الجزء 1 · صفحة 3
[خِطْبَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الَّذِي أَبْدَعَ الْمَوْجُودَاتِ بِقُدْرَتِهِ، وَصَنَعَ أَنْوَاعَ الْمَخْلُوقَاتِ بِعَظَمَتِهِ، وَمَيَّزَ كُلًّا مِنْ الْعَالَمِينَ بِطَبِيعَتِهِ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَهَبَ مِنْ نُورِهِ الْقُدْسِيِّ، وَأَجْزَلَ مِنْ إشْرَاقِ الضِّيَاءِ الْحِسِّيِّ، وَأَوْدَعَ مِصْبَاحَ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي مِشْكَاةِ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وَكَمَّلَهَا بِالزُّجَاجَةِ الشَّرِيفَةِ الْبَالِغَةِ الَّتِي يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ، وَجَعَلَهَا نُورًا عَلَى نُورٍ كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، مُتَوَقِّدَةً مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ عُلْوِيَّةٍ، لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ.
وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى خَيْرِ بَرِيَّتِهِ وَأَتَمِّهِمْ كَمَالًا، وَأَعْظَمِهِمْ إشْرَاقًا وَجَلَالًا، مُحَمَّدٍ الْمُؤَيَّدِ بِالرُّوحِ الْأَمِينِ، وَعَلَى مَنْ ارْتَضَى مِنْ أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
(أَمَّا بَعْدُ) : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِينَهُ الْقَوِيمَ، وَهَدَى بِهِ مَنْ شَاءَ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَسَّسَ شَرْعَهُ الْمُطَهِّرَ عَلَى أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ وَأَجْمَلِ الْقَوَاعِدِ، وَشَيَّدَهُ بِالتَّقْوَى وَالْعَدْلِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَأَيَّدَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُوضِحَةِ لِلْحَقِّ وَأَسْبَابِهِ، الْمُرْشِدَةِ إلَى إيصَالِ الْحَقِّ لِأَرْبَابِهِ، وَحَمَاهُ بِالسِّيَاسَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى سُنَنِ الْحَقِّ وَصَوَابِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] فَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، تَمَّتْ دَلَائِلُهُ وَحُجَجُهُ وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ وَأَحْكَامُهُ وَبِشَارَتُهُ وَنِذَارَتُهُ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالَ تَعَالَى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] الْآيَةَ.
وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ الْقَضَاءِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعَزِّهَا مَكَانًا وَأَشْرَفِهَا ذِكْرًا، لِأَنَّهُ مَقَامٌ عَلِيٌّ وَمَنْصِبٌ نَبَوِيٌّ، بِهِ الدِّمَاءُ تُعْصَمُ وَتُسْفَحُ، وَالْأَبْضَاعُ تَحْرُمُ وَتُنْكَحُ، وَالْأَمْوَالُ يَثْبُتُ مِلْكُهَا وَيُسْلَبُ، وَالْمُعَامَلَاتُ يُعْلَمُ مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيُنْدَبُ، وَكَانَتْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهِ خَفِيَّةَ الْمَشَارِبِ مَخُوفَةَ الْعَوَاقِبِ، وَالْحُجَجُ الَّتِي تُفْصَلُ بِهَا الْأَحْكَامُ مَهَامِهُ يَحَارُ فِيهَا الْقَطَا، وَتَقْصُرُ فِيهَا الْخُطَا، كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِتَقْرِيرِ أُصُولِهِ وَتَحْرِيرِ فُصُولِهِ مِنْ أَجَلِّ مَا صُرِفَتْ لَهُ الْعِنَايَةُ، وَحُمِدَتْ عُقْبَاهُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَلَيْسَ عِلْمُ الْقَضَاءِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ: وَلَمْ يَكُنْ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْلَمُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَاضِيًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْقَضَاءِ مِنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَخَذَ ذَلِكَ أَبَانُ مِنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ: قَوْله تَعَالَى {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَأَثْنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ فِي الْحُكْمِ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِاجْتِهَادِهِ وَفَهْمِهِ وَجْهَ الصَّوَابِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20] قَالَ: هُوَ عِلْمُ الْقَضَاءِ، وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ فِقْهِ فُرُوعِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامٍ
الجزء 1 · صفحة 4
تَجْرِي مَجْرَى الْكُلِّيَّاتِ بِأَحْكَامِ الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَغَالِبُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ لَمْ يُجْرُوا لَهَا فِي دِيوَانِ الْفِقْهِ ذِكْرًا، وَلَا أَحَاطَ بِهَا الْفَقِيهُ خَبَرًا، وَعَلَيْهَا مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَالْجَاهِلُ بِهَا يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ فِي الظَّلَامِ، فَمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامًا يُلْجَأُ إلَيْهِ وَيُعَوِّلُ النَّاسُ فِي مَسَائِلِهِمْ عَلَيْهِ وَجَدَ ذَلِكَ حَقًّا، وَأَلْفَاهُ ظَاهِرًا وَصِدْقًا، وَلِذَلِكَ أَلَّفَ أَصْحَابُنَا كُتُبَ الْوَثَائِقِ، وَذَكَرُوا فِيهَا أُصُولَ هَذَا الْعِلْمِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ، وَلَمْ أَزَلْ بَاحِثًا عَنْ أَسْرَارِ الْعَوَالِمِ وَحَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ، وَمُنْعِمًا أَحْكَامَ النَّظَرِ فِي الْحُدُودِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ، وَصَارِفًا قُوَايَ الْعَقْلِيَّةَ نَحْوَ الْمَدَارِكِ الْحَقِيقِيَّةِ، غَيْرَ مُقَلِّدٍ إلَّا الْمَعْقُولَاتِ الْيَقِينِيَّةَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَأْلِيفٍ أُغْنَى فِيهِ بِاسْتِيعَابِ الْكَشْفِ عَنْ غَوَامِضِ هَذَا الْفَنِّ وَدَقَائِقِهِ، وَتَمْهِيدِ أُصُولِهِ وَبَيَانِ حَقَائِقِهِ، فَرَأَيْت نَظْمَ مُهِمَّاتِهِ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَتَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَجَرَّدْته عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَّا مَا لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِأَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ إيثَارًا لِلِاقْتِصَادِ، وَاسْتِغْنَاءً بِمَا أَلَّفُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهَذَا التَّأْلِيفِ ذِكْرُ قَوَاعِدِ هَذَا الْعِلْمِ وَبَيَانُ مَا تُفْصَلُ بِهِ الْأَقْضِيَةُ مِنْ الْحِجَاجِ، وَأَحْكَامِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَدَمِ الِاسْتِغْنَاءِ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
وَسَمَّيْتُهُ: (مُعِينَ الْحُكَّامِ، فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ الْأَحْكَامِ) وَرَتَّبْته عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَا الْعِلْمِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا تُفْصَلُ بِهِ الْأَقْضِيَةُ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابٍ
الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي فَضْلِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهَا بِالْعَدْلِ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَمَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَحْرُمُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِيمَا يُسْتَفَادُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ، وَذِكْرِ مَرَاتِبِ الْوِلَايَاتِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَاتُ وَتَعْلِيقِ الْقَضَاءِ بِالشَّرْطِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي أَرْكَانِ الْقَضَاءِ، وَهِيَ سِتَّةٌ: الْقَاضِي، وَالْمَقْضِيُّ بِهِ، وَالْمَقْضِيُّ لَهُ، وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ.
الْأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَمَا يُوجِبُ الْعَزْلَ وَمَا هُوَ شَرْطُ كَمَالٍ.
الثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْكَنِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ.
الرَّابِعُ: فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ.
الْخَامِسُ: فِيمَا يَبْتَدِئُ بِالنَّظَرِ فِيهِ.
السَّادِسُ: فِي سِيرَتِهِ مَعَ الْخُصُومِ.
السَّابِعُ: فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي.
الثَّامِنُ: فِي التَّحْكِيمِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَقْضِيُّ بِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالرِّوَايَاتِ، وَبَيَانُ مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَنَقْضِ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ، وَنَقْضِهِ أَحْكَامَ غَيْرِهِ.
وَبَيَانُ مَا لَا يُفِيدُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي، وَبَيَانُ مَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ، وَحُكْمِ الْكَشْفِ عَنْ الْقُضَاةِ، وَجَمْعِ السُّلْطَانِ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، وَالنَّظَرِ فِي قِيَامِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ يُرِيدُ فَسْخَ الْحُكْمِ عَنْهُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَقْضِيُّ لَهُ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَقْضِيُّ فِيهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْقَاضِي، وَمَا لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ الْمُتَدَاعَى فِيهِ يَكُونُ خَارِجَ الْمِصْرِ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنْوَاعٌ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ الَّذِي يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَحِيلَةُ إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي أَمْوَالِ الْغَائِبِ.
الرُّكْنُ السَّادِسُ:
الجزء 1 · صفحة 5
فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَفِيهِ فُصُولٌ
أَوَّلُهَا: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحُكَّامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَمَا هُوَ مِنْهَا حُكْمٌ وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ.
وَثَانِيهَا: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ تَعَقُّبُهَا، وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَيَجُوزُ تَعَقُّبُهَا.
وَثَالِثُهَا: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا لَا تَضَمُّنًا.
وَرَابِعُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي التَّسْجِيلَاتِ فِي قَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ) ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ) ، وَبَيَانُ الْفُرُوقِ الَّتِي بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَبَيَانُ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمَضْمُونِهِ) ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِالْحُكْمِ بِثُبُوتِهِ) ، وَقَوْلِ الْحَاكِمِ (ثَبَتَ عِنْدِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِكَذَا وَكَذَا أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي الْإِقْرَارُ) ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ) ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) ، وَقَوْلِهِمْ (يُسَجَّلُ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِهِ) ، وَبَيَانُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ هَذِهِ التَّسْجِيلَاتِ.
وَخَامِسُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ.
وَسَادِسُهَا: فِي تَنْفِيذِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَتَنْفِيذِ حُكْمِ غَيْرِهِ وَمَا يَمْتَنِعُ تَنْفِيذُهُ.
وَسَابِعُهَا: مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَبَيَانُ انْقِسَامِ الْحُكْمِ إلَى كَوْنِهِ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَتَارَةً لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
وَثَامِنُهَا: ذِكْرُ تَنْبِيهَاتٍ فِي التَّسْجِيلِ وَمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّسْجِيلِ بِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْجَالِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى وَأَقْسَامِهَا، وَفِيهِ فُصُولٌ.
الْأَوَّلُ: فِي الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطِهَا، وَكَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى إلَى سَبْعَةٍ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ، وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ عَلَى الدَّعْوَى.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى وَأَقْسَامِهِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: فِي ذِكْرِ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا، وَفِيمَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَنْ لَا تَتَوَجَّهُ، وَمَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ: فِي ذِكْرِ الْبَيِّنَاتِ، وَفِيهِ فُصُولٌ.
الْأَوَّلُ: فِي تَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الْبَيِّنَةِ وَمَوْضِعِهَا شَرْعًا.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَحِكْمَتِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْتَبِهُوا لَهُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَمَا يَحْتَرِزُونَ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكَاتِبِ الْوَثَائِقِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهُ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَهُ، وَفِي الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَمَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ وَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْ الْأَلْفَاظِ.
وَبِتَمَامِ هَذِهِ الْفُصُولِ انْتَهَى الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ وَهُوَ قِسْمُ الْمُقَدِّمَاتِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْبَيِّنَاتِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا تُفْصَلُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَهِيَ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ بَابًا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ التَّامَّةِ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ وَيُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الْبَابُ السَّادِسُ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ رَجُلٍ بِانْفِرَادِهِ.
الْبَابُ السَّابِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا.
الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَبَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ دَعْوَةِ الْحَاكِمِ وَمَا لَا تَجِبُ
الجزء 1 · صفحة 6
فِيهِ الْإِجَابَةُ.
الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى ذِي الْيَدِ إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ، وَفِي تَارِيخِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ.
الْبَابُ الْعَاشِرُ: فِي الْقَضَاءِ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ.
الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ.
الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقِّ.
الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ.
فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ.
الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ.
الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ.
الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ.
الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ.
الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ.
الْبَابُ الْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ.
الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالنَّاقِصَةِ الَّتِي يُتِمُّهَا غَيْرُهُمْ.
الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ لِلضَّرُورَةِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ.
الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.
الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
الْبَابُ الثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالتَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى، وَفِي دَعْوَى الدَّفْعِ وَالتَّنَاقُضِ فِي النَّسَبِ.
الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ.
الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِقِيَامِ بَعْضِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْ الْبَعْضِ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمَا تُسْمَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِلَا دَعْوَى.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْعَقَارِ وَدَعْوَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّسَبِ وَالتَّعْرِيفِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ.
الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ الشُّيُوعِ وَمَسَائِلِهِ.
الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى الْوَقْفِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ فِيمَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ ثُمَّ ادَّعَاهُ أَوْ شَهِدَ بِهِ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ، وَبَيَانِ تَنَاقُضِ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ وَغَلَطِهِ وَرُجُوعِهِ.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْغَرُورِ.
الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ.
الْبَابُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَدَعْوَى الْجِهَازِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ الْخُلْعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ وَأَحْكَامِهَا فِي النِّكَاحِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْخِيَارَاتِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ فِيمَا يَبْطُلُ مِنْ الْعُقُودِ بِالشَّرْطِ وَمَا لَا يَبْطُلُ، وَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَإِضَافَتُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ.
الْبَابُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِأَنْوَاعِ الضَّمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا، وَتَضْمِينِ الْأَمِينِ وَبَرَاءَةِ الضَّمِينِ.
الْبَابُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ السُّكُوتِ.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمَا يُمْنَعُ عَنْهُ وَفِيمَا لَا يُمْنَعُ، وَفِيمَا يَحِلُّ فِعْلُهُ وَفِيمَا لَا يَحِلُّ.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
الْبَابُ الْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِكَلِمَاتِ الْكُفْرِ.
الْبَابُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ وَحُكْمِ الْفِرَاسَةِ، وَالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفَ الْأُمَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 7
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ]
حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ. فَحَقِيقَةُ الْقَضَاءِ: الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ " قَضَى الْقَاضِي " أَيْ: أَلْزَمَ الْحَقَّ أَهْلَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] أَيْ أَلْزَمْنَاهُ وَحَكَمْنَا بِهِ عَلَيْهِ وقَوْله تَعَالَى {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] أَيْ أَلْزِمْ بِمَا شِئْت وَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك.
وَفِي الْمَدْخَلِ: الْقَضَاءُ: مَعْنَاهُ الدُّخُولُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ فِيهِمْ أَوَامِرَهُ وَأَحْكَامَهُ بِوَاسِطَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: حَقِيقَةُ الْحُكْمِ إنْشَاءُ إلْزَامٍ أَوْ إطْلَاقٍ. فَالْإِلْزَامُ: كَمَا إذَا حَكَمَ بِلُزُومِ الصَّدَاقِ أَوْ النَّفَقَةِ أَوْ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْحُكْمُ بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ. وَأَمَّا إلْزَامُ الْحِسِّ مِنْ التَّرْسِيمِ وَالْحَبْسِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ أَيْضًا بِعَدَمِ الْإِلْزَامِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا حُكِمَ بِهِ هُوَ عَدَمُ الْإِلْزَامِ وَأَنَّ الْوَاقِعَةَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُ الْحَجْرِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِطْلَاقِ: فَكَمَا إذَا رُفِعَتْ لِلْحَاكِمِ أَرْضٌ زَالَ الْإِحْيَاءُ عَنْهَا فَحَكَمَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا حُكِمَ بِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ طَلْقٌ لَيْسَتْ وَقْفًا عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ يَرَى الطَّلْقَ دُونَ الْوَقْفِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ وَالنَّحْلُ وَالْحَمَامُ الْبَرِّيُّ إذَا حِيزَ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْحَائِزِ صَارَ مِلْكًا لِلْحَائِزِ الثَّانِي. فَهَذِهِ الصُّورَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا كُلُّهَا إطْلَاقَاتٌ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهَا إلْزَامُ الْمِلْكِ عُدِمَ الِاخْتِصَاصُ، لَكِنْ هَذَا بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ لَا فِي اللُّزُومِ، كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ وَتَحْرِيمُهُ. فَالْكَلَامُ فِي الْحَقَائِقِ إنَّمَا يَقَعُ فِيهَا هُوَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى لَا فِيمَا بَعْدَهَا. قَالَ غَيْرُهُ: وَالْحُكْمُ فِيمَا دُونَهُ بِمَعْنَى الْمَنْعِ، وَمِنْهُ حَكَمْتُ السَّفِيهَ: إذَا أَخَذْت عَلَى يَدِهِ وَمَنَعْته مِنْ التَّصَرُّفِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَاكِمُ حَاكِمًا لِمَنْعِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ حَكَمَ الْحَاكِمُ: أَيْ وَضَعَ الْحَقَّ فِي أَهْلِهِ وَمَنَعَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهِ. وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْحَكَمَةُ الَّتِي فِي لِجَامِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهَا تَرُدُّ الْفَرَسَ عَنْ الْمَعَاطِبِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَكَمَ وَأَحْكَمَ بِمَعْنَى مَنَعَ. وَالْحُكْمُ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ أَيْضًا، فَحَقِيقَتُهُمَا مُتَقَارِبَةٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ: فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا حِكْمَتُهُ: فَرَفْعُ التَّهَارُجِ وَرَدُّ النَّوَائِبِ وَقَمْعُ الظَّالِمِ وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ وَقَطْعُ الْخُصُومَاتِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ]
فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ وَبَيَانِ مَحِلِّ التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِيهِ.
اعْلَمْ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بَالَغُوا فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الدُّخُولِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَشَدَّدُوا فِي كَرَاهِيَةِ السَّعْيِ فِيهَا وَرَغَّبُوا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالنُّفُورِ وَالْهَرَبِ مِنْهَا، حَتَّى تَقَرَّرَ فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَرَغِبَ عَمَّا هُوَ الْأَفْضَلُ وَسَاءَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ.
وَالْوَاجِبُ تَعْظِيمُ هَذَا الْمَنْصِبِ
الجزء 1 · صفحة 8
وَمَعْرِفَةُ مَكَانَتِهِ مِنْ الدِّينِ، فَبِهِ بُعِثَ الرُّسُلُ، وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا.
فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» .
وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ.» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ» الْحَدِيثُ، فَبَدَأَ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَكَذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الْوَعِيدُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» فَقَدْ أَوْرَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَعْرِضِ التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهُ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إذْ جَعَلَهُ ذَبِيحَ الْحَقِّ امْتِحَانًا لِتَعْظُمَ لَهُ الْمَثُوبَةُ امْتِنَانًا.
فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهِمْ فَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ إلَى أَمْرِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ " وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ جُعِلَ ذَبِيحَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَبَلَغَ بِهِ حَالَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ الْجَنَّةُ.
وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْقَضَاءَ فَنِعْمَ الذَّابِحُ وَنِعْمَ الْمَذْبُوحُونَ.
فَالتَّحْذِيرُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الظُّلْمِ لَا عَنْ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ عَمِلَ بِالْحَقِّ فِي قَضَائِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَلِمَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَدِّيًا فَذَلِكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ» فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجَائِرِ وَالْجَاهِلِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَأَثْنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِإِصَابَتِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] فَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي خُطَّةِ الْقَضَاءِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، إذْ التَّخَلُّصُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَسِيرٌ وَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الجزء 1 · صفحة 9
«مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ " فَقَدْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ " وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: مَثَلُ الْقَاضِي الْعَالِمِ كَالسَّابِحِ فِي الْبَحْرِ، فَكَمْ عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَشِعَارُ الْمُتَّقِينَ " الْبُعْدُ عَنْ هَذَا وَالْهَرَبُ مِنْهُ " وَقَدْ رَكِبَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاقَّ فِي التَّبَاعُدِ عَنْ هَذَا وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى.
وَانْظُرْ إلَى قَضِيَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَصَبْرِهِ عَلَى الْإِيذَاءِ حَتَّى تَخَلَّصَ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَقَدْ هَرَبَ أَبُو قِلَابَةَ إلَى مِصْرَ لَمَّا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَلَقِيَهُ أَيُّوبُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ ثَبَتّ لَنِلْت أَجْرًا عَظِيمًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو قِلَابَةَ: الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ إلَى مَتَى يَسْبَحُ.
وَكَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ هَذَا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْعُلَمَاءُ، فَهَرَبُ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُهُ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ طَلَبَ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ» فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا، وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوكَلُ إلَيْهَا» .
وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ: قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا، وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَبِهِ يُفْتِي الْإِمَامُ لَوْ قُلِّدَ بِرِشْوَةٍ أَخَذَهَا هُوَ أَوْ قَوْمٌ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ كَقَضَائِهِ بِرِشْوَةٍ.
وَقَالَ فِي النَّوَازِلِ: مَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ أَوْ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمُحَكَّمٍ، لَوْ رُفِعَ حُكْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ يُمْضِيهِ لَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ، مَنْ أَخَذَ بِرِشْوَةٍ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلَا حَاجَةٍ إلَى نَقْضِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمَنْ تَقَلَّدَهُ بِحَقِّ الْقَاضِي لَوْ ارْتَشَى وَحَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيمَا لَمْ يَرْتَشِ لَا فِيمَا ارْتَشَى.
مِنْ الْمُحِيطِ قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: نَفَذَ فِيهِمَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: بَطَلَ فِيهِمَا وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ.
وَلَوْ ارْتَشَى وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ فَلَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَارْتِشَائِهِ، فَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَلَوْ كَانَ بِلَا عِلْمِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَعَلَى الْمُرْتَشِي رَدُّ مَا قَبَضَ. وَلَوْ ارْتَشَى فَقَضَى، أَوْ قَضَى ثُمَّ ارْتَشَى أَوْ ارْتَشَى ابْنُهُ أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِابْنِهِ.
وَلَوْ ارْتَشَى فَبَعَثَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَوْ إلَى آخَرَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ الثَّانِي إذْ الْأَوَّلُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ لَمَّا ارْتَشَى وَلَوْ كَتَبَ إلَى الثَّانِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَ أَجْرَ الْكِتَابَةِ نَفَذَ حُكْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا جَاءَ كِتَابُ الْخَلِيفَةِ إلَى عَامِلِهِ بِخُرَاسَانَ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ وَسَلْ عَنْ قَاضِيهمْ إنْ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَاعْزِلْهُ فَفَعَلَ فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ فَلَمْ يَعْزِلْهُ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يُعْزَلْ، وَلَمْ يُعْزَلْ.
وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ، فَمَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ فَوَلِّهِ الْقَضَاءَ، فَوَلَّى غَيْرَ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا؛ لِأَنَّهُ وَلَّاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّوْلِيَةِ، مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ شُرَيْحٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: مَنْ يَقْبَلُ الْقَضَاءَ بَغْيًا لَهُ وَأَعْطَى عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ.
قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى هُوَ مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اُسْتُقْضِيَ هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ،
الجزء 1 · صفحة 10
فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِعْطَاءُ الرِّشْوَةِ عَلَى عَزْلِهِ حَرَامٌ وَالْمَعْزُولُ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ قَدْ تَابَ بِرَدِّ الرِّشْوَةِ قَبْلَ عَزْلِهِ.
وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ أَيْضًا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلَفُ أَيْضًا قَدْ تَابَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا لَمْ يَبْطُلْ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ انْتَهَى.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْدُمَ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إلَّا مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ وَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ أَوْ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ عَلَى ذَلِكَ، فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ إجْبَارُهُ إذَا كَانَ صَالِحًا، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرَبَ وَيَمْتَنِعَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، كَذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الِامْتِنَاعُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ لِتَعَيُّنِ الْقِيَامِ بِهَذَا الْفَرْضِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَرَادَ اسْتِصْلَاحَهُمْ وَدُعَاءَهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالسَّعْيِ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ تُذَلُّ لَهُ الرِّقَابُ، وَتَخْضَعُ لَهُ الْجَبَابِرَةُ وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ بَابِهِ، فَلِهَذَا طَلَبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ دُونَ الْإِمَارَةِ وَالْوَزَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ.
لَا يُقَالُ: إنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَخِيهِ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَهُ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا وَأَكْمَلُ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ حَاصِلًا فَعَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ، أَعْنِي: أَنَّ إخْوَتَهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ وَطَلَبِ الْقُوتِ مِنْ عِنْدِهِ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ".
[فَصْلٌ طَلَبُ الْقَضَاءِ]
(فَصْلٌ) :
وَطَلَبُ الْقَضَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ، وَمُبَاحٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَمَكْرُوهٌ، وَحَرَامٌ.
فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ قَاضٍ أَوْ يَكُونُ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ، أَوْ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ غَيْرُهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ إنْ لَمْ يَلِ الْقَضَاءَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِيَدِ مَنْ لَا يَحِلُّ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى عَزْلِهِ إلَّا بِتَصَدِّي هَذَا إلَى الْوِلَايَةِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّصَدِّي لِذَلِكَ وَالسَّعْيُ فِيهِ إذَا قَصَدَ بِطَلَبِهِ حِفْظَ الْحُقُوقِ وَجَرَيَانَ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ فِي تَحْصِيلِهِ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ، فَيَجُوزُ لَهُ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ لِيَسُدَّ خَلَّتَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا كَانَ هُنَاكَ عَالِمٌ خَفِيَ عِلْمُهُ عَنْ النَّاسِ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُشْهِرَهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ وَيُفْتِيَ الْمُسْتَرْشِدَ، أَوْ كَانَ هُوَ خَامِلُ الذِّكْرِ لَا يَعْرِفُهُ الْإِمَامُ وَلَا النَّاسُ فَأَرَادَ السَّعْيَ فِي الْقَضَاءِ لِيُعْرَفَ مَوْضِعُ عِلْمِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ وَالدُّخُولُ فِيهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ بِهِ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ تَوَلَّاهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ وَلَكِنْ مُقَصِّرٌ عَنْ هَذَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْرُمُ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] وَيُكْرَهُ أَيْضًا إنْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَانَ مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ وَعِلْمَهُ بِالْقَضَاءِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ، أَوْ يَسْعَى فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالْوِلَايَةِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ أَوْ قَبُولَ الرِّشْوَةِ مِنْ الْخُصُومِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ، فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْقَضَاءُ.
الجزء 1 · صفحة 11
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ]
وَمَا يُسْتَفَادُ بِهَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ، وَمَا لَيْسَ لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِيهِ، وَمَرَاتِبِ الْوِلَايَةِ الَّتِي تُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا أَمَّا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالذَّخِيرَةِ: هَذِهِ الْوِلَايَةُ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْحُكْمِ لَا يَنْدَرِجُ فِيهَا غَيْرُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَيْسَ لِلْقَاضِي السِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّنْفِيذِ كَالْحَاكِمِ الضَّعِيفِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ، فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَظِيمِ وَلَا يَخْطُرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، بَلْ الْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ: فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا، فَقَدْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ التَّنْفِيذُ، وَقَدْ لَا يَنْدَرِجُ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَتَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَتَرْتِيبُ الْجُيُوشِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَتَوْزِيعُ الْإِقْطَاعَاتِ وَإِقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ إمَامِ الْوَقْتِ الْحَاضِرِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَنْقُولُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحُدُودِ إذْ هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ لِلْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَرْبَعٌ إلَى الْوُلَاةِ: الْفَيْءُ، وَالْجُمُعَةُ، وَالْحُدُودُ، وَالصَّدَقَاتُ. نَعَمْ الْقَتْلُ لَا يَكُونُ لِكُلِّ الْقُضَاةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ لَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ وَلَا لِكُلِّ وَالٍ لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّهَارُجِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَهَى الْوُلَاةَ عَنْ الْقَتْلِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ أَحْكَامٌ مِنْ فِسْقِ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ التَّحَوُّطُ لَهَا بِقَصْرِهَا عَلَى بَعْضِ الْوُلَاةِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السِّيَاسَةَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدْخَلٌ: فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ خُطَّةَ الْقَضَاءِ أَعْظَمُ الْخُطَطِ قَدْرًا، وَإِنَّ إلَيْهِ الْمَرْجِعَ فِي الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ، وَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي مَدَارَ الْأَحْكَامِ وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالتَّدْمِيَاتِ، وَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبَاشِرُ كُلَّ الْأُمُورِ إلَّا أُمُورًا خَاصَّةً وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا وَمَا يَسْتَفِيدُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَفِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ قَاصِرًا عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي كُلِّ قُطْرٍ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاقْتَضَاهُ الْعُرْفُ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
[فَصْلٌ نُوَّابُ الْقُضَاةِ]
(فَصْلٌ) :
أَمَّا نُوَّابُ الْقُضَاةِ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ مُطْلَقًا فَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هُمْ مُسَاوُونَ لِلْقُضَاةِ الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلَا فَرْقٍ إلَّا كَثْرَةَ الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَثْرَةِ الْأَقْطَارِ وَقِلَّتِهَا، وَإِنَّ الْأَصْلَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ الْفَرْعَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهَذَا فَرْقٌ لَا يَزِيدُ فِي مَعْنَى الْوِلَايَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إنْ كَانَ فِي النَّائِبِ الْمُسْتَخْلَفِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَالْمَنْقُولُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَخْلَفَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَلِلْمُسْتَخْلَفِ التَّسْجِيلُ، وَإِلَّا فَيَرْفَعُ إلَى الْقَاضِي مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ، إذْ لِلْقَاضِي أَنْ يُبِيحَ لِمَنْ قَدَّمَهُ النَّظَرَ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْغِيَابِ وَالتَّسْجِيلِ فِي سَائِرِ الْحُكُومَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَحْجُرَ
الجزء 1 · صفحة 12
عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ذَلِكَ الْعَالِمِ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لِنَائِبِهِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَلَّدَهُ عَنْ الْإِمَامِ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ: فَهِيَ تَقْصُرُ عَنْ الْقَضَاءِ فِي إنْشَاءِ كُلِّ الْأَحْكَامِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الرَّوَاشِنِ الْخَارِجَةِ بَيْنَ الدُّورِ وَبِنَاءِ الْمَصَاطِبِ فِي الطُّرُقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحِسْبَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إنْشَاءُ الْأَحْكَامِ وَلَا تَنْفِيذُهَا فِي عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَلَا لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي عُيُوبِ الدُّورِ وَشَبَهِهَا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَنْشُورِهِ وَيَزِيدُ الْمُحْتَسِبُ عَلَى الْقَاضِي بِكَوْنِهِ يَتَعَرَّضُ لِلتَّفَحُّصِ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ وَإِنْ لَمْ تُنْهَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا الْقَاضِي فَلَا يَحْكُمُ إلَّا فِيمَا رُفِعَ إلَيْهِ، وَمَوْضِعُ الْحِسْبَةِ الرَّهْبَةُ، وَمَوْضِعُ الْقَضَاءِ النَّصَفَةُ.
[فَصْلٌ الْوِلَايَةُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْقَضَاءِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْقَضَاءِ كَمُتَوَلِّي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فِي الْأَنْكِحَةِ فَقَطْ، وَالْمُتَوَلِّي النَّظَرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَيْتَامِ فَقَطْ، فَيُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّقْضُ وَالْإِبْرَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَذِهِ الْوِلَايَةُ شُعْبَةٌ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِ، وَلَا يَنْفُذُ لَهُ حُكْمٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ: فَهِيَ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ الْقَضَاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ السُّعَاةِ وَجُبَاةِ الصَّدَقَةِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ السُّعَاةِ وَجُبَاةِ الصَّدَقَةِ: فَلَهُمْ إنْشَاءُ الْحُكْمِ فِي الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ خَاصَّةً، فَإِنْ حَكَمُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْخَرْصِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْخَرْصِ: فَلَيْسَ لِمُتَوَلِّيهَا إنْشَاءُ حُكْمٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَرْزُ مَقَادِيرِ الثِّمَارِ وَكَمْ يَكُونُ مِقْدَارُهَا إذَا يَبِسَتْ، وَفِعْلُهُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ هَلْ يَرْجِعُ إلَى مَا تَبَيَّنَ أَوْ هُوَ حُكْمٌ مَضَى، وَهَذَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْحَكَمَيْنِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحَكَمَيْنِ: فَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ الْقَضَاءِ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُمَا فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِمَا مِنْ أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَحِلِّهِ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُحَكَّمِينَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الْمُحَكَّمِينَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: فَهِيَ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ يَنْفُذُ حُكْمُهُمَا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَزَاءِ فَقَطْ.
[فَصْلٌ الْوِلَايَةُ عَلَى صَرْفِ النَّفَقَاتِ وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ لِمُسْتَحِقِّيهَا]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ عَلَى صَرْفِ النَّفَقَاتِ وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ لِمُسْتَحِقِّيهَا وَإِيصَالِ الزَّكَاةِ لِأَصْنَافِهَا وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَإِيصَالِ مَالِ الْغَنَائِمِ إلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَنْفِيذٌ فَقَطْ فَأَهْلُوهَا كَالْقُضَاةِ فِي التَّنْفِيذِ لَا فِي الْإِنْشَاءِ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُقِيمُهُ الْقَاضِي]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُقِيمُهُ الْقَاضِي وَالْكَاتِبِ وَالتُّرْجُمَانِ وَالْمُقَدَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنْشِئُوا حُكْمًا وَلَا يُنَفِّذُوا شَيْئًا.
[فَصْلٌ الْوِلَايَةُ الَّتِي يَنْدَرِجُ الْقَضَاءُ فِي ضِمْنِهَا]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الَّتِي يَنْدَرِجُ الْقَضَاءُ فِي ضِمْنِهَا فَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى، وَأَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَكَذَلِكَ أَهْلِيَّةُ السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي تَنَاوُلِ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْوَزَارَةُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ التَّفْوِيضُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لِلْوَزِيرِ، وَيَخْتَصُّ الْإِمَامُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لَا يَعْقِدُ الْوَزِيرُ وِلَايَةَ الْعَهْدِ وَيَعْقِدُهَا الْإِمَامُ لِمَنْ يُرِيدُ، فَيَكُونُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا يَسْتَعْفِي مِنْ الْوِلَايَةِ وَلِلْإِمَامِ الِاسْتِعْفَاءُ مِنْ الْإِمَامَةِ.
وَلَا يَعْزِلُ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ،
الجزء 1 · صفحة 13
وَيُسَمَّى هَذَا الْوَزِيرُ وَزِيرَ تَفْوِيضٍ، وَهَذَا مَعَ وُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ.
وَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ وَوَزِيرُ الِاسْتِشَارَةِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الْحُكْمِ، وَوَزِيرُ التَّنْفِيذِ هُوَ الَّذِي إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: كَالْمُلُوكِ مَعَ الْخُلَفَاءِ فِي الْإِمَارَاتِ عَلَى بَعْضِ الْأَقَالِيمِ فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي إفَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْقُضَاةِ إذَا صَادَفَتْ الْوِلَايَةُ أَهْلَهَا وَمَحِلَّهَا مِنْ الْعِلْمِ، وَتَشْمَلُ أَهْلِيَّةَ السِّيَاسَةِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ وَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مُؤَمَّرًا لَكِنَّهُ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْإِمْرَةِ، وَإِنْ فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَضَى حُكْمُهُ وَحُكْمُ مُقَدِّمِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةُ الْخَاصَّةُ عَلَى تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ دُونَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وِلَايَةُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ، وَلَهُ مِنْ النَّظَرِ مَا لِلْقُضَاةِ، وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُمْ مَجَالًا يَزِيدُ بِشَرْطِ الْعِلْمِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ]
وَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَمَامِ الْوِلَايَةِ، وَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَمَامِ الْوِلَايَةِ، وَمَا تَفْسُدُ الْوِلَايَةُ بِاشْتِرَاطِهِ، اعْلَمْ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ، وَهِيَ: وَلَّيْتُك، وَقَلَّدْتُك، وَاسْتَخْلَفْتُك، وَاسْتَنَبْتُكَ.
وَالْكِنَايَةُ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ، وَهِيَ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْك، وَعَوَّلْت عَلَيْك، وَرَدَدْت إلَيْك، وَجَعَلْت إلَيْك، وَفَوَّضْت إلَيْك، وَوَكَّلْت إلَيْك، وَاسْتَنَدْت إلَيْك وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَعَهِدْت إلَيْك.
وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي عَنْهَا الِاحْتِمَالَ مِثْلُ: اُحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْت عَلَيْك فِيهِ، وَشِبْهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ السُّلْطَانُ لَوْ قَلَّدَ رَجُلًا قَضَاءً فَرَدَّهُ]
(فَصْلٌ) :
السُّلْطَانُ لَوْ قَلَّدَ رَجُلًا قَضَاءً فَرَدَّهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ بَعْدَهُ؟ إنْ قَلَّدَهُ مُشَافَهَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْدَ رَدِّهِ، وَلَوْ قَلَّدَهُ مُغَايَبَةً فَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ مَنْشُورَهُ أَوْ رَسُولَهُ فَرَدَّهُ فَلَهُ قَبُولُهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ السُّلْطَانُ بِرَدِّهِ كَوَكِيلٍ أَوْ مُوصًى لَهُ بِرِسَالَةٍ، فَلَوْ رَدَّا فَلَهُمَا قَبُولُهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُوَكِّلُ وَالْمُوصِي. الْقَاضِي قَالَ: عَزَلْت نَفْسِي أَوْ أَخْرَجْت نَفْسِي عَنْ الْقَضَاءِ أَوْ كَتَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ يَنْعَزِلُ إذَا عَلِمَ لَا قَبْلَهُ كَوَكِيلٍ وَقِيلَ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ.
[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ]
(فَصْلٌ) :
وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ، وَكَذَا يَجُوزُ إضَافَتُهُمَا إلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَذَا يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْقَضَاءِ بِزَمَانٍ بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ قَاضِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ هَذَا الشَّهْرَ أَوْ هَذَا الْيَوْمَ، وَيَصِيرُ قَاضِيًا بِقَدْرِهِ، وَكَذَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِمَكَانٍ، حَتَّى لَوْ قَيَّدَ الْقَاضِي إنَابَةَ نَائِبِهِ بِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ يَتَقَيَّدُ بِهِ، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ سَمَاعِ بَعْضِ الْخُصُومَاتِ أَوْ سَمَاعِ خُصُومَةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصِيرُ قَاضِيًا فِي الْمُسْتَثْنَى.
وَلَوْ قَالَ: لَا تَسْمَعْ خُصُومَةَ فُلَانٍ حَتَّى أَرْجِعَ مِنْ سَفَرِي، لَمْ يَجُزْ لَهُ سَمَاعُهُ حَتَّى يَرْجِعَ، مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي أَرْكَانِ الْقَضَاءِ]
[الْفَصْل الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي]
وَهِيَ سِتَّةٌ: الْقَاضِي، وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَآدَابِ الْقَاضِي وَاسْتِخْلَافِهِ، وَذِكْرِ التَّحْكِيمِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ:
الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي وَمَا هُوَ غَيْرُ شَرْطٍ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ أَحَدٍ اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُحَابِي، وَلَا يَقْصِدُ بِالتَّوْلِيَةِ إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَمِيرٍ أَمَّرَ أَمِيرًا أَوْ اسْتَقْضَى قَاضِيًا مُحَابَاةً إلَّا
الجزء 1 · صفحة 14
كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ، وَإِنْ أَمَّرَهُ أَوْ اسْتَقْضَاهُ نَصِيحَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ شَرِيكَهُ فِيمَا عَمِلَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا عَمِلَ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَلْيَخْتَرْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَهْلُ الْقَضَاءِ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ «بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ» الْحَدِيثُ.
وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26] وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ مَمْدُودَةٌ وَالنُّصُوصَ مَعْدُودَةٌ، فَلَا يَجِدُ الْقَاضِي فِي كُلِّ حَادِثَةٍ نَصًّا يَفْصِلُ بِهِ الْخُصُومَةَ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالِاجْتِهَادِ، وَالْعَدَالَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْأَهْلِيَّةِ، بَلْ هِيَ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى إنَّ الْفَاسِقَ يُصْبِحُ قَاضِيًا، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَدْلًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَصِحُّ قَاضِيًا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْخَصَّافِ حَتَّى إنَّ الْفَاسِقَ لَوْ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ يَصِيرُ قَاضِيًا، وَلَوْ قَضَى يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَحَ شَاهِدًا عِنْدَنَا يَصْلُحُ قَاضِيًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يُبْتَنَى عَلَى الشَّهَادَةِ، مِنْ الْمُحِيطِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَجُمْهُورُ الْمُقَلِّدِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا تَجِدُ عِنْدَهُمْ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَبِيرَ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا مُصْحَفُهُمْ مَذْهَبُ إمَامِهِمْ.
وَقَدْ أَطَالَ النَّاسُ الْكَلَامَ فِي صِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ عَنْ مَشُورَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرِعًا ذَكِيًّا فَطِنًا، مُتَأَنِّيًا غَيْرَ عَجُولٍ، نَزِهًا عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، عَاقِلًا مَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ، مَوْثُوقًا بِاحْتِيَاطِهِ فِي نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي دِينِهِ وَفِيمَا جَمُلَ مِنْ أَمْرِهِ وَمَنْ وَلِيَ النَّظَرَ لَهُمْ، غَيْرَ مَخْدُوعٍ، وَقُورًا مَهِيبًا، عَبُوسًا مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ، مُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَاكِمًا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ، لَا يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ، أَوْ صَاحِبَ فِقْهٍ لَا حَدِيثَ عِنْدَهُ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْآثَارِ، وَتَوَجُّهِ الْفِقْهِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ رَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَخْوَفَ فِي نَفْسِهِ مِنْ النَّاسِ وَهَبَهُ اللَّهُ السَّلَامَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا كَثِيرَ التَّحَرُّزِ مِنْ الْحِيَلِ، وَمَا يَتِمُّ مِثْلُهُ عَلَى الْعَقْلِ النَّاقِصِ أَوْ الْمُتَهَاوِنِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالشُّرُوطِ عَارِفًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتِلَافِ مَعَانِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْعِبَارَاتِ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ كِتَابَ الشُّرُوطِ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُقُوقَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَالشَّهَادَةُ تُسْمَعُ بِمَا فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ أَوْ لَا يَصِحُّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِلْمٌ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَبِمَحِلِّهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِطْنَةِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَتَعْطِيلِ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْأَيْمَانِ، وَقَدْ فَسَدَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ وَاسْتَحَالَ الْحَالُ.
[فَصْل: فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ]
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ، وَالْآدَابِ الَّتِي لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا.
وَمَا جَرَى عَمَلُ الْحُكَّامِ بِالْأَخْذِ بِهِ. وَنَبْدَأُ بِرِسَالَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَعْرُوفَةِ بِرِسَالَةِ الْقَضَاءِ وَمَعَانِي الْأَحْكَامِ، وَعَلَيْهَا احْتِذَاءُ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَصَدَّرُوا بِهَا كُتُبَهُمْ، وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ أَصْلٌ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ فُصُولِ الْقَضَاءِ، وَهِيَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: سَلَامٌ عَلَيْك، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إذَا
الجزء 1 · صفحة 15
أُدْلِيَ إلَيْك وَأَنْفِذْ إذَا تَبَيَّنَ لَك، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ. سَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَمَجْلِسِك وَعَدْلِك، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك، وَلَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ فِي حَيْفِك، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، لَا يَمْنَعُك قَضَاءٌ قَضَيْته بِالْأَمْسِ ثُمَّ رَاجَعْت فِيهِ نَفْسَك وَهُدِيت فِيهِ رُشْدَك أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَمُرَاجَعَتَهُ خَيْرٌ مِنْ الْبَاطِلِ وَالتَّمَادِي فِيهِ، وَالْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِك مِمَّا لَا يَبْلُغُك فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اعْرَفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْكَالَ وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إلَى أَحَبِّهَا إلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى، اجْعَلْ لِلْمُدَّعِي حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَجَلًا يَنْتَهِي إلَيْهِ فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْت بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَّهْت عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى وَأَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ طَعِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السَّرَائِرَ وَرَدَّ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ، وَإِيَّاكَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ عِنْدَ الْخُصُومَاتِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ الَّتِي يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا الْأَجْرَ وَيُحْسِنُ بِهَا الذُّخْرَ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ يَكْفِيهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ شَانَهُ اللَّهُ، فَمَا ظَنُّك بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، وَالسَّلَامُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَلْزَمُ الْقَاضِي فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ " وَاعْلَمْ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ أَنْ يُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى آدَابِ الشَّرْعِ وَحِفْظِ الْمُرُوءَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَيَتَوَقَّى مَا يَشِينُهُ فِي دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَعَقْلِهِ، أَوْ يَحُطُّهُ فِي مَنْصِبِهِ وَهِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ لَأَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ وَيُقْتَدَى بِهِ، وَلَيْسَ يَسَعُهُ فِي ذَلِكَ مَا يَسَعُ غَيْرَهُ، فَالْعُيُونُ إلَيْهِ مَصْرُوفَةٌ، وَنُفُوسُ الْخَاصَّةِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ بَعْدَ الْحُصُولِ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ سَوَاءً وَصَلَ إلَيْهِ بِرَغْبَتِهِ فِيهِ وَطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، أَوْ اُمْتُحِنَ بِهِ وَعُرِضَ عَلَيْهِ، أَنْ يَزْهَدَ فِي طَلَبِ الْحَظِّ الْأَخْلَصِ وَالسَّنَنِ الْأَصْلَحِ، فَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْقَارِ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَنْصِبَ، أَوْ زُهْدِهِ فِي أَهْلِ عَصْرِهِ وَيَأْسِهِ مِنْ اسْتِصْلَاحِهِمْ وَاسْتِبْعَادِ مَا يَرْجُو مِنْ عِلَاجِ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِهِ أَيْضًا لِمَا يَرَاهُ مِنْ عُمُومِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْخَيْرِ.
فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَسْعَ فِي اسْتِصْلَاحِ أَهْلِ عَصْرِهِ فَقَدْ أَسْلَمَ نَفْسَهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَيَئِسَ مِنْ تَدَارُكِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالرَّحْمَةِ، فَيُلْجِئُهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَمْشِيَ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ أَهْلُ زَمَانِهِ وَلَا يُبَالِي بِأَيِّ شَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ الْحَالِ، وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ مُصِيبَةِ الْقَضَاءِ وَأَدْهَى مِنْ كُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ الْبَلَاءِ، فَلْيَأْخُذْ نَفْسَهُ بِالْمُجَاهِدَةِ وَيَسْعَى فِي اكْتِسَابِ الْخَيْرِ وَيَطْلُبُهُ وَيَسْتَصْلِحُ النَّاسَ بِالرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَيَشُدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ يَجْعَلُ لَهُ فِي وِلَايَتِهِ وَجَمِيعِ أُمُورِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَلَا يَجْعَلُ حَظَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ الْمُبَاهَاةَ بِالرِّيَاسَةِ وَإِنْفَاذَ الْأَوَامِرِ وَالتَّلَذُّذَ بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ فَيَكُونُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20] وَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَكُونَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ ظَاهِرَ الْأُبَّهَةِ وَقُورَ الْمِشْيَةِ وَالْجِلْسَةِ حَسَنَ النُّطْقِ وَالصَّمْتِ مُحْتَرِزًا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْفُضُولِ وَمَا لَا حَاجَةَ بِهِ، كَأَنَّمَا يَعُدُّ حُرُوفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَدًّا، فَإِنَّ كَلَامَهُ مَحْفُوظٌ وَزَلَلَهُ فِي ذَلِكَ مَلْحُوظٌ، وَلْيُقْلِلْ عِنْدَ كَلَامِهِ الْإِشَارَةَ بِيَدِهِ وَالِالْتِفَاتَ بِوَجْهِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْمُتَكَلِّفِينَ وَصُنْعِ غَيْرِ الْمُتَأَدِّبِينَ، وَلْيَكُنْ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا، وَنَظَرُهُ فِرَاسَةً وَتَوَسُّمًا، وَإِطْرَاقُهُ تَفَهُّمًا، وَلْيَلْزَمْ مِنْ السَّمْتِ الْحَسَنِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يَحْفَظُ بِهِ مُرُوءَتَهُ، فَتَمِيلَ الْهِمَمُ إلَيْهِ، وَيَكْبُرَ فِي نُفُوسِ الْخُصُومِ مِنْ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ يُظْهِرُهُ وَلَا إعْجَابٍ يَسْتَشْعِرُهُ، وَكِلَاهُمَا شَيْنٌ فِي الدِّينِ، وَعَيْبٌ فِي أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أُمُورٌ]
(فَصْلٌ) :
وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ أُمُورٌ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إذَا كَانَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛
الجزء 1 · صفحة 16
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِهْدَاءَ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَمِيلَ إلَيْهِ مَتَى وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ، وَإِذَا قَبِلَ الْهَدِيَّةَ مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالُوا: يَرُدُّ عَلَى الْمُهْدِي إنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ يَضَعُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
وَإِنْ كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ مِثْلَ تِلْكَ أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ آكِلًا بِقَضَائِهِ؛ لِأَنَّ سَابِقَةَ الْمُهَادَاةِ دَلَّتْ عَلَى الْإِهْدَاءِ لِلتَّوَدُّدِ وَالتَّحَبُّبِ لَا لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ يَرُدُّ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَادَ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ لِيَمِيلَ إلَيْهِ مَتَى وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، مِنْ الْمُحِيطِ قُلْت: وَالْأَصْوَبُ فِي زَمَانِنَا عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْهَدِيَّةُ تُورِثُ إدْلَالَ الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرُ الْقَاضِي وَدُخُولُ الْفَسَادِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إنَّ الْهَدِيَّةَ تُطْفِئُ نُورَ الْحِكْمَةِ. قَالَ رَبِيعَةُ: " إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ «وَكَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ» وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَّقَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا.
وَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَدِيَّةَ قِيلَ لَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُهَا. فَقَالَ: كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً وَلَنَا رِشْوَةً لِأَنَّهُ كَانَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ لِنُبُوَّتِهِ لَا لِوِلَايَتِهِ، وَنَحْنُ يُتَقَرَّبُ إلَيْنَا لِلْوِلَايَةِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ السُّحْتُ بِالْهَدِيَّةِ وَالْقَتْلُ بِالْمَوْعِظَةِ، يُقْتَلُ الْبَرِيءُ لِيَتَّعِظَ بِهِ الْعَامَّةُ» .
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ: " لَا تُسَارَّ وَلَا تُضَارَّ، وَلَا تَبِعْ وَلَا تَشْتَرِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ " وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ وَلَكِنَّهُ لَا يُطِيلُ مُكْثَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْخُصُومَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ الْآخَرَ يَتَّهِمُهُ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ كَالْعُرْسِ وَالْخِتَانِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ، الْعَشَرَةُ وَمَا دُونَهَا خَاصَّةٌ وَمَا فَوْقَهَا عَامَّةٌ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ مَا اُتُّخِذَتْ لِأَجْلِ الْقَاضِي بَلْ اُتُّخِذَتْ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ وَلَا يَصِيرُ الْقَاضِي آكِلًا بِقَضَائِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ مَاعُونٍ أَوْ دَابَّةٍ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا الَّذِي وَلَّاهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَهُ رَعِيَّةٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ بِطَانَةَ السُّوءِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُضَاةِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ بُلِيَ بِذَلِكَ عَرَفَهُ وَمِنْهَا أَنْ يَخْتَارَ لَهُ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَهُ، وَيَكْتُبُ مَا يَقَعُ فِي مَجْلِسِهِ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَلَا يَجْعَلُ كَاتِبَ الْحُكْمِ صَبِيًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا مُدَبَّرًا وَلَا مُكَاتَبًا وَلَا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَلَا ذِمِّيًّا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي أَوْصَافِهِ أَرْبَعَةً وَهِيَ: الْعَدَالَةُ، وَالْعَقْلُ، وَالرَّأْيُ، وَالْعِفَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ كَاتِبُهُ عَدْلًا فَقِيهًا يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ هُوَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَقْعُدُ حَيْثُ يُرَى مَا يَكْتُبُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ وَالتَّخْلِيطِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخْدَعُ بِالرِّشْوَةِ فَيَزِيدُ أَوْ يُنْقِصُ فِيمَا يَكْتُبُ فَيُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حُقُوقِ النَّاسِ.
وَيَكْتُبُ مَا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا جَرَى قَبْلَ الْقَضَاءِ فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْمُرَاجَعَةِ إلَيْهِ، فَيَكْتُبُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ لِكَيْ لَا يُتَّهَمَ بِتَغْرِيرٍ، وَيَقْرَأُ مَا كَتَبَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ أَخْبَرَاهُ بِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ كَمَا جَرَى وَقَّعَ بِخَطِّهِ أَسْفَلَ الْكِتَابِ شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمًا، وَإِذَا اخْتَصَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُتَرْجِمْ عَنْهُ ثِقَةٌ
الجزء 1 · صفحة 17
مُسْلِمٌ مَأْمُونٌ، وَالِاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ فَكَذَلِكَ الْعَدْلُ، وَرَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْعَدْلِ الْوَاحِدِ يَكْفِي عِنْدَهُمَا.
" مِنْ الْمُحِيطِ ". وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ عَلَى مَا يَنْوِيهِ، وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ فِيهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالْقِسْمَةِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَانُهُ فِي زِيِّ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمَرْءِ بِصَاحِبِهِ وَغُلَامِهِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، فَلَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ لِيَزْجُرُوا مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ.
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُنْكِرُ عَلَى الْقُضَاةِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ وَشَوَّشَ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ قَالَ: لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَعْوَانِ أَصْلًا كَانَ أَحْسَنَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَكُونُ الْعَوِينُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا، لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلِعُ الْخُصُومَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْإِذْنِ، وَقَدْ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النِّسْوَانِ إذَا احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ الْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ وَمَشُورَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا.
(فَصْلٌ) :
وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ وَرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْحُكْمِ فِي أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى الْقَضَايَا الَّتِي يُبْعَثُونَ فِيهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْقُضَاةِ أَخْذُ شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُصْرَفْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَّعَ الْقَاضِي لِلطَّالِبِ طَابَعًا يُرْفَعُ بِهِ الْخَصْمُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيَجْعَلْ الْقَاضِي لَهُمْ شَيْئًا مِنْ رِزْقِهِ إذَا أَمْكَنَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ وَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَى النُّهُوضِ فِي إحْضَارِ الْمَطْلُوبِ وَرَفْعِهِ فَيَتَّفِقُ مَعَ الْعَوِينِ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ لَدَدُ الْمَطْلُوبِ بِالطَّالِبِ، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُ، فَإِنَّ أُجْرَةَ الْعَوِينِ الَّذِي يُحْضِرُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْعَوِينُ وَالْمُدَّعِي عَلَى شَيْءٍ وَأَحْضَرَهُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ " أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَجْلِسِ الَّذِي نَصَّبَهُ الْقَاضِي لِإِجْلَاسِ النَّاسِ وَإِقْعَادِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعِي شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لَهُ بِإِقْعَادِ الشُّهُودِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ الْعَدْلِيَّيْنِ الدَّانِقَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الرَّائِجَةِ فِي زَمَانِنَا، وَلِلْوُكَلَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ مِنْ الْمُدَّعِينَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَا يَأْخُذُوا لِكُلِّ مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ، وَالرَّجَّالَةُ يَأْخُذُونَ أُجُورَهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ وَهُمْ الْمُدَّعُونَ، لَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ فِي الْمِصْرِ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمٍ، وَإِذَا خَرَجُوا إلَى الرَّسَاتِيقِ لَا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ فَرْسَخٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٍ، هَكَذَا وَضَعَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ الْكِبَارُ وَهِيَ أُجُورُ أَمْثَالِهِمْ.
قَالَ فِي شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ لِأَدَبِ الْقَاضِي: الْقَاضِي إذَا بَعَثَ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَلَامَةٍ فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ إلَيْهِ ثَانِيًا وَيَكُونُ مُؤْنَةُ الرَّجَّالَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُدَّعِي شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيُّ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّجَّالَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا امْتَنَعَ فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَائِنُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ مَالَ إلَيْهِ لِلزَّجْرِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْحَالَيْنِ لِحُصُولِ النَّفْعِ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبِيحَ لِلنَّاسِ الرُّكُوبَ مَعَهُ إلَّا فِي حَاجَةٍ أَوْ رَفْعِ مَظْلِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْكَبَ لِيَنْظُرَ إلَى شَيْءٍ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا قَدْ تُشُوجِرَ فِيهِ عِنْدَهُ وَاخْتَلَطَ فِيهِ الْأَمْرُ وَطَالَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ
الجزء 1 · صفحة 18
وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَتِهِ، وَقَدْ يَكْثُرُ هَذَا فِي بَابِ دَعْوَى الضَّرَرِ.
وَقَدْ رَكِبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي أَمْرٍ لِيَنْظُرَ فِيهِ فَذُكِرَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ فِيهِ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَالرِّكَابَ مَعَهُ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَبُرَتْ نَفْسُهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُ سُلْطَانُهُ.
وَيَكْفِي الْقَاضِيَ فِي مَعْرِفَتِهِ قُبْحَ حَالِ الرَّجُلِ أَنْ يَصْحَبَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ، وَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْزَمُونَ ذَلِكَ لِاسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْزِلَةً وَلِهَذَا قَالُوا: مَنْ تَرَدَّدَ إلَى الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَجْلِسُ فِي دِهْلِيزِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَأْكَلَةً لِلنَّاسِ وَحِيلَةً عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبِيحُ مَجْلِسَهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَيَّنَ فِيهِ لِمُجَالَسَتِهِ أَوْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الْمُسْتَأْكِلِينَ، وَإِنَّمَا يُجَالِسُهُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُدُولُ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَرَى أَنَّ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً مِثْلَ أَنْ يَدْعُوَ شَخْصًا مُعَيَّنًا لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ وَالشَّهَادَةِ وَالْكَشْفِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْغِيَ بِأُذُنِهِ لِلنَّاسِ فِي النَّاسِ فَيَفْتَحُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرًّا عَظِيمًا، وَتَفْسُدُ عَقِيدَتُهُ فِي أَهْلِ الْفَضْلِ الْبُرَآءِ مِمَّا قِيلَ فِيهِمْ عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ وَشُهُودِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ فَحَصَ عَنْهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً عَلَى أَمْرِهِ.
[فَصْل فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي وَمَسْكَنِهِ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِهِ وَمَسْكَنِهِ وَذَلِكَ أُمُورٌ
مِنْهَا: أَنْ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ عَنْ الْقَاضِي وَأَسْهَلُ لِلنَّاسِ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَأَجْدَرُ أَنْ لَا يُحْجَبَ عَنْهُ أَحَدٌ وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَالنَّجَاسَةُ فِي اعْتِقَادِهِ لَا عَلَى ظَاهِرِ بَدَنِهِ فَلَا يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالْحَائِضُ مُسْلِمَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْتَرِزُ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَتُخْبِرُ أَنَّهَا حَائِضٌ، فَإِذَا أَخْبَرَتْ الْقَاضِيَ لَا يُكَلِّفُهَا دُخُولَ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ يَخْرُجُ إلَيْهَا أَوْ يَأْتِي إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَيَنْظُرُ فِي خُصُومَتِهَا، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إحْضَارُهَا فِي الْمَسْجِدِ لَكِنْ يَخْرُجُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْإِشَارَةِ إلَيْهَا، فَكَذَا هَذَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ فِي الْخُصُومِ الْغُرَبَاءَ وَأَهْلَ الْبَلْدَةِ، وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ أَشْهَرُ الْمَوَاضِعِ وَلَا يَخْفَى ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي بَيْتِهِ وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَيُجْلِسَ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ وَحْدَهُ تَتَمَكَّنُ فِيهِ تُهْمَةُ الْمِيلِ. وَإِذَا دَخَلَ الْقَاضِي الْمَسْجِدَ هَلْ يُسَلِّمُ عَلَى النَّاسِ؟ قِيلَ إنْ سَلَّمَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ تَرَكَ وَسِعَهُ لِتَبْقَى الْهَيْبَةُ وَتَكْثُرَ الْحِشْمَةُ، وَبِهَذَا جَرَى الرَّسْمُ أَنَّ الْوُلَاةَ وَالْأُمَرَاءَ إذَا دَخَلُوا لَا يُسَلِّمُونَ لِتَبْقَى الْهَيْبَةُ وَتَكْثُرَ الْحِشْمَةُ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْخَصَّافُ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَسَعُهُ التَّرْكُ، وَهَكَذَا الْوَالِي وَالْأَمِيرُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَا يَسَعُهُ تَرْكُ السُّنَّةِ لِلْعَمَلِ فَأَمَّا إذَا جَلَسَ نَاحِيَةً مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْفَصْلِ وَالْحُكْمِ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْخُصُومِ وَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ " اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَسْكَنُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَسْطَ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْقَصْدُ إلَيْهِ.
الجزء 1 · صفحة 19
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى حَالِ تَشْوِيشٍ مِنْ جُوعٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ هَمٍّ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَسْرُعُ مَعَ الْجُوعِ، وَالْفَهْمُ يَنْطَفِئُ مَعَ الشِّبَعِ، وَالْقَلْبُ يَشْتَغِلُ مَعَ الْهَمِّ، فَمَهْمَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجْلِسْ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ عَرَضَ فِي الْمَجْلِسِ انْصَرَفَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرِعَ الْقِيَامَ تَشَاغُلًا بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ مِنْ حَوَائِجِهِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَاشِيًا؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ رَأْيَهُ وَيُخِلُّ فَهْمَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ مُتَرَبِّعًا فِي مَجْلِسِ الْأَحْكَامِ، وَلَا بَأْسَ مُتَّكِئًا؛ لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ يُزِيدُ فِي الْفَهْمِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَتَضَاحَكُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَلْزَمُ الْعُبُوسَ مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ، وَيَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَتَشَاغَلُ بِالْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ اجْتِمَاعَ نَفْسِهِ وَإِذَا وَجَدَ الْفَتْرَةَ فَلْيَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَدْخُلْ بَيْتَهُ أَوْ يَدْفَعْ النَّاسَ عَنْهُ.
مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُكْثِرُ مِنْ الْقَضَاءِ جِدًّا حَتَّى يَأْخُذَهُ النُّعَاسُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُ إذَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ أَحْدَثَ مَا لَا يَصْلُحُ، وَيَجْلِسُ طَرَفَيْ النَّهَارِ مَا اسْتَطَاعَ.
[فَصْل فِي سِيرَة الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَيَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنْ قَدْ فَهِمَ فَإِمَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ وَيَخَافَ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ فَهِمَ لِمَا يَجِدُ مِنْ الْحَيْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَجِدُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَضِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً فَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهَا فِي الْبَاطِنِ وَيَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَقِّ.
وَمِنْهَا: لَا يُفْتِي الْقَاضِي فِي مَسَائِلِ الْخُصُومَاتِ لِأَهْلِ بَلَدِهِ لِئَلَّا يَحْتَرِزَ الْخَصْمُ بِبَاطِلٍ وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَّا بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَشُورَتِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَغْنِيًا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَضَرَّةَ فِي جُلُوسِهِمْ وَيَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِهِمْ وَبِالْحَذَرِ مِنْهُمْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي فَهْمِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَجْلِسُوا إلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ يُشْغِلُهُ عَنْ النَّظَرِ كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَلَكِنْ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاوَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ. وَقَالُوا: قَدْ يُشْكَلُ عَلَى الْقَاضِي كَلَامُ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا مَانِعٌ لَهُ مِنْ التَّصَوُّرِ فَيَأْمُرُهُمَا بِالْإِعَادَةِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُمَا، وَقَدْ يَفْهَمُ عَنْهُمَا وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: " وَإِذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْحُكْمِ بِاتِّفَاقٍ "، ثُمَّ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ أَنْ يُرْشِدَهُمَا لِلصُّلْحِ.
قَالُوا: وَالْأَقْرَبُ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَاضٍ غَيْرَهُ صَرَفَهُمَا إلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُشْكَلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ غَيْرُهُ أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ إنْ كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا الصُّلْحُ.
وَإِذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي وَجْهُ الْحَقِّ أَمَرَهُمْ بِالصُّلْحِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الصُّلْحِ وَلْيَقْطَعْ بِهِ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ أَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
وَقَدْ أَقَامَ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَدْلِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ
الجزء 1 · صفحة 20
رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ: اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي عَلَى سِرِّكُمَا.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِالصُّلْحِ إذَا تَقَارَبَ الْحُجَّتَانِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ تَكُونُ الدَّعْوَى فِي أُمُورٍ دَرَسَتْ وَتَقَادَمَتْ وَتَشَابَهَتْ.
وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ مَوْضِعُ الظَّالِمِ مِنْ الْمَظْلُومِ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ اللَّهِ إلَّا فَصْلُ الْقَضَاءِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُمَزِّقَ كُتُبَهُمْ إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِرَجُلَيْنِ بِقَضَاءَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَقُومَانِ عِنْدَ قَاضٍ غَيْرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَنَّهُ لَهُ.
قَالَ: فَحَائِزُهُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِهِ أَوَّلًا وَفِي قَضِيَّةِ الثَّانِي مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ، فَتُرَدُّ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَحُزْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْأَوَّلُ مِنْ الْآخِرِ، فَأَعْدَلُهُمَا بَيِّنَةً، فَإِنْ تَكَافَأَتَا وَالْقَضِيَّتَانِ مُؤَرَّخَتَانِ فَأُولَاهُمَا أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الثَّانِيَةِ مَا يَنْسَخُهَا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُؤَرَّخَةً دُونَ الْأُخْرَى فَالْمُؤَرَّخَةُ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأُشْكِلَ الْأَمْرُ عَلَى الْحَاكِمِ وَرَأَى أَنْ يَقْطَعَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَيَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فَعَلَ، وَهَذَا إذَا كَانَتَا جَمِيعًا صَوَابًا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا خَطَأً فَلَا إشْكَالَ فِي رَدِّ مَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ خَطَأً.
[فَصْل فِيمَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِيهِ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: " فِيمَا يَبْتَدِئُ بِالنَّظَرِ فِيهِ " وَيَلْزَمُهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ الْكَشْفُ عَنْ الشُّهُودِ وَالْمُوَثَّقِينَ فَيَعْرِفُ حَالَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ مِنْهُمْ وَيَفْحَصُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، فَمَنْ كَانَ عَدْلًا أَثْبَتَهُ، وَمَنْ فِيهِ جُرْحَةٌ أَسْقَطَهُ وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَذِيَّتِهِ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ غَيْرَ الْمَرْضِيِّ يَنْتَصِبُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهَا خَدِيعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَصْمَةٌ فِي شَعَائِرِ الدِّينِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِعَزْلِ هَؤُلَاءِ، وَيُسَجِّلَ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ كِتَابًا مُخَلَّدًا.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَشْفُ عَنْ الْمَحْبُوسِينَ فَيَنْظُرُ فِي أُمُورِهِمْ وَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِمْ فِي الْحَبْسِ، فَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ فَتَكُونُ إقَامَتُهُ فِي الْحَبْسِ ظُلْمًا لَهُ.
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَيَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي عَنْ إذْنِهِ إنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَى كُلِّ يَتِيمٍ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَعَلَى كُلِّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلْيَرْفَعْ أَمْرَهُمَا إلَيْنَا نُوَلِّ عَلَيْهِ وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمَا بَعْدَ النِّدَاءِ فَهُوَ مَرْدُودٌ.
[فَصْل فِي سِيرَةِ الْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي سِيرَتِهِ مَعَ الْخُصُومِ وَيَنْبَغِي لَهُ أُمُورٌ.
مِنْهَا: أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالتَّكَلُّمِ مَعَهُمَا مَا لَمْ يَلِدَّ أَحَدُهُمَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسُوءَ نَظَرُهُ إلَيْهِ تَأْدِيبًا لَهُ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ اللَّدَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَحُضُّهُمَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُحَاكَمَةِ عَلَى التَّوَدُّدِ وَالْوَقَارِ، وَيُسَكِّنُ جَأْشَ الْمُضْطَرِبِ مِنْهُمَا، وَيُؤَمِّنُ رَوْعَ الْخَائِفِ وَالْحَصْرِ فِي الْكَلَامِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَيُقْعِدُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ضَعِيفَيْنِ كَانَا أَوْ قَوِيَّيْنِ، أَوْ ضَعِيفٌ مَعَ قَوِيٍّ، وَلَا يُقَرِّبُ أَحَدَهُمَا إلَيْهِ، وَلَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ دُونَ خَصْمِهِ، وَلَا يَمِيلُ إلَى أَحَدِهِمَا بِالسَّلَامِ فَيَخُصُّهُ بِهِ وَلَا بِالتَّرْحِيبِ، وَلَا يَرْفَعُ مَجْلِسَهُ، وَلَا يَسْأَلُ أَحَدَهُمَا عَنْ حَالِهِ وَلَا عَنْ خَبَرِهِ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمَا فِي مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ، وَلَا يُسَارُّهُمَا جَمِيعًا وَلَا أَحَدَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُمَا عَلَيْهِ وَيُطْمِعُهُمَا فِيهِ، وَمَا جَرَّ إلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ اللَّهِ فَمَمْنُوعٌ.
وَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ
الجزء 1 · صفحة 21
أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ الطَّالِبُ فَلَا يَحْكُمُ لَهُ وَلَا يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَسَاوَيَا فِي الْمَجْلِسِ وَيَرْضَى بِالْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَطْلُوبَ قَالَ الْقَاضِي لِلْمُسْلِمِ: إمَّا أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَإِلَّا نَظَرْت لَهُ وَسَمِعْت مِنْهُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَيْك وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْك، فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ لَهُ.
وَقِيلَ لَا يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجْلِسِ» وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ أَشْيَاخِي تَمْيِيزَ رُتْبَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يُسَاوَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْمَجْلِسِ.
وَذُكِرَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَاصَمَ يَهُودِيًّا عِنْدَ الْقَاضِي شُرَيْحٍ، فَجَلَسَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَجَلَسَ شُرَيْحٌ وَالذِّمِّيُّ دُونَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ مُسَاوَاتِهِمْ فِي الْمَجْلِسِ لَجَلَسْت مَعَهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَرَى أَنْ يَجْلِسَا جَمِيعًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَقَدَّمُهُ الْمُسْلِمُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَلَا فِي خَلْوَتِهِ وَلَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خَاصًّا حَتَّى تَنْقَضِيَ خُصُومَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَجْلِسَ خَارِجًا فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ النَّاسُ مَعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِيهِ إنْ شَاءَ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيِّفَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَخْلُوَ مَعَهُ أَوْ يَقِفَ مَعَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيْهِ سُوءَ الظَّنِّ بِهِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ اللَّدَدُ مِنْ الْخَصْمِ الْغَائِبِ أَوْ لَا يَعْرِفَ وَجْهَ خُصُومَةِ الْمُدَّعِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُلَقِّنُ أَحَدَهُمَا حُجَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَعَانَ أَحَدَهُمَا يُضْعِفُ الْآخَرَ فَيَعْجِزُ عَنْ الْإِدْلَاءِ بِحُجَّتِهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْخُصُومِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَأَنْ يُقَدِّمَ الْمُسَافِرِينَ وَالْمَضْرُورِينَ وَمَنْ لَهُ مُهِمٌّ يَخْشَى فَوَاتَهُ، فَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ وُصُولِهِمْ وَيَدْعُو الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ " اُنْظُرْ التَّجْرِيدَ ".
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الْأَوَّلَ يُقَدَّمُ فِي خِصَامِهِ مَعَ وَاحِدٍ فَقَطْ لَا فِي سَائِرِ مَطَالِبِهِ مَعَ خُصُومِهِ.
قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ سَبَقَ بِخَصْمَيْنِ سَائِرَ الْمُتَخَاصِمِينَ فَفَرَغَ مِنْ طَلَبِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَ الْآخَرَ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَطُولُ وَلَا يَضُرُّ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ خَاصَمَ الْأَوَّلَ وَطَالَ خِصَامُهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِّ الَّذِينَ بَعْدَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَرُبَّمَا كَانَ خِصَامُ الِاثْنَيْنِ كَخِصَامِ وَاحِدٍ تَطُولُ مَعَهُ مُخَاصَمَتُهُ.
وَمِنْهَا: إذَا قَرَّرَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه أَلْزَمَهُ الْجَوَابَ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجَوَابِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ زَجَرَهُ، فَإِذَا أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: " لَهُ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ " زَجَرَهُ عَنْهُ، وَيَضْرِبُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ظَنَّهُ مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ فَيَنْهَاهُ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ الْخَصْمُ لِلشَّاهِدِ " شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ " وَقَصَدَ أَذَاهُ نَكَّلَ بِقَدْرِ حَالِهِمَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَنِيَ أَنَّ الَّذِي شَهِدْت عَلَيَّ بَاطِلٌ لَمْ يُعَاقَبْ يَعْنِي: أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ أَدَّى الدَّيْنَ الْمَشْهُودَ بِهِ عَلَيْهِ مَثَلًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى الْأَدَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ إذَا أَسَاءَ عَلَى الشُّهُودِ وَأَهْلِ الْفَتْوَى أَوْ عَرَضَ لَهُمْ بِمَا يُؤْذِيهِمْ أَدَبًا مُوجِعًا.
وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَ الْخَصْمَيْنِ إذَا جَاءَ الشُّهُودُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِالسُّكُوتِ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَا لِلشُّهُودِ بِتَوْبِيخٍ وَلَا بِعَيْبٍ فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ أَوْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ النَّهْيِ أُدِّبَ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ.
وَمِنْهَا: إذَا نَهَى الْحَاكِمُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَنْ الْكَلَامِ وَلَمْ يَفْعَلْ وَأَتَى بِالْحُجَجِ لِيَخْلِطَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَيُكْثِرَ مُعَارَضَتَهُ فِي كَلَامِهِ، أَمَرَ الْقَاضِي بِأَدَبِهِ.
الجزء 1 · صفحة 22
وَمِنْهَا: أَنْ يَمْنَعَ ذَاتَ الْجَمَالِ وَالْمَنْطِقِ الرَّخِيمِ أَنْ تُبَاشِرَ الْخُصُومَةَ وَيَأْمُرَهَا أَنْ تُوَكِّلَ وَكِيلًا.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةُ: إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى امْرَأَةٍ شَابَّةٍ لَهَا جَمَالٌ وَيَخَافُ عَلَيْهَا إنْ تَكَلَّمَتْ أَنْ يُؤَدِّيَ سَمَاعُ كَلَامِهَا إلَى الشَّغَفِ بِهَا فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِأَنْ تُوَكِّلَ، وَلَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا وَهِيَ بِدَارِهَا تُخَاطِبُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرِهَا مَنْ بَعَثَهُ الْقَاضِي إلَيْهَا مِمَّنْ يُؤْمَنُ فِي دِينِهِ فَعَلَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُجِيبَ الْغَرِيمَ إذَا سَأَلَهُ رَفْعَ غَرِيمِهِ إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ بَعِيدًا لَمْ يُؤْمَرْ بِرَفْعِهِ حَتَّى يَتَرَجَّحَ جَانِبُهُ وَلَوْ بِإِخْبَارِ شَاهِدٍ.
وَمِنْهَا: إذَا لَمَزَهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا يَكْرَهُ فَقَالَ لَهُ ظَلَمْتنِي وَأَرَادَ أَذَاهُ فَلْيُعَزِّرْهُ إنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَالْعُقُوبَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَمْثَلُ مِنْ الْعُقُوبَةِ، وَهَذَا فِي اللَّمْزِ وَأَمَّا إذَا صَرَّحَ بِالْإِسَاءَةِ عَلَى الْقَاضِي فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجِبُ تَأْدِيبُ الْقَائِلِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَدْلَى بِهِ الْخَصْمَانِ يَسْأَلُهُمَا، وَهُوَ شَأْنُ حُكَّامِ الْعَدْلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْخَصَّافُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ سَكَتَ عَنْهُمَا حَتَّى يَنْطِقَ أَحَدُهُمَا وَيَسْتَدْعِيَ مِنْ الْقَاضِي الْجَوَابَ، وَإِنْ شَاءَ سَأَلَهُمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَقَالَ: مَالَكُمَا أَوْ مَا حَاجَتُكُمَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ، " كَذَا فِي الْمُحِيطِ ".
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يَسْأَلُ الْخَصْمَيْنِ إذَا دَخَلَا عَلَيْهِ مَنْ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا، بَلْ يَسْكُتُ حَتَّى يَبْدَأَ أَحَدُهُمَا بِالْكَلَامِ، وَلَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِسُؤَالٍ، فَإِنَّ سُؤَالَ أَحَدِهِمَا يُشْعِرُ بِعِنَايَةِ الْقَاضِي بِهِ وَقَبُولِهِ عَلَيْهِ دُونَ خَصْمِهِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فِي مَدْخَلِهِمَا إلَيْهِ فَلَا يَأْذَنُ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَفِي مَخْرَجِهِمَا عَنْهُ فَلَا يَصْرِفُ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَفِي لَحْظِهِ وَقَبُولِهِ بِوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، وَفِي كَلَامِهِ لَهُمَا.
وَقَدْ نَزَلَ ضَيْفٌ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَخُوصِمَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ ضَيْفَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَبْدَؤُهُمَا بِالسُّؤَالِ فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: لَسْت مُدَّعِيًا أَقَامَهُمَا حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِخَصْمِهِ فَيَكُونُ هُوَ الطَّالِبَ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي نُظِرَ إلَى الْجَالِبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ أَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَعَا صَاحِبَهُ إلَى الْحَاكِمِ أَمَرَهُمَا بِالِانْصِرَافِ، فَمَنْ أَبَى إلَّا الْمُحَاكَمَةَ فَهُوَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ تَنَازَعَا مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْمُدَّعِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ مِنْ الْقَاضِي.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ الطَّالِبُ: لَمْ آذَنْ فِي هَذَا الْيَمِينِ وَلَمْ أَرْضَ بِهَا. وَلَا بُدَّ أَنْ تُعَادَ الْيَمِينُ، فَأَمَرَ الْقَاضِي غُلَامَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثِينَ دِينَارًا كَرَاهَةَ أَنْ يُكَلِّفَهُ إعَادَةَ الْيَمِينِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا، وَإِذَا اسْتَحْلَفَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمَحْلُوفِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ.
وَمِنْهَا إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ كَلَّفَ الْخَصْمَ الْجَوَابَ عَنْهَا مَكَانَهُ إنْ فَهِمَهَا وَأَحَاطَ بِهَا عِلْمًا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا إشْكَالٌ أَوْ طُولٌ أُمْهِلَ بِحِسَابِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: إذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ كَتَبَ إقْرَارَهُ وَالتَّارِيخَ فِي رُقْعَةٍ وَأَمَرَ الْمُقِرَّ بِالْخُرُوجِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يُرَاقِبَ أَحْوَالَ الْخُصُومِ عِنْدَ الْأَدَاءِ بِالْحُجَجِ وَدَعْوَى الْحُقُوقِ، فَإِنْ تَوَسَّمَ فِي أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ أَبْطَنُ شُبْهَةً أَوْ اتَّهَمَهُ بِدَعْوَى الْبَاطِلِ إلَّا أَنَّ حُجَّتَهُ فِي الظَّاهِرِ مُتَّجِهَةٌ وَكِتَابَ الْحَقِّ الَّذِي بِيَدِهِ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ دَعْوَاهُ فَلْيَتَلَطَّفْ الْقَاضِي فِي الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تَوَهَّمَ فِيهِ، فَإِنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَثُرَتْ مُخَادَعَتُهُمْ وَاتُّهِمَتْ أَمَانَتُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ مَا يَقْدَحُ فِي دَعْوَاهُ فَحَسَنٌ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالْمَوْعِظَةِ إنْ
الجزء 1 · صفحة 23
رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا، وَيُخَوِّفُهُ اللَّهَ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) ، وَيُذَكِّرُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] فَإِنْ أَنَابَ وَإِلَّا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنْ تَزَايَدَتْ عِنْدَهُ بِسَبَبِ الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ شُبْهَةٌ فَلْيَقِفْ وَيُوَالِي الْكَشْفَ وَيُرَدِّدْهُ الْأَيَّامَ وَنَحْوَهَا، وَلَا يَعْجَلُ فِي الْحُكْمِ مَعَ قُوَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلْيَجْتَهِدْ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى أَوْ تَنْتَفِي عَنْهُ الشُّبْهَةُ.
وَمِنْهَا: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَوْعِظَةُ الْخَصْمَيْنِ وَتَعْرِيفُهُمَا بِأَنَّ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ فَإِنَّهُ خَائِضٌ فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَمَنْ حَلَفَ لِيَقْتَطِعَ مَالَ أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَيَعِظُ الشُّهُودَ أَيْضًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ: إنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ أَنْتُمَا بِشَهَادَتِكُمَا، وَإِنِّي مُتَوَقٍّ بِكُمَا مِنْ النَّارِ، فَاتَّقِيَا اللَّهَ وَالنَّارَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَهِّلَ إذْنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا يُمَطِّلُهُمْ فَيَتَفَرَّقُوا فَيَعْسُرُ جَمْعُهُمْ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى ضَجَرِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيَتْرُكُ حَقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِالْمُصَالَحَةِ عَنْهُ لِمَا يُدْرِكُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِي: وَلِهَذَا رَأَيْت بَعْضَ الْقُضَاةِ يَأْمُرُ أَوَّلَ جُلُوسِهِ بِإِدْخَالِ الْبَيِّنَةِ وَيَسْمَعُ مِنْهَا قَالَ: وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ حَضَرَنِي مِمَّنْ عُنِيَ بِالْعِلْمِ: كَانَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِمَّنْ اُمْتُحِنَ بِالْخُصُومَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: نَقْلُ الْجِبَالِ عِنْدَهُ أَيْسَرُ مِنْ نَقْلِ الْبَيِّنَةِ: يَعْنِي إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، فَإِذَا حَضَرُوا آنَسَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ وَبَسَطَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً قَيَّدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً سَأَلَهُمْ عَنْ بَقِيَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً سَأَلَهُمْ عَنْ تَفْسِيرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَامِلَةٍ أَعْرَضَ عَنْهَا إعْرَاضًا جَمِيلًا، وَأَعْلَمَ الْمُدَّعِيَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الدَّعْوَى فِي الْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي لَا يَتَشَاحُّ الْعُقَلَاءُ فِيهَا كَقِشْرِ سِمْسِمَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إذَا حَضَرَ عِنْدَهُ الْخَصْمَانِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ وَيَفْهَمُهَا عَنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى لَا يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ وَأَمَرَهُمَا بِالْخُرُوجِ عَنْهُ، وَإِنْ نَقَصَ مِنْ دَعْوَاهُ مَا فِيهِ بَيَانُ مَطْلَبِهِ أَمَرَهُ بِتَمَامِهِ، إنْ أَتَى بِإِشْكَالٍ أَمَرَهُ بِبَيَانِهِ، فَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْمَطْلُوبَ عَنْهَا، فَإِنْ أَقَرَّ أَوْ أَنْكَرَ نَظَرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَبْهَمَ جَوَابَهُ أَمَرَهُ بِتَفْسِيرِهِ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْإِشْكَالُ عَنْهُ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ عَنْهُمَا إنْ كَانَ فِيهِ طُولٌ وَالْتِبَاسٌ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْيِيدِهِ، وَلَا يَدَعُ الْحُكَّامُ أَحَدَ الْخُصُومِ بِذَلِكَ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ: " فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ صَحِيحَةً لَا يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِهَا فِي الْقِيَاسِ حَتَّى يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ مِنْهُ ذَلِكَ لِكَيْ لَا يَكُونَ تَهْيِيجًا لِلْخُصُومَةِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْأَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَيْبَةَ الْمَجْلِسِ تَمْنَعُهُ، وَيُكَلَّفُ بِالْجَوَابِ بِلَا أَوْ نَعَمْ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ لَمَّا وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مِمَّنْ عَاصَرَ الشَّافِعِيَّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - "، قَصَدَهُ أَخَوَانِ كَانَا مِمَّنْ يَتَوَكَّلَانِ فِي أَبْوَابِ الْقُضَاةِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ الْقَاضِي لِلْآخَرِ: أَجِبْهُ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: وَمَنْ أَذِنَ لَك أَنْ تَسْتَدْعِيَ مِنِّي الْجَوَابَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعِي: لَمْ آذَنْ لَك فِي ذَلِكَ، فَوَجَمَ الْقَاضِي، فَقَالَ لَهُ: إنَّا أَرَدْنَا نُعْلِمُك مَكَانَنَا مِنْ الْعِلْمِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذِهِ مُنَاقَشَةٌ لَيْسَ تَحْتَهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ جِهَةِ الْعَوَائِدِ وَشَوَاهِدِ الْحَالِ أَنَّ إحْضَارَ الْخَصْمِ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ تُغْنِيه عَنْ النُّطْقِ بِسُؤَالِ الْقَاضِي.
وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اسْتِعْلَامُ مَا عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ إذْنٍ مِنْ الْمُدَّعِي، لَكِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَقُومُ مَقَامَ سُؤَالِ الْقَاضِي، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرْته عَنْ التَّجْرِيدِ، وَأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي سَلْهُ لِي الْجَوَابَ اكْتِفَاءً بِشَاهِدِ الْحَالِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ.
الجزء 1 · صفحة 24
وَمِنْهَا: أَنَّ الْغَرِيمَ إذَا ادَّعَى غَرِيمُهُ فَلَمْ يُجِبْهُ أَدَّبَهُ وَجَرَحَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ تَغَيَّبَ شَدَّدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ، وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ، فَإِنْ تَغَيَّبَ الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُمْ الْأَوَّلُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ ضُرِبَ تَأْدِيبًا.
[فَصْل فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي]
الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي وَإِذَا نَهَى الْإِمَامُ الْقَاضِيَ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ اسْتَخْلَفَ عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ.
وَلَا يَسْتَخْلِفُ الْقَاضِي إذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ إنَّمَا فَوَّضَ التَّصَرُّفَ إلَيْهِ بِرَأْيِهِ لَا بِرَأْيِ غَيْرِهِ، فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ إذَا أَمَرَ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَةً يَحْكُمُ فَأَمَرَ رَجُلًا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ جَازَ.
فَإِنْ قَضَى خَلِيفَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ أَجَازَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ فَأَنْفَذَهُ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالتَّصَرُّفِ وَلَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ الثَّانِي جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَجَازَهُ فَقَدْ حَصَرَ هَذَا التَّصَرُّفَ رَأْيَ الْأَوَّلِ فَصَارَ كَأَنَّ الْأَوَّلَ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ.
وَلَوْ اسْتَخْلَفَ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَقَضَى الْخَلِيفَةُ فَأَجَازَهُ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَجَازَ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُقْضِيَتْ فَحَكَمَتْ بِأَشْيَاءَ جَازَ حُكْمُهَا إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ اعْتِبَارًا لِلْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَلَوْ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ رَجُلًا يَسْمَعُ مِنْ الْخُصُومِ وَيُثْبِتُوا عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ وَيَكْتُبَ الْإِقْرَارَ وَلَا يَقْطَعَ حُكْمًا فَأَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا يَقُومُ بِذَلِكَ لَا يُجَاوَزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَوْ أَمَرَ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ وَيَكْتُبَ الْإِقْرَارَ وَلَا يَحْكُمَ بَلْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْخَلِيفَةِ حَتَّى يَقْضِيَ بِهِ الْخَلِيفَةُ كَانَ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْخَلِيفَةِ، فَإِذَا رَفَعَ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ حَتَّى يُعِيدُوا الشَّهَادَةَ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ، فَإِنْ صَحَّتْ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ قَضَى بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا فَصْلٌ قَدْ غَفَلَ النَّاسُ عَنْهُ، فَإِنَّ نَائِبَ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيَكْتُبُ الْإِقْرَارَ وَيَبْعَثُ إلَى الْقَاضِي وَالْقَاضِي يَقْضِي بِذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَهُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ لَا يَسْتَفِيدُ وِلَايَةَ الْحُكْمِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَيْفَ يَسْتَفِيدُ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ يَحْضُرُ الْمُقِرُّ وَالْمُقَرُّ لَهُ حَتَّى يُقِرَّ عِنْدَهُ بِالْحَقِّ ثُمَّ يَحْكُمَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا عِنْدَ خَلِيفَتِهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ مَاتُوا أَوْ غَابُوا فَأَعْلَمَهُ خَلِيفَتُهُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَهُ عَلَى كَذَا لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ ثُمَّ جَحَدَ فَأَخْبَرَهُ خَلِيفَتُهُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِهَذَا بِكَذَا وَكَذَا لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ وَالْإِقْرَارَ لَمْ يَسْتَفِدْ وِلَايَةَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَ خَلِيفَتِهِ غَيْرُهُ عَلَى إقْرَارِهِ فَيَقْبَلَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَةِ " مِنْ الْمُحِيطِ ".
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي نَائِبِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ بِصِفَاتِ الْقُضَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا إذَا كَانَ مُسْتَخْلَفًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا، وَإِنْ اُسْتُخْلِفَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ مِثْلِ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ خَاصَّةً.
[فَصْل فِي التَّحْكِيمِ]
الْفَصْلُ الثَّامِنُ {فِي التَّحْكِيمِ}
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَارْتَضَيَاهُ لَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الجزء 1 · صفحة 25
وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِأَنَّا مَتَى لَمْ نُجِزْ التَّحْكِيمَ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَجَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ لِلْحَاجَةِ.
(فَصْلٌ) :
فِيمَنْ يَصْلُحُ حَكَمًا وَمَنْ لَا يَصْلُحُ حَكَمًا وَكُلُّ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي أَمْرٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا فِيهِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَالْمَرْأَةُ تَصْلُحُ حَكَمًا، وَالصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْأَعْمَى لَا يَصْلُحُ حَكَمًا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ فِي حَقِّ الْمُحَكَّمَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، وَكُلُّ مَنْ صَلَحَ شَاهِدًا صَلَحَ قَاضِيًا وَمَنْ لَا فَلَا ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فِي حَالَتَيْنِ: حَالَةِ التَّحْكِيمِ، وَوَقْتِ الْحُكْمِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَقْتَ التَّحْكِيمِ ثُمَّ صَارَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَقْتَ الْحُكْمِ لَا يَصِيرُ حَكَمًا بِأَنْ حَكَّمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُعْتِقَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ثُمَّ حُكِّمَ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إذَا كَانَ شَاهِدًا وَقْتَ التَّحْكِيمِ وَلَمْ يَبْقَ شَاهِدًا وَقْتَ الْحُكْمِ لَا يَبْقَى حَكَمًا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ فِي حَقِّهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، وَفِي الْقَاضِي يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَكَذَا هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَصِحُّ التَّحْكِيمُ مُعَلَّقًا بِالْخَطْبِ وَلَا مُضَافًا إلَى الْمُسْتَقْبَلِ، بِأَنْ قَالَ لِعَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إنْ عَتَقْت أَوْ أَسْلَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَنَا، أَوْ قَالَ لِآخَرَ: إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَاحْكُمْ. لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ التَّحْكِيمُ وَمَا لَا يَصِحُّ]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ التَّحْكِيمُ وَمَا لَا يَصِحُّ وَيَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَمْلِكَانِ فِعْلَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَمْلِكَانِ - وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى - حَتَّى يَجُوزَ التَّحْكِيمُ فِي الْأَمْوَالِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْقِصَاصِ وَتَضْمِينِ السَّرِقَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ تَفْوِيضٌ وَالتَّفْوِيضُ يَصِحُّ بِمَا يَمْلِكُ الْمُفَوِّضُ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَمْلِكُ كَالتَّوْكِيلِ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ: وَلَا يَجُوزُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ، فَكُلُّ مَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالصُّلْحِ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ، وَمَا لَا فَلَا، وَحَدُّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُمَا بِالصُّلْحِ وَبِعَقْدٍ مَا فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِمَا.
وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ تَفْوِيضٌ وَتَوْلِيَةٌ فِي حَقِّهِمَا وَإِنْ كَانَ صُلْحًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا وَهُمَا يَمْلِكَانِ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فَيَصِحُّ تَفْوِيضُهُ إلَى غَيْرِهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَنْفُذُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ نَحْوِ الْكِنَايَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لَكِنَّ شُيُوخَ الْمَذْهَبِ امْتَنَعُوا عَنْ الْفَتْوَى بِهَذَا لِئَلَّا يَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ فِي الدَّمِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَمْ تَرْضَ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُحَكَّمِ إنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى مَنْ يَرْضَى بِحُكْمِهِ، وَإِنْ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ، فَإِنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ حُكْمُهُ بِالدِّيَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ بِالِاعْتِرَافِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ وَكَانَ حُكْمُهُ مُوَافِقًا فَنَفَذَ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ وَمَا لَا يَصِحُّ]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ وَمَا لَا يَصِحُّ
حَكَّمَا رَجُلًا فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، ثُمَّ حَكَمَ بِخِلَافِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ تَحْكِيمَهُمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْقَاضِي فَتَكُونُ إجَازَتُهُ بَاطِلَةً.
وَكَذَلِكَ إجَازَتُهُ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ إجَازَةُ الْمَعْدُومِ، وَإِذَا بَطَلَتْ إجَازَتُهُ وَقَدْ قَضَى بِخِلَافِ رَأْيِهِ كَانَ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ اتَّفَقَا عَلَى حُكْمَيْنِ فَحُكْمُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ
الجزء 1 · صفحة 26
الْقَضَاءَ: أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَهُمَا رَضِيَا بِرَأْيِهِمَا دُونَ رَأْيِ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِالْقَضَاءِ كَوَكِيلَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكَالْإِمَامِ إذَا فَوَّضَ الْقَضَاءَ إلَى اثْنَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهِ، فَكَذَا هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
حَكَّمَا رَجُلًا مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَا: لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَنَا، وَقَالَ: حَكَمْت، فَالْحُكْمُ مُصَدَّقٌ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَكَى مَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَإِنْشَاءَهُ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَجُعِلَ إقْرَارُهُ كَأَنَّهُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ، وَلَا يُصَدَّقُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْحُكْمِ.
[الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقَضَاء الْمَقْضِيِّ بِهِ]
" الْمَقْضِيُّ بِهِ، وَاجْتِهَادُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ " يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْضِي بِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] الْآيَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَصًّا يَقْضِي بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَالنَّظَرِ مَيَّزَ أَقَاوِيلَهُمْ وَرَجَّحَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وَنَظَرَ إلَى أَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ وَأَقْرَبِهَا إلَى الصَّوَابِ وَأَحْسَنِهَا عِنْدَهُ وَقَضَى بِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ قَوْلٌ وَكَانَ فِيهِ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ قَضَى بِهِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُخَالِفَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ يُرَجِّحُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وَيَقْضِي بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الِاجْتِهَادِ قَاسَهُ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَتَحَرَّى الصَّوَابَ ثُمَّ قَضَى بِرَأْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَفْتِي فِي ذَلِكَ فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي وَلَا يَقْضِي بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا يَسْتَحْيِي مِنْ السُّؤَالِ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَوْ قَاسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ فَظَهَرَ خِلَافُهُ يَأْثَمُ إذْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ وَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَالْخُصُومَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْقَاضِي.
[فَصْلٌ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ]
(فَصْلٌ) :
لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ. .
فَالِاجْتِهَادُ: بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنُّصُوصِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ فِي السَّلَفِ لِصَيْرُورَةِ الرَّجُلِ مُجْتَهِدًا، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْفُرُوعِ الَّتِي اسْتَخْرَجَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بِرَأْيِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى اجْتِهَادِ السَّلَفِ كَفُرُوعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ مَنْ سَمِعَ عَامَّةَ ذَلِكَ وَتَفَقَّهَ فِيهِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: مَنْ حَفِظَ الْمَبْسُوطَ وَمَذْهَبَ الْمُتَقَدِّمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَإِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ هَذَا الْحَدَّ يَصِيرُ مُجْتَهِدًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَبَالَغَ فِيهِ هَلْ يَكُونُ مُصِيبًا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْ يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِأَنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَتَفْسِيرُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ عَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ عِنْدَهُمْ حُقُوقٌ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ يَكُونُ صَوَابًا فِي حَقِّهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ: الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَالِاجْتِهَادُ طَلَبُ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَإِنْ وَجَدَهُ يَكُنْ مُصِيبًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ يَكُنْ مُخْطِئًا ضَرُورَةً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ
الجزء 1 · صفحة 27
فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ حَلَالٌ وَحَرَامٌ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ مِنْ بَابِ التَّنَاقُضِ، فَيَجِبُ تَنْزِيهُ الشَّرْعِ عَنْ التَّنَاقُضِ وَالْخَلَلِ مَتَى كَانَ ثَابِتًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ لِمَصْلَحَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ قَائِمَةٌ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْآخَرِ ظَاهِرًا يَكُونُ تَنَاقُضًا فَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا وَعِنْدَ التَّنْصِيصِ بِالنَّقِيضَيْنِ فِي حَقِّ شَخْصَيْنِ يُعْرَفُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ اخْتِلَافُ الْمَصْلَحَةِ.
فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ: لَا تَجُوزُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ شَخْصٍ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْحَالِ، فَالْمَصْلَحَةُ فِي حَقِّهِ ظَاهِرَةٌ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِمَصْلَحَةٍ بَاطِنَةٍ يَكُونُ تَنَاقُضًا مِنْ الشَّرْعِ.
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ فَصْلَيْنِ [أَحَدُهُمَا] إذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي شَيْءٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخَالِفَهُمْ بِرَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْفَظُ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ، فَإِذَا كَانَ يَحْفَظُ مِنْ الْمَنْسُوخِ هَذَا الْقَدْرَ فَمَا ظَنُّك بِالنَّاسِخِ، وَكَانَ صَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعْنًى أَيْضًا.
وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ وَصَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعْنًى، وَلِهَذَا قَلَّ رُجُوعُهُ فِي الْمَسَائِلِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأَحَادِيثِ أَيْضًا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ مُقَدَّمًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ لِمَذْهَبٍ خَاصٍّ لَهُ فِي بَابِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا تَحِلُّ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ مِنْ حِينَ سَمِعَ إلَى أَنْ يَرْوِيَ.
[وَالثَّانِي] إذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى.
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشُّيُوخِ: إذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَفِيهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَانِبٍ وَهُمَا فِي جَانِبٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ يَتَخَيَّرُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَفْتِ غَيْرَهُ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ.
وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لَهُ: الْجَاهِلُ بِالْعِلْمِ إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِقَوْلِ أَحَدٍ أَخَذَ بِقَوْلِهِ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ فَقِيهَانِ كِلَاهُمَا رِضًا يَأْخُذُ عَنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا عَلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهُمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُهُمَا وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ فُقَهَاءَ وَاتَّفَقَ اثْنَانِ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى قَوْلِ الثَّالِثِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَتَّفِقْ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ اجْتَهَدَ هُوَ وَرَأْيُهُ فِيمَا أَفْتُوهُ فِيهِ، فَأَيُّهُمْ كَانَ أَصْوَبَ عِنْدَهُ قَوْلًا عَمِلَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّاطِفِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَأَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ أَوْ بِقَوْلِ زُفَرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ الْقَاضِي إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ شَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] وَالْقَاضِي لَا يَكُونُ أَفْطَنَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ رَأْيُهُ كَرَأْيِهِمْ فَصَلَ الْحُكْمَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا نَظَرَ إلَى أَقْرَبِ الْأَقْوَالِ مِنْ الْحَقِّ وَأَمْضَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يُعْتَبَرُ السِّنُّ وَلَا كَثْرَةُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْغَرَ وَالْوَاحِدَ قَدْ يُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ فِي حَادِثَةٍ مَا لَا يُوَفَّقُ الْأَكْبَرُ وَالْجَمَاعَةُ.
إمَّا لِكَثْرَةِ فِطْنَتِهِ وَحِفْظِهِ أَوْ لِجَوْدَةِ خَاطِرِهِ وَذَكَاءِ فَهْمِهِ - أَلَا يُرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: غُصْ يَا غَوَّاصُ، وَكَانَ إذَا أَصَابَ يَقُولُ لَهُ: " شَنْشَنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخَزَمَ "، وَهَذَا مَثَلٌ تَذْكُرُهُ الْعَرَبُ لِمَنْ يُشْبِهُ أَبَاهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَعُمَرُ أَكْبَرُ سِنًّا، فَإِذَا اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ الْبَلَدِ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ رَأْيُهُ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْجَلَ بِالْحُكْمِ حَتَّى يَكْتُبَ فِيهِ إلَى غَيْرِهِمْ وَيُشَاوِرَهُمْ
الجزء 1 · صفحة 28
ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى أَحْسَنِ ذَلِكَ فَيَعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَشُورَةَ بِالْكِتَابِ مِنْ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشُورَةِ بِالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ، فَإِنْ وَافَقَ رَأْيَهُ رَأْيُهُمْ يَقْضِي بِهِ، وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَهُ رَأْيُهُمْ قَضَى بِرَأْيِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ رَأْيَهُ أَصْوَبُ عِنْدَهُ وَرَأْيَ غَيْرِهِ لَيْسَ بِصَوَابٍ فَيَقْضِي بِمَا عِنْدَهُ لَا بِمَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْقَاضِي شَيْءٌ فَشَاوَرَ فِيهِ فَقِيهًا يَنْظُرُ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ فَيَأْخُذَ بِقَوْلِ الْمُفْتِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَرَأْيُهُ خِلَافُ رَأْيِ هَذَا الْفَقِيهِ يَقْضِي بِرَأْيِهِ؛ لِأَنَّ رَأْيَهُ صَوَابٌ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ أُمِرَ بِالْمَشُورَةِ فِي الِابْتِدَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْضَمَّ رَأْيُ غَيْرِهِ إلَى رَأْيِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ فَلَا يَدَعْ رَأْيَهُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَضَى بِرَأْيِهِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ قَضَى بِرَأْيِ الْفَقِيهِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: لَا يَنْفُذُ حَتَّى كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَهُ " اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
[فَصْلٌ الْمُقَلِّدِ وَالْمُفْتِي يَأْخُذُ بِقَوْلٍ يُنْسَبُ إلَى إمَامِهِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَتْ فَتْوَاهُ نَقْلًا لِمَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا اعْتَمَدَ فِي نَقْلِهِ عَلَى الْكُتُبِ أَنْ يَعْتَمِدَ إلَّا عَلَى كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ، وَجَازَ ذَلِكَ، كَمَا جَازَ اعْتِمَادُ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَاعْتِمَادُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْمُفْتِي وَيَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا بِأَنْ يَرَاهُ كَلَامًا مُنْتَظِمًا وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مَوَاقِعُ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّغْيِيرِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّتِهِ نُظِرَ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَهْلٌ لِيُخَرِّجَ مِثْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ لَمْ يَجِدْهُ مَنْقُولًا فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْكِيَهُ عَنْ إمَامِهِ فَلَا يَقُولُ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ مَثَلًا كَذَا، وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَكَذَا، وَلْيَقُلْ: وَجَدْت عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِيُخَرِّجَ مِثْلُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يُجَوِّزُ لَهُ مِثْلَ مَا جَازَ لِلْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي غَيْرِ مَقَامِ الْفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ فَيَقُولُ: وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ أَوْ مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ لَا أَعْرِفُ صِحَّتَهَا، أَوْ وَجَدْت عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتٍ.
وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الْمُقَلِّدِ وَالْمُفْتِي يَأْخُذُ بِقَوْلٍ يُنْسَبُ إلَى إمَامِهِ وَلَا يَرْوِيهِ هَذَا الْمُفْتِي عَنْ صَاحِبِ مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا حَفِظَهُ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَهِيَ غَيْرُ مَرْوِيَّةٍ وَلَا مُسْنَدَةٍ إلَى مُؤَلِّفِهَا، فَهَلْ يَسُوغُ لِمَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ الْفُتْيَا أَمْ لَا؟ وَهُوَ سُؤَالٌ طَوِيلٌ فِيهِ مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ.
فَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْفَصْلِ بِأَنْ قَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَصْرِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهَا كَمَا تَحْصُلُ بِالرِّوَايَةِ، وَلِذَلِكَ قَدْ اعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالطِّبِّ وَسَائِرِ الْعُلُومِ لِحُصُولِ الثِّقَةِ بِذَلِكَ وَبُعْدِ التَّدْلِيسِ.
وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْخَطَإِ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا جَوَازُ اعْتِقَادِ ذَلِكَ لَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالطِّبِّ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ رَجَعَ الشَّرْعُ إلَى أَقْوَالِ الْأَطِبَّاءِ فِي صُوَرٍ، وَلَيْسَتْ كُتُبُهُمْ فِي الْأَصْلِ إلَّا عَنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ التَّدْلِيسُ فِيهَا اُعْتُمِدَ عَلَيْهَا كَمَا اُعْتُمِدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْعَارِ كُفَّارٍ مِنْ الْعَرَبِ لِبُعْدِ التَّدْلِيسِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: قَلَّمَا وَجَدْت التَّزْوِيرَ عَلَى الْمُفْتِي، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَرَسَ أَمْرَ الدِّينِ فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِثْلُ هَذَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ فَقَالَ: كَانَ الْأَصْلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْفُتْيَا إلَّا بِمَا يَرْوِيه الْعَدْلُ عَنْ الْعَدْلِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ الْمُفْتِي حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفْتِي كَمَا تَصِحُّ الْأَحَادِيثُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِدِينِ اللَّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ غَيْرُ ذَلِكَ،
الجزء 1 · صفحة 29
غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ تَوَسَّعُوا فِي هَذَا الْعَصْرِ فَصَارُوا يُفْتُونَ مِنْ كُتُبٍ يُطَالِعُونَهَا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ، وَهُوَ خَطَرٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ وَخُرُوجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ، غَيْرَ أَنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ لِأَجْلِ شُهْرَتِهَا بَعُدَتْ بُعْدًا شَدِيدًا عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّزْوِيرِ فَاعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا أُهْمِلَتْ رِوَايَةُ كُتُبِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ الْعُدُولِ بِنَاءً عَلَى بُعْدِهَا عَنْ التَّحْرِيفِ وَإِنْ كَانَتْ اللُّغَةُ هِيَ أَسَاسُ الشَّرْعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِهْمَالُ ذَلِكَ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُعَضِّدُ أَهْلَ الْعَصْرِ فِي إهْمَالِ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ بِجَامِعِ بُعْدِ الْجَمِيعِ عَنْ التَّحْرِيفِ، وَعَلَى هَذَا تَحْرُمُ الْفُتْيَا مِنْ الْكُتُبِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَمْ تُشْتَهَرْ حَتَّى تَتَظَافَرَ عَلَيْهَا الْخَوَاطِرُ وَيُعْلَمَ صِحَّةُ مَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْحَدِيثَةُ التَّصْنِيفِ إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ عَزْوُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَنْقُولِ إلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَلِكَ حَوَاشِي الْكُتُبِ يَحْرُمُ الْفُتْيَا بِهَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا وَالْوُثُوقِ بِهَا انْتَهَى وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ الْحَوَاشِي غَرِيبَةَ النَّقْلِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ مَا فِيهَا مَوْجُودًا فِي الْأُمَّهَاتِ أَوْ مَنْسُوبًا إلَى مَحِلِّهِ وَهِيَ بِخَطِّ مَنْ يُوثَقُ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ التَّصَانِيفِ، وَلَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَنْقُلُونَ مَا عَلَى حَوَاشِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْمَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ الْمَعْرُوفَةِ خُطُوطُهُمْ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ لِبُرْهَانِ الدِّينِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ، وَبُرْهَانِ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيِّ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ إذَا وَجَدُوا حَاشِيَةً يَعْرِفُونَ كَاتِبَهَا نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْهُ وَنَسَبُوهَا إلَيْهِ وَأَدْخَلُوا ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ وَأَمَّا حَيْثُ يُجْهَلُ الْكَاتِبُ وَيَكُونُ النَّقْلُ غَرِيبًا فَلَا شَكَّ فِيمَا قَالَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلٌ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي]
(فَصْلٌ) :
وَيُلْحَقُ بِهَذَا الرُّكْنِ بَيَانُ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ وَيُنْقَضُ، وَذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ الْجَلِيِّ أَوْ الْقِيَاسِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ فَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ، أَوْ يُقَاسِمُ الْأَخَ، أَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَخَ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ وَالْجَدُّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ، وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُبُوَّةِ نَقَضْنَا هَذَا الْحُكْمَ وَإِنْ كَانَ مُفْتِيًا لَمْ يُقَلِّدْهُ.
وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ مَتَى حَكَمَ حَاكِمٌ بِتَقْرِيرِ النِّكَاحِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتَ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ لُزُومُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ مَاتَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِالتَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا نَقَضْنَا حُكْمَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ صِحَّةُ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مَشْرُوطِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ شَرْطًا، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّمْثِيلُ بِهَا وَالْمَوْضِعَانِ الْآخَرَانِ وَاضِحَانِ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَمْثِيلٍ فِيهَا.
(تَنْبِيهٌ) :
مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوْ الْقِيَاسَ أَوْ النَّصَّ، فَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذَا كَانَ وَفْقَ مُعَارِضِهَا الرَّاجِحِ إجْمَاعًا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالسَّلَمِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ.
[فَصْلٌ نَقْض الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ]
(فَصْلٌ) :
فِي نَقْضِ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ
وَلَهُ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ قَوْلُ قَائِلٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَقَدْ نَسِيَهُ.
فَأَمَّا مَتَى حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ حَالَ ذِكْرِ مَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رَأْيٌ وَقْتَ الْقَضَاءِ فَقَضَى بِرَأْيِ غَيْرِهِ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْقَاضِي رَأْيٌ بِخِلَافِ مَا قَضَى هَلْ يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ رَأْيَهُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ
الجزء 1 · صفحة 30
عَلَيْهِ كَالنَّصِّ، وَلَوْ قَضَى بِرَأْيِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ، فَكَذَا هَذَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُنْقَضُ " اُنْظُرْ الْمُحِيطَ ".
[فَصْلٌ نَقْض الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ]
(فَصْلٌ) :
فِي نَقْضِ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ وَنَظَرُهُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ.
فَأَمَّا الْعَالِمُ الْعَدْلُ فَلَا يَتَعَرَّضُ لِأَحْكَامِهِ بِوَجْهٍ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِقَضِيَّةٍ أَمْضَاهَا الْأَوَّلُ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّجْوِيزِ لَهَا إنْ عَرَضَ فِيهَا عَارِضٌ بِوَجْهِ خُصُومَةٍ فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْكَشْفِ لَهَا وَالتَّعْقِيبِ فَلَا وَإِنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيمَا جَهِلَ مِنْ أَحْكَامِهِ هَلْ وَافَقَ الْحَقَّ أَوْ خَالَفَهُ، فَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ الْكَشْفُ وَالتَّعْقِيبُ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَيَرُدُّهُ وَيَفْسَخُهُ عَنْ الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يَذْكُرُ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ الْوَجْهَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ فَيُوجَدُ مُخَالِفًا لِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَيُوجِبُ فَسْخَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهَا عُلِمَتْ بِقَصْدِهِ بِغَيْرِ مَا وَقَعَ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ.
وَأَمَّا الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ: فَإِنَّ أَقْضِيَتَهُ تُكْشَفُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا صَوَابًا أُمْضِيَ، وَمَا كَانَ خَطَأً بَيِّنًا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَدِّهِ.
وَأَمَّا الْقَاضِي الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ: إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ فَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرُهُ أَوْ اُسْتُرِيبَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَيَعْمَلْ فِيهِ بِالْكَشْفِ كَمَا يَصْنَعُ بِأَقْضِيَةِ الْجَاهِلِ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْقَاضِي فِيهِ بِالْجَوْرِ وَالْحَيْفِ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا عُرِفَ بِالْجَوْرِ فِيهَا أَوْ جُهِلَ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَقْضِيَةِ غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: فَإِنْ قَامَ عِنْدَهُ قَائِمٌ وَقَالَ: هَذَا الْكِتَابُ الْقَاضِي قَدْ حَكَمَ فِيهِ بِجَوْرٍ بَيِّنٍ قَالَ: أَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِجَوْرٍ وَوَجَدَهُ فِي الْقَضَاءِ مُفْسِدًا مِثْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مِثْلَ أَنْ يُبْطِلَ الْمَهْرَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ أَوْ بِعَدَمِ تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ.
وَأَمَّا إنْ وَجَدَ الْقَضَاءَ بِمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الْجَوْرُ وَلَا الْخَطَأُ الصِّرَاحُ مِثْلَ أَنْ يَجِدَ فِيهِ شَهِدَتْ عِنْدِي بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَقَبِلْتهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ الْحَقَّ لِفُلَانٍ فَقَضَيْتُ لَهُ بِمَا تَبَيَّنَ لِي، فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحْمَلُ الْقَضَاءُ عَلَى الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ بِالنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقُضَاةِ.
قَالَ: فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ، فَإِذَا مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَامُوا يُرِيدُونَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْت: وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ إلَّا قَوْلَهُ " شَهِدَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَقَبِلْتهَا، فَفِيهِ نَظَرٌ.
فَقَدْ يُقْبَلُ غَيْرُ الْعُدُولِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فَإِنْ صَرَّحَ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ وَهُمْ عُدُولٌ وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحُكْمِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسَخَ، وَأَمَّا مَعَ الْإِجْمَالِ فَلَا.
[فَصْلٌ فِيمَا لَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا لَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي وَيُنْقَضُ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَفِيمَا يَنْفُذُ
ثَمَانِيَةُ مَوَاضِعَ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يَرُدَّ حُكْمَ قَاضٍ قَبْلَهُ: عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَبَاعَ السَّاكِتُ نَصِيبَهُ فَقَضَى قَاضٍ بِجَوَازِهِ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ أَبْطَلَهُ.
رَجُلٌ لَهُ حَقٌّ عَلَى إنْسَانٍ لَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ سِنِينَ فَقَضَى قَاضٍ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ بِتَأْخِيرِهِ الْمُطَالَبَةَ، فَرَفَعَ قَضَاءَهُ إلَى حَنَفِيٍّ أَبْطَلَهُ.
امْرَأَةٌ عَفَتْ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَأَبْطَلَ الْقَاضِي عَفْوَهَا وَقَضَى بِالْقَوَدِ لِوَرَثَتِهَا مِنْ الرِّجَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُبْطِلُهُ.
امْرَأَةٌ أَقَرَّتْ بِدَيْنٍ وَأَوْصَتْ بِوَصِيَّةٍ وَأَعْتَقَتْ عَبْدَهَا بِغَيْرِ رِضَا زَوْجِهَا فَأَبْطَلَ الْقَاضِي تَصَرُّفَهَا، فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَبْطَلَهُ.
امْرَأَةٌ قَبَضَتْ نِصْفَ صَدَاقِهَا وَتَجَهَّزَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَقَضَى قَاضٍ لَهَا
الجزء 1 · صفحة 31
بِنِصْفِ جِهَازِهَا أَبْطَلَهُ قَاضٍ آخَرُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ.
قَاضٍ قَضَى بِشَاهِدٍ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِبُطْلَانِ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ أَوْ بِعَدَمِ تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ أَوْ بِبُطْلَانِ مَا زَادَ الزَّوْجُ عَلَى مَهْرِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يُبْطِلَ قَضَاءَهُ " مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ ".
وَمِمَّا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي: ذَكَرَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ فِيهَا تَنْفِيذُ قَضَاءِ قَاضٍ قَبْلَهُ لِمُصَادَفَتِهِ مَحِلًّا مُجْتَهَدًا فِيهِ: رَجُلٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَوْ رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى قَاضٍ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ فَقَضَى بِالْحِلِّ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ نَفَّذَهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَوَّلِ صَادَفَ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ وَقَضَاءُ الشَّافِعِيِّ الْمَذْهَبِ إذَا قَضَى بِبُطْلَانِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ نَفَّذَهُ.
وَكَذَا فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ إذَا قَضَى شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ بِكَوْنِهَا رَجْعِيَّةً فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ حَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ نَفَّذَهُ.
وَكَذَا فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ وَرَدِّ الْمَنْكُوحَةِ بِالْعَيْبِ أَوْ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِالْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالْقَتْلِ بِالْقَسَامَةِ وَمُتْعَةِ النِّسَاءِ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَذَكَرَ ظَهِيرُ السُّنَّةِ وَالدِّينِ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْخُجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ: إذَا رُفِعَ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَالْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يُنَفِّذُهُ، وَخِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ لَا يُعْتَبَرُ، لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَلِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ فِي صُورَةِ الْقَسَامَةِ، فَإِنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِجَوَازِ مُتْعَةِ النِّسَاءِ: فَإِنْ قَالَ: أَتَمَتَّعُ بِك شَهْرًا بِكَذَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُهُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى بُطْلَانِهَا، وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ.
وَإِنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك شَهْرًا، فَعِنْدَ زُفَرَ يَلْغُو التَّأْقِيتُ وَيَجُوزُ النِّكَاحَ، فَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، فَإِذَا قَضَى بِهِ نَفَذَ.
[فَصْلٌ كَانَ الْقَضَاءُ مُجْتَهَدًا فِيهِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا]
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ مُجْتَهَدًا فِيهِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَغَيْرَ مُجْتَهَدٍ فِيهِ عِنْدَ الْبَعْضِ يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى اتِّصَالِ قَضَاءِ قَاضٍ آخَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ إذَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلَانِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهَدًا فِيهِ مُطْلَقًا فَبَقِيَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى قَضَاءٍ آخَرَ بِهِ.
وَذُكِرَ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ عِنْدَ الْبَعْضِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ بِالثُّبُوتِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ لَا يُنَفَّذُ عِنْدَنَا إلَّا بَعْدَ اتِّصَالِ قَاضٍ آخَرَ بِهِ.
[فَصْلٌ فِيمَا يُحِلُّهُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُحِلُّهُ]
(فَصْلٌ) :
شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَائِنًا بِزُورٍ. فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ آخَرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَحَلَّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَطْؤُهَا سَوَاءً كَانَ جَاهِلًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَوْ عَالِمًا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ جَاهِلًا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الظَّاهِرَ وَلَيْسَ يُكَلَّفُ بِمَا فِي الْبَاطِنِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَكُنْ مَالِكَهَا وَقَدْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي لَا يُوصَفُ وَطْؤُهَا بِكَوْنِهِ حَرَامًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَحِلُّ وَأَمَّا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي الظَّاهِرِ وَيَحِلُّ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحِلُّ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عِنْدَهُ، خِلَافًا لَهُمَا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ هَذِهِ ابْنَتُهُ بِزُورٍ فَأَعْتَقَهَا الْقَاضِي وَجَعَلَهَا ابْنَتَهُ فَإِنَّهَا ابْنَتُهُ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَتَسْتَنْفِقُ مِنْهُ وَتَرِثُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ جَعَلَهَا بِنْتًا لَهُ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ الْبِنْتِيَّةِ، وَهَلْ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَأْكُلَ مِيرَاثَهُ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحِلُّ، وَعِنْدَهُمَا لَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالنَّسَبِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عِنْدَهُ خِلَافًا
الجزء 1 · صفحة 32
لَهُمَا.
مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: قَضَاءُ الْقَاضِي بِالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا بِالْإِجْمَاعِ، وَنَصَّ الْخَصَّافُ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةَ زُورٍ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَطْؤُهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً، وَلَا لُبْسُهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا، وَلَا أَكْلُهُ إنْ كَانَ طَعَامًا، وَيَحِلُّ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَضَاءَ إلَّا بِسَبَبٍ، وَلَيْسَ تَعْيِينُ بَعْضِ الْأَسْبَابِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ لَهُ بِخِلَافِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّ فُلَانًا بَاعَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْفُذُ الْقَضَاءُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى يَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي غَشَيَانُهَا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ.
وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ وَقَامَتْ بَيِّنَةُ الزُّورِ عِنْدَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَعِنْدَهُمَا إنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ يَحِلُّ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَكَانَ يَطْلُبُ حُجَّتَهُ فَلَا يَحِلُّ.
وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةَ زُورٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وُهِبَ مِنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا مِنْهُ وَهِيَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بَاطِنًا عِنْدَهُمَا، وَهَلْ يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ رِوَايَتَانِ، " كَذَا فِي الْمُحِيطِ ".
[فَصْلٌ فِيمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَفْعَالِ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَفْعَالِ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ وَمَا يُعْتَبَرُ
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَعْزُولِ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي بِيَدِهِ بِأَنَّ الْمَعْزُولَ سَلَّمَهُ إلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ مَلَكَهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَحُكِمَ لَهُ بِهِ ظَاهِرًا، فَكَذَا إذَا أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا سَلَّمَهُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عُزِلَ وَقَالَ: كُنْت قَضَيْت لِفُلَانٍ بِقِصَاصٍ أَوْ حَقٍّ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ حَتَّى يَشْهَدَ اثْنَانِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَمْرًا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَاضٍ عُزِلَ فَقَالَ لِرَجُلٍ: أَخَذْتُ مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدَفَعْتهَا إلَى هَذَا قَضَيْتُ بِهَا لَهُ عَلَيْك، فَقَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: لَا بَلْ أَخَذْتَهُ ظُلْمًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآخِذِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ فَعَلَهُ حَالَةَ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي حَالِ قَضَائِهِ حُجَّةٌ وَدَفْعُهُ صَحِيحٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: أَخَذْته قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إبْطَالِ الضَّمَانِ عَنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: قَضَيْتُ بِقَطْعِ يَدِك فِي حَقٍّ أَوْ أَمَرْت بِقَطْعِ يَدِك بِحَقٍّ مِنْ الْإِيضَاحِ.
[فَصْلٌ الْكَشْف عَنْ الْقُضَاةِ]
(فَصْلٌ) :
فِي الْكَشْفِ عَنْ الْقُضَاةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ قُضَاتِهِ فَإِنَّهُمْ قِوَامُ أَمْرِهِ وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَكَذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ قُضَاتَهُ وَنُوَّابَهُ فَيَتَصَفَّحُ أَقْضِيَتَهُمْ وَيُرَاعِي أُمُورَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ فِي النَّاسِ.
وَعَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاضِي الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُضَاةِ أَنْ يَسْأَلَ الثِّقَاتِ عَنْهُمْ وَيَسْأَلَ قَوْمًا صَالِحِينَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُخْدَعُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَوِي الْأَغْرَاضِ يُلْقِي فِي قُلُوبِ الصَّالِحِينَ شَيْئًا لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى ذَمِّ الصُّلَحَاءِ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ عِنْدَهُمْ وَسُؤَالِهِمْ عَنْهُ، وَإِذَا ظَهَرَتْ التَّشْكِيَةُ بِهِمْ وَلَمْ يَعْرِفْ أَحْوَالَهُمْ سَأَلَ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى طَرِيقِ اسْتِقَامَةٍ أَبْقَاهُمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ عَزَلَهُمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَزْلِ مَنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ بِظَاهِرِ الشَّكْوَى.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ عَزْلُ مَنْ عُرِفَ بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا إذَا اُشْتُكِيَ بِهِ وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ عِوَضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ لِلنَّاسِ عَلَى قُضَاتِهِمْ،
الجزء 1 · صفحة 33
فَإِنْ كَانَ الْمَشْكُوُّ غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ فَلْيَعْزِلْهُ إذَا وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الشَّكِيَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بَدَلًا كَشَفَ عَنْ حَالِهِ.
وَوَجْهُ الْكَشْفِ أَنْ يَبْعَثَ إلَى رِجَالٍ يُوثَقُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَيَسْأَلُهُمْ عَنْهُ سِرًّا، فَإِنْ صَدَّقُوا مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ الشِّكَايَةِ عَزَلَهُ وَنَظَرَ فِي أَقْضِيَتِهِ، فَمَا وَافَقَ الْحَقَّ أَمْضَاهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَسَخَهُ، وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ سُئِلُوا عَنْهُ: مَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا أَبْقَاهُ، وَنَظَرَ فِي أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ مَضَى، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَدَّهُ وَحَمَلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى الْخَطَأِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ جَوْرًا.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكِّنَ النَّاسَ مِنْ خُصُومَةِ قُضَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَيُسْتَهَانُ بِذَلِكَ وَيُؤْذَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَاجِرًا وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِمَّنْ شَكَاهُ فَيُبْطِلُ حَقَّهُ وَيَتَسَلَّطُ ذَلِكَ الْقَاضِي عَلَى النَّاسِ.
[فَصْلٌ عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ اخْتِيَارًا لَا عَجْزًا وَلَا لِعُذْرٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقِيلَ: لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِعَزْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْعَامَّةِ، وَحَقُّ الْعَامَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَائِهِ، فَلَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
أَرْبَعُ خِصَالٍ لَوْ حَلَّتْ بِالْقَاضِي يَنْعَزِلُ: ذَهَابُ الْبَصَرِ، وَالسَّمْعِ، وَالْعَقْلِ، وَالرِّدَّةُ " مِنْ الْخُلَاصَةِ ".
[فَصْلٌ فِي جَمْعِ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي]
(فَصْلٌ) :
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِذَا اُشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلًا فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ
فَأَرَى أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ الْأَمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَقْبَلُ شَكْوَى مَنْ اشْتَكَاهُ، وَلَا يَجْلِسُ الْفُقَهَاءُ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأِ إنْ فَعَلَهُ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ إنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلًا بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الْأَمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوهُمْ أَيْضًا أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَسَخَهُ السُّلْطَانُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، وَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ، وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الْأَمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الْأَمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنْ الْقَاضِي بَعْضُ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ.
قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَى الْأَمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا، وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشَاوِرُونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ فِي الْحُكُومَةِ بَعْدُ فَصْلًا فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا قَدْ لَزِمَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عُزِلَ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الْأَمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلَاحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يُجْلِسَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَا يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَكِيَ مِنْهُ اسْتِبْدَادًا بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكِ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ
الجزء 1 · صفحة 34
بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتْ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقَرَّ بِهِمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
وَإِنْ كَتَبَ الْأَمِيرُ إلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا فَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ كَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالْأُمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ.
وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِاَلَّذِي رَآهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لَازِمًا لِمَنْ حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مِثْلَ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ عَلَى مِثْلِ مَا اُشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إلَى الْأَمِينِ، فَيَكُونُ هُوَ الْآمِرَ بِاَلَّذِي يَرَاهُ أَوْ الْحُكْمُ فِيهِ دُونَهُمْ.
[فَصْلٌ قِيَام الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِطَلَبِ فَسْخِ الْحُكْمِ عَنْهُ]
(فَصْلٌ) :
فِي قِيَامِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِطَلَبِ فَسْخِ الْحُكْمِ عَنْهُ
وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ قِيَامُهُ عَلَى الْقَاضِي الْعَالِمِ الْعَدْلِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ.
الثَّانِي: إنْ كَانَ لِمَا اتَّصَفَ بِهِ الْقَاضِي مِنْ جَهْلٍ أَوْ جَوْرٍ أَوْ نِسْبَةِ الْمُدَّعِي إلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ.
الثَّالِثُ: إنْ كَانَ قِيَامُهُ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَجَبَ الْفَسْخُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَأْتِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ اسْتِحْلَافِ خَصْمِهِ فَتَقُومُ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَفِيهَا خِلَافٌ، فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ تُقْبَلُ وَيُنْقَضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْ كِتَابِ النُّتَفِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُنْسَبَ الْقَاضِي إلَى التَّقْصِيرِ فِي الْكَشْفِ عَنْ الشُّهُودِ وَيَأْتِيَ بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَثْبَتَ تَقَدُّمَ جَرْحِهِ تَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ بِفِسْقٍ نُقِضَ، وَكَذَا إنْ أَثْبَتَ عَدَاوَةً تَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ فِي رِوَايَةٍ، وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ اُنْتُقِضَ وَلَزِمَ الْمَقْضِيَّ لَهُ بِالْمَالِ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ.
السَّادِسُ: أَنْ يُنْكِرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْخِصَامَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَقَالَ الْقَاضِي: كُنْتَ خَاصَمْت عِنْدِي وَأَعْذَرْت إلَيْك فَلَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ وَحَكَمْتُ عَلَيْك، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى وِلَايَتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ.
السَّابِعُ: أَنْ تُنْكِرَ الْبَيِّنَةُ أَنْ تَكُونَ شَهِدَتْ عِنْدَ الْقَاضِي وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَهُ، وَلَوْ نَازَعَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَطَعَنَ فِي حُكْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ فِي حُكْمِهِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَظْهَرَ فِي السِّجِلِّ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ حَكَمْتُ بَعْدَ مَا شَهِدَ عِنْدِي شُهُودٌ عُدُولٌ فَقَبِلْتهمْ " اُنْظُرْ الْمُحِيطَ " فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
الثَّامِنُ: أَنْ يَقُولَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: كُنْتُ أَغْفَلْت حُجَّةَ كَذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ.
التَّاسِعُ: إذَا قَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهَا بِمَا هُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ نُقِضَ، وَإِنْ حَكَمَ فِيهَا بِمَا هِيَ قَابِلَةٌ لَهُ مِنْ الْخِلَافِ لَمْ يُنْقَضْ.
الْعَاشِرُ: إذَا قَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى عَلَيْهِ بِقَوْلٍ مَهْجُورٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى عَلَيْهِ فِي مَحِلٍّ فِيهِ قَوْلٌ مَهْجُورٌ لَا يَنْفُذُ وَيُنْقَضُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَهْجُورَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي مُقَابَلَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَوْلُهُ يَكُونُ خِلَافًا لَا اخْتِلَافًا، فَمَنْ قَضَى بِقَوْلِهِ كَانَ قَاضِيًا فِي مَحِلِّ الْخِلَافِ وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ لَا فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَكَانَ بَاطِلًا، مِثَالُهُ: إذَا كَانَ الْقَوَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَعَفَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْقَوَدِ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ قَاضٍ وَقَضَى بِالْقَوَدِ لِلرَّجُلِ وَقَالَ: لَا عَفْوَ لِلنِّسَاءِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنَّ الشُّهُودَ قَدْ رَجَعُوا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِقَوْلِ عُدُولٍ، وَدَعْوَى الشُّهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَذِبِ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ وَالْفَاسِقُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ
الجزء 1 · صفحة 35
لَهُ قَدْ كَانَ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْمَحْدُودَ مِلْكُ عَمْرٍو فَلَيْسَ هَذَا بِدَفْعٍ صَحِيحٍ مَا لَمْ يَدَّعِ تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ عَمْرٍو، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يَزِيدَ فِي الْجَوَابِ عَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ هَذَا بِدَفْعٍ صَحِيحٍ، " مِنْ الْقُنْيَةِ ".
[الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَقْضِيُّ لَهُ]
وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لِلْمُقَلِّدِ أَوْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ - أَلَا يُرَى أَنَّ عَلِيًّا قَلَّدَ شُرَيْحًا وَخَاصَمَ عِنْدَهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُقَلَّدَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْمُقَلِّدِ بَلْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
كَذَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ أَوْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْقَضَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا يَصِحُّ شَاهِدًا لِهَؤُلَاءِ فَلَا يَصِحُّ قَاضِيًا لَهُمْ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ جَازَ فَكَذَا الْقَضَاءُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْقَضَاءِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ الْمُفْتِي يُفْتِي لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الْهَرَبُ مِنْ هَذَا مَتَى قَدَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَأَوْلَادِهِمَا، وَكَذَا لَوْ قَضَى لِامْرَأَتِهِ وَأُمِّهَا وَإِنْ كَانَتَا قَدْ مَاتَتَا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لَهُمَا إذَا كَانَتْ امْرَأَتُهُ تَرِثُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَا إذَا قَضَى لَهُمَا، وَإِنْ قَضَى لِامْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ حَيٌّ جَازَ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ الِابْنُ أَوْ الْبِنْتُ يَرِثَانِ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْمُحِيطِ.
[فَصْلٌ تَوَكُّلُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاضِي لَهُ]
(فَصْلٌ) :
تَوَكُّلُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاضِي لَهُ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ لِلْوَكِيلِ، وَجَازَ عَلَى الْوَكِيلِ كَمَا لَوْ كَانَ أَصِيلًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْقَاضِي وَصِيَّ يَتِيمٍ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ لَهُ فِي أَمْرِ الْيَتِيمِ، إذْ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ لِلْيَتِيمِ حَقُّ الْقَبْضِ يَثْبُتُ لِلْوَصِيِّ فَيَصِيرُ كَحُكْمِهِ لِابْنِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
أَوْصَى لِلْقَاضِي بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَهُ وَصِيٌّ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ بِشَيْءٍ لِذَلِكَ الْمَيِّتِ إذْ لَهُ نَصِيبٌ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ لِلْمَيِّتِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ ابْنَ الْقَاضِي أَوْ امْرَأَتَهُ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ فِيمَا يَدَّعِي لِلْمَيِّتِ، وَكَذَا لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِلْقَاضِي إذْ يُمَهِّدُ بِحُكْمِهِ مَحِلَّ حَقِّهِ.
وَلَوْ وَكَّلَتْ امْرَأَةُ الْقَاضِي وَكِيلًا بِخُصُومَةٍ ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ وَمَضَتْ الْعِدَّةُ فَحَكَمَ لِوَكِيلِهَا جَازَ، وَكَذَا وَكِيلُ مُكَاتَبِهِ إذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتَ الْحُكْمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّقِيَ التُّهْمَةَ فِيهِ جُمْلَةً.
[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمَقْضِيُّ فِيهِ وَهُوَ جَمِيعُ الْحُقُوقِ]
اعْلَمْ: أَنَّ خُطَّةَ الْقَضَاءِ أَعْظَمُ الْخُطَطِ قَدْرًا وَأَجَلُّهَا خَطَرًا، وَعَلَى الْقَاضِي مَدَارُ الْأَحْكَامِ وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الْقَضَايَا مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي قَبْضِ الْخَرَاجِ.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ سَهْلٍ: يَخْتَصُّ الْقَاضِي بِوُجُوهٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ، وَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالْعَقْدِ وَالتَّرْشِيدِ وَالتَّحْجِيرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالْمَوَارِيثِ وَالنَّظَرِ لِلْأَيْتَامِ وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الْغَائِبِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَنْسَابِ وَالْجِرَاحَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَالْإِثْبَاتِ وَالتَّسْجِيلِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَجِبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفَعَ مِنْ عِنْدِهِ نُظَرَاءَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ كَمَا يَرْفَعُ غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ إلَيْهِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا لَا تُرْفَعُ إلَّا إلَيْهِ وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي دِيوَانِهِ، وَإِذَا ضَيَّعَ الْقَاضِي ذَلِكَ كَانَتْ مِنْهُ هُجْنَةٌ.
قَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِ أَشْيَاخِي: هَذَا الَّذِي أَدْرَكْت النَّاسَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكَّامِ الْقُضَاةَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ فِيهَا.
الجزء 1 · صفحة 36
فَصْلٌ) :
وَأَمَّا غَيْرُ الْقَاضِي فَمَقْصُورٌ عَلَى مَا قَدِمَ عَلَيْهِ
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ فِيهِ خَارِجَ الْبَلَدِ كَيْفَ يَحْكُمُ وَالْمِصْرُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؟ ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يُنَصِّبَ وَاحِدًا مِنْ أَعْوَانِهِ فَيَسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ وَيَقْضِي هُنَاكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْضِي حُكْمَهُ.
[الرُّكْنُ الْخَامِسُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ]
وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، إمَّا بِإِقْرَارِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَيَمِينِ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، وَإِمَّا بِلَدَدِهِ وَتَغَيُّبِهِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلَدَدِهِ عَنْ الْجَوَابِ عَلَى طَبَقِ الدَّعْوَى وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي مَحِلِّهَا.
(فَصْلٌ) :
وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعٌ: مِنْهُمْ الْحَاضِرُ الْمَالِكُ أَمْرَهُ، وَمِنْهُمْ الْغَائِبُ، وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ الْوَرَثَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فَأَمَّا الْحَاضِرُ الْمَالِكُ أَمْرَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سِيرَةِ الْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهَا فِي الْجَوَابِ وَالنُّكُولِ وَالْبَيِّنَةِ.
وَأَمَّا الْغَائِبُ: فَقَدْ ذَكَرْت الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى وَذِكْرِ أَنْوَاعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ وَالْوَرَثَةُ: فَهُمْ مَذْكُورُونَ فِي الدَّعَاوَى فِي أَنْوَاعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَلَا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا تَظَالَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْهِ وَرَضُوا بِحُكْمِهِ، وَلْيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] قَالَ بَعْضُهُمْ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ تَرْضَ أَسَاقِفَتُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي التَّظَالُمِ، مِثْلَ أَنْ يَمْنَعَ وَارِثٌ وَارِثًا حَقَّهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إذَا رَضِيَ الْمُتَظَالِمَانِ بِذَلِكَ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالزِّنَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
[الرُّكْنُ السَّادِسُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ]
وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَاصْطِلَاحِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَفِيهِ فُصُولٌ.
الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحُكَّامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَمَا هُوَ حُكْمٌ وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ.
الثَّانِي: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ نَقْضُهَا، وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَيَجُوزُ نَقْضُهَا.
الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ وَمَا لَا تَفْتَقِرُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَبَيَانِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا.
الرَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَبَيَانُ أَحْكَامِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
الْخَامِسُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ.
السَّادِسُ: فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَمَعْنَى تَنْفِيذِهِ حُكْمَ غَيْرِهِ.
السَّابِعُ: فِي بَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْحُكْمِ الثَّانِي: فِي تَنْبِيهَاتٍ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ التَّنَبُّهُ لَهَا فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَمَا يَمْتَنِعُ الْإِشْهَادُ بِهِ.
[الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إلَيْهِ] اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَلْزَمُ تَقْرِيرَ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكِمَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لَا؟ ، كَمَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ: امْرَأَةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى حَنَفِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلَا يَتَعَرَّضُهُ قَاضٍ آخَرُ.
وَقَالَ أُنَاسٌ خَارِجَ الْمَذْهَبِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ لَا أُجِيزُ
الجزء 1 · صفحة 37
النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ، فَهَذَا فَتْوَى، وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ: لَا أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَهُوَ فَتْوَى اتِّفَاقًا.
(فَرْعٌ) :
وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ عَلَى الْمِلْكِ أَوْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ فَأَقَرَّ النِّكَاحَ عَلَى حَالِهِ أَوْ أَقَرَّ الْمَمْلُوكَ رَقِيقًا ثُمَّ رُفِعَ إلَى غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الْقَتْلِ فَرُفِعَ لِمَنْ لَا يَرَى الْقَسَامَةَ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَوَّلِ عَنْ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
(فَرْعٌ) :
فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَسْمَعُ بَيِّنَتَك؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ قُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، أَوْ قَالَ: لَا أَرَى الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ: لَا أَحْكُمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، أَوْ لَا أُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ وَمَذْهَبِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ، وَمِمَّا نَحْنُ فِيهِ قَوْلُهُ: لَا أَدْرِي لَك حَقًّا فِي هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَطَلَبِ الْحُكْمِ " سَلِّمْ الْمَحْدُودَ إلَى الْمُدَّعِي " لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ حُكْمٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ إلْزَامٌ وَحُكْمٌ.
وَنَصَّ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي لَيْسَ بِحُكْمٍ إذْ قَالَ فِيهَا قَوْلَهُ " ده " لَيْسَ بِحُكْمٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: حُكْمُ كردم، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى فَقِيرٍ وَاحْتَاجَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ فَأَعْطَاهُ الْقَاضِي شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَضَاءً مِنْ الْقَاضِي، لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَتْوَى، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ جَمِيعَ الْغَلَّةِ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: حَكَمْت بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي غَيْرَ قَرَابَتِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ، إذْ فِعْلُ الْقَاضِي لَيْسَ بِحُكْمٍ، " مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ".
[فَصْل: تَصَرُّفَات الْحُكَّامِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ وَمَا لَا تَسْتَلْزِمُ، وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِيهَا بِمَا بَاشَرَ حُكْمَهُ، وَمَا لَا يَتَنَاوَلُ عَوَارِضَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَبَيَانِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْحُكْمَ وَلَيْسَتْ بِحُكْمٍ.
اعْلَمْ: أَنَّ فِعْلَ الْحَاكِمِ فِي الْوَاقِعَةِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ وَقَدْ يَعْرَى عَنْ الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ.
فَالْأَوَّلُ: كُلُّ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجَبِ وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: قَدْ حَكَمْتُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ إذَا كَانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيلِ الْمُطَابَقَةِ، وَيَدُلُّ ذَلِكَ بِالِالْتِزَامِ عَلَى الْحُكْمِ بِإِبْطَالِ الْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ بُطْلَانُ الْعِتْقِ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ الْحَاكِمُ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، فَإِنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْبَيْعِ حُكْمٌ بِبُطْلَانِ الْعِتْقِ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَلِكَ إقْدَامُ الْحَاكِمِ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ زَوَاجًا يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِفَسْخِ نِكَاحِهَا الْمُتَقَدِّمِ، يُرِيدُ أَنَّ الْحَاكِمَ زَوَّجَهَا قَبْلَ دُخُولِ الْأَوَّلِ بِهَا.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحَاكِمِ مِلْكَ الْمَدِينِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْهُ وَخُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخَ الْعُقُودِ لَا شَكَّ أَنَّهُ حُكْمٌ.
وَالثَّانِي: كَسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَسَمَاعِ الشُّهُودِ وَتَزْوِيجِ يَتِيمَةٍ تَحْتَ حِجْرِهِ أَوْ بَيْعِ سِلْعَةٍ لَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلًّا فِي بَعْضِ شُرُوطِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الثَّانِي فَلَهُ فَسْخُهُ.
فَرْعٌ مِنْهُ: اعْلَمْ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفَسْخِ وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِيهَا اجْتِهَادِيٌّ: أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ جَلِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ حُكْمَ
الجزء 1 · صفحة 38
الْحَاكِمِ لَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْفَسْخَ.
وَأَمَّا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْعَوَارِضِ فَذَلِكَ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْمُفْتِي، وَكَذَلِكَ لَوْ حَدَثَتْ قَضِيَّةٌ أُخْرَى مِثْلُ الْقَضِيَّةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِالْفَسْخِ فِي وِلَايَةِ ذَلِكَ الْقَاضِي وَلَمْ تُرْفَعْ إلَيْهِ أَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهَا حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ نَظَرٍ آخَرَ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الْقَاضِي الثَّانِي، وَلَا يَكُونُ الْقَاضِي الْأَوَّلُ مُتَنَاوِلًا إلَّا لِمَا بَاشَرَهُ بِالْحُكْمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَا يَنْظُرُ الْقَاضِي فِيهِ يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ.
وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تَشْهَدُ بِمَا رَأَتْهُ أَوْ شَافَهَتْهُ وَذَلِكَ أَمْرٌ جُزْئِيٌّ، هَذَا هُوَ غَالِبُ مَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَتُحْكَمُ الْقُضَاةُ بِهِ.
(فَرْعٌ) :
إذَا ثَبَتَ مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَسَخَ نِكَاحًا بَيْنَ زَوْجَيْنِ بِسَبَبِ أَنَّ أَحَدَهُمَا رَضَعَ أُمَّ الْآخَرِ وَهُوَ كَبِيرٌ فَالْفَسْخُ ثَابِتٌ لَا يَنْقُضُهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ فَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ وَلِيَ بَعْدَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ الْفَسْخُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُبِيحَهَا لَهُ إنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ إرْضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَكَذَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادَهُ فَلَهُ أَنْ يُبِيحَهَا لَهُ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُبِيحَهَا لَهُ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ حُكْمُ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمَا حُكْمٌ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَ رَجُلٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَوْ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ مَالِكِيٍّ فَحَكَمَ بِالْفَسْخِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ لِرَأْيٍ رَآهُ أَوْ لِتَقْلِيدِهِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ ثُمَّ تَزَوَّجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ بِعَيْنِهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الْفَاسِدِ الَّذِي حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِهِ بَيْنَهُمَا فَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَوْ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لَا يَتَنَاوَلُ فَسَادَ هَذَا الْفِعْلِ الثَّانِي، بَلْ إذَا أَدَّى نَظَرُ الْقَاضِي الثَّانِي إلَى خِلَافِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْأَوَّلِ إمَّا مِنْ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ كَانَ حَنَفِيًّا.
مِثَالُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ عَبْدًا صَحَّ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ عِنْدَهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى لِلْبُضْعِ مَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى ذَلِكَ الْبَاقِي عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ.
[فَصْلٌ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ الْحُكَّامِ تَغْيِيرُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا عَلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ.
وَقَدْ الْتَبَسَ أَمْرُ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَغَيْرُهُ يَجُوزُ نَقْضُهُ وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرُوهُ عِشْرِينَ نَوْعًا وَهِيَ عَامَّةُ تَصَرُّفَاتِهِمْ فَيَسْلَمُ فِيهَا مِنْ الْغَلَطِ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْعُقُودُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَيْتَامِ وَعَلَى مَنْ هُوَ تَحْتَ الْحَجْرِ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ، وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى أَمْلَاكِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ لَيْسَتْ حُكْمًا وَلِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ فِيهَا.
فَإِنْ وَجَدَهَا بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ أَوْ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ وَجَدَ الْمَرْأَةَ مَعَ غَيْرِ كُفْءٍ فَلَهُ نَقْلُ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا تَكُونُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ حُكْمًا فِي نَفْسِهَا أَلْبَتَّةَ.
نَعَمْ قَدْ تَكُونُ حُكْمًا فِي غَيْرِهَا بِأَنْ تَتَوَقَّفَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ عَلَى إبْطَالِ تَصَرُّفَاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الْحَاكِمِ الْآنَ كَتَزْوِيجِهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ وَالْحَاكِمُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، أَوْ بِيعَتْ الْعَيْنُ مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَالْحَاكِمُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ يَقْتَضِي فَسْخَ تِلْكَ الْعُقُودِ السَّابِقَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الثَّانِي: إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فِي الذَّوَاتِ نَحْوُ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ الْجَرْحِ أَوْ أَهْلِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِلصَّلَاةِ
الجزء 1 · صفحة 39
أَوْ أَهْلِيَّةِ الْحَضَانَةِ أَوْ أَهْلِيَّةِ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ مِمَّا هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَقْبَلَ ذَلِكَ، وَيُعْتَقَدُ فِسْقُهُ إنْ ثَبَتَ سَبَبُهُ عِنْدَهُ، وَيُقْبَلُ ذَلِكَ الْمَجْرُوحُ إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: ثُبُوتُ أَسْبَابِ الْمُطَالَبَاتِ، نَحْوُ ثُبُوتِ مِقْدَارِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَإِثْبَاتِ الدُّيُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَإِثْبَاتِ النَّفَقَاتِ لِلْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ وَإِثْبَاتِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ وَنَحْوِهِ.
فَإِنَّ إثْبَاتَ الْحَاكِمِ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يُغَيِّرَ مِقْدَارَ تِلْكَ الْأُجْرَةِ وَتِلْكَ النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُطَالَبَةِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: إثْبَاتُ الْحِجَاجِ الْمُوجِبَةِ لِثُبُوتِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، نَحْوُ كَوْنِ الْحَاكِمِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ التَّحْلِيفُ مِمَّنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحَلْفُ وَثُبُوتُ إقَامَةِ الْبَيِّنَاتِ مِمَّنْ أَقَامَهَا، وَثُبُوتُ الْإِقْرَارَاتِ مِنْ الْخُصُومِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ حِجَاجٌ تُوجِبُ ثُبُوتَ أَسْبَابٍ مُوجِبَةٍ لِاسْتِحْقَاقِ مُسَبَّبَاتِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَاكِمِ أَثْبَتَهَا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا، بَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ فَيُبْطِلُ أَوْ لَا يُبْطِلُ، بَلْ إذَا اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى خَلَلٍ تَعَقَّبَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْإِثْبَاتُ السَّابِقُ مَانِعًا مِنْ تَعَقُّبِ الْخَلَلِ فِي تِلْكَ الْحِجَاجِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: إثْبَاتُ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوُ الزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ وُجُوبُ الْفِطْرِ أَوْ فِعْلُ النُّسُكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ إثْبَاتِ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ لَا يَصُومَ فِي رَمَضَانَ إذَا أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ بِوَاحِدٍ وَلَمْ يَكُنْ غَيْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إثْبَاتُ سَبَبٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَبَبًا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا.
النَّوْعُ السَّادِسُ: مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الْفَتَاوَى فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْأَبْضَاعِ وَإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ وَطَهَارَةِ الْمِيَاهِ وَنَجَاسَةِ الْأَعْيَانِ، فَلَيْسَ هَذَا بِحُكْمٍ بَلْ لِمَا يُعْتَقَدُ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ الْحَاكِمُ أَوْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرُوا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ مُنْكَرًا أَوْ مَعْرُوفًا، فَلِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ إلَّا أَنْ يَدْعُوَهُ الْإِمَامُ لِلْإِنْكَارِ وَتَكُونُ مُخَالَفَتُهُ شِقَاقًا فَتَجِبُ الطَّاعَةُ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يُسَاعِدُهُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ نَحْوَ خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْشَى فِتْنَةً نَهَى الشَّرْعُ عَنْ الْمُسَامَحَةِ فِيهَا.
النَّوْعُ السَّابِعُ: تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْحُكَّامِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمُنَفِّذِ بِأَنْ يَقُولَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ تَأْدِيبُ ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَوْ عَزْلُهُ.
(تَنْبِيهٌ) :
كُلُّ تَسْجِيلٍ يَتَضَمَّنُ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِغَائِبٍ أَوْ لِصَغِيرٍ أَوْ حَاضِرٍ بَعْدَ بَيِّنَتِهِ فَلِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِمَا يَجِبُ بِخِلَافِ التَّسْجِيلَاتِ الْمُطْلَقَةِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ: تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِ الِاسْتِخْلَاصِ وَوُصُولِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ الْحَبْسِ وَالْإِطْلَاقِ وَأَخْذِ الْكُفَلَاءِ الْأَمْلِيَاءِ وَأَخْذِ الرُّهُونِ لِذَوِي الْحُقُوقِ وَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْحَبْسِ بِالشُّهُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ كَيْفَمَا تَقَلَّبَتْ لَيْسَتْ حُكْمًا لَازِمًا، وَلِغَيْرِ الْأَوَّلِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا.
الجزء 1 · صفحة 40
النَّوْعُ التَّاسِعُ: التَّصَرُّفُ فِي أَنْوَاعِ الْحِجَاجِ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ عِلْمِك بِهَا وَقُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، فَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: تَوْلِيَةُ النُّوَّابِ فِي الْأَحْكَامِ وَنَصْبُ الْكُتَّابِ وَالْقُسَّامِ وَالْمُتَرْجِمِينَ وَالْمُقَوِّمِينَ وَأُمَنَاءِ الْحُكْمِ لِلْأَيْتَامِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّابِ وَالْوَزَعَةِ وَنَصْبُ الْأُمَنَاءِ فِي أَمْوَالِ الْغُيَّابِ وَالْمَجَانِينِ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ نَقْضُ ذَلِكَ وَتَبْدِيلُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْغَرَضِ.
النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فِي الذَّوَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ كَالتَّرْشِيدِ وَإِزَالَةِ الْحَجْرِ عَنْ الْمُفْلِسِينَ وَالْمَجَانِينِ وَالْمُبَذِّرِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمٍ يَتَعَذَّرُ نَقْضُهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ضِدُّ مَا تَحَقَّقَ عِنْدَ الْأَوَّلِ نَقَضَ ذَلِكَ وَحَكَمَ بِضِدِّهِ، فَيُطْلِقُ مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ وَيَحْجُرُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةٍ لَا إنْشَاءُ حُكْمٍ.
النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ: الْإِطْلَاقَاتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَتَقْدِيرُ مَقَادِيرِهَا فِي كُلِّ عَطَاءٍ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ الْخُمْسِ فِي الْجِهَادِ، أَوْ الْإِطْلَاقَاتُ مِنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ الَّتِي تَحْتَ يَدِ الْحُكَّامِ عَلَى مَصَالِحِ الْأَيْتَامِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ فِي الْأَرْزَاقِ لِلْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْقُسَّامِ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالصُّلَحَاءِ، وَإِطْلَاقَاتُ الْإِقْطَاعَاتِ لِلْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ.
النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: اتِّخَاذُ الْأَحْمِيَةِ مِنْ الْأَرَاضِي الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهَا إبِلُ الصَّدَقَةِ وَغَيْرُهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَهَذَا لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ بَعْدَهُ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ الْحِمَى وَيَفْعَلَ فِي تِلْكَ الْأَرَاضِي مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَأْمِيرُ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَقَدْ عَزَمَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى رَدِّ جَيْشِ أُسَامَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَّزَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَنَفَّذَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا ظَهَرَ لَهُ تَنْفِيذُهُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَهُ عَقِيبَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَاهْتِمَامِهِمْ بِالْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا، فَنَفَّذَهُ لِتَعَذُّرِ نَقْضِهِ.
النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ: تَعْيِينُ أَحَدِ الْخِصَالِ فِي عُقُوبَةِ الْمُحَارَبِينَ، وَذَلِكَ التَّعْيِينُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ رُفِعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى بِالتَّخْيِيرِ مُطْلَقًا قَبْلَ التَّنْفِيذِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ تَعْيِينَ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ الْأَوَّلُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ التَّعْزِيرَاتِ إذَا رُفِعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ قَبْلَ التَّنْفِيذِ فَرَأَى خِلَافَ ذَلِكَ فَلَهُ تَعْيِينُ مِقْدَارِهِ وَإِبْطَالُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ اجْتِهَادٌ فِي سَبَبٍ هُوَ الْجِنَايَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ لِلثَّانِي أَنَّهَا تَقْتَضِي ذَلِكَ حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَعْيِينِ الْأَسَارَى لِلرِّقِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأَسَارَى يُقْتَلُونَ فَقَطْ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ جَوَازُ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَهُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِاَلَّذِي اخْتَارَهُ، وَهُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ الْخَمْسِ الَّتِي يَخْتَارُ فِيهَا الْإِمَامُ مِنْ الْأَسْرِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ،
الجزء 1 · صفحة 41
فَاخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، بِخِلَافِ مَقَادِيرِ التَّعْزِيرَاتِ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ فِيهِ أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فِعْلٌ، فَالتَّعْزِيرُ بِحَسَبِ عِظَمِهِ وَحَقَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُحَارَبِينَ إنْ وُجِدَ مِنْ الْمُحَارَبِينَ الْقَتْلُ وَعَيَّنَ الْإِمَامُ الْقَتْلَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إنْشَاءَ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَأَمَّا إذَا عَيَّنَ الْقَتْلَ فِي مُحَارَبٍ لَمْ يَقْتُلْ، بَلْ عَيَّنَ الْقَتْلَ لِعِظَمِ رَأْيِهِ وَذَهَابِهِ وَأَنَّ قَتْلَهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَمْنَعُ قَتْلَ الْمُحَارَبِ إلَّا إذَا قَتَلَ وَلَا يَقْطَعُهُ إلَّا إذَا سَرَقَ، فَتَصِيرُ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْأَسْرَى، فَتَتَعَيَّنُ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ عُقُوبَةِ الْمُحَارَبِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَكَذَلِكَ تَعْيِينُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ لِلْبَيْعِ أَوْ الْقَسْمِ أَوْ الْوَقْفِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْجُنَاةِ وَرَدْعِ الطُّغَاةِ إذَا لَمْ يُنَفِّذْ هُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَقَتْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْقَتْلَ وَحَكَمَ بِهِ كَانَ هَذَا إنْشَاءَ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، بِخِلَافِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لَيْسَ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، بَلْ جَوَازُهُ عِنْدَ سَبَبِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا هُوَ الْتِزَامٌ لِكِفَايَةِ الشَّرِّ حَالَةَ الضَّعْفِ، فَلِغَيْرِهِ بَعْدَهُ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُبْقِيهِ أَوْ لَا فَيَنْقُضُهُ وَيُبْطِلُهُ.
النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، لَكِنْ لَيْسَ لِكَوْنِهِ حُكْمًا إنْشَائِيًّا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ الْعُقُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَلْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ هَذَا الْعَقْدَ مُوجِبًا لِلِاسْتِمْرَارِ فِي حَقِّ الْمَعْقُودِ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي النَّقْضَ كَعَقْدِهِ لِأَهْلِ دِينٍ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، نَحْوِ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَنَحْوِهِمْ.
النَّوْعُ الْعِشْرُونَ: تَقْدِيرُ الْخَرَاجِ عَلَى الْأَرَضِينَ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، إنَّمَا هُوَ تَرْتِيبُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَسْبَابُ الْحَاضِرَةُ، فَإِنْ ظَهَرَ لِغَيْرِهِ أَنَّ السَّبَبَ عَلَى خِلَافِ مَا اعْتَقَدَهُ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِالْبَخْسِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ.
[فَصْلٌ مَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ]
(فَصْلٌ) :
وَمِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ تَفْلِيسُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَجْرِ عَلَى الْمِدْيَانِ الْقَضَاءُ بِإِفْلَاسِهِ أَوَّلًا ثُمَّ الْحَجْرُ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ حَجْرُهُ مِنْ غَيْرِ الْقَضَاءِ بِإِفْلَاسِهِ بِالْإِجْمَاعِ " مِنْ الذَّخِيرَةِ ".
وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمِدْيَانُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ لِتَعَارُضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِتْقِ وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْحُدُودُ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَتْ مَقَادِيرُهَا مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ تَفْوِيضَهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ يُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْقَتْلِ وَفَسَادِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْعَبْدِ إلَّا بِالْحُكْمِ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ فِي الْعِتْقِ وَحَقِّ السَّيِّدِ فِي الْمِلْكِ وَحَقِّ الْعَبْدِ فِي تَخْصِيصِ الْكَسْبِ وَقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي التَّمْلِيكِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحُكْمِ وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْغَائِبِينَ مِنْ الْمَفْقُودِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْمَقَادِيرِ، وَأَسْبَابُ الِاسْتِحْقَاقَاتِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحَاكِمِ، وَلَوْ فُرِضَتْ لِجَمِيعِ النَّاسِ لَدَخَلَهُمْ الطَّمَعُ وَأَحَبَّ كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ.
وَكَذَلِكَ جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ وَأَخْذُ الْخَرَاجَاتِ مِنْ أَرَاضِي الْعَنْوَةِ لَوْ جُعِلَتْ إلَى الْعَامَّةِ لَفَسَدَ الْحَالُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحَاكِمِ.
وَكَذَلِكَ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا.
الجزء 1 · صفحة 42
الْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ كَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَتَحْرِيمِ السِّبَاعِ، وَكَذَلِكَ وَفَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَأَحْكَامُ الْعِبَادَاتِ، فَالْمُبَادَرَةُ بِهَا مُتَعَيِّنَةٌ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا بِطَرِيقِ الْعَرْضِ فَيَدْخُلُهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ أَوْ لَا؟ مِثَالُ ذَلِكَ: فَسْخُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَخَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَكَذَلِكَ فَسْخُ النِّكَاحِ بَعْدَ التَّخَالُفِ، فِيهِ الْخِلَافُ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ الْيَتِيمُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِوَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ هَلْ يَكْفِي إطْلَاقُهُ لِلْيَتِيمِ مِنْ الْحَجْرِ دُونَ مُطَالَعَةِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ إطْلَاقُ الْوَصِيِّ لَهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِتَمَامِ التَّحَالُفِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ دُونَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمُنْتَقَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا حَتَّى يُفَرِّقَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَكَذَلِكَ الْقَاضِي: هَلْ يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ فِسْقِهِ أَوْ لَا حَتَّى يَعْزِلَهُ الْإِمَامُ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ، وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، فَالطَّهَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَلَا بِالْمُوجَبِ اسْتِقْلَالًا لَكِنْ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ كَتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ نَجَاسَتِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلِّقِ وَوُجُودِ صِفَتِهِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةُ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالتَّضَمُّنِ، مِثْلُ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ بِوُضُوءٍ خَالٍ عَنْ النِّيَّةِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ مَسِّ الذَّكَرِ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَالْحَاكِمُ مُعْتَقِدٌ صِحَّةَ ذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ مُتَضَمِّنًا صِحَّةَ وُضُوئِهِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الصَّلَاةِ الْخَالِيَةِ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَوْ عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ قَاضٍ حَضَرَ عِنْدَ أَمِيرٍ وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِجَامِعٍ بَنَاهُ ذَلِكَ الْأَمِيرُ، فَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي يَحْكُمُ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ.
قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَدْخُلَ ذَلِكَ وَلَا نَحْوُهُ تَحْتَ الْحُكْمِ اسْتِقْلَالًا وَلَا تَضَمُّنًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنْ يَدْخُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ تَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى الْمُعَلِّقِ بِمَا الْتَزَمَهُ يَتَضَمَّنُ صِحَّةَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى إلْزَامِ الشَّخْصِ لَا مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ بِجَوَازٍ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ بِصِحَّةِ الْإِخْرَاجِ أَوْ بِمُوجَبِ الْإِخْرَاجِ عِنْدَهُ وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا مَذْهَبَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ سَوَاءً حَكَمَ بِالصِّحَّةِ أَوْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ: فَيَدْخُلُهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ إذَا صَامَ الْوَلِيُّ الْوَارِثُ عَنْ الْمَيِّتِ وَطَلَبَ الْوَصِيُّ أَنْ يُخْرَجَ الطَّعَامُ فَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنْهُ وَتَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ أَوْ بِمُوجَبِهِ فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ حِينَئِذٍ وَلَا أَنْ يُطَالِبَ الْوَارِثَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ: فَيَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا وَتَضَمُّنًا.
أَمَّا اسْتِقْلَالًا: فَفِي مَسَائِلَ مِنْهَا: مَنْ اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَكَفَ الْمِدْيَانُ هَرَبًا مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَأَمَّا التَّضَمُّنُ: فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَأَمَّا الْحَجُّ: فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ حَنْبَلِيٌّ حَجَّهُ إلَى الْعُمْرَةِ حَيْثُ يَسُوغُ عِنْدَهُ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَلَيْسَ مُعْتَقَدُهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ مِنْ تَمْكِينِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ فَارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ فَحَكَمَ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ مَا فَعَلَ زَوْجُهَا الْحَنْبَلِيُّ أَوْ حَكَمَ
الجزء 1 · صفحة 43
بِمُوجَبِ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالتَّمْكِينِ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ مَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ وَهُوَ نَفْسُ الْمُوجَبِ.
وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ: فَهِيَ عِبَادَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ يَدْخُلُهَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ فِي التَّعْلِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الصَّيْدُ: فَيَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، فَإِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي صَيْدٍ وَتَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ وَتَصَادَقَا عَلَى فِعْلَيْنِ صَدَرَا مِنْهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ مَثَلًا أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي فَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ الْمَالِكُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمِلْكَ، وَجَمِيعُ وُجُوهِ الْمِلْكِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ.
وَأَمَّا الذَّبَائِحُ: فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ مِنْ جِهَةِ التَّقْصِيرِ الْمُقْتَضِي لِلتَّغْرِيمِ.
وَكَذَا دَفْعُ الْأُجْرَةِ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ ذَبْحٌ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَ صَاحِبُ الذَّبِيحَةِ الذَّبِيحَةَ لِشَخْصٍ ثُمَّ تَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَرَامٌ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ وَظَهَرَ لِلْحَاكِمِ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ وَحَكَمَ عَلَى الْبَائِعِ بِرَدِّ الثَّمَنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِتَحْرِيمِ الذَّبِيحَةِ.
وَكَذَا إذَا ثَبَتَ التَّقْصِيرُ فِي الذَّبْحِ وَحَكَمَ بِالْغُرْمِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِحُرْمَةِ الذَّبِيحَةِ وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ: فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا.
مِثَالُهُ: إذَا نَزَلَتْ بِرَجُلٍ مَخْمَصَةٌ وَوَجَدَ مَعَ رَجُلٍ طَعَامًا فَامْتَنَعَ مِنْ إطْعَامِهِ وَمِنْ مُسَاوَمَتِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ فَإِنْ مَاتَ الْجَائِعُ وَجَبَ الْقِصَاصُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ وَإِنْ أَخَذَهُ الْجَائِعُ قَهْرًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَأَمَّا النِّكَاحُ وَتَوَابِعُهُ: فَدُخُولُ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فِيهِمَا وَاضِحٌ.
وَكَذَا سَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِسْمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْحَبْسِ وَالْوَكَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْحُمَالَةِ وَالضَّمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْمُعَامَلَاتِ كُلِّهَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، فَلَا نُطَوِّلُ بِالتَّمْثِيلِ.
[فَصْلٌ الْفَرْقِ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي التَّسْجِيلَاتِ]
(فَصْلٌ) :
فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَهِيَ مَرَاتِبُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَأَعْلَاهَا " لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ أَعْنِي: بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَقْفًا كَانَ أَوْ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي حَدِّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَضَاءِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ قَابِلٍ لِقَضَائِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ عَلَى وَجْهِهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، فَقَوْلُنَا عَنْ قَضَاءٍ يُخْرِجُ الثُّبُوتَ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ فِي قَوْلٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُنَا " مَنْ لَهُ ذَلِكَ " يَدْخُلُ فِيهِ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ الَّذِينَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرُ الْعَزْلِ، وَحَاكِمُ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالْكَافِرُ حَاكِمُ الْكَفَرَةِ وَالْمُحَكَّمُ.
وَقَوْلُنَا " قَابِلٌ لِقَضَائِهِ " يَخْرُجُ بِهِ مَا لَا يَقْبَلُ الْقَضَاءَ مِنْ عِبَادَةٍ مُجَرَّدَةٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلْزَامٌ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَيَنْجَرُّ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ.
وَقَوْلُنَا " ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ " يَعُمُّ الثُّبُوتَ بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَبِالْإِقْرَارِ وَبِعِلْمِ الْقَاضِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ بَعْدَ النُّكُولِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ " وُجُودُهُ " أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَوَجَّهُ الْحُكْمُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ " بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا " يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَثْبُتَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَرْهُونِ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْجَانِي جِنَايَةً تُوجِبُ أَرْشًا مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ انْتِفَاءَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا فِي الْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ غَيْرِ الْمَحْصُورِ مُتَعَذَّرٌ.
وَإِنَّمَا طَلَبُ ذَلِكَ فِي أَنْ لَا وَارِثَ لِلْمَيِّتِ سِوَى الْقَائِمِ مِنْ أَجْلِ ظُهُورِ اسْتِحْقَاقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَوَانِعُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَاَلَّذِي يُعْتَمَدُ غَالِبًا فِي التَّسْجِيلَاتِ بِالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْوَقْفِ
الجزء 1 · صفحة 44
وَنَحْوِهِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ، وَاكْتَفَوْا بِشُهْرَةِ بُلُوغِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ وَرُشْدِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّا نَرَى الْحُكَّامَ فِي عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ يَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ بِخُلُوِّ الزَّوْجَةِ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ مِنْ زَوْجٍ وَعِدَّةٍ وَنَحْوِهَا، فَهَلَّا طَلَبُوا الشَّهَادَةَ عَلَى خُلُوِّ الْبَيْعِ مِنْ رَهْنٍ وَجِنَايَةٍ؟ قُلْنَا: سَبَبُهَا الِاحْتِيَاطُ فِي الْأَبْضَاعِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لَوْ وَقَعَ كَانَ مَشْهُورًا غَالِبًا، فَطَلَبُنَا الشَّهَادَةَ بِعَدَمِهِ لِإِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ.
وَقَوْلُنَا: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ هَذَا هُوَ مَحَطُّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُكْمِ فَمِنْ شَرْطِ هَذَا الْحُكْمِ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمَالِكِ وَحِيَازَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَصِحَّةِ صِيغَتِهِ فِي مَذْهَبِ الْقَاضِي، يُرِيدُ إنْ كَانَ شَافِعِيًّا، وَصِحَّةُ الصِّيغَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي مَوَانِعَ مَعْدُودَةٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَصُرِّحَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ أَعْنِي: مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ أَعْنِي بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَقْفًا كَانَ أَوْ بَيْعًا، فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِاجْتِهَادِ مِثْلِهِ إنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَرِيبًا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ بِنَاؤُهُ عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَعْنِي: " الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ " الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ تَبَيُّنِ عَدَمِ الْمِلْكِ أَوْ شَرْطٍ آخَرَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَصَدَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ نَقَضَهُ ذَلِكَ الْقَاضِي نَفْسُهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْخَلَلَ الَّذِي ظَهَرَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي مَحِلِّ الْحُكْمِ لَا فِي الْحُكْمِ.
وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي التَّسْجِيلِ لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَثِيرًا مَا يُكْتَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي التَّسْجِيلَاتِ، فَيُحْمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الثُّبُوتِ فَيُرَاجَعُ فِيهِ الْحَاكِمُ وَلَا يَكُونُ صَرِيحًا، فَإِنْ عَسِرَتْ الْمُرَاجَعَةُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ، وَمَعْنَى صِحَّتِهِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى حُكْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ إلْزَامُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، فَإِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ نَفَذَ وَصَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَمِنْ شَرْطِ هَذَا الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ وَأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَصِحَّةِ الصِّيغَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَكُلُّ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَعَرَفَهُ الْقَاضِي وَحَكَمَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ ارْتَفَعَ أَثَرُ ذَلِكَ الْخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاقِعَةِ فَهِيَ صِحَّةٌ مُطْلَقَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِ الْخِلَافِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْفَسَادُ.
وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ: لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ، وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَارَفَةِ الَّتِي غَلَبَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةُ صِيغَتِهِ، وَكَوْنُ تَصَرُّفِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِيهِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ.
وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ وَهُمَا: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةُ صِيغَتِهِ، فَيَحْكُمُ بِمُوجَبِهَا وَهُوَ مُقْتَضَاهَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا وَمُوجَبَهَا ذَلِكَ.
وَكَأَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ نَقْضٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ نَقْضُهُ، وَلَا يُنْقَضُ إلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ عَدَمُ الْمِلْكِ فَيَكُونُ نَقْضُهُ كَنَقْضِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) :
وَإِنَّمَا جَازَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْسُرُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ.
قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ نَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ " وَهِيَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ " فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذَاهِبِ إلَّا فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ لِبَيَانِ حَدِّ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ قَضَاءُ الْمُتَوَلِّي بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالْإِلْزَامِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ خَاصًّا أَوْ عَامًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، فَذِكْرُ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ بِهِ الثُّبُوتُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ عِنْدَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الْمُتَوَلِّي الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ الَّذِينَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَيَجْرِي فِي قَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ بِالْإِلْزَامِ إلَى آخِرِهِ: يَعْنِي بِالْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ صُدُورُ الصِّيغَةِ فِي ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ يَتَوَجَّهُ إلَى الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ لَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
الجزء 1 · صفحة 45
وَمِنْ هَا هُنَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فُرُوقٌ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنَصَّبٌ إلَى نَفَاذِ الْعَقْدِ الصَّادِرِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلًا إلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ وَلَا بَقِيَّةَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَهَذَا غَيْرُ سَالِمٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ، وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ الصَّادِرَ إذَا كَانَ صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجَبِهِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ الَّذِي حَكَمَ بِالصِّحَّةِ، وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ الْأَوَّلُ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الثَّانِي، مِثَالُ ذَلِكَ: التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَمُوجَبُهُ إذَا كَانَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُنِعَ الْبَيْعُ، فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ.
وَلَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِمُوجَبِ التَّدْبِيرِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى نَقْضَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ، وَهَذَا النَّقْصُ حَرَامٌ لِمُدْرِكٍ آخَرَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ فِيهَا بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَا يَكُونُ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَكَذَا الْحُكْمُ بِحَبْسِ الْمِدْيَانِ حُكْمٌ بِالْمُوجَبِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الزَّانِي بِمُوجَبِ زِنَاهُ وَعَلَى السَّارِقِ بِمُوجَبِ سَرِقَتِهِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَنَحْوُهُ الْحَبْسُ، إلَّا إذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَطُلِبَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ بِطَرِيقِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِالصِّحَّةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، وَالْحَالُ مَا ذَكَرْنَا مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذَا ضَابِطٌ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ الْمُوَافِقِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ الَّذِي يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَيَكُونُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَحْكُومِ فِيهِ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَافِقِ وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمُخَالِفِ.
(تَنْبِيهٌ) :
قَوْلُهُ " لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ " مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ إنْشَاءَ حُكْمٍ إلَّا أَنْ يُنْشِئَ فِيهِ حُكْمًا، وَسَيَأْتِي مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ.
السَّادِسُ: لَوْ تَرَافَعَ مُتَبَايِعَانِ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَتَنَازَعَا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي التَّحَالُفَ فَحَكَمَ بِتَحَالُفِهِمَا كَانَ مِنْهُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ لَا بِصِحَّةِ التَّحَالُفِ، وَالتَّحَالُفُ قَبْلَ وُقُوعِهِ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ، وَكَذَا كُلُّ يَمِينٍ وَإِلْزَامٍ فِيمَا لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ مُوجَبُ الْحُجَّةِ الْقَائِمَةِ وَلَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ.
السَّابِعُ: لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ.
وَلَكِنْ يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي حُكْمًا لَهُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ حُصُولُ الْمِلْكِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِيمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ عَرَفَ الْحَاكِمُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَحُصُولَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي أَوْ فَسَادَ الْبَيْعِ وَفَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِالْمِلْكِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا جَرَى فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ: أَعْنِي بِالْمُوجَبِ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَعْنِي: صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْأَصْلِ قَبْضًا صَحِيحًا.
الجزء 1 · صفحة 46
الثَّامِنُ: يُتَصَوَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الْقَبْضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَبْضٍ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ، كَمَا إذَا أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَكِيلَ مَا اشْتَرَاهُ مَكِيلًا فَفَعَلَ، فَإِنَّ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ: فَلَوْ اشْتَرَى قَمْحًا مَثَلًا وَشَرَطَ فِيهِ الْكَيْلَ وَكَانَ الْبَائِعُ قَدْ اشْتَرَاهُ مَكِيلًا وَهُوَ فِي مِكْيَالِ الْبَائِعِ فَهَلْ يُغْنِي ذَلِكَ عَنْ التَّجْدِيدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
رَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ وَالْمُحِيطِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ فِي السَّلَمَ الثَّانِيَ.
فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَارْتَفَعَتْ قَضِيَّةٌ مِنْ هَاتَيْنِ أَعْنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا لِحَاكِمٍ شَافِعِيٍّ مَثَلًا فَحَكَمَ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْقَبْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ، وَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ بِطَرِيقِهِ صَحَّ، وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجَبِ الْقَبْضِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْحَاكِمُ عَقِيدَتَهُ فِي الْقَبْضِ وَيَقُولَ: حَكَمْت بِمُوجَبِ الْقَبْضِ فِي ذَلِكَ عَلَى مُوجَبِ مُعْتَقَدِي، فَلَوْ كَانَ مُعْتَقَدُ الْحَاكِمِ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَمُعْتَقَدُهُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِهِ عَقْدُ الْبَيْعِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ كَانَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْقَبْضِ حِينَئِذٍ مُقْتَضَاهُ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ بِهَذَا الْقَبْضِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ.
فَمِنْهَا: الْحُكْمُ بِإِلْزَامِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إذَا صَدَرَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَنَفِيَّ وَالْمَالِكِيَّ إذَا حَكَمَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ أَعْنِي بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَا فَسْخَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يُجَامِعُ ذَلِكَ.
فَأَمَّا لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ أَوْ الْمَالِكِيُّ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ تَمْكِينُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْفَسْخِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَا لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْظَرْ إلَى أَنَّ بَعْضَ الْقُضَاةِ يَنْفِي خِيَارَ الْمَجْلِسِ، فَإِذَا نَظَرْنَا إلَى ذَلِكَ فَذَاكَ لِمُدْرِكٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا: الْقَرْضُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ إذَا وَجَدَ مُقْتَضِيَهَا، وَيَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَيُنْظَرُ فِيهِ حِينَئِذٍ إلَى عَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ بِالْمُوجَبِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَقِيدَتِهِ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ كَمَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ فِيمَا أَقْرَضَهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْقِيَامِ عِنْدَ قَاضٍ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرَى الرُّجُوعَ فِيهِ إذْ هُوَ قَرْضٌ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَلَا يُنَافِي الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ الْقِيَامُ بِالرُّجُوعِ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ الْبَاقِيَةِ عِنْدَ الْمُقْرَضِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْقَرْضِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ.
وَمِنْهَا: الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ الْمُخَالِفَ فِي الْآثَارِ مِنْ الْعَمَلِ بِآثَارِهِ عَلَى عَقِيدَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَاقِضُ شَيْئًا مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَإِنْ صَدَرَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ نُظِرَ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مُوجَبِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ الْإِلْزَامُ امْتَنَعَ عَلَى الْمُخَالِفِ الْعَمَلُ بِمَا يُخَالِفُ عَقِيدَةَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ.
وَمِثَالُهُ: لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَحَصَلَ فِيهِ إعَادَتُهُ إلَى الرَّهْنِ بِعَارِيَّةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا لِمَنْ يَرَى فَسْخَ الرَّهْنِ بِالْعَوْدِ إلَى الرَّاهِنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَنْ يُعِيدَهُ اخْتِيَارًا وَيَفُوتُ الْحَقُّ فِيهِ بِإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ مَثَلًا وَقِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ وَإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ أَنْ يَفْسَخَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِلْفَسْخِ بِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِ الرَّهْنِ عِنْدَهُ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ
الجزء 1 · صفحة 47
فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَفْسَخَهُ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ دَوَامُ الْحَقِّ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ مَعَ الْعَوْدِ، فَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ الْمَذْكُورِ مُنَافٍ لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.
فَهَذِهِ الْفُرُوقُ التِّسْعَةُ مَعَ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْعَاشِرُ يَحْصُلُ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ.
[فَصْلٌ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ]
(فَصْلٌ) :
فِي بَيَانِ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ
وَذَلِكَ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا صَدَرَ فِي مَحَالِّ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِيهَا، وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، إمَّا عَامًّا عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ، أَوْ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكَمَا لَا يُرَدُّ النَّقْضُ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لَا يُرَدُّ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهَا إذَا أَجَزْنَاهُ.
فَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ قَدْ وَقَعَ مُخْتَلًّا، وَالْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ غَيْرُ الْحُكْمِ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَيَسُوغُ لِمَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْقُضَهُ إلَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ قَبْلَهُ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الصَّادِرِ بِالْمُوجَبِ وَكَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى تَسْوِيغَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُنْقَضُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي كِتَابُ حُكْمٍ يَسُوغُ تَنْفِيذُهُ عِنْدَهُ نَفَّذَهُ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ فِيهِ أَوْ بَعُدَتْ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجَبِ، بِخِلَافِ كِتَابِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَامِعِ الْبَيِّنَةِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ فِي مِثْلِهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَسَافَةُ السَّفَرِ، كَذَا قَيَّدَهُ الْكَرْخِيُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَغَيْرُهُ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَ إمْضَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَعْنِي: اشْتِرَاطَ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَمِنْهَا: تَغْرِيمُ الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجَبِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا التَّغْرِيمُ.
(تَنْبِيهٌ) :
إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ.
(فَصْلٌ) :
قَدْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ: مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ.
(تَنْبِيهٌ) :
قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ وَاعْلَمْ: أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ الَّذِي جَرَى بِهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِخِلَافِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا فِي الْقِسْمَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَيْدِي جَمَاعَةٍ أَرْضٌ أَوْ غَيْرُهَا فَجَاءُوا إلَى الْحَاكِمِ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ وَلَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهَا مِلْكُهُمْ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يُجِيبَهُمْ وَيَقُولَ لَهُمْ: إنْ شِئْتُمْ فَاقْسِمُوا بَيْنَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ يَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ، وَإِنْ شِئْتُمْ قَسْمِي فَأَقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى أُصُولِ حُقُوقِكُمْ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنِّي إنْ قَسَمْت بَيْنَكُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ وَجِئْتُمْ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ أَنِّي قَسَمْت بَيْنَكُمْ هَذِهِ الدَّارَ إلَى قَاضٍ غَيْرِي كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنِّي لَكُمْ وَلَعَلَّهَا لِغَيْرِكُمْ لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَقْسِمُ الْحَاكِمُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قَالَ: وَقِيلَ يَقْسِمُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَيُشْهِدُ أَنَّهُ قَسَمَ عَلَى إقْرَارِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) :
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجَبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشُّرُوطَ الْمَطْلُوبَةَ فِي الْحُكْمِ
الجزء 1 · صفحة 48
بِالصِّحَّةِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَحْضَرَ كِتَابَ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ أَثْبَتَ صُدُورَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ وَلَا بِمُوجَبِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَدْ يَأْتِي مَثَلًا بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْأَوَّلَ حَكَمَ بِمُوجَبِ هَذَا الْوَقْفِ فَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ الثَّانِي حُكْمًا مِنْ الْأَوَّلِ بِنَفَاذِ الْوَقْفِ وَلَعَلَّهُ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ فَعَلَى هَذَا لَا يُجِيبُهُ إلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ حِينَ الْوَقْفِ.
قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَيَزِيدُونَ الْحِيَازَةَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ فَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ الْوَارِدُ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفُرُوقِ الْعَشَرَةِ.
قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِيمَا يُثْبِتُهُ مِنْ صُدُورِ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ أَوْ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِ الشُّهُودِ: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ، فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ أَوْ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ وَلْيَقِسْ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْجِيلِ " لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ " - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(تَنْبِيهٌ) :
وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، وَظَاهِرُ قَوَاعِدِهِمْ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ مَا ذَكَرْتُهُ قَبْلُ وَاسْتَبْعَدَهُ فَقَالَ: قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ، يُرِيدُ إلَى حِينِ صُدُورِ الْوَقْفِ.
قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ وَفِيهِ تَعْطِيلٌ لِلْحُقُوقِ، وَالْيَدُ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ.
[فَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِمَضْمُونِهِ]
(فَصْلٌ) :
فِي الْحُكْمِ بِمَضْمُونِهِ
هَذِهِ اللَّفْظَةُ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ اسْتِطْرَادًا فِي كَلَامِهِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَقَالَ: وَقَدْ عَرَضَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ بَحْثٌ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَشُغِفَ بِهِ جَمَاعَةُ مِمَّنْ لَقِينَاهُمْ وَعَاصَرْنَاهُمْ وَبَحَثْنَا مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابنَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُوجَبَ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مُبْهَمٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصِّحَّةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهَا.
وَحُكْمُ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَيَّنَ، فَإِذَا لَمْ يُعَيَّنْ فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يُرْفَعُ الْخِلَافُ مِنْ قَاضٍ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ. مِثَالُ ذَلِكَ، وَهَبَ شَيْئًا يُقْسَمُ لِرَجُلَيْنِ فَقَبَضَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، يَجُوزُ.
فَلَوْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ وَحَكَمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَا أَرَادَ فَلَا يَصِحُّ وَلَا يُرْفَعُ الْخِلَافُ وَلَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ مِنْ قَاضٍ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ، وَنَقَضُوا بِهَذَا أَوْقَافًا كَثِيرَةً وَأَحْكَامًا كَثِيرَةً، وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالَ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُكْتَبُ عَلَى ظُهُورِ الْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ وَهُوَ صَحُّ وَوَرَدَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَأَلْزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ تَصْحِيحُ الْكِتَابِ وَإِثْبَاتُ الْحُجَّةِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي وَقَعْت عَلَيْهِ فِي كِتَابِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَلْزَمْت الْعَمَلَ بِمَضْمُونِهِ لَا بِمُوجَبِهِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فَنَقُولُ: إذَا أَعَدْنَا الضَّمِيرَ عَلَى الْكِتَابِ صَحَّ مَا قَالَاهُ؛ لِأَنَّ مَضْمُونَ الْكِتَابِ وَمُوجَبَهُ مَعْنَاهُمَا صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ، فَلِذَلِكَ صَوَّبَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ اُحْتُمِلَ أَنَّهَا مُرَادُ الْحَاكِمِ، أَمَّا إذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ أَوْ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ فَلَيْسَ مُوجَبُهُ إلَّا كَوْنَهُ وَقْفًا وَكَوْنَ الْمُقَرِّ بِهِ لَازِمًا.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: مُوجَبُهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ اللَّفْظَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ حُكْمَهُ، وَاللَّفْظُ الْفَاسِدُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ مُوجَبَيْنِ، فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ فِي حُكْمِهِ مَا أَرَادَهُ كَمَا ذَكَرْته فِي مِثَالِ الْهِبَةِ لِرَجُلَيْنِ، وَإِبْهَامُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ إلَّا أَنْ يَخْشَى مِنْ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ يُرِيدُ فَيَكْتُبُ لَهُ لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ أَوْ مَضْمُونِهِ.
وَمُرَادُهُ إعَادَةُ الضَّمِيرِ فِي مُوجَبِهِ وَمَضْمُونِهِ عَلَى الْكِتَابِ
الجزء 1 · صفحة 49
كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ مُوَافَقَةً لَهُ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يُحْمَلُ حُكْمُ الْقَاضِي إلَّا عَلَى الْبَيَانِ الْوَاضِحِ، وَمَتَى حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مُوجَبِ اللَّفْظِ مِثْلِ الْهِبَةِ هَلْ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ مِنْهَا يَكْفِي فِي اللُّزُومِ وَنَقْلِ الْمِلْكِ أَوْ لَا يَكْفِي حَتَّى يَكُونَ الْوَاهِبُ صَحِيحًا جَائِزًا، وَمِثْلِ التَّبَرُّعِ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ هَلْ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: حَكَمْت بِمُوجَبِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْحُكْمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُرْجَعُ إلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي فَيُحْتَمَلُ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُبَيِّنُ مَقْصُودَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَكَلَامُنَا إذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ وَنَحْوِهَا فَهُوَ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَعَلَى الْمُقِرِّ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُهُ لِاقْتِضَاءِ مَذْهَبِهِ بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ أَنْ يُحْكَمَ بِالثُّبُوتِ وَحَقِيقَتُهُ حُكْمٌ بِتَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَسَمَاعِهَا وَفَائِدَتُهُ عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إلَى النَّظَرِ فِيهَا وَجَوَازُ التَّنْفِيذِ فِي الْبَلَدِ، فَإِنَّ فِي تَنْفِيذِ الثُّبُوتِ فِي الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِهِ بِحُكْمٍ خِلَافًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَا جَازَ التَّنْفِيذُ، فَهُمَا فَائِدَتَانِ.
قَالَ: وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَعَمَدَ إلَى أَوْقَافٍ وَقَفَهَا وَاقِفُونَ وَاسْتَمَرَّتْ فِي أَيْدِيهِمْ يَصْرِفُونَهَا عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ، ثُمَّ بِأَيْدِي نُظَّارِهَا كَذَلِكَ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَبْطَلَهَا وَرَدَّهَا إلَى مِلْكِ وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْيَدِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ وَلَا إلَى سُكُوتِ الْوَارِثِينَ وَوَارِثِيهِمْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْجَوَازِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَامْتِنَاعُ الدَّعْوَى مَعْرُوفٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْضَرَ هَاهُنَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَوْقَافُ قَدْ ثَبَتَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ حَكَمْت بِصِحَّتِهِ فَتَعَلَّقَ فِي إبْطَالِهَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَرُبَّمَا اُقْتُرِنَ بِذَلِكَ الثُّبُوتِ حُكْمٌ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ حَكَمْت بِصِحَّتِهِ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِبْطَالِ إلَّا حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ.
وَأَنَا أَذْكُرَ هَاهُنَا قَاعِدَةً فَأَقُولُ: الْقَاضِي الْمُعْتَبَرُ حُكْمُهُ تَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى الثُّبُوتِ وَتَارَةً يُضِيفُ إلَيْهِ حُكْمًا أَوْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ مُجَرَّدًا، وَمِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ثُبُوتٌ.
فَالْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَقْتَصِرَ فَتَارَةً يُضِيفُ الثُّبُوتَ إلَى السَّبَبِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحُكْمُ، وَتَارَةً يُضِيفُ الثُّبُوتَ إلَى الْحُكْمِ نَفْسِهِ فَهُمَا قِسْمَانِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُضِيفَهُ إلَى السَّبَبِ كَإِثْبَاتِ جَرَيَانِ عَقْدِ الْوَقْفِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ النِّكَاحِ وَنَحْوِهَا هَذَا غَالِبُ مَا يَقَعُ مِنْ الثُّبُوتِ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِهَذِهِ الْعُقُودِ أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي الْإِقْرَارُ بِهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مَثَلًا، فَالْبَيِّنَةُ وَالْإِقْرَارُ لَيْسَا بِسَبَبَيْنِ لِلْحُكْمِ بَلْ لِإِثْبَاتِهِ يَعْنِي: أَنَّهُمَا سَبَبَانِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَا لِلْحُكْمِ. فَحَقِيقَةُ ثُبُوتِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ تَزْكِيَتُهَا وَقَبُولُهَا، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حُكْمٌ، وَلَا يُتَّجَهُ فِي مَعْنَى كَوْنِهِ حُكْمًا إلَّا أَنَّهُ حُكْمٌ بِتَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَقَبُولِهَا وَجَرَيَانِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَأَمَّا صِحَّتُهُ أَوْ الْإِلْزَامُ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ الْإِلْزَامُ.
وَذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ وَقَالَ: هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الثُّبُوتَ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُثْبِتَ بَاطِلًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي كَوْنِهِ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا، وَقَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ الْبَاطِلَ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ قَدْ يُثْبِتُ مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ لِيَنْظُرَ غَيْرُهُ فِيهِ، أَمَّا إثْبَاتُ مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ لَا لِقَصْدِ الْإِبْطَالِ وَلَا لِيَنْظُرَ غَيْرُهُ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْحَقُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ حُكْمًا بِالثَّابِتِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا بِثُبُوتِهِ: يَعْنِي بِجَرَيَانِ الْعَقْدِ وَصُدُورِهِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ.
وَقَدْ يَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْحُكَّامِ لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمَا قَامَتْ بِهِ
الجزء 1 · صفحة 50
الْبَيِّنَةُ، فَمَا إنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ كَإِثْبَاتِ جَرَيَانِ الْعُقُودِ الْمَشْهُودِ بِهَا وَجَعْلِ الثُّبُوتِ حُكْمًا فِيمَا إذَا كَانَ الثَّابِتُ هُوَ الْعُقُودُ أَقْوَى مِنْهُ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّابِتُ قِيَامَ الْبَيِّنَة، وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ " ثَبَتَ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ "، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُضِيفَ الثُّبُوتَ إلَى الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ " ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ أَوْ مِلْكُ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ، فَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ فَلَا يُمْكِنُ التَّعَرُّضُ لِنَقْضِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ جَرَيَانُ عَقْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ " ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ زَوْجَةُ فُلَانٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ "، فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَا، وَيَقْوَى جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ امْتَنَعَ عَلَى حَاكِمٍ آخَرَ إبْطَالُهُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لَمْ يَمْتَنِعْ. وَمَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ حُكْمِ الْقَاضِي بِلَا وَلِيٍّ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ الْقَاضِي بِبَيَانِ السَّبَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ " ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهَا زَوْجَتُهُ " وَعَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُسْتَنَدَهُ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ صَعْبٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ وَلِيُّهَا فَجُدِّدَ الْعَقْدُ بِحُضُورِهِ فِي غَيْبَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالثُّبُوتِ الْمُطْلَقِ وَبِتَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا بَعِيدًا.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْتَرِنَ بِالثُّبُوتِ حُكْمٌ، وَأَلْفَاظُ الْحُكْمِ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا بَقِيَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَحِينَئِذٍ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، فَمَتَى كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَرِيبًا لَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَلَمْ يَكُنْ بَنَاهُ عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ لَمْ يُنْقَضْ بِحَالٍ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ فِي ذَلِكَ إذَا صَرَّحَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ هَذَا فِيمَا إذَا حَكَمَ بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ " لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ " فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الثُّبُوتِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الثَّابِتِ عِنْدَهُ فَهُوَ مَاضٍ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ إيجَابٍ أَوْ مَنْعٍ أَوْ إطْلَاقٍ، فَإِذَا قَالَ حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ وَقَفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَمَعْنَاهُ حَكَمْت بِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدِي فَيُرْجَعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ، وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ " لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِهِ "، وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي سِجِلَّاتِ الْحَاكِمِ لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا.
وَمِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ غَيْرَ الْفَائِدَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى حَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُهُ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ إنْشَاءً كَانَ أَوْ إقْرَارًا أَوْ لَا يَمْتَنِعُ النَّقْضُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ أَوْ نَحْوَهُ أَوْ ذَكَرَ صِيغَتَهُ أَوْ شُرُوطَهُ وَكَيْفَ وَقَعَ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْكُتُبِ فَيَمْتَنِعُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ، وَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْت بِقَوْلِي " لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ " احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يُنْقَضَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدِ أَوْ لِعَدَمِ شَرْطِ مَحَلِّهِ حَيْثُ لَا يُطْلَقُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّصَرُّفِ الْمَعْهُودِ كَمَا فِي الْوَاقِعِ فِي الْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي الْبَيْعُ أَوْ الْوَقْفُ وَنَحْوُهُمَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِذَا قَالَ: لِيُسَجِّلْ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ فَالْمُرَادُ التَّصَرُّفُ الْمَشْرُوحُ فِي الْكِتَابِ فَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُهُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي إثْبَاتُهُ إلَّا إذَا قَصَدَ إبْطَالَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَلِمَنْ يَرَى صِحَّتَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ وَيَحْكُمَ بِثُبُوتِهِ وَبِصِحَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَلَا يُنْقَضُ وَإِنْ ثَبَتَ ثُبُوتًا مُجَرَّدًا فَلِغَيْرِهِ نَقْضُهُ فِي رِوَايَةٍ، وَكَذَا إنْ حَكَمَ بِالثُّبُوتِ فَلَيْسَ لِمَنْ يَرَى فَسَادَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ إلَّا لِغَرَضِ إبْطَالِهِ أَوْ يَنْظُرَ غَيْرُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ شُهُودُ الْكِتَابِ فَأَثْبَتَهُ الْمَالِكِيُّ بِالْخَطِّ لِيَنْظُرَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ: وَإِذَا رَأَيْنَا حَاكِمًا أَثْبَتَهُ أَوْ حَكَمَ بِثُبُوتِهِ وَلَمْ نَعْلَمْ قَصْدَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ حُكْمُهُ.
الجزء 1 · صفحة 51
[فَصْلٌ الْفَرْق بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ]
فَصْلٌ) :
فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ إنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ وَهَلْ الثُّبُوتُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ فَهَلْ هُوَ عَيْنُ الْحُكْمِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ ظَاهِرًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الثُّبُوتِ أَمْ لَا؟ جَوَابُهُ: أَنَّ الثُّبُوتَ هُوَ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى ثُبُوتِ السَّبَبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ السَّيِّدَ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَوْ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَوْ بِصَدَاقٍ فَاسِدٍ، أَوْ أَنَّ الشَّرِيكَ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِلْمَيِّتِ حَتَّى تَرِثَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِ أَسْبَابِ الْحُكْمِ، فَإِنْ بَقِيَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِيبَةٌ أَوْ لَمْ تَبْقَ وَلَكِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْخَصْمَ هَلْ لَهُ مَطْعَنٌ أَوْ مُعَارِضٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ ثُبُوتًا وَلَا حُكْمًا لِوُجُودِ الرِّيبَةِ أَوْ لِعَدَمِ الْأَعْذَارِ، وَإِنْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى سَبَبِ الْحُكْمِ أَوْ انْتَفَتْ الرِّيبَةُ وَحَصَلَتْ الشُّرُوطُ فَهَذَا هُوَ الثُّبُوتُ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ حُكْمٌ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ يُرِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الثُّبُوتِ.
قَالَ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ حَكَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَقَوْلَهُ ثَبَتَ عِنْدِي يَكْفِي وَكَذَا إذَا قَالَ ظَهَرَ عِنْدِي أَوْ صَحَّ عِنْدِي أَوْ عَلِمْت فَهَذَا كُلُّهُ حُكْمٌ هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي الْكُبْرَى: لَوْ قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَكُونُ حُكْمًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو عَاصِمٍ الْعَامِرِيُّ صَاحِبُ الْهَادِي وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ بِأَنَّهُ حُكْمٌ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَذُكِرَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ قَوْلُهُ " ثَبَتَ عِنْدِي حُكْمٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الثُّبُوتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوَبِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ يُخَالِفُ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ يَرَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْحُكْمِ مُغَايِرَةٌ لِحَقِيقَةِ الثُّبُوتِ، وَمَعَ تَغَايُرِ الْحَقَائِقِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِحُصُولِ أَحَدِ الْمُتَغَايِرَيْنِ عِنْدَ حُصُولِ الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَجْزِمَ بِالْمُلَازَمَةِ، وَاللُّزُومُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ حُصُولِ الْآخَرِ غَيْبَةُ مَا عَلِمْنَا بِهَا فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَقِينُ بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ حَكَمَ هَذَا فِي الصُّوَرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا الَّتِي حَكَمَ الْحَاكِمُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ.
وَأَمَّا الصُّوَرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا كَثُبُوتِ الْقِيمَةِ فِي الْإِتْلَافِ وَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ وَثُبُوتِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ فِي الذِّمَّةِ وَعَقْدِ الْقِرَاضِ وَثُبُوتِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ فَالثُّبُوتُ الْكَامِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ جَمِيعِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ إنْشَاءَ حُكْمٍ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، بَلْ أَحْكَامُ هَذِهِ الصُّوَرِ مُقَرَّرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ إجْمَاعًا، وَوَظِيفَةُ الْحُكَّامِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إنَّمَا هُوَ التَّنْفِيذُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا فِيمَا عَدَا التَّنْفِيذَ: فَالْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي فِيهِ سَوَاءٌ، لَيْسَ هَا هُنَا حُكْمٌ اسْتَنَابَ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِيهِ الْحَاكِمَ أَصْلًا أَلْبَتَّةَ، بَلْ هَذِهِ أَحْكَامٌ تَتْبَعُ أَسْبَابَهَا كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ أَمْ لَا، نَعَمْ الَّذِي يَقِفُ عَلَى الْحَاكِمِ التَّنْفِيذُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ فِي الدَّيْنِ وَشَبَهِهِ، فَلَوْ دَفَعَ الْمُتْلِفُ الْقِيمَةَ وَالْمَدِينُ الدَّيْنَ وَسَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ مُنَفِّذٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْحَاكِمِ فِي الصُّوَرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ تَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَتَحْرِيرِ أَسْبَابٍ، كَفَسْخِ الْأَنْكِحَةِ إذَا كَانَ تَفْوِيضُهَا لِلنَّاسِ يُؤَدِّي إلَى التَّهَارُجِ وَالْقِتَالِ كَالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ، مَعَ أَنَّ التَّعَازِيرَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فِي تَقْدِيرِ التَّعْزِيرِ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ غَيْرُ الْحُكْمِ قَطْعًا، وَقَدْ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ وَقَدْ لَا يَسْتَلْزِمُ، وَقَدْ تَكُونُ الصُّورَةُ قَابِلَةً لِاسْتِلْزَامِ الْحُكْمِ وَقَدْ لَا تَكُونُ قَابِلَةً كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي صُوَرِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ خَطَأٌ قَطْعًا، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَنْ أَنْصَفَ.
فَائِدَةٌ: اُخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ هَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْحُكْمِ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّ الثُّبُوتَ
الجزء 1 · صفحة 52
يُوجَدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي لَا حُكْمَ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ إجْمَاعًا، فَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ هِلَالُ رَمَضَانَ وَهِلَالُ شَوَّالٍ، وَتَثْبُتُ طَهَارَةُ الْمَاءِ وَنَجَاسَتُهُ، وَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ التَّحْرِيمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ، وَيَثْبُتُ التَّحْلِيلُ بِسَبَبِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ.
وَإِذَا وُجِدَ الثُّبُوتُ بِدُونِ الْحُكْمِ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَالْأَعَمُّ مِنْ الشَّيْءِ غَيْرُهُ بِالضَّرُورَةِ.
ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الثُّبُوتِ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ الْحُجَّةِ كَالْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا السَّالِمَةِ عَنْ الْمَطَاعِنِ، فَمَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُوجَدُ الْحُكْمُ بِدُونِ الثُّبُوتِ أَيْضًا كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ كَإِعْطَاءِ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَمَانَ لِلْعَدُوِّ، وَكَذَلِكَ فِي قَسْمِ الْجَيْشِ بَيْنَ أَهْلِهِ يَجْتَهِدُ وَيُفَضِّلُ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَكَذَا عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَتَقْدِيرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذَلِكَ بَابًا سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ -.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْحُجَّةِ مُغَايِرَةٌ لِلْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ الْإِنْشَائِيِّ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْحُكْمِ فَثَبَتَ كَوْنُهُمَا غَيْرَيْنِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الثُّبُوتَ هُوَ نُهُوضُ الْحُجَّةِ، وَالْحُكْمُ إنْشَاءُ كَلَامٍ فِي النَّفْسِ هُوَ إلْزَامٌ أَوْ إطْلَاقٌ.
[فَصْلٌ فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ]
وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَنْفِيذُ حُكْمِ نَفْسِهِ وَتَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ الْإِلْزَامُ بِالْحَبْسِ وَأَخْذُ الْمَالِ بِيَدِ الْقُوَّةِ وَدَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَتَخْلِيصُ سَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُهُ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالتَّنْفِيذُ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَالثُّبُوتُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأُولَى. وَالْحُكْمُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ.
وَالتَّنْفِيذُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ، وَلَيْسَ كُلُّ الْحُكَّامِ لَهُمْ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الضَّعِيفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ، فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ تَنْفِيذُهُ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَالْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا - أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرُّتْبَةِ السَّادِسَةِ مِنْ رُتَبِ الْوِلَايَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: تَنْفِيذُهُ حُكْمَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ: وَثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا وَكَذَا، فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ مُوجَبُ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي النَّوْعِ السَّابِعِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي التَّنْفِيذِ حُكْمٌ أَلْبَتَّةَ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ مُسَاعَدَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، فَلَا يُعْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، فَهَذَا كُلُّهُ كَحُكْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الثَّانِي: حَكَمْتُ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ وَأَلْزَمْتُ بِمُوجَبِهِ وَمُقْتَضَاهُ.
(تَنْبِيهٌ) :
هَذَا حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ وَالْمُنَفِّذُ الثَّانِي مَذْهَبُهُمَا وَاحِدٌ أَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ: إذَا وَرَدَ عَلَى حَاكِمٍ حُكْمٌ بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ وَالْقَاضِي الْوَارِدُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ اعْتِقَادُهُ مَذْهَبٌ آخَرُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُ هَذَا الْحُكْمِ وَإِلْزَامُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
أَوْ إلْزَامُ الزَّوْجَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَتَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْهَا مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ هُوَ خِلَافُ مَا نَفَذَ بِهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ تَنْفِيذِهِ وَإِبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَفَّذَهُ وَأَلْزَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ
الجزء 1 · صفحة 53
أَلْزَمَهُ مَا لَا يَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُنَفِّذُهُ وَيُلْزِمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا تَضَمُّنُهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ تَوْقِيفَهُ عَنْ إنْفَاذِهِ كَإِبْطَالِهِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَمْ أَجِدْهُ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ]
(فَصْلٌ) :
فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ اعْلَمْ: أَنَّهُ كَمَا يَدُلُّ الْقَوْلُ عَلَى الْحُكْمِ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا. فَكَذَا الْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ أَيْضًا، وَذَلِكَ إذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ: إنِّي قَدْ حَكَمْتُ بِكَذَا فَهَذِهِ الْكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
وَكَذَلِكَ لَوْ سُئِلَ هَلْ حَكَمْتَ بِكَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ وَيُفْهِمُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ الْحُكْمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَضْمُونِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْحُكْمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ أَمْرٌ نَفْسَانِيٌّ لَا لِسَانِيٌّ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يُخْبِرُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَتَارَةً بِالْفِعْلِ وَتَارَةً بِالْإِشَارَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ قَوْلِهِ وَكِتَابَتِهِ وَإِشَارَتِهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأُمُورُ دَالَّةٌ عَلَى الْحُكْمِ كَسَائِرِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَغَيْرِهِمَا.
(فَصْلٌ) :
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَمْرٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ لَا بِاللِّسَانِ أَنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُوَافِقُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ وَقْتَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ سِنِينَ كَثِيرَةً بِأَنْ يَحْكُمَ فِي شَيْءٍ وَلَا يُشْهِدُ بِالْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي نَفْسِهِ وَقَائِمًا بِذَاتِهِ مِنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ لَا اللِّسَانِيِّ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَتَارَةً يَكُونُ إنْشَاءً لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ.
فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ حَكَمْتُ بِكَذَا فِي الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِحَسَبِ مَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِ.
وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِكَذَا، أَوْ إنِّي أَلْزَمْتُ فُلَانًا بِكَذَا، فَهُوَ إنْشَاءٌ لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ الطَّلَبِ مِنْ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِكَذَا، وَإِنَّمَا يُوصَفُ هَذَا بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
: فِي بَيَانِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
اعْلَمْ: أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ يَدُورُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ مُشْكِلٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي حُكْمِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ إذَا أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ، وَأَنَّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ إذَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَالْمُدَّعِي وَالْمُنْكِرِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: الدَّعْوَى إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَضْعًا، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ مَعَ مِسَاسِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ شَرْعًا.
وَالْمُدَّعِي وَضْعًا مَنْ يُضِيفُ الشَّيْءَ إلَى نَفْسِهِ مَعَ مِسَاسِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: صَاحِبُ الْيَدِ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْخَارِجُ مُدَّعٍ لَمَّا كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ ظَاهِرًا بِدَلَالَةِ يَدِ التَّصَرُّفِ جَعَلْنَاهُ مُنْكِرًا، وَالْخَارِجُ لَمَّا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا جَعَلْنَاهُ مُدَّعِيًا شَرْعِيًّا وَجَعَلْنَا الْبَيِّنَةَ بَيِّنَتَهُ بِالنَّصِّ. وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى يُتْرَكُ: يَعْنِي تَنْقَطِعُ الْخُصُومَةُ بِتَرْكِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى لَمْ يُتْرَكْ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تَرَكَ الْخُصُومَةَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا تَرَكَهَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَرُومُ إثْبَاتَ أَمْرٍ خَفِيٍّ يُرِيدُ بِهِ إزَالَةَ أَمْرٍ جَلِيٍّ، وَذَكَرَ فِي التُّحْفَةِ: الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ إثْبَاتَ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَنْفِيهِ وَيُدَافِعُهُ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ الْحَدَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ الْفَقِيهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ تَعْرِضُ، بَلْ هَا هُنَا مَا هُوَ آكَدُ وَاعْتِبَارُهُ أَنْفَعُ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَإِنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مُقْتَضَى النَّظَرِ، وَلَا
الجزء 1 · صفحة 54
تَرَدُّدَ فِي ذَلِكَ وَلَا إشْكَالَ إذَا لَمْ يُعَارِضْ الْحَالُ الْحَالَ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَرِضُ حَالَانِ، اسْتِصْحَابُ أَحَدِهِمَا يُضَادُّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ الْآخَرِ، فَهَاهُنَا يَقَعُ الْإِشْكَالُ فَيَخْتَلِفُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي تَمْيِيزِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَفْتَقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى تَرْجِيحِ الْحَالَةِ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا طَالَبَهُ بِهَا دَافِعُهَا زَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَهَا عَنْ سَلَفٍ كَانَ أَسْلَفَهُ لِدَافِعِهَا.
وَقَالَ دَافِعُهَا: بَلْ أَنَا أَسْلَفْتُك إيَّاهَا وَمَا كُنْتُ أَنْتَ أَسْلَفْتَنِي شَيْئًا قَطُّ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ لِسُكُوتِهِ وَجَدْنَا هَا هُنَا الدَّافِعَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَالْقَابِضُ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الطَّالِبِ مَا تُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى الْأَصْلِ الْآخَرِ وَهُوَ دَعْوَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ أَوْ الْخَفِيِّ فَإِنَّا إنْ اسْتَصْحَبْنَا كَوْنَ الدَّافِعِ بَرِيءَ الذِّمَّةِ مِنْ سَلَفِ هَذَا الْقَابِضِ صَدَّقْنَا الدَّافِعَ وَجَعَلْنَاهُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الَّذِي الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْقَابِضِ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَمَا يَعْرِضُ الْإِشْكَالُ إلَّا عِنْدَ تَصَادُمِ مُقْتَضَى الْأَحْوَالِ فَيُفْتَقَرُ إلَى تَرْجِيحِ اسْتِصْحَابِ أَحَدِ الْحَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَقَدْ ذَكَرَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: وُلِّيتُ الْقَضَاءَ وَعِنْدِي أَنِّي لَا أَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يُتَخَاصَمُ إلَيَّ فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا ارْتَفَعَ إلَيَّ خَصْمَانِ أَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُمَا مَنْ الْمُدَّعِي وَمَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قُلْت: وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الَّذِي نَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى وَأَقْسَامِهَا]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الدَّعَاوَى الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطِهَا]
: وَفِيهِ فُصُولٌ: وَكَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ، وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهِ عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ
وَالدَّعْوَى تَتَنَوَّعُ إلَى صَحِيحَةٍ وَفَاسِدَةٍ، وَالْقَاضِي إنَّمَا يَسْمَعُ الصَّحِيحَةَ دُونَ الْفَاسِدَةِ، وَفَسَادُ الدَّعْوَى إمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُلْزِمَةً شَيْئًا عَلَى الْخَصْمِ أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَجْهُولًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ.
فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ يُجِيزُونَ دَعْوَى الْمَجْهُولِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ ادَّعَى حَقًّا مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُمَا يَصِحَّانِ بِالْمَجْهُولِ وَتَصِحُّ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الطَّالِبَ لَوْ أَيْقَنَ بِعِمَارَةِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ وَجَهِلَ مَبْلَغَهُ وَأَرَادَ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَذَكَرَ الْمَبْلَغَ أَوْ الْجِنْسَ لَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ حِسَابٍ لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا وَبَقِيَتْ لَهُ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَدْرِهَا فَدَعْوَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسْمُوعَةٌ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ فَهِيَ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ.
ثُمَّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ أَنْ يَدَّعِيَ شَيْئًا مَعْلُومًا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ دَعْوَى تُلْزِمُ الْخَصْمَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا كَوْنَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّعْوَى لَا يُمْكِنُ مَعَ جَهَالَتِهِ، وَإِعْلَامُهُ إنْ كَانَ عَقَارًا بِذِكْرِ حُدُودِهِ وَمَوْضِعِهِ، وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى.
وَإِنَّمَا شَرَطْنَا كَوْنَ الْخَصْمِ حَاضِرًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ وَلِلْغَائِبِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا كَوْنَ الدَّعْوَى تَلْزَمُهُ حَتَّى إنَّ مَنْ
الجزء 1 · صفحة 55
ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ وَأَنْكَرَ فُلَانٌ لَا تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ يُمْكِنُ عَزْلُهُ فِي الْحَالِ فَلَا تُفِيدُ الدَّعْوَى فَائِدَتَهَا.
وَمِثْلُهُ: لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ هِبَةً وَقُلْنَا إنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ عَنْهَا مَا لَمْ تُقْبَضْ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْ هَذَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ رَجَعْتُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ وَلَا فَائِدَةَ فِي إلْزَامِهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا رَجَعَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْوَصَايَا الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا.
وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، فَإِنَّ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ حَتَّى يُضِيفَ إلَيْهِ مَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ فِي هَذِهِ الْهِبَةِ يَلْزَمُ تَسْلِيمُهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ يُضِيفُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْفَسْخُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ لِأَصْلِ الشَّيْءِ لَا يَحِلُّ مَحَلَّ الرُّجُوعِ وَعَلَى أَنَّ مَا فِيهِ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْضَائِهِ أَوْ رَدِّهِ مَحْلُولٌ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِرَفْعِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْخِيَارِ، فَإِذَا بُنِيَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا اتَّجَهَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ سَمَاعِ الدَّعْوَى: أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ أَوْ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ.
مِثَالُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ: أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَعُدِّلَتْ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْقَاضِي: اسْتَحْلِفْ لِي الطَّالِبَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَ شُهُودِهِ مَجْرُوحِينَ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، هَلْ تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ أَوْ لَا تَجِبُ؟ فَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا اعْتَلَّ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِاسْتِحْقَاقِ أَمْرٍ يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا لَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَاضِي اسْتِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِحَقِّهِ.
وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوبُ: كُنْت اسْتَحْلَفْتنِي فَاحْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي، فَمَنْ ذَهَبَ إلَى اسْتِحْلَافِهِ رَأَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَنْفَعُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ، فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَعُدِّلَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِفِسْقِهِمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَا أَعْلَمُ بِعِلْمِك بِفِسْقِ شُهُودِك، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذَا الْحَقِّ فِيمَا مَضَى، فَالْقَاضِي يُحَلِّفُهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا ثَانِيَةً، وَلِذَا مَضَى الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبْذُلُ لَهُ الْخَطَّ حَتَّى لَا يَحْلِفَ مَرَّةً أُخْرَى " اُنْظُرْ الْمُحِيطَ ".
وَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ دَعْوَى إذَا أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَنْفَعُ الْمُدَّعِيَ بِإِقْرَارِهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُقِرَّ وَأَنْكَرَ تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ أَصْلًا عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْقَاضِيَ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ مَا جَارَ عَلَيْهِ، أَوْ يَطْلُبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا فِي شَهَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي سُقُوطِ الدَّعْوَى وَكَوْنِهَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَحُطَّ مَنْزِلَةَ الْقَاضِي أَوْ الشُّهُودِ إلَّا وَادَّعَى مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَيَّ الْوُقُوفِ عَنْ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا تَحْلِيفُ الشُّهُودِ: فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي قِسْمِ السِّيَاسَةِ.
[فَصْلٌ فِي تَصْحِيحِ الدَّعْوَى]
(فَصْلٌ) :
وَالْمُدَّعَى بِهِ أَنْوَاعٌ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مَكِيلًا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِهِ بِأَنَّهُ حِنْطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ، وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ نَوْعَهُ أَنَّهَا سَقِيَّةٌ أَوْ بَرِّيَّةٌ وَرَبِيعِيَّةٌ، وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ صِفَتَهَا كَالْحِنْطَةِ الْبَيْضَاءِ وَالْحَمْرَاءِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ، وَيَذْكُرُ قَدْرَهَا بِالْكَيْلِ بِأَنَّهَا كَذَا قَفِيزًا بِقَفِيزٍ كَذَا؛ لِأَنَّ الْقُفْزَانَ تَتَفَاوَتُ فِي ذَاتِهَا، وَيَذْكُرُ سَبَبَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الدَّيْنِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُهُ السَّلَمَ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ لِيَنْفَعَ التَّحَرُّزُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ
الجزء 1 · صفحة 56
قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْيَانِ وَهُوَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَصْحِيحُ الدَّعْوَى أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَدَّعِيَ وَيَذْكُرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ أَوْ التَّعَدِّي أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْإِجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ الْقُضَاةِ: فَإِذَا نَقَصَ الْمُدَّعِي مِنْ دَعْوَاهُ مَا فِيهِ بَيَانُ مَطْلَبِهِ أَمَرَهُ بِتَمَامِهِ، وَإِنْ أَتَى بِإِشْكَالٍ أَمَرَهُ بِبَيَانِهِ، فَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمَطْلُوبَ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا كَالرَّحَى وَنَحْوِهَا حَضَرَ الْحَاكِمُ عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ أَمِينًا وَفِي الْمُجْتَبِي قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي مَسْأَلَةِ سَرِقَةِ الْبَقَرَةِ: لَوْ اُخْتُلِفَ فِي لَوْنِهَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْضَارَ الْمَنْقُولِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى، وَلَوْ شَرَطَ لَأُحْضِرَتْ وَلَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ، وَإِنْ كَانَتْ هَالِكَةً ذَكَرَ الْمُدَّعِي قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، إذْ رُبَّمَا تُوجَدُ أَعْيَانٌ كَثِيرَةٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَلَا يَكُونُ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا بِهِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ مَثَلًا: قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ الْجَيِّدَةِ أَوْ كَذَا دِينَارًا مِنْ الذَّهَبِ الرُّكْنِيِّ تَصِيرُ قِيمَتُهُ مَعْلُومَةً بِهَذَا الْوَصْفِ، كَذَا قِيلَ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَالْقِيمَةُ شَيْءٌ تُعْرَفُ الْعَيْنُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانَ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: لَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ غَائِبَةً وَادَّعَى أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ، إنْ بَيَّنَ الْمُدَّعِي قِيمَتَهُ وَصِفَتَهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْقِيمَةَ وَقَالَ غَصَبَ مِنِّي عَيْنَ كَذَا وَلَا أَدْرِي أَنَّهُ هَالِكٌ أَوْ قَائِمٌ وَلَا أَدْرِي كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهُ. ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَ الْمُدَّعِيَ بَيَانَ الْقِيمَةِ، فَإِذَا كَلَّفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ذِكْرُ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي التَّالِفَةِ آكَدُ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ فَيُبَيِّنُ قَدْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى ذِكْرِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، بَلْ يَذْكُرُ أَنَّهُ تَرَتَّبَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارٍ أَوْ عَقَارٍ مِنْ الْأَرَاضِي فَيُبَيِّنُ مَوْضِعَهَا مِنْ الْبَلَدِ وَالْمَحِلَّةِ ثُمَّ السِّكَّةِ، فَيَبْدَأُ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْكُورَةِ ثُمَّ الْمَحَلَّةِ اخْتِيَارًا لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَعَمِّ ثُمَّ بِالْأَخَصِّ.
وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالْأَخَصِّ ثُمَّ بِالْأَعَمِّ، فَيَقُولُ: دَارُ كَذَا فِي سِكَّةِ كَذَا فِي الْمَحَلَّةِ فِي كُورَةِ كَذَا، وَقَاسَهُ عَلَى النَّسَبِ حَيْثُ يُقَالُ: فُلَانٌ ثُمَّ يُقَالُ ابْنُ فُلَانٍ، ثُمَّ يُذْكَرُ الْجَدُّ، فَيَبْدَأُ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ فَيَتَرَقَّى إلَى الْأَبْعَدِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ وَالْعَامُّ يُعْرَفُ بِالْخَاصِّ لَا بِالْعَكْسِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ تَحْدِيدِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ، فَلَوْ ذَكَرَ حَدَّيْنِ لَا يَكْفِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ كَفَاهُ وَيُجْعَلُ الْحَدُّ الرَّابِعُ بِإِزَاءِ الْحَدِّ الثَّالِثِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى مَبْدَأِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دُخْنٍ أَوْ ذُرَةٍ ذَكَرَ أَنَّهُ دُخْنٌ أَحْمَرُ نَقِيٌّ أَوْسَطُ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ،
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي السَّلَمِ فَيَذْكُرُ بَيَانَ شَرَائِطِهِ مِنْ أَعْلَامِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَيَذْكُرُ نَوْعَهُ وَصِفَتَهُ وَقَدْرَهُ بِالْوَزْنِ لَوْ كَانَ وَزْنِيًّا، وَانْتِقَادُهُ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
وَلَوْ قَالَ بِسَبَبِ سَلَمٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَرَائِطَهُ أَفْتَى شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيّ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، وَغَيْرُهُ لَمْ يُفْتُوا بِصِحَّتِهَا إذْ لِلسَّلَمِ شَرَائِطُ كَثِيرَةٌ وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا إلَّا الْخَوَاصُّ.
وَفِي دَعْوَى الْبَيْعِ: لَوْ قَالَ بِسَبَبِ بَيْعٍ صَحِيحٍ تَصِحُّ الدَّعْوَى وِفَاقًا، وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ سَبَبٍ لَهُ شَرَائِطُ كَثِيرَةٌ لَا بُدَّ مِنْ عَدِّهَا لِصِحَّةِ الدَّعْوَى عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرَائِطُ كَثِيرَةٌ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ " بِسَبَبِ كَذَا صَحِيحٌ،
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي قِنٍّ تُرْكِيٍّ ادَّعَاهُ وَبَيَّنَ صِفَاتِهِ وَطَلَبَ إحْضَارَهُ لِيُبَرْهِنَ فَأَحْضَرَ قِنًّا خَالَفَ بَعْضُ صِفَاتِهِ بَعْضَ مَا وَصَفَهُ فَقَالَ الْمُدَّعِي: هَذَا مِلْكِي وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ. قَالُوا: وَهَذَا الْجَوَابُ يَسْتَقِيمُ فِيمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ فَقَالَ: هَذَا مِلْكِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ ادَّعَاهُ ابْتِدَاءً.
فَأَمَّا لَوْ قَالَ: هَذَا
الجزء 1 · صفحة 57
هُوَ الْقِنُّ الَّذِي ادَّعَيْته أَوَّلًا، لَا تُسْمَعُ لِلتَّنَاقُضِ، كَذَا فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحْدُودٍ ذَكَرَ حُدُودَهُ، فَإِنْ أَصَابَ وَقَالَ فِي تَعْرِيفِهِ: وَفِيهِ أَشْجَارٌ. وَكَانَ خَالِيًا عَنْ الْأَشْجَارِ لَا تَبْطُلُ الدَّعْوَى وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَشْجَارِ حِيطَانٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى ذِكْرِ الشَّجَرِ.
وَلَوْ قَالَ فِي تَعْرِيفِهِ: لَيْسَ فِيهِ شَجَرٌ وَلَا حَائِطٌ. فَإِذَا فِيهِ أَشْجَارٌ عَظِيمَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بَعْدَ الدَّعْوَى بَطَلَتْ دَعْوَاهُ، قَالَهُ قَاضِي خَانَ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْوَدِيعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ بَلَدِ الْإِيدَاعِ سَوَاءً كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَا.
وَفِي دَعْوَى الْغَصْبِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الْغَصْبِ وَفِي غَصْبِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَإِهْلَاكِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ أَوْ يَوْمَ إهْلَاكِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَنَّهَا قِيمَتُهُ: أَيْ الثَّمَنُ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَنَانِيرَ بِسَبَبِ إهْلَاكِ الْأَعْيَانِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ قِيمَتَهَا فِي مَوْضِعِ الْإِهْلَاكِ، وَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْأَعْيَانِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مِثْلِيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ قِيَمِيٌّ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْبُرِّ وَادَّعَاهَا بِوَزْنٍ قِيلَ: يَصِحُّ. وَقِيلَ: لَا وَفِي الذُّرَةِ وَالْمِلْحِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، أَمَّا الْأَشْيَاءُ السِّتَّةُ فَالْمِقْدَارُ هُوَ الْكَيْلُ فِي الْأَرْبَعَةِ مِنْهَا وَهُوَ بُرٌّ وَشَعِيرٌ وَتَمْرٌ وَمِلْحٌ، وَفِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمِقْدَارُ هُوَ الْوَزْنُ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي وَزْنٍ بَيَّنَ جِنْسَهُ بِأَنَّهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، فَلَوْ كَانَ مَضْرُوبًا يَقُولُ: كَذَا دِينَارًا، وَيَذْكُرُ نَوْعَهُ بُخَارِيُّ الضَّرْبِ أَوْ نَيْسَابُورِيُّ الضَّرْبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهُ جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا أَوْ وَسَطًا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ.
وَعِنْدَ ذِكْرِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّيْسَابُورِيّ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ كَوْنِهِ أَحْمَرَ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَوْدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَذَكَرَ النَّسَفِيُّ: لَوْ ذَكَرَ أَحْمَرَ خَالِصًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَيِّدَ كَفَاهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعِنَبِ وَادَّعَى نَوْعَيْنِ مِنْ الْعِنَبِ بِأَنْ ادَّعَى أَلْفًا مِنْ الْعِنَبِ الْفُلَانِيِّ والورخميني الْحُلْوِ الْوَسَطِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: مِنْ الْفُلَانِيِّ كَذَا وَمِنْ الورخميني كَذَا، إذْ بِدُونِهِ لَا يَدْرِي الْقَاضِي بِأَيِّ قَدْرٍ يَقْضِي مِنْ كُلِّ نَوْعٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعِنَبِ أَيْضًا وَادَّعَى كَذَا كَذَا عِنَبًا طَائِفِيًّا لَمْ يَجُزْ مَا لَمْ يَقُلْ: أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ وَكَذَا فِي الْعِنَبِ الْحِرْمَازِيِّ لَمْ يَجُزْ مَا لَمْ يَقُلْ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الدِّيبَاجِ وَالْجَوْهَرِ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْوَزْنِ، فَقَدْ قَالَ أَهْلُ النَّظَرِ بِالْجَوَاهِرِ: إنَّ الْجَوْهَرَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ صُورَةً لَوْ تَفَاوَتَا وَزْنًا تَتَفَاوَتُ قِيمَتُهُمَا، إذْ لَا يَقِلُّ وَلَا يَتَّسِعُ ثُقْبُهُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ وَزْنِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا.
وَذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي طَاحُونَةٍ وَحْدَهَا وَذَكَرَ أَدَوَاتِهَا الْقَائِمَةَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الْأَدَوَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهَا فَقَدْ قِيلَ: لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى، وَقِيلَ: تَصِحُّ إذَا ذَكَرَ جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَدَوَاتِ الْقَائِمَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ يَكْفِي حُضُورُ وَصِيِّهِ أَوْ الْوَارِثِ الْوَاحِدِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ كُلِّ وَرَثَتِهِ فَلَوْ كَانَ وَصِيًّا يَقُولُ: إنَّهُ أَوْصَى إلَى هَذَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ الَّتِي فِي يَدِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى الدَّيْنَ بِسَبَبِ الْوِرَاثَةِ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ عَنْ مَجْمَعِ النَّوَازِلِ،
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَمْوَالِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهِ ذُو الْيَدِ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَرَاهِمَ وَقَالَ لِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا أَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: إنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لِي أَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ كَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قِيلَ: تَصِحُّ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْإِقْرَارِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ كَاذِبًا لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَقَدْ أَضَافَ الِاسْتِحْقَاقَ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ.
وَكَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ تَصِحُّ دَعْوَى الْإِقْرَارِ مِنْ طُرُقِ الدَّفْعِ، حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا مِلْكُ الْمُدَّعِي، قِيلَ: لَا يُقْبَلُ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا مِلْكِي وَهَكَذَا أَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ كَذَا وَهَكَذَا أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ، إذْ لَمْ يَجْعَلْ الْإِقْرَارَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ أَنْكَرَ هَلْ يَحْلِفُ عَلَى إقْرَارِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي طَلَبِ إرْثٍ
الجزء 1 · صفحة 58
فَادَّعَى أَنَّهُ عَمُّ الْمَيِّتِ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ عَمُّهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ أَوْ لِأُمِّهِ، وَيُشْتَرَطُ قَوْلُهُ هُوَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ لِشُهُودِهِ أَنْ يَنْسِبُوا الْمَيِّتَ وَوَارِثَهُ حَتَّى يَلْتَقِيَا إلَى أَبٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُوا هُوَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَا فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ جَدُّ الْمَيِّتِ أَبُو أَبِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا هُوَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَلَوْ شَهِدُوا بِهِ أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ أَوْ لِأَبِيهِ وَوَارِثِهِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ، قَالَهُ قَاضِي خَانَ.
وَقَالَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ: ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ عَمِّ الْمَيِّتِ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَذْكُرَ نِسْبَةَ الْأَبِ وَالْأُمِّ إلَى الْجَدِّ لِيَصِيرَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ انْتِسَابَهُ إلَى الْجَدِّ يَصِيرُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ انْتِسَابَهُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ الْقَاضِي فَيُشْتَرَطُ الْبَيَانُ لِيَعْلَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.
وَلَوْ شَهِدُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ التَّعْرِيفِ وَقِيلَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مَرَّةً فِي الْكِتَابِ بَرْهَنَ أَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ تُقْبَلُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ الْجَدِّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَخِ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ اسْمِ الْجَدِّ وَغَيْرِهِ أَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
[فَصْلٌ الْأَصْلُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ]
(فَصْلٌ) :
الْأَصْلُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى النَّسَبِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِهِمَا كَأُبُوَّةٍ وَبُنُوَّةٍ وَوَلَاءٍ وَزَوْجِيَّةٍ فَالْمُدَّعِي خَصْمٌ لَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ سَوَاءً ادَّعَى لِنَفْسِهِ حَقًّا أَوْ لَمْ يَدَّعِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِهِمَا كَأُخُوَّةٍ فَهُوَ خَصْمٌ لَوْ ادَّعَى حَقًّا مَعَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا فِي الْجَامِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ: ادَّعَى أَنَّهُ أَخُوهُ لَا تُسْمَعُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ حَقًّا مِنْ إرْثٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ حَقِّ تَرْبِيَةٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فِي اللَّقِيطِ وَمَا أَشْبَهَهُ، إلَّا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ وَوَلَاءِ الْعِتْقِ وَالْمُوَالَاةِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ فِيهِ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى رَجُلٍ وَقَالَ لِي عَلَى هَذَا أَحْمَدَ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ كَذَا دِرْهَمًا وَهُوَ هَذَا فَشَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ وَلَهُ عَلَيْهِ كَذَا يَثْبُتُ الْمَالُ لَا النَّسَبُ، إذْ الْمُدَّعِي وَشُهُودُهُ لَيْسُوا بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ فَلَا يَثْبُتُ الْمَالُ لِوُجُودِ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ، كَذَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ.
ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ دِينَارًا وَأَنَّهُ مَاتَ وَأَنْتَ وَارِثُهُ وَابْنُهُ وَاسْمُ أَبِيك كَذَا وَاسْمُ جَدِّك كَذَا وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.
[فَصْل فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى]
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى
الدَّعَاوَى سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ: مِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُلْزِمُ الْمُدَّعِي بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ شَيْئًا.
وَمِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُؤَدِّبُ الْمُدَّعِيَ بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى بِهِ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ، وَلَا يُلْزِمُ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ.
وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُلْزِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ عَنْهَا إلَّا بِشَرْطٍ وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِمُوجَبِ مَا شُهِدَ لَهُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ وَيُلْزِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ وَيَغْرَمُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الدَّعْوَى الْفَاسِدَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الدَّعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ قَرِيبًا.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: دَعْوَى الرَّجُلِ الدَّارَ أَوْ الْعَقَارَ عَلَى مَنْ هُوَ حَائِزٌ لِذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجَوَابُ إلَّا بِشُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا
الجزء 1 · صفحة 59
ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ، فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، لَكِنْ يَجْعَلُ مَعَهَا امْرَأَةً ثِقَةً مَأْمُونَةً تَحْفَظُهَا وَتَمْنَعُ زَوْجَهَا مِنْهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهَا.
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْعَيْنِ، لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ فِي قَوْلِهِمْ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الَّذِي وَكَّلَهُ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ فِي إثْبَاتِ الشِّرَاءِ وَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ، فَإِذَا سُمِعَتْ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ وَيُتَوَقَّفُ، فِيهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ.
وَمِنْهَا مَا إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ الْإِصَابَةَ وَادَّعَتْ الزَّوْجَةُ عَدَمَهَا، فَشَهِدَتْ النِّسَاءُ أَنَّهَا بِكْرٌ يُؤَجَّلُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ وَيُفَرَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ؛ إذْ الْبَكَارَةُ أَصْلٌ.
وَمِنْهَا شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ الْغَائِبَ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ، يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاضِرِ وَلَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ فَتُعَادُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُحِيطِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: ظَاهِرُ التَّصَوُّرِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ: كَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ فَجَحَدَهَا أَصْلًا فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِهَا فَادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ.
[فَصْل تَقْسِيم الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: دَعْوَى عَلَى الْحَاضِرِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ، وَدَعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَدَعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَدَعْوَى فِي مَالِ الْيَتِيمِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الدَّعْوَى عَلَى الْحَاضِرِ الرَّشِيدِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الدَّعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ.
لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى صَبِيٍّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَلَهُ وَصِيٌّ حَاضِرٌ لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ الصَّبِيِّ، وَلَوْ وَجَبَ الدَّيْنُ بِمُبَاشَرَةِ هَذَا الْوَصِيِّ لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ الصَّبِيِّ، وَلَوْ وَجَبَ لَا بِمُبَاشَرَتِهِ كَإِتْلَافٍ وَنَحْوِهِ يُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
اُدُّعِيَ عَلَى صَبِيٍّ حُجِرَ عَلَيْهِ مَالًا بِإِهْلَاكٍ أَوْ غَصْبٍ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ وَيَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ، لَكِنْ يَحْضُرُ مَعَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ لِيُؤَدِّيَ عَنْهُ مَا يَثْبُتُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ وَطَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يُنَصَّبَ لَهُ وَصِيٌّ، يُنَصِّبُ لَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا لَكِنْ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّبِيِّ لِنَصْبِ الْوَصِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: حَضْرَةُ الصَّبِيِّ عِنْدَ الدَّعْوَى شَرْطٌ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْأَطْفَالِ الرُّضَّعِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ، لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّبِيِّ لِنَصْبِ الْوَصِيِّ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا بِوُجُودِ الصَّبِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فِي وِلَايَتِهِ.
قَالَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُ عِنْدَ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُ عِنْدَ الدَّعْوَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ شَهِدَا عَلَى قِنٍّ مَأْذُونٍ بِغَصْبٍ أَوْ بِإِتْلَافِ وَدِيعَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِهِ بِهِ، أَوْ شَهِدَا بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَمَوْلَاهُ غَائِبٌ، يُقْبَلُ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانُ الْمَأْذُونِ مَحْجُورًا وَالْبَاقِي بِحَالِهِ يُقْبَلُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى، وَكَذَا فِي إتْلَافِ أَمَانَةٍ يُقْضَى عَلَى الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى عَلَى الْقِنِّ لَا عَلَى مَوْلَاهُ فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَفِي الْإِقْرَارِ: لَا يُقْضَى عَلَى مَوْلَاهُ حَضَرَ أَوْ غَابَ.
وَفِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ: الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ وَصِيِّهِ.
وَكَذَا قِنٌّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ مَوْلَاهُ؛ إذْ يَدُ الْقِنِّ مُعْتَبَرَةٌ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ حَاضِرٌ فِي الْبَلَدِ أَوْ غَائِبٌ عَنْ الْبَلَدِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْحِيَلِ: الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ
الجزء 1 · صفحة 60
حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ.
وَلَوْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ شَيْئًا لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ عَنْهُ وَكِيلًا.
وَلَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ عَنْهُ فَفِي نَفَاذِ حُكْمِهِ رِوَايَتَانِ مِنْ فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَالْفَتْوَى عَلَى نَفَاذِهِ.
قَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِلْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ كَمَا لَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ، إلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا وَأَنْفَذَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ، جَازَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيَسِرِ: قَوْلُهُ " وَأَنْفَذَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَنْفُذُ مَا لَمْ يُخَاصِمْ وَيَقْضِي فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ إذْ التَّوْكِيلُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَمَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ: لِلْقَاضِي وِلَايَةُ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِيهِ لَوْ كَانَ الْمَدْيُونُ غَائِبًا لَا يَبِيعُ الْقَاضِي عُرُوضَهُ بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَبِيعُهَا.
وَأَمَّا الْعَقَارُ فَلَا يَبِيعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا قَوْلُهُمَا فِي الظَّاهِرِ.
وَعَنْهُمَا أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ بِعُرُوضِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْعُ عُرُوضِهِ فِي نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، وَفِي الْعَقَارِ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ، اُنْظُرْ جَامِعَ الْفُصُولَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الْقَاضِي يُنَصِّبُ عَلَى الْغَائِبِ وَكِيلًا وَيَقْبِضُ مِنْ الْمَدِينِ فَيَبْرَأُ، وَبِهِ يُفْتَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِيهِ: الْأَصْلُ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَائِبِ وَعَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُخْصَمَ عَنْهُ حَاضِرًا، إمَّا قَصْدِيٌّ وَهُوَ بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ إيَّاهُ، وَإِمَّا حُكْمِيٌّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ، أَوْ شَرْطًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ الْبَزْدَوِيُّ وَشَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ، وَعِنْدَ عَامَّتِهِمْ تُشْتَرَطُ السَّبَبِيَّةُ فَقَطْ.
قَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ: يَجُوزُ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا تَوْكِيلُ الْحَاضِرِ.
وَالثَّانِي كَوْنُ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَمَا يُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ.
وَالثَّالِثُ كَوْنُ الْمُدَّعَى شَيْئَيْنِ بَيْنَهُمَا سَبَبِيَّةٌ لَا مَحَالَةَ كَمَا مَرَّ.
فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ، سَوَّى خُوَاهَرْ زَادَهْ بَيْنَ الشَّيْءِ وَالشَّيْئَيْنِ، فَشَرْطُ السَّبَبِيَّةِ لِانْتِصَابِ الْحَاضِرِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي الْفَصْلَيْنِ.
وَذَكَرَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ تُشْتَرَطُ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالْأَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ هَذَا فِي السَّبَبِيَّةِ لَا مَحَالَةَ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئَيْنِ وَمَا يَدَّعِيه عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيه عَلَى الْحَاضِرِ، يُحْكَمُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ لَا الْغَائِبِ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ خَصْمًا عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْفَكُّ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ ضَرُورَةً، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا يَنْفَكُّ فَيُعْمَلُ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا شَيْئَيْنِ وَالْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِمَا يَدَّعِيه عَلَى الْحَاضِرِ بِاعْتِبَارِ الْبَقَاءِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَى فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي فَبَيَانُهُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: إذَا ادَّعَى دَارًا أَنَّهُ شَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَهُوَ يَمْلِكُهُ وَقَالَ ذُو الْيَدِ: هُوَ لِي. فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، يُحْكَمُ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ؛ إذْ الْمُدَّعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الدَّارُ، وَالْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ الشِّرَاءُ مِنْهُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْحَاضِرِ؛ إذْ الشِّرَاءُ مِنْ الْمَالِكِ سَبَبٌ لَا مَحَالَةَ، كَذَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ.
قَالَ عِمَادُ الدِّينِ: وَهُنَا أُعْجُوبَةٌ، ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: لَوْ صَدَّقَهُ ذُو الْيَدِ فِي ذَلِكَ، فَالْقَاضِي لَا يَأْمُرُ ذَا الْيَدِ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُدَّعِي؛ لِئَلَّا يُحْكَمَ عَلَى الْغَائِبِ بِالشِّرَاءِ بِإِقْرَارِهِ، وَهِيَ عَجِيبَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ طَالَبَ الدَّائِنُ كَفِيلَهُ بِدَيْنِهِ فَبَرْهَنَ الْكَفِيلُ عَلَى أَدَاءِ الْمَدِينِ الْغَائِبِ يُقْبَلُ وَيَنْتَصِبُ الْكَفِيلُ خَصْمًا عَنْ الْمَدِينِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الدَّائِنِ إلَّا بِهَذَا، فَكَذَا يُقَالُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا طَلَبَ مِنْهُ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِالْمُدَّعَى وَوَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ وَطَلَبَ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، أَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَفْسِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إلَى أَنْ
الجزء 1 · صفحة 61
يُنْقَضَ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُنَصِّبُ وَكِيلًا عَنْهُ فَيَقْضِي عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَابَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ حَيْثُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يُنْفَى كَوْنُهُ حُجَّةً عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْقَضَاءِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى إيصَالِ الْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
[فَصْلٌ إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ]
(فَصْلٌ) :
فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَطَرِيقُهُ أَنْ يَكْفُلَ بِكُلِّ مَالِهِ عَلَى الْغَائِبِ، وَيُخَيَّرُ الْمُدَّعِي فِي الْمَجْلِسِ فَيَدَّعِي الْمُدَّعِي عَلَى الْكَفِيلِ مَالًا مُقَدَّرًا بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيُقِرُّ الْكَفِيلُ بِالْكَفَالَةِ وَيُنْكِرُ دَيْنَهُ فَيُبَرْهِنُ الْمُدَّعِي بِدَيْنِهِ عَلَى الْغَائِبِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى الْكَفِيلِ بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِكَفَالَتِهِ.
ثُمَّ يُبْرِئُ الْمُدَّعِي الْكَفِيلَ فَيَثْبُتُ الدَّيْنُ عَلَى الْغَائِبِ لِانْتِصَابِ الْكَفِيلِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِكُلِّ مَالِهِ عَلَى الْغَائِبِ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَكُنْ بِأَنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ كَذَا، وَهَذَا الْحَاضِرُ كَفِيلٌ بِهِ فَبَرْهَنَ فَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْكَفِيلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ إلَّا إذَا ادَّعَى الْكَفَالَةَ بِأَمْرِ الْغَائِبِ.
أَمَّا لَوْ كَفَلَ بِكُلِّ مَالِهِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْكَفِيلِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ حُكْمٌ عَلَى الْغَائِبِ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْكَفَالَةَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا. مِنْ الذَّخِيرَةِ وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الدَّعْوَى عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ وَفَاتِهِ وَعَدَدِ وَرَثَتِهِ فَإِنْ أَقَرَّ الْوَارِثُ الرَّشِيدُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ثُبُوتِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ يَكْفِي حَضْرَةُ الْوَاحِدِ. مِنْ الذَّخِيرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
امْرَأَةٌ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَهْرِهَا وَذَلِكَ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَبَانَا تَزَوَّجَهَا وَلَا نَدْرِي مَا مَهْرُهَا. وَحَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُونَ مَهْرَهَا، قَالَ: إنِّي أَجْعَلُ لَهَا أَقَلَّ الصَّدَاقِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَيَقَّنٌ فِيهِ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا.
(فَرْعٌ) :
لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَمَاتَ الْمُشْتَرِي وَالْعَبْدُ، وَادَّعَى الْبَائِعُ الثَّمَنَ عَلَى وَرَثَتِهِ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: مَا نَدْرِي مَا ثَمَنُهُ. وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا ثَمَنُهُ، قَالَ: حَبَسَهُمْ الْقَاضِي حَتَّى يُقِرُّوا بِشَيْءٍ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَالِ وَيَدَعُهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُبَيِّنُوا مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَقَرَّ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مَا هُوَ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ وَأَلَّا يَحُلْ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَرِكَةِ أَبِيهِ، فَكَذَا هَذَا الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ]
فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمُوَكِّلِهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدُوا إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِأَبِيهِ أَوْ لِقَرِيبِهِ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِنَفْسِهِ،.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةَ يُمَكَّنُ مُدَّعِيهَا مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَقَدْ يُمْنَعُ مِنْ إقَامَتِهَا فِي وُجُوهٍ.
مِنْهَا: إذَا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعِي الْمَطْلُوبَ مَعَ الْعِلْمِ بِبَيِّنَتِهِ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَحْلِيفَ خَصْمِهِ فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ. لَا يُسْمَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. مِنْ. الْحَوَاشِي.
وَمِنْهَا: لَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ قَبْضَ الثَّمَنِ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ: تَلِفَ. أَوْ: رَدَدْتُهُ. لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 62
كَذَّبَهَا. اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ. .
وَمَا حُكِيَ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ إذَا كَذَّبَ شُهُودَهُ فِي بَعْضِ مَا شَهِدُوا بِهِ انْتَقَضَ الْقَضَاءُ فَكَذَا هَذَا.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ مَالًا وَبَيَّنَ نَوْعَهُ وَصِفَتَهُ وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ فُلَانٌ آخَرُ هَذَا الْمَالَ الْمُسَمَّى وَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ، لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إبْطَالًا لِلدَّعْوَى مِنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ قَالَ: لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَحْدُودًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ ثُمَّ مَاتَ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَحْدُودَ مِلْكًا مُطْلَقًا، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ وَالْوَارِثُ قَامَ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، مِنْ الْمَنِيَّةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمُوَكِّلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ، لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ بَيِّنَةٌ عَلَى الْغَائِبِ وَلَمْ يَنْتَصِبْ عَنْهُ خَصْمٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَتَهُ لِيَكْتُبَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَيْسَ بِقَضَاءٍ بَلْ هُوَ نَقْلٌ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ الْخَصْمِ، فَإِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ بِغَيْرِ خَصْمٍ جَازَ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْخَصْمِ شَرْطٌ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَحْضَرَ رَجُلًا وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لِمُوَكِّلِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ وَالْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ قُبِلَتْ وَيُقْضَى بِالْوَكَالَةِ وَيَكُونُ الْقَضَاءُ قَضَاءً عَلَيْهِ وَعَلَى كَافَّةِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا بِسَبَبِ الْوَكَالَةِ فَكَانَ إثْبَاتُ السَّبَبِ عَلَيْهِ إثْبَاتًا عَلَى الْكَافَّةِ، حَتَّى لَوْ أَحْضَرَ آخَرَ وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لَا يُكَلَّفُ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
(فَرْعٌ) :
رَجُلٌ جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَكَّلْتُ هَذَا الرَّجُلَ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لِي. وَالْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُوَكَّلَ، جَازَ.
وَإِنْ غَابَ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُ فَجَاءَ الرَّجُلُ بِخَصْمٍ سَأَلَهُ الْقَاضِي أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُوَكَّلَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً بِالْمُعَايَنَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالْوَكَالَةِ بِجَهَالَةِ الْمُوَكَّلِ، فَإِذًا زَالَتْ الْجَهَالَةُ بِالْبَيِّنَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ النَّصْرَانِيِّ فِي حُقُوقِهِ وَأَحْضَرَ مُسْلِمًا يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا وَهُوَ يُنْكِرُ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا شَهَادَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَإِنْ أَحْضَرَ نَصْرَانِيًّا وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا قُضِيَ بِالْوَكَالَةِ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ. مِنْ الْمُحِيطِ وَمِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا وَكَّلَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا عَلَى عَقْدِ نِكَاحِهَا مِنْ رَجُلٍ فَعَقَدَهُ ثُمَّ قَامَ عَلَى الزَّوْجِ يَطْلُبُهُ بِالْحَالِّ مِنْ صَدَاقِهَا فَطَلَبَ مُخَاصَمَتَهُ فِي ذَلِكَ وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ وَكِيلُهَا فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزِمُ قَبْضَ الصَّدَاقِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ لِأَبِيهِ أَوْ لِقَرِيبِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّ لِأَبِي عَلَى هَذَا أَلْفًا وَأَبِي غَائِبٌ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَتَوَارَى هَذَا. فَجَعَلَهُ الْقَاضِي وَكِيلًا لِأَبِيهِ وَقَبِلَ بَيِّنَةَ الِابْنِ عَلَى الْمَالِ وَحَكَمَ بِهِ، فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَإِنَّ الثَّانِي لَا يُجِيزُ حُكْمَ الْأَوَّلِ؛ إذْ بَيِّنَةُ الِابْنِ لَمْ تَقُمْ بِحَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ.
وَإِنَّمَا قَامَتْ لِغَائِبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَفْقُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ ابْنَ الْمَفْقُودِ وَكِيلًا فِي طَلَبِ حُقُوقِهِ؛ إذْ الْمَفْقُودُ كَمَيِّتٍ وَلِلْقَاضِي نَوْعُ وِلَايَةٍ فِي مَالِهِ. قَالَهُ قَاضِي خَانْ وَكَذَلِكَ الْأَخُ يَقُومُ لِأَخِيهِ، وَالْجَارُ يَقُومُ لِجَارِهِ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ إلَّا بِوَكَالَةٍ.
الجزء 1 · صفحة 63
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ وَلَهُ مَالٌ أَوْ عَقَارٌ وَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِغَيْرِ طَرِيقٍ فَطَلَبَهُ إلَى قَاضٍ وَادَّعَى عَلَيْهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ أَوْ لِمَحْجُورِهِ، تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ بَرْهَنَ أَنَّ لَهُ وَلِفُلَانٍ الْغَائِبِ عَلَى هَذَا أَلْفًا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَحُكِمَ لَهُ بِنِصْفِهِ فَقَدِمَ الْغَائِبُ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْغَرِيمِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ بِإِقْرَارِهِ بِشَرِكَتِهِ. مِنْ الْمُنْتَقَى.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ]
فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ. .
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يُمَكِّنَ الْمَرْأَةَ مِنْ النِّكَاحِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: الْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ الْبَلَدِيَّةُ إذَا أَرَادَتْ الزَّوَاجَ كَلَّفَهَا إثْبَاتَ يُتْمِهَا وَبَكَارَتِهَا وَبُلُوغِهَا وَخُلُوِّهَا مِنْ زَوْجٍ، وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا أَنَّ أَبَاهَا أَوْصَى بِهَا إلَى أَحَدٍ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ قَدَّمَ عَلَيْهَا مُقَدَّمًا، وَيُثْبِتُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وَلِيَّ نَسَبٍ لَهَا أَوْ أَنَّ لَهَا وَلِيًّا هُوَ أَحَقُّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَتُثْبِتُ كَفَاءَةَ الزَّوْجِ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَى مِثْلِهِ، وَأَنَّهَا فَوَّضَتْ لِلْقَاضِي فِي نِكَاحِهَا بِذَلِكَ، وَسَمَاعُهُمْ مِنْهَا حَتْمًا.
الثَّانِي: الثَّيِّبُ الْبَلَدِيَّةُ مِنْهَا إذَا طَلَبَتْ الثَّيِّبُ الزَّوَاجَ كَلَّفَهَا أَنْ تُثْبِتَ أَصْلَ الزَّوْجِيَّةِ وَطَلَاقَ الزَّوْجِ لَهَا أَوْ وَفَاتَهُ عَنْهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تَخْتَلِفْ زَوْجًا إنْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ طَوْلٌ، وَأَنَّ لَا وَلِيَّ لَهَا، وَأَنَّ لَهَا وَلِيًّا، وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِعَقْدِ نِكَاحِهَا وَتُثْبِتُ الْكَفَاءَةَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَبُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَيَأْتِي إلَى حَاكِمٍ لِيُزَوِّجَ ابْنَتَهُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَصْرِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَهُ ابْنَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: جَرَتْ عَادَةُ قُضَاةِ الْعَصْرِ بِمَنْعِ الْمَرْأَةِ الْمَبْتُوتَةِ مِنْ رَجْعَةِ مُطَلِّقِهَا حَتَّى يَثْبُتَ دُخُولُ الزَّوْجِ الثَّانِي بِهَا وَأَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ عِنْدَهَا.
أَمَّا لَوْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مَبْتُوتَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ تَزَوَّجْتُ. فَأَرَادَ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ إنَّهَا لَا تُصَدَّقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مِنْ الدَّعَاوَى إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ دَيْنًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الْمَيِّتِ أَوْ مُوَرِّثِهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهِ؛ لِيَعْلَمَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّا يَدَّعِيهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَهُ عُرُوضًا أَوْ نَحْوُهَا لِمُوَرِّثِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا صَارَتْ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ فَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ وَانْتِقَالِ الْمِيرَاثِ إلَيْهِمْ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الدَّعْوَى.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الْحَجْرِ: إذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ مَالُ يَتِيمٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِضَرُورَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ وَحِيَازَتِهِ وَالْحَاجَةِ إلَى الْبَيْعِ وَكَوْنِهِ أَيْسَرَ مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي رُفِعَ إلَى الْقَاضِي وَصِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ وَصِيَّتِهِ وَإِثْبَاتِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ يَأْمُرُ بِالْبَيْعِ، وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ ثُبُوتِ الرَّغَبَاتِ وَالسَّدَادِ فِي الثَّمَنِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى]
فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى.
التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُطْلَقًا، أَوْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا، أَوْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ، أَوْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ أَمَّا إذَا وَكَّلَهُ مُطْلَقًا وَأَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ يَصِحُّ، وَفِي غَيْرِهِ لَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ فِيهِمَا، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ فِيهِمَا وَأَمَّا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِيرُ وَكِيلًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِقْرَارِ عِنْدَهُ يَكُونُ إقْرَارًا مِنْ الْمُوَكِّلِ، وَعِنْدَنَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ صَرِيحًا وَلَا مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِقْرَارِ بِلِسَانِ غَيْرِهِ؛ صِيَانَةً لِعِرْضِهِ وَمَاءِ وَجْهِهِ مِنْ جَرِّهِ إلَى بَابِ الْقَاضِي، وَهَذَا
الجزء 1 · صفحة 64
غَرَضٌ مَطْلُوبٌ فِيمَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ تَوْكِيلِهِ عِبَارَةً عَنْ التَّوْكِيلِ بِالْإِقْرَارِ مَجَازًا.
وَأَمَّا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِالْإِنْكَارِ. وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا لَا يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ.
وَأَمَّا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ.
قِيلَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِتَدْبِيرِهِ، وَفِي هَذَا التَّوْكِيلِ تَعْطِيلٌ وَلَيْسَ بِتَفْوِيضٍ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْخَصْمِ إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ.
فَإِذَا اسْتَثْنَاهُمَا فَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ شَيْئًا.
وَقِيلَ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَصِيرُ وَكِيلًا بِالسُّكُوتِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ حَتَّى تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الطَّالِبِ مِنْ الْجَوَابِ يَحْصُلُ بِالسُّكُوتِ وَهُوَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنْ الْخَصْمِ كَافٍ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَالْإِنْكَارِ، وَلِلْوَكِيلِ نَوْعُ فَائِدَةٍ فِي قَصْرِ الْوَكَالَةِ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ.
(فَرْعٌ) :
وَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ إذَا أَقَرَّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ جُعِلَ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ مَجَازًا بِاجْتِهَادٍ، فَتَمَكَّنَتْ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ دَرْءِ مَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ فَلِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْخُصُومَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ الْوَكَالَةُ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ حَاضِرٍ صَحِيحٍ فِي الْمِصْرِ إلَّا بِرِضَا خَصْمِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: تَوْكِيلُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ وُجِدَ مِنْ الْمُدَّعِي فَالدَّعْوَى خَالِصُ حَقِّهِ وَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْإِنْكَارُ خَالِصُ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا.
وَقَدْ اسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ بَرْزَةٍ جَازَ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهَا ضَرَرٌ بِالْعَيْبِ بِالْخُرُوجِ وَالْحُضُورِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَقْبِضُهُ يَقْبِضُ عَيْنَ حَقِّهِ، وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ وَكِيلٌ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ فَلَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ.
(فَرْعٌ) :
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ بَدَلِ حَقِّهِ يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالتَّمَلُّكِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَكِيلٌ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ حُكْمًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
(فَصْلٌ) :
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ شَهِدَ لَهُ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يُخَاصِمَ فِي ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ عَزَلَهُ بَعْدَ مَا خَاصَمَ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْفَصْلَيْنِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّجْرِيحِ مِنْ أَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ انْتَصَبَ خَصْمًا فِي حَادِثَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ خَصْمًا حَتَّى عُزِلَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا.
وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: الْوَكِيلُ صَارَ خَصْمًا بِالتَّوْكِيلِ، وَلِهَذَا إذَا أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي يَنْفُذُ عِنْدَهُ، وَإِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَصِيرُ خَصْمًا مَا لَمْ يَتَخَاصَمْ إلَى الْقَاضِي.
وَلَوْ خَاصَمَ إلَى الْقَاضِي وَقَدْ وَكَّلَهُ بِكُلِّ حَقٍّ لَهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيمَا كَانَ يَوْمَ التَّوْكِيلِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا فِيمَا كَانَ يَوْمَ التَّوْكِيلِ.
[فَصْلٌ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ]
(فَصْلٌ) :
وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ وُكِّلَ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ فَلَا يَكُونُ لَهُ
الجزء 1 · صفحة 65
أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلطَّالِبِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُطَالِبَهُ إلَّا بِرِضَاهُ. مِنْ الْمُحِيطِ وَمِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَمِنْ الْإِيضَاحِ
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى]
فِي حُكْمِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى. وَإِذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاسْتَفْرَغَ الْقَاضِي كَلَامَ الْمُدَّعِي وَفَهِمَهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ فِيهِ إشْكَالٌ وَلَا احْتِمَالٌ، أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمَّا إقْرَارٌ، أَوْ إنْكَارٌ، أَوْ امْتِنَاعٌ.
الْأَوَّلُ: الْإِقْرَارُ.
فَإِذَا أَقَرَّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَيِّدَ إقْرَارَهُ، فَإِذَا قَيَّدَهُ تَمَّ الْحُكْمُ، وَصِفَةُ تَقْيِيدِ الْإِقْرَارِ أَنْ يَقُولَ: أَقَرَّ بِمَجْلِسِ الْحَاكِمِ الْعَزِيزِ الْفُلَانِيِّ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِمُنَازَعَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِأَنَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَذَا وَكَذَا وَجَبَ لَهُ مِنْ وَجْهِ كَذَا حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْجَوَابِ: الْإِنْكَارُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا ثُمَّ إذَا صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْقَائِمِ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ، فَإِنْ أَتَى بِهَا وَقَبِلَهَا تَمَّ الْحُكْمُ، وَإِنْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. يَقُولُ: لَكَ يَمِينُهُ.
وَأَصْلُهُ قَضِيَّةُ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ فَإِنَّهُمَا اخْتَصَمَا فِي شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُدَّعِي مِنْهُمَا: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ لَيْسَ لَك غَيْرُ ذَلِكَ» . .
وَلَوْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُجِبْ بِلَا أَوْ نَعَمْ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ الْكَلَامِ يَجْعَلُهُ الْقَاضِي مُنْكِرًا حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ تُسْمَعُ، اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ.
الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْجَوَابِ: الِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ.
مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسْتَحْلَفُ، وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ كَلَامَيْهِ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا فَكَانَ سَاكِتًا وَالسُّكُوتُ يَكُونُ نُكُولًا حُكْمِيًّا فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّكُولِ الْحَقِيقِيِّ، كَقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ إذَا لَمْ يَكُنْ السُّكُوتُ عَنْ آفَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ الْكَلَامِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّمَا يُتَوَجَّهُ شَرْعًا عَلَى الْمُنْكِرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ فَلَا يُمْكِنُ تَحْلِيفُهُ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ فِي دَعْوَاهُ، وَإِمَّا أَنْ تُصَرِّحَ بِالْإِنْكَارِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ كَانَ جَانِيًا لِتَرْكِ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ فَيُؤَدِّبُهُ الْقَاضِي بِالْحَبْسِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا فَمَاتَ الْمُشْتَرِي وَالْعَبْدُ وَادَّعَى الْبَائِعُ الثَّمَنَ عَلَى وَرَثَتِهِ، فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ مَا نَدْرِي مَا ثَمَنُهُ وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا ثَمَنُهُ، قَالَ: حَبَسَهُمْ الْقَاضِي حَتَّى يُقِرُّوا بِشَيْءٍ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَالِ وَيَضَعُهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يُبَيِّنُوا مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الثَّمَنِ، مِنْ الْمُحِيطِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
[الْقِسْمُ الْخَامِسُ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا]
فِي ذِكْرِ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا، وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا، وَفِيمَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَنْ لَا تَتَوَجَّهُ، وَمَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، وَحُكْمِ النُّكُولِ، وَبَيَانِ حُكْمِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَالْقَاضِي يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ وَلَا يُحَلِّفُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَلْعُونٌ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَحَلَّفَ بِهِ» وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَكَانَ التَّغْلِيظُ فِي الْيَمِينِ أَبْلَغَ وَأَكْمَلَ فِي الزَّجْرِ مِنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ لَمْ يَتَّهِمْهُ الْقَاضِي اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ يُغَلِّظُ فِي يَمِينِهِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْمِنْبَرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ النَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَالْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ
الجزء 1 · صفحة 66
التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ وَالتَّوْرَاةَ هُوَ اللَّهُ، وَالْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ النَّارِ فَيُغَلِّظُ فِي يَمِينِهِ بِمَا يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ وَهُوَ النَّارُ كَمَا فِي النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ.
وَعِنْدَهُمَا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنَّ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَرَدَ نَصٌّ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ صُورِيَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» . وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي التَّغْلِيظِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لِلنَّارِ لَا يَكُونُ وَارِدًا فِي النَّارِ دَلَالَةً.
وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ، وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْوَثَنَ وَالصَّنَمَ؛ لِأَنَّ فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالصَّنَمِ تَعْظِيمًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ أُمِرْنَا بِإِهَانَتِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ اتَّخَذَهُ إلَهًا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِهَانَةِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهَا أَحَدٌ إلَهًا، وَلِهَذَا جَوَّزَ مُحَمَّدٌ التَّغْلِيظَ بِذِكْرِ النَّارِ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ بِذِكْرِ الصَّنَمِ.
(فَرْعٌ) :
وَاسْتِحْلَافُ الْأَخْرَسِ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ لِهَذَا هَذَا الْحَقُّ، وَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ أَيْ نَعَمْ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ أَلْفٌ فَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْحَلِفِ.
وَالْقَاضِي لَوْ اسْتَحْلَفَ النَّاطِقَ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: نَعَمْ. لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ أَحْلِفُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَلِفًا، فَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيَّ كَذَا.
[فَصْلٌ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى قِسْمَيْنِ]
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْعَقْدِ بِاَللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَكَ مَا ادَّعَى مِنْ الْحَقِّ وَلَا يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْكَفَالَةُ وَنَحْوُهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُ وَلَا اسْتَأْجَرْتُ وَلَا كَفَلْتُ وَنَحْوَهَا، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْقَاضِي فَيَقُولُ: كَمْ مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ مُسْتَأْجِرٍ يَفْسَخُ الْعَقْدَ؟ فَيُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى حَسَبِ الدَّعْوَى وَرَفْعِهِ، وَالدَّعْوَى وَقَعَتْ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْحَاصِلِ بِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْحَاصِلِ لَا عَلَى السَّبَبِ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ وَالْمَسْرُوقُ قَائِمًا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الثَّوْبُ لِهَذَا وَلَا عَلَيْكَ تَسْلِيمُهُ وَلَا تَسْلِيمُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا قِيلَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْقِيمَةِ لَا غَيْرُ.
وَقِيلَ يَحْلِفُ عَلَى الثَّوْبِ وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا يَحْلِفُ عَلَى الْقِيمَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا الْحَقَّ فِي الْقِيمَةِ لَا فِي الْعَيْنِ.
وَعِنْدَهُ الْحَقُّ فِي الْعَيْنِ لَا فِي الْقِيمَةِ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ أَوْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهَا، حَتَّى لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبَةً، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ بِنَاءً، أَوْ أَجْرَى عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي دَارِهِ مِيزَابًا، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ بَابًا، أَوْ رَمَى تُرَابًا فِي أَرْضِهِ أَوْ مَيْتَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ نَقْلُهُ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا فَعَلْتَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّحْلِيفِ هَا هُنَا ضَرَرٌ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ رَفْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنْ أَرْضِهِ لَا يَتَضَرَّرُ بِسُقُوطِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّهُ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَةَ عَلَى حَائِطِهِ أَوْ يُلْقِيَ الْمَيْتَةَ فِي أَرْضِهِ كَانَ ذَلِكَ إعَارَةً مِنْهُ، فَمَتَى بَدَا لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِرَفْعِهِ، وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ الْحَقِّ وَبَيْعُ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ.
[فَصْلٌ مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَنْ لَا يَتَوَجَّهُ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَنْ لَا يَتَوَجَّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمُحَمَّدٌ: لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 67
إلَّا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُحَلِّفُهُ بِدُونِ طَلَبِهِ، وَلَا يَحْلِفُ الْأَبُ عَلَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ مَتَى أَنْكَرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ كَبِيرَةً لَا يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْأَبِ فِيمَا يَدَّعِي عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَكَذَا لَا يَمِينَ عَلَى الْوَصِيِّ فِيمَا يَدَّعِي عَلَى مَيِّتٍ مَالًا أَوْ حَقًّا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ لِرَجَاءِ النُّكُولِ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْإِقْرَارِ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِ الْبَدَلَ وَالْإِقْرَارَ فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِحْلَافُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ، وَالنِّيَابَةُ لَا تَجْرِي فِي الِاسْتِحْلَافِ؛ حَتَّى لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَغَابَ فَادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَى الطَّالِبَ وَأَرَادَ يَمِينَهُ أُمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِتْبَاعِ الطَّالِبِ بِالْيَمِينِ، كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
(فَرْعٌ) : وَيُسْتَحْلَفُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمَحْجُورُ وَالْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَنُكُولُ هَؤُلَاءِ صَحِيحٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ الْمُدَّعِي مِنْ إشْخَاصِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ أَشْخَصْتُهُ إلَى بَابِ الْقَاضِي عَجَزْتُ عَنْ اسْتِخْدَامِهِ فَلَا تَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّي فِي الِاسْتِخْدَامِ، كَمَا أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ مِنْ الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا؛ كَيْ لَا يَفُوتَ حَقُّ الِاسْتِخْدَامِ لِلْمَوْلَى فَكَذَا هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ هَلْ يُسْتَحْلَفُ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الِاسْتِحْلَافِ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ، وَكِلَاهُمَا مِنْهُ صَحِيحٌ إنْ كَانَ مِنْ صَنِيعِ التِّجَارَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِيَمِينِهِ مَغْرَمٌ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ فَلَا يُبَالِي أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا فَلَا يُفِيدُ تَحْلِيفُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ هَلْ تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ قِيلَ: تَتَوَجَّهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ.
وَقِيلَ: لَا تَتَوَجَّهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ غَائِبٌ وَقَدْ اُدُّعِيَ عَلَى الْمَيِّتِ حَقٌّ يُكَلَّفُ الْبَالِغُ الْحُضُورَ وَيُؤَخَّرُ الصَّغِيرُ حَتَّى يُدْرِكَ وَالْغَائِبُ حَتَّى يَقْدُمَ ثُمَّ يَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَحْلِيفُ الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ فَيُؤَخَّرَانِ إلَى أَنْ يُمْكِنَهُمَا التَّحْلِيفُ.
[فَصْلٌ فِيمَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ]
(فَصْلٌ) :
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ النُّكُولُ، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ أَوْ قَرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ لَا يُقَامُ لِحُجَّةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِدَرْئِهَا، وَيُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي الضَّمَانَ يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكِلَ يُضَمِّنُهُ الْمَالَ وَلَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنُّكُولِ.
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالنَّسَبُ وَالرِّقُّ وَالْوَلَاءُ وَالِاسْتِيلَادُ.
وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي بَابِ الْمَالِ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً لِكَوْنِهِ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ النَّاكِلَ يَمْتَنِعُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ عَادَةً فَيَصِيرُ مُعْتَرِفًا بِالْحَقِّ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْكَاذِبَ فِي الْإِنْكَارِ مُقِرٌّ ضَرُورَةً، وَالْإِقْرَارُ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: إنَّا تَوَافَقْنَا عَلَى شَرْعِ الِاسْتِحْلَافِ لِفَائِدَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، وَالْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ هَا هُنَا مُتَعَذِّرٌ، وَتَمَامُ الْحُجَجِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي ذِكْرِ الْبَيِّنَاتِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْبَيِّنَةِ]
، وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ فُصُولٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْبَيِّنَةِ وَمَوْضِعِهَا شَرْعًا.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَحِكْمَتِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ الْقَبُولِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ التَّنَبُّهُ لَهُ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَمَا يَحْتَرِزُوا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ،
الجزء 1 · صفحة 68
وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِيمَا يُحْدِثُهُ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ فَتَبْطُلُ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَاللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ أَدَاؤُهَا.
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَتِهَا وَمَوْضُوعِهَا شَرْعًا] اعْلَمْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَسَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّهُودَ بَيِّنَةً؛ لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الْإِشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ، لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ نَصْرِ الْخُويِيُّ فِي كِتَابِ الْحِسْبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَلَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُرَادًا بِهَا الشُّهُودُ. وَإِنَّمَا أَتَتْ مُرَادًا بِهَا الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ مُفْرَدَةً وَمَجْمُوعَةً، وَلَمَّا كَانَتْ الْبَيِّنَاتُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ الْحُقُوقِ الْمَشْهُودِ فِيهَا وَالْمُحْتَاجِ إلَى إقَامَتِهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ وَإِمْكَانِ التَّوَثُّقِ وَتَعَذُّرِهِ وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ احْتَجْنَا إلَى ذِكْرِهَا وَعَدَدِ أَنْوَاعِهَا وَتَمْثِيلِ مَسَائِلِهَا.
فَأَمَّا؛ أَنْوَاعُهَا فَثَلَاثَةٌ: شَهَادَةُ الْفَرْدِ، وَشَهَادَةُ الْمُثَنَّى
وَشَهَادَةُ الْأَرْبَعِ، وَسَيَأْتِي مُفَصَّلًا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ]
وَلَا يَصِحُّ لِشَاهِدٍ شَهَادَةٌ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ؛ إذْ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا عُلِمَ وَقُطِعَ بِمَعْرِفَتِهِ لَا بِمَا شُكَّ فِيهِ وَلَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا) وَقَدْ يَلْحَقُ الظَّنُّ الْغَالِبُ بِالْيَقِينِ لِلضَّرُورَةِ فِي مَوَاضِعَ يَأْتِي ذِكْرُهَا، كَالشَّهَادَةِ فِي التَّفْلِيسِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالْعِلْمُ يُدْرَكُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
الْأَوَّلُ: الْعَقْلُ بِانْفِرَادِهِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِهِ بَعْضَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ مِثْلَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ، وَيَعْلَمُ بِهِ حَالَ نَفْسِهِ مِنْ صِحَّتِهِ وَسَقَمِهِ وَإِيمَانِهِ وَكُفْرِهِ، وَتَصِحُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ مَعَ الْحَوَاسِّ، حَاسَّةِ السَّمْعِ وَحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَحَاسَّةِ الشَّمِّ وَحَاسَّةِ الذَّوْقِ وَحَاسَّةِ اللَّمْسِ، فَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ السَّمْعِ الْكَلَامَ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الْبَصَرِ جَمِيعَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْمُبْصَرَاتِ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الذَّوْقِ جَمِيعَ الطُّعُومِ وَالْمَذُوقَاتِ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ اللَّمْسِ جَمِيعَ الْمَلْمُوسَاتِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
الثَّالِثُ: حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَدُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ الصَّحِيحَةُ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْت ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ.
الرَّابِعُ: الْعِلْمُ الْمُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ بِمَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْحُكَمَاءِ فِي قِدَمِ الْعُيُوبِ وَحُدُوثِهَا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي قِدَمِ الضَّرَرِ وَحُدُوثِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى شَهَادَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلنَّبِيِّينَ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْإِبْلَاغِ، وَشَهَادَةُ الْمُؤْمِنِ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا.
وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ النَّظَرِ أَوْ الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَحِكْمَتِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ]
أَمَّا حَدُّ الشَّهَادَةِ فَهُوَ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ، وَبِقَيْدِ التَّعْيِينِ يُفَارِقُ الرِّوَايَةَ.
وَفِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ: الشَّهَادَةُ: الْخَبَرُ بِمَا شَهِدَ سُمِّيَ شَهَادَةً؛ لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ الْبَيَانُ وَالْإِظْهَارُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى يَظْهَرُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ كَانَ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الشَّهَادَةِ لَكِنْ يَظْهَرُ.
وَأَمَّا حُكْمُهَا فَلَهُ حَالَتَانِ: حَالَةُ تَحَمُّلٍ، وَحَالَةُ أَدَاءً كَمَا سَنُبَيِّنُ وَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ شَرْطَهَا يَتَنَوَّعُ إلَى شَرْطٍ أَصْلِيٍّ وَشَرْطٍ زَائِدٍ، وَنَعْنِي بِالْأَصْلِيِّ شَرْطَ الْوُجُودِ وَهُوَ صُدُورُ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحِلِّ لِأَنَّ قِيَامَ ذَاتِ التَّصَرُّفِ بِالْأَصْلِ وَقِيَامَ حُكْمِهِ بِالْمَحِلِّ.
فَإِذَا وُجِدَ مِنْ التَّصَرُّفِ مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ، وَحُكْمُهُ يُوجَدُ بِذَاتِهِ، وَحُكْمُهُ
الجزء 1 · صفحة 69
حِسِّيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا، لَكِنَّ فِي الْحِسِّيِّ تُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْمَحَلِّيَّةُ، وَفِي الشَّرْعِيِّ تُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ شَرْعًا، وَكَذَا الْمَحَلِّيَّةُ، وَأَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ تَتَنَوَّعُ إلَى أَهْلِيَّةِ تَحَمُّلِهَا وَأَهْلِيَّةِ أَدَائِهَا، فَأَهْلِيَّةُ التَّحَمُّلِ تَثْبُتُ بِالْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ مَنْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّحَمُّلِ تَثْبُتُ بِالْعِلْمِ بِمَا يَتَحَمَّلُهُ عَلَى مَنْ يَتَحَمَّلُهُ وَلِمَنْ يَتَحَمَّلُهُ، وَالْعِلْمُ يَتَرَتَّبُ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْعَقْلُ وَالْحَوَاسُّ كَمَا بَيَّنَّا، وَقَدْ شَرَطَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ فِي جَوَازِ تَحَمُّلِهَا مَعْرِفَةَ ثَمَانِيَةٍ: مَعْرِفَةُ الْمُقِرِّ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ مَعْرِفَةُ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ.
وَمَعْرِفَةُ عَقْلِهِ وَرُشْدِهِ وَكَوْنِهِ طَائِعًا فِي إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ شُرُوطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ.
وَمَعْرِفَةُ قَدْرِ مَا يَجِبُ لِيَصِيرَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَعْلُومًا وَمَنْ يَجِبُ لَهُ لِيَصِيرَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعْلُومًا.
وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِالْكِتَابِ يَشْتَرِطُ قِرَاءَةَ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْجَمِيًّا يُقْرَأُ لَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، وَعَلَى هَذَا غَيْرُ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْكَافِرُ إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْإِسْلَامَ شَرْطُ الْأَدَاءِ لَا شَرْطُ التَّحَمُّلِ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَأَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ تَثْبُتُ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ أَهْلِيَّةُ التَّحَمُّلِ وَبِأُمُورٍ أُخَرَ، وَهُوَ النُّطْقُ وَالْحِفْظُ وَالْيَقَظَةُ؛ لِأَنَّ بِالْحِفْظِ يَبْقَى عِنْدَهُ مَا تَحَمَّلَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى حِينِ أَدَائِهَا، وَبِالنُّطْقِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَبِالْيَقَظَةِ لَا يَغْفُلُ عَنْ أَدَاءِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ.
وَأَمَّا شَرْطُ الزَّائِدِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلٍّ هُوَ أَلْيَقُ بِهِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَطَرِيقُ التَّحَمُّلِ هُوَ أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ وَيُسْتَحْفَظَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ تَحَمَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ حَيْثُ يُفْتَقَرُ إلَى ذَلِكَ وَيُخْشَى تَلَفُ الْحَقِّ بِعَدَمِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، فَبِالِامْتِنَاعِ عَنْهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ يَلْحَقُهُ الْمَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَالْعِبَادَةِ، وَمَتَى لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَا يَلْحَقُهُ الْمَأْثَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلٌ لَهُ شُهُودٌ كَثِيرَةٌ، فَدَعَا بَعْضَهُمْ؛ لِيُقِيمَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَكِنَّ هَذَا الشَّاهِدَ مِمَّنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ أَسْرَعَ قَبُولًا لَا يَسَعُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْأَدَاءِ لِمَا قُلْنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَقُولَانِ: لَا تَشْهَدْ عَلَيْنَا بِمَا تَسْمَعُ مِنَّا، وَلَا تَشْهَدْ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِشَيْءٍ يَدُورُ بَيْنَنَا. مَعَ هَذَا لَوْ دَخَلَ وَسَمِعَ مِنْ أَحَدِهِمَا إقْرَارَ الْآخَرِ وَطَلَبَ الْمُقَرُّ لَهُ مِنْهُ الشَّهَادَةَ.
مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ عَنْ تَحَمُّلِ الْأَمَانَةِ وَعِنْدَ عُلَمَائِنَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ، فَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ صَارَ كَاتِمًا لِلشَّهَادَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُمَ لِلشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْأَدَاءُ وَهُوَ أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ بِمَا عَلِمَهُ وَاسْتَحْفَظَ إيَّاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] ؛ وقَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2]
وَأَمَّا حِكْمَتُهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا صِيَانَةُ الْحُقُوقِ.
وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ.
الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وَيَجْرِي مَجْرَى الْمُبَايَعَةِ الْحُقُوقُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَلَى النَّدْبِ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ الْقَبُولِ]
، [وَفِيهِ فَصْلَانِ] الْأَوَّلُ: فِي فَضْلِ الشَّاهِدِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِ الشَّهَادَةِ وَرَفَعَهَا وَنَسَبَهَا إلَى نَفْسِهِ وَشَرَّفَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَفَاضِلَ
الجزء 1 · صفحة 70
خَلْقِهِ، فَقَالَ تَعَالَى {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء: 166] وَقَالَ تَعَالَى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] فَجَعَلَ كُلَّ نَبِيٍّ شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلْقِهِ فِي عَصْرِهِ، وَقَالَ تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] وَيَكْفِي الشَّهَادَةَ شَرَفًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَضَ الْفَاسِقَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرَفَعَ الْعَدْلَ بِقَبُولِهَا مِنْهُ، فَقَالَ تَعَالَى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وَقَالَ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمَرْضِيُّ بِقَوْلِهِ {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وَعَرَّفَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ قَوَامُ الْعَالَمِ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ تَعَالَى {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِشَارَةُ إلَى مَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ النَّاسِ بِالشُّهُودِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ فَهُمْ حُجَّةُ الْإِمَامِ وَبِقَوْلِهِمْ تَنْفُذُ الْأَحْكَامُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «أَكْرِمُوا مَنَازِلَ الشُّهُودِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَيَرْفَعُ بِهِمْ الظُّلْمَ» وَاشْتَقَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَهُوَ الشَّهِيدُ تَفَضُّلًا وَكَرَمًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلشَّاهِدِ حَالَتَيْنِ: حَالَةُ التَّحَمُّلِ، وَحَالَةُ الْأَدَاءِ، وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَدَاءِ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْإِسْلَامَ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ.
وَأَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ تَثْبُتُ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ أَهْلِيَّةُ التَّحَمُّلِ وَبِأُمُورٍ أُخَرَ، وَهُوَ النُّطْقُ وَالْحِفْظُ وَالْيَقَظَةُ؛ لِأَنَّ بِالْحِفْظِ يَبْقَى عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى حِينِ أَدَائِهَا، وَبِالنُّطْقِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ؛ وَبِالْيَقَظَةِ لَا يَغْفُلُ عَنْ أَدَاءِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ تِسْعَةٍ: الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَالْمَجْنُونِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ عَقْلِهِمَا، وَالْأَخْرَسِ لِعَدَمِ نُطْقِهِ.
وَالْأَعْمَى لِعَدَمِ الْبَصَرِ، وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَعْمَى عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْيِيزِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَهُ بِعَدِيمِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ وَالدَّائِرَةِ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ، وَالشَّهَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ أَهْلًا شَرْعًا.
وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَهُ بِالْعَاجِزِ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّتَهُ فِي حَقِّ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّتَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِلِسَانِهِ فَعَاقَبَهُ بِقَطْعِ لِسَانِهِ مَعْنًى.
وَالْمُغَفَّلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: أَرْجُو دُعَاءَهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، وَلِهَذَا إذَا شَهِدَ الصَّبِيُّ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ تُقْبَلُ.
وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ تُقْبَلُ.
وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ تُقْبَلُ، وَكَذَا الْأَعْمَى إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ مَا أَبْصَرَ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً وَإِنَّمَا حَدَثَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَوَارِضِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ الْفَاسِقُ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ لِفِسْقِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَنَا، وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فَرُدَّتْ لِفِسْقِهِ فِي دِينِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً عَلَى جِنْسِهِ فَكَانَ الْمَرْدُودُ شَهَادَةً.
وَكَذَا الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَكَذَا إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَعَادَهَا لَا تُقْبَلُ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّةَ شَهَادَتِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا حُدَّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ حَيْثُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خُصَّ عَنْ هَذَا النَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا شَهِدَ لِصَاحِبِهِ فَرُدَّتْ فَأَعَادَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً.
[فَصْلٌ حَدُّ الْعَدَالَةِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي فَتَاوَى صَاعِدٍ: حَدُّ الْعَدَالَةِ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ غَيْرَ مُرْتَكِبِينَ كَبِيرَةً وَلَا مُصِرِّينَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ كَذِبٌ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا يَتَعَلَّقُ الْحَدُّ أَوْ الزَّجْرُ بِهِ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ: شَرْطُ الْعَدَالَةِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْأُمُورَ الْمُسْتَشْنَعَةَ وَفِيهِ يَقَظَةٌ، وَلَا يَكُونُ
الجزء 1 · صفحة 71
سَاهِيَ الْقَلْبِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحُثُّ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَالتَّحَاشِي عَنْ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهَا الِاعْتِدَالُ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْأَمَانَةِ عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ مُتَوَقِّيًا عَنْ الْمَآثِمِ بَعِيدًا مِنْ الرَّيْبِ مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ.
الثَّانِي: فِي مَوَانِعِ الْقَبُولِ.
مَانِعٌ مُطْلَقًا وَمَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ، فَمِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ أَوْ فِعْلٍ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ أَوْ لِلْمُرُوءَةِ أَوْ لَهُمَا، كَتَعَاطِي فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، وَمِنْهُ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ الْقَضَاءِ بِالنُّجُومِ، فَإِذَا ادَّعَاهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَأَكَلَ الْمَالَ بِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُقِرًّا بِأَنَّ النُّجُومَ وَاخْتِلَافَهَا فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا أَدِلَّةً عَلَى مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَحُكْمُ هَذَا أَنْ يُزْجَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيُؤَدَّبَ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَكُفَّ عَنْهُ وَيَرْجِعَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ يُجْرَحُ بِهَا فَتَسْقُطُ إمَامَتُهُ وَشَهَادَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ تَصْدِيقُهُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65] وَقَوْلِهِ تَعَالَى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26] {إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 27] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْهَاجِي؛ لِأَنَّ الْهَجْوَ سُخْفٌ وَمَجَانَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَهُوَ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَجَانَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا مُتَأَوِّلًا بِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ دِينًا فَلَا تَنْخَرِمُ عَدَالَتُهُ. وَمِنْهُ عَصْرُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا وَكِرَاءُ دَارِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا. وَمِنْهُ مَنْ لَا يُحْكِمُ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ. وَمِنْهُ مَنْ سَافَرَ وَاحْتَاجَ إلَى التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُحْسِنْهُ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ مَا اُسْتُفِيدَ وُجُوبُهُ بِالْأَمْرِ الْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَتُقْبَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
وَمِنْهُ اللَّاعِبُ بِالطُّنْبُورِ وَمَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهُنَّ، وَقِيلَ مَنْ يَبِيعُ الْحَمَامَ وَلَا يُطَيِّرُهُنَّ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ تَطْيِيرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُطَالَعَةِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ اعْتَادَ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ؛ لِأَنَّهُ كَشْفٌ لِلْعَوْرَةِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالنَّائِحَةِ وَالْقَوَّالِ وَالرَّقَّاصِ وَمَنْ يَخْرِقُ ثَوْبَهُ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ. وَقِيلَ لَا يُفَسَّقُ بِالْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ لَعِبٍ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْأَقْلَفِ إذَا تَرَكَ الْخِتَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَمِنْهُ مَنْ أَكَلَ فِي السُّوقِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَمِنْهُ مَنْ مَشَى فِي السُّوقِ فِي سَرَاوِيلَ لَا قَمِيصَ مَعَهُ وَمِنْهُ مَنْ يَبُولُ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَمِنْهُ مَنْ يُصَارِعُ الْأَحْدَاثَ فِي الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُسْتَشْنَعَةٌ: وَعَنْ سَدَّادٍ لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ حَاسَبَ أُمَّهُ فِي النَّفَقَةِ.
وَمِنْهُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَإِنْ فَرَّ الْإِمَامُ مِنْ الزَّحْفِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْمِثْلَيْنِ وَمِنْهُ جَهْلُ الرَّجُلِ أَحْكَامَ قَصْرِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ.
وَمِنْهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَكَذَا إدْمَانُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، بِخِلَافِ الْفَلْتَةِ وَبِخِلَافِ قَبُولِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى، وَقَدْ قَبِلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلُ الْفَضْلِ.
وَمِنْهُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ أَنْ يَبْغُضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَمِنْهُ النَّمِيمَةُ. وَمِنْهُ الْخِيَانَةُ وَالرِّشْوَةُ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ بَائِعِ الْأَكْفَانِ لَا تُقْبَلُ، قِيلَ هَذَا إذَا تَرَصَّدَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَالطَّاعُونَ، أَمَّا إذَا كَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ هَكَذَا وَيُشْتَرَى مِنْهُ لِلْكَفَنِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. مِنْ الْمُحِيطِ.
وَمِنْهُ سُكُوتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ عِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ يَرَاهُمَا يُمْلَكَانِ، وَطَلَاقِ امْرَأَةٍ يَرَى زَوْجَهَا مُقِيمًا مَعَهَا وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، وَقُدِّرَ سُكُوتُهُ فِي الْحُرْمَةِ الْمُغَلَّظَةِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ.
وَقَدْ حُكِيَ فِيهَا عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَشَرَفِ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيِّ:
الجزء 1 · صفحة 72
وَرُكْنُ الضَّيَاعِ: لَوْ شَهِدُوا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تُقْبَلُ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِعَيْشِهِمْ عَيْشَ الْأَزْوَاجِ، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُمْ لِعُذْرٍ تُقْبَلُ.
وَمِنْهُ مَا حَكَاهُ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ وَوَرَثَةٍ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كَانَ أَقَرَّ بِحُرْمَتِهَا حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ حَالَ حَيَاتِهِ، لَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَسُكُوتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقُوا وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَا يُمْنَعُ عَلَى جِهَةٍ وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ، وَلَهُ أَسْبَابٌ:
الْأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّغَفُّلَ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفًا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَأَنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا مَضَرَّةً، وَأَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَرَّتْ مَغْنَمًا أَوْ دَفَعَتْ مَغْرَمًا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا تَمَكَّنَتْ فِيهَا تُهْمَةُ الْكَذِبِ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا شَهَادَةَ لِمُتَّهَمٍ» مِثَالُ الْجَرِّ: شَهَادَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْآجِرِ بِالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِلْمُعِيرِ بِالْمُسْتَعَارِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَعْنَى الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ وَالْأُسْتَاذِ لِأَجِيرِهِ.
وَمِثَالُ الدَّفْعِ: شَاةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اذْبَحْهَا. فَذَبَحَهَا، فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَحَدَهُمَا الذَّابِحُ أَنَّ ذَا الْيَدِ غَصَبَهَا مِنْهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ الذَّابِحَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا وَقْتَ الذَّبْحِ فَمَتَى اخْتَارَ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَ الذَّابِحِ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْآمِرِ مَتَى جَازَتْ شَهَادَتُهُ فَيَكُونُ دَافِعًا مَغْرَمًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ لَكِنَّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ خِيَارَ التَّضْمِينِ يُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَفِي التَّخْيِيرِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ لِلذَّابِحِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَخْتَارُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَهُ فَكَانَ دَافِعًا مَغْرَمًا مَعْنًى، مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَتَلُوا رَجُلًا عَمْدًا، فَشَهِدَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَهُوَ سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا وَانْقِلَابُهُ مَالًا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمُنْتَقَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ نَفَرٍ مَالٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفِيلًا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُمَا مِنْ الْمَالِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّكُمْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ. أَوْ قَالَ أَمْرُهَا فِي أَيْدِيكُمْ فَأَيُّكُمْ طَلَّقَهَا فَهُوَ جَائِزٌ. وَالزَّوْجُ لَمْ يَجْحَدْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْوَكَالَةِ، فَإِذَا اشْتَرَكُوا فِي الْوَكَالَةِ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَبِالتَّرِكَةِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِدَيْنِهِ، ثُمَّ شَهِدَ الْمُقْضَى لَهُ بِالدَّيْنِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ كَانَ لِأَبِيهِمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهَذَا الْمَالِ. الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ أَرْبَعَ بَنِينَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاقْتَسَمُوهَا، ثُمَّ جَاءَتْ جَدَّةُ الْمَيِّتِ مَعْرُوفَةً تَطْلُبُ حَقَّهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَشَهَادَةُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْأَلْفِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا الزِّيَادَةَ الَّتِي حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي دَفْعِ الْمُشَارَكَةِ.
الجزء 1 · صفحة 73
فَرْعٌ) :
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ ابْنُ الشَّاهِدِ جَازَ وَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْحَيِّ عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْحَيِّ نِصْفُهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ.
احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَوْتَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا فَقَدْ قَصَدَ بِأَنْ يُوصَى لِلْحَيِّ بِنِصْفِ الثُّلُثِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ جَمِيعِهِ لِلْحَيِّ وَالْمُوصِي لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ لِلْمَيِّتِ كَجَوَازِهِ لِلْحَيِّ، فَحَصَلَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِلشَّرِكَةِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْوَصِيَّةَ مُوجَبَةٌ لِلْحَيِّ، وَالْمَيِّتُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، وَالْمَيِّتُ لَا تَثْبُتُ بِهِ مُزَاحَمَةٌ فَوَجَبَ إسْقَاطُ حُكْمِهِ فَبَقِيَ الْحَيُّ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةٌ لِظُهُورِ التَّحَاسُدِ وَلِعَدَمِ اتِّصَالِ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ بَيْنَهُمَا، وَتُقْبَلُ لِوَلَدِ الرَّضَاعِ وَلِأُمِّ الْمَرْأَةِ وَأَبِيهَا أَوْ لِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّصَالُ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ، وَالْقَرَائِنُ الْحَامِلَةُ عَلَى الْمَيْلِ وَالْكَذِبِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا.
وَنَقَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ وَالِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا.
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْعَتَّابِيِّ: رَبُّ الدَّيْنِ إذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَالٍ لَا تُقْبَلُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالتَّرِكَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ بِهِ مَحِلُّ وَصِيَّتِهِ أَوْ سَلَامَةُ عَيْنِهِ.
(فَرْعٌ) :
وَشَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا تُمْنَعُ إذَا كَانَتْ الصَّدَاقَةُ مُتَنَاهِيَةً حَيْثُ تُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَوْطَةِ يَدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَتُسَلَّمُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَنَاهِيَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبِهِ. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ.
وَتُقْبَلُ لَهُ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ الْعَدَاوَةُ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى إفْرَاطِ الْأَذَى مِنْ الْفَاسِقِ الْمُعَادَى لِفِسْقِهِ لِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَهَجَرَهُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا وَرَّثَ الشَّحْنَاءَ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا أَوْ قَبُولِهَا.
أَمَّا التَّحَمُّلُ فَهِيَ شَهَادَةُ الِاسْتِغْفَالِ، وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْأَدَاءِ فَمِثْلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ طَلَبِ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ وَالْحَقُّ مَالِيٌّ
فَفِي الْقِنْيَةِ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ تُقْبَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ: لَا تُقْبَلُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهَا بِهَا إنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَلَا تَقْدَحُ الْمُبَادَرَةُ.
وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلُ التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْذَرَ، وَإِمَّا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعَصُّبِ.
وَكَذَا لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِافْتِقَارِهِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِصِحَّةِ مَا خَاصَمَ فِيهِ، هَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ. مِنْ الْوَاقِعَاتِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَتَنَبَّهُوا لَهُ]
فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْغَلَطُ وَالتَّسَاهُلُ اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُسَامَحَةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ الشُّهُودِ مِنْ قِلَّةِ الضَّبْطِ وَغَمْصِ الْحَقِّ مَا أَوْرَدَهُمْ ذَلِكَ مَوَارِدَ مُنْكَرَةً، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ اقْتِدَاءً مِنْ بَعْضِهِمْ بِمُسَامَحَةِ بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِاهْتِدَاءٍ وَلَا أَصْلَ بِاقْتِدَاءٍ، وَاعْتِيدَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَسَنُشِيرُ مِنْ ذَلِكَ إلَى مَوَاضِعَ، فَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِرْسَالُ فِي تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 74
إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ حُصُولِ مَعْرِفَةِ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ مَعًا، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَيْنِ: يَعْنِي أَنْ يُعْرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ وَلَا نَسَبُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ مِنْ وُجُوهٍ؛ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيُسَمِّي لَهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ؛ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَطُولُ الْمُدَّةُ فَيَنْسَى عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيَكُونُ قَدْ يُسَمَّى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِاسْمِ ذَلِكَ الْغَائِبِ فَيُقَدِّمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَحْكُمُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُودُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا فَسَادُهُ ظَاهِرٌ وَضَرَرُهُ مُتَفَاقِمٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الِاسْمِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَزُولُ مَعَهُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ يَخِفُّ، وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ اسْمِهِ خَاصَّةً دُونَ مَعْرِفَةِ اسْمِ أَبِيهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِصَاصِ.
وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزِيدَ اسْمَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَبْعَدُ لِمَا يُتَوَقَّى مِنْ اشْتَرَاكِ الْأَسْمَاءِ فِي الْمُسَمَّى وَأَبِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ عَنْهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَفَ الِاسْمَ دُونَ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ يَسْمَعُ بِرَجُلٍ مَشْهُورٍ ثُمَّ يَقِفُ عَلَى عَيْنِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ. وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عِنْدَهُ تَقْرِيرًا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ فَلَا يَقْدُمُ عَلَى تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِمُجَرَّدِ شُهْرَةِ الِاسْمِ عِنْدَهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَتَدْلِيسٌ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي الِاسْمِ وَالْعَيْنِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلَا يُشْهَدُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اسْمَ غَيْرِهِ عَلَى اسْمِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ يُخَالِطَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَلَا يُعَجِّلُ بِالشَّهَادَةِ بِالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ التَّرَدُّدِ وَاشْتِهَارِ عَيْنِهِ وَاسْمِهِ بِمَحْضَرِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَتَوَاطُئِهِمْ عَلَيْهِ مَا يُوقِعُ لَدَيْهِ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا، وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ غَلِطَ فِيهِ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَشْهَدُ عَلَى مُنْتَقِبَةٍ حَتَّى يَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ.
قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَصِحُّ عِنْدَ التَّعْرِيفِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمَجْهُولِ بَاطِلَةٌ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
وَلَا يُشْهَدُ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ؛ إذْ لَعَلَّهَا غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الشَّهَادَةِ وَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: إنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ التَّمِيمِيَّةُ. لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسِبَانِهَا إلَى فَخِذِهَا وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الْخَاصَّةُ وَالْفَخِذُ آخِرُ الْقَبَائِلِ السِّتِّ، كَذَا فِي الصَّحَاحِ، اُنْظُرْ الْهِدَايَةَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَهُ الرَّجُلَانِ لَا يَعْرِفُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَيُشْهِدَهُ أَنِّي قَبَضْتُ مِنْ هَذَا وَيُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يَذْكُرُ اسْمَهُ حَقًّا لِي عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَبْرَأْتُهُ أَوْ لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَقُّ لِلْمَجْهُولِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْمُقِرُّ وَيُرِيدُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَقْيِيدَ الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ التَّوَقُّفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُقَرِّ لَهُ فَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُقِرِّ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانٌ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَمَّى لَهُ غَيْرَ نَفْسِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ لِلْمُشْهِدِ الْغَائِبِ حَقٌّ كَبِيرٌ لِيَضَعَهُ أَوْ خِصَامٌ شَدِيدٌ لِيَقْطَعَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْغَائِبُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ، وَإِقْدَامُ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ قَادِحٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُعَرَّفُ عِنْدَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، أَوْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ غَيْرِهِ قَوْلَهُ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْأَةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَرَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَصْرِفَ كُلَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ.
فَإِنْ اضْطَرَّهُ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَمِيرٌ أَوْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ فَلْيَكُنْ الْمُعَرَّفُ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ يَرْضَى دِينَهُمَا وَيَسْتَجِيزُ شَهَادَتَهُمَا وَيُسَمِّيهَا فَيَكُونُ كَالشَّهَادَةِ
الجزء 1 · صفحة 75
عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ مِنْ تَرَادُفِ التَّعْرِيفِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ مَا يَأْمَنُ التَّدْلِيسَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَظْهَرَ سُؤَالَ مَنْ لَا يُفْهَمُ غَرَضُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا حَضَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَهُ الْكَشْفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَشِبْهِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ بِهِ عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا، فَيَذْكُرُ الْمُعَرَّفِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَالْوَجْهَ الَّذِي تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُقْبَلُ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَدْلِيسٌ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَهْمَلُوهُ مِنْ سُؤَالِ الْمُعْتَدَّةِ إذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ وَمُبَاحَثَتِهَا عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ أَحْكَامُهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَتَعْيِينِ الْأَقْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَيَنْبَغِي الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهَا: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي. عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ الْيَوْمَ قَدْ جَهِلْنَ ذَلِكَ جَهْلًا كَثِيرًا، بَلْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمٌ وَيَرَى لِنَفْسِهِ حَظًّا وَتَقَدُّمًا، وَقَدْ عَايَنْتُ بَعْضَ الْجَهَلَةِ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ يَسْتَغْنِي عَنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ جُمْلَةً إذَا هُوَ وَجَدَ التَّارِيخَ لِلطَّلَاقِ شَهْرَيْنِ فَصَاعِدًا، وَاِتَّخَذَ الْيَوْمَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْمُدَّةِ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ أَصْلًا فِي إكْمَالِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا الْغَلَطُ الْقَبِيحُ.
[فَصْلٌ الشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ أَنْ يَقْرَأَ جَمِيعَ مَا فِيهِ؛ لِيَعْرِفَ الْخَطَأَ إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الصَّوَابِ وَالصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ فَيَعْرِفُ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلْتَكُنْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَيْسَ لَهُ بِهِنَّ خِلْطَةٌ، فَلَنْ تَنْضَبِطَ مَعْرِفَةُ الْمَعْرُوفَةِ فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولَةِ وَاَلَّتِي لَا يَرَاهَا الشَّاهِدُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ مُتَخَفِّيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ ذِي جُرْحَةٍ أَوْ مُتَّهَمٍ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ عَنْهُ وَمَا لَا يُقْبَلُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ غَلَطِ الْحُكَّامِ فِيهِ إذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ نَقْلَكَ عَنْهُ يُوهِمُ عَدَالَتَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَا يُعْلَمُ بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ التَّحَفُّظُ مِنْ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ فِي الْخَطِّ فَقَدْ هَلَكَ بِذَلِكَ خَلْقٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تَنْقَلِبُ بِإِصْلَاحٍ يَسِيرٍ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ تَغْيِيرِهَا نَحْوَ " مُظَفَّرٌ " فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ " مُطَهَّرٌ "، وَنَحْوَ " بَكْرٌ " فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ " بَكِيرٌ "، وَنَحْوَ " صَقْرٌ " فَإِنَّهُ يَجِيءُ " صَفَرٌ " فَيَكُونُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ " صَفَرُ بْنُ ظَفَرٍ " مَثَلًا فَيَصْلُحُ " ظَفَرُ بْنُ مُطَهَّرٍ "، وَنَحْوَ " حَبِيبٌ " فَإِنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ " حَمْدٌ " وَنَحْوَ " عَائِشَةُ " فَإِنَّهُ يَصْلُحُ " عَاتِكَةُ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " فَاطِمَةُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " زَاذَانَ " " شَاذَانُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " يَاقُوتُ " " يَاقُوبُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " جَمِيلٌ " " كَمِيلٍ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " خَلِيلٌ "، وَيَجِيءُ مِنْ " سَارٍ " " يَسَارُ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " بَكَّارٌ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " نَصَّارٌ "، وَيَجِيءُ مِنْ " عَبْدِ الْمَجِيدِ " " عَبْدُ الْحَمِيدِ "، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذَا.
وَقَدْ يَكُونُ آخِرُ السَّطْرِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ آخِرُهُ " بَكْرٌ " فَيُزَادُ " بَكْرَانِ "، أَوْ يَكُونُ " عُمَرُ " فَيُجْعَلُ " عِمْرَانَ ".
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ تَتِمَّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ، فَقَدْ تُغَيِّرُ الْأَلِفُ الْمَعْنَى إذَا زِيدَتْ، مِثَالُهُ أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَكْتُبَ فِي الْوَثِيقَةِ " أُقِرُّ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ "، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ نِصْفَ الْمَبْلَغِ أَمْكَنَ زِيَادَةُ أَلِفٍ فَصَارَتْ " أَلْفَا دِرْهَمٍ "، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِذَا زِيدَتْ أَلْفٌ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو صَارَتْ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، فَبَطَلَ الدَّيْنُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ لَمْ يُجْزَمْ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْكِتَابِ دِينَارٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ دِينَارًا وَنِصْفَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ وَنِصْفَ.
وَكَذَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ حَوَاشِيَ الْكُتُبِ فَقَدْ يَبْقَى مِنْهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْكِتَابِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ.
الجزء 1 · صفحة 76
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ فِي كِتَابٍ فِيهِ ثَقْبٌ]
فَصْلٌ) :
إذَا شَهِدْتَ فِي كِتَابٍ فِيهِ ثَقْبٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا هُوَ فِي أَصْلِ الْوَرَقِ فَتُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فَتَقُولُ: وَفِي سَطْرِ كَذَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ثَقْبٌ قَبْلَهُ كَذَا وَبَعْدَهُ كَذَا، وَكَذَا يَفْعَلُ إذَا كَانَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَلَا تَكْتُبْ: إنَّ فِي الْكِتَابِ قَرْضَ فَأْرٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَقَرَضَهُ الْفَأْرُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَهِدْتَ فِي كِتَابٍ سَلِيمٍ مِنْ الْآثَارِ ثُمَّ وَجَدْتَ فِيهِ أَثَرًا حِينَ الْأَدَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مَقَاصِدُ الْكِتَابِ قَدْ سَلِمَتْ أَقَمْتَ الشَّهَادَةَ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فِي مَوْضِعٍ يُحِيلُ مَعْنًى مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ فَلَا تَشْهَدْ أَصْلًا.
وَإِذَا كُنْتَ أَوَّلَ مَنْ تَشْهَدُ فِي كِتَابٍ فَانْظُرْ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ فَاكْتُبْ فَمَا يَلِيه بِغَيْرِ فُرْجَةٍ تَتْرُكُهَا بَيْنَ شَهَادَتِكَ وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِئَلَّا يُغَيَّرَ فِي الْكِتَابِ شَيْءٌ وَيُصَدَّرَ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا تَسَعُ الشَّهَادَةَ فَسُدَّهَا بِ " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " أَوْ بِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ "، وَانْوِ ذِكْرَ اللَّهِ وَلَا تَضَعْهَا فِي آخِرِ السَّطْرِ بِلَا نِيَّةٍ، فَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
إذَا شَهِدَ قَبْلَكَ شُهُودٌ ثُمَّ جِيءَ إلَيْكَ بِالْكِتَابِ فَتَأَمَّلْ شَهَادَةَ أَوَّلِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ فُرْجَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ فَصَحِّحْ أَنْتَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ هَكَذَا " صَحَّ، صَحَّ، صَحَّ " حَتَّى تَشْتَغِلَ تِلْكَ الْفُرْجَةُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُكَ فِي مَسْطُورٍ وَهُوَ مِنْ الْوَرَقِ الدِّمَشْقِيِّ فَتَأَمَّلْهُ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَهَادَتَكَ فَإِنَّهُ يُبْشَرُ بَشْرًا خَفِيفًا، وَكَذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي بَعْضِ الْقَرَاطِيسِ فَإِنَّهُ يُمْحَى بِسُرْعَةٍ وَيُجْعَلُ فِيهِ غَيْرُ مَا مُحِيَ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحِبْرُ مِدَادًا، وَاحْتَرِزْ مِنْ الْحِبْرِ الَّذِي يَنْفُضُ
(فَصْلٌ) :
وَتَأَمَّلْ لِعَتِيقِ الْكُتُبِ فَإِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حِيلَةً يَجْعَلُونَ بِهَا الْكِتَابَ الطَّرِيَّ كَأَنَّهُ عَتِيقٌ.
(فَصْلٌ) :
وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَأَمَّلَ تَارِيخَ الْمَسْطُورِ وَيَنْظُرَ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ سِتِّينَ تَصِيرُ بِسُرْعَةٍ ثَمَانِينَ، وَتَصِيرُ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةَ: سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ فَيَبْطُلُ التَّارِيخُ، وَتَمَيَّزْ الْفَرْقَ بَيْنَ سَبْعَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ تُجْعَلُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تَصِيرُ تِسْعِينَ، وَكَذَلِكَ تَأَمَّلْ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَالدِّرْهَمِ بِحَسَبِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ جَعَلَ فِي الْمَسْطُورِ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، نِصْفُهَا كَذَا وَكَذَا، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ رُبْعَهَا كَذَا وَكَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَتَأَمَّلْ أَسْمَاءَ مَنْ فِي الْكِتَابِ وَأَنْسَابَهُمْ وَالْمُشْتَرِيَ وَالضَّامِنَ إذَا كَتَبَ مَا يُعَرِّفُهُمْ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَلَا يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ مُرُورًا فَمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ اسْمَ نَفْسِهِ أَوْ يَجْهَلُ نَسَبَهُ وَيَنْسَى مَا كُتِبَ فِي الْكِتَابِ فَيُضْطَرُّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شِرَاءٌ سَأَلْتَ الْبَائِعَ عَمَّا بَاعَهُ هَلْ هُوَ كَامِلٌ أَوْ حِصَّةٌ وَالْمِلْكُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ، وَتَسْأَلُهُ عَنْ الثَّمَنِ.
(فَصْلٌ) :
إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّينَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ. فَذَلِكَ غَفْلَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِمَا فِيهِ غَيْرُ الْمُسَمِّينَ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِمَا نُسِبَ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَهَادَةٌ نَاقِصَةٌ، وَقَوْلُهُ عَلَى إقْرَارِهِمَا إشَارَةٌ إلَى اثْنَيْنِ مُنْكَرَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُمَا الْمُسَمَّيَانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَنَّهُمَا مَعْرُوفَانِ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى الْمُسَمَّيْنِ أَوْ الْمَذْكُورَيْنِ؛ لِتَكُونَ شَهَادَةً مُفِيدَةً، فَإِنْ أَتَى بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا فَرُبَّمَا كَانَا غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الشَّاهِدِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا طُلِبَ مِنْكَ ذِكْرُ مُعَايَنَةِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَأَلْزِمْهُمْ بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ وَوَزْنِهِ وَنَقْدِهِ وَتَسْلِيمِهِ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا صَحَّ لَك ذَلِكَ قُلْتَ لِلْبَائِعِ: هَلْ قُرِئَ عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابُ
الجزء 1 · صفحة 77
وَوَقَفْت عَلَى مَا فِيهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ؟ وَهَذَا إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا يَفْهَمُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا تُشْهِدُ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْهِمَهُ مَقَاصِدَ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَقُولَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ ذَلِكَ وَتَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ تَسَلَّمَ مَا اشْتَرَى، وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ عَيْبٌ نَبَّهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا دُعِيتَ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَحَصَلَتْ لَكَ رِيبَةٌ تُرِيدُ زَوَالَهَا فَتَسْأَلُ الْوَلِيَّ عَنْ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا هُوَ مِنْ الزَّوْجَةِ وَمَا اسْمُهَا وَنَسَبُهَا، وَتَنْظُرُ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا فِي الْكِتَابِ، وَلَا تَضَعْ شَهَادَتَكَ بِأَنَّهُ وَلِيٌّ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَكَ.
(فَصْلٌ) :
تَجَنَّبْ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِ غَائِبٍ بِتَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَكَ فَقَدْ يَكُونُ بَلَغَهُ ذَلِكَ بَلَاغًا غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ فَتَشْهَدُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ يَقْدُمُ فَتَكُونُ فَضِيحَةً، وَتَجَنَّبْ أَنْ تَعْرِفَ صِحَّةَ مَا عَرَّفَكَ بِهِ الْعَوَامُّ وَمَنْ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ.
(فَصْلٌ) :
إذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَذْكُرُهُ فَقُلْ: مَا أَذْكُرُ، وَلَا تَقُلْ: مَا كَانَ ذَلِكَ. فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُهُ فَتَقُولُ: قَدْ ذَكَرْتُهُ، وَلَوْ قُلْتَ: مَا كَانَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرْتَهُ وَشَهِدْتَ بِهِ كُنْتَ قَدْ خَالَفْتَ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَإِنْ أَمْسَكْتَ عَنْ الشَّهَادَةِ كُنْتَ مَأْثُومًا، فَاضْبِطْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.
(فَصْلٌ) :
تَجَنَّبْ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُ، فَرُبَّمَا جُعِلَتْ شَهَادَتُكَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَعْدِيلًا مِنْكَ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
فِي أَحْكَامِ كَاتِبِ الْوَثَائِقِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَوْصَافِ مَا نَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ قَلِيلَ اللَّحْنِ، عَالِمًا بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، عَارِفًا بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْحِسَابِ وَالْقِسَمِ الشَّرْعِيَّةِ، مُتَحَلِّيًا بِالْأَمَانَةِ سَالِكًا طُرُقَ الدِّيَانَةِ وَالْعَدَالَةِ، دَاخِلًا فِي سِلْكِ الْفُضَلَاءِ مَاشِيًا عَلَى نَهْجِ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ، فَهِيَ صِنَاعَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، وَبِضَاعَةٌ غَالِيَةٌ مُنِيفَةٌ، تَحْتَوِي عَلَى ضَبْطِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْقَوَانِين الشَّرْعِيَّةِ، وَحِفْظِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَمُجَالَسَةِ الْمُلُوكِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورِهِمْ، وَبِغَيْرِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ ذَلِكَ وَلَا يَسْلُكُ هَذَا الْمَسْلَكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَصِبَ لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الْعُدُولُ، وَلَا يَكْتُبُ الْكُتُبَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا عَارِفٌ بِهَا عَدْلٌ فِي نَفْسِهِ مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] وَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ وُجُوهَ الْكِتَابَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى فِقْهِ الْوَثِيقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِانْتِصَابِ لِذَلِكَ؛ لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ، فَلَا يَنْبَغِي تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ بِشَهَادَةٍ فَبِمَا يَكْتُبُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَلِّمُ النَّاسَ وُجُوهَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَيُلْهِمُهُمْ تَحْرِيفَ الْمَسَائِلِ لِتَوَجُّهِ الْأَشْهَادِ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي النَّاسُ الْيَوْمَ يَسْتَفْتُونَ فِي نَوَازِلَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ الْمَفْسُوخَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الدِّيَانَةِ أَتَوْا إلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ فَحَرَّفُوا أَلْفَاظَهَا وَتَحَيَّلُوا لَهَا بِالْعِبَارَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صَرِيحِ الْفَسَادِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَتَمَالَأَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَالْبَاعِثِ فِي طُرُقِ الْحَرَامِ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] .
(فَصْلٌ) :
وَفِي الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْخُويِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ الْمُوَثِّقُ كِتَابًا بَدَأَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ بِذِكْرِ الْمُقِرِّ وَاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَلَقَبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ ذِكْرَ الْجَدِّ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ يَذْكُرُ قَبِيلَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَسَكَنَهُ وَحِلْيَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا.
وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا كَتَبْتَ، وَشُهُودُ هَذَا الْكِتَابِ بِهِ عَارِفُونَ
الجزء 1 · صفحة 78
وَلَهُ مُحَقِّقُونَ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي اسْمِ الْمُقَرِّ لَهُ ثُمَّ تُؤَرِّخُ مَكْتُوبَهُ بِالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ.
قَالَ: فَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ كِتَابَتِهِ اسْتَوْعَبَهُ وَقَرَأَهُ وَمَيَّزَ أَلْفَاظَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ فِي خَطِّهِ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَتَبَ بَعْدَهَا وَاحِدَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نِصْفَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَلْفًا كَتَبَ وَاحِدَةً وَذَكَرَ نِصْفَهَا؛ دَفْعًا لِلَّبْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةَ آلَافٍ زَادَ فِيهَا لَامًا فَيُصَيِّرُهَا الْآلَافَ؛ لِئَلَّا تُصْلَحَ الْخَمْسَةُ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَيَحْتَرِزُ بِذِكْرِ التَّنْصِيفِ مِمَّا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْخَمْسَةِ عَشَرَ تَصِيرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالسَّبْعِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْكَاتِبُ النِّصْفَ مِنْ الْمَبْلَغِ فَيَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَذْكُرُوا الْمَبْلَغَ فِي شَهَادَاتِهِمْ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ الشَّكُّ لَوْ طَرَأَ فِي الْكِتَابِ تَغْيِيرٌ وَتَبْدِيلٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ إصْلَاحٌ أَوْ إلْحَاقٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَحَلِّهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْمِلَ أَسْطُرَ الْمَكْتُوبِ جَمِيعَهَا؛ لِئَلَّا يَلْحَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ مَا يُفْسِدُ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمَكْتُوبِ أَوْ يُفْسِدُهُ كُلَّهُ.
فَلَوْ كَانَ فِي آخِرِ سَطْرٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَفِي أَوَّلِ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ لِزَيْدٍ وَكَانَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ فِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِزَيْدٍ فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ جَائِزًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنْ اتَّفَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي يُرِيدُ كِتَابَتِهَا لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِهَا فَإِنَّهُ يَسُدُّ تِلْكَ الْفُرْجَةَ بِتَكْرَارِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا أَوْ كَتَبَ فِيهَا " صَحَّ " أَوْ " صَادًا مَمْدُودَةً " أَوْ " دَائِرَةً مَفْتُوحَةً " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ بِهِ تِلْكَ الْفُرْجَةَ وَلَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهَا بِمَا يُخَالِفُ الْمَكْتُوبَ، وَإِنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي السَّطْرِ الْأَخِيرِ كَتَبَ فِيهَا " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " أَوْ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " مُسْتَحْضِرًا لِذِكْرِ اللَّهِ نَاوِيًا لَهُ، أَوْ يَأْمُرُ أَوَّلَ شَاهِدٍ يَضَعُ خَطَّهُ فِي الْمَكْتُوبِ أَنْ يَكْتُبَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ.
وَإِنْ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ ذَاتِ أَوْصَالٍ كَتَبَ عَلَامَتَهُ عَلَى كُلِّ وَصْلٍ وَكَتَبَ عَدَدَ الْأَوْصَالِ فِي آخِرِ الْمَكْتُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ عَدَدَ أَسْطُرِ الْمَكْتُوبِ كَمَا فِي الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ نُسَخٌ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ عِدَّتَهَا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَأَنَّ الْمَكْتُوبَ الَّذِي بَيْنَهُمَا عُدِمَ وَيَقْصِدَانِ تَجْدِيدَ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَا غَرِيبَيْنِ طَارِئَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، وَإِنْ رَأَى رِيبَةً تَرَكَهُمَا، وَإِنْ كَانَ قُدُومُهَا مَعَ رُفْقَةٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ فَلْيَكْشِفْ أَمْرَهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِانْفِرَادِهِ وَيَمْتَحِنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ الرِّيبَةَ، وَإِلَّا دَفَعَهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَا بَلَدِيَّيْنِ فَلَا يَكْتُبُ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ بِانْفِرَادِهِ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا وَلَيْسَ مَعَهَا كِتَابُ نِكَاحٍ يَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَأَرَادَ كِتَابَةَ الطَّلَاقِ فِي وَرَقَةٍ مُجَرَّدَةٍ فَلْيَحْتَرِزْ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَجْعَلُ ذَلِكَ صُورَةً وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، بَلْ يُرِيدُ بِكِتَابَةِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَحْضُرَ عِنْدَهُ شُهُودُهُ وَيُرَاجِعُهُمَا وَتَكُونُ وَرَقَةُ الطَّلَاقِ تَدْرَأُ عَنْهُ التُّهْمَةَ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَقَدْ يَحْضُرُ إلَى الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّ اسْمَهُ كَذَا وَيَسْأَلُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مَسْطُورًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ يُسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ يُخْرِجُ الْمَكْتُوبَ وَيَدَّعِي بِهِ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ، وَلَعَلَّ الْكَاتِبَ قَدْ نَسِيَهُ وَمَاتَ الشُّهُودُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْخَطِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيُحْكَمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعَى بِاسْمِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ اسْمَهُ وَعَيْنَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ
الجزء 1 · صفحة 79
كِتَابٍ مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّخْصِ: أَنَا فُلَانٌ، وَلَا بِالْحِلْيَةِ عَلَى الشُّهُودِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْحِلْيَةَ تَتَغَيَّرُ وَالنَّاسُ يَتَشَابَهُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ ذَكِيًّا فَطِنًا عَارِفًا؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَى النَّاسِ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا كَتَبَ الْمُبَايَعَةَ فَلْيُحَدِّدْ الْمَكَانَ وَلْيَذْكُرْ الْجُدْرَانَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ وَالْمُشْتَرَكَةَ وَطُرُقَهُ وَمَدْخَلَهُ وَيَذْكُرُ مَحَلَّهُ مِنْ الْبَلَدِ، وَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ إذَا سَافَرَ إلَى جِهَةٍ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَ أَهْلِهَا أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْكِتَابَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ سُنَّتَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ وَنَقُودَهُمْ وَمِكْيَالَهُمْ وَأَسْمَاءَ الْأَصْقَاعِ وَالطُّرُقِ وَالشَّوَارِعِ، فَبِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يَتِمُّ لَهُ الْأَمْرُ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ اسْمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا وَالْبَائِعُ مُسْلِمًا.
[فَصْلٌ فِي أُجْرَةِ الْكَاتِبِ]
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ الْوَثَائِقِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ.
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] ؛ وَلِأَنَّ مِنْ اُسْتُبِيحَ عَمَلُهُ وَكَدُّ خَاطِرِهِ كُلَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ إنْسَانٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيَسْتَغْرِقُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّرَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْأَخْذِ عَلَى الْكِتَابَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ وَاسْتَغْنَى التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ وَاحْتِسَابُ عَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فَنَقُولُ: وَجْهُ الْإِجَارَةِ أَنْ يُسَمِّيَ الْأُجْرَةَ وَيُعَيِّنَ الْعَمَلَ، فَإِنْ وَافَقَ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَاءَ الْكِتَابُ عَلَى مَا اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَيْهِ فَهِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، وَيَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا إلَى الْكَاتِبِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ الْمُسَامَحَةُ، وَلَا يَرْفَعُ عَلَى النَّاسِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوَافِقْ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ فَهَاهُنَا نَظَرٌ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَالِبُ كِتَابَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْمُوَثِّقِينَ يَتَعَفَّفُونَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَةِ؛ وَلِئَلَّا يَتَنَزَّلُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ فِي الْمُكَايَسَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَهَذَا غَرَضٌ حَسَنٌ وَمَذْهَبٌ جَمِيلٌ إنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ عَلَى عَمَلِهِ بَعْدَ إكْمَالِهِ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مِنْ الْمُشَاحَّةِ حِينَئِذٍ مَا هُوَ أَقْبَحُ حَالًا مِمَّا لَوْ ابْتَدَأَ الْمُشَارَطَةَ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُسَمَّى إجَارَةً حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مَا يُعَاوَضُ بِهِ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ أَقْدَارِهِمْ وَمَبْلَغِ مُرُوءَتِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْكَاتِبِ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ
الْمُعَاوَضَةَ عَلَى عَمَلِهِ، وَأَنْ يُثَابَ عَلَى ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِ الثَّوَابِ مِنْ الْمَكْتُوبِ لَهُ بِحَسَبِ مَا أَدَّتْهُ مُرُوءَتُهُ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُكَارَمَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْمُكَايَسَةِ وَالْمُشَاحَّةِ، وَذَلِكَ أَصْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَكْتُوبُ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ أَقَلَّ فَالْكَاتِبُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُولِ وَاسْتِرْجَاعِ مَا عَمِلَ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِرْجَاعُ الْكِتَابِ لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ أَوْ ثَبَتَ فِيهِ حَقٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ قُوتًا وَيُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا يُفْعَلُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ.
[فَصْلٌ لِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ]
(فَصْلٌ) :
وَلِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْوَثَائِقِ؛ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى أَهْلِهِ لَا الْكَتَبَةِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَطِيبُ لَهُ لَوْ أَخَذَ مَا يَجُوزُ أَخْذُهُ لِغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، وَمَا قِيلَ فِي كُلِّ أَلْفٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لَا نَقُولُ بِهِ وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالْفِقْهِ، وَأَيُّ
الجزء 1 · صفحة 80
مَشَقَّةٍ لِلْكَاتِبِ فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا أَجْرُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ مَشَقَّتِهِ وَبِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي صَنْعَتِهِ أَيْضًا كَحَكَّاكٍ وَثَقَّابٍ مُسْتَأْجَرٍ بِأَجْرٍ كَثِيرٍ فِي مَشَقَّةٍ قَلِيلَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا أُجْرَةُ السِّجِلِّ عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ قِيلَ عَلَى الْمُدَّعِي؛ إذْ بِهِ إحْيَاءُ حَقِّهِ فَنَفْعُهُ لَهُ وَقِيلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إذْ هُوَ يَأْخُذُ السِّجِلَّ وَقِيلَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَ الْكَاتِبَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ أَحَدٌ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي فَعَلَى مَنْ يَأْخُذُ السِّجِلَّ، وَعَلَى هَذَا أُجْرَةُ الصَّكَّاكِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الصَّكَّ فِي عُرْفِنَا.
وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْطَى الْمُقَرُّ لَهُ أُجْرَةَ الصَّكَّاكِ يَكُونُ الْكَاغَدُ مِلْكَهُ فَيَمْلِكُ حَبْسَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أُخِذَ خَطُّ إقْرَارِهِ فَلَوْ كَانَ بِالْمَالِ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالَ، وَكَذَا الْخَطُّ لَوْ كَانَ مِلْكَ الْمُدَّعِي وَلَوْ كَانَ مُنْكِرًا يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ خَطَّهُ فِي يَدِهِ وَيَأْخُذُهُ جَبْرًا وَيَدَّعِي عَلَيْهِ الْمَالَ بِحُكْمِ الْخَطِّ.
وَلَوْ كَانَ لَا بَيِّنَةَ عَلَى الْخَطِّ يُحَلِّفُهُ أَنَّ خَطَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ، فَلَوْ نَكَلَ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ ثُمَّ يَدَّعِي الْمَالَ مِنْ الْخَطِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قَضَى دَيْنَهُ فَالْمُقَرُّ لَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ صَكِّ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ وَالْجَبْرُ عَلَى الْمُسْتَكْتَبِ فِي عُرْفِنَا قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى.
[فَصْلٌ فِي النُّعُوتِ]
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا احْتَاجَ الْكَاتِبُ إلَى ذِكْرِ نُعُوتِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مِنْ صِفَاتِهِ أَشْهُرَهَا كَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْبَيَاضِ: أَعْنِي الْبَرَصَ وَآثَارَ الْجُدَرِيِّ وَالنَّمَشَ فَيَقُولُ: فِي وَجْهِهِ آثَارُ جُدَرِيٍّ أَوْ نَمَشٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَالٌ ذَكَرْتَهُ وَذَكَرْتَ مَوْضِعَهُ، وَيَذْكُرُ قَطْعَ الْأَنَامِلِ أَوْ عُضْوٍ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ فِي الْوَجْهِ وَالْجَسَدِ، وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَقَبِيلَتَهُ وَيُحَلِّيهِ تَحْلِيَةً جَيِّدَةً لَا تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، فَإِذَا كَانَ الْمَنْعُوتُ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ فَهُوَ أَفَوْهٌ وَالْمَرْأَةُ فَوْهَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْفَمُ غَائِرًا فَهُوَ أَفْقَمُ وَالْمَرْأَةُ فَقْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْفُ طَوِيلًا مَعَ نُتُوءٍ فِي وَسَطِهِ فَهُوَ أَقْنَى وَالْمَرْأَةُ قَنْوَاءُ، وَإِنْ كَانَ طَرَفُهُ عَرِيضًا فَهُوَ أَفْطَسُ وَالْمَرْأَةُ فَطْسَاءُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا مُنْتَصِبًا مُعْتَدِلًا فَهُوَ أَشَمُّ وَالْمَرْأَةُ شَمَّاءُ، وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا بَيْنَ الشَّمَمِ وَالْفَطْسِ فَهُوَ أَخْنَسُ وَالْمَرْأَةُ خَنْسَاءُ، وَيُقَالُ فِي قَصِيرَةِ الْأَنْفِ خَلْفَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْخَدُّ مُسْتَطِيلًا فَهُوَ أَسِيلُ الْخَدِّ وَالْمَرْأَةُ أَسِيلَةُ الْخَدِّ.
وَإِنْ كَانَ الْعُنُقُ طَوِيلًا فَهُوَ أَغْيَدُ وَالْمَرْأَةُ غَيْدَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْعُنُقُ قَصِيرًا فَهُوَ أَوْقَصُ وَالْمَرْأَةُ وَقْصَاءُ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنَيْنِ غَوْرٌ فَهُوَ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ وَالْمَرْأَةُ غَائِرَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا بَرَزَتَا فَهُوَ جَاحِظُ الْعَيْنَيْنِ وَهِيَ جَاحِظَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْكُحْلُ أَسْوَدَ قُلْتَ كَحْلَاءُ وَالرَّجُلُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ أَشْفَارُ الْعَيْنِ كَأَنَّهَا مُنْضَمَّةٌ فَهِيَ دَعْجَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُقْلَةِ إشَارَةٌ إلَى الِانْتِقَالِ فَهِيَ حَوْرَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُ الْمُقْلَةِ فِي الْمَاقِّ مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ فَالْعَيْنُ حَوْلَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَيَاضُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ السَّوَادِ فَهِيَ بَرْجَاءُ وَتُسَمَّى حَوْرَاءَ أَيْضًا.
وَالنَّجْلَاءُ: الْعَيْنُ الْوَاسِعَةُ، وَالدَّعْجَاءُ: الَّتِي سَوَادُ عَيْنِهَا أَكْثَرُ مِنْ بَيَاضِهَا، وَالْوَطْفَاءُ: الْمُغْمَضَةُ الْعَيْنَيْنِ.
وَالسَّحَرَةُ الْمُخَمَّرَةُ: سَوَادُ الْحَدَقَتَيْنِ، وَالشَّوْسَاءُ: الضَّيِّقَةُ الْعَيْنِ، وَالْأَقْلَحُ وَالْقَلْحَاءُ: مَنْ كَانَ فِي أَسْنَانِهِ صُفْرَةٌ، وَتَقُولُ وَاسِعُ الْجَبْهَةِ أَوْ أَصْلَبُ الْجَبْهَةِ إذَا كَانَتْ مُنْبَسِطَةً بِهَا غُضُونٌ، وَتَقُولُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَغَمُّ إذَا نَبَتَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَنْزَعُ إذَا كَانَ لَهُ نَزْعَتَانِ فِي جَانِبَيْ رَأْسِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَأَصْلَعُ إذَا انْحَسَرَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَأَقْرَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ وَالْمَرْأَةُ قَرْعَاءُ، وَتَقُولُ فِي الْحَاجِبَيْنِ مَقْرُونٌ إذَا الْتَقَيَا، وَأَبْلَجُ إذَا انْفَصَلَا، وَتَقُولُ فِي الْأَسْنَانِ أَفْصَمُ لِلْمَكْسُورِ نِصْفُهَا عَرْضًا، وَأَثْرَمُ إذَا سَقَطَ السِّنُّ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فُرْجَةٌ قُلْتَ مُفَلَّجُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رِقَّةٌ وَتَحَدُّدٌ قُلْتَ أَشْنَبُ الْأَسْنَانِ وَالْأُنْثَى شَنْبَاءُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ:
وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبٌ
الجزء 1 · صفحة 81
وَإِنْ كَانَتْ الْأَسْنَانُ بَارِزَةً قُلْتَ بَارِزُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْنَانُهُ الْعُلْيَا قَدْ دَخَلَتْ وَالسُّفْلَى قَدْ بَرَزَتْ قُلْتَ أَفْقَمُ الْأَسْنَانِ وَالْأُنْثَى فَقْمَاءُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ غَيْرَ مُتَجَعِّدٍ وَلَا مُتَكَسِّرٍ فَهُوَ أُسْبَطُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى سَبْطَاءُ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جُعُودَةٌ قُلْتَ أَجْعَدُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى جَعْدَاءُ الشَّعْرِ، وَلَا يُقَالُ أَجْعَدُ وَلَا جَعْدَاءُ، وَإِنْ كَانَ يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنْ حُمْرَةٍ سُمِّيَ الشَّعْرُ أَصْهَبَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حُمْرَةٌ إلَى صُفْرَةٍ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ أَشْقَرُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى شَقْرَاءُ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْنَتَيْنِ نُتُوءٌ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ نَاتِئُ الْوَجْنَتَيْنِ وَفِي الْمَرْأَةِ وَجْنَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأُذُنِ صِغَرٌ قِيلَ جَمَّاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً قِيلَ مُصَلَّمُ الْأُذُنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الصَّدْرُ قَدْ نَتَأَ وَبَرَزَ فَهُوَ أَزْوَرُ وَالْمَرْأَةُ زَوْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّدْرِ غَوْرٌ وَفِي الصُّلْبِ انْحِنَاءٌ قُلْتَ فِي الذَّكَرِ أَحْنَى وَقُلْتَ فِي الْأُنْثَى بِهَا حَنَا.
(فَصْلٌ) :
وَالْبُدَاءَةُ بِذِكْرِ السِّنِّ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَنْعُوتِ شَيْبٌ قُلْتَ فِي الذَّكَرِ أَشْمَطُ وَالْأُنْثَى شَمْطَاءُ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا كَهْلٌ، وَيُقَالُ شَيْخٌ لِمَنْ غَلَبَهُ الْبَيَاضُ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُوتُ صَغِيرًا قُلْتَ فِيهِ رَضِيعٌ أَوْ فَطِيمٌ أَوْ صَبِيٌّ وَالْأُنْثَى صَبِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ يَتْبَعُهَا صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ قُلْتَ مُتْبَعًا بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ أَوْ بِصَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَا بِأَحَدِهِمَا نَعْتٌ لِصَغِيرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ قُلْتَ رُبَاعِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ قُلْتُ خُمَاسِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ سِتَّةِ أَشْبَارٍ قُلْتَ سُدَاسِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَارَبَ الْبُلُوغَ قُلْتَ مُرَاهِقٌ فِي سِنِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَحِيًا قُلْتَ مُلْتَحٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ عَرِيضَةً طَوِيلَةً قُلْتَ مُسَبَّلٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً قُلْتَ كَثُّ اللِّحْيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي عَارِضَيْهِ خِفَّةٌ قُلْتَ خَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَارِضَيْهِ شَيْءٌ قُلْتَ كَوْسَجٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُعُ فِي وَجْهِهِ لِحْيَةٌ أَصْلًا قُلْتَ أَطْلَسٌ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا اللَّوْنُ فَقَالَ فِي عَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ تَقُولُ فِي ذَلِكَ أَسْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْوَدُ.
وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ قُلْتَ فِيهِ أَحْمَرُ وَلَا تَقُلْ أَبْيَضُ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ هُوَ الْبَرَصُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ «أُوَيْسٍ الْقَرَنِيُّ إنَّهُ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ» أَيْ بَرَصٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إلَّا قَدْرَ الدِّرْهَمِ.
قَالَ وَالْعَامَّةُ تَجْعَلُ الْأَحْمَرَ دُونَ الْأَسْوَدِ وَفَوْقَ الْأَصْفَرِ وَهُوَ وَهْمٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ يَا حُمَيْرَاءُ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «بُعِثْتُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا قَالَهُ فِي الْبَيَاضِ نَظَرٌ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
أَغَرُّ أَبْيَضُ قَبَّاصُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَحْمَرِ وَفِي الْأَبْيَضِ أَحْمَرُ وَيُقَالُ فِي بَيَاضِ الْأَبْيَضِ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَحْمَرِ قَانِي، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَسْوَدِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَسْوَدُ حَالِكٌ وَحَانِكٌ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَتَأْكِيدِ صُفْرَةِ الْأَصْفَرِ بِأَنْ يَقُولَ أَصْفَرُ فَاقِعٌ.
(تَنْبِيهٌ) :
وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الصَّفْرَاءَ السَّوْدَاءُ وَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ، وَعُدَّتْ مِنْهُ وَهْلَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69] يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَصْفَرِ إنَّهُ الْأَسْوَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَوَادَهَا مَشُوبٌ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ، وَتَقُولُ امْرَأَةٌ حَذْلَاءُ فِي الْمَائِلَةِ الشِّقِّ، وَلَطْعَاءُ فِي مُبْيَضَّةِ الشَّفَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ نُعُوتِ السُّودَانِ، وَلَعْسَاءُ حَمْرَاءُ الشَّفَتَيْنِ، وَالرَّجُلُ أَلْعَسُ وَاللَّمَى رِقَّتُهُمَا تَقُولُ رَجُلٌ أَلْمَى وَامْرَأَةٌ لَمْيَاءُ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا،
الجزء 1 · صفحة 82
وَالضَّهْيَاءُ الَّتِي لَا تَحِيضُ، وَالْمُفْضَاةُ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُهَا شَيْئًا وَاحِدًا: أَعْنِي مَسْلَكَ الْبَوْلِ وَمَسْلَكَ الذَّكَرِ، وَالزَّعْرَاءُ الَّتِي لَا شَعْرَ لَهَا فِي سَوْأَتِهَا، وَالْقَرْنَاءُ الْعَظِيمَةُ السَّوْأَةِ الَّتِي يُمْنَعُ بِهَا الْوَاطِئُ مِنْ إصَابَتِهَا. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَالْقَرْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَحَلِّ عَظْمٌ شَبِيهٌ بِقَرْنِ الشَّاةِ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ الْعَفَلَةُ الصَّغِيرَةُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَاخْتُصِمَ إلَى شُرَيْحٍ فِي جَارِيَةٍ بِهَا قَرْنٌ فَقَالَ أَقْعِدُوهَا، فَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأَرْضَ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَالرَّتْقَاءُ الَّتِي لَهَا لَحْمَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الَّتِي لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِقَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، وَهُوَ مِنْ الرَّتْقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَتْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] قِيلَ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ الْجِمَاعِ مُنْسَدًّا بِلَحْمٍ وَهَذَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْسَدًّا بِعَظْمٍ وَلَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ.
وَالْعَفْلَاءُ هِيَ الَّتِي أَصَابَهَا الْعَفَلُ، وَالْعَفَلَةُ بِتَحَرُّكِ لَفْظَيْهِمَا وَهُوَ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ قُبُلِ النِّسَاءِ وَمِنْ حَيَاءِ النَّاقَةِ شَبِيهٌ بِالْأُدْرَةِ الَّتِي لِلرِّجَالِ. وَيُقَالُ امْرَأَةٌ عَفْلَاءُ، ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَبِعَهُمْ الْفُقَهَاءُ، وَالْبَخَرُ نَتْنُ الْفَمِ، وَالْأَتَكُ وَهُوَ ضِيقُ الْعُرْقُوبَيْنِ،.
وَالْفَحَجُ اتِّسَاعُ الْعُرْقُوبَيْنِ حَتَّى كَادَ يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنْ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ.
وَالطَّوِيلُ الْقَامَةِ يُقَالُ فِيهِ شَاطُّ الْقَامَةِ وَشَاطَّةُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ عَشَنَّقٌ، وَإِنْ كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ قُلْتَ قَصِيرُ الْقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قُلْتَ حَسَنُ الْقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ قُلْتَ مَرْبُوعُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْمَرْأَةِ مَرْبُوعَةُ الْقَامَةِ وَرَبْعَةُ الْقَامَةِ.
وَالْأَكْوَعُ مَنْ اعْوَجَّتْ يَدَاهُ مِنْ قَبْلِ الْكُوعَيْنِ إلَى خَارِجِ الْيَدَيْنِ فَتَقُولُ فِيهِ أَكْوَعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى كَوْعَاءُ الْيَدَيْنِ، وَالْكُوعَانِ هُمَا أَصْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الزَّنْدَيْنِ، وَالزَّنْدَانِ عَظْمَاتُ الذِّرَاعَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِ يَدَيْهِ تَقَبُّضٌ قُلْتَ مُقَفَّعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى مُقَفَّعَةُ الْيَدَيْنِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي عُقْدَتَيْ الذِّرَاعَيْنِ؛؛ وَإِنْ كَانَ فِي عْقْدَتَيْ إبْهَامِ قَدَمَيْهِ نُتُوءٌ فِي جَانِبِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ دَاخِلٍ مَعَ مَيْلٍ فِي الْإِبْهَامِ إلَى الْأَصَابِعِ الَّتِي بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرَاكُبٍ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ أَفْدَعُ وَالْأُنْثَى فَدْعَاءُ.
وَإِنْ كَانَ إبْهَامَا قَدَمَيْهِ قَدْ أَقْبَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا قُلْتَ أَحْنَفُ الرِّجْلَيْنِ وَالْأُنْثَى حَنْفَاءُ.
وَإِنْ كَانَ وَسَطُ أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ لَا يَلْصَقُ بِالْأَرْضِ إذَا كَانَ فِي وَسَطِ حَاشِيَتَيْ قَدَمَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِمَا نَقِيبٌ قُلْتَ أَخْمَصُ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى خَمْصَاءُ الْقَدَمَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ أَسْفَلُ الْقَدَمَيْنِ مُعْتَدِلًا لَاصِقًا بِالْأَرْضِ قُلْتَ أَزَجُّ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى زَجَّاءُ الْقَدَمَيْنِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ]
وَفِيمَا يَحْتَرِزُ مِنْ الْإِشْهَادِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَغَيْرِهَا (فَصْلٌ) :
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُهُ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَمَسْكَنَهُ وَحِلْيَتَهُ وَمَسْجِدَهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، وَيَجْعَلَ صَحِيفَةَ الشَّهَادَةِ فِي دِيوَانِهِ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ شَهَادَةٌ فَيَزِيدَ فِيهَا الشَّاهِدُ أَوْ يُنْقِصَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الشُّهُودُ وَجْهَ الْحَقِّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ وَلَا فَسَّرُوهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُبَيِّنُوا أَصْلَ الشَّهَادَةِ وَكَيْفَ كَانَتْ، فَيَقُولُونَ أَسْلَفَهُ بِمَحْضَرِنَا أَوْ أَقَرَّ عِنْدَنَا الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ أَسْلَفَهُ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ فَسَّرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: بَاعَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا بِمَحْضَرِنَا أَوْ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُصَدِّقَةٌ لِلدَّعْوَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَ الْخَصَّافُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَفَسَّرَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا ثُمَّ شَهِدَ الْآخَرُ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ صَاحِبِي لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي حَتَّى يَتَكَلَّمَ الْآخَرُ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُحْتَمَلٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَشْهَدُ