمْكَانِ الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا
إذَا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُهَا قِيلَ لَهُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ مَعَ وجود من يسئله عَنْهَا وَإِنَّمَا أَجَزْنَا فِيمَا وَصَفْنَا صَلَاةَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَالِ الَّتِي يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا وإذا وجد من يسئله عَنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ لَمْ يُكَلَّفْ فِعْلُ الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهَا وَيَدُلُّ عَلَى ما ذكرنا أنه معلوم من غاب عن حضرة النبي صلّى الله عليه وسلم فَإِنَّمَا يُؤَدِّي فَرْضَهُ بِاجْتِهَادِهِ مَعَ تَجْوِيزِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفَرْضُ فِيهِ نَسْخٌ وَقَدْ ثَبَتَ أن أهل قبا كَانُوا يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأُخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَاسْتَدَارُوا فِي صَلَاتِهِمْ إلَى الْكَعْبَةِ وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَدْبِرِينَ لَهَا لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ مُسْتَدْبِرٌ لِلْكَعْبَةِ ثُمَّ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ حِينَ فَعَلُوا بَعْضَ الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ وُرُودِ النَّسْخِ إذْ الْأَغْلَبُ أَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ النَّسْخِ لِأَنَّ النَّسْخَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بالمدينة ثم سار المخبر إلى قبا بَعْدَ النَّسْخِ وَبَيْنَهُمَا نَحْوَ فَرْسَخٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِمْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَطُولَ مُكْثُهُمْ فِي الصَّلَاةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَوْ كَانَ ابْتِدَاؤُهَا قَبْلَ النَّسْخِ كَانَتْ دَلَالَتُهُ قَائِمَةً لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بَعْضَ الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ النَّسْخِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَكَانَ ذَلِكَ فَرْضَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فَرْضٌ غَيْرُهُ قِيلَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فَرْضُهُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضٌ غَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اجْتَهَدَ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ ثُمَّ وَجَدَ النَّصَّ فِيهِ فَيَبْطُلُ اجْتِهَادُهُ مَعَ النَّصِّ قِيلَ لَهُ لَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنَنْت لِأَنَّ النَّصَّ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ مُعَايَنَتِهَا أَوْ الْعِلْمِ بِهَا وَلَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا الْمُصَلِّي بَلْ سَائِرُ الْجِهَات لِلْمُصَلِّينَ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَمَنْ شَاهَدَ الْكَعْبَةَ أَوْ عَلِمَ بِهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَفَرْضُهُ الْجِهَةُ الَّتِي يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا وَلَيْسَتْ الْكَعْبَةُ جِهَةَ فَرْضِهِ وَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْجِهَةُ فَفَرْضُهُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَقَوْلُكَ إنَّهُ صَارَ مِنْ الِاجْتِهَادِ إلَى النَّصِّ خَطَأٌ لِأَنَّ جِهَةَ الْكَعْبَةِ لَمْ تَكُنْ فَرْضَهُ فِي حَالِ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا النَّصُّ فِي حَالِ إمْكَانِ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا وَالْعِلْمِ بِهَا وَأَيْضًا فَقَدْ كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْكَعْبَةِ وَالْجَهْلِ بِجِهَتِهَا فَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ لَمَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى نَصًّا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى نَصًّا عَلَى الْحُكْمِ فِي حَادِثَةٍ
وقَوْله تَعَالَى [وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ] قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَبْقَى عَلَى وَلَدِهِ لِأَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 81
نَفَى الْوَلَدَ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى [بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ] يَعْنِي مُلْكَهُ وَلَيْسَ بِوَلَدِهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ [وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً] فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِتْقَ وَلَدِهِ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل ذلك في الوالد إذ ملكه ولده
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)
فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى عِتْقِ الْوَلَدِ إذَا مَلَكه أَبُوهُ وَاقْتَضَى خَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِتْقَ الْوَالِدِ إذَا مَلَكَهُ وَلَدُهُ وَقَالَ بَعْضُ الْجُهَّالِ إذَا مَلَكَ أَبَاهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْتِقَهُ لِقَوْلِهِ فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي عِتْقًا مُسْتَأْنَفًا بَعْدَ الْمِلْكِ فَجُهِلَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْهُ فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ بِالشِّرَى إذْ قَدْ أَفَادَ أَنَّ شِرَاهُ مُوجِبٌ لِعِتْقِهِ وَهَذَا
كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (النَّاسُ غَادِيَانِ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا)
يُرِيدُ أَنَّهُ مُعْتِقُهَا بِالشِّرَى لَا بِاسْتِئْنَافِ عِتْقٍ بَعْدَهُ
قَوْله تَعَالَى [وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ] اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ابْتَلَاهُ بِالْمَنَاسِكِ وَقَالَ الْحَسَنُ ابْتَلَاهُ بِقَتْلِ وَلَدِهِ وَالْكَوَاكِبِ وَرَوَى طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْتَلَاهُ بِالطَّهَارَةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ فَالْخَمْسَةُ فِي الرَّأْسِ قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ وَفِي الْجَسَدِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال عشرة مِنْ الْفِطْرَةِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ الْفَرْقِ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَأْوِيلَ الْآيَةِ وَرَوَاهُ عَمَّارُ وَعَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ
عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَرِهْتُ الْإِطَالَةَ بِذِكْرِ أَسَانِيدِهَا وَسِيَاقَةِ أَلْفَاظِهَا إذْ هِيَ الْمَشْهُورَةُ وَقَدْ نَقَلَهَا النَّاسُ قَوْلًا وَعَمَلًا وَعَرَفُوهَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِيهِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَكُونُ مُرَادُ الْآيَةِ جَمِيعَهُ وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَوَفَّى بِهِ وَقَامَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ لِأَنَّ ضِدَّ الْإِتْمَامِ النَّقْصُ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِإِتْمَامِهِنَّ وَمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَشْرَ الْخِصَالِ فِي الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ مِنْ الْفِطْرَةِ
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُقْتَدِيًا بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى [ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً] وَبِقَوْلِهِ [أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ] وَهَذِهِ الْخِصَالُ قَدْ ثَبَتَتْ مِنْ سُنَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّنْظِيفُ وَنَفْيُ الْأَقْذَارِ
الجزء 1 · صفحة 82
وَالْأَوْسَاخِ عَنْ الْأَبَدَانِ وَالثِّيَابِ مَأْمُورًا بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَظَرَ إزَالَةَ التَّفَثِ وَالشَّعْرِ فِي الْإِحْرَامِ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ الإحلال بقوله [ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ] وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ مَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَسْتَاكَ وَأَنْ يَمَسَّ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ
فَهَذِهِ كُلُّهَا خِصَالٌ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الْعُقُولِ مَحْمُودَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْعَادَاتِ وَقَدْ أَكَّدَهَا التَّوْقِيفُ مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَيَّانِ التَّمَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن المبارك قال حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانِ الْعِجْلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا سليمان فَرُّوخَ أَبُو وَاصِلٍ قَالَ أَتَيْت أَبَا أَيُّوبَ فَصَافَحَتْهُ فَرَأَى فِي أَظْفَارِي طُولًا فَقَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسئله عن خبر السماء فقال (يجيء أحدكم يسئل عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأَظْفَارُهُ كَأَنَّهَا أَظْفَارُ الطَّيْرِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْخَبَاثَةُ وَالتَّفَثُ)
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سهل بن أيوب قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَذَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ زَيْدٍ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَهِمُ قَالَ (وَمَا لِي لَا أَهِمُ وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ أَظْفَارِهِ وَأَنَامِلِهِ)
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إلَى الْجُمُعَةِ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ فَقَالَ (أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فَقَالَ أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ)
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَمْسٌ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُنَّ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ وَالْمُشْطُ وَالْمِدْرَى وَالسِّوَاكِ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ وَقَّتَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ مُعَاذٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ الدَّقِيقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَلْقِ العانة وقص الشارب ونتف الإبط
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَوَّرُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا إدْرِيسُ الْحَدَّادُ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اطَّلَى وَلِيَ مَغَابِنَهُ بِيَدِهِ
حَدَّثَنَا