الجزء 1 · صفحة 1
[مُقَدِّمَة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَلَائِكَةِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الصَّحَابَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَعَنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ.
(وَبَعْدُ) فَهَذَا شَرْحٌ لِمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ جَمَعْتُهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَصَرَةٍ وَعِبَارَاتٍ ظَاهِرَةٍ تَشْمَلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي وَالْمُذَاكَرَةِ أَوْضَحْتُهُ لِذَوِي الْأَفْهَامِ الْقَاصِرَةِ وَالْهِمَمِ الْمُتَقَاصِرَةِ وَسَمَّيْتُهُ (الْجَوْهَرَةَ النَّيِّرَةَ) وَاسْتَعَنْتُ فِي ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ سُبْحَانَهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.
الجزء 1 · صفحة 2
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)
الْكِتَابُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجَمْعُ يُقَالُ كَتَبْت الشَّيْءَ أَيْ جَمَعْته وَمِنْهُ الْكِتَابَةُ وَهِيَ جَمْعُ الْحُرُوفِ بَعْضِهَا إلَى
الجزء 1 · صفحة 3
بَعْضٍ، فَقَوْلُهُ كِتَابُ الطَّهَارَةِ أَيْ جَمْعُ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ هُمَا مُتَغَايِرَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَالْإِحَاطَةُ أَعَمُّ مِنْ الشَّمْلِ؛ لِأَنَّ الشَّمْلَ هُوَ جَمْعُ الْمُتَفَرِّقِ يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَمْرِهِ وَالْإِحَاطَةُ مَا أَحَاطَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ جَمْعِهِ فَهِيَ جَامِعَةٌ لِلشَّمْلِ مُحِيطَةٌ بِهِ فَمِثَالُ الشَّمْلِ مَا قَالُوا فِي كَلِمَةِ الْجَمِيعِ إنَّهَا تُوجِبُ الِاجْتِمَاعَ دُونَ الِانْفِرَادِ كَمَا إذَا قَالَ الْأَمِيرُ لِلْجُنْدِ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَدَخَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فَإِنَّ لَهُمْ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ لَا غَيْرُ، بَيْنَهُمْ جَمِيعًا، وَمِثَالُ الْإِحَاطَةِ إذَا قَالَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنِ فَلَهُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَدَخَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَيَكُونُ لَهُمْ مِائَةٌ فَبَانَ لَك أَنَّ كَلِمَةَ الْجَمِيعِ لِلشَّمْلِ دُونَ الْإِحَاطَةِ وَكَلِمَةَ كُلٍّ لِلشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ، وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ النَّظَافَةُ وَعَكْسُهَا الدَّنَسُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ غَسْلِ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ وَعَكْسُهَا الْحَدَثُ وَيُقَالُ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ حَتَّى يُسَمَّى الدِّبَاغُ وَالتَّيَمُّمُ طَهَارَةً وَأَعَمُّ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ مُطَهِّرٍ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوْ يُنْدَبُ إلَيْهِ وَالْمُطَهِّرُ هُوَ الْمَاءُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَالصَّعِيدُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالطَّهَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ حَقِيقِيَّةٌ وَهِيَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ وَحُكْمِيَّةٌ وَهِيَ التَّيَمُّمُ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ خَفِيفَةٌ كَالْوُضُوءِ وَغَلِيظَةٌ كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَإِنَّمَا بَدَأَ الشَّيْخُ بِالْخَفِيفَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَغْلَبُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ، بَدَأَ بِهَا تَبَرُّكًا وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهِ وَمِنْ أَسْرَارِهَا أَنَّهَا تَشْمَلُ عَلَى سَبْعَةِ فُصُولٍ كُلُّهَا مُثَنًّى طَهَارَتَانِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَمُطَهِّرَانِ الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ وَحُكْمَانِ الْغُسْلُ وَالْمَسْحُ وَمُوجِبَانِ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ وَمُبِيحَانِ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَكِنَايَتَانِ الْغَائِطُ وَالْمُلَامَسَةُ وَكَرَامَتَانِ تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ وَإِتْمَامُهَا مَوْتُهُ شَهِيدًا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ مَاتَ شَهِيدًا» وَفِي الْآيَةِ إضْمَارُ الْحَدَثِ أَيْ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوُضُوءِ {إِذَا قُمْتُمْ} [المائدة: 6] وَفِي الْجَنَابَةِ {وَإِنْ كُنْتُمْ} [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ إذَا تَدْخُلُ عَلَى أَمْرٍ كَائِنٍ أَوْ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ تَدْخُلُ عَلَى أَمْرٍ رُبَّمَا كَانَ وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ مُلَازِمٌ وَالْجَنَابَةُ لَيْسَتْ بِمُلَازِمَةٍ فَإِنَّهَا قَدْ تُوجَدُ وَقَدْ لَا تُوجَدُ.
(قَوْلُهُ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْغُسْلُ هُوَ الْإِسَالَةُ وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ طُولًا وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ إلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ عَرْضًا حَتَّى إنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْعَذَارِ وَالْأُذُنِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَلَمْ يَصِل الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ حَاجِبَيْهِ أَجْزَأَهُ، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَلَوْ رَمِدَتْ عَيْنُهُ وَاجْتَمَعَ رَمَصُهَا فِي جَانِبِ الْعَيْنِ وَالْمُؤْقِ وَاللِّحَاظِ وَجَبَ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَآقِي كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ الرَّمَصُ وَسَخُ الْعَيْنِ وَمُؤْقُ الْعَيْنِ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ وَجَمْعُهُ آمَاقٍ وَاللِّحَاظُ بِفَتْحِ اللَّامِ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ.
(قَوْلُهُ: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أَيْ مَعَ الْمَرَافِقِ وَوَاحِدُهَا مِرْفَقٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَعَكْسُهُ الْمَفْصِلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ فِي غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَرَافِقِ فَإِنْ عَكَسَ جَازَ، كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَيَجِبُ غَسْلُ مَا كَانَ مُرَكَّبًا عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَصَابِعِ الزَّائِدَةِ وَالْكَفِّ الزَّائِدِ فَإِنْ تَلِفَ الْعُضْوُ غُسِلَ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا فَوْقَهُ، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْعَجِينُ فِي الظُّفْرِ يَمْنَعُ تَمَامَ الطَّهَارَةِ وَالْوَسَخُ وَالدَّرَنُ لَا يَمْنَعُ وَكَذَا التُّرَابُ وَالطِّينُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ وَالْخِضَابُ إذَا تَجَسَّدَ يَمْنَعُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقِشْرَةُ الْقُرْحَةِ إذَا ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَصِل الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهَا لَا يَمْنَعُ.
(قَوْلُهُ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] الْمَسْحُ هُوَ الْإِصَابَةُ فَلَوْ كَانَ شَعْرُهُ طَوِيلًا فَمَسَحَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ تَحْتِ أُذُنِهِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِهَا جَازَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ رَأْسِهِ مَحْلُوقًا فَمَسَحَ عَلَى غَيْرِ الْمَحْلُوقِ جَازَ وَإِنْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءُ الْمَطَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَسْحِ سَوَاءٌ مَسَحَهُ أَوْ لَا، وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ، وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ أَخَذَهُ مِنْ لِحْيَتِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَإِنْ مَسَحَهُ بِبَلَلٍ فِي كَفِّهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ جَازَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] قُرِئَ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْوَجْهِ وَالْأَيْدِي تَقْدِيرُهُ فَاغْسِلُوا
الجزء 1 · صفحة 4
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَقُرِئَ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالْخَفْضِ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ وَمَذْهَبُ الرَّوَافِضِ أَنَّ الْأَرْجُلَ مَمْسُوحَةٌ احْتِجَاجًا بِقِرَاءَةِ الْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الرُّءُوسِ، قُلْنَا الْخَفْضُ إنَّمَا هُوَ الْمُجَاوَرَةُ وَالِاتِّبَاعُ لَفْظًا لَا مَعْنًى، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] بِالْخَفْضِ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ} [الواقعة: 20] {وَلَحْمِ طَيْرٍ} [الواقعة: 21] وَفِي الْكَشَّافِ لَمَّا كَانَتْ الْأَرْجُلُ تُغْسَلُ بِصَبِّ الْمَاءِ وَذَلِكَ مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ عُطِفَتْ عَلَى الْمَسْمُوحِ لَا لِتُمْسَحَ وَلَكِنْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ جُمِعَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَلَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ.
(قَوْلُهُ فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ) الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَطْعُ، وَالتَّقْدِيرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] أَيْ قَدَّرْنَاهَا وَقَطَعْنَا الْأَحْكَامَ فِيهَا قَطْعًا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ حُكْمٍ مُقَدَّرٍ لَا يَحْتَمِلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ حَتَّى إنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَيُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ قَدَّرَهَا.
(قَوْلُهُ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ) يَعْنِي الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَمَّاهَا ثَلَاثَةً وَهِيَ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ جُعِلَا فِي الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الدِّيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَسْحُ الرَّأْسِ) إنَّمَا أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ وَالْأَعْضَاءُ مَغْسُولَةٌ فَلَمَّا كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي الْغَسْلِ جَمَعَ بَيْنَهَا فِي الذِّكْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ) قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ الْمَرَافِقُ وَالْكَعْبَانِ غَايَةُ إسْقَاطٍ فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْأَيْدِي إلَى الْمَنَاكِبِ فَلَمَّا قَالَ إلَى الْمَرَافِقِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ فَبَقِيَ الْغَسْلُ ثَابِتًا فِي الْيَدِ مَعَ الْمَرَافِقِ وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لَيْسَتْ الْغَايَةُ غَايَةَ إسْقَاطٍ وَإِنَّمَا هِيَ غَايَةُ امْتِدَادِ الْحُكْمِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُطْلَقُ عَلَى الْإِمْسَاكِ سَاعَةً فَهِيَ غَايَةُ إثْبَاتٍ لَا غَايَةُ إسْقَاطٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَايَاتِ أَرْبَعٌ: غَايَةُ مَكَان، وَغَايَةُ زَمَانٍ، وَغَايَةُ عَدَدٍ، وَغَايَةُ فِعْلٍ، فَغَايَةُ الْمَكَانِ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ وَغَايَةُ الزَّمَانِ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَكِلَاهُمَا لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمُغَيَّا وَغَايَةُ الْعَدَدِ لَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ وَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَهِيَ لَا تَدْخُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَعِنْدَهُمَا تَدْخُلُ وَغَايَةُ الْفِعْلِ بِالْمَنْطُوقِيَّة السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا إنْ نَصَبْت السِّينَ دَخَلَتْ وَتَكُونُ حَتَّى بِمَعْنَى الْوَاوِ وَعَاطِفَةً، وَإِنْ خَفَضْتهَا لَمْ تَدْخُلْ وَتَكُونُ حَتَّى بِمَعْنَى إلَى، وَإِنَّمَا قَالَ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ وَلَمْ يَقُلْ بِفَرْضِ غَسْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَدْخُلَانِ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُ فَرْضِيَّةِ غَسْلِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ) وَهُوَ رُبُعُ الرَّأْسِ وَالنَّاصِيَةُ هِيَ الشَّعْرُ الْمَائِلُ إلَى نَاحِيَةِ الْجَبْهَةِ وَالرَّأْسُ أَرْبَعُ قِطَعٍ النَّاصِيَةُ وَالْقَذَالُ وَالْفَوْدَانِ، فَقَوْلُهُ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ أَيَّ الْجَوَانِبِ شَاءَ مِنْ الرَّأْسِ بِمِقْدَارِهَا وَإِنَّمَا قَالَ وَالْمَفْرُوضُ وَلَمْ يَقُلْ وَالْفَرْضُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُ مِقْدَارًا لَا مَقْطُوعًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْقَطْعُ حَتَّى إنَّهُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ هَذَا الْمِقْدَارِ وَالتَّقْدِيرُ بِمِقْدَارِ النَّاصِيَةِ هُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَفِي رِوَايَةٍ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَلَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ يُرِيدُ مَسْحَهُ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَسْحِ وَلَا يَفْسُدُ الْمَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يُجْزِيهِ عَنْ الْمَسْحِ وَكَذَا الْخُفُّ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ إلَى آخِرِهِ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ سِتُّ فَوَائِدَ
الجزء 1 · صفحة 5
أَحَدُهَا جَوَازُ دُخُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ الْخَرَابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ سُبَاطَةُ قَوْمٍ وَالسُّبَاطَةُ قِيلَ هِيَ الدَّارُ الْخَرَابُ، وَقِيلَ هِيَ الْكُنَاسَةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَهِيَ الْقُمَامَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا مَوْضِعُ إلْقَائِهَا، وَأَمَّا الْكُنَاسَةُ بِالْكَسْرِ فَهِيَ الْمِكْنَسَةُ وَالثَّانِيَةُ جَوَازُ الْبَوْلِ فِي دَارِ غَيْرِهِ الْخَرَابِ دُونَ الْغَائِطِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ تُنَشِّفُهُ الْأَرْضُ فَلَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ وَالثَّالِثَةُ أَنَّ الْبَوْلَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالرَّابِعَةُ أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْدَهُ مُسْتَحَبٌّ، وَالْخَامِسَةُ تَقْدِيرُ مَسْحِ الرَّأْسِ بِالنَّاصِيَةِ، وَالسَّادِسَةُ ثُبُوتُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ بِالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ هَكَذَا مُطَوَّلًا وَالْحَاجَةُ إنَّمَا هِيَ إلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي وَإِتْقَانِهِ لِلْحَدِيثِ.
[سُنَنُ الطَّهَارَةِ]
(قَوْلُهُ: وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ) السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الطَّرِيقَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُرْضِيَةً أَوْ غَيْرَ مُرْضِيَةٍ «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا وَثَوَابُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيُؤْجَرُ الْعَبْدُ عَلَى إتْيَانِهَا وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهَا وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْقَوْلِيَّ وَالْفِعْلِيَّ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السُّنَّةُ مَا يَكُونُ تَارِكُهَا فَاسِقًا وَجَاحِدُهَا مُبْتَدِعًا وَالنَّفَلُ مَا لَا يَكُونُ تَارِكُهُ فَاسِقًا وَلَا جَاحِدُهُ مُبْتَدِعًا.
(قَوْلُهُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا) يَعْنِي إلَى الرُّسْغِ وَهُوَ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ وَيَغْسِلُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ كَفَّيْهِ أَجْزَأَهُ (قَوْلُهُ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ) أَيْ إدْخَالِ أَحَدِهِمَا وَيُسَنُّ هَذَا الْغَسْلُ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) هَذَا شَرْطُ وِفَاقٍ لَا قَصْدٍ حَتَّى إنَّهُ سَنَّهُ لِلْمُسْتَيْقِظِ وَغَيْرِهِ وَسُمِّيَ مُتَوَضِّئًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ سُمِّيَ بِاسْمِهِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» سَمَّاهُمْ مَوْتَى لِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَوَاءٌ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ فَمُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَوَاجِبٌ.
(قَوْلُهُ: وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) الْكَلَامُ فِيهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ كَيْفِيَّتِهَا وَصِفَتِهَا وَوَقْتِهَا أَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَبِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّسْمِيَةِ هُنَا مُجَرَّدُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا التَّسْمِيَةُ عَلَى التَّعْيِينِ وَأَمَّا صِفَتُهَا فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا وَقْتُهَا فَقَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَ لِلِاسْتِنْجَاءِ سَمَّى قَبْلَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَإِنْ كَشَفَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ سَمَّى بِقَلْبِهِ وَلَا يُحَرِّكُ بِهَا لِسَانَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَالَ الِانْكِشَافِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ أَتَى بِهَا مَتَى ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْوُضُوءُ مِنْهَا
(قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ) هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَوَقْتُهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَيَسْتَاكُ أَعَالِيَ الْأَسْنَانِ
الجزء 1 · صفحة 6
وَأَسَافِلَهَا وَيَسْتَاكُ عَرْضَ أَسْنَانِهِ وَيَبْتَدِئُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاكًا اسْتَعْمَلَ خِرْقَةً خَشِنَةً أَوْ أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ مِنْ يَمِينِهِ ثُمَّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَفَائِدَتُهُ إذَا تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ بِسِوَاكٍ وَبَقِيَ عَلَى وُضُوئِهِ إلَى الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ كَانَ السِّوَاكُ الْأَوَّلُ سُنَّةً لِلْكُلِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَمَّا إذَا نَسِيَ السِّوَاكَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَاكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَضِيلَتَهُ وَتَكُونَ صَلَاتُهُ بِسِوَاكٍ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) هُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ فَرْضَانِ وَكَيْفِيَّتُهُمَا أَنْ يُمَضْمِضَ فَاهُ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ كَذَلِكَ فَلَوْ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ قِيلَ لَا يَصِيرُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ يَصِيرُ آتِيًا بِهَا قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ قِيلَ لَا يَصِيرُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْمَضْمَضَةِ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثًا يَعُودُ بَعْضُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَى الْكَفِّ وَفِي الْمَضْمَضَةِ لَا يَعُودُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا سُنَّةٌ إذَا كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْمُبَالَغَةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي فِيهِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ الْغَرْغَرَةُ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَجْذِبَ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ إلَى مَا اسْتَدَّ مِنْ أَنْفِهِ وَلَوْ تَمَضْمَضَ وَابْتَلَعَ الْمَاءَ وَلَمْ يَمُجَّهُ أَجْزَأَهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُلْقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَة وَيَمْسَحُ بَاطِنَهُمَا وَظَاهِرَهُمَا وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ وَهُمَا ثُقْبَا الْأُذُنَيْنِ وَيُدِيرَهُمَا فِي زَوَايَا أُذُنَيْهِ وَيُدِيرَ إبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ قِيلَ سُنَّةٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ، وَيَمْسَحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ يَمْسَحُهُمَا بِظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ وَمَسْحُ الْحُلْقُومِ بِدْعَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ سُنَّةٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَكَيْفِيَّةُ تَخْلِيلِهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقِ اللِّحْيَةِ مَكْسُورَةُ اللَّامِ وَجَمْعُهَا لُحًى وَلِحًى بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَاللَّحْيُ بِفَتْحِ اللَّامِ عَظْمُ الْفَكِّ وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ وَجَمْعُهُ لُحًى وَلِحًى بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا وَتَخْلِيلُهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقُ بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَلِّلَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّخْلِيلُ سُنَّةً بَعْدَ وُصُولِ الْمَاءِ أَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ فَهُوَ وَاجِبٌ وَكَيْفِيَّةُ التَّخْلِيلِ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَهُ بِإِبْهَامِهَا وَيَبْدَأَ بِإِبْهَامِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمَهُ بِخِنْصَرِهَا، وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّخْلِيلِ اسْتِيفَاءُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَدَاخِلُ الشَّعْرِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْفَرْضِ بَلْ الْفَرْضُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي أَوْ الْغَدِيرِ وَغَمَسَ رِجْلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ الْأَصَابِعَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلَاثِ) الْأُولَى فَرْضٌ وَالثِّنْتَانِ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ اكْتَفَى بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ وَالسُّنَّةُ تَكْرَارُ الْغَسَلَاتِ لَا الْغَرَفَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) الْمُسْتَحَبُّ مَا كَانَ مَدْعُوًّا إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ وَفِي إتْيَانِهِ ثَوَابٌ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ وَالْكَلَامُ فِي النِّيَّةِ فِي أَرْبَعَةِ
الجزء 1 · صفحة 7
مَوَاضِعَ فِي صِفَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا وَوَقْتِهَا وَمَحَلِّهَا أَمَّا صِفَتُهَا فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ نَوَيْتُ أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ نَوَيْت الطَّهَارَةَ، وَأَمَّا وَقْتُهَا فَعِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَأَمَّا مَحَلُّهَا فَالْقَلْبُ وَالتَّلَفُّظُ بِهَا مُسْتَحَبٌّ ثُمَّ النِّيَّةُ إنَّمَا هِيَ فَرْضٌ لِلْعِبَادَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ هُوَ النِّيَّةُ وَالْوُضُوءُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلْعِبَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَهُ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ فِي الْمَاءِ وَإِنَّمَا كَانَتْ النِّيَّةُ فَرْضًا فِي التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْقَلْ مُطَهِّرًا فَلَا يَكُونُ مُزِيلًا لِلْحَدَثِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَمِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَمُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةً بِدُونِ النِّيَّةِ لَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلَّا فِي حَالَةِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ وَقَعَ التُّرَابُ عَلَى أَعْضَائِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ عَلِمَ نِسْيَانًا التَّيَمُّمُ لَمْ يَكُنْ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) الِاسْتِيعَابُ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ يُقَالُ اسْتَوْعَبَ كَذَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا وَالِاسْتِيعَابُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَضَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَدَيْنِ ثَلَاثَ أَصَابِعَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَلَا يَضَعُ الْإِبْهَامَ وَلَا السَّبَّابَةَ وَيُجَافِي بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَمُدُّهُمَا إلَى الْقَفَا ثُمَّ يَضَعُ كَفَّيْهِ عَلَى مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيَمُدُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ يَمْسَحُ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ وَبَاطِنَهُمَا بِمُسَبِّحَتَيْهِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَمْسَحُ رَقَبَتَهُ بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ) التَّرْتِيبُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَيُسِيءُ بِتَرْكِهِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ فِي كَوْنِ التَّرْتِيبِ فِيهِمَا سُنَّةً.
(قَوْلُهُ: فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ) وَهُوَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْمُوَالَاةُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ فَرْضٌ وَالْمُوَالَاةُ هِيَ التَّتَابُعُ وَحَدُّهُ أَنْ لَا يَجِفَّ الْمَاءُ عَنْ الْعُضْوِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بَعْدَهُ فِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ وَلَا اعْتِبَارَ بِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالرِّيَاحِ فَإِنَّ الْجَفَافَ يُسْرِعُ فِيهِمَا لَا بِشِدَّةِ الْبَرْدِ فَإِنَّ الْجَفَافَ يُبْطِئُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا اسْتِوَاءُ حَالَةِ الْمُتَوَضِّئِ فَإِنَّ الْمَحْمُومَ يُسَارِعُ الْجَفَافُ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْحُمَّى وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّفْرِيقُ فِي الْوُضُوءِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا إذَا كَانَ لِعُذْرِ فَرْغِ مَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ انْقَلَبَ الْإِنَاءُ فَذَهَبَ لِطَلَبِ الْمَاءِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَكَذَا إذَا فَرَّقَ فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ.
(قَوْلُهُ: وَبِالْمَيَامِنِ) أَيْ يَبْدَأُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى وَبِالرِّجْلِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى وَهُوَ فَضِيلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَيَامِينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي لُبْسِ نَعْلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ مَسْحَ الْأُذُنِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَمَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لَكِنَّا نَقُولُ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ يُغْسَلَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَيَبْدَأُ فِيهِمَا بِالْمَيَامِينِ، وَأَمَّا الْأُذُنَانِ فَيُمْسَحَانِ مَعًا بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا لِكَوْنِ ذَلِكَ أَسْهَلَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا يَدٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عِلَّةٌ وَلَا يُمْكِنُهُ مَسْحُهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأُذُنِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْيُسْرَى كَمَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْخَدَّيْنِ بِالْأُذُنَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ فِي أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ عُضْوَانِ لَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا إلَّا الْأُذُنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ شَرَعَ الْآنَ فِي بَيَانِ مَا يَنْقُضُهُ وَالنَّقْضُ مَتَى أُضِيفَ إلَى الْأَجْسَامِ يُرَادُ بِهِ إبْطَالُ تَأْلِيفِهِمَا وَمَتَى أُضِيفَ إلَى غَيْرِهَا يُرَادُ بِهِ إخْرَاجُهُ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ وَالْمُتَوَضِّئُ هَا هُنَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ فَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ بِالْحَدَثِ انْتَقَضَتْ صِفَتُهُ وَخَرَجَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) وَهُمَا الْفَرْجَانِ وَمِنْ دَأْبِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُتَّفَقِ فِيهِ ثُمَّ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مُتَّفَقٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَقَدَّمَهُ لِذَلِكَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْقَيْءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ وُضِعَتْ لِعُمُومِ الْأَفْرَادِ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَ الْمُعْتَادِ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالدُّرَدِ وَالْحَصَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ قُلْنَا نَعَمْ إلَّا الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ الذَّكَرِ
الجزء 1 · صفحة 8
وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْقُضُ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْفَضَاةُ وَهِيَ الَّتِي مَسْلَكُ بَوْلِهَا وَغَائِطِهَا وَاحِدٌ فَيَخْرُجُ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ فَتَنْقُضُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ فَلَا تَنْقُضُ، وَالْأَصْلُ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ وَالنَّاقِضُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا بِالشَّكِّ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ وَأَمَّا الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْفَرْجِ فَنَاقِضَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ) وَكَذَلِكَ الصَّدِيدُ وَهُوَ مَاءُ الْجُرْحِ الْمُخْتَلِطِ بِالدَّمِ قَبْلَ أَنْ تَغْلُظَ الْمُدَّةُ فَتَكُونُ فِيهِ صَفْوَةٌ وَقَيَّدَ بِالْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبَلَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّجَاوُزُ.
وَقَالَ زُفَرُ الدَّمُ وَالْقَيْحُ يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَنْقُضَانِ، وَإِنْ تَجَاوَزَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ خَرَجَا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا خَرَجَا بِالْمُعَالَجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَاخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ النَّقْضُ وَقَيَّدَ بِالدَّمِ وَالْقَيْحِ احْتِرَازًا مِنْ الْعِرْقِ الْمَدِينِيِّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ خَيْطٌ لَا مَائِعٌ وَأَمَّا الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ إنْ كَانَ صَافِيًا لَا يَنْقُضُ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ الْمَاءُ الصَّافِي إذَا خَرَجَ مِنْ النَّفْلَةِ لَا يَنْقُضُ، وَإِنْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أَنْفِهِ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ إنْ نَزَلَ الدَّمُ مِنْ قَصَبَةِ الْأَنْفِ نُقِضَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهَا لَمْ يُنْقَضْ وَلَوْ عَضَّ شَيْئًا فَوَجَدَ فِيهِ أَثَرَ الدَّمِ أَوْ اسْتَاكَ فَوَجَدَ فِي السِّوَاكِ أَثَرَ الدَّمِ لَا يُنْقَضُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّيَلَانُ وَلَوْ تَخَلَّلَ بِعُودٍ فَخَرَجَ الدَّمُ عَلَى الْعُودِ لَا يُنْقَضُ إلَّا أَنْ يَسِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الرِّيقِ وَلَوْ اسْتَنْثَرَ فَسَقَطَ مِنْ أَنْفِهِ كُتْلَةُ دَمٍ لَا يُنْقَضُ وَإِنْ قَطَرَتْ قَطْرَةُ دَمٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
(قَوْلُهُ: فَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ) حَدُّ التَّجَاوُزِ أَنْ يَنْحَدِرَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ وَأَمَّا إذَا عَلَا وَلَمْ يَنْحَدِرْ لَا يَنْقُضُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا انْتَفَخَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَصَارَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا أَوْ رَمَادًا فَتَشَرَّبَ مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ تُرَابًا وَلَوْلَاهُ لَتَجَاوَزَ نَقَضَ وَكَذَا لَوْ كَانَ كُلَّمَا خَرَجَ مَسَحَهُ أَوْ أَخَذَهُ بِقُطْنَةٍ مِرَارًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ لَسَالَ نَقَضَ وَلَوْ سَالَ الدَّمُ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ، وَالْأَنْفُ مَسْدُودَةٌ نَقَضَ وَلَوْ رَبَطَ الْجُرْحَ فَابْتَلَّ الرِّبَاطُ إنْ نَفَذَ الْبَلَلُ إلَى الْخَارِجِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ الرِّبَاطُ ذَا طَاقَيْنِ فَنَفَذَ الْبَعْضُ إلَى الْبَعْضِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أُذُنَيْهِ قَيْحٌ أَوْ صَدِيدٌ إنْ تَوَجَّعَ عِنْدَ خُرُوجِهِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ دَمٌ وَاخْتَلَطَ بِالرِّيقِ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلدَّمِ أَوْ كَانَا سَوَاءً نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ الرِّيقُ غَالِبًا لَا يَنْقُضُ وَعَلَى هَذَا إذَا ابْتَلَعَ الصَّائِمُ الرِّيقَ وَفِيهِ الدَّمُ إنْ كَانَ الدَّمُ غَالِبًا أَوْ كَانَا سَوَاءً أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ مَصَّ الْقُرَادُ عُضْوَ إنْسَانٍ فَامْتَلَأَ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَنْقُضُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا نَقَضَ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ جُرْحِهِ دُودَةٌ لَا يَنْقُضُ وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِذَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ الْجُرْحِ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ لَا يَنْقُضُ وَهَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجِسٌ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْجَامِدَاتِ كَالثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَالْحَصِيرِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا الْقَيْءُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) يَعْنِي يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ سَالَ الدَّمُ مِنْ الرَّأْسِ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ نَقَضَ الْوُضُوءَ بِخِلَافِ مَا إذَا نَزَلَ الْبَوْلُ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ حُكْمُ التَّطْهِيرِ عَنْ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَبَاطِنِ الْجُرْحِ وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ دَخَلَ تَحْتَهُ بَاطِنُ الْعَيْنِ وَبَاطِنُ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ تَطْهِيرُهُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّطْهِيرِ فِيهِ مُمْكِنَةٌ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقَدْ رَفَعَهُ الشَّارِعُ لِلضَّرُورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَيْءُ إذَا مَلَأ الْفَمَ) وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ وَلَوْ مَلَأَ الْفَمَ.
وَقَالَ زُفَرُ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ
الجزء 1 · صفحة 9
وَالْقَيْءُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مَاءٌ وَطَعَامٌ وَدَمٌ وَمِرَّةٌ وَبَلْغَمٌ فَفِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ يَنْقُضُ إذَا مَلَأَ الْفَمَ وَلَا يَنْقُضُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْبَلْغَمُ فَغَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ إذَا مَلَأَ الْفَمَ وَالْخِلَافُ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْجَوْفِ أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطٌ وَأَمَّا الدَّمُ إذَا كَانَ غَلِيظًا جَامِدًا غَيْرَ سَائِلٍ لَا يَنْقُضُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ فَإِنْ كَانَ ذَائِبًا نَقَضَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَنْقُضُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ، وَصَحَّحَ فِي الْوَجِيزِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالْخِلَافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ، وَأَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَنَاقِضٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ شَرِبَ مَاءً فَقَاءَهُ صَافِيًا نُقِضَ وُضُوءُهُ. كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَإِنْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ لَمَلَأَ الْفَمَ فَالْمُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ وَتَفْسِيرُ اتِّحَادِ السَّبَبِ إذَا قَاءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ مِنْ الْغَثَيَانِ فَهُوَ مُتَّحِدٌ، وَإِنْ قَاءَ ثَانِيًا بَعْدَ سُكُونِ النَّفْسِ فَهُوَ مُخْتَلِفٌ.
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى مَسْأَلَةٌ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ الْمَجْلِسَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ اتِّحَادَ السَّبَبِ وَهِيَ إذَا نَزَعَ خَاتَمًا مِنْ أُصْبُعِ النَّائِمِ ثُمَّ أَعَادَهُ فَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ النَّوْمَةَ الْأُولَى حَتَّى إنَّهُ لَوْ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعِهِ فَأَعَادَهُ فِي أُصْبُعِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ حَتَّى إنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ، قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ نَزَعَ خَاتَمًا مِنْ أُصْبُعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي ذَلِكَ النَّوْمِ يَبْرَأُ إجْمَاعًا وَإِنْ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهُ ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعِهِ فَأَعَادَهُ فِي النَّوْمَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَبْرَأُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَبَهَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى نَامَ لَمْ يَبْرَأْ بِالرَّدِّ إلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى النَّائِمِ وَقَدْ وُجِدَ وَهُنَا لَمَّا اسْتَيْقَظَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مُسْتَيْقِظٍ فَلَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إلَى نَائِمٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ نَوْمُهُ وَيَقَظَتُهُ فَإِنْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَرَدَّهُ وَهُوَ نَائِمٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ إجْمَاعًا لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَالسَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ النَّاقِضُ الْحَقِيقِيُّ وَهَذَا النَّاقِضُ الْحُكْمِيُّ وَهَلْ النَّوْمُ حَدَثٌ أَمْ لَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَدَثًا اسْتَوَى وُجُودُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَكِنَّا نَقُولُ الْحَدَثُ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ، وَقَوْلُهُ وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا هَذَا إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهَا كَالْمَرِيضِ إذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ أَيْضًا وَبِهِ نَأْخُذُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَنْقُضُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُتَّكِئًا) أَيْ عَلَى أَحَدِ وِرْكَيْهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) الِاسْتِنَادُ هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ، وَلَوْ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَامَ لَمْ يُنْقَض وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُثْبِتًا مَقْعَدَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبِيًا وَرَأْسُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يُنْقَضُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونُ) الْإِغْمَاءُ آفَةٌ تَعْتَرِي الْعَقْلَ وَتَغْلِبُهُ وَالْجُنُونُ آفَةٌ تَعْتَرِي الْعَقْلَ وَتَسْلُبُهُ، وَيُقَالُ الْإِغْمَاءُ آفَةٌ تُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا تُزِيلُ الْحِجَا وَهُوَ الْعَقْلُ وَالْجُنُونُ آفَةٌ تُزِيلُ الْحِجَا وَلَا تُزِيلُ الْقُوَى وَهُمَا حَدَثَانِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَكَذَا السُّكْرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَالسَّكْرَانُ هُوَ الَّذِي تَخْتَلُّ مِشْيَتُهُ وَلَا يَعْرِفُ الْمَرْأَةَ مِنْ الرَّجُلِ، وَقَوْلُهُ وَالْجُنُونُ بِالرَّفْعِ وَلَا يَجُوزُ خَفْضُهُ بِالْعَطْفِ عَلَى الْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَكْسُهُ وَيَجُوزُ خَفْضُهُ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) سَوَاءٌ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوْ لَمْ تَبْدُ وَسَوَاءٌ قَهْقَهَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا مُتَوَضِّئًا أَوْ مُتَيَمِّمًا وَلَا يَبْطُلُ طَهَارَةُ الْغُسْلِ وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجَارِهِ وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جَارِهِ وَهُوَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَهُوَ لَا يُفْسِدُهُمَا جَمِيعًا وَقَهْقَهَةُ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَتُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَلَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَهْقَهَ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ وَقَهْقَهَةُ الصَّبِيِّ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا وَتُفْسِدُ صَلَاتَهُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى، وَالْبَاقِي فِي الْحَدَثِ إذَا جَاءَ مُتَوَضِّئًا وَقَهْقَهَ فِي الطَّرِيقِ تُفْسِدُ صَلَاتَهُ وَلَا تَنْقُضُ وُضُوءَهُ وَإِذَا اغْتَسَلَ الْجُنُبُ وَصَلَّى وَقَهْقَهَ لَا يَبْطُلُ الْغُسْلُ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ طَهَارَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ، وَقَوْلُهُ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَهْقَهَ فِيهِمَا لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ
الجزء 1 · صفحة 10
وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَسَجْدَتُهُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يَحْنَثُ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْغُسْلِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) يَعْنِي الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُنَّتَانِ.
(قَوْلُهُ وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ) السَّائِرُ الْبَاقِي وَمِنْهُ السُّؤْرُ الَّذِي يُبْقِيهِ الشَّارِبُ وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْغَدِيرِ الْعَظِيمِ أَوْ الْمَاءِ الْجَارِي انْغِمَاسَةً وَاحِدَةً وَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ أَجْزَأَهُ وَكَذَا إذَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ وَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ اغْتَسَلَ الْأَقْلَفُ وَلَمْ يَصِل الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهَا خِلْقَةٌ وَلَوْ اغْتَسَلَتْ الْمَرْأَةُ وَتَحْتَ أَظْفَارِهَا عَجِينٌ قَدْ يَبِسَ وَجَفَّ وَلَمْ يَصِل الْمَاءُ إلَى تَحْتُ وَجَبَ عَلَيْهَا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهَا وَسَخٌ فَإِنَّهُ يُجْزِيهَا مِنْ غَيْرِ إزَالَتِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ قِشْرُ سَمَكٍ أَوْ خُبْزٍ مَمْضُوغٍ مُتَلَبِّدٍ وَجَبَ إزَالَتُهُ، وَكَذَا الْخِضَابُ الْمُتَجَسِّدُ وَالْحِنَّاءُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْغُسْلَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا أَرْبَعَةٌ فَرِيضَةٌ وَهُوَ الْغُسْلُ مِنْ الْإِيلَاجِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ إذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَالثَّانِي الْغُسْلُ مِنْ الْإِنْزَالِ عَنْ شَهْوَةٍ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ إتْيَانِ بَهِيمَةٍ أَوْ مُعَالَجَةِ الذَّكَرِ بِالْيَدِ أَوْ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْقُبْلَةِ أَوْ بِاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَالثَّالِثُ الْغُسْلُ مِنْ الْحَيْضِ وَالرَّابِعُ الْغُسْلُ مِنْ النِّفَاسِ وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُ سُنَّةٌ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَغُسْلُ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامَ حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ وَغُسْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَغُسْلَانِ وَاجِبَانِ غُسْلُ الْمَوْتَى وَغُسْلُ النَّجَاسَةِ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي الْمُغَلَّظَةِ وَرُبُعِ الثَّوْبِ فِي الْمُخَفَّفَةِ وَغُسْلٌ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ غُسْلُ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَةِ إذَا أَسْلَمَا وَالصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إذَا أَدْرَكَا بِالسِّنِّ وَكَذَا الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَّةُ الْغُسْلِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ) سَمَّاهُ مُغْتَسِلًا؛ لِأَنَّهُ قَرُبَ مِنْ الِاغْتِسَالِ كَمَا قُلْنَا إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّيَّةِ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ نَوَيْتُ الْغُسْلَ لِرَفْعِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ يَسْتَنْجِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ
(قَوْلُهُ: وَيُزِيلُ نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ مُعَرَّفًا بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ إلَّا أَنَّ النَّكِرَةَ أَحْسَنُ وَإِنَّمَا قَالَ إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ وَلَمْ يَقُلْ إذَا كَانَتْ؛ لِأَنَّ إنْ تَدْخُلُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَإِذَا تَدْخُلُ عَلَى أَمْرٍ كَائِنٍ أَوْ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ وَالنَّجَاسَةُ قَدْ تُوجَدُ وَقَدْ لَا تُوجَدُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا رِجْلَيْهِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِسَالَةَ تُعْدِمُ الْمَسْحَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْسَحُهُ وَقَوْلُهُ إلَّا رِجْلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ قَبْقَابٍ أَوْ حَجَرٍ لَا يُؤَخِّرُ غَسْلَهُمَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا) الْأُولَى فَرْضٌ وَالثِّنْتَانِ سُنَّتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَجِبُ أَنْ يُوصِلَ الْمَاءَ إلَى جَمِيعِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَمَعَاطِفِ بَدَنِهِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَهُوَ عَلَى جَنَابَتِهِ حَتَّى يَغْسِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَإِنْ كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ ضَيِّقٌ حَرَّكَهُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ فَالتَّخْلِيلُ فَرْضٌ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) هَذَا إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَدْ غَسَلَهُمَا عَقِيبَ مَسْحِ رَأْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا. وَلَوْ تَقَاطَرَ الْمَاءُ فِي وَقْتِ الْغَسْلِ فِي الْإِنَاءِ إنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَفْسَدَهُ، وَحَدُّ الْقَلِيلِ مَا لَا يَنْفَرِجُ مَاءُ الْإِنَاءِ عِنْدَ وُقُوعِهِ وَلَا يَسْتَبِينُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَهُوَ قَلِيلٌ وَإِلَّا فَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 11
كَثِيرٌ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الْغُسْلِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ الشَّعْرِ) وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ النَّقْضُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي الْجَنَابَةِ وَفِي تَخْصِيصِ الْمَرْأَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ النَّقْضُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّهِ، وَلَوْ أَلْزَقَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا بِالطِّيبِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَجَبَ عَلَيْهَا إزَالَتُهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى أُصُولِهِ فَإِنْ احْتَاجَتْ الْمَرْأَةُ إلَى شِرَاءِ الْمَاءِ لِلِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ إنْ كَانَتْ غَنِيَّةً فَثَمَنُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَعَلَى الزَّوْجِ، وَقِيلَ يُقَالُ لَهُ إمَّا أَنْ تَدَعَهَا تَذْهَبُ إلَى الْمَاءِ أَوْ تَنْقُلَهُ أَنْتَ إلَيْهَا.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلشُّرْبِ وَأَمَّا ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ فَعَلَى الزَّوْجِ إجْمَاعًا وَثَمَنُ مَاءِ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ إنْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَعَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ فَعَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى وَطْئِهَا دُونَ الِاغْتِسَالِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُحْتَاجَةَ إلَيْهِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ.
[مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ]
(قَوْلُهُ: وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ إلَى آخِرِهِ) هَذِهِ الْمَعَانِي مُوجِبَةٌ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْغُسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُضُهُ فَكَيْفَ تُوجِبُهُ وَإِنَّمَا سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ مَعَ الْجَنَابَةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فَشُرُوطٌ وَلَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ وَالْمَنِيُّ خَاثِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَيُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ وَرَائِحَتُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ وَعِنْدَ يُبْسِهِ كَرَائِحَةِ الْبَيْضِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ) هَذَا بِإِطْلَاقِهِ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ ذَلِكَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا سَبَبَ الْغُسْلِ خُرُوجَهُ عَنْ شَهْوَةٍ وَلَمْ يَجْعَلَا الدَّفْقَ شَرْطًا حَتَّى إنَّهُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ وَجَبَ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ أَيْضًا عِنْدَ خُرُوجِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ أَيْ نَزَلَ مُتَتَابِعًا وَلَوْ احْتَلَمَ أَوْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَانْفَصَلَ الْمَنِيُّ مِنْهُ بِشَهْوَةٍ فَلَمَّا قَارَبَ الظُّهْرَ شَدَّ عَلَى ذَكَرِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ تَرَكَهُ فَسَالَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَجَبَ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ، وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ الْمُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ أَوْ يَنَامَ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِي الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْغُسْلِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْبَوْلِ أَوْ النَّوْمِ لَا يُعِيدُ إجْمَاعًا، وَلَوْ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ ذَكَرِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ الِاحْتِلَامَ فَإِنْ كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا قَبْلَ النَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَفِي الْخُجَنْدِيِّ إنْ كَانَ مَنِيًّا وَجَبَ الْغُسْلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ وَدْيًا لَا يَجِبُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَذْيًا وَجَبَ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الِاحْتِلَامَ.
(قَوْلُهُ: وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) أَيْ مَعَ تَوَارِي الْحَشَفَةِ فَإِنَّ تَيَقُّنَ مُلَاقَاةِ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ تَوَارٍ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْمُرَادُ بِالْتِقَائِهِمَا مُحَاذَاتُهُمَا وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ كُلِّهَا وَفِي قَوْلِهِ وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ وَبِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ، كَمَا قَالَ حَافِظُ الدِّينِ فِي الْكَنْزِ كَانَ أَحْسَنَ وَأَعَمَّ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاجَ فِي الدُّبُرِ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَيْسَ هُنَاكَ خِتَانَانِ يَلْتَقِيَانِ وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِ مِقْدَارِهَا مِنْ الذَّكَرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا دَامَ بَاقِيَيْنِ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ هَلْ يَجِبُ الْغُسْلُ بِالِانْقِطَاعِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ بِالِانْقِطَاعِ لَا غَيْرُ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفَائِدَتُهُ إذَا انْقَطَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَخَّرَتْ الْغُسْلَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ تَأْثَمُ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لَا تَأْثَمُ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ وَلَوْ أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ حَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْغُسْلُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجَنَابَةُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَفَائِدَتُهُ أَنَّهَا إذَا حَلَفَتْ لَا تَغْتَسِلُ مِنْ هَذِهِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ حَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ بَعْدَ الطُّهْرِ حَنِثَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَحْنَثُ، وَإِنْ
الجزء 1 · صفحة 12
اغْتَسَلَتْ قَبْلَ أَنْ تُطَهِّرَهُ مِنْ الْحَيْضِ حَنِثَتْ إجْمَاعًا.
[الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ]
(قَوْلُهُ: «وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ» ) سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَكَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ غُسْلُ الْجُمُعَةِ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلْيَوْمِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لِلصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ لِلْيَوْمِ وَفَائِدَتُهُ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى صَلَّى الْجُمُعَةَ يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ لَا وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ يَكُونُ آتِيًا بِهَا عِنْدَ الْحَسَنِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ اغْتَسَلَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَنَالُ فَضِيلَةَ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ تَنَالُهَا وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَغَسْلُ الْمَيِّتِ وَغَسْلُ الثَّوْبِ بِفَتْحِهَا وَضَابِطُهُ أَنَّك إذَا أَضَفْت إلَى الْمَغْسُولِ فَتَحْتَ وَإِذَا أَضَفْت إلَى غَيْرِهِ ضَمَمْتَ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ) الْمَذْيُ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْوَدْيُ مَاءٌ أَصْفَرُ غَلِيظٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ وَكِلَاهُمَا بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَقَوْلُهُ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ اُسْتُفِيدَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَلِمَ أَعَادَهُمَا قُلْنَا إنَّمَا دَخَلَا هُنَاكَ ضِمْنًا لَا قَصْدًا وَمِنْ الْأَشْيَاءِ مَا يَدْخُلُ ضِمْنًا وَلَا يَدْخُلُ قَصْدًا كَبَيْعِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَإِنْ قُلْت وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْوُضُوءُ مِنْ الْوَدْيِ وَهُوَ قَدْ وَجَبَ بِالْبَوْلِ السَّابِقِ قُلْت يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ إذَا أَوْدَى يَتَوَضَّأُ وَيَكُونُ وُضُوءُهُ مِنْ الْوَدْيِ خَاصَّةً وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِيمَنْ بَالَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْدَى فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْوَدْيِ.
(قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ مِنْ الْأَحْدَاثِ إلَى آخِرِهِ) طَهَارَةُ الْأَحْدَاثِ هِيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ الْأَحْدَاثِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ) وَلَمْ يَقُلْ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْمِيَاهُ أَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتَضَيَّقْ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ وَقَوْلُهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ لَيْسَ هُوَ عَلَى التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُزِيلًا لِلْأَحْدَاثِ كَانَ مُزِيلًا لِلْأَنْجَاسِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَمَاءُ الْبِحَارِ) إنَّمَا قَالَ وَمَاءُ الْبِحَارِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْبِحَارُ رَدًّا لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ حَتَّى حَكَى جَابِرٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرَةِ وَالثَّمَرِ) بِالْقَصْرِ عَلَى أَنَّ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ بِمَعْنَى الْمُمَدَّدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ هُوَ الْمَوْصُولُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالِاعْتِصَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَالَ بِنَفْسِهِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا أَنَّ الْحَلْوَانِيَّ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَاءُ الشَّجَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ أَوْ بِالْأَوْصَافِ فَفِي الْهِدَايَةِ بِالْأَجْزَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ اللَّوْنَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ الْأَجْزَاءَ وَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِالْأَوْصَافِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْمُخَالِطَ إذَا كَانَ مَائِعًا فَمَا دُونَ النِّصْفِ جَائِزٌ فَإِنْ كَانَ النِّصْفَ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ الْأَوْصَافَ إنْ غَيَّرَ الثَّلَاثَةَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ غَيَّرَ وَاحِدًا جَازَ وَإِنْ غَيَّرَ اثْنَيْنِ فَكَذَا لَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ مَائِعًا جِنْسُهُ جِنْسُ الْمَاءِ كَمَا الدُّبَّاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ غَيْرَ جِنْسِ الْمَاءِ كَاللَّبَنِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَوْصَافِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّيْخُ اخْتَارَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ حَيْثُ قَالَ فَغَيَّرَ أَحَدَ
الجزء 1 · صفحة 13
أَوْصَافِهِ.
(قَوْلُهُ: فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ) وَطَبْعُهُ الرِّقَّةُ وَالسَّيَلَانُ وَتَسْكِينُ الْعَطَشِ.
(قَوْلُهُ: كَالْأَشْرِبَةِ) أَيْ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الثِّمَارِ كَشَرَابِ الرُّمَّانِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ رَاعَى فِي هَذَا صُنْعَهُ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ، فَقَوْلُهُ اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ لَفٌّ وَكَذَا بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَفٌّ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ كَالْأَشْرِبَةِ تَفْسِيرٌ لِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ، وَقَوْلُهُ كَالْخَلِّ إنْ كَانَ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ فَهُوَ مِمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إنْ كَانَ خَالِصًا فَهُوَ مِمَّا اُعْتُصِرَ مِنْ الثَّمَرِ وَقَوْلُهُ وَالْمَرَقُ تَفْسِيرٌ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73] ، فَقَوْلُهُ {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [القصص: 73] ، رَاجِعٌ إلَى اللَّيْلِ {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73] رَاجِعٌ إلَى النَّهَارِ.
(قَوْلُهُ: وَمَاءُ الْبَاقِلَاءِ) الْمُرَادُ الْمَطْبُوخُ بِحَيْثُ إذَا بَرَدَ ثَخُنَ، وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ، وَالْبَاقِلَاءُ هُوَ الْفُولُ إذَا شَدَّدْت اللَّامَ قَصَرْت وَإِذَا خَفَّفْتهَا مَدَدْتَ الْوَاحِدَةُ بَاقِلَّاةٌ وَبَاقِلَاةٌ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ
(قَوْلُهُ: وَمَاءُ الزَّرْدَجِ) ذَكَرَهُ مِنْ قَسِيمِ الْمَرَقِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِسْمٌ مِنْهُ وَمَاءُ الذَّرْدَجِ هُوَ مَاءُ الْعُصْفُرِ الْمَنْقُوعِ فَيُطْرَحُ وَلَا يُصْبَغُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) الْأَوْصَافُ ثَلَاثَةٌ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ فَإِنْ غَيَّرَ وَصْفَيْنِ فَعَلَى إشَارَةِ الشَّيْخِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَجُوزُ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ الثَّلَاثَةُ بِوُقُوعِ أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ فِيهِ فِي وَقْتِ الْخَرِيفِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الْمَيْدَانِيُّ يَجُوزُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَغْلُوبًا كَانَ مُقَيَّدًا
(قَوْلُهُ: كَمَاءِ الْمَدِّ) هُوَ السَّيْلُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِغُثَاءٍ وَأَشْجَارٍ وَأَوْرَاقٍ وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِطُولِ الزَّمَانِ أَوْ بِالطُّحْلُبِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الَّذِي يَخْتَلِطُ بِهِ الْأُشْنَانُ وَالصَّابُونُ وَالزَّعْفَرَانُ) لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَاخْتِلَاطُ الْقَلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَكَذَا إذَا اخْتَلَطَ الزَّاجُّ بِالْمَاءِ حَتَّى اسْوَدَّ فَهُوَ عَلَى هَذَا.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ) وَكَذَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْجَارِي أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَالْغَدِيرِ الْعَظِيمِ
(قَوْلُهُ: قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا) أَيْ قَلِيلًا كَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي أَوْ كَثِيرًا كَالْغَدِيرِ فَيَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِحِفْظِ الْمَاءِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَقَالَ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» ) أَيْ الرَّاكِدِ «وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» ) إنَّمَا قَالَ أَمَرَ وَهُوَ نَهْيٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ الْمُسْتَعْمَلَ بِالْبَوْلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ كَالْبَوْلِ فِيهِ فَيُجَابُ عَنْهُ أَنَّ صَاحِبَ الْجَنَابَةِ لَا يَخْلُو بَدَنُهُ
الجزء 1 · صفحة 14
عَنْ نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ عَادَةً وَالْعَادَةُ كَالْمُتَيَقَّنِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ) يَعْنِي فِي مَكَان طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ) حَدُّ الْجَارِي مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةٍ وَلَوْ جَلَسَ النَّاسُ صُفُوفًا عَلَى شَطِّ نَهْرٍ وَتَوَضَّئُوا مِنْهُ جَازَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْمَاءِ الْجَارِي يَغْتَسِلُ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ جَنَابَةٍ هَلْ يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ أَسْفَلَ مِنْهُ قَالَ نَعَمْ
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) الْأَثَرُ هُوَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ دَابَّةً مَيِّتَةً إنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَكْثَرِهَا أَوْ نِصْفِهَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَقَلِّهَا وَأَكْثَرُهُ يَجْرِي عَلَى مَكَان طَاهِرٍ وَلِلْمَاءِ قُوَّةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ وَشَرْحُ ابْنِ أَبِي عَوْفٍ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً كَدَابَّةٍ مَيِّتَةً لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ مِمَّا قَرُبَ مِنْهَا وَيَجُوزُ مِمَّا بَعْدَهُ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ خَاصَّةً، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ أَسْفَلِهَا أَصْلًا وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَتْ الْمَيِّتَةُ شَاغِلَةً لِبَعْضِ النَّهْرِ جَازَ الْوُضُوءُ مِمَّا بَعُدَ وَلَا يَجُوزُ مِمَّا قَرُبَ، وَيُعْرَفُ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي الْمَاءِ صَبْغٌ فَمَا بَلَغَ الصَّبْغُ مِنْ جِرْيَةِ الْمَاءِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الطَّهَارَةُ وَيَصِحُّ مِمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ شَاغِلَةً لِكُلِّ النَّهْرِ أَوْ لِأَكْثَرِهِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ مِمَّا سَفَلَ مِنْهَا أَصْلًا وَيَصِحُّ مِنْ أَعْلَاهَا، وَإِنْ شَغَلَتْ نِصْفَ النَّهْرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ
(قَوْلُهُ: وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ إلَى آخِرِهِ) التَّحْرِيكُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ بِالِاغْتِسَالِ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَا بِالتَّوَضُّؤِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْغُدْرَانِ أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى التَّوَضُّؤِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ غَالِبًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَدْنَى مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَرَكَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَضُّؤِ، وَصَحَّحَ فِي الْوَجِيزِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى التَّوَضُّؤِ أَكْثَرُ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى الِاغْتِسَالِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْغَدِيرِ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحَرُّكِ الْآخَرِ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِالْمِسَاحَةِ بِأَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ طُولًا فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً فِي الْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّينَ وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سَبْعُ قَبْضَاتٍ وَهُوَ أَقْصَرُ مِنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَبْضَةٍ فَإِنْ كَانَ الْغَدِيرُ مُثَلَّثًا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جَانِبٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَخُمُسَ ذِرَاعٍ وَمِسَاحَتُهُ أَنْ تَضْرِبَ جَوَانِبَهُ فِي نَفْسِهِ يَكُونُ ذَلِكَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدًا وَثَلَاثِينَ وَجُزْءًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ ذِرَاعٍ وَتَأْخُذَ ثُلُثَ ذَلِكَ وَعُشْرَهُ فَهُوَ الْمِسَاحَةُ فَثُلُثُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ يَكُونُ سَبْعَةً وَسَبْعِينَ وَعُشْرُهُ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 15
التَّقْرِيبِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرِينَ فَذَلِكَ مِائَةٌ وَشَيْءٌ قَلِيلٌ لَا يَبْلُغُ عُشْرَ ذِرَاعٍ، وَإِنْ كَانَ مُدَوَّرًا اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ قُطْرُهُ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَخُمُسَ ذِرَاعٍ وَدَوْرُهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا فَمِسَاحَتُهُ أَنْ يُضْرَبَ نِصْفُ الْقُطْرِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَعُشْرٌ فِي نِصْفِ الدَّوْرِ وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَكُونُ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ ذِرَاعٍ، وَأَمَّا حَدُّ الْعُمْقِ فَالْأَصَحُّ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ الْأَرْضُ بِالِاغْتِرَافِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيلَ مِقْدَارُ ذِرَاعٍ، وَقِيلَ مِقْدَارُ شِبْرٍ
(قَوْلُهُ: جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْأُخَرِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَنَجُّسِ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً أَوْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْبَلْخِيِّينَ إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً فَكَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْوَجِيزِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ) لِاتِّسَاعِهِ وَتَبَاعُدِ أَطْرَافِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ) أَيْ دَمٌ سَائِلٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ يُسَمَّى نَفْسًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ السُّيُوفِ تَسِيلُ
(قَوْلُهُ: إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ) تَقْيِيدُهُ بِالْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ يَطَّرِدُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّنَجُّسِ فِيهِ لِعَدَمِ الدَّمِ لَا لِلْمَعْدِنِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ خَارِجَ الْمَاءِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِيهِ لَا يُنَجِّسُهُ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقَارِبِ) الْبَقُّ كِبَارُ الْبَعُوضِ، وَقِيلَ الْكَتَّانُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الذُّبَابَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ وَالزَّنَابِيرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الذُّبَابَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَالزَّنَابِيرُ أَجْنَاسٌ شَتَّى وَسُمِّيَ ذُبَابًا؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ كُلَّمَا طُرِدَ رَجَعَ.
(قَوْلُهُ: وَمَوْتُ) (مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ) إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِوَالِدِهِ وَمَثْوَاهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ أَوْجَبَ التَّنَجُّسَ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ يَعِيشُ فِيهِ عَمَّا يَتَعَيَّشُ فِيهِ وَلَا يَتَنَفَّسُ فِيهِ كَطَيْرِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَقَيَّدَ بِالْمَاءِ إذْ لَوْ مَاتَ فِي غَيْرِهِ أَفْسَدَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ، وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ
(قَوْلُهُ: كَالسَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ) قَدَّمَ السَّمَكَ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْبَاقِي فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكَ وَالسَّرَطَانَ وَعَقْرَبَ الْبَحْرِ وَالسَّرَطَانُ هُوَ الْعِقَامُ وَالضِّفْدَعُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَنَاسٌ يَفْتَحُونَهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) قَيَّدَ بِالْأَحْدَاثِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْأَنْجَاسَ وَسَوَاءٌ تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ مِنْ جَنَابَةٍ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ وَيُكْرَهُ شُرْبُهُ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، حَتَّى لَوْ أَصَابَ الثَّوْبُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ لَا يُمْكِنُ حِفْظُهَا مِنْ يَسِيرِهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بَلْخِي وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِلْأَحْدَاثِ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا فِي كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا
(قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَعْمَلُ كُلُّ مَاءٍ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ
الجزء 1 · صفحة 16
وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرُ، فَقَوْلُهُ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ بِأَنْ تَوَضَّأَ مُتَبَرِّدًا أَوْ عَلَّمَ إنْسَانًا الْوُضُوءَ أَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ مِنْ وَسَخٍ أَوْ تُرَابٍ وَهُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ مُحْدِثٌ وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ بِأَنْ تَوَضَّأَ وَهُوَ طَاهِرٌ بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ إذَا تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ وَنَوَى الْقُرْبَةَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا إجْمَاعًا وَإِذَا تَوَضَّأَ الطَّاهِرُ وَلَمْ يَنْوِهَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إجْمَاعًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ الطَّاهِرُ وَنَوَاهَا صَارَ مُسْتَعْمَلًا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ إمَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ أَوْ يَرْفَعَ بِهِ الْحَدَثَ وَالرَّابِعَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ وَهِيَ مَا إذَا تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ وَلَمْ يَنْوِهَا، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَلَوْ كَانَ جُنُبًا وَاغْتَسَلَ لِلتَّبَرُّدِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَقَوْلُهُ فِي الْبَدَنِ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ غُسَالَةِ الْجَمَادَاتِ كَالْقُدُورِ وَالْقِصَاعِ وَالْحِجَارَةِ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا.
وَكَذَا إذَا غَسَلَ ثَوْبًا مِنْ الْوَسَخِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا وَإِذَا غَسَلَ يَدَهُ لِلطَّعَامِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ كَانَ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ تَقَرُّبٌ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ» يَعْنِي الْجُنُونَ، وَقِيلَ لِلطَّعَامِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَمِنْهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) الْإِهَابُ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ فَإِذَا دُبِغَ سُمِّيَ أَدِيمًا وَكُلُّ جِلْدٍ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَمَا لَا فَلَا،.
وَفِي الْهِدَايَةِ مَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ وَكَذَا لَحْمُهُ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا.
وَفِي الْفَتَاوَى الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ نَجِسَ السُّؤْرِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ إنَّمَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ إذَا وُجِدَتْ الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ بِأَنْ كَانَ الْمُذَكِّي مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ بِالتَّسْمِيَةِ أَمَّا إذَا كَانَ مَجُوسِيًّا فَلَا بُدَّ فِي الْجِلْدِ مِنْ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ أَمَانَةٌ لَا ذَكَاةٌ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَقَمِيصُ الْحَيَّةِ طَاهِرٌ كَذَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَجِلْدُهَا نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهَا وَقَوْلُهُ دُبِغَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَسْتَوِي أَنْ يَكُونَ الدَّابِغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوَ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً وَجِلْدُ الْكَلْبِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَطْهُرُ وَفِي رِوَايَةٍ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَالدِّبَاغُ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌّ كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَحُكْمِيٌّ كَالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ فَإِنْ عَاوَدَ الْمَدْبُوغَ بِالْحُكْمِ الْمَاءُ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَعُودُ نَجِسًا وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَعُودُ نَجِسًا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ
(قَوْلُهُ: وَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ) وَكَذَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَنْ يَلْبَسَهُ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَطْهِيرِ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ فَلِمَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا قِيلَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَكَمَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ فَكَذَا بِالذَّكَاةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إهَانَةٍ وَفِي مَوْضِعِ الْإِهَانَةِ يُقَدَّمُ الْمُهَانُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} [الحج: 40] ، فَقَدَّمَ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ عَلَى الْمَسَاجِدِ لِأَجْلِ ذِكْرِ الْهَدْمِ؛ لِأَنَّهُ إهَانَةٌ الْبِيَعُ جَمْعُ بِيعَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهِيَ لِلنَّصَارَى وَالصَّوَامِعُ لِلصَّابِئِينَ وَالصَّلَوَاتُ كَنَائِسُ الْيَهُودِ وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ صَلَوَاتٍ وَالْفِيلُ كَالْخِنْزِيرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَعِظَامُهُ نَجِسَةٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ عِظَامِهِ وَيَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغَةِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرَانِ) أَرَادَ مَا سِوَى الْخِنْزِيرِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ رُطُوبَةٌ وَرَخَّصَ فِي شَعْرِهِ لِلْخَرَّازِينَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَهُمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَرِهَهُ أَيْضًا لَهُمْ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَالرِّيشُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالْقَرْنُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْحَافِرُ كُلُّ هَذِهِ طَاهِرَةٌ مِنْ الْمَيْتَةِ سِوَى الْخِنْزِيرِ وَهَذَا إذَا كَانَ الشَّعْرُ مَحْلُوقًا أَوْ مَجْزُورًا فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْتُوفًا فَهُوَ نَجِسٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَظُفْرِهِ وَعَظْمِهِ رِوَايَتَانِ فَبِنَجَاسَتِهِ أَخَذَ الْمَاتُرِيدِيُّ وَبِطَهَارَتِهِ أَخَذَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ وَاعْتَمَدَهَا الْكَرْخِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا نَجِسٌ، وَعِنْدَ مَالِكٍ عَظْمُهَا نَجِسٌ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ
الجزء 1 · صفحة 17
الشَّيْخُ بَيْضَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا فَنَقُولُ الدَّجَاجَةُ إذَا مَاتَتْ وَخَرَجَتْ مِنْهَا بَيْضَةٌ بَعْدَ مَوْتِهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ يَحِلُّ أَكْلُهَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ اشْتَدَّ قِشْرُهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّهَا الْمَوْتُ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ اشْتَدَّ قِشْرُهَا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ فَهِيَ نَجِسَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ مَاتَتْ شَاةٌ فَخَرَجَ مِنْ ضَرْعِهَا لَبَنٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ طَاهِرٌ يَحِلُّ شُرْبُهُ وَلَا يَتَنَجَّسُ الْوِعَاءُ وَعِنْدَهُمَا هُوَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ إلَّا أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ فَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ نَجِسٌ فَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَإِنْ مَاتَ جَدْيٌ فَمِنْفَحَتُهُ طَاهِرَةٌ يَجُوزُ أَكْلُ مَا فِي جَوْفِهَا سَوَاءٌ كَانَ مَائِعًا أَوْ جَامِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مَائِعًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا وَغُسِلَ جَازَ أَكْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالْإِنْفَحَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً كَرِشُ الْجَدْيِ مَا لَمْ يَأْكُلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا) (وَقَعَ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ) أَيْ مَائِعَةٌ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ
(قَوْلُهُ: نُزِحَتْ) يَعْنِي الْبِئْرَ وَالْمُرَادُ مَاؤُهَا ذَكَرَ الْمَحَلَّ وَأَرَادَ بِهِ الْحَالَ كَمَا يُقَالُ جَرَى النَّهْرُ وَسَالَ الْمِيزَابُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]
(قَوْلُهُ: وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ الْوَحْلُ وَالْأَحْجَارُ وَالدَّلْوُ وَالرَّشَا وَيَدُ النَّازِحِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ إلَى آخِرِهِ) إنَّمَا يَكُونُ النَّزَحُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ أَمَّا مَا دَامَتْ فِيهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ النَّزَحِ.
(قَوْلُهُ أَوْ سَامٌّ أَبْرَصُ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْوَزَغُ الْكَبِيرُ وَهُمَا اسْمَانِ جُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا فَإِنْ شِئْتَ أَعْرَبْتَ الْأَوَّلَ وَأَضَفْتَ إلَى الثَّانِي، وَإِنْ شِئْت بَنَيْت الْأَوَّلَ عَلَى الْفَتْحِ وَأَعْرَبْت الثَّانِيَ بِإِعْرَابِ مَا لَا يَنْصَرِفُ، وَإِنْ شِئْت بَنَيْتهمَا جَمِيعًا عَلَى الْفَتْحِ مِثْلُ خَمْسَةَ عَشَرَ
(قَوْلُهُ: نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ) الْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالْعَشَرَةُ بِطُرُقِ الِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْفَأْرَةُ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ وَلَا مَجْرُوحَةً أَمَّا إذَا كَانَ كَذَلِكَ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ، وَإِنْ خَرَجَتْ حَيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَبُولُ إذَا كَانَتْ هَارِبَةً وَكَذَا الْهِرَّةُ إذَا كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْكَلْبِ أَوْ مَجْرُوحَةً يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ وَالدَّمَ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ وَحُكْمُ الْفَأْرَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ كَالْوَاحِدَةِ وَالْخَمْسِ كَالْهِرَّةِ إلَى التِّسْعِ وَالْعَشْرِ كَالْكَلْبِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الثَّلَاثُ كَالْهِرَّةِ وَالسِّتُّ كَالْكَلْبِ إلَى التِّسْعِ، وَكَذَلِكَ الْعُصْفُورُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَأَمَّا فَأْرَتَانِ فَكَفَأْرَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْهِرَّتَيْنِ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ إجْمَاعًا وَمَا كَانَ بَيْنَ الْفَأْرَةِ وَالْهِرَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَأْرَةِ وَمَا كَانَ بَيْنَ الْهِرَّةِ وَالْكَلْبِ كَالْهِرَّةِ وَهَكَذَا أَبَدًا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْغَرِ وَلَوْ أَنَّ هِرَّةً أَخَذَتْ فَأْرَةً فَوَقَعَتَا جَمِيعًا فِي الْبِئْرِ إنْ كَانَتْ الْهِرَّةُ حَيَّةً وَالْفَأْرَةُ مَيِّتَةً نُزِحَ عِشْرُونَ، وَإِنْ كَانَتَا مَيِّتَتَيْنِ أَجْزَأَهُمْ نَزْحُ أَرْبَعِينَ وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، وَإِنْ كَانَتَا حَيَّتَيْنِ أُخْرِجَتَا وَلَا يُنْزَحُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ مَجْرُوحَةً أَوْ بَالَتْ نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ وَهَلْ تَطْهُرُ الْبِئْرُ بِالدَّلْوِ الْأَخِيرِ إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْمَاءِ أَوْ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالِانْفِصَالِ عَنْ الْمَاءِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا أَخَذَ مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَجِسٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ، وَلَوْ نَضَبَ مَاءُ الْبِئْرِ وَجَفَّتْ بَعْدَ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَبْلَ النَّزْحِ ثُمَّ عَادَ لَمْ تَطْهُرْ إلَّا بِالنَّزْحِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ حَتَّى لَوْ صَلَّى رَجُلٌ فِي قَعْرِهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ نَضَبَ الْمَاءُ وَلَمْ يَجِفَّ أَسْفَلُهَا حَتَّى عَاوَدَهَا الْمَاءُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّزْحِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ نَضَبَ الْمَاءُ أَيْ غَارَ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ وَجَبَ فِي الْبِئْرِ نَزْحُ عِشْرِينَ فَنُزِحَ عَشْرٌ وَنَفِدَ الْمَاءُ وَنَبَعَ غَيْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُمْ عَشَرَةٌ أُخْرَى تَتْمِيمًا لِلْوَظِيفَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُحْتَاجُ إلَى نَزْحِ شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى
الجزء 1 · صفحة 18
وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْمُتَابَعَةُ فِي النَّزْحِ أَمْ لَا عِنْدَنَا لَا يُشْتَرَطُ وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ يُشْتَرَطُ
(قَوْلُهُ: بِحَسَبِ كُبْرِ الْحَيَوَانِ وَصِغَرِهِ إلَى آخِرِهِ) الْكُبْرُ بِضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ لِلْجُثَّةِ وَكَذَا الصِّغَرُ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَسْكِينِ الْغَيْنِ وَأَمَّا بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَبِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ فَلِلسِّنِّ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ كَبِيرًا أَوْ الْبِئْرُ كَبِيرَةً فَالْعَشَرَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَالِاسْتِحْبَابُ دُونَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا فَخَمْسٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَخَمْسٌ دُونَهَا فِي الِاسْتِحْبَابِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ دَجَاجَةٌ أَوْ سِنَّوْرٌ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوٍ إلَى سِتِّينَ) إضْعَافًا لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فِي الْفَأْرَةِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ خَمْسُونَ دَلْوًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ إضْعَافًا لِلْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِحْبَابِ الدَّجَاجَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَهُوَ شَاذٌّ وَأَمَّا ضَمُّهَا فَخَطَأٌ وَفِي السِّنَّوْرَيْنِ وَالدَّجَاجَتَيْنِ وَالْحَمَامَتَيْنِ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ آدَمِيٌّ نُزِحَ جَمِيعُ مَائِهَا) مَوْتُ الْكَلْبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ خَرَجَ حَيًّا يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ وَكَذَا كُلُّ مَنْ سُؤْرُهُ نَجِسٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ يَجِبُ نَزْحُ الْكُلِّ وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا وَمَنْ سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ إذَا خَرَجَ حَيًّا فَالْمَاءُ مَكْرُوهٌ يُنْزَحُ مِنْهُ عَشْرُ دِلَاءٍ وَالشَّاةُ إذَا خَرَجَتْ حَيَّةً وَلَمْ تَكُنْ هَارِبَةً مِنْ السَّبُعِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَتْ هَارِبَةً يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ
(قَوْلُهُ: وَعَدَدُ الدِّلَاءِ يُعْتَبَرُ بِالدَّلْوِ الْوَسَطِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْآبَارِ) وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ بِدَلْوِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَلْوٌ يُتَّخَذُ لَهَا دَلْوٌ يَسَعُ صَاعًا
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ قَدْرُ مَا يَسَعُ مِنْ الدَّلْوِ الْوَسَطِ وَاحْتُسِبَ بِهِ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ قِلَّةِ التَّقَاطُرِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ تَكْرَارِ النَّزْحِ يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهَا فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْجَارِي وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِنَزْحِ الدَّلْوِ الْعَظِيمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قُلْنَا مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِدُونِ النَّزْحِ.
(قَوْلُهُ، وَإِنْ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ مَائِهَا صَغِيرًا كَانَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبِيرًا) وَكَذَا إذَا تَمَعَّطَ شَعْرُهُ الِانْتِفَاخُ أَنْ تَتَلَاشَى أَعْضَاؤُهُ وَالتَّفَسُّخُ أَنْ تَتَفَرَّقَ عُضْوًا عُضْوًا وَلَوْ قُطِعَ ذَنَبُ الْفَأْرَةِ وَأُلْقِيَ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ رُطُوبَةٍ فَإِنْ جُعِلَ عَلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ شَمْعَةٌ لَمْ يَجِبْ إلَّا مَا فِي الْفَأْرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا تُنْزَحُ وَقَدْ وَجَبَ نَزْحُ مَا فِيهَا أَخْرَجُوا مِقْدَارَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) وَفِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَحَدُهُمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَصْحَابِ الْبِئْرِ إذَا قَالُوا بَعْدَ النَّزْحِ مَا كَانَ فِي بِئْرِنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَالثَّانِي يَنْزِلُ الْبِئْرَ رَجُلَانِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ وَيَقُولَانِ بَعْدَ النَّزْحِ مَا كَانَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اعْتَبَرَ قَوْلَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا يُحْفَرُ حَفِيرَةٌ لِقَدْرِ طُولِ الْمَاءِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ وَتُجَصَّصُ بِحَيْثُ لَا يَنْشَفُ وَيُصَبُّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ، وَالثَّانِي يُجْعَلُ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلُ لِمَبْلَغِ الْمَاءِ عَلَامَةٌ فَيُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ مَثَلًا ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَ فَيُنْزَحُ لِكُلِّ
الجزء 1 · صفحة 19
قَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ عِشْرُونَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَا فِي الْمَتْنِ وَالثَّانِي مَا بَيْنَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَكَأَنَّهُ بَنَى جَوَابَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي آبَارِ بَلَدِهِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ وَالْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ يُكْتَفَى بِنَزْحِ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ وَلَا يُكْتَفَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا وُجِدَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ أَوْ غَيْرُهَا إلَى آخِرِهِ) مَيْتَةٌ بِالتَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ بِالتَّشْدِيدِ يُطْلَقُ عَلَى الْحَيِّ قَالَ اللَّهُ {إِنَّكَ مَيِّتٌ} [الزمر: 30] أَيْ سَتَمُوتُ وَمَا قَدْ مَاتَ يُقَالُ لَهُ مَيْتٌ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَنْ يَكُ ذَا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ... وَمَا الْمَيْتُ إلَّا مَنْ إلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ
(قَوْلُهُ: إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا) أَيْ وَهُمْ مُحْدِثُونَ
(قَوْلُهُ: وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا) أَيْ غَسَلُوا ثِيَابَهُمْ مِنْ نَجَاسَةٍ، أَمَّا إذَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَهُمْ مُتَوَضِّئُونَ أَوْ غَسَلُوا ثِيَابَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَإِنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ إجْمَاعًا كَذَا أَفَادَ شَيْخُنَا مُوَفَّقُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَارَّ صَارَ مَشْكُوكًا فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَإِذَا كَانُوا مُحْدِثِينَ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ حَدَثُهُمْ بِمَاءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَإِذَا كَانُوا مُتَوَضِّئِينَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِمَاءٍ مَشْكُوكٍ فِي نَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْإِصَابَةِ لَمْ يُعِدْ شَيْئًا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ بِمَرْأَى بَصَرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَإِذَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا عَلِمَ أَنَّهَا أَصَابَتْهُ لِلْحَالِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهَا غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِهِ، وَلَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَعَادَ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ) وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى رَأَى طَائِرًا فِي مِنْقَارِهِ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ أَلْقَاهَا فِي بِئْرٍ فَرَجَعَ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَةِ الْبِئْرِ فِيمَا مَضَى وَفِي شَكٍّ مِنْ نَجَاسَتِهَا الْآنَ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ قَدْ زَالَ هَذَا الشَّكُّ بِيَقِينِ النَّجَاسَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ وَلِأَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ فَيُحَالُ بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ فِي الْمَاءِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقُدِّرَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالِانْتِفَاخُ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَقُدِّرَ بِالثَّلَاثِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَسَّخُ.
(قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) السُّؤْرُ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ سُؤْرٌ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ وَسُؤْرٌ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ وَسُؤْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسُؤْرٌ مَكْرُوهٌ وَسُؤْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ أَمَّا الطَّاهِرُ فَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْكَافِرُ إلَّا سُؤْرَ شَارِبِ الْخَمْرِ وَمَنْ دَمِيَ فَاهُ إذَا شَرِبَ عَلَى فَوْرِهِمَا فَإِنَّهُ نَجِسٌ فَإِنْ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مِرَارًا طَهُرَ فَمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَكَذَا سُؤْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ كَلَبَنِهِ إلَّا الْإِبِلَ الْجَلَّالَةَ وَهِيَ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ فَإِنَّ سُؤْرَهَا مَكْرُوهٌ فَإِنْ كَانَتْ تُخْلَطُ وَأَكْثَرُ عَلَفِهَا عَلَفُ الدَّوَابِّ لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا النَّجِسُ فَسُؤْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ إلَّا أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ خِلَافُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ سَبْعًا عِنْدَهُ عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ النَّجَاسَةِ
(قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) قَدَّمَ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ لِمُوَافَقَةِ الشَّافِعِيِّ لَنَا فِيهِمَا وَأَخَّرَ السِّبَاعَ لِمُخَالَفَتِهِ لَنَا فِيهَا وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ مَا يَصْطَادُ بِنَابِهِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالثَّعْلَبِ وَالْفِيلِ وَالضَّبُعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَالسُّؤْرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ سُؤْرُ السِّبَاعِ فَعِنْدَنَا هُوَ نَجِسٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ طَاهِرٌ لَنَا أَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْأَلْبَانِ وَاللَّحْمِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْ سُؤْرِهَا فَكَانَ سُؤْرُهَا نَجِسًا كَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ «سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَوَاتِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالْكِلَابِ فَقَالَ لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ وَطَهُورٌ» فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ أَلَا تَرَاهُ ذَكَرَ الْكِلَابَ وَسُؤْرُهَا نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ نَجَاسَةَ سُؤْرِ السِّبَاعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ خَفِيفَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا
الجزء 1 · صفحة 20
غَلِيظَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خَفِيفَةٌ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأَمَّا السُّؤْرُ الْمَكْرُوهُ فَهُوَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ كَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ وَهِيَ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا كَالصَّقْرِ وَالْبَازِ وَالْعُقَابِ وَالْغُرَابِ الْأَسْوَدِ وَالْحَدَأَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ) أَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِهَا فَهُوَ قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَهَلْ كَرَاهِيَتُهُ عِنْدَهُمَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ الصَّحِيحُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيَةٍ.
وَفِي الْهِدَايَةِ كَرَاهِيَتُهُ لِحُرْمَةِ لَحْمِهَا وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْقُرْبِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيَةِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِهَا عِنْدَهُمَا إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ لَا يُكْرَهُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ سُؤْرُهَا نَجِسًا نَظَرًا إلَى اللَّحْمِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ بِالطَّوْفِ أَسْقَطَتْ ذَلِكَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» فَإِنْ لَحِسَتْ الْهِرَّةُ عُضْوَ إنْسَانٍ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِ عِنْدَهُمَا وَكَذَا إذَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ يُكْرَهُ أَكْلُ بَاقِيهِ قَالَ فِي الْكَامِلِ إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى بَدَلِهِ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ لَا يُكْرَهُ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَأْرَةً وَشَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهَا تَنَجَّسَ الْمَاءُ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لِغَسْلِ فَمِهَا بِلُعَابِهَا
(قَوْلُهُ: وَالدَّجَاجَةُ الْمُخَلَّاةُ) لِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَاتِ إذْ لَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمِهَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الطَّهَارَةُ نَظَرًا إلَى اللَّحْمِ بِخِلَافِ الْهِرَّةِ فَإِنَّهَا وَلَوْ حُبِسَتْ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ وَأَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَلِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ عَادَةً فَأَشْبَهَتْ الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ فَلَوْ حُبِسَتْ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ بِخِلَافِ الْهِرَّةِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا وَهُوَ لَحْمٌ وَالْعَظْمُ طَاهِرٌ بِخِلَافِ اللَّحْمِ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤْرُهَا نَجِسًا نَظَرًا إلَى اللَّحْمِ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ قِيلَ إنَّهَا تَشْرَبُ بِمَنَاقِيرِهَا وَالسِّبَاعُ بِأَلْسِنَتِهَا وَهِيَ رَطْبَةٌ بِلُعَابِهَا وَلِأَنَّ سِبَاعَ الطَّيْرِ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الضَّرُورَةُ فَإِنَّهَا تَنْقَضُّ مِنْ الْهَوَاءِ فَتَشْرَبُ فَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِمَا) وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ الْأَسْآرِ وَهَلْ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ أَوْ فِي طَهُورِيَّتِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا وَبِهَذَا قَطَعَ الصَّيْرَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَفْرِيعُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعِرْقَ وَاللُّعَابَ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ مَا لَمْ يُفْحِشْ لِلضَّرُورَةِ وَأَنَّ لَبَنَهُ نَجِسٌ حَتَّى لَوْ أَصَابَ الثَّوْبُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَلَا يَجُوزُ شُرْبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَفْرِيعُهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ لَبَنَهُ وَعِرْقَهُ طَاهِرٌ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي الْوَجِيزِ وَهَلْ يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ حُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ النَّجِسَ وَلَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ كَذَا فِي إيضَاحِ الصَّيْرَفِيِّ.
وَفِي الْهِدَايَةِ لَبَنُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ وَكَذَا عَرَقُهُ طَاهِرٌ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَمَّا عَرَقُهُ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا لَبَنُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الرِّوَايَةُ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ نَجَاسَتُهُ أَوْ تَسْوِيَةُ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ فِيهِ وَلَمْ يُرَجِّحْ جَانِبَ الطَّهَارَةِ أَحَدٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَبَنُ الْأَتَانِ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَعَرَقُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَسُؤْرُ الْبَغْلِ مِثْلُ سُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ مِنْ الْخَيْلِ وَأَبَاهُ مِنْ الْحَمِيرِ فَكَانَ كَسُؤْرِ فَرَسٍ خُلِطَ بِسُؤْرِ حِمَارٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَوَضَّأَ بِهِمَا وَتَيَمَّمَ وَأَيَّهُمَا قَدَّمَهُ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الِاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ وَلَنَا أَنَّ الْمَطَرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الْجَمْعَ دُونَ التَّرْتِيبِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ يُفِيدُ الْجَمْعَ أَيْ لَا تَخْلُو الصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْجَمْعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ أَيْضًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ فِي حَقِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَعَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى فِي رَجُلٍ لَمْ يَجِدْ إلَّا سُؤْرَ حِمَارٍ قَالَ
الجزء 1 · صفحة 21
يُهْرِيقُهُ حَتَّى يَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ فَعَرَضَ قَوْلَهُ عَلَى أَبِي قَاسِمٍ الصَّفَّارِ فَقَالَ هُوَ قَوْلٌ جَيِّدٌ.
وَفِي النَّوَادِرِ لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ أَصَابَ مَاءً طَاهِرًا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ الْمَاءُ وَمَعَهُ سُؤْرُ الْحِمَارِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُطَهَّرًا فَقَدْ تَوَضَّأَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ لَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَلَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَسُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولُ اللَّحْمِ عِنْدَهُمَا وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا طَاهِرٌ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ وَأَمَّا سُؤْرُ الْفِيلِ فَنَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ ذُو نَابٍ وَكَذَا سُؤْرُ الْقِرْدِ نَجِسٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ سُؤْرِهِ.
وَعَرَقُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَلُعَابُهُمَا إذَا وَقَعَا فِي الْمَاءِ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَلَكِنْ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ بِهِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ، وَإِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهِمَا أَوْ عَرَقِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ فَحُشَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَمْنَعُ إذَا فَحُشَ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَعِرْقُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
(بَابُ التَّيَمُّمِ) لَمَّا بَيَّنَ الشَّيْخُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَمَا يَنْقُضُهَا عَقَّبَهَا بِخَلَفِهَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ أَبَدًا يَقْفُوا الْأَصْلَ أَيْ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَهُ وَالتَّيَمُّمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّيَمُّمُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] أَيْ لَا تَقْصِدُوا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ طَاهِرٍ وَفِي مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَقِيلَ عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدٍ إلَى الصَّعِيدِ لِلتَّطْهِيرِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى اشْتَرَطَ اسْتِعْمَالَ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَالتَّيَمُّمُ بِالْحَجَرِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ اسْتِعْمَالُ جُزْئِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهُوَ مُسَافِرٌ) الْمُرَادُ مِنْ الْوُجُودِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى رَأْسِ بِئْرٍ بِغَيْرِ دَلْوٍ أَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَيْنٍ وَعَلَيْهَا عَدُوٌّ أَوْ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إلَيْهِ لَا يَكُونُ وَاجِدًا وَالْمُرَادُ أَيْضًا مِنْ الْوُجُودِ مَا يَكْفِي لِرَفْعِ حَدَثِهِ وَمَا دُونَهُ كَالْمَعْدُومِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا بِشَيْءٍ آخَرَ كَمَا إذَا خَافَ الْعَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ رَفِيقِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ كِلَابِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَوْ صَيْدِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي ثَانِي الْحَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَكَذَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلْعَجْنِ دُونَ اتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ رَفِيقَهُ الْمُخَالِطَ لَهُ أَوْ آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْمُسَافِرَ عَلَى الْمَرِيضِ وَفِي الْقُرْآنِ تَقْدِيمُ الْمَرِيضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] ، قِيلَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْمُسَافِرِ أَمَسُّ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَأَغْلَبُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ أَكْثَرُ مِنْ الْمَرْضَى وَإِنَّمَا قَدَّمَ فِي الْقُرْآنِ الْمَرِيضَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ وَشُرِعَتْ الرُّخْصَةُ مَرْحَمَةً لِلْعِبَادِ وَالْمَرِيضُ أَحَقُّ بِالْمَرْحَمَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ تَقْدِيرُهُ أَوْ فِي خَارِجِ الْمِصْرِ أَيْ فِي مَكَان خَارِجَ الْمِصْرِ وَسَوَاءٌ فِي كَوْنِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لِلِاحْتِطَابِ أَوْ لِلِاحْتِشَاشِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ سِوَى الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: خَوْفُ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ صَلَاةِ الْعِيدِ، أَوْ خَوْفِ الْجُنُبِ مِنْ الْبَرْدِ وَعَنْ السُّلَمِيِّ جَوَازُ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْمِصْرَ لَا يَخْلُو عَنْ الْمَاءِ
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ الْمِيلِ أَوْ أَكْثَرُ) التَّقْيِيدُ بِالْمِصْرِ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْمُرَادُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمِيلِ هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَاءُ أَمَامَهُ فَمِيلَانِ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ يَمِينَهُ أَوْ يَسَارَهُ فَمِيلٌ.
وَقَالَ زُفَرُ إنْ كَانَ بِحَالٍ يَصِلُ إلَى الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِلَّا فَيَجُوزُ، وَإِنْ قَرُبَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَتَوَضَّأَ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ وَتَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا وَالْمِيلُ أَلْفُ خُطْوَةٍ لِلْبَعِيرِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ فَإِنْ قِيلَ مَا الْحَاجَةُ
الجزء 1 · صفحة 22
إلَى قَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرُ وَقَدْ عُلِمَ جَوَازُهُ مَعَ قَدْرِ الْمِيلِ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْمَسَافَةَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالْجَزْرِ وَالظَّنِّ فَلَوْ كَانَ فِي ظَنِّهِ نَحْوُ الْمِيلِ أَوْ أَقَلُّ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ فِي ظَنِّهِ نَحْوُ الْمِيلِ أَوْ أَكْثَرُ جَازَ حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِيلٌ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ (قَوْلُهُ أَوْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ إلَى آخِرِهِ) الْمَرِيضُ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ أَحَدُهُمَا إذَا كَانَ يَسْتَضِرُّ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَمَنْ بِهِ جُدَرِيٌّ أَوْ حُمَّى أَوْ جِرَاحَةٌ يَضُرُّهُ الِاسْتِعْمَالُ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا، وَالثَّانِيَةُ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ إلَّا الْحَرَكَةُ إلَيْهِ وَلَا يَضُرُّهُ الْمَاءُ كَالْمَبْطُونِ وَصَاحِبِ الْعِرْقِ الْمَدِينِيِّ فَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ أَيْضًا إجْمَاعًا، وَإِنْ وَجَدَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ أَوْ لَا وَأَهْلُ طَاعَتِهِ عَبْدُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ أَجِيرُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي التَّأْسِيسِ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا، وَالثَّالِثَةُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا عَلَى التَّيَمُّمِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُصَلِّي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي تَشَبُّهًا وَيُعِيدُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ فِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَوَجَدَ التُّرَابَ الطَّاهِرَ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَنَا وَأَعَادَ إذَا خَلَصَ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُصَلِّي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَوْ كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ
(قَوْلُهُ: أَوْ خَافَ الْجُنُبُ إنْ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ) هَذَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ إجْمَاعًا وَكَذَا فِي الْمِصْرِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَقَيَّدَ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ فِي مِصْرٍ إذَا خَافَ مِنْ التَّوَضُّؤِ الْهَلَاكَ مِنْ الْبَرْدِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
[وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ]
(قَوْلُهُ: وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ) وَهَلْ الضَّرْبَتَانِ مِنْ التَّيَمُّمِ قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ نَعَمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ لَا وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا ضَرَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ مَسْحِ الْوَجْهِ أَوْ نَوَى بَعْدَ الضَّرْبِ فَعِنْدَ ابْنِ شُجَاعٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِبَعْضِ التَّيَمُّمِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَيُنْتَقَضُ وَعِنْدَ الْإِسْبِيجَابِيِّ يَجُوزُ كَمَنْ مَلَأَ كَفَّهُ مَاءً لِلْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ
(قَوْلُهُ: يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى ذِرَاعَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) وَلَا يُشْتَرَطُ تَكْرَارُهُ إلَى الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ مُلَوِّثٌ وَلَيْسَ بِطَهَارَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا عُرِفَ مُطَهِّرًا شَرْعًا فَلَا حَاجَةَ إلَى كَثْرَةِ التَّلْوِيثِ إذَا كَانَ الْمُرَادُ قَدْ حَصَلَ بِمَرَّةٍ، وَقَوْلُهُ بِإِحْدَاهُمَا إشَارَةٌ إلَى سُقُوطِ التَّرْتِيبِ، وَقَوْلُهُ يَمْسَحُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَمْسَحْهُ لَمْ يَجُزْ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيُشْتَرَطُ الِاسْتِيعَابُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ اللِّحْيَةِ وَلَا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ أَجْزَأَهُ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدِ الْأُولَى وَيُعِيدُ الضَّرْبَ لِلْيَدِ الْأُخْرَى
(قَوْلُهُ: إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ الْمَسْحَ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَعَنْ قَوْلِ مَالِكٍ حَيْثُ يَكْتَفِي بِهِ إلَى نِصْفِ الذِّرَاعَيْنِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ الِاسْتِيعَابِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ مَسَحَ الْأَكْثَرَ جَازَ فَإِذَا قُلْنَا بِالِاسْتِيعَابِ وَجَبَ نَزْعُ الْخَاتَمِ وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ وَفِي الْهِدَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِيعَابِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقِيَامَةِ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَسُنَّةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ الضَّرْبِ وَيُقْبِلَ بِيَدَيْهِ وَيُدْبِرَ ثُمَّ يَنْفُضَهُمَا عِنْدَ الرَّفْعِ نَفْضَةً وَاحِدَةً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ نَفْضَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَلَطَّخَ بِالتُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَسْحُ دُونَ التَّلْوِيثِ وَكَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً وَيَرْفَعَهُمَا وَيَنْفُضَهُمَا حَتَّى يَتَنَاثَرَ التُّرَابُ وَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضْرِبَ أُخْرَى وَيَنْفُضَهُمَا وَيَمْسَحَ بِبَاطِنِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى ظَاهِرَ كَفِّهِ الْيُمْنَى مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ بِبَاطِنِ كَفِّهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ ذِرَاعِهِ الْيُمْنَى إلَى الرُّسْغِ، وَيُمِرُّ بِبَاطِنِ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَفْعَلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَانَ التَّيَمُّمُ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ خَاصَّةً؟ قِيلَ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ وَالرَّأْسُ مَمْسُوحٌ وَالرِّجْلَانِ فَرْضُهُمَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّيَمُّمُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ سَوَاءٌ) يَعْنِي فِعْلًا وَنِيَّةً وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّمْيِيزِ إنْ كَانَ لِلْحَدَثِ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَإِنْ كَانَ لِلْجَنَابَةِ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّمْيِيزِ بَلْ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَوْ
الجزء 1 · صفحة 23
اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَكَذَا التَّيَمُّمُ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ) وَهُوَ مَا إذَا طُبِعَ لَا يَنْطَبِعُ وَلَا يَلِينُ وَإِذَا أُحْرِقَ لَا يَصِيرُ رَمَادًا
(قَوْلُهُ: كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ إلَى آخِرِهِ) قَدَّمَ التُّرَابَ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَكَذَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْحِصَارِ وَالْآجُرِّ الْمَدْقُوقِ وَالْخَزَفِ الْمَدْقُوقِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ، وَأَمَّا إذَا خَالَطَهُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَكَانَ الْمُخَالِطُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ خَاصَّةً) وَلَهُ فِي الرَّمْلِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ الْجَوَازِ وَالْخِلَافُ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ أَمَّا إذَا عُدِمَ، فَقَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا وَلَوْ تَيَمَّمَ عَلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَلَى مَوْضِعٍ نَدِيٍّ مِنْ الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِالْمِلْحِ إنْ كَانَ مَائِيًّا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ جَبَلِيًّا جَازَ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَالْفَتَاوَى.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْأَصَحُّ عِنْدِي لَا يَجُوزُ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الطِّينَ فَإِنَّهُ يُلَطِّخُ بِهِ طَرَفَ ثَوْبِهِ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ لَا يُصَلِّي مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ أَوْ التُّرَابَ الْيَابِسَ أَوْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَجُوزُ بِهَا التَّيَمُّمُ وَفِي الْكَرْخِيِّ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالطِّينِ الرَّطْبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدَيْهِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بِالطِّينِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَلَوْ اخْتَلَطَ مَا لَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ كَالدَّقِيقِ وَالرَّمَادِ إنْ كَانَ التُّرَابُ هُوَ الْأَكْثَرَ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ أَقَلَّ لَا يَجُوزُ وَلَوْ حُبِسَ فِي السِّجْنِ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَاءً وَلَا تُرَابًا طَاهِرًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ» وَالطَّهُورُ هُوَ الْمَاءُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَالتُّرَابُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي ثُمَّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَبْسِ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَوَجَدَ التُّرَابَ الطَّاهِرَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ يُعِيدُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ آدَمِيٍّ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ كَمَنْ قَيَّدَ رَجُلًا حَتَّى صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ أَزَالَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ إجْمَاعًا وَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ فِي الْحَبْسِ بِالتُّرَابِ الطَّاهِرِ ثُمَّ خَرَجَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جُوِّزَ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ.
(قَوْلُهُ: وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْوُضُوءِ) .
وَقَالَ زُفَرُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ وَلَنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ هُوَ الْقَصْدُ وَالْقَصْدُ هُوَ الْإِرَادَةُ وَهِيَ النِّيَّةُ فَلَا يُمْكِنُ فَصْلُ التَّيَمُّمِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِغَسْلٍ وَمَسْحٍ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ فَافْتَرَقَا، وَإِنْ شِئْت قُلْت إنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّطْهِيرِ، وَالتُّرَابُ مُلَوِّثٌ فَلَمْ يَكُنْ طَهَارَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَوْ لِلنَّافِلَةِ أَوْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةَ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصَّلَاةِ مِنْ الْقِرَاءَةِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَلَوْ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَوْ لِلْأَذَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يَحْصُلْ لِلصَّلَاةِ وَلَا لِجُزْءٍ مِنْهَا وَلَوْ تَيَمَّمَ كَافِرٌ يُرِيدُ بِهِ الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلنِّيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ مُتَيَمِّمٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً قُلْنَا هُوَ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ هَذَا الْكَافِرُ يُرِيدُ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ لَا يَكُونُ مُتَيَمِّمًا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ فَكَانَ وُجُودُ النِّيَّةِ كَعَدَمِهَا وَالْإِسْلَامُ يَصِحُّ مِنْهُ وَلَوْ تَيَمَّمَ الْمُسْلِمُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْكَافِرُ لَا يُرِيدُ الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ مُتَوَضِّئٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ عِنْدَهُ فِي الْوُضُوءِ وَعِنْدَنَا الْوُضُوءُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فَصَارَ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ وَخَلَفٌ عَنْهُ
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) رُؤْيَةُ الْمَاءِ غَيْرُ نَاقِضَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَارِجٍ
الجزء 1 · صفحة 24
نَجِسٍ فَلَمْ يَكُنْ حَدَثًا وَإِنَّمَا النَّاقِضُ الْحَدَثُ السَّابِقُ وَإِنَّمَا أَضَافَ الِانْتِقَاضَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ عَمَلَ النَّاقِضِ السَّابِقِ يَظْهَرُ عِنْدَهَا فَأُضِيفَ إلَيْهَا مَجَازًا وَالْمُرَادُ رُؤْيَةُ مَا يَكْفِي لِرَفْعِ حَدَثِهِ أَمَّا لَوْ رَأَى مَا لَا يَكْفِيهِ أَوْ يَكْفِيهِ إلَّا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ أَوْ لِلْعَجْنِ لَمْ يُنْتَقَضْ تَيَمُّمُهُ وَإِنَّمَا قَالَ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، وَخَائِفُ الْعَدُوِّ أَوْ السَّبُعِ عَاجِزٌ غَيْرُ قَادِرٍ حُكْمًا وَلَوْ مَرَّ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ إنْ كَانَ نَائِمًا لَمْ يُنْقَضْ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ إلَيْهِ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ لَمْ يُنْتَقَضْ أَيْضًا وَفِي الْفَتَاوَى إذَا مَرَّ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ مَرَّ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا وَهُوَ نَائِمٌ وَإِلَّا فَقَدْ يَنْقُضُ تَيَمُّمُهُ بِالنَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا مَرَّ بِالْمَاءِ وَهُوَ نَائِمٌ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُنْتَقَضُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَالنَّائِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَادِرٌ تَقْدِيرًا وَخَائِفُ السَّبُعِ عَاجِزٌ حُكْمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْخَائِفِ أَنَّ النَّوْمَ فِي حَالَةِ السَّفَرِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشْعُرُ بِالْمَاءِ نَادِرٌ خُصُوصًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَخَلَّلُهُ الْيَقِظَةُ الْمُشْعِرَةُ بِالْمَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ نَوْمُهُ كَالْيَقْظَانِ حُكْمًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ) الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ وقَوْله تَعَالَى {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] أَيْ طَاهِرًا وَلَوْ تَيَمَّمَ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَتَيَمَّمَ آخَرُ بَعْدَهُ مِنْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُكْسِبُ التُّرَابَ الِاسْتِعْمَالَ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَجِدَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ) وَهَلْ يُؤَخِّرُ إلَى آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ أَوْ إلَى آخِرِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إلَى آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ وَقَالَ غَيْرُهُ إلَى آخِرِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يُؤَخِّرْ وَيَتَيَمَّمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يَرْجُو) أَيْ يَطْمَعُ قَالَ الْإِمَامُ حَافِظُ الدِّينِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا أَفْضَلُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ التَّأْخِيرُ فَضِيلَةً كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ قَدْ ثَبَتَ بِصَرِيحِ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْأَفْضَلَ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ مُطْلَقًا وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ جَمَاعَةٍ فَكَيْفَ يُتْرَكُ هَذَا الصَّرِيحُ بِالْمَفْهُومِ وَيُجَابُ لِحَافِظِ الدِّينِ أَنَّ الصَّرِيحَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَضِيلَةً كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّأْخِيرِ فَائِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» فَجَعَلَ الطَّهَارَةَ مُمْتَدَّةً إلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلنَّافِلَةِ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا جَازَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلصَّحِيحِ فِي الْمِصْرِ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي) قَيَّدَ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَرِيضِ لَا يَتَقَيَّدُ بِحُضُورِ الْجِنَازَةِ وَقَيَّدَ بِالْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْمَفَازَةِ عَدَمُ الْمَاءِ قَوْلُهُ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ لَهُ الْإِعَادَةَ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي النَّوَادِرِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا وَكَذَا إذَا كَانَ إمَامًا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْشَى فَوَاتَهَا فَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَصَلَّى لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِعَادَةُ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ هَذَا التَّيَمُّمِ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ حَضَرَتْ أُخْرَى جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَتَيَمَّمُ ثَانِيًا وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ التَّوَضُّؤِ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا تَمَكَّنَ بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ ثُمَّ فَاتَ التَّمَكُّنُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ التَّيَمُّمَ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ صَلَاةَ الْعِيدِ فَخَشِيَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْعِيدِ) يَعْنِي جَمِيعًا أَمَّا
الجزء 1 · صفحة 25
إذَا كَانَ يُدْرِكُ بَعْضَهَا لَمْ يَتَيَمَّمْ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَفُوتُ فِيهِ الْأَدَاءُ لَا إلَى خَلَفٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَمَا يَفُوتُ إلَى خَلَفٍ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَالْجُمُعَةِ وَخَشْيَةِ فَوَاتِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ خَافَ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ إذَا اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ فَاتَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّ لَهَا خَلَفًا وَهُوَ الظُّهْرُ
(قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهُ يَتَوَضَّأُ فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ صَلَّاهَا وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ أَرْبَعًا) إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَرْبَعًا، وَإِنْ كَانَ الظُّهْرُ لَا مَحَالَةَ أَرْبَعًا لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ إذْ الْجُمُعَةُ خَلَفٌ عَنْ الظُّهْرِ عِنْدَنَا فَتَرِدُ الشُّبْهَةُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَأَزَالَ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ أَرْبَعًا.
وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ فَخَافَ إنْ تَوَضَّأَ فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَلَكِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّيهَا فَائِتَةً) لِأَنَّ الْفَوَاتَ إلَى الْخَلَفِ وَهُوَ الْقَضَاءُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُسَافِرُ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُعِيدُ) قَيَّدَ بِالْمُسَافِرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ حَمْلَ الْمَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُسَافِرِ وَقَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ أَنَّ مَاءَهُ قَدْ فَنِيَ فَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ إجْمَاعًا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ مُعَلَّقًا فِي عُنُقِهِ أَوْ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَسِيَهُ وَتَيَمَّمَ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ نَسِيَ مَا لَا يُنْسَى فَلَا يُعْتَبَرُ نِسْيَانُهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي مُؤَخَّرَةِ الدَّابَّةِ وَهُوَ سَائِقُهَا أَوْ فِي مُقَدَّمِهَا وَهُوَ قَائِدُهَا أَوْ رَاكِبُهَا لَا يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ إجْمَاعًا
(قَوْلُهُ: وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاءَ) يُحْتَرَزُ عَمَّا إذَا ذَكَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيُعِيدُ إجْمَاعًا وَسَوَاءٌ ذَكَرَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ وَوَضَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إذَا صَلَّى وَمَعَهُ مَاءٌ فِي رَحْلِهِ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَذَكَرَ بِلَفْظِ الْعِلْمِ وَهُنَا ذَكَرَ بِلَفْظِ النِّسْيَانِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فِيمَا إذَا وَضَعَ الْمَاءَ غَيْرُهُ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ فَعَلَى وَضْعِ الشَّيْخُ يَجُوزُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نِسْيَانٌ وَعَلَى وَضْعِ كِتَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخِلَافِ وَقَيَّدَ بِنِسْيَانِ الْمَاءِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا نَسِيَ ثَوْبَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ إجْمَاعًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ يُعِيدُ فَفَرْضُ السَّتْرِ يَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ وَالطَّهَارَةُ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ التَّيَمُّمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ) هَذَا فِي الْفَلَوَاتِ أَمَّا فِي الْعُمْرَانَاتِ يَجِبُ الطَّلَبُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْفَلَوَاتِ وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَضَمَّنُ مَا إذَا شَكَّ وَمَا إذَا لَمْ يَشُكَّ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِيمَا إذَا شَكَّ يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّلَبُ مِقْدَارَ الْغَلْوَةِ وَمِقْدَارُهَا مَا بَيْنَ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَشُكَّ يَتَيَمَّمُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا شَكَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، وَقَوْلُهُ بِقُرْبِهِ حَدُّ الْقُرْبِ مَا دُونَ الْمِيلِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْمُسَافِرِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ أَيَطْلُبُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَيَسَارِهِ قَالَ إنْ طَمِعَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ وَلَا يَبْعُدُ فَيَضُرُّ بِأَصْحَابِهِ إنْ انْتَظَرُوهُ وَبِنَفْسِهِ إنْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ، وَقِيلَ يَطْلُبُ مِقْدَارَ مَا يَسْمَعُ صَوْتَ أَصْحَابِهِ وَيَسْمَعُونَ صَوْتَهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَطْلُبَهُ) وَيَكُونُ طَلَبُهُ مِقْدَارَ الْغَلْوَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَبْلُغُ مِيلًا وَلَوْ بَعَثَ مَنْ يَطْلُبُهُ كَفَاهُ عَنْ الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَصَلَّى ثُمَّ طَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ طَلَبَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ) أَمَّا وُجُوبُ الطَّلَبِ، فَقَوْلُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ سُؤَالَ مِلْكِ الْغَيْرِ ذُلٌّ عِنْدَ الْمَنْعِ وَتَحَمُّلٌ مِنْهُ عِنْدَ الدَّفْعِ وَعِنْدَهُمَا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ أَيْضًا، وَإِنْ شَكَّ
الجزء 1 · صفحة 26
وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَتَفْرِيعُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَجِبْ الطَّلَبُ وَتَيَمَّمَ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ أُبِيحَ لَهُ أَوْ بُذِلَ لَهُ الثَّوْبُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ وَصَلَّى لَا يَجُوزُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي فَصْلِ الْمَاءِ دُونَ الثَّوْبِ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَالسَّتْرِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ عَارِيَّةٌ فَتَرَكَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ وَلَوْ مَلَكَ ثَمَنَ الثَّوْبِ هَلْ يُكَلَّفُ شِرَاءَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا، وَإِنْ مَلَكَ ثَمَنَ الْمَاءِ يُكَلَّفُ شِرَاءَهُ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً وَيُكَلَّفُ شِرَاءَ الثَّوْبِ كَمَا يُكَلَّفُ شِرَاءَ الْمَاءِ وَتَفْرِيعُ قَوْلِهِمَا فِي وُجُوبِ الطَّلَبِ إذَا شَكَّ فِي الْإِعْطَاءِ وَصَلَّى ثُمَّ سَأَلَهُ وَأَعْطَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَإِنْ مَنَعَهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعِيدُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ فَصَلَّى ثُمَّ أَعْطَاهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَأَعَادَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الدَّفْعُ إلَيْهِ فَصَلَّى ثُمَّ سَأَلَهُ فَمَنَعَهُ أَعَادَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُعِيدُ، وَلَوْ رَأَى رَجُلًا مَعَهُ مَاءٌ فَلَمْ يَسْأَلْهُ فَصَلَّى ثُمَّ أَعْطَاهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ تَوَضَّأَ بِهِ وَأَعَادَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَوْ سَأَلَهُ فَمَنَعَهُ فَصَلَّى ثُمَّ سَأَلَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَأَعْطَاهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ تَيَمَّمَ) لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِثَمَنٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَقِيلَ الضِّعْفُ، وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) الْمَسْحُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِصَابَةُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ رُخْصَةٍ مُقَدَّرَةٍ جُعِلَتْ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَعَقَّبَهُ بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةُ مَسْحٍ أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ غَسْلٍ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ بِوَضْعِ اللَّهِ وَهَذَا بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَكَانَ التَّيَمُّمُ أَقْوَى أَوْ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْكُلِّ وَهَذَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا بِالسُّنَّةِ لَا غَيْرُ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) إنَّمَا قَالَ جَائِزٌ وَلَمْ يَقُلْ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَلَمْ يَقُلْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ أَفْضَلَ ثُمَّ قَالَ بِالسُّنَّةِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَشْمَلُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِهِمَا، وَفِي قَوْلِهِ بِالسُّنَّةِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْمَسْحَ ثُبُوتُهُ بِالْقُرْآنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ وَقَوْلُهُمْ هَذَا فَاسِدٌ وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ) يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ
(قَوْلُهُ: إذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْكَمَالُ وَقْتَ اللُّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ بَقِيَّةَ الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ يُصَادِفَ الْحَدَثُ طَهَارَةً كَامِلَةً.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا»
(قَوْلُهُ: ابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ) يَعْنِي مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ إلَى مِثْلِهِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِلَى مِثْلِهِ فِي الثَّلَاثِ لِلْمُسَافِرِ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ) هَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ وَلَوْ مَسَحَ بِرَاحَتِهِ جَازَ وَقَوْلُهُ خُطُوطًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّ بِالتَّكْرَارِ يَنْعَدِمُ الْخُطُوطُ وَصُورَةُ الْمَسْحِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ وَيَمُدَّهُمَا جَمِيعًا إلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَيُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ هَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ وَأَمَّا الْمَفْرُوضُ فَمِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ سَوَاءٌ مَسَحَ بِالْأَصَابِعِ أَوْ خَاضَ
الجزء 1 · صفحة 27
فِي الْمَاءِ أَوْ أَصَابَ خُفَّيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَكَذَا لَوْ مَسَحَ بِعُودٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ السَّاقِ إلَى الْأَصَابِعِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا مَا عَرَضَ أَجْزَأَهُ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَسْنُونٍ وَكَذَا إذَا مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَوْضُوعَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ يُجْزِئُهُ وَلَوْ مَشَى عَلَى الْحَشِيشِ الْمُبْتَلِّ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْمَطَرِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَا يُجْزِئُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ الْكَفِّ، وَلَوْ مَسَحَ بِظَاهِرِ كَفَّيْهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنِ خُفَّيْهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْعَقِبِ أَوْ مِنْ جَوَانِبِهَا لَا يُجْزِئُهُ
(قَوْلُهُ: يَبْتَدِئُ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) هَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ وَيَكْفِيهِ الْمَسْحُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ إلَى الْأَصَابِعِ جَازَ
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِهَا يَقَعُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ) يُرْوَى بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَالْأَوَّلُ فِي مَوْضِعٍ وَالثَّانِي فِي مَوَاضِعَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخُرُوقَ تُجْمَعُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا تُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرَ النَّجَاسَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ الْخَرْقُ الْيَسِيرُ يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الْبَادِي يَجِبُ غَسْلُ الْبَاقِي قُلْنَا الْخِفَافُ لَا تَخْلُو عَنْ يَسِيرِ خَرْقٍ عَادَةً فَيَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنْ الْكَبِيرِ فَلَا حَرَجَ وَالْكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ مِنْهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ
(قَوْلُهُ: يُبَيِّنُ مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ) يَعْنِي أَصْغَرَهَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَصْلُ الرِّجْلِ، وَالْقَدَمُ تَبَعٌ لَهَا وَلِهَذَا قَالُوا إنَّ مَنْ قَطَعَ أَصَابِعَ رِجْلِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدِّيَةِ وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَقَامَتْ مَقَامَ الْكُلِّ وَاعْتِبَارُ الْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ يَبْدُو قَدْرُ ثَلَاثَ أَنَامِلَ وَأَسَافِلُهَا مَسْتُورَةٌ قَالَ السَّرَخْسِيُّ يُمْنَعُ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا يُمْنَعُ حَتَّى يَبْدُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِكَمَالِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالْأَنَامِلُ هِيَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ فَإِنْ ظَهَرَتْ الْإِبْهَامُ وَالْأُخْرَى مَعَهَا مَنَعَتَا الْمَسْحَ؛ لِأَنَّهُمَا يُسَاوِيَانِ الثَّلَاثَ.
وَفِي مُشْكِلِ الْقُدُورِيِّ إذَا كَانَتْ الْإِبْهَامُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ وَظَهَرَتْ لَا تَمْنَعُ وَإِذَا كَانَ مَقْطُوعَ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ وَكُبْرُ الْقَدَمِ دَلِيلٌ عَلَى كُبْرِهَا وَصِغَرُهَا دَلِيلٌ عَلَى صِغَرِهَا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) وَلَوْ كَانَتْ الْأَصَابِعُ تَبْدُو مِنْ الْخَرْقِ حَالَةَ الْمَشْيِ وَلَا تَبْدُو حَالَ وَضْعِ الْقَدَمِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ جَازَ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْخَرْقُ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبِ أَمَّا إذَا كَانَ فَوْقَهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَبُرَ وَشَرَائِطُ الْخُفِّ الَّذِي يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِلْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُتَخَرِّقِ وَأَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِالرِّجْلِ احْتِرَازًا عَنْ مَقْطُوعِ الْأَصَابِعِ إذَا لَبِسَهُ وَصَارَ بَعْضُ الْخُفِّ خَالِيًا مِنْ مُقَدَّمِهِ فَمَسَحَ عَلَى الْخَالِي لَا يَجُوزُ وَإِنْ يُمْكِنْ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا جَعَلَ لَهُ خُفًّا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ خَشَبٍ وَأَنْ يَنْقَطِعَ بِهِ مَسَافَةَ السَّفَرِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا لَفَّ عَلَى رِجْلَيْهِ خِرْقَةً لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْإِيضَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَتَكَرَّرُ عَادَةً فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الْخُفِّ) أَيْ بَعْدَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الْأُولَى لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْخُفُّ وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ، وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا بَقِيَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ بَقِيَ حُكْمُ الْمَسْحِ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْفَرْضِ فِي مُسْتَقَرِّهِ
(قَوْلُهُ: وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ
(قَوْلُهُ: وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) هَذَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْهُ لَمْ يُنْتَقَضْ مَسْحُهُ بَلْ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى إذَا انْقَضَتْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ هُنَا إلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ فَلَوْ قَطَعَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ تَيَمَّمَ وَلَا حَظَّ لِلرِّجْلَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ فَلِهَذَا كَانَ الْمُضِيُّ عَلَى صَلَاتِهِ أَوْلَى، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَكَذَلِكَ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَكَانَ يَخَاف الضَّرَرَ مِنْ الْبَرْدِ إذَا نَزَعَهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ كَانَ الْخُفُّ ذَا طَاقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَى مَا ظَهَرَ تَحْتَهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ
الجزء 1 · صفحة 28
خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَصَلَّى) وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يُعِيدُ شَيْئًا مِنْ الْوُضُوءِ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) وَقَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ يُصَلِّي وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَسَحَ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَقْتِ آخِرُهُ كَالصَّلَاةِ إذَا سَافَرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ يَصِيرُ فَرْضُهُ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَقَامَ فِيهِ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ) يَعْنِي دَخَلَ مِصْرَهُ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فَإِنْ كَانَ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ نَزْعُ خُفَّيْهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَسَحَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي الِابْتِدَاءِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) الْجُرْمُوقُ خُفٌّ فَوْقَ خُفٍّ إلَّا أَنَّ سَاقَهُ أُقْصَرُ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُفِّ حَدَثٌ كَمَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَسْحُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْجُرْمُوقُ لَوْ انْفَرَدَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ]
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِمَا فِي الْعَادَةِ فَأَشْبَهَا اللِّفَافَةَ، وَأَمَّا إذَا كَانَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَالْخُفَّيْنِ، وَالْمُجَلَّدُ هُوَ أَنْ يُوضَعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، وَالْمُنَعَّلُ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى أَسْفَلِهِ جِلْدَةٌ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَشِفَّانِ) حَدُّ الثَّخَانَةِ أَنْ يَقُومَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ، وَقَوْلُهُ لَا يَشِفَّانِ أَيْ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُمَا مِنْ بَشَرَةِ الرِّجْلِ مِنْ خِلَالِهِ وَيَنْشُفَانِ خَطَأٌ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى قَوْلِهِمَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالرُّخْصَةُ إنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ الْحَرَجِ الْقَلَنْسُوَةُ شَيْءٌ تَجْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ أَكْبَرُ مِنْ الْكُوفِيَّةِ وَالْبُرْقُعُ شَيْءٌ تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى وَجْهِهَا يَبْدُو مِنْهُ الْعَيْنَانِ
الجزء 1 · صفحة 29
وَالْقُفَّازَيْنِ شَيْءٌ يُجْعَلُ عَلَى الذِّرَاعَيْنِ يُحْشَى قُطْنًا لَهُ أَزْرَارٌ يُلْبَسَانِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ]
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ) الْجَبَائِرُ عِيدَانُ يُجْبَرُ بِهَا الْكَسْرُ وَأَجْرَى الْحُكْمَ فِيمَا إذَا شَدَّهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ انْكَسَرَ ظُفُرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ الْعِلْكَ أَوْ الدَّوَاءَ مَجْرَى ذَلِكَ وَالْحَدَثُ وَالْجُنُبُ فِي مَسْحِ الْجَبِيرَةِ سَوَاءٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) اعْلَمْ أَنَّهَا تُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ يُكْتَفَى بِغَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إذَا سَقَطَ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. وَالثَّانِي إذَا سَقَطَتْ عَلَى غَيْرِ بُرْءٍ شَدَّهَا مَرَّةً أُخْرَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ مَسْحَهَا لَا يَتَوَقَّفُ. وَالرَّابِعُ إذَا شَدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ يَضُرُّهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيَكُونُ تَبَعًا لِلْمَجْرُوحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ شَدُّ الْجَبِيرَةِ عَلَى الْجُرْحِ خَاصَّةً وَعَلَى هَذَا عِصَابَةُ الْمُقْتَصَدُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى جَمِيعِ الْعِصَابَةِ مَا لَمْ يَنْسَدَّ فَمُ الْعِرْقِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ) لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ فَلَوْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَاسْتَقَلَّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ كَالتَّيَمُّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ سُقُوطُهَا عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ بَاقٍ لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ وَهُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ شَدَّهَا مَرَّةً أُخْرَى وَيُصَلِّي وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ سَوَاءٌ شَدَّهَا بِتِلْكَ الْجَبَائِرِ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ
[بَابُ الْحَيْضِ]
(بَابُ الْحَيْضِ) لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا مِنْ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا أَصْلًا وَخَلَفًا ذَكَرَ عَقِيبَهُ حُكْمَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَقِلُّ وُجُودُهَا وَهُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمَ ذِكْرَ الْحَيْضِ عَلَى النِّفَاسِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْهُ وَالْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْفَرْجِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ آدَمِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى قَالُوا حَاضَتْ الْأَرْنَبَةُ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا الدَّمُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ دَمٍ مَخْصُوصٍ أَيْ دَمِ بَنَاتِ آدَمَ مِنْ مَخْرَجٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ مَوْضِعُ الْوِلَادَةِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ احْتِرَازًا عَنْ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَانِهِ يَمْتَدُّ مُدَّةً مَخْصُوصَةً أَيْ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشْرِ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الثَّلَاثِ وَيُقَالُ فِي تَفْسِيرِهِ شَرْعًا أَيْضًا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ رَحِمِ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الدَّاءِ وَالصِّغَرِ، فَقَوْلُهُمْ " سَلِيمَةٍ مِنْ الدَّاءِ " احْتِرَازٌ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) يَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فَالرَّفْعُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ تَقْدِيرِهِ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ دَمٌ لَا أَيَّامٌ وَالنَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ وَقَوْلُهُ وَلَيَالِيهَا لَا يُشْتَرَطُ ثَلَاثُ لَيَالٍ بَلْ إذَا رَأَتْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْلَتَيْنِ كَانَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِيِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَا إذَا رَأَتْهُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَثَلَاثِ لَيَالٍ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ لَا يَكْمُلُ إلَّا إلَى مِثْلِهِ مِنْ الرَّابِعِ فَيَدْخُلُ ثَلَاثُ لَيَالٍ، وَأَمَّا لَوْ رَأَتْهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ طَهُرَتْ عِنْدَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ حَيْضًا وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيْلَتَانِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَقَلُّهُ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ اعْتِبَارًا لِلْأَكْثَرِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ مَعْنًى إذْ الدَّمُ لَا يَسِيلُ عَلَى الْوِلَاءِ (قَوْلُهُ فَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ»
(قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) لِمَا رَوَيْنَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهُوَ حَيْضٌ) سَوَاءٌ رَأَتْ الْكُدْرَةَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِهَا أَوْ فِي آخِرِهَا فَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 30
حَيْضٌ عِنْدَهُمَا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ رَأَتْهَا فِي أَوَّلِ أَيَّامِهَا لَمْ تَكُنْ حَيْضًا وَإِنْ رَأَتْهَا فِي آخِرِ أَيَّامِهَا كَانَتْ حَيْضًا فَهِيَ عِنْدَهُ لَا تَكُونُ حَيْضًا إلَّا إذَا تَأَخَّرَتْ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْكُدْرَةِ يَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّافِي فَإِذَا تَقَدَّمَهَا دَمٌ أَمْكَنَ جَعْلُهَا حَيْضًا تَبَعًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا دَمٌ فَلَوْ جَعَلْنَاهَا حَيْضًا كَانَتْ مَتْبُوعَةً لَا تَبَعًا وَهُمَا يَقُولَانِ مَا كَانَ حَيْضًا فِي آخِرِ أَيَّامِهَا كَانَ حَيْضًا فِي أَوَّلِ أَيَّامِهَا كَالْحُمْرَةِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مُدَّةِ الْحَيْضِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ إنَّ خُرُوجَ الْكُدْرَةِ يَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّافِي إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ أَعْلَاهُ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَسْفَلِهِ فَالْكُدْرَةُ تَخْرُجُ قَبْلَ الصَّافِي وَهُنَا الْمَخْرَجُ مِنْ أَسْفَلَ؛ لِأَنَّ فَمَ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَتَخْرُجُ الْكُدْرَةُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ إذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا) قِيلَ هُوَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْمُخَاطَ يَخْرُجُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْحَيْضِ، وَقِيلَ هُوَ الْقُطْنُ الَّذِي تَخْتَبِرُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا إذَا خَرَجَ أَبْيَضَ فَقَدْ طَهُرَتْ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ ثُمَّ سَقَطَتْ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ هَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ أَمْ لَا فَاخْتَارَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ وَالسُّقُوطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ، قَالَ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَصْلٌ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَيْهِ عُشْرَ أَرْضِهِ وَخَرَاجَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَلَامُ الشَّيْخِ بِنَاءً عَلَى هَذَا.
وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ كُنَّا عَلَى هَذَا مُدَّةً ثُمَّ تَرَكْنَاهُ وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ) إنَّمَا قَالَ فِي الصَّوْمِ يَحْرُمُ وَفِي الصَّلَاةِ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ وَاجِبٌ فَلَا يَلِيقُ ذِكْرُ السُّقُوطِ فِيهِ وَالصَّلَاةُ لَا تُقْضَى فَحَسُنَ ذِكْرُ السُّقُوطِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ) لِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مَشَقَّةً؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَيَكُونُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسُونَ صَلَاةً وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً فَلَا يَلْحَقُهَا فِي قَضَائِهِ مَشَقَّةٌ.
(قَوْلُهُ) : (وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا الْجُنُبُ أَيْضًا وَسَطْحُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَا يَحِلُّ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ
(قَوْلُهُ) : (وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) فَإِنْ قِيلَ الطَّوَافُ لَا يَكُونُ إلَّا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ عُرِفَ مَنْعُهُمَا مِنْهُ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الطَّوَافِ، قِيلَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا جَاءَهَا الْحَيْضُ بَعْدَمَا دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ وَقَدْ شَرَعَتْ فِي الطَّوَافِ أَوْ تَقُولُ لَمَّا كَانَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَصْنَعَ مَا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ مِنْ الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الطَّوَافُ أَيْضًا كَمَا جَازَ لَهَا الْوُقُوفُ وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِذَلِكَ
(قَوْلُهُ) : (وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ تَأَدُّبًا وَتَخَلُّقًا وَاقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] ، وَإِنْ أَتَاهَا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ وَإِنْ أَتَاهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، وَقِيلَ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ وَهَلْ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ وَحْدَهُ أَوْ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ دُونَهَا وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ، وَلَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَيُضَاجِعَهَا وَيَسْتَمْتِعَ بِجَمِيعِ بَدَنِهَا مَا خَلَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْتَمْتِعُ بِجَمِيعِ بَدَنِهَا وَيَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ لَا غَيْرُ وَهُوَ مَوْضِعُ خُرُوجِهِ وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَكْتُمَ الْحَيْضَ عَلَى زَوْجِهَا لِيُجَامِعَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ، وَكَذَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ أَنَّهَا حَائِضٌ مِنْ غَيْرِ حَيْضٍ لِتَمْنَعَهُ مُجَامَعَتَهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْغَائِصَةَ وَالْمُغَوِّصَةَ» فَالْغَائِصَةُ الَّتِي لَا تُعْلِمُ زَوْجَهَا أَنَّهَا حَائِضٌ فَيُجَامِعُهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالْمُغَوِّصَةُ هِيَ الَّتِي تَقُولُ لِزَوْجِهَا إنَّهَا حَائِضٌ وَهِيَ طَاهِرَةٌ حَتَّى لَا يُجَامِعَهَا، وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَحَرَامٌ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] ، أَيْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ بِتَجَنُّبِهِ فِي الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ، «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَعْجَازِهِنَّ حَرَامٌ» وَقَالَ «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] أَيْ كَيْفَ شِئْتُمْ وَمَتَى شِئْتُمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَقْلِبَاتٍ وَبَارِكَاتٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْجِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الزَّوْجَةَ حَرْثًا فَإِنَّهَا لِلْوَلَدِ كَالْأَرْضِ لِلزَّرْعِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَرْثِ لَا مَوْضِعُ الْحَرْثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْرَأْ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَلِأَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 31
يُبَاشِرُ الْقُرْآنَ بِعُضْوٍ يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا يَجُوزُ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْقِرَاءَةُ حَالَةَ الْوَطْءِ وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْآيَةَ وَمَا دُونَهَا سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَجُوزُ لَهُمْ مَا دُونَ الْآيَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالُوا إلَّا أَنْ لَا يَقْصِدَ بِمَا دُونَ الْآيَةِ الْقِرَاءَةَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يُرِيدُ الشُّكْرَ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ، قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَا يَجُوزُ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ يُكْرَهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ مُبَاشِرَ اللَّوْحِ وَالْبَيَاضِ وَإِنْ وَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ وَكَتَبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَكْتُوبِ لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا التَّهَجِّي بِالْقُرْآنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا كَانَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ مُعَلِّمَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُلَقِّنَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَلَا تُلَقِّنُهُمْ آيَةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى التَّعْلِيمِ وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ حَدَثِهَا فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ حَدَثِهِ وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ وَيُهَلِّلُوهُ.
(قَوْلُهُ) : (وَلَا يَجُوزُ لِمُحْدِثٍ مَسُّ الْمُصْحَفِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْجُنُبَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِرَاءَةِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْمَسِّ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ لَهُمْ الْقِرَاءَةُ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ لَهُمْ الْمَسُّ أَوْلَى الْفَرْقُ فِي الْمُحْدِثِ بَيْنَ الْمَسِّ وَالْقِرَاءَةِ أَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ الْيَدَ دُونَ الْفَمِ وَالْجَنَابَةُ حَلَّتْ الْيَدَ وَالْفَمَ أَلَا تَرَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ وَالْفَمِ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضَانِ وَفِي الْحَدَثِ إنَّمَا يُفْرَضُ غَسْلُ الْيَدِ دُونَ الْفَمِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِغِلَافِهِ أَوْ بِعَلَّاقَتِهِ) وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ أَيْ مُتَبَاعِدًا بِأَنْ يَكُونَ شَيْئًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمَاسِّ وَالْمَمْسُوسِ كَالْجِرَابِ وَالْخَرِيطَةِ دُونَ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشَرَّزِ هُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ الْإِسْبِيجَابِيِّ الْغِلَافُ هُوَ الْجِلْدُ الْمُتَّصِلُ بِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ تَبَعٌ لِلْمُصْحَفِ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْدِثِ الْمَسُّ فَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُ أَصَابِعِهِ عَلَى الْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ عِنْدَ التَّقْلِيبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ لَوْحٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَ آيَةً تَامَّةً وَكَذَا كُتُبُ التَّفْسِيرِ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْقُرْآنِ مِنْهَا وَلَهُ أَنْ يَمَسَّ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ تَبَعٌ لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَحْدَاثَ ثَلَاثَةٌ حَدَثٌ صَغِيرٌ وَحَدَثٌ وَسَطٌ وَحَدَثٌ كَبِيرٌ فَالصَّغِيرُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْقَيْءِ إذَا مَلَأَ الْفَمَ وَخُرُوجُ الدَّمِ وَالْقَيْحِ مِنْ الْبَدَنِ إذَا تَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَالْحَدَثُ الْوَسَطُ هُوَ الْجَنَابَةُ وَالْحَدَثُ الْكَبِيرُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَتَأْثِيرُ الْحَدَثِ الصَّغِيرِ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ الطَّوَافِ، وَالْحَدَثُ الْأَوْسَطُ تَأْثِيرُهُ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْحَدَثِ الْكَبِيرِ تَأْثِيرُهُ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَكَرَاهَةِ الطَّلَاقِ وَلَا يُكْرَهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ النَّظَرُ إلَى الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَحِلُّ الْعَيْنَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا فَإِنْ قُلْت فَلَوْ تَمَضْمَضَ الْجُنُبُ فَقَدْ ارْتَفَعَ حَدَثُ الْفَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ لَهُ التِّلَاوَةُ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ وَكَذَا إذَا غَسَلَ الْمُحْدِثُ يَدَيْهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْمَسُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا كَذَا فِي إيضَاحِ الصَّيْرَفِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ) لِأَنَّ الدَّمَ يَدُرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ تَارَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ، وَقَوْلُهُ كَامِلَةً يُحْتَرَزُ عَمَّا إذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَطْءُ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَهَذَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ لِعَادَتِهَا أَمَّا إذَا كَانَ لِدُونِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ إذَا انْقَطَعَ دُونَ عَادَتِهَا فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي آخِرِ حَيْضَةٍ مِنْ عِدَّتِهَا بَطَلَتْ الرَّجْعَةُ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا فَيُؤْخَذُ لَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالِاحْتِيَاطِ.
وَفِي النِّهَايَةِ إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَانْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى الْعَادَةِ أَخَّرَتْ الْغُسْلَ إلَى الْوَقْتِ وَتَأْخِيرُهُ هُنَا اسْتِحْبَابٌ لَا إيجَابٌ
الجزء 1 · صفحة 32
وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ دُونَ الْعِدَّةِ فَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى الْوَقْتِ إيجَابٌ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمُسَافِرَةِ وَلَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا حَتَّى إنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا وَلَكِنْ فِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ خِلَافٌ فَعِنْدَهُمَا لَا تَنْقَطِعُ مَا لَمْ تُصَلِّ بِالتَّيَمُّمِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ تَنْقَطِعُ بِالتَّيَمُّمِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَتْ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَفِي شَرْحِهِ إذَا تَيَمَّمَتْ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ سَوَاءٌ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ بَعْدَمَا شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَسَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ أَمْ لَا.
وَقَالَ زُفَرُ إنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ وَجَبَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إذَا حَاضَتْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ تُصَلِّ فَعَلَيْهَا قَضَاؤُهَا، وَلَوْ شَرَعَتْ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ أَوْ صَوْمِ النَّفْلِ ثُمَّ حَاضَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ جَازَ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَكَذَا انْقِطَاعُ النِّفَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ حُكْمُهُ عَلَى هَذَا ثُمَّ الِانْقِطَاعُ عَلَى الْعَشَرَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ وَإِذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
(قَوْلُهُ: وَالطُّهْرُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهُوَ كَالدَّمِ الْجَارِي) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ الْحَيْضَ بِالطُّهْرِ وَيَخْتِمُهُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ دَمٌ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ إذَا انْتَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ وَهُوَ كَدَمٍ مُسْتَمِرٍّ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا نَظَرَتْ إنْ كَانَ الطُّهْرُ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ الدَّمَانِ أَكْثَرُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الدَّمَانِ فِي الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ أَيْضًا وَهُوَ كَدَمٍ مُسْتَمِرٍّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ أَوْجَبَ الْفَصْلَ ثُمَّ تَنْظُرُ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا جُعِلَ حَيْضًا وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةً، وَإِنْ كَانَ فِي كِلَاهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا كَانَ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ الْحَيْضَ بِالطُّهْرِ وَلَا يَخْتِمُهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ دَمٌ أَوْ بَعْدَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ.
وَفِي الْوَجِيزِ الْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْفَتَاوَى الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَسْهِيلًا عَلَى النِّسَاءِ.
وَالْأَصْلُ عِنْدَ زُفَرَ أَنَّهَا رَأَتْ مِنْ الدَّمِ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَقَلِّهِ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَهُوَ كَدَمٍ مُسْتَمِرٍّ وَإِذَا لَمْ تَرَ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَقَلِّهِ فَأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ إذَا نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا فَصَلَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ الدَّمَانِ أَكْثَرُ مِنْهُ ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا نَظَرَ مُحَمَّدٌ بَيَانُ هَذِهِ الْأُصُولِ امْرَأَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ سَاعَتَيْنِ طُهْرًا ثُمَّ سَاعَةً دَمًا فَهُوَ حَيْضٌ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ كَدَمٍ مُسْتَمِرٍّ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ لَا يَكُونُ مِنْهُ حَيْضًا أَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَلِأَنَّهَا لَمْ تَرَ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الطُّهْرُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّمَيْنِ وَلَيْسَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا.
وَكَذَا عِنْدَ الْحَسَنِ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَسَبْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ يَوْمًا دَمًا وَسَبْعَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمَيْنِ دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَلِأَنَّهَا رَأَتْ فِي مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَقَلِّهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الدَّمَيْنِ وَلَيْسَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَسِتَّةَ أَيَّامٍ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ الثَّلَاثَةُ تَكُونُ حَيْضًا مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَمِنْ آخِرِهَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَمَا بَقِيَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَوْ رَأَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا أَوْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ
الجزء 1 · صفحة 33
فَلِأَنَّ الطُّهْرَ مِثْلُ الدَّمَيْنِ فَلَا يُفْصَلُ وَعِنْدَ الْحَسَنِ يُفْصَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَجُعِلَتْ الْأَرْبَعَةُ حَيْضًا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةً، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَذَلِكَ كُلُّهُ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِهَا حَيْضٌ وَيَوْمَانِ اسْتِحَاضَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى حَيْضٌ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ أَكْثَرُ مِنْ الدَّمَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَتْهُمَا فِي الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الدَّمَيْنِ فِي الْعَشَرَةِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَالطُّهْرُ سِتَّةُ أَيَّامٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا فِي الْأَصْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الدَّمَانِ فِي الْعَشَرَةِ وَصُورَةُ ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمِهِ بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مَا إذَا كَانَ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَرَأَتْ مَرَّةً قَبْلَ عَشَرَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَطَهُرَتْ عَشْرَتَهَا كُلَّهَا ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَهَا يَوْمًا دَمًا فَأَيَّامُهَا الْعَشَرَةُ حَيْضٌ كُلُّهَا وَالدَّمُ الَّذِي رَأَتْهُ فِي الْيَوْمَيْنِ اسْتِحَاضَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) يَعْنِي الطُّهْرَ الَّذِي يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْهِ حَيْضًا بِانْفِرَادِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ أَقَلُّهُ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِاشْتِمَالِ الشَّهْرِ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ عَادَةً وَقَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَبَقِيَ الطُّهْرُ تِسْعَةَ عَشَرَ قُلْنَا مُدَّةُ الطُّهْرِ نَظِيرُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعُودُ بِهَا مَا كَانَ يَسْقُطُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلِهَذَا قَدَّرْنَا أَقَلَّ الْحَيْضِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِأَقَلِّ السَّفَرِ
(قَوْلُهُ: وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ مَا دَامَتْ طَاهِرَةً فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ عُمُرِهَا.
[دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ]
(قَوْلُهُ: وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ هُوَ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ) لَيْسَ هَذَا حَصْرًا لِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ بَلْ لِبَيَانِ بَعْضِهِ فَإِنَّ الْحَامِلَ لَوْ رَأَتْ الدَّمَ ثَلَاثًا أَوْ عَشْرًا أَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَادَةِ حَتَّى جَاوَزَ الْعَشَرَةَ أَوْ زَادَ النِّفَاسُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَكُلُّ ذَلِكَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ وَدَمُ الْحَيْضِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ نَتِنُ الرَّائِحَةِ
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ حُكْمُ دَمِ الرُّعَافِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَا الصَّوْمَ وَلَا الْوَطْءَ) وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ الصَّلَاةَ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ الصَّوْمَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَحْوَجُ إلَى الطَّهَارَةِ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلِلْمَرْأَةِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) وَفَائِدَةُ رَدِّهَا أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَادَةِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ) يُرِيدُ عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ وَيُجْعَلُ نِفَاسُهَا أَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهَا عَادَةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا وَهَذَا بِإِطْلَاقِهِ قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُؤْخَذُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالرَّجْعَةِ بِالْأَقَلِّ، وَفِي الزَّوَاجِ بِالْأَكْثَرِ وَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَمْضِيَ الْعَشَرَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ يُؤْخَذُ لَهَا بِالْأَقَلِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمٌ إلَى آخِرِهِ) وَكَذَا مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَاسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ
(قَوْلُهُ: فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَكَذَا النُّذُورُ وَالْوَاجِبَاتُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَإِذَا كَانَ بِرِجْلِهِ جُرْحٌ إذَا قَامَ سَالَ وَإِذَا قَعَدَ لَمْ يَسِلْ أَوْ كَانَ
الجزء 1 · صفحة 34
إذَا قَامَ سَلُسَ بَوْلُهُ وَإِذَا قَعَدَ اسْتَمْسَكَ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا إذَا قَامَ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَإِذَا قَعَدَ قَرَأَ جَازَ أَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا كَانَ مَعَهَا ثَوْبٌ صَغِيرٌ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهَا قَائِمَةً وَيَسْتُرُهُ قَاعِدَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ قَاعِدَةً، وَإِذَا كَانَ جُرْحُهُ إذَا قَامَ أَوْ قَعَدَ سَالَ وَإِذَا اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَلَوْ كَانَ جُرْحُهُ يَسِيلُ عَلَى ثَوْبِهِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ إنْ كَانَ يُصِيبُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَكُلَّمَا غَسَلَهُ عَادَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَجَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْسِلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَعَهُ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ فَكَانَ الْإِمَامُ صَاحِبَ عُذْرَيْنِ وَالْمُؤْتَمُّ صَاحِبَ عُذْرٍ وَاحِدٍ وَكَذَا لَا يُصَلِّي مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ خَلْفَ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَجُرْحٌ لَا يُرْقَأُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرَيْنِ وَالْمُؤْتَمُّ صَاحِبُ عُذْرٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ) هَذَا قَوْلُهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَبْطُلُ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ.
وَقَالَ زُفَرُ بِالدُّخُولِ لَا غَيْرُ وَفَائِدَتُهُ إذَا تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الزَّوَالِ وَكَذَا إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَلَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دُخُولُ وَقْتٍ لَا خُرُوجُ وَقْتٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ يُنْتَقَضُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ
(قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الِاسْتِئْنَافِ وَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ مُسْتَلْزَمٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ، قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ الْوُضُوءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَلَا يَبْطُلُ لِحَقِّ صَلَاةٍ أُخْرَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِئْنَافُ لِتِلْكَ الْأُخْرَى كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ بِبُطْلَانِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِلْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ وَبَقَاءِ طَهَارَتِهَا لِلنَّوَافِلِ، وَكَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُتَيَمِّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمِصْرِ لِبَقَاءِ تَيَمُّمِهِ فِي جِنَازَةٍ أُخْرَى لَوْ حَضَرَتْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهٍ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَتَبْطُلُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْوُضُوءِ بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ.
[دَمُ النِّفَاسِ]
(قَوْلُهُ: وَالنِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ) وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ أَوْ خُرُوجِ النَّفْسِ وَهُوَ الْوَلَدُ يُقَالُ فِيهِ نَفِسَتْ وَنُفِسَتْ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا إذَا وَلَدَتْ، وَأَمَّا فِي الْحَيْضِ فَلَا يُقَالُ إلَّا نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ لَا غَيْرُ
(قَوْلُهُ: وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ أَوْ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ فِي حَالِ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) وَإِنْ بَلَغَ نِصَابَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ؛ لِأَنَّ فَمَ الرَّحِمِ يَنْسَدُّ بِالْوَلَدِ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ إنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ الرَّحِمِ بِخِلَافِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ لَا مِنْ الرَّحِمِ، وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا دَمَ الْحَامِلِ حَيْضًا أَدَّى إلَى اجْتِمَاعِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَإِنَّهَا إذَا رَأَتْ دَمًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَجُعِلَ حَيْضًا فَوَلَدَتْ وَرَأَتْ الدَّمَ صَارَتْ نُفَسَاءَ فَتَكُونُ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ
(قَوْلُهُ: وَمَا تَرَاهُ فِي حَالِ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ) يَعْنِي قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ اسْتِحَاضَةٌ حَتَّى إنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ كَانَتْ عَاصِيَةً وَصُورَةُ صَلَاتِهَا أَنْ تَحْفِرَ لَهَا حَفِيرَةً فَتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتُصَلِّي حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالْوَلَدِ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيْضِ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مِنْ الرَّحِمِ إلَّا بِالِامْتِدَادِ ثَلَاثًا وَفِي النِّفَاسِ تَقَدُّمُ الْوَلَدِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الرَّحِمِ فَأَغْنَى عَنْ الِامْتِدَادِ، وَقَوْلُهُ لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَمَّا إذَا احْتَجَّ إلَيْهِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَهُ حَدُّ مِقْدَارٍ بِأَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا إذْ لَوْ كَانَ أَقَلَّ ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مُدَّةِ النِّفَاسِ فَيَكُونُ الدَّمُ بَعْدَهُ نِفَاسًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَقَلُّهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَالنِّفَاسُ فِي الْعَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْحَيْضِ
الجزء 1 · صفحة 35
فَزَادَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ فَعَلَى هَذَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ يَوْمٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُصَدَّقُ فِي خَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَسَاعَةٍ وَوَجْهُ التَّخْرِيجِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نِفَاسٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ فَذَلِكَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضَةٍ خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ ثَلَاثُ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضَةٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ مَعَ أَرْبَعِينَ فَذَلِكَ مِائَةُ يَوْمٍ وَإِنَّمَا أَخَذَ لَهَا بِأَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهَا بِأَقَلِّ الطُّهْرِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَخَذَ لَهَا فِي الْحَيْضِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ وَتَخْرِيجُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا فَذَلِكَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ وَتَخْرِيجُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَهُ سَاعَةٌ ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ طُهْرَانِ.
(قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سِتُّونَ يَوْمًا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الرَّحِمَ يَكُونُ مَسْدُودًا بِالْوَلَدِ فَيَمْنَعُ خُرُوجَ دَمِ الْحَيْضِ وَيَجْتَمِعُ الدَّمُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْفَخُ الرُّوحُ فِي الْوَلَدِ وَيَتَغَذَّى بِدَمِ الْحَيْضِ إلَى أَنْ تَلِدَهُ أُمُّهُ فَإِذَا وَلَدَتْهُ خَرَجَ ذَلِكَ الدَّمُ الْمُجْتَمَعُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَغَالِبُ مَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَرْبَعِينَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةً كَانَ الدَّمُ الَّذِي فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ سِتِّينَ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي النِّفَاسِ رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) سَوَاءٌ كَانَ خُتِمَ مَعْرُوفُهَا بِالدَّمِ أَوْ بِالطُّهْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثِينَ فَرَأَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا دَمًا وَطَهُرَتْ عَشْرًا ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَ ذَلِكَ دَمًا حَتَّى جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَعْرُوفِهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ حَصَلَ خَتْمُهَا بِالطُّهْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِفَاسًا عِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتِمُهُ بِالطُّهْرِ ثُمَّ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ دَمَيْ النِّفَاسِ لَا يَفْصِلُ، وَإِنْ كَثُرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوُ مَا إذَا وَلَدَتْ فَرَأَتْ سَاعَةً دَمًا ثُمَّ طَهُرَتْ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ ثُمَّ رَأَتْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ دَمًا فَالْأَرْبَعُونَ كُلُّهَا نِفَاسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا لَمْ يَفْصِلْ وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَاعِدًا فَصَلَ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالْآخَرُ حَيْضًا إنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ احْتِيَاطًا وَيَبْطُلُ صَوْمُهَا إنْ كَانَتْ صَائِمَةً؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَلَدِ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ دَمٍ فِي الْغَالِبِ وَالْغَالِبُ كَالْمَعْلُومِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَيَجِبُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهَذَا خَارِجٌ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَابْتِدَاءُ نِفَاسِهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا فَأَخَذَ لَهَا بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنِفَاسُهَا مَا خَرَجَ مِنْ الدَّمِ عَقِيبَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا هَلْ يَكُونُ بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ قَالَ هَذَا لَا يَكُونُ قَالَ فَإِنْ كَانَ قَالَ لَا نِفَاسَ لَهَا مِنْ الثَّانِي، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي يُوسُفَ وَلَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَقْتَ أَنْ تَضَعَ الْوَلَدَ الثَّانِيَ وَتُصَلِّي؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ مَضَتْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا نِفَاسٌ بَعْدَهَا
(قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ نِفَاسُهَا مَا خَرَجَ مِنْ الدَّمِ عَقِيبَ الْوَلَدِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَلَا تَكُونُ نُفَسَاءَ كَمَا لَا تَحِيضُ وَلِهَذَا لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِالْأَخِيرِ إجْمَاعًا قُلْنَا الْعِدَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا فَيَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَالْأَوَّلُ نِفَاسٌ وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ الْأَوَّلُ اسْتِحَاضَةٌ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا إذَا كَانَ عَادَتُهَا عِشْرِينَ فَرَأَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَبَعْدَ الثَّانِي أَحَدًا وَعِشْرِينَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْعِشْرُونَ
الجزء 1 · صفحة 36
الْأُولَى نِفَاسٌ وَمَا بَعْدَ الثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْعِشْرُونَ الْأُولَى اسْتِحَاضَةٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي مَعَهَا وَمَا بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ، وَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَبَعْدَ الثَّانِي عِشْرِينَ وَعَادَتُهَا عِشْرُونَ فَاَلَّذِي بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ إجْمَاعًا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نِفَاسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْأُولَى اسْتِحَاضَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[بَابُ الْأَنْجَاسِ]
(بَابُ الْأَنْجَاسِ) الْأَنْجَاسُ جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مَا اسْتَقْذَرْتَهُ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَطْهِيرِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْحُكْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِأَنَّ قَلِيلَهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَسْقُطُ أَبَدًا بِالْأَعْذَارِ إمَّا أَصْلًا أَوْ خَلَفًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَطْهُرُ لَكِنَّ مَعْنَاهُ تَطْهِيرُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَطْهِيرِهَا إزَالَتَهَا وَإِنَّمَا قَالَ وَاجِبٌ وَلَمْ يَقُلْ فَرْضٌ كَمَا قَالَ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِنَصِّ الْكِتَابِ حَتَّى إنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْمَكَانُ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) يَعْنِي مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ تَحْتَ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهَا تَفْسُدُ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا كَانَ مَوْضِعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ طَاهِرًا وَالْأُخْرَى نَجِسًا فَوَضَعَ قَدَمَيْهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فَإِنْ رَفَعَ الْقَدَمَ الَّتِي مَوْضِعُهَا نَجِسٌ وَصَلَّى جَازَ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمٍ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَلَوْ جَمْعًا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَعْنًى تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ إلَّا بِالْمَاءِ قِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَهِيَ الْحَدَثُ قُلْنَا النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ لَيْسَ فِيهَا عَيْنٌ تُزَالُ فَكَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهَا عِبَادَةً مَحْضَةً وَالْحَقِيقِيَّةُ لَهَا عَيْنٌ فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا إزَالَةَ الْعَيْنِ بِأَيِّ طَاهِرٍ كَانَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالسِّكِّينِ جَازَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، فَقَالَ لَا تَزُولُ النَّجَاسَةُ مِنْ الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ اعْتِبَارًا بِالْحَدَثِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهَا تَزُولُ عَنْهُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ
(قَوْلُهُ: يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ) أَيْ يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْأَدْهَانِ وَالْعَسَلِ وَهَلْ يَجُوزُ بِاللَّبَنِ قَالَ فِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَا يَجُوزُ
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ) إنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ فَهُوَ نَجِسٌ فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ) أَيْ لَوْنٌ وَأَثَرٌ بَعْدَ الْجَفَافِ كَالرَّوْثِ وَالسِّرْقِينَ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ
(قَوْلُهُ: فَجَفَّتْ وَدُلِّكَتْ بِالْأَرْضِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا) وَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ كَالنَّعْلِ وَشَبَهِهِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ فِيمَا سِوَى الْمَنِيِّ إلَّا الْغُسْلُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِالرَّيِّ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ السِّرْقِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَإِنَّمَا خَصَّ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ إذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْغَسْلُ، وَكَذَا الثَّوْبُ أَيْضًا لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَتَدَاخَلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا بِالْغَسْلِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَإِنَّهُ جِلْدٌ لَا تَتَدَاخَلُ فِيهِ النَّجَاسَةُ
(قَوْلُهُ: وَجَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) إنَّمَا قَالَ هَكَذَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 37
خِلَافًا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ مُعْظَمُ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا لَوْ عَاوَدَهُ الْمَاءُ يَعُودُ نَجِسًا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَا إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ نَجَّسَهُ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ الشَّيْخُ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ طَاهِرٌ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنِ عَبَّاسٍ الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْك، وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ» وَلِأَنَّهُ أَصْلُ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ، وَلَنَا «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَدْ رَآهُ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ نُخَامَةٍ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ وَالْقَيْءِ» فَقَرَنَ الْمَنِيَّ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ نَجِسَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا قُرِنَ بِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِمَاطَةِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ كَالْبَوْلِ ثُمَّ نَجَاسَةُ الْمَنِيِّ عِنْدَنَا مُغَلَّظَةٌ
(قَوْلُهُ: يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ) قَيَّدَ بِالثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَفَّ عَلَى الْبَدَنِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ كَمَا فِي الثَّوْبِ وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِهِ رَأْسُ الذَّكَرِ طَاهِرًا بِأَنْ بَالَ وَاسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَإِلَّا فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَقِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْمَذْيِ أَمَّا إذَا أَمْذَى قَبْلَ خُرُوجِهِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ أَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَلَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ، وَلَوْ نَفَذَ الْمَنِيُّ إلَى الْبِطَانَةِ يُكْتَفَى بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبَلَلُ وَالْبَلَلُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، ثُمَّ إذَا أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ وَعَاوَدَهُ الْمَاءُ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُودُ نَجِسًا وَفِي الْخُجَنْدِيِّ لَا يَعُودُ نَجِسًا.
(قَوْلُهُ: وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا) لِعَدَمِ تَدَاخُلِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا يَزُولُ بِالْمَسْحِ وَالْمَسْحُ يُخَفِّفُ وَلَا يُطَهِّرُ وَلِهَذَا قَالَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ طَهُرَا بِالْمَسْحِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمَسْحُ مُطَهِّرٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ ثُمَّ نَزَلَ الْبِئْرَ عُرْيَانًا فَعِنْدَهُمَا يَنْجُسُ مَاءُ الْبِئْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَنْجُسُ.
وَفِي الْمُحِيطِ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ إذَا أَصَابَهُمَا بَوْلٌ أَوْ دَمٌ لَا يَطْهُرَانِ إلَّا بِالْغَسْلِ وَإِنْ أَصَابَهُمَا عَذِرَةٌ إنْ كَانَ رَطْبًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا طَهُرَا بِالْحَكِّ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَطْهُرَانِ إلَّا بِالْغَسْلِ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ عَمَّنْ ذَبَحَ شَاةً ثُمَّ مَسَحَ السِّكِّينَ عَلَى صُوفِهَا أَوْ مَا يَذْهَبُ بِهِ أَثَرُ الدَّمِ قَالَ يَطْهُرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ إذَا عَاوَدَهُمَا الْمَاءُ فَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَعُودُ وَاخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهَا لَا تَعُودُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَصَابَتْ الْأَرْضُ نَجَاسَةً فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) .
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مِنْهَا وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَقَيَّدَ بِالْأَرْضِ احْتِرَازًا عَنْ الثَّوْبِ وَالْحَصِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَيُشَارِكُ الْأَرْضَ فِي حُكْمِهَا كُلُّ مَا كَانَ ثَابِتًا فِيهَا كَالْحِيطَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْكَلَأِ وَالْقَصَبِ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ فَإِذَا قُطِعَ الْحَشِيشُ وَالْخَشَبُ وَالْقَصَبُ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَأَمَّا الْحَجَرُ فَذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ إذَا كَانَ أَمْلَسَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْرَبُ النَّجَاسَةَ فَهُوَ كَالْأَرْضِ وَالْحَصَا بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ
(قَوْلُهُ: فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ) التَّقْيِيدُ بِالشَّمْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ لَوْ جَفَّتْ بِالظِّلِّ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَذَهَبَ أَثَرُهَا) الْأَثَرُ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ وَالطَّعْمُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَعَاوَدَهَا الْمَاءُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا تَعُودُ نَجِسَةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَالسَّرَخْسِيِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا تَعُودُ نَجِسَةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ مِنْ تُرَابِهَا شَيْءٌ فِي الْمَاءِ فَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ يَنْجُسُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَنْجُسُ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مِنْهَا) لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَ شَرْطُهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ مَعَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ فِيهِ يَسِير النَّجَاسَةِ وَالتَّيَمُّمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الطُّهُورَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الْخَلَّ طَاهِرٌ وَلَيْسَ بِطَهُورٍ فَكَذَا هَذِهِ الْأَرْضُ طَاهِرَةٌ غَيْرُ طَهُورٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ
الجزء 1 · صفحة 38
الْمُغَلَّظَةِ كَالدَّمِ وَالْغَائِطِ إلَى آخِرِهِ) الْمُغَلَّظَةُ مَا وَرَدَ بِنَجَاسَتِهَا نَصٌّ وَلَمْ يَرِدْ بِطَهَارَتِهَا نَصٌّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ أَمْ لَا وَعِنْدَهُمَا مَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي طَهَارَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ وَفَائِدَتُهُ فِي الْأَرْوَاثِ فَإِنَّ «قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الرَّوْثِ إنَّهُ رِجْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مُغَلَّظًا وَقَالَا هُوَ مُخَفَّفٌ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ خَفَّ حُكْمُهُ
(قَوْلُهُ: كَالدَّمِ) يَعْنِي الْمَسْفُوحَ أَمَّا الَّذِي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّكَاةِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْأَكْلِ، وَلَوْ احْمَرَّتْ مِنْهُ الْقِدْرُ، وَلَيْسَ بِمَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْأَكْلِ وَيُمْكِنُ فِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ دَمُ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ طَاهِرٌ حَتَّى لَوْ طُلِيَ بِهِ الْخُفُّ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَثُرَ وَكَذَا دَمُ الْبَرَاغِيثِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُمَّلِ وَالْبَقِّ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْفُوحٍ وَدَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ أَكْلُهُ بِدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ بِدَمِهِ لَا يُذَكَّى، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أُبِيحَ أَكْلُهُ إلَّا بَعْدَ سَفْحِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَالدِّمَاءُ تَسْوَدُّ بِهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ نَجِسٌ، وَأَمَّا دَمُ الْحَلَمِ وَالْأَوْزَاغِ فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ نَجِسٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَيْ مَا دَامَ عَلَيْهِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلِهَذَا لَا يُغْسَلُ عَنْهُ فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ كَانَ نَجِسًا حَتَّى إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ نَجَّسَهُ وَالدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ وَهُوَ طَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَالْغَائِطُ وَالْبَوْلُ) قَالَ الْحَسَنُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يُوجِبُ خُرُوجُهُ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ فَهُوَ نَجِسٌ فَعَلَى هَذَا الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ وَالْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ نَجِسٌ وَكَذَا الْقَيْءُ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ نَجِسٌ، وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَسَائِرِ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ وَعِنْدَهُمَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، وَمِنْ الْمُغَلَّظَةِ أَيْضًا خَرْءُ الْكَلْبِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ جَمِيعِ السِّبَاعِ وَأَبْوَالُهَا وَخَرْءُ السِّنَّوْرِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ الْفَأْرِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَاخْتَلَفُوا فِي خَرْءِ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْغُرَابِ وَالْحَدَأَةِ وَالْبَازِي وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مُغَلَّظٌ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مُضْطَرِبٌ فَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ هُوَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا خَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ فَطَاهِرٌ عِنْدَنَا كَالْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَجَنَّبُونَ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَجَنَّبُوهُ الْمَسَاجِدَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ) يَعْنِي الْمِثْقَالَ الَّذِي وَزْنُهُ عِشْرُونَ قِيرَاطًا ثُمَّ قِيلَ الْمُعْتَبَرُ بَسْطُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ، وَقِيلَ وَزْنُهُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَسْطَ فِي الرَّقِيقِ وَالْوَزْنَ فِي الثَّخِينِ
(قَوْلُهُ: جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) وَهَلْ يُكْرَهُ إنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ يُكْرَهُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَتْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَغْسِلَ ثَوْبَهُ وَيَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ إنْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ وَيَجِدُ جَمَاعَةً أُخْرَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَجِدُ جَمَاعَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَقْطَعُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) الْمُخَفَّفَةُ مَا وَرَدَ بِنَجَاسَتِهَا نَصٌّ وَبِطَهَارَتِهَا نَصٌّ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَدَ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اسْتَنْزِهُوا الْأَبْوَالَ» وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَفِيمَا لَا يُؤْكَلُ وَالِاسْتِنْزَاهُ هُوَ التَّبَاعُدُ عَنْ الشَّيْءِ، وَوَرَدَ أَيْضًا فِي طَهَارَتِهِ نَصٌّ وَهُوَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَخَّصَ لِلْعُرَنِيِّينَ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ حَرَامٌ، قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» وَلَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ الْيَوْمَ وَالْمُحَرَّمُ يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ إذَا عُلِمَ حُصُولُ الشِّفَاءِ بِهِ يَقِينًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ مُبَاحٌ بِقَدْرِ سَدِّ الرَّمَقِ لِعِلْمِهِ يَقِينًا بِحُصُولِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُبُعَ الثَّوْبِ) هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ
الجزء 1 · صفحة 39
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مَمْلُوءًا مِنْهُ وَاخْتُلِفَ فِي رُبُعِ الثَّوْبِ عَلَى قَوْلِهِمَا فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ أَيَّ ثَوْبٍ أَصَابَهُ وَكَذَا الْبَدَنُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ رُبُعُ جَمِيعِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ رُبُعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ كَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ وَالْفَخِذِ أَوْ الظَّهْرِ إنْ كَانَ فِي الْبَدَنُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَرُوِيَ عَنْهُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يَمْنَعْ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ لَمْ أُحَرِّمْ لَحْمَهُ لِنَجَاسَتِهِ بَلْ إبْقَاءٍ لِظَهْرِهِ تَحَامِيًا عَنْ تَقْلِيلِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ فِي تَقْلِيلِهَا قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ فَكَانَ طَاهِرَ اللَّحْمِ حَتَّى إنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَخُفِّفَ حُكْمُ بَوْلِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ فَحُشَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَأْكُولِ، وَإِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ السُّؤْرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمَشْكُوكِ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ فَحُشَ، وَإِنْ أَصَابَ مِنْ السُّؤْرِ النَّجَسِ يَمْنَعُ إذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ لُعَابِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ لَا يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فَلَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ حُكْمَ الْأَرْوَاثِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهَا مُغَلَّظَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ رَوْثَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ رَوْثَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَعِنْدَهُمَا كُلُّهَا مُخَفَّفَةٌ رَوْثُ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ وَعِنْدَ زُفَرَ رَوْثُ الْمَأْكُولِ مُخَفَّفٌ وَرَوْثُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُغَلَّظٌ.
(قَوْلُهُ: وَتَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَجِبُ غَسْلُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ فَمَا كَانَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَلَوْ زَالَتْ بِمَرَّةٍ وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ لَا تَطْهُرُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الزَّوَالِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَعَنْ أَبِي حَفْصٍ أَنَّهَا إذَا زَالَتْ بِمَرَّةٍ تُغْسَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ مَرَّتَيْنِ إلْحَاقًا لَهَا بِغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ مَا زَالَتْ الْعَيْنُ تُغْسَلُ ثَلَاثًا قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ الْعَيْنُ وَالرَّائِحَةُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ طَهُرَتْ، وَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ وَبَقِيَتْ الرَّائِحَةُ يُغْسَلُ حَتَّى تَزُولَ الرَّائِحَةُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَلَا يَضُرُّ الْأَثَرُ الَّذِي يَشُقُّ إزَالَتُهُ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا وَلَمْ يَقُلْ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهَا، قِيلَ فِي قَوْلِهِ زَوَالُ عَيْنِهَا فَوَائِدُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ وَذَلِكَ فِي طَهَارَةِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْغَسْلِ وَكَذَلِكَ الْمِرْآةُ وَالسَّيْفُ يُكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْغَسْلِ وَكَذَلِكَ النَّجَاسَةُ إذَا أَحْرَقَتْهَا النَّارُ وَصَارَتْ رَمَادًا، وَكَذَا الْأَرْضُ إذَا جَفَّتْ بِالشَّمْسِ فَفِي هَذَا كُلِّهِ لَا يُحْتَاجُ إلَى الْغَسْلِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ زَوَالُ الْعَيْنِ فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا جَفَّتْ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا فَقَدْ زَالَتْ عَيْنُهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَطْهُرُ قِيلَ قَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُطَهِّرِ بِقَوْلِهِ فَطَهَارَتُهَا فَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُطَهِّرٍ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا يَشُقُّ إزَالَتُهُ) تَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ وَالْمَاءِ الْمَغْلِيِّ بِالنَّارِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ غُسِلَتْ الْمُغَلَّظَةُ بِالْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ مَرْئِيَّةٌ يَزُولُ حُكْمُ الْمُغَلَّظَةِ وَيَبْقَى حُكْمُ الْمُخَفَّفَةِ وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ الْمُخْتَارَ لَا يَزُولُ حُكْمُهَا.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ وَفِي شَرْحِهِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى الْمُخَفَّفَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَيْسَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهَا قَدْ طَهُرَتْ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَإِنْ غَسَلَهَا مَرَّةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا قَدْ زَالَتْ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَرْئِيَّةً فَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَاسَةٌ وَخَفِيَ مَكَانُهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ الثَّوْبِ وَكَذَا إذَا أَصَابَ أَحَدَ
الجزء 1 · صفحة 40
الْكُمَّيْنِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا هُوَ غَسَلَهُمَا جَمِيعًا احْتِيَاطًا.
[حُكْمُ الِاسْتِنْجَاء]
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ سُنَنِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَسَائِرُ السُّنَنِ مَشْرُوعَةٌ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ
(قَوْلُهُ: يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ) يَعْنِي مِنْ التُّرَابِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا أَمَّا إذَا كَانَ الْخَارِجُ قَيْحًا أَوْ دَمًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ مَذْيًا أَوْ وَدْيًا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ أَيْضًا، وَقِيلَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ إذَا كَانَ الْغَائِطُ لَمْ يَجِفَّ وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ أَمَّا إذَا قَامَ أَوْ جَفَّ الْغَائِطُ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ بِقِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ يَزُولُ الْغَائِطُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَيَتَجَاوَزُ مَخْرَجَهُ وَيَتَجَاوَزُ وَبِجَفَافِهِ لَا يُزِيلُهُ الْحَجَرُ وَالْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِنْجَاءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ غَائِطٌ وَلَا بَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ نَجَاسَةِ دَمِهَا كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ.
(قَوْلُهُ: يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ) صُورَتُهُ أَنْ يَجْلِسَ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَعَنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فَيَبْدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ بِالثَّانِي مِنْ مُقَدَّمِ الْيُسْرَى وَيُدِيرُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُمِرُّ الثَّالِثَ عَلَى الصَّفْحَتَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي وَيُدِيرُ بِالثَّالِثِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ أَقْبَلَ بِالْأَوَّلِ وَأَدْبَرَ بِالثَّانِي وَأَدَارَ الثَّالِثَ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّيْفِ أَدْبَرَ بِالْأَوَّلِ وَأَقْبَلَ بِالثَّانِي وَأَدَارَ الثَّالِثَ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ فِي الصَّيْفِ مُتَدَلِّيَتَانِ وَفِي الشِّتَاءِ مُرْتَفِعَتَانِ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَالْقَصْدُ الْإِنْقَاءُ وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ فِي الشِّتَاءِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْأَحْجَارُ الطَّاهِرَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَضَعُ مَا اسْتَنْجَى بِهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَجْعَلُ وَجْهَ الْيُسْرَى إلَى تَحْتُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ، لَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
(قَوْلُهُ: وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) يَعْنِي بَعْدَ الْحِجَارَةِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِنْجَاءُ نَوْعَانِ بِالْحَجَرِ وَبِالْمَاءِ فَبِالْحَجَرِ سُنَّةٌ وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ أَدَبٌ وَفَضِيلَةٌ، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ مَرَّةً وَيَتْرُكُونَهُ أُخْرَى وَهَذَا حَدُّ الْفَضِيلَةِ وَالْأَدَبِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّمَا كَانَ إتْبَاعُ الْمَاءِ مُسْتَحَبًّا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَهُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ سُنَّةٌ قِيلَ لَهُ كَيْفَ يَكُونُ سُنَّةٌ وَالْخِيَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ تَرَكُوهُ فَقَالَ إنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا فَكَانَ فِي زَمَانِنَا سُنَّةً كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِي زَمَانِهِمْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ تَثْلِطُونَ بِكَسْرِ اللَّامِ ثَلْطًا بِسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ إخْرَاجُ الْغَائِطِ رَقِيقًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ ذَهَابُ الرَّائِحَةِ قِيلَ نَعَمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَلْ يُسْتَعْمَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا الْمَائِعَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُتَجَاوِزُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَجَبَ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ بِالْمَاءِ وَيُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَجِبُ إزَالَتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَلَكِنْ إذَا ضُمَّ مَعَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يُضَمُّ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُضَمُّ فَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَنْجِ بِحَجَرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَكَانَتْ لَمْ تَتَجَاوَزْ مَخْرَجَهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَا غَيْرُ إنْ لَمْ يَسْتَنْجِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَى بَدَنِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ اسْتَنْجَى جَازَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ وَلَكِنْ مَسَحَ مَا عَلَى بَدَنِهِ بِالْحِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْبَدَنِ لَا تَجُوزُ إزَالَتُهَا بِالْحِجَارَةِ هَذَا حُكْمُ الْغَائِطِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ إذَا تَجَاوَزَ عَنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ إلَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ وَلَا بِرَجِيعٍ وَلَا بِطَعَامٍ وَلَا بِيَمِينِهِ) يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ وَالرَّجِيعِ وَالطَّعَامِ وَالْفَحْمِ وَالزُّجَاجِ وَالْوَرَقِ وَالْخَزَفِ وَالْقَصَبِ وَالشَّعْرِ وَالْقُطْنِ وَالْخِرْقَةِ وَعَلَفِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ الْحَشِيشِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَنْجَى بِهَا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ
الجزء 1 · صفحة 41
أَمَّا الْعَظْمُ وَالرَّوْثُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ اسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ الْجِنِّ وَالرَّوْثَ عَلَفُ دَوَابِّهِمْ وَيُرْوَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَهُمْ نِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ طَعَامًا وَقَالَ إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلَ وَلَا رَوْثَةً إلَّا وَفِيهَا حَبُّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ وَرُوِيَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْمَتَاعَ فَمَتَّعَهُمْ بِكُلِّ عَظْمٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ فَقَالُوا يُقَذِّرُهَا عَلَيْنَا النَّاسُ فَنَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِذَلِكَ» ، وَأَمَّا الْوَرَقُ فَقِيلَ إنَّهُ وَرَقُ الْكِتَابَةِ، وَقِيلَ وَرَقُ الشَّجَرِ وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا بِالطَّعَامِ فَهُوَ إسْرَافٌ وَإِهَانَةٌ، وَأَمَّا بِالْخَزَفِ وَالزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَقْعَدَةِ، وَأَمَّا الرَّجِيعُ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَهُوَ الْعَذِرَةُ الْيَابِسَةُ، وَقِيلَ الْحَجَرُ الَّذِي قَدْ اسْتَنْجَى بِهِ وَأَمَّا بِالْيَمِينِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ، وَأَمَّا بَاقِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقِيلَ إنَّهَا تُورِثُ الْفَقْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الدُّعَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أَيْ إنَّ دُعَاءَك وَاسْتِغْفَارَك لَهُمْ طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ مُتَغَايِرَةٍ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي) بَدَأَ بِالْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ وَسُمِّيَ الْفَجْرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْجُرُ الظَّلَامَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ) قَيَّدَ بِالْمُعْتَرِضِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُسْتَطِيلِ وَهُوَ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ يَبْدُو طُولًا وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ
وَالْأُفُقُ وَاحِدُ الْآفَاقِ وَهِيَ أَطْرَافُ السَّمَاءِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) أَيْ زَالَتْ مِنْ الِاسْتِوَاءِ إلَى الِانْحِطَاطِ وَسُمِّيَ ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتٍ ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فِيءِ الزَّوَالِ) الْفَيْءُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوَالِ سُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَيْ رَجَعَ وَلَا يُقَالُ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْءٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ ظِلٌّ لَا غَيْرُ وَقَدْ يُسَمَّى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ ظِلًّا
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى الْمِثْلِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِثْلَيْنِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَ الْمِثْلِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا
الجزء 1 · صفحة 42
غَرَبَتْ الشَّمْسُ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ) وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ كَمَا فِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ الْحُمْرَةِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّفَقَ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّقَّةِ وَمِنْهُ الشَّفَقَةُ وَهِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَالْبَيَاضُ أَرَقُّ مِنْ الْحُمْرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاخْتِيَارُ الْمُبَرَّدِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ مِنْ الْحُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَثْبُتَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِيَقِينٍ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْحُمْرَةُ) وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ
وَلِأَنَّ الْغَوَارِبَ ثَلَاثَةٌ الشَّمْسُ وَالشَّفَقَانِ وَكَذَا الطَّوَالِعُ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا الْفَجْرَانِ وَالشَّمْسُ ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِالطَّوَالِعِ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ وَخُرُوجِهِ هُوَ أَوْسَطُ الطَّوَالِعِ فَكَذَا الْغَوَارِبُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَخُرُوجُهُ بِأَوْسَطِهَا وَهِيَ الْحُمْرَةُ، فَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ وَقَوْلُهُ أَحْوَطُ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُ إذَا غَابَ الْبَيَاضُ وَعِنْدَهُمَا إذَا غَابَتْ الْحُمْرَةُ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ الثَّانِي) وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا فِي الْقُرْآنِ مُجْمَلَةً فَقَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَالَ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أَيْ زَوَالِهَا وَهُوَ الظُّهْرُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] أَيْ فَصَلُّوا لِلَّهِ {حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] يَعْنِي الْفَجْرَ {وَعَشِيًّا} [الروم: 18] يَعْنِي الْعَصْرَ {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18] يَعْنِي الظُّهْرَ وقَوْله تَعَالَى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} [طه: 130] يَعْنِي الْفَجْرَ {وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] يَعْنِي الْعَصْرَ {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} [الطور: 49] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ تَسْبِيحًا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّسْبِيحِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وقَوْله تَعَالَى {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49] يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَقَوْلُهُ {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ، وَقِيلَ الْوِتْرُ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْوِتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ) هَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ يَعْنِي إذَا غَابَ الشَّفَقُ إلَّا أَنَّ فِعْلَهُ مُرَتَّبٌ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالِاخْتِلَافُ فِي وَقْتِهَا فَرْعُ الِاخْتِلَافِ فِي صِفَتِهَا فَعِنْدَهُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا صَارَ مَعَ الْعِشَاءِ كَصَلَاةِ الْوَقْتِ وَالْفَائِتَةِ وَعِنْدَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَإِذَا كَانَ سُنَّةً شُرِعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَرَكْعَتَيْ الْعِشَاءِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا وَصَلَّى الْوِتْرَ بِوُضُوءٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي ثَوْبٍ وَالْوِتْرَ فِي ثَوْبٍ آخَرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعِشَاءَ نَجِسٌ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ دُونَ الْوِتْرِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ جَمَعَهُمَا وَقْتٌ وَاحِدٌ كَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ وَكَالْفَائِتَةِ مَعَ الْوَقْتِيَّةِ إذَا صَلَّى الْفَائِتَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا ثُمَّ الْوَقْتِيَّةَ بِوُضُوءٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْفَائِتَةَ وَلَا يُعِيدُ الْوَقْتِيَّةَ كَذَلِكَ الْوِتْرُ مَعَ الْعِشَاءِ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالْوِتْرَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْعَلُ بَعْدَ الْعِشَاءِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَإِذَا أَعَادَ الْعِشَاءَ أَعَادَ مَا هُوَ تَبَعٌ لَهَا كَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَوْ أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَعَمِّدًا أَعَادَهَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ نَاسِيًا لِلْعِشَاءِ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ نَامَ وَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَأَوْتَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَعِنْدَهُ لَا يُعِيدُ الْوِتْرَ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُهَا فِي الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْعِشَاءِ كَرَكْعَتَيْهَا، وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَرَكْعَتَيْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادٌ فِي الْعِشَاءِ وَحْدَهَا أَعَادَهَا وَأَعَادَ الرَّكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا تُبْنَى عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ الْأَوْقَاتِ هُوَ أَوْقَاتُ الْجَوَازِ وَالْآنَ شَرَعَ فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِحْبَابِ
الجزء 1 · صفحة 43
وَحَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يَدْخُلَ مُغَلِّسًا وَيُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ وَيَخْتِمَ بِالْإِسْفَارِ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ يَبْدَأُ بِالْإِسْفَارِ وَيَخْتِمُ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقِيلَ حَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي وَقْتٍ لَوْ صَلَّى بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ مُرَتَّلَةٍ فَإِذَا فَرَغَ لَوْ ظَهَرَ لَهُ فَسَادٌ فِي طَهَارَتِهِ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ وَالْإِعَادَةُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلْحَاجِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ) وَحَدُّهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَ الْمِثْلِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَدَّمَهَا
(قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا فَعَلَ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ) هَذَا فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغَيُّرِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الشُّعَاعُ عَلَى الْحِيطَانِ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقُرْصُ وَيَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عَصْرَ يَوْمِهِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) يَعْنِي فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا إلَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْغُرُوبَ بِغَالِبِ الظَّنِّ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) وَالتَّأْخِيرُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ وَإِلَى مَا بَعْدَ النِّصْفِ مَكْرُوهٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشِّتَاءِ أَمَّا فِي الصَّيْفِ فَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا لِأَجْلِ قِصَرِ اللَّيْلِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ فَإِنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ»
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَثِقْ إلَخْ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِالِانْتِبَاهِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ أَوَّلَهُ وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَانْتَهَى وَاسْتَمَرَّ وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ وَقُبِضَ وَهُوَ يُوتِرُ بِسَحَرٍ» وَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ التَّأْخِيرُ وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ التَّعْجِيلُ لِمَا فِي الْعِشَاءِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ الظَّلَامِ وَلِمَا فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ مَنْ تَوَهُّمِ الْوُقُوعِ فِي الْوَقْتِ الْمُكْرَهِ وَضَابِطُهُ أَنَّك تُقَابِلُ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ فَتُقَابِلُ التَّعْجِيلَ بِالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَتُؤَخِّرُ الْبَاقِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَذَانِ]
(بَابُ الْأَذَانِ) الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِعْلَامُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إعْلَامٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ جُعِلَتْ عَلَمًا لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِعْلَامِ إذْ الْإِعْلَامُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْمُعْلَمِ بِهِ فَلَا بُدَّ لِلْأَخْبَارِ مِنْ سَابِقَةِ وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَلِأَنَّ أَثَرَ الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ الْخَوَاصِّ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَذَانُ إعْلَامٌ فِي حَقِّ الْعَوَامّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ أَوْ لِزِيَادَةِ مَرْتَبَةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْإِمَامُ الْكُرْدِيُّ: حَقِيقٌ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِالْوَقْتِ فَإِذَا لَمْ يَتَنَبَّهْهُ بِالْوَقْتِ فَلْيُنَبِّهْهُ الْأَذَانُ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) الْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ الْأَذَانِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 58] وقَوْله تَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ} [الجمعة: 9] ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَمْ الْإِمَامَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ» فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ، وَالْأَمِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الضَّمِينِ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «دَعَا لِلْأَئِمَّةِ بِالرُّشْدِ وَدَعَا لِلْمُؤَذِّنِينَ بِالْمَغْفِرَةِ» وَالْغُفْرَانُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّشْدِ
الجزء 1 · صفحة 44
وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُمَنَاءُ أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ فَلَا يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ مُشْرِفُونَ عَلَى مَوَاضِعَ عَالِيَةٍ فَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَئِمَّةً وَلَمْ يَكُونُوا مُؤَذِّنِينَ وَهُمْ لَا يَخْتَارُونَ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَفْضَلَهَا
(قَوْلُهُ: سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْجُمُعَةُ) فَإِنْ قِيلَ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْخَمْسِ فَلِمَ أَفْرَدَهَا وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ؟ قِيلَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَذَانَيْنِ وَلِتَتَمَيَّزَ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْعِيدَيْنِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الْإِمَامِ وَالْمِصْرِ فَرُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهَا كَالْعِيدِ
(قَوْلُهُ: دُونَ مَا سِوَاهَا) كَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.
(قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الْأَذَانِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ) أَيْ أَكْبَرُ مِمَّا اشْتَغَلْتُمْ بِهِ وَطَاعَتُهُ أَوْجَبُ فَاشْتَغِلُوا بِطَاعَتِهِ وَاتْرُكُوا أَعْمَالَ الدُّنْيَا وَكَانَ السَّلَفُ إذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ كَانُوا فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُخَالِفٍ لَكُمْ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) مُحَمَّدٌ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَيْ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ أَخْبَارَ الَّذِي بَعَثَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ جَاءَتْ الْإِبِلُ رُسُلًا أَيْ مُتَتَابِعَةً وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَلِيهِ ذِكْرُ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي فَهُوَ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنْ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ... إذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدٌ
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَيْهَا
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَى مَا فِيهِ فَلَاحُكُمْ وَنَجَاتُكُمْ وَالْفَلَاحُ هُوَ النَّجَاةُ وَالْبَقَاءُ وَالْمُفْلِحُونَ هُمْ النَّاجُونَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُرَجِّعُ وَهُوَ أَنْ يُرَجِّعَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ سِرًّا إلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَنَّ «بِلَالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَذَّنَ لِلْفَجْرِ ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ نَائِمٌ فَقَالَ بِلَالٌ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ مَا أَحْسَنَ هَذَا اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك لِلْفَجْرِ» فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا أَيْضًا فِي أَذَانِ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَوْجُودٌ فِيهَا إذْ السُّنَّةُ تَأْخِيرُهَا إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَنَامُ قَبْلَهَا قِيلَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْفَجْرِ مَعْدُومٌ فِي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَنَامُونَ قَبْلَ أَذَانِ الْعِشَاءِ فِي الْغَالِبِ وَإِنَّمَا يَنَامُونَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْفَجْرِ فَإِنَّ النَّوْمَ فِيهَا قَبْلَ الْأَذَانِ وَلِأَنَّ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فِيمَا يَقُولُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَيْ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يُتَابِعُ وَفِي قِرَاءَةِ الْفِقْهِ لَا يُتَابِعُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ لَا يَفُوتُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ لَا بِاللِّسَانِ حَتَّى لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَمْشِ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُجِيبًا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ عَلَيْهِ إجَابَةٌ.
وَفِي الْفَوَائِدِ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَقْرَأُ فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى قِرَاءَتِهِ وَيَنْبَغِي لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي حَالِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِجَابَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ) وَهُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ وَلَا تَطْرِيبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 45
رِسْلِك أَيْ عَلَى رِفْقِك
(قَوْلُهُ: وَيَحْدُرُ فِي الْإِقَامَةِ) الْحَدْرُ الْوَصْلُ وَالسُّرْعَةُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ فَإِنْ تَرَسَّلَ فِيهِ أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا أَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْأَذَانِ وَيُكْرَهُ التَّغَنِّي فِي الْأَذَانِ وَالتَّطْرِيبُ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْغِضُك فِي اللَّهِ قَالَ وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّك تَتَغَنَّى فِي أَذَانِك، وَرُوِيَ أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرَّبَ فِي أَذَانِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) أَيْ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ وَذَلِكَ يُوجَدُ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَ إلَى الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا) يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْيَمِينِ وَالْفَلَاحَ فِي الشِّمَالِ وَهَلْ يُحَوِّلُ قَدَمَيْهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ لَا إلَّا إذَا كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ نَوَاحِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُحَوِّلَ قَدَمَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَالْمَعْنَى بِالتَّحْوِيلِ إعْلَامُ النَّاسِ وَهُمْ فِي الْأَرْبَعِ الْجِهَاتِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ قُدَّامَهُ وَوَرَاءَهُ لَكِنْ تَرَكَ التَّحْوِيلَ إلَى وَرَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَمِنْ قُدَّامِهِ قَدْ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالتَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ وَهَلْ يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ قِيلَ لَا؛ لِأَنَّهَا إعْلَامٌ لِلْحَاضِرِينَ بِخِلَافِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ إعْلَامٌ لِلْغَائِبِينَ، وَقِيلَ يُحَوِّلُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مُتَّسِعًا وَيَجْعَلُ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا فَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَإِنْ تَرَكَهُ لَا يَضُرُّ وَيُؤَذِّنُ قَائِمًا فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ يَعْنِي إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ أَمَّا إذَا أَذَّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا الْإِعْلَامَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَذَّنَ الْمُسَافِرُ رَاكِبًا فَلَا بَأْسَ وَيَنْزِلُ لِلْإِقَامَةِ وَيُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فَإِنْ عَرَفَ الْقَوْمُ حَاجَتَهُ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طَلَبٍ جَازَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُون الْمُؤَذِّنُ فَاسِقًا فَإِنْ صَلَّوْا بِأَذَانِهِ أَجْزَأَهُمْ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْأَذَانِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَهِيَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَادُ أَذَانُ أَرْبَعَةٍ الْمَجْنُونِ وَالْجُنُبِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا يُعَادُ أَذَانُهُ فَإِنْ أُعِيدَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَصِحُّ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَذَانٌ وَأَشَارَ فِي شَرْحِهِ لِلْكَرْخِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْوَادِي إلَى أَنْ أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ فَلَمَّا انْتَبَهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قُومُوا ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْفَجْرَ»
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الثَّانِيَةِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الْغَائِبِينَ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِقَامَةُ لِإِعْلَامِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَهُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجُونَ وَهَذَا إذَا قَضَاهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا قَضَاهَا فِي مَجَالِسَ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى وُضُوءٍ) فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ فِي الْأَذَانِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ فَالْأَذَانُ أَوْلَى لَكِنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ وَهُوَ جُنُبٌ) فَإِنْ أَذَّنَ أُعِيدَ أَذَانُهُ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ بِالْجَنَابَةِ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْوَقْتِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ مِنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْتَفِتُ فِيهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا تَحْرِيمَةَ فِيهِ وَلَا قِرَاءَةَ فَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَهُوَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ تَجْهِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ» وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعَ مُؤَذِّنًا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فَقَالَ أَمَا خَشِيتَ أَنْ يَنْقَطِعَ مُرَيْطَاؤُكَ
الجزء 1 · صفحة 46
وَهُوَ عِرْقٌ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ وَالتَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَيُكْرَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعٍ وَيَقَظَةٍ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَصِفَتُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ إمَّا بِقَوْلِهِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ أَوْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا) الشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ الشَّيْءَ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِهِ وَيُشْتَرَطُ اسْتِدَامَتُهُ ثُمَّ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ شَرْطُ الِانْعِقَادِ لَا غَيْرُ كَالنِّيَّةِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَالْوَقْتِ وَالْخُطْبَةِ وَشَرْطُ الدَّوَامِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالثَّالِثُ مَا شُرِطَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْبَقَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَدُّمُ وَلَا الْمُقَارَنَةُ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ مِنْ بَيَانِ الطَّهَارَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) أَيْ بِثَوْبٍ ضَيِّقٍ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ أَمَّا إذَا رُئِيَ مَا تَحْتَهُ لَا يُجْزِئُهُ وَهَلْ السَّتْرُ شَرْطٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبُوهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَفَائِدَتُهُ إذَا صَلَّى فِي قَمِيصٍ بِغَيْرِ أَزْرَارٍ وَكَانَ لَوْ نَظَرَ رَأَى عَوْرَتَهُ مِنْ زِيقِهِ وَهُوَ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ فَعِنْدَ مَنْ قَالَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ تَفْسُدُ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ عُرْيَانًا وَلَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ السَّتْرَ شَرْطًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَوْ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ كَدِرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ صَافِيًا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ لَا يَصِحُّ وَيُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَعَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى فَإِنْ صَلَّى فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ صَلَّى فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَصَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَحِيحَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْعَوْرَةُ مِنْ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ) إلَى هَا هُنَا بِمَعْنَى مَعَ ثُمَّ الْعَوْرَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: غَلِيظَةٌ كَالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَخَفِيفَةٌ وَهِيَ مَا عَدَاهُمَا وَقَلِيلُ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَكَثِيرُهَا يَمْنَعُ وَحَدُّ الْمَانِعِ رُبُعُ عُضْوٍ فَمَا زَادَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنْ انْكَشَفَ أَقَلُّ مِنْ الرُّبُعِ لَا يَمْنَعُ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي أَعْضَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَوْ جُمِعَ يَبْلُغُ رُبُعَ عُضْوٍ مَنَعَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يَمْنَعُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْمَانِعُ النِّصْفُ فَمَا زَادَ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ لَا يَمْنَعُ، وَقِيلَ لَهُ فِي النِّصْفِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَالْعُضْوُ كَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالرَّأْسِ وَالشَّعْرِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالذَّكَرُ بِانْفِرَادِهِ وَالْأُنْثَيَانِ بِانْفِرَادِهِمَا وَالدُّبُرُ بِانْفِرَادِهِ وَالْأَلْيَتَانِ بِانْفِرَادِهِمَا وَالرُّكْبَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَبَعٌ لِلْفَخِذِ فَهِيَ مَعَهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ وَثَدْيُ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ نَاهِدَةً تَبَعٌ لِلصَّدْرِ وَإِنْ كَانَ تَدَلَّى كَانَ عُضْوًا بِانْفِرَادِهِ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ فِي اعْتِبَارِ الرُّبُعِ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا انْكَشَفَتْ مِنْ الْغَلِيظَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَاعْتَبَرُوهَا بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا التَّغْلِيظَ فِي الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الدُّبُرِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ مَكْشُوفًا
(قَوْلُهُ: وَالرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَالسُّرَّةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَعِنْدَهُ عَوْرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَبَدَنُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كُلُّهُ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ
الجزء 1 · صفحة 47
الْقَدَمَ عَوْرَةٌ وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي حَقِّ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَفِّ بَاطِنُهُ أَمَّا ظَاهِرُهُ فَعَوْرَةٌ وَلَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ قَدَمِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ عَوْرَةً مَنَعَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ صَلَّتْ وَرُبُعُ سَاقهَا مَكْشُوفٌ تُعِيدُ الصَّلَاةَ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا تُعِيدُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تُعِيدُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ وَالْحُكْمُ فِي الشَّعْرِ وَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخِذِ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاخْتَارَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ هُوَ مَا عَلَى الرَّأْسِ وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَلَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ أُذُنِهَا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ كُلُّ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا انْفَصَلَ عَنْهَا هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ لَنَا النَّظَرُ إلَى رِيقِهَا وَدَمِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكَذَا الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ مِنْ الرَّجُلِ وَشَعْرُ عَانَتِهِ إذَا حُلِقَ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ سَقَطَتْ حُرْمَتُهُ
(قَوْلُهُ) : (وَمَا كَانَ عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْأَمَةِ وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ) وَكَذَا الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَمَنْ فِي رَقَبَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ بِمَعْنَى الْأَمَةِ وَالْمُسْتَسْعَاةُ كَالْمُكَاتَبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا جَعَلَ بَطْنَهَا وَظَهْرَهَا عَوْرَةً؛ لِأَنَّهُمَا يَحِلَّانِ مَحَلَّ الْفَرْجِ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ أَوْ بَطْنِهَا كَانَ مُظَاهِرًا كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِفَرْجِهَا وَالظَّهْرُ هُوَ مَا قَابَلَ الْبَطْنَ مِنْ تَحْتِ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ
(قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ بَدَنِهَا فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا فَارَقَتْ الْحُرَّةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى فَفَارَقَتْهَا فِي السَّتْرِ حَتَّى إنَّ الْأَمَةَ إذَا صَلَّتْ وَرَأْسُهَا مَكْشُوفٌ جَازَتْ صَلَاتُهَا فَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْقِنَاعَ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا لَزِمَهَا الْآنَ بِخِلَافِ الْعُرْيَانِ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إذَا كَانَ مَشْيُهَا ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَسَدَتْ وَإِنْ لَمْ تَسْتُرْ رَأْسَهَا أَوْ سَتَرَتْهُ وَقَدْ أَدَّتْ رُكْنًا فَسَدَتْ وَالْخُنْثَى حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَكَالْأَمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ رُبُعُ الثَّوْبِ فَصَاعِدًا طَاهِرًا يُصَلِّي فِيهِ صَلَّى عُرْيَانًا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ رُبُعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ فَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَعِنْدَهُمَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا أَوْ فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ مَا مَقْصُودُهُ أَيْ مِنْ أَيِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ قَوْلُهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ عَلَى مَا عُرِفَ وَحَدُّ عَدَمِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ فَصَاعِدًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الْقُدْرَةُ فَإِنْ أُبِيحَ لَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ الْأَصَحُّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي التَّيَمُّمِ
(قَوْلُهُ: ثَوْبًا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ أَيِّ ثَوْبٍ كَانَ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: قَاعِدًا) صِفَةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهُ، وَقَوْلُهُ يُومِئُ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ) يَعْنِي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ) يَعْنِي صَلَاتَهُ قَاعِدًا يُومِئُ وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ وَلِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ وَالْإِيمَاءُ خَلَفٌ عَنْ الْأَرْكَانِ وَلِأَنَّ السَّتْرَ فَرْضٌ وَالْقِيَامَ فَرْضٌ وَقَدْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْكِ أَحَدِهِمَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ آكَدُهُمَا وَهُوَ السَّتْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ السَّتْرُ أَوْلَى وَفِعْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَتْرٌ لَهُ فَكَانَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ النَّافِلَةَ تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ وَلَا تَجُوزُ بِدُونِ السَّتْرِ حَالَ الْقُدْرَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْعُرْيَانِ يَعِدُهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّوْبَ إذَا صَلَّى فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ
الجزء 1 · صفحة 48
كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ صَلَّى رَجُلَانِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَاسْتَتَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِطَرَفٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَكَذَا لَوْ أَلْقَى أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى نَائِمٍ أَجْزَأَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهِ بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ وَلَا غَيْرِهِ) وَالنِّيَّةُ هِيَ الْعِلْمُ السَّابِقُ بِالْعَمَلِ اللَّاحِقِ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّكْبِيرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهَا وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَلَا مُعْتَبَرَةٌ بِالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةً لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ التَّحْرِيمَةِ وَاخْتَلَفُوا إلَى مَتَى قَالَ بَعْضُهُمْ إلَى مُنْتَهَى الثَّنَاءِ، وَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ تُؤَدِّي إلَى وُقُوعِ الشُّرُوعِ خَالِيًا عَنْهَا فَإِنْ قِيلَ الصَّوْمُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ وَقْتِ الشُّرُوعِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ؟ قُلْنَا طُلُوعُ الْفَجْرِ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَلَوْ شُرِطَتْ النِّيَّةُ حِينَئِذٍ لَضَاقَ الْأَمْرُ، وَأَمَّا وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ وَقْتُ حُضُورٍ وَيَقَظَةٍ فَيُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ
(قَوْلُهُ: لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) يَعْنِي عَمَلًا لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ وَلَا يَكْفِيهِ نِيَّةُ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنْوَاعٌ وَإِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي فَرْضِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَكِنْ نَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَمَا يَقْبَلُ ظُهْرَ الْيَوْمِ يَقْبَلُ ظُهْرًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً، وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَالَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ أَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا صَلَّى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِخُرُوجِهِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ هُوَ الْعَصْرَ وَإِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ كَانَ نَاوِيًا لِلْعَصْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ لَا تَجُوزُ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ، وَإِنْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهَا إرَادَةٌ وَالْإِرَادَةُ عَمَلُ الْقَلْبِ لَا عَمَلُ اللِّسَانِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ اللِّسَانِ يُسَمَّى كَلَامًا لَا إرَادَةً إلَّا أَنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ مَعَ عَمَلِ الْقَلْبِ سُنَّةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالنِّيَّةِ وَلِسَانَهُ بِالذِّكْرِ وَيَدَهُ بِالرَّفْعِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرَاوِيحِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةِ التَّرَاوِيحِ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ تَجُوزُ التَّرَاوِيحُ وَالسُّنَنُ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ إلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي التَّرَاوِيحِ أَنْ يَنْوِيَ التَّرَاوِيحَ أَوْ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي السُّنَّةِ أَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ وَفِي الْوِتْرِ أَنْ يَنْوِيَ الْوِتْرَ، وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَدَاءُ فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَفَرَ ثُمَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَفَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا وَمَنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا فَفَرْضُهُ إصَابَةُ جِهَتِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا أَيْضًا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ اشْتِرَاطُ نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِلنَّائِي فَعَلَى قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ يُشْتَرَطُ وَعَلَى الصَّحِيحِ لَا يُشْتَرَطُ، وَإِنْ صَلَّى إلَى الْحَطِيمِ أَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَنْوِ الْكَعْبَةَ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَفَرْضُهُ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إصَابَتِهَا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ قِبْلَةَ الْمَدِينَةِ ثَبَتَتْ مِنْ حَيْثُ النَّصُّ وَسَائِرُ الْبِقَاعِ بِالِاجْتِهَادِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فَيُصَلِّيَ إلَى أَيِّ وِجْهَةٍ قَدَرَ) سَوَاءٌ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ أَوْ كَانَ عَلَى خَشَبَةٍ فِي الْبَحْرِ إنْ انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ أَنْ يَغْرَقَ أَوْ الْمَرِيضُ لَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ يَجِدُ إلَّا أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالتَّحْوِيلِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى) الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ اجْتِهَادُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجِهَاتِ قِيلَ
الجزء 1 · صفحة 49
يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ لَا يَشُكَّ وَلَا يَتَحَرَّى وَجَوَابُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ وَالثَّانِي أَنْ يَشُكَّ وَلَا يَتَحَرَّى، وَجَوَابُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْفَسَادِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ اسْتَأْنَفَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ وَالثَّالِثُ أَنْ يَشُكَّ وَيَتَحَرَّى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَوَازِ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً إجْمَاعًا فَإِنْ كَانَتْ مُصْحِيَةً قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مُصْحِيَةً لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالدَّلَائِلِ فَإِذَا فَرَّطَ لَمْ يَكُنْ الْجَهْلُ عُذْرًا مِنْ الدَّلَائِلِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْقُطْبُ
(قَوْلُهُ: بِحَضْرَتِهِ) حَدُّ الْحَضْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُ مَنْ يَسْأَلُهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ سُؤَالُهُ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ خَالَفَ رَأْيَهُ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، وَكَذَا الْأَعْمَى إذَا لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الشُّرُوعِ مَنْ يَسْأَلُهُ وَأَخْطَأَ جَازَ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ اجْتَهَدَ وَبِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ الْقِبْلَةَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إلَى الْقِبْلَةِ وَبَنَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ فَرْضَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِينَ عَلِمَ فَلَزِمَهُ الِاسْتِدَارَةُ، وَلَوْ سَأَلَ قَوْمًا بِحَضْرَتِهِ فَلَمْ يُخْبِرْهُ حَتَّى صَلَّى بِالتَّحَرِّي ثُمَّ أَخْبَرُوهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَى الْقِبْلَةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَ مَنْ يَسْأَلُهُ بِحَضْرَتِهِ فَصَلَّى وَأَصَابَ الْقِبْلَةَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ وَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ صَلَّى إلَى غَيْرِهَا فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ كَلَامُ الْوَاصِفِ وَالصِّفَةَ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ الْمَوْصُوفِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ زَيْدٌ عَالِمٌ وَصْفٌ لِزَيْدٍ لَا صِفَةٌ لَهُ وَالْعِلْمُ الْقَائِمُ بِهِ صِفَتُهُ لَا وَصْفُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قِيَامَ الْوَصْفِ بِالْوَاصِفِ وَقِيَامَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةٌ) أَيْ فَرَائِضُ نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَالْقِيَاسُ سِتٌّ بِدُونِ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ لَكِنَّهُ قَالَ عَلَى تَأْوِيلِ الْفُرُوضِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةِ لِلْمَعْهُودِ أَيْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ.
(قَوْلُهُ: التَّحْرِيمَةُ) يَعْنِي تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ عَدَّهَا مِنْ الْفُرُوضِ لِاتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَابِ لِلدَّارِ فَإِنَّ الْبَابَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا فَهُوَ يُعَدُّ مِنْهَا وَسُمِّيَتْ تَحْرِيمَةً؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَهَا مِنْ الْكَلَامِ وَالِالْتِفَاتِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا وَفَرْضٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا فَسَدَتْ الْفَرِيضَةُ تَنْقَلِبُ نَفْلًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا وَفِيمَا إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ زَالَتْ الشَّمْسُ فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُ لَا، فَإِنْ قُبِلَتْ فَقَدْ صَارَتْ الشُّرُوطُ سَبْعَةً وَالْفُرُوضُ خَمْسَةً وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْعَدَدِ فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ الطَّهَارَةُ بِأَنْوَاعِهَا وَاحِدَةٌ وَالسَّادِسُ التَّحْرِيمَةُ وَالْفُرُوضُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالسَّادِسُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالصُّنْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالطُّمَأْنِينَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
الجزء 1 · صفحة 50
وَالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ عِنْدَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَامُ) يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَحَدُّ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ لَا يَنَالُ رُكْبَتَيْهِ وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ عَلَى أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ وَلِلْعُذْرِ لَا تُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْقِرَاءَةُ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَتْ أَنَّهَا فِي الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَالرُّكُوعُ هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالسُّجُودُ هُوَ الِانْخِفَاضُ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ التَّحِيَّاتُ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَوْ فَرَغَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَتَكَلَّمَ أَوْ أَكَلَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ فَرَغَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَتَكَلَّمَ أَوْ أَكَلَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ) أُطْلِقَ اسْمُ السُّنَّةِ وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ السُّورَةِ إلَيْهَا وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ كَالسُّجُودِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَاهِيًا وَقَامَ وَصَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ الْمَتْرُوكَةَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا وَمِنْ الْوَاجِبَاتِ أَيْضًا الْقَعْدَةُ الْأُولَى وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْقُنُوتُ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ وَالْجَهْرُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَالْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ وَلِهَذَا وَجَبَ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا وَإِنَّمَا سَمَّاهَا سُنَّةً؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ كَبَّرَ) أَيْ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] أَيْ إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
(قَوْلُهُ: كَبَّرَ) أَيْ عَظَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَةُ
(قَوْلُهُ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ) الرَّفْعُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَوْلُهُ مَعَ التَّكْبِيرَةِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَوَّلًا فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ الْمُحَاذَاةِ كَبَّرَ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِمَنْزِلَةِ النَّفْيِ كَأَنَّهُ نَبَذَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَالْيَدُ الْيُمْنَى كَالْآخِرَةِ وَالْيُسْرَى كَالدُّنْيَا؛ وَلِأَنَّ فِي الرَّفْعِ نَفْيَ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِمَنْزِلَةِ إثْبَاتِ الْكِبْرِيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا تَصِحُّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ إلَّا فِي حَالِ الْقِيَامِ أَمَّا إذَا حَنَى ظَهْرَهُ ثُمَّ كَبَّرَ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ لَا يَصِحُّ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَعِنْدَ مَالِكٍ حَذْوَ رَأْسِهِ وَقَالَ طَاوُسٍ فَوْقَ رَأْسِهِ وَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرْفَعُ حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ التَّكْبِيرُ فِي الْقُنُوتِ وَالْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهَا فِي الرَّفْعِ كَالرَّجُلِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ بَدَلًا مِنْ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) وَهَلْ يُكْرَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ عِنْدَهُمَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَقَوْلُهُ بَدَلًا مِنْ التَّكْبِيرِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَغَيْرُهُ بَدَلٌ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ سَاهِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَهْوٌ إلَّا فِي افْتِتَاحِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ) هَذَا إذَا قَرَنَ اسْمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ أَوْ أَكْبَرُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ الِاسْمِ لَمْ يَكْمُلْ بِهِ التَّعْظِيمُ وَالثَّنَاءُ وَإِذَا
الجزء 1 · صفحة 51
ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ فَقَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَوْ الرَّبُّ صَحَّ دُخُولُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ مَعَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْظِيمِ بِذِكْرِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَلَوْ افْتَتَحَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ بِسُبْحَانَ اللَّهَ تَبَارَكَ اللَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ اللَّهُ كَبِيرٌ اللَّهُ الْكَبِيرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ بِغَيْرِهِ وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وَلَوْ قَالَ الرَّحِيمُ أَكْبَرُ جَازَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ قَالَ الرَّحْمَنُ جَازَ وَلَوْ قَالَ الرَّحِيمُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ كَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي هَذَا، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَوْ حَوْقَلَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَلَوْ افْتَتَحَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُكْرَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) وَقَالَ مَالِكٌ يُرْسِلُ يَدَيْهِ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلّ يَمِينه عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ السُّرَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضَعُ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ رُسْغَهُ الْيُسْرَى وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَضَعَ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقَ بِالْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ وَوَقْتُهُ حِينَ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَضَعُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ لِاعْتِمَادِ سُنَّةِ الْقِيَامِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يُرْسِلَ حَالَةَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ حَتَّى إنَّهُ يُرْسِلُ حَالَةَ الثَّنَاءِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ يُعْتَمَدُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيَعْتَمِدُ فِي حَالَةِ الْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] .
(قَوْلُهُ: وَتَبَارَكَ اسْمُك) أَيْ دَامَ خَيْرُك وَالْبَرَكَةُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ قَالَ صَاحِبُ الْحَوَاشِي مِنْ بَرَكَةِ اسْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا جَاوَرَ جِلْدًا مُهَانًا لَا يَمَسُّ ذَلِكَ الْجِلْدَ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ
(قَوْلُهُ: وَتَعَالَى جَدُّك) أَيْ عَظَمَتُك وَالْجَدُّ هُوَ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ
(قَوْلُهُ: وَلَا إلَهَ غَيْرُك) الْمَشْهُورُ فِي إلَهٍ الْفَتْحُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ الْمُؤْتَمُّ الصَّلَاةَ بَعْدَمَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَلْ يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَقِيلَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَيْنَ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ كَلِمَةً كَلِمَةً.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أَيْ يَلْجَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يُقَالُ عُذْت بِفُلَانٍ أَيْ لَجَأْت إلَيْهِ وَسُمِّيَ الشَّيْطَانُ لِشُطُونِهِ عَنْ الْخَيْرِ أَيْ لِبُعْدِهِ عَنْهُ وَالشَّيْطَانُ الْبَعِيدُ وَالرَّجِيمُ بِمَعْنَى الْمَرْجُومِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ وَيَقْرُبَ مِنْهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ إنَّ التَّعَوُّذَ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِافْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْتِي بِهِ وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَقِيبَ الثَّنَاءِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ وَكَذَا الْمَسْبُوقُ إذَا قَامَ إلَى الْقَضَاءِ لَا يَأْتِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ عَقِيبَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَهُمَا يَأْتِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ الْآنَ وَاخْتَارَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا الْمَعَانِي فَيَقَعُ بِهَا الْإِعْجَازُ
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لَمَّا قَالَ يَقْرَأُ وَفَصَلَهَا عَنْ الثَّنَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَأَمْرُهُ بِالْمُخَافَتَةِ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ بَلْ هِيَ آيَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وَلِهَذَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطٍّ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يَتَأَدَّى بِهَا فَرْضُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَهُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قَوْلَانِ وَفِي تَكْرَارِهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَلَا يُعِيدُهَا فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَلَا يَقْرَؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا لِلسُّورَةِ وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ أَمَّا فِي
الجزء 1 · صفحة 52
الْجَهْرِيَّةِ فَلَا يُعِيدُهَا فِيهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَلَا يَأْتِي بِهَا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسِرُّ بِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْهَرُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَقْرَؤُهَا لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا إلَّا فِي التَّرَاوِيحِ يَفْتَتِحُ بِهَا السُّورَةَ دُونَ الْفَاتِحَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) سُمِّيَتْ فَاتِحَةً؛ لِأَنَّهَا يُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ أَيْ يَبْدَأُ وَتُسَمَّى الْوَافِيَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْتَصِفُ فِي الصَّلَاةِ وَتُسَمَّى السَّبْعَ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثُمَّ قِرَاءَتُهَا لَا تَتَعَيَّنُ رُكْنًا عِنْدَنَا وَكَذَا ضَمُّ السُّورَةِ إلَيْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْفَاتِحَةِ وَلِمَالِكٍ فِيهِمَا لَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَالتَّعْيِينُ يَنْفِي التَّيْسِيرَ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ) أَيْ قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ خِفْيَةً وَالضَّالُّونَ هُمْ النَّصَارَى وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمْ الْيَهُودُ.
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُهَا الْمُؤْتَمُّ وَيُخْفِيهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» وَإِذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ هَلْ يُؤَمِّنُ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُؤَمِّنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَهْرَ لَغْوٌ فَلَا يُتْبَعُ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ إذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْمُقْتَدَى التَّأْمِينَ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُؤَمِّنُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يُخْفِي الْإِمَامُ التَّعَوُّذَ وَالتَّشَهُّدَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ) .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ فَفِي الْأَوَّلِ يُكَبِّرُ فِي مَحْضِ الْقِيَامِ وَفِي الثَّانِي يَقْتَضِي مُقَارَنَةَ التَّكْبِيرِ مَعَ الِانْحِطَاطِ وَيَحْذِفُ الْمَدَّ فِي التَّكْبِيرِ وَلَا يُطَوِّلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا وَهُوَ كُفْرٌ وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ.
وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً فَإِنْ قَالَ آللَّهُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ فَهَذَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ تَعَمَّدْ يَكْفُرْ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ وَأَمَّا إذَا خَلَّلَ الْأَلِفَ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ إشْبَاعٌ وَلَكِنَّ الْحَذْفَ أَوْلَى وَأَمَّا إذَا مَدَّ الْهَمْزَةَ مِنْ أَكْبَرُ تُفْسِدُ أَيْضًا لِمَكَانِ الشَّكِّ وَإِنْ مَدَّ مَا بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ بِأَنْ وَسَّطَ أَلِفًا بَيْنَهُمَا قَالَ بَعْضُهُمْ يُفْسِدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُفْسِدُ وَيَجْزِمُ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الرَّفْعُ بِالْخَبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْآذَانُ جَزْمٌ وَالْإِقَامَةُ جَزْمٌ وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ» .
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَفْرِجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) وَلَا يُنْدَبُ إلَى التَّفْرِيجِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَلَا إلَى الضَّمِّ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ لِيَقَعَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ مُوَاجِهَةً لِلْقِبْلَةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يَتَكَلَّفُ لَا لِلضَّمِّ وَلَا لِلتَّفْرِيجِ
(قَوْلُهُ: وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَعْتَدِلُ فِي رُكُوعِهِ بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ لَمْ يُهْرَقْ» وَلَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ وَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ مُنْحَنِيًا إنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَلَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَكَعَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلًا إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ أَقْرَبَ أَجْزَأَهُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَلَوْ كَانَ أَحْدَبَ تَبْلُغُ حُدُوبَتُهُ إلَى الرُّكُوعِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ أَكْثَرَ مِنْ حُدُوبَتِهِ وَلَا تُجْزِئُهُ حُدُوبَتُهُ عَنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَائِمِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ.
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمَ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ أَنْ يَقُولَهَا عَشْرًا.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَدْنَاهُ ثَلَاثٌ وَالْأَوْسَطُ خَمْسٌ وَالْأَكْمَلُ سَبْعٌ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ فَسَمِعَ مِنْ خَلْفِهِ خَفْقَ النِّعَالِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْتَظِرُهُمْ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ أَيْضًا زَجْرًا لَهُمْ عَنْ التَّأْخِيرِ عَنْ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الدَّاخِلُ غَنِيًّا لَمْ يَنْتَظِرْهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ انْتِظَارُهُ وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ عَرَفَهُ لَا يَنْتَظِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ لَا بَأْسَ بِانْتِظَارِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ عَادَتُهُ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَمُلَازَمَةَ الْجَمَاعَةِ جَازَ انْتِظَارُهُ وَإِلَّا فَلَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) هَذِهِ الْقَوْمَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
الجزء 1 · صفحة 53
فَرْضٌ وَقَوْلُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَاهُ يُقَالُ سَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ إذَا قَبِلَهَا
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَقُولُهَا سِرًّا بَعْدَ أَنْ يَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ يَعْنِي لَمَّا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ صَارَ مُحِثًّا عَلَى التَّحْمِيدِ فَكَانَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ فَيَأْتِي بِهِ مَعَ التَّسْمِيعِ كَالْمُنْفَرِدِ قُلْنَا الْمُنْفَرِدُ لَمَّا حَثَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يَمْتَثِلْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ لَهُ، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» وَهَذِهِ قِسْمَةٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ وَلِهَذَا لَا يَأْتِي الْمُؤْتَمُّ بِالتَّسْمِيعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَقُولُهَا لَوَقَعَ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ الْمَأْمُومِ وَهَذَا خِلَافُ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ) أَمَّا الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا فَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَرْضٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) يَعْنِي فِي حَالَةِ سُجُودِهِ.
(قَوْلُهُ: وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ) لِأَنَّ آخِرَ الرَّكْعَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَوَّلِهَا فَكَمَا يَجْعَلُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ فَكَذَا فِي آخِرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ فِي سُجُودِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا سَاجِدًا قَدْ عَدَلَ بِيَدَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَالَ اسْتَقْبِلْ بِهِمَا الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُمَا يَسْجُدَانِ مَعَ الْوَجْهِ
(قَوْلُهُ: سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَإِنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَحْدَهَا دُونَ الْأَنْفِ جَازَ وَكَذَا لَوْ وَضَعَ أَنْفَهُ وَبِالْجَبْهَةِ عُذْرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ لِأَجْلِ الْعُذْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْجَبْهَةِ عُذْرٌ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُكْرَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى خَدِّهِ لَا يَجُوزُ لَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي حَالِ الْعُذْرِ يُومِئُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْخَدِّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ ثُمَّ السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ السُّجُودُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَرْضٌ وَعَلَى الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ.
(قَوْلُهُ: وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) إنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّهُ يُوضَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ الْجَبْهَةِ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ السُّجُودِ أَنْ لَا يَرْفَعَ قَدَمَيْهِ فِيهِ فَإِنْ رَفَعَهُمَا فِي حَالِ سُجُودِهِ لَا تُجْزِئُهُ السَّجْدَةُ وَإِنْ رَفَعَ أَحَدَهُمَا قَالَ فِي الْمَرْتَبَةِ يُجْزِئُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ وَأَدْلَى رِجْلَيْهِ عَنْ الدُّكَّانِ عِنْدَ السُّجُودِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا عَلَى السَّرِيرِ إذَا أَدْلَى رِجْلَيْهِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ السُّجُودِ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ كَانَ التَّفَاوُتُ مِقْدَارَ اللَّبِنَةِ أَوْ اللَّبِنَتَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ وَأَرَادَ اللَّبِنَةَ الْمَنْصُوبَةَ لَا الْمَفْرُوشَةَ وَحَدُّ اللَّبِنَةِ رُبُعُ ذِرَاعٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) إنَّمَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إذَا سَجَدَ عَلَى مَا صَلُبَ مِنْهُ أَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى مَا لَانَ مِنْهُ وَهُوَ الْأَرْنَبَةُ لَا يَجُوزُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ أَجْزَأَهُ) وَكَوَّرَهَا دَوَّرَهَا يُقَالُ كَوَّرَ عِمَامَتَهُ إذَا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا وَجَدَ صَلَابَةَ الْأَرْضِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى الْقُطْنِ الْمَحْلُوجِ إنْ وَجَدَ صَلَابَةَ الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا عَلَى الْحَشِيشِ الْمَوْضُوعِ وَالتِّبْنِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ جَازَ وَعَلَى الذُّرَةِ وَالدَّخَنِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْجَوَالِقِ جَازَ فِي جَمِيعِهَا، كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِنْ وَضَعَ كَفَّيْهِ وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا جَازَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ إنْ بَسَطَ كُمَّهُ عَلَى النَّجَاسَةِ وَسَجَدَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى فَاضِلِ ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِدَفْعِ الْأَذَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِدَفْعِ الْأَذَى يُكْرَهُ
(قَوْلُهُ: وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) أَيْ يُظْهِرُهُمَا وَالضَّبُعُ بِالسُّكُونِ الْعَضُدُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يَفْعَلُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَفْعَلُ وَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذِهَا فِي السُّجُودِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَأَمَّا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ فَهِيَ كَالرَّجُلِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى
(قَوْلُهُ) : (وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) أَيْ يُبَاعِدُهُ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَخْفِضُ وَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذِهَا وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ تَرْفَعُ يَدَيْهَا عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ إلَى مَنْكِبَيْهَا وَتَضَعُ يَمِينَهَا عَلَى شِمَالِهَا تَحْتَ ثَدْيِهَا وَلَا تُجَافِي بَطْنَهَا عَنْ فَخِذَيْهَا وَلَا تُبْدِي ضَبْعَيْهَا وَتَجْلِسُ مُتَوَرِّكَةً
الجزء 1 · صفحة 54
فِي التَّشَهُّدِ وَلَا تَفْرِجُ أَصَابِعَهَا فِي الرُّكُوعِ وَلَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَتُكْرَهُ جَمَاعَتُهُنَّ وَتَقِفُ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ وَلَا تَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّهَا فِيهِ كَالرَّجُلِ
(قَوْلُهُ: وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَلِكَ أَصَابِعُ يَدَيْهِ وَيَعْتَدِلُ فِي سُجُودِهِ وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ وَيَضُمُّ فَخِذَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ» .
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» ، وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى تَسْبِيحَاتِ السُّجُودِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ، وَالْكَمَالُ أَنْ يَقُولَهَا عَشْرًا.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَدْنَاهُ ثَلَاثَةٌ وَالْأَوْسَطُ خَمْسٌ وَالْأَكْمَلُ سَبْعٌ قَالَ الثَّوْرِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهَا الْإِمَامُ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْمُقْتَدِي مِنْ ثَلَاثٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الثَّلَاثِ أَوْ تَرَكَهُ أَصْلًا جَازَ وَيُكْرَهُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَتَكَلَّمُوا فِي مِقْدَارِهِ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا رَفَعَ مِقْدَارَ مَا تَمُرُّ الرِّيحُ أَجْزَأَهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى حَالِ السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْجُلُوسِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ عِنْدَنَا
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) الطُّمَأْنِينَةُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَرْضٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِوُجُوبِهَا قَالَ الْكَرْخِيُّ وَعَنْ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ إذَا تَرَكَهَا سَاهِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ لَا يَجِبُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اطْمَأَنَّ سَاجِدًا كَبَّرَ وَاسْتَوَى قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ) مُعْتَمِدًا بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ
(قَوْلُهُ: وَيَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى) أَيْ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَرَّةً
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْفَعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ لَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْمَوْقِفَيْنِ وَالْجَمْرَتَيْنِ وَالْقُنُوتِ وَالْعِيدَيْنِ» كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى نَصْبًا) وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا الْمَسْنُونُ فِيهِمَا التَّوَرُّكُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى مِثْلُ قَوْلِنَا وَفِي الثَّانِيَةِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ جَلَسَتْ عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى وَأَخْرَجَتْ رِجْلَهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَتَضُمُّ فَخِذَيْهَا وَتَجْعَلُ السَّاقَ الْيُمْنَى عَلَى السَّاقِ الْيُسْرَى.
(قَوْلُهُ: وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) يَعْنِي أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى.
(قَوْلُهُ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْعَبَثِ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَبَسَطَ أَصَابِعَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ هَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا مُتَعَمِّدًا فَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَشَهَّدُ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشَهُّدِ فَقِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ
الجزء 1 · صفحة 55
كَالْقَعْدَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَلَا خِلَافَ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَفِي شَرْحِهِ التَّشَهُّدُ مَسْنُونٌ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّشَهُّدُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي وَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ قُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ إلَى آخِرِهِ» وَمَعْنَى التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْبَقَاءُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ يَعْنِي الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالطَّيِّبَاتُ قِيلَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَعْنِي الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ وَقِيلَ الزَّكَاةُ وَهَلْ يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّكِينَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقْبِضَ أُصْبُعَهُ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَيُحَلِّقَ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ وَيُشِيرَ بِمُسَبِّحَتِهِ
(قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ ذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي سَلَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْك لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَهَذَا حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ السَّلَامِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ وَمَعْنَى السَّلَامِ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) فَإِنْ زَادَ إنْ كَانَ عَامِدًا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّهْوِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا زَادَ حَرْفًا وَاحِدًا وَقِيلَ إذَا زَادَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَقِيلَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْبُوقِ إذَا قَعَدَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا وَقِيلَ يَدْعُو وَقِيلَ يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدَّعَوَاتِ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي سَجْدَتَا السَّهْوِ وَبَلَغَ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ هَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَيَدْعُو قَالَ الْكَرْخِيُّ لَا يَزِيدُ عَلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيُسَلِّمُ وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدَّعَوَاتِ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ يَأْتِي بِهِ قَبْلَ سُجُودِ السَّهْوِ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ خَاصَّةً) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ سُنَّةٌ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ بَيَانُ الْأَفْضَلِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ السَّهْوُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ جَلَسَ كَمَا يَجْلِسُ فِي الْأُولَى) هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْقَعْدَةِ مُتَوَرِّكًا
(قَوْلُهُ: وَتَشَهَّدَ) وَهُوَ وَاجِبٌ أَعْنِي التَّشَهُّدَ وَأَمَّا الْقَعْدَةُ فَهِيَ فَرْضٌ
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عِنْدَنَا،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ فَرْضَانِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُمَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ: وَدَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ) لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الدَّعَوَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً إلَى آخِرِهِ أَوْ يَأْتِي بِمَعْنَاهُ مِثْلَ اللَّهُمَّ عَافِنِي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ أَمْرِي وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك وَارْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ) يَجُوزُ نَصْبُ الْأَدْعِيَةِ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظَ وَيَجُوزُ خَفْضُهَا عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ وَالْمَأْثُورَةُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَك الْمُلْكُ كُلُّهُ وَبِيَدِك الْخَيْرُ كُلُّهُ وَإِلَيْك يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَعَنْ «أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي
الجزء 1 · صفحة 56
مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) وَكَلَامُهُمْ مَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْهُمْ مِثْلُ اللَّهُمَّ اُكْسُنِي اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ فَإِنْ دَعَا بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّشَهُّدِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِ النَّاسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا يُفْسِدُهَا فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ لَا يُفْسِدَهَا مَا يُشْبِهُهُ وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ صُنِعَ مِنْهُ فَيُتِمُّ بِهِ صَلَاتَهُ لِوُجُودِ الصُّنْعِ فَكَانَ بِهَذَا الدُّعَاءِ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ لَا مُفْسِدًا لَهَا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وَلَا يَقُولُ وَبَرَكَاتُهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَالَ السَّلَامُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَصِرْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَإِنْ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِهَا وَيُكْرَهُ ذَلِكَ وَالْمَعْنَى بِالسَّلَامِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْ النَّاسِ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يُكَلِّمُونَهُ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ كَأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَيُسَلِّمُ، وَلَوْ سَلَّمَ أَوَّلًا عَنْ يَسَارِهِ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ عَنْ يَسَارِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ إذَا فَعَلَهُ سَاهِيًا وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ وَتَرْكِ الْجَفَاءِ وَيَنْوِي بِالسَّلَامِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ، وَكَذَا فِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يُقَدِّمُ فِي النِّيَّةِ الْحَفَظَةَ لِفَضِيلَتِهِمْ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُقَدِّمُ بَنِي آدَمَ لِمُشَاهَدَتِهِمْ وَلَا يَنْوِي لِلْمَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسَةٌ مِنْ الْحَفَظَةِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَوَاحِدٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ وَوَاحِدٌ عَنْ أَمَامِهِ يُلَقِّنُهُ الْخَيْرَاتِ وَوَاحِدٌ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَوَاحِدٌ عِنْدَ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُبَلِّغُهُ إلَيْهِ وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وُكِّلَ بِالْعَبْدِ سِتُّونَ مَلِكًا، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ يَذُبُّونَ عَنْهُ وَلَوْ وُكِّلَ الْعَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إنْ كَانَ إمَامًا) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَاتِرُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يُسْمِعُهُ وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْجَهْرُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَيَكُونُ حَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحَ الْحُرُوفِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ عِنْدَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأَقْصَاهُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَحَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَالْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً دُونَ الصَّوْتِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي لَا يُجْهَرُ فِيهَا فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَجْهَرُ فِيهَا بَلْ يُخَافِتُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ مَا يُسْمِعُ أُذُنَيْهِ فَقَدْ أَسَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَيُخْفِي الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَقِيلَ صَمَّاءُ أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ وَيَجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِوُرُودِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمَا وَمَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا
الجزء 1 · صفحة 57
وَلَا يَتَخَيَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ وَعِنْدَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ وَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ قَالَ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ هِيَ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَأَنَّهَا لَا تُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا اُحْتِيجَ إلَى هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلِهَذَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضَافَ الزِّيَادَةَ إلَى اللَّهِ لَا إلَى نَفْسِهِ وَالسُّنَنُ تُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَيْت بِآذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) اُحْتُرِزَ بِهَذَا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) الْقُنُوتُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى إنَّهُ يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا وَهَلْ يَجْهَرُ بِهِ أَوْ يُخَافِتُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَمِنْ سُنَّةِ الْأَدْعِيَةِ الْإِخْفَاءُ وَلَا إشْكَالَ فِي الْمُنْفَرِدِ أَنَّهُ يُخَافِتُ وَأَمَّا إذَا كَانَ إمَامًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُخَافِتُ وَإِلَيْهِ مَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجْهَرُ؛ لِأَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالْقِرَاءَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الِاخْتِيَارُ الْإِخْفَاءُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَهَلْ يُرْسِلُ يَدَيْهِ أَوْ يَعْتَمِدُ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ يُرْسِلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يَعْتَمِدُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ إنَّمَا مَوْضِعُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْفَتَاوَى، وَأَمَّا صُورَةُ الْقُنُوتِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
(قَوْلُهُ: فِي جَمِيعِ السَّنَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَهُ وَلَوْ أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ قَنَتَ وَنَسِيَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى رَكَعَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقْرَأُ وَيُعِيدُ الْقُنُوتَ وَالرُّكُوعَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَنَسِيَ السُّورَةَ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ وَيُعِيدُ الْقُنُوتَ وَالرُّكُوعَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَكَذَا إذَا قَرَأَ السُّورَةَ وَنَسِيَ الْفَاتِحَةَ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيُعِيدُ السُّورَةَ وَالْقُنُوتَ وَيُعِيدُ الرُّكُوعَ، وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَنَسِيَ الْقُنُوتَ فَرَكَعَ إنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَعُودُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ الصَّحِيحَةُ مِنْهُمَا لَا يَعُودُ وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَالْمَسْبُوقُ يَقْنُتُ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَقْنُتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَقْضِي.
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْوِتْرِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا فَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهَا وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَسَدَتْ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَقْنُتُ) أَمَّا التَّكْبِيرُ فَلِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ مِنْ حَقِيقَةٍ إلَى شَبَهِهَا وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فَلِإِعْلَامِ الْأَصَمِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ
الجزء 1 · صفحة 58
غَيْرِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا فِي غَيْرِ بَلِيَّةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ الْبَلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا «فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ قَنَتَ فِيهَا شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ» كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا) يَعْنِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَقِفُ صِحَّتُهَا عَلَى سُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَلْ يَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذ سُورَةً لِلصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا لَا يَقْرَأُ غَيْرَهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ هِجْرَانِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ وَيَعْنِي بِذَلِكَ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُعَيِّنَ سُورَةَ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا إذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا وَاجِبًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَمَّا إذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَهَا وَلَكِنْ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُكْرَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهُمَا أَحْيَانَا كَيْ لَا يَظُنَّ جَاهِلٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يُرِيدُ مَا دُونَ الْآيَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] وَمِثْلُ قَوْلِهِ {وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] ، وَلَوْ تَهَجَّى آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ فَالْفَرْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ وَهُوَ آيَةٌ تَامَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ كَلِمَتَيْنِ تَجُوزُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] وَإِنْ كَانَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِثْلَ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] أَوْ حَرْفًا وَاحِدًا مِثْلَ " ص " وَ " ن " فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ بِقَوْلِهِ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] ؛ لِأَنَّهَا آيَةٌ قَصِيرَةٌ وَالْوَاجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَالْمَسْنُونُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ وَهُوَ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى الْبُرُوجِ، وَقِيلَ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ شُغْلٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِهِ وَهُوَ مِنْ الْبُرُوجِ إلَى لَمْ يَكُنْ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ وَهُوَ مِنْ إذَا زُلْزِلَتْ إلَى آخِرِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ إذَا كَانَ مُقِيمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا أَوْ الْفَاتِحَةَ وَمَعَهَا آيَةٌ أَوْ آيَتَانِ أَوْ يَقْرَأَ السُّورَةَ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةً وَفِي الْأُخْرَى سُورَةً فَوْقَهَا يُكْرَهُ، وَإِذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا قِرَاءَةُ الْآيَاتِ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى آيَةً فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُخْرَى آيَةً مِنْ سُورَةٍ فَوْقَهَا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ) كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدِّينِ وَقَوْلُهُمَا فِي الْقِرَاءَةِ احْتِيَاطٌ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيِّ سُورَةٍ شَاءَ؛ لِأَنَّ لِلسَّفَرِ أَثَرًا فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ فَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَوْ قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَيَجُوزُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَرَّرَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِرَارًا حَتَّى يَبْلُغَ آيَةً تَامَّةً لَا يَجُوزُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا مَا خَلَا الْفَجْرَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطَوِّلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ وَفِيهِ إعَانَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ عِلْمٍ وَيَقَظَةٍ فَلَوْ تَغَافَلُوا فِي غَيْرِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَتَغَافَلُونَ بِاشْتِغَالِ دُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ مُضَافٌ إلَى تَقْصِيرِهِمْ، وَأَمَّا غَفْلَتُهُمْ بِالنَّوْمِ فَلَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمْ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ إعَانَةً لَهُمْ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا إطَالَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فَمَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهَذَا فِي الْفَرَائِضِ، وَأَمَّا فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ فَلَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي التَّطَوُّعِ لَا يُكْرَهُ وَفِي الْفَرَائِضِ يُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ أَسْتَحْسِنُ لَهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهِ احْتَاجَ إلَى نِيَّتَيْنِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ)
الجزء 1 · صفحة 59
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَابَعَةَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ اللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يَصِيرَ مُقْتَدِيًا، وَلَوْ نَوَى حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ هُوَ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ، وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ يَظُنُّهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو وَصَحَّ أَيْضًا وَإِذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِرَجُلٍ لَيْسَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ.
وَفِي التُّحْفَةِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْجَمَاعَةُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ فِيهِمْ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْك بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الذِّئْبُ الْفَارَّةَ» اسْتَحْوَذَ أَيْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ وَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ فِي حَالِ الْعُذْرِ مِثْلُ الْمَطَرِ وَالرِّيحِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَأَمَّا بِالنَّهَارِ فَلَيْسَتْ الرِّيحُ عُذْرًا وَكَذَا مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ إذَا خَرَجَ يَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ غَرِيمُهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ كَانَ يَخَافُ الظُّلْمَةَ أَوْ يُرِيدُ سَفَرًا وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَخْشَى أَنْ تَفُوتَهُ الْقَافِلَةُ أَوْ كَانَ قَيِّمًا بِمَرِيضٍ أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ أَوْ حَضَرَ الْعِشَاءُ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ وَكَذَا إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ وَكَذَا الْأَعْمَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ إذَا وَجَدَ قَائِدًا وَلَا يَجِبُ عَلَى مُقْعَدٍ وَلَا مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلِ وَلَا الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ، وَلَوْ صَلَّى مَعَهُ صَبِيٌّ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ كَانَتْ جَمَاعَةً حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ نَامَ أَوْ سَهَا أَوْ شُغِلَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ وَقَدْ «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَتَيْنِ بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةً مِنْ النِّفَاقِ» .
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ هُنَا الشَّرِيعَةُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ وَأَحَدُهُمْ قَارِئٌ قُدِّمَ الْقَارِئُ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَوْرَعُهُمْ) لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ الْوَرَعِ وَهُوَ دَرَجَةٌ فَوْقَ التَّقْوَى؛ لِأَنَّ التَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالْوَرَعَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَسَنُّهُمْ) أَيْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي السِّنِّ فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مُسْتَخَفٌّ بِهِ وَيَنْفِرُ النَّاسُ عَنْهُ وَالْأَعْرَابِيَّ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَوَادِيَ وَالْجَهْلُ فِي الْأَعْرَابِ غَالِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97]
(قَوْلُهُ: وَالْفَاسِقِ) لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دِينِهِ.
(قَوْلُهُ: وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُفَقِّهُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَعْمَى) لِأَنَّهُ لَا يَتَجَنَّبُ النَّجَاسَةَ وَلَا يَهْتَدِي إلَى الْقِبْلَةِ إلَّا بِغَيْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنْ الْبُصَرَاءِ أَفْضَلَ مِنْهُ فَهُوَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ؛ وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَفْسَقَ أَهْلِ زَمَانِهِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِجِنَايَاتِهَا وَجِئْنَا بِأَبِي مُحَمَّدٍ لَغَلَبْنَاهُمْ يَعْنِي الْحَجَّاجَ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ أَوْ الِانْفِرَادُ قِيلَ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَاسِقِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِانْفِرَادُ أَوْلَى لِجَهْلِهِمْ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ
الجزء 1 · صفحة 60
النَّاسَ تَكْرَهُ إمَامَتَهُمْ وَقَدْ «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ شَارِبِ الْخَمْرِ وَآكِلِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِمْ الصَّلَاةَ) يَعْنِي بَعْدَ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مُعَاذًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى بِقَوْمٍ فَأَطَالَ بِهِمْ الْقِيَامَ فَشَكَوْهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ قَالَهَا ثَلَاثًا أَيْنَ أَنْتَ مِنْ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ «قَالَ صَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» وَذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ «أَنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِقَوْمِهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَافْتَتَحَهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ فَقَالَ مُعَاذٌ إنَّهُ مُنَافِقٌ فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْت فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ قَالَهَا ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَنَحْوَهُمَا» «، وَقَالَ أَنَسٌ مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ أَتَمَّ وَأَخَفَّ مِمَّا صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالُوا أَوْجَزْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ سَمِعْت بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيت عَلَى أُمِّهِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ حَالَ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ وَحْدَهُنَّ جَمَاعَةً) يَعْنِي بِغَيْرِ رِجَالٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ وَالتَّرَاوِيحُ، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُنَّ أَنْ يُصَلِّينَهَا بِجَمَاعَةٍ وَتَقِفُ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا صَلَّيْنَهَا فُرَادَى أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِأَدَاءِ الْوَاحِدَةِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مِنْ الْبَاقِيَاتِ نَفْلًا وَالتَّنَفُّلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتْ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ) وَبِقِيَامِهَا وَسْطَهُنَّ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ فِي التَّوَسُّطِ تَرْكَ مَقَامِ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا أَرْشَدَ الشَّيْخُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهَةً مِنْ التَّقَدُّمِ إذْ هُوَ أَسْتَرُ لَهَا؛ وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ تَرْكِ السَّتْرِ فَرْضٌ وَالِاحْتِرَازَ عَنْ تَرْكِ مَقَامِ الْإِمَامِ سُنَّةٌ فَكَانَ مُرَاعَاةُ السَّتْرِ أَوْلَى فَإِذَا صَلَّيْنَ بِجَمَاعَةٍ صَلَّيْنَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِنَّ إمَامَتُهُنَّ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُنَّ، وَقَوْلُهُ وَسْطَهُنَّ هُوَ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسْطٌ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَيَكُونُ وَسْطٌ ظَرْفًا كَقَوْلِك جَلَسْت وَسْطَ الْقَوْمِ أَيْ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسَطٌ بِتَحْرِيكِ السِّينِ وَيَكُونُ وَسَطٌ اسْمًا لَا ظَرْفًا كَقَوْلِك جَلَسْت وَسَطَ الدَّارِ، وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا عُرَاةً أَرَادُوا الصَّلَاةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا قُعُودًا بِالْإِيمَاءِ وَيَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَقَفَ الْإِمَامُ وَسْطَهُمْ كَالنِّسَاءِ وَصَلَاتُهُمْ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) إنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ وُقُوفُهُ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ وَسُجُودُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَوْضِعِ الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْكَانِ وَقَدْ وُجِدَتْ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَوَسَّطُهُمَا؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فَقَامَ وَسْطَهُمَا قُلْنَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيْتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَقْتَدُوا بِامْرَأَةٍ وَلَا بِصَبِيٍّ) أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» أَيْ كَمَا أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ فِي الشَّهَادَاتِ وَالْإِرْثِ وَجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ وَهَلْ تَنْعَقِدُ التَّحْرِيمَةُ إذَا اقْتَدَى بِهَا إنْ عَلِمَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ لَا تَنْعَقِدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَفِي الِاقْتِدَاءِ بِالْعُرْيَانِ لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِلْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ وَفِي التَّرَاوِيحِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِي وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَصُفُّ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» أَيْ الْبَالِغُونَ أُولُو الْعُقُولِ وَالْحَالِمُ هُوَ الْبَالِغُ سَوَاءٌ احْتَلَمَ أَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ
الجزء 1 · صفحة 61
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ خَنَاثَى وَقَفُوا بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ احْتِيَاطًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَتْ امْرَأَةٌ إلَى جَانِبِ رَجُلٍ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ) وَالْمَحَارِمُ كَالْأَجَانِبِ، وَهَذَا إذَا نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَضُرَّهُ مُحَاذَاتُهَا وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ وَلِأَنَا لَوْ صَحَّحْنَا اقْتِدَاءَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ قَدَرَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ عَلَى فَسَادِ صَلَاتِهِ مَتَى شَاءَتْ بِأَنْ تَقِفَ إلَى جَانِبِهِ فَتَقْتَدِيَ بِهِ وَمِنْ شَرَائِطِ الْمُحَاذَاةِ الْمُفْسِدَةِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةً تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً احْتِرَازًا عَنْ الْمَسْبُوقِ وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً أَيْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الشَّهْوَةِ حَالًا أَوْ مَاضِيًا وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَلَا فُرْجَةٌ وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرِّجْلِ وَغِلَظُهُ غِلَظُ الْأُصْبُعِ وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحَائِلِ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَقُومُ فِيهِ الرَّجُلُ وَأَنْ تَتَّفِقَ الْجِهَةُ حَتَّى لَوْ اُخْتُلِفَ لَا تُفْسِدُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْكَعْبَةِ وَأَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ إمَامَتَهَا إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ سِنَّ الْمَرْأَةِ بِسَبْعِ سِنِينَ وَقِيلَ بِتِسْعٍ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ وَالْمَجْنُونَةُ إذَا حَاذَتْهُ لَا تُفْسِدُ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغَةً مُشْتَهَاةً لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِنْهَا، وَالصَّبِيَّةُ إذَا كَانَتْ تَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَهِيَ لَا تَشْتَهِي لَا تُفْسِدُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُكْمِ الْمُحَاذَاةِ أَنْ تُدْرِكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ بَلْ لَوْ سَبَقَهَا بِرَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فَحَاذَتْهُ فِيمَا أَدْرَكَتْ تُفْسِدُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مَسْبُوقَيْنِ فَحَاذَتْهُ فِيمَا يَقْضِيَانِ لَا تُفْسِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُنْفَرِدَانِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) يَعْنِي الشَّوَابَّ مِنْهُنَّ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ الْعَجُوزُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَخْرُجُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ وَلَهُ أَنَّ شِدَّةَ الْغُلْمَةِ حَامِلَةٌ عَلَى الِارْتِكَابِ وَلِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ غَيْرَ أَنَّ الْفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَمَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ وَفِي الْمَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْعِيدِ الْجَبَّانَةُ مُتَّسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ الْفِسْقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَا يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَجَعَلَهَا كَالظُّهْرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ جَعَلَهَا كَالْعِيدَيْنِ حَتَّى إنَّهُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ إلَيْهَا بِالْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَلَا الطَّاهِرَاتُ خَلْفَ الْمُسْتَحَاضَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ بِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَيُصَلِّي مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ خَلْفَ مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسٌ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرَيْنِ وَالْمَأْمُومَ صَاحِبُ عُذْرٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: وَلَا الْقَارِئُ خَلْفَ الْأُمِّيِّ) وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَالْأُمِّيُّ هُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ أَمَّ الْأُمِّيُّ أُمِّيِّينَ جَازَ وَإِنْ أَمَّ قَارِئِينَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ خَلْفَهُ قَارِئًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ وَفِي الْكَرْخِيِّ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالنِّيَّةِ لِإِمَامَةِ الْقَارِئِ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ لَا تَفْسُدُ كَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ افْتَتَحَ الْأُمِّيُّ ثُمَّ أَتَى الْقَارِئُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ يُصَلِّي فَلَمْ يَقْتَدِ بِهِ وَصَلَّى وَحْدَهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ وَإِنْ أَمَّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ فَصَلَاةُ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيِّينَ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ بِأَنْ يَقْتَدُوا بِقَارِئٍ وَعِنْدَهُمَا صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَائِزَةٌ وَلَوْ صَلَّى الْأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْأُمِّيِّ بِالْأَخْرَسِ لَا يَأْتِي بِالتَّحْرِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا الْمُكْتَسِي خَلْفَ الْعُرْيَانِ) وَلَا تَنْعَقِدُ التَّحْرِيمَةُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ أَمَّ الْعَارِي عُرَاةً وَلَابِسِينَ فَصَلَاةُ الْعَارِي وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَبِأَصِحَّاءَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّيِّ إذَا أَمَّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَارِيَ وَالْمَجْرُوحَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا صَلَاتَهُمْ بِثِيَابٍ وَلَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنْ اقْتَدَوْا بِصَحِيحٍ وَلَابِسٍ وَالْأُمِّيُّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ بِأَنْ
الجزء 1 · صفحة 62
يَقْتَدِيَ بِقَارِئٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَاسِحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْغَاسِلِينَ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ لَا تَقِفُ عَلَى الضَّرُورَةِ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقَاعِدُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَاقْتَدَى بِهِ قَائِمٌ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى غَيْرُ مَعْذُورٍ بِمَعْذُورٍ فَلَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْفَتَاوَى وَالنَّفَلُ وَالْفَرْضُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَهُمَا إنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَصْحَابِهِ كَانَ فِيهَا قَاعِدًا وَهُمْ قَائِمُونَ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مُشَارَكَةُ الْمَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ كَبَّرَ قَائِمًا وَرَكَعَ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ الْمُومِئِ) وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا إلَّا زُفَرَ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ بَدَلٌ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ فَكَذَا هَذَا قُلْنَا الْإِيمَاءُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ فَلَوْ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَانَ مُقْتَدِيًا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ دُونَ الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُصَلِّي الْمُومِئُ لِاسْتِوَائِهِمَا إلَّا أَنْ يُومِئَ الْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ مُضْطَجِعًا فَلَا يَجُوزُ وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ وَالْمُقْتَدِي قَائِمًا بِالْإِيمَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَشْتَمِلُ عَلَى صَلَاةِ الْمُقْتَدِي وَزِيَادَةً فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِخِلَافِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ قَوِيٍّ عَلَى ضَعِيفٍ فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ إذَا جَوَّزْتُمْ صَلَاةَ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ فَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ عَلَى الْمُقْتَدِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَهِيَ عَلَى الْإِمَامِ نَفْلٌ فَكَانَ فِيهَا اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ قُلْنَا لَمَّا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ قِرَاءَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ
(قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاتِّحَادِ وَسَوَاءٌ تَغَايَرَ الْفَرْضَانِ اسْمًا أَوْ صِفَةً كَمُصَلِّي ظُهْرِ أَمْسِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي ظُهْرَ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَاتَتْهُمْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اقْتِدَاءُ الْمُقْتَدِي هَلْ يَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا فَفِي الْخُجَنْدِيِّ نَعَمْ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ وَالنَّوَادِرِ لَا يَكُونُ تَطَوُّعًا وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ هَذَا قَضَاءً لِلْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْمُتَنَفِّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ) لِأَنَّ فِيهِ بِنَاءَ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ فَجَازَ وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي حَائِطٌ مُنِعَ الِاقْتِدَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ قَصِيرًا مِقْدَارَ الذِّرَاعِ أَوْ الذِّرَاعَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَابٌ مَفْتُوحٌ أَوْ نَقْبٌ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْإِمَامِ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَابٌ مُغْلَقٌ أَوْ نَقْبٌ صَغِيرٌ لَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ لَا يُمْكِنُهُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إذَا لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ حَالُ إمَامِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ فِي الْمِحْرَابِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ وَإِنْ اتَّسَعَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ) وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ إمَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ أَحْدَثَ ثُمَّ صَلَّى فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ وَالثَّانِي أَنْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَهُ صَلَّيْت بِك وَأَنَا مُحْدِثٌ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ
الجزء 1 · صفحة 63
وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ) الْعَبَثُ هُوَ كُلُّ لَعِبٍ لَا لَذَّةَ فِيهِ فَأَمَّا الَّذِي فِيهِ لَذَّةٌ فَهُوَ لَعِبٌ وَكُلُّ عَمَلٍ مُفِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرِقَ فِي صَلَاتِهِ فَسَلَتَ الْعَرَقَ عَنْ جَبْهَتِهِ» ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُفِيدٍ فَيُكْرَهُ وَالْعَبَثُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّفَثَ فِي الصَّوْمِ وَالضَّحِكَ فِي الْمَقَابِرِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» أَيْ شُغْلًا لِلْمُصَلِّي بِأَعْمَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا حَكَّ جَسَدَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا وَبَيْنَ كُلِّ مَرَّتَيْنِ فُرْجَةٌ أَمَّا إذَا فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ مَرَّتَيْنِ لَا تَفْسُدُ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَفْسُدُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا حَكَّ جَسَدَهُ ثَلَاثًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَكِّ هَلْ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أَوْ الذَّهَابُ مَرَّةً وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَلِّبُ الْحَصَى إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ فَيُسَوِّيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ عَبَثٍ «، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي ذَرٍّ مَرَّةً يَا أَبَا ذَرٍّ وَإِلَّا فَذَرْ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سَجْعًا وَهُوَ سَأَلَ أَبُو ذَرٍّ خَيْرَ الْبَشَرِ عَنْ تَسْوِيَةِ الْحَجَرِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً وَإِلَّا فَذَرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ) وَهُوَ أَنْ يَغْمِزَهَا أَوْ يَمُدَّهَا حَتَّى تُصَوِّتَ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ تُصَلِّي» «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الضَّاحِكُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُلْتَفِتُ وَالْمُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَخَصَّرُ) أَيْ لَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ الْيَهُودِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَضْعِ الْمَسْنُونِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ الْمُصَابِ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ حَالَةٌ يُنَاجِي فِيهَا الْعَبْدُ رَبَّهُ فَهِيَ حَالَةُ الِافْتِخَارِ لَا حَالَةُ إظْهَارِ الْمُصِيبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُسْدِلُ ثَوْبَهُ) وَهُوَ أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمَيْهِ أَوْ يَضَعَ الرِّدَاءَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى بَعْضِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَعْقِصُ شَعْرَهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُ وَيَعْقِدَهُ فِي مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ سَاجِدٍ عَاقِصٍ شَعْرَهُ فَحَلَّهُ حَلًّا عَنِيفًا وَقَالَ إذَا طَوَّلَ أَحَدُكُمْ شَعْرَهُ فَلْيُرْسِلْهُ لِيَسْجُدَ مَعَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ) وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ لَا أَكُفُّ ثَوْبًا وَلَا أَعْقِصُ شَعْرًا» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْتَفِتُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إيَّاكُمْ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ» وَالِالْتِفَاتُ الْمَكْرُوهُ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ حَتَّى يَخْرُجَ وَجْهُهُ عَنْ وِجْهَةِ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إذَا الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ نَظَرَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا يُكْرَهُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُلَاحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاتِهِ بِمُؤْقِ عَيْنَيْهِ» مُؤْقُ الْعَيْنِ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ وَاللِّحَاظُ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ، وَمُؤْخِرُ عَيْنَيْهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ مُخَفَّفًا طَرَفُهَا الَّذِي يَلِي الصُّدْغَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَالِالْتِفَاتِ وَأَنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُدَبِّحَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ تَدْبِيحَ الْحِمَارِ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَايَلَ عَلَى يُمْنَاهُ أَوْ يُسْرَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْعِي) وَهُوَ أَنْ يَنْصِبَ عَقِبَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَيْهِمَا وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ إلَّا أَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ فِي نَصْبِ الْيَدَيْنِ وَإِقْعَاءَ الْآدَمِيِّ فِي نَصْبِ الرُّكْبَتَيْنِ إلَى صَدْرِهِ،.
وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ نَصْبًا وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ «لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهَانِي خَلِيلِي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ثَلَاثٍ أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ وَأَنْ أُقْعِيَ إقْعَاءَ الْكَلْبِ وَأَنْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَطَّى أَوْ يَتَثَاوَبَ فَإِنْ غَلَبَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَظَمَ وَجَعَلَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي حَلْقِهِ شَيْءٌ مِنْ الْهَوَامِّ وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ فَاهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ إلَّا إذَا تَثَاوَبَ فَلَهُ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ وَلَا بِيَدِهِ) فَإِنْ رَدَّهُ بِلِسَانِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا إذَا صَافَحَ بِنِيَّةِ السَّلَامِ تَفْسُدُ أَيْضًا وَإِنْ أَشَارَ بِرَدِّ السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ
الجزء 1 · صفحة 64
بِأُصْبُعِهِ لَا تَفْسُدُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُصَلِّي وَالْجَالِسِ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَرَبَّعُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) لِأَنَّ فِيهِ تُرْكُ سُنَّةِ الْقُعُودِ فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَعْذَارَ تُؤَثِّرُ فِي فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَكَذَا فِي هَيْئَتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ أَكَلَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُنَافِي الصَّلَاةَ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ، قَالَ فِي الْغَايَةِ مَا أَفْسَدَ الصَّوْمَ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ وَمَا لَا فَلَا حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ فَابْتَلَعَهُ إنْ كَانَ دُونَ الْحِمَّصَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَصَاعِدًا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَلَوْ ابْتَلَعَ دَمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلرِّيقِ وَإِنْ ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً أَفْسَدَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُفْسِدُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ أَوْ غَلَبَهُ انْصَرَفَ) السَّبْقُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَقَصْدِهِ وَالْغَلَبَةُ بِعِلْمِهِ لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهِ، وَلَوْ عَطَسَ فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ أَوْ تَنَحْنَحَ أَوْ سَعَلَ فَخَرَجَ بِقُوَّتِهِ رِيحٌ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي هُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ: انْصَرَفَ) أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً قَدْرَ مَا يُؤَدِّي رُكْنًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا انْصَرَفَ يُبَاحُ لَهُ الْمَشْيُ وَالِاغْتِرَافُ مِنْ الْإِنَاءِ وَالِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ وَالِاسْتِنْجَاءُ إذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ عَوْرَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً فِي مَكَان وَجَاوَزَهُ إلَى مَكَان آخَرَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَشْيٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ إمَامًا اسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ) كَيْفِيَّةُ الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَجُرَّهُ بِثَوْبِهِ إلَى الْمِحْرَابِ ثُمَّ الْمُصَلِّي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ إمَامًا أَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا وَسَبَقَهُ الْحَدَثُ فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ عَادَ إلَى مُصَلَّاهُ وَالْأَفْضَلُ الْعَوْدُ وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْمَشْيِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُقْتَدِيًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى مَكَانِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَيَجُوزُ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَرَغَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ إمَامًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ وَعَادَ إلَى مُصَلَّاهٌ صَارَ مَأْمُومًا وَالْإِمَامُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَصَارَ مُؤْتَمًّا، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الثَّانِي مَكَانَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا وَقَوْلُهُ وَبَنَى مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْبِنَاءِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْبِئْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ آخَرُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا يَبْنِي مَعَ الِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ، وَلَوْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ عَمْدٌ وَهُوَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَإِنْ مَلَأَ الْإِنَاءَ وَحَمَلَهُ بِيَدَيْنِ لَا يَبْنِي وَإِنْ حَمَلَهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ بِيَدَيْنِ عَمَلٌ كَثِيرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْكُلِّ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ قَطْعًا وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ إنْ كَانَا يَجِدَانِ جَمَاعَةً فَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَا لَا يَجِدَانِ فَالْبِنَاءُ أَفْضَلُ صِيَانَةً لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَصُحِّحَ هَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَالْأَفْضَلُ الِاسْتِئْنَافُ وَفِي الْكَرْخِيِّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَتَكَلَّمَ وَيَسْتَأْنِفَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَهُ مِنْ غَيْرِ مَشْيٍ وَلَا اخْتِلَافٍ فَهُوَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ فَأَنْزَلَ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ قَهْقَهَ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا) لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ يَنْدُرُ وُجُودُهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَكَذَا الْقَهْقَهَةُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ هِيَ أَفْحَشُ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُنَاجَاةِ حَتَّى نَقَضَتْ الْوُضُوءَ ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ فِي الْكَلَامِ فَفِي الْقَهْقَهَةِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) يَعْنِي كَلَامًا يُعْرَفُ فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ سَوَاءٌ حَصَلَتْ بِهِ حُرُوفٌ أَمْ لَا حَتَّى لَوْ قَالَ مَا يُسَاقُ بِهِ الْحِمَارُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ أَنَّ فِي صَلَاتِهِ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ
الجزء 1 · صفحة 65
بَكَى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ أَيْ حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ إنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالْبُكَاءُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 109] أَيْ يَخِرُّونَ سُجُودًا عَلَى الْوُجُوهِ يَكُونُ وَالْمُرَادُ بِالْأَذْقَانِ الْوُجُوهُ «وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ كُنْت أُصَلِّي خَلْفَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَاةَ الصُّبْحِ وَكَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى إذَا بَلَغَ قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ سَمِعْت نَشِيجَهُ وَأَنَا آخِرَ الصُّفُوفِ، الْأَزِيزُ غَلَيَانُ الْقِدْرِ وَالْمِرْجَلُ الْقِدْرُ وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَطَعَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْجَزَعِ وَالتَّأَسُّفِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَنِينُ مِنْ الْوَجَعِ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ نَفَخَ التُّرَابَ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَسْمُوعٍ لَا يُفْسِدُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا أَفْسَدَ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُفْسِدُ وَإِنْ تَنَحْنَحَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَحَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ نَحْوَ أَخْ أَخْ بِالْفَتْحِ أَوْ الضَّمِّ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا بِأَنْ اجْتَمَعَ الْبَلْغَمُ فِي حَلْقِهِ فَهُوَ عَفْوٌ كَالْعُطَاسِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا تَنَحْنَحَ لِإِصْلَاحِ الْقِرَاءَةِ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَإِنْ قَبَّلَتْ الْمُصَلِّي امْرَأَتُهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهَا هُوَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَبَّلَهَا هُوَ فَسَدَتْ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ هِيَ تُصَلِّي فَقَبَّلَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَضُّؤِ لِيَأْتِيَ بِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْبِنَاءُ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الْإِمَامُ إذَا قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا وَخَلْفَهُ لَاحِقُونَ وَمَسْبُوقُونَ فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْقَهْقَهَةُ وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ وَالسَّلَامُ وَالْكَلَامُ وَالْقِيَامُ فَفِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا صَلَاةُ الْكُلِّ تَامَّةٌ فِي السَّلَامِ وَالْقِيَامِ وَالْكَلَامِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ هُوَ بِمِثْلِ حَالِهِ تَامَّةٌ وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَسْبُوقِينَ فَفَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ وَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْإِمَامِ لِوُجُودِ الْقَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُمَا لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِينَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُمْ فَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ الْقَوْمَ يَذْهَبُونَ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ وَإِنْ سَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ مَنْهِيَّانِ وَالْقَهْقَهَةَ وَالْحَدَثَ مُفْسِدَانِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ) وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِأَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ الْحَدَثُ أَمَّا إذَا سَبَقَهُ فَانْصَرَفَ لِيَتَوَضَّأَ فَوَجَدَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ يَسْتَقْبِلُ وَلَا يَبْنِي، وَقَوْلُهُ بَطَلَتْ هَذَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا أَوْ كَانَ مَعَ أَخِيهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَمَّا لَوْ رَآهُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ لَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ وَطَلَبَهُ فَأَعْطَاهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَاسْتَأْنَفَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَآهُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ إلَى آخِرِهِ) الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَاعْتِرَاضِهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْخُرُوجُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَاعْتِرَاضِهَا بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِفِعْلٍ هُوَ قُرْبَةٌ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا تَأَدَّى بِالْحَدَثِ الْعَمْدِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ إنَّ فُرُوضَ الصَّلَاةِ تَتَأَدَّى بِالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْقَهْقَهَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ إلَّا بِصُنْعِهِ كَالْحَجِّ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَوْ أَرَادَ اسْتِدَامَةَ
الجزء 1 · صفحة 66
التَّحْرِيمَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا مُنِعَ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الْقُعُودِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ) حَتَّى لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَاسِحٌ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عَلَى الشُّرُوعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِمَا.
(قَوْلُهُ: فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ) هَذَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْهُ أَوْ كَانَ بِحَالٍ إذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ خَافَ التَّلَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ لَمْ تَفْسُدْ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ رَفِيقٍ) يُحْتَرَزُ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ خَلْعُهُ بِعَمَلٍ رَفِيقٍ بِأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ وَاسِعًا لَا يَحْتَاجُ فِي نَزْعِهِ إلَى الْمُعَالَجَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ) (كَانَ أُمِّيًّا فَتَعَلَّمَ سُورَةً) أَيْ تَذَكَّرَهَا أَوْ سَمِعَ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةً أَوْ آيَةً فَحَفِظَهَا أَمَّا إذَا تَعَلَّمَ مُتَلَقِّنًا مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَتَصِحُّ إجْمَاعًا وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَمَّا إذَا كَانَ مَأْمُومًا لَا تَبْطُلُ إجْمَاعًا، وَلَوْ تَعَلَّمَهَا وَهُوَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ عُرْيَانًا فَوَجَدَ ثَوْبًا) يَعْنِي بِالْمِلْكِ أَمَّا بِالْإِبَاحَةِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّيَمُّمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً فَائِتَةً قَبْلَ هَذِهِ) وَلَوْ كَانَتْ وِتْرًا وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَهِيَ فِي حَيِّزِ التَّرْتِيبِ لَمْ تَبْطُلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الْقَارِئُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا) قِيلَ إنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْقُرْصِ بَلْ إذَا رَأَى الشُّعَاعَ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَبَلٌ يَمْنَعُهُ لَرَأَى الْقُرْصَ كَمَا فِي بِلَادِنَا فَإِنَّهَا تُبْطِلُ صَلَاتَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الْجَبِيرَةِ فَسَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ) وَكَذَا إذَا كَانَتْ أَمَةً فَأُعْتِقَتْ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ أَوْ كَانَ صَاحِبَ الْعُذْرِ فَانْقَطَعَ عُذْرُهُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا وَلَوْ عَرَضَ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَمَا عَادَ إلَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إجْمَاعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا صَحِيحَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْعُدْ قَدْرَ التَّشَهُّدِ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ وَعِنْدَهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ وَإِنْ اعْتَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بَعْدَمَا سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ إجْمَاعًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ بِالسَّلَامِ يَخْرُجُ مِنْ التَّحْرِيمَةِ وَلِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُ الْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَذَا إذَا سَلَّمَ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ التَّحْرِيمَةِ يَحْصُلُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ وَهِيَ إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي الْجُمُعَةِ وَفِيمَا عَدَاهَا لَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» قُلْنَا مَعْنَاهُ قَارَبَتْ التَّمَامَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أَيْ قَارَبَ التَّمَامَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
(بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَدَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ خَلَفُهُ إذْ الْأَدَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَالتَّسْلِيمُ لِمِثْلِ الْوَاجِبِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْعَجْزِ
الجزء 1 · صفحة 67
عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْمَضْمُونَاتِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَالْأَدَاءُ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ إجْمَاعًا وَفِي الْقَضَاءِ بِلَفْظِ الْأَدَاءِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنَّمَا قَالَ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَلَمْ يَقُلْ قَضَاءُ الْمَتْرُوكَاتِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَمْدًا بَلْ تَفُوتُهُ بِاعْتِبَارِ غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفَوَائِتَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَالَ فِي الْحَجِّ بَابُ الْفَوَاتِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَضَاهَا إذَا ذَكَرَهَا) ، وَكَذَا إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا فِسْقًا أَوْ مَجَانَةً أَيْ قِلَّةَ مُبَالَاةٍ يَجِبُ الْقَضَاءُ أَيْضًا لَكِنْ لِلْمُسْلِمِ عَقْلٌ وَدِينٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ التَّفْوِيتُ قَصْدًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّفْوِيتِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ وَحَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدَّمَهَا عَلَى صَلَاةِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ عَلَى الْفَائِتَةِ ثُمَّ يَقْضِيهَا) التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ وَيُسْقِطُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ضِيقُ الْوَقْتِ وَالنِّسْيَانُ وَدُخُولُ الْفَوَائِتِ فِي حَيِّزِ التَّكْرَارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ فَيُقَدِّمَ صَلَاةَ الْوَقْتِ عَلَى الْفَائِتَةِ) فَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ لَجَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ وُصُولُ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ الْفَوَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ لَهَا بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا فِيهِ» ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا كَانَ الْوَقْتُ يَتَّسِعُ لَهُمَا لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَنَفَّلَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ صَلَاةِ الْوَقْتِ خَاصَّةً وَالنَّهْيُ إذَا اخْتَصَّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ اقْتَضَى الْفَسَادَ، وَأَمَّا فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ فَالنَّهْيُ عَنْ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَأْخِيرِ الْوَقْتِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَنَفَّلَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَمْ يَقْتَضِ الْفَسَادَ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوْلَى فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَنْ يُقَدِّمَ الْوَقْتِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ فَاتَتْهُ الْوَقْتِيَّةُ فَيَصِيرَانِ جَمِيعًا فَائِتَتَيْنِ فَإِذَا بَدَأَ بِالْوَقْتِيَّةِ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَائِتَةً فَلَأَنْ يُصَلِّيَ إحْدَاهُمَا وَقْتِيَّةً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فَائِتَتَيْنِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا افْتَتَحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ فَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَ الْعَصْرَ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا ثُمَّ يَقْضِيَ الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ حَتَّى دَخَلَ الْوَقْتُ الْمَكْرُوهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الْعَصْرَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ الْعَصْرَ ثَانِيًا ثُمَّ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَهَا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ فَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ) أَيْ عِنْدَ قِلَّةِ الْفَوَائِتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُغِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا ثُمَّ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهَذَا أَمْرٌ بِالتَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ صَلُّوا كَمَا أُصَلِّي أَوْ كَمَا صَلَّيْت؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا صَلَّى فِي الْخُشُوعِ، وَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَقَضَاهُنَّ بَعْدَ هَوًى مِنْ اللَّيْلِ أَيْ طَائِفَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَهِيَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) مُرَادُهُ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا وَدَخَلَ وَقْتُ السَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ السَّابِعَةِ وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ بِدُخُولِ السَّابِعَةِ لَا تَزِيدُ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتٍّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّابِعَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْأَغْلَبِ عَلَى الْكُلِّ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ خُرُوجَ السَّادِسَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِدُخُولِ السَّابِعَةِ وَعِنْدَ دُخُولِ السَّابِعَةِ تَحَقُّقُ فَوَاتِ السِّتِّ وَالسَّابِعَةِ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ تَفُوتَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا وَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 68
السِّتِّ بِالْوِتْرِ وَمَتَى قَضَى الْفَوَائِتَ إنْ قَضَاهَا بِجَمَاعَةٍ وَكَانَتْ يُجْهَرُ فِيهَا جَهَرَ الْإِمَامُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَإِنْ قَضَاهَا وَحْدَهُ يَتَخَيَّرُ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْوَقْتِ، وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَعُودُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ قَالَ صَاحِبُ الْحَوَاشِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا قَضَاهَا مُرَتِّبًا عَادَ التَّرْتِيبُ وَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا مُرَتِّبًا لَمْ يُعِدْ بَيَانُهُ إذَا تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ وَقَضَاهَا إلَّا صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى وَقْتِيَّةً وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْبَاقِي قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو جَعْفَرٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْهِدَايَةِ عَوْدُ التَّرْتِيبِ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَوْ أَدَّى بَعْضَ الْعَصْرِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ صَلَاتَانِ قَبْلَهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ يُتِمُّهَا وَطَعَنَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي هَذَا وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلْقَضَاءِ وَالْمُسْقِطُ لِلتَّرْتِيبِ مِنْ الضِّيقِ قَدْ انْعَدَمَ بِالْغُرُوبِ وَصَارَ الْوَقْتُ وَاسِعًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَالْعَارِي إذَا وَجَدَ الثَّوْبَ، وَمَا ذَكَرَهُ عِيسَى هُوَ الْقِيَاسُ لَكِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَحْسَنَ فَقَالَ لَوْ قَطَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الْعَصْرِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَوْ أَتَمَّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا فَكَانَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ عِنْدَ الضِّيقِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَمَتَى سَقَطَ فِي صَلَاةٍ لَا يَعُودُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَهُنَاكَ التَّرْتِيبُ غَيْرُ سَاقِطٍ لَكِنْ تَعَذَّرَ لِلْجَهْلِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بَقِيَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ الْعُذْرُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَدْرِي أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ رَأْيٌ عَمِلَ عَلَى غَالِبِ رَأْيِهِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَنْوِي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثَ عَدَدُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْعُدُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدَّى رَكْعَتَيْنِ وَخَرَجَ مِنْهَا إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى بِانْتِقَالِهِ وَكَذَا فِي الْمَغْرِبِ وَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَصَلَاةُ الْفَجْرِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى الْفَجْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَعِنْدَهُمَا صَلَاةُ الْفَجْرِ تَامَّةٌ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوِتْرِ فَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا كَانَ التَّرْتِيبُ شَرْطًا وَعِنْدَهُمَا كَانَ سُنَّةً فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا فَسَدَ فَرْضُ الْفَجْرِ هَلْ تَفْسُدُ سُنَّتُهُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا تَفْسُدُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَنْظُومَةِ فَقَالَ
وَالْوِتْرُ فَرْضٌ وَيُرَى بِذِكْرِهِ ... فِي فَجْرِهِ فَسَادُ فَرْضِ فَجْرِهِ
فَقَيَّدَ بِفَسَادِ فَرْضٍ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ]
(بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْبَابَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ الْعَوَارِضِ فَأَشْبَهَ الْفَوَاتَ فَتَجَانُسُ الْبَابَانِ وَحُجَّةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأَوْقَاتَ الَّتِي تُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ لِيَتَمَكَّنَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ تَقَعُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَانِبِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا لَقَّبَ الْبَابَ بِالْكَرَاهَةِ ثُمَّ بَدَأَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ وَالْمَكْرُوهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ أَوْ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ أَعَمُّ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ فَالْكَرَاهَةُ فِيهِ حَاصِلَةٌ أَيْضًا كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَالْكَرَاهَةُ ثَابِتَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَيْسَ عَدَمُ الْجَوَازِ ثَابِتًا فِي الْكَرَاهَةِ وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِثْلُ تَسْمِيَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَإِنْ انْخَرَطَ فِيهِ الْبَيْعُ الْبَاطِلُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) يَعْنِي قَضَاءَ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِهَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِالتِّلَاوَةِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ
الجزء 1 · صفحة 69
وَالْوِتْرِ وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ الْفَرَائِضُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ حَتَّى أَنَّهُ يَجُوزُ عَصْرَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَاقِصًا لِنُقْصَانِ سَبَبِهِ، فَقَوْلُهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَرَادَ مَا سِوَى النَّفْلِ.
وَفِي الْمُشْكِلِ قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ وَهُمَا لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّطَوُّعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هُنَا لِلْمَعْهُودِ وَهُوَ الْفَرْضُ فَيَنْصَرِفُ عَدَمُ الْجَوَازِ إلَيْهِ فَقَطْ فَنَقُولُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ النَّفَلُ فَمَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا شَرْعًا أَمَّا لَوْ شَرَعَ فِيهَا وَفَعَلَهَا جَازَ وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا وَقَطَعَهَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ أَصْلًا
(قَوْلُهُ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) حَدُّ الطُّلُوعِ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ.
وَفِي الْمُصَفَّى مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ فَهِيَ فِي الطُّلُوعِ لَا تُبَاحُ الصَّلَاةُ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ تُبَاحُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ) هَذَا إذَا وَجَبَتَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ وَأُخِّرَتَا إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعًا أَمَّا لَوْ وَجَبَتَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأُدِّيَتَا فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ إذْ الْوُجُوبُ بِحُضُورِ الْجِنَازَةِ وَالتِّلَاوَةِ فَإِنْ قُلْت مَا الْأَفْضَلُ الْأَدَاءُ أَوْ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتٍ مُبَاحٍ قُلْت أَمَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَالْأَفْضَلُ الْأَدَاءُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عَجِّلُوا بِمَوْتَاكُمْ وَقَالَ ثَلَاثٌ لَا يُؤَخَّرْنَ جِنَازَةٌ أَتَتْ وَدَيْنٌ وَجَدْت مَا تَقْضِيهِ وَبِكْرٌ وُجِدَ لَهَا كُفْءٌ» وَأَمَّا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَالْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى التَّرَاخِي وَفِي الْهِدَايَةِ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الْكَرَاهَةُ حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا فِيهِ أَوْ تَلَا سَجْدَةً فِيهِ وَسَجَدَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْت لِمَ أُلْحِقَتْ هُنَا بِالصَّلَاةِ وَلَمْ تُلْحَقْ بِهَا فِي الْقَهْقَهَةِ مَعَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» قُلْت: عَدَمُ الْإِلْحَاقِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ لِلْعَهْدِ وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ هِيَ ذَاتُ التَّحْرِيمَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَتَنَاوَلُ السُّجُودَ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمَةٍ، وَأَمَّا هُنَا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَيْ لَا يَقَعَ التَّشَبُّهُ بِالصَّلَاةِ بِمَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَبِالسُّجُودِ يَحْصُلُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ أَيْضًا فَكُرِهَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ وَذَلِكَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ وَلَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَسَدَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرَبَتْ عَلَى مُصَلِّي الْعَصْرِ حَيْثُ لَا تَفْسُدُ وَالْفَرْقُ أَنَّهَا إذَا غَرَبَتْ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا فِي وَقْتٍ وَأَمَّا إذَا طَلَعَتْ فَقَدْ خَرَجَ لَا إلَى وَقْتٍ، بَلْ هُوَ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ فَفَسَدَتْ وَلَوْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَجِبُ قَطْعُهَا وَقَضَاؤُهُمَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ قَطْعُهَا وَلَوْ مَضَى فِيهَا خَرَجَ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ وَلَا يَجِبُ سِوَاهُ فَإِنْ قَطَعَهَا وَأَدَّاهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَمَا إذَا دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْطَعَ وَيَقْضِيَ فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ وَمَضَى عَلَيْهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ أَفْطَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ فَهُمَا سَوَّيَا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الصَّلَاةُ تَقَعُ أَوَّلًا بِالتَّحْرِيمَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا فَانْعَقَدَتْ فِي غَيْرِ نَهْيٍ وَالدُّخُولُ فِي الصَّوْمِ يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إذْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّوْمِ صَوْمٌ فَوَقَعَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) يَعْنِي إذَا احْمَرَّتْ وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةً فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ صَلَّاهَا فِيهَا خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ وَسَقَطَتْ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمًا فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصُومَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَلَوْ صَامَهَا فِيهِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُجْزِئُهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ هُمَا يَقُولَانِ نَذَرَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ
الجزء 1 · صفحة 70
وَلَنَا أَنَّ النَّهْيَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ.
وَفِي فَتَاوَى صَاعِدٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ مَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ ثُمَّ بِالْقَضَاءِ أَمَّا لَوْ دَخَلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ يُؤْمَرُ بِالْإِتْمَامِ، وَلَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأَفْسَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ يَلْزَمُهُ وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا فَقَطَعَهَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الَّذِي اقْتَدَى بِهِ ذَكَرَهُ الْخُجَنْدِيُّ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَفِي النِّهَايَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي الْقَضَاءُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) يَعْنِي قَصْدًا أَمَّا لَوْ قَامَ فِي الْعَصْرِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سَاهِيًا أَوْ فِي الْفَجْرِ لَا يُكْرَهُ وَيُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ لَا يُضِيفُ رَكْعَةً فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بَعْدَهُمَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ أَفْسَدَهَا وَلَمْ يُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا وَعِنْدَ زُفَرَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ) وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا الْمَنْذُورَ وَلَا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَلَا مَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) فَإِنْ قُلْت هُمَا وَاجِبَتَانِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْتِيَ بِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قُلْت إنَّا عَرَفْنَا كَرَاهَتَهُمَا بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِذِي طُوًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ رَكْعَتَانِ مَقَامُ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَخَّرَهُمَا إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَمَا وَجَبَ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ كَالْمَنْذُورَةِ وَالنَّفَلِ الَّذِي يُفْسِدُهُ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِفِعْلِهِ وَهُوَ شُرُوعُهُ فِي الطَّوَافِ فَإِنْ قُلْت وُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ التِّلَاوَةُ قُلْت الْوُجُوبُ فِيهَا لِعَيْنِهِ وَفِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوُجُوبُ فِيهَا لِغَيْرِهِ أَيْ لِغَيْرِ الْوَقْتِ وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ وَصِيَانَةُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ النَّهْيُ عَمَّا سِوَاهُمَا لِحَقِّ الْفَجْرِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُمَا حَتَّى لَوْ نَوَى تَطَوُّعًا كَانَ عَنْهُمَا فَقَدْ مُنِعَ عَنْ تَطَوُّعٍ آخَرَ لِيَبْقَى جَمِيعَ الْوَقْتِ كَالْمَشْغُولِ بِهِمَا لَكِنَّ صَلَاةَ فَرْضٍ آخَرَ فَوْقَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَجَازَ أَنْ يَصْرِفَ الْوَقْتَ إلَيْهِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ مَنْ صَلَّى تَطَوُّعًا فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْإِتْمَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ قَالَ فِي الْفَتَاوَى وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى أَدَاءِ الْمَغْرِبِ مُسْتَحَبٌّ فَكَانَ النَّهْيُ لِئَلَّا يَكُونَ النَّفَلُ شَاغِلًا عَنْ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَكَذَا النَّفَلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ يُكْرَهُ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ عَنْ سَمَاعِهَا إلَّا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ النَّوَافِلِ]
(بَابُ النَّوَافِلِ) النَّفَلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْغَنِيمَةُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ الْجِهَادُ وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَسُمِّيَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةً؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَلَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ وَلَا مَسْنُونٍ وَكُلُّ سُنَّةٍ نَافِلَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ نَافِلَةٍ سُنَّةً فَلِهَذَا لَقَّبَهُ بِالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى السُّنَنِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَقَّبَهُ بِالنَّوَافِلِ وَفِيهِ ذِكْرُ السُّنَنِ لِكَوْنِ النَّوَافِلِ أَعَمَّ كَمَا لَقَّبَ الْأَوْقَاتَ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ النَّفَلُ شُرِعَ لِجَبْرِ نُقْصَانٍ يُمْكِنُ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ عَلَتْ
الجزء 1 · صفحة 71
رُتْبَتُهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ حَتَّى أَنَّ أَحَدًا لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) بَدَأَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَدَعْهَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَقَالَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ «هُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، وَقَالَ «صَلُّوهَا وَلَوْ طَرَقَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَدَّمَ فِي الْمَبْسُوطِ سُنَّةَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلظُّهْرِ وَالظُّهْرُ أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ.
وَقِيلَ إنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَخَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الصَّفِّ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ إذَا خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ مِنْ الْفَرْضِ وَيُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي السُّنَّةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بَعْدَ الصَّفِّ أَوْ فِي الصَّفِّ إنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا غَيْرَهُ، وَأَشَدُّ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ إذَا كَانَ يَجِدُ مَوْضِعًا غَيْرَهُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا الْأَدَاءُ فِي الْبَيْتِ وَكَذَا سَائِرُ السُّنَنِ إلَّا التَّرَاوِيحَ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ بَيَانِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إذَا فَاتَتْ سُنَّةُ الْفَجْرِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا تُقْضَى عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُقْضَى إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ إلَى قَبْلِ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا تُقْضَى إلَّا إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرْضِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ قَضَى الْفَرْضَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ إلَى الزَّوَالِ وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يَقْضِي الْفَرْضَ وَحْدَهُ وَقِيلَ يَقْضِي السُّنَّةَ مَعَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا فَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَحْدَهَا وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُنَّ مُؤَكَّدَاتٌ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِنْ أَدَّاهُنَّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِنَّ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ وَالْفَرْضُ أَرْبَعٌ فَكَذَا النَّفَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَجْرَ لَمَّا كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ كَانَ نَفْلُهُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الظُّهْرِ شَرَعَ رَكْعَتَيْنِ تَيْسِيرًا وَالْجُمُعَةُ أَصْلُهَا أَرْبَعٌ وَبِسَبَبِ الْخُطْبَةِ عَادَتْ إلَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ النَّفَلُ أَرْبَعًا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَإِنْ تَرَكَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْأُولَى خَشْيَةَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْضِيهَا بَعْدَ الْفَرْضِ وَيَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَيَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي النَّوَادِرِ يَبْدَأُ بِالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِالْأَرْبَعِ ثُمَّ يَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا مُبْتَدَأً فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَفِي الْحَقَائِقِ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَرْبَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَةِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ مَقَالَاتِ مُحَمَّدٍ، وَالسُّنَّةُ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ إذَا فَاتَتْ فَقَبْلَ شَفْعِهَا لَهَا الْقَضَاءُ أَيْ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
وَفِي الْمُصَفَّى اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ الْأَرْبَعِ هَلْ هُوَ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ أَوْ سُنَّةٌ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ يَقْضِيهَا بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا سُنَّةٌ يَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا فَائِتَةٌ فَيَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ كَمَا فِي الْفَرَائِضِ.
(قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» ؛ وَلِأَنَّ الْعَصْرَ لَمَّا كَانَتْ أَرْبَعًا قُدِّرَتْ النَّافِلَةُ بِهَا
(قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا {الم - تَنْزِيلُ} [السجدة: 1 - 2] وَفِي الثَّانِيَةِ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] » (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعِشَاءِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) قِيلَ إنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ أَمَّا إذَا صَلَّاهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْأَرْبَعَ كُلَّهَا جَبْرًا لِذَلِكَ النَّقْصِ وَلَا يَتَخَيَّرُ وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ
الجزء 1 · صفحة 72
أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا قَبْلَهَا وَسِتًّا بَعْدَهَا وَفِي الْكَرْخِيِّ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْمَنْظُومَةِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ اثْنَتَيْنِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ أَقْوَى السُّنَنِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَصَحُّ أَنَّ أَقْوَاهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ الْأَرْبَعُ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سَوَاءٌ فَإِنْ قِيلَ لَك لِمَا شُرِعَ بَعْضُ النَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي بَعْدَ الْفَرْضِ شُرِعَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ قَطْعًا لِطَمَعِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَنْ لَمْ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ كَيْفَ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرْضَ وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ ظَنَّ الدَّاخِلُ أَنَّهُ فِي الْفَرْضِ فَيَقْتَدِي بِهِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ حَتَّى لَا تَتَشَوَّشَ الصُّفُوفُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) يَعْنِي أَقَلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي اللَّيْلِ بِثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] ثُمَّ قَالَ {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
(قَوْلُهُ: وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) يَعْنِي إنْ شَاءَ صَلَّى بِاللَّيْلِ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ سِتًّا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ ثَمَانِيًا بِتَسْلِيمَةٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا وَنَهَارًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَثْنًى مَثْنًى وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا مَثْنًى مَثْنًى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ تَحْرِيمَةٍ وَتَسْلِيمَةٍ وَدُعَاءٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَعَلَى الْعَكْسِ يَخْرُجُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا فِي التَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا التَّيْسِيرُ.
(قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ) (الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَالزِّيَادَةُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَمُوجِبُ الْعَقْدِ فِي التَّطَوُّعِ رَكْعَتَانِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِالْقِيَامِ إلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ كَصَلَاةٍ عَلَى حِدَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً وَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ اسْتَفْتَحَ كَمَا يَسْتَفْتِحُ عَقِيبَ التَّحْرِيمَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بِنِيَّةِ الْأَرْبَعِ أَوْ السِّتِّ أَوْ الثَّمَانِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَلْزَمُهُ مَا نَوَى وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ وَإِنْ قَالَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَإِنْ قَالَ نِصْفَ رَكْعَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ وَإِذَا لَزِمَتْهُ رَكْعَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ وِتْرًا وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ بِوُضُوءٍ تَصْحِيحًا لِلنَّذْرِ وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ وَأَمَّا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَهِيَ عِبَادَةٌ كَصَلَاةِ الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الْفَرَائِضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ فِي حَقِّ الْعَمَلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَرْضٌ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ» وَقَالَ مَالِكٌ فُرِضَ فِي ثَلَاثٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ وَصِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ وَفِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَهُوَ شَاهِدٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَالصَّلَاةُ مَتَى ذُكِرَتْ مُطْلَقَةً
الجزء 1 · صفحة 73
لَا تَنْصَرِفُ إلَى رَكْعَةٍ وَإِنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ رَكْعَتَانِ عُرْفًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَمْ يَقُلْ صَلَاةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنْ شَاءَ قَرَأَ يَعْنِي الْفَاتِحَةَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ يَعْنِي ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُسَبِّحْ كَانَ مُسِيئًا إنْ تَعَمَّدَ السُّكُوتَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَهْوٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ السُّكُوتَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِإِسَاءَةٍ وَعِنْدَهُمَا إسَاءَةٌ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ كَرَاهَةٌ وَالْكَرَاهَةُ أَفْحَشُ مِنْ الْإِسَاءَةِ فَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ وَالتَّسْبِيحُ مُبَاحٌ وَالسُّكُوتُ إسَاءَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْقُرَّاءُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَلِهَذَا يَسْتَفْتِحُ فِيهَا وَيَتَعَوَّذُ وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِوُجُودِ عَلَامَةِ الْأَمْرَيْنِ فَاحْتَاطُوا لَهُ بِإِيجَابِ الْقِرَاءَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا وَلَا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ مِنْهُ وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُكْمِلُ تَشَهُّدَهُ الْأَوَّلَ لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) هَذَا إذَا دَخَلَ فِيهَا قَصْدًا أَمَّا سَاهِيًا كَمَا إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ سَاهِيًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَا يَقْضِيهَا ثُمَّ أَيْضًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ وَإِنْ نَوَى مِائَةَ رَكْعَةٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ أَفْسَدَهَا سَوَاءٌ فَسَدَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَالْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَعَدَ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ وَالْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مَلْزُومًا وَهَذَا إذَا أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا بِأَنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا أَمَّا إذَا أَفْسَدَهَا قَبْلَ الْقِيَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ وَقَعَدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ وَأَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ أَرْبَعٍ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا) وَهُوَ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ أَوْ أُخْبِرَتْ بِشُفْعَةٍ لَهَا فَأَتَمَّتْ أَرْبَعًا لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهَا وَلَا خِيَارُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ وَالْكَرْخِيِّ إنْ سَلَّمَتْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَإِنْ أَتَمَّتْ الْأَرْبَعَ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ صَلَاةٌ أُخْرَى وَإِذَا كَانَتْ فِي أَرْبَعِ الظُّهْرِ الْأُولَى لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا بِانْتِقَالِهَا إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَلَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَيُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي وَأَصْلٌ آخَرُ أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالشَّفْعُ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ حَتَّى يَأْتِيَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِقِرَاءَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا صَحَّ يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ أَحَدُهُمَا إذَا صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا فَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَمَّا فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ ارْتَفَعَتْ التَّحْرِيمَةُ وَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الثَّانِي وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ تَفْسُدْ التَّحْرِيمَةُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَفْسَدَ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ
الجزء 1 · صفحة 74
بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَأْتِ بِرَكْعَةٍ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالثَّانِيَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ فَلَزِمَهُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَفْسَدَهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَالثَّالِثَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَلْ يَكُونُ الْأُخْرَيَانِ صَلَاةً عِنْدَهُمَا نَعَمْ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَلَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَالرَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَقُولُ فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجِدَ مِنْهُ رَكْعَةٌ بِقِرَاءَةٍ ثُمَّ فَسَدَتْ بَعْدُ.
وَالْخَامِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ صَحَّ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالسَّادِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَالْأُولَيَانِ فَسَدَتَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْأُخْرَيَانِ صَلَاةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالسَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعٌ وَالثَّامِنَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَنَوَى بِهِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ عُقِدَتْ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ بَعْضُهَا قَضَاءً وَبَعْضُهَا أَدَاءً قَالَ فِي النِّهَايَةِ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يُفْسِدُ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَالَ وَهَذَا إذَا قَعَدَ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الثَّانِي يَسْرِي إلَى الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَبَانَ لَك مِنْ هَذِهِ الثَّمَانِ الْمَسَائِلِ أَنَّ أَرْبَعًا مِنْهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهُنَّ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ فَفِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا وَأَرْبَعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ يَقْضِي أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَرْبَعًا.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» أَيْ فِي حَقِّ الْأَجْرِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَا لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَلَا لِحَالَةِ الْعُذْرِ وَلَا لِحَالَةِ غَيْرِ الْعُذْرِ فَمَا وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ قِيلَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ قَاعِدًا مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاةِ الْقَائِمِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْأَجْرِ فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ إلَّا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا بِدُونِ الْعُذْرِ فَهُوَ عَلَى نِصْفِ الْأَجْرِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ النَّافِلَةُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ هَذَا الْخَيْرِ الْمَوْضُوعِ وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ قِيلَ كَيْفَ شَاءَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْزَمٌ ثُمَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَذَا إذَا شَرَعَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَهُ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ جَازَ فَالْبَقَاءُ أَوْلَى بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ الْتَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُتَتَابِعًا فَصَامَ الْبَعْضَ وَمَرِضَ فَأَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ
الجزء 1 · صفحة 75
وَفِي الشُّرُوعِ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ وَكَذَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ مَاشِيًا وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ مَاشِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ كَذَا هُنَا فَإِنْ قِيلَ إذَا افْتَتَحَهَا هَلْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ شُرُوعِهِ قَائِمًا كَمَا لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الثَّانِيَةِ قِيلَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ وَصْفِهِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَلَمْ يَقُلْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُهُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ وَكُلُّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْجَبَهُ قَائِمًا وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ فَقَامَ وَصَلَّى مَا بَقِيَ جَازَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً) لِأَنَّ النَّافِلَةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَشْرُوعٍ عَلَى حَسَبِ النَّشَاطِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْقَافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ وَكِلَاهُمَا ضَرَرٌ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَّا حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لَكَانَ كَافِيًا وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ النُّزُولِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ كَانَ فِي طِينٍ أَوْ رَدْغَةٍ لَا يَجِدُ عَلَى الْأَرْضِ مَكَانًا جَافًّا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ فَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَكَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ عَنْ الرَّاكِبِ يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الرَّدْغَةُ بِالتَّحْرِيكِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَاءُ وَالطِّينُ الْوَحَلُ الشَّدِيدُ وَكَذَا الرَّدْغَةُ بِالتَّسْكِينِ أَيْضًا وَالْجَمْعُ رَدْغٌ وَرِدَاغٌ وَالْوَحَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الطِّينُ الرَّقِيقُ وَبِتَسْكِينِ الْحَاءِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَيَنْفِي الْجَوَازَ فِي الْمِصْرِ وَحَدُّ خَارِجِ الْمِصْرِ قِيلَ قَدْرُ الْمِيلِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ قَدَّرُوهُ بِمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لَهُمَا أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ إنَّمَا جُوِّزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالنُّزُولِ يَنْقَطِعُ عَنْ الْقَافِلَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْمِصْرِ
(قَوْلُهُ: تَنَفَّلَ) يُحْتَرَزُ عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا كَانَتْ سَائِرَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَلَا وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٍ لَا يَسِير لَا يَجُوزُ وَلَوْ صَلَّى عَلَى عِجْلٍ قَائِمٍ لَا يَسِير جَازَ وَلَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانَ الْعِيدَانُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَالذَّخِيرَةِ إذَا صَلَّى الْفَرْضَ فِي شِقِّ مَحْمَلٍ عَلَى دَابَّةٍ وَرَكَزَ تَحْتَ الْمَحْمَلِ خَشَبَةً حَتَّى صَارَ قَرَارُ الْمَحْمَلِ عَلَيْهَا جَازَ وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ خَارِجَ الْمِصْرِ رَاكِبًا ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ رَاكِبًا بَطَلَتْ تَحْرِيمَتُهُ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ يُتِمُّهَا عَلَى الدَّابَّةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَهُ وَقِيلَ يَنْزِلُ وَيُتِمُّهَا نَازِلًا، وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَعِنْد زُفَرَ يَبْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ
(قَوْلُهُ: إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ) فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الدَّابَّةُ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَقَوْلُهُ يُومِئُ إيمَاءً وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَاشِي أَنْ يُصَلِّيَ أَيْنَ كَانَ وَجْهُهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ لِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ فَصَارَ كَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ السِّبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَشْيِ وَإِذَا كَانَ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ لُعَابِ الْحِمَارِ أَمَّا إذَا كَانَ دَمًا أَوْ عَذِرَةً أَوْ بَوْلًا لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا وَجَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِي شَرْحِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ فِي السَّرْجِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهَا كَذَلِكَ هَذَا.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) لَمَّا انْتَهَى ذِكْرُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ وَالْقَضَاءِ شَرَعَ فِي جَبْرِ نُقْصَانِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا ذَكَرَ
الجزء 1 · صفحة 76
النَّوَافِلَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ لِكَوْنِهَا جَبْرًا لِنُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الْفَرَائِضِ فَلِهَذَا ذَكَرَ السَّهْوَ عَقِيبَ النَّوَافِلِ لِكَوْنِهِ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فَكَانَ بَعْدَ الْجَمِيعِ وَهُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَالسَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ ضِدُّ الذِّكْرِ إلَّا أَنَّ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ عُزُوبُ الشَّيْءِ عَنْ النَّفْسِ بَعْدَ حُضُورِهِ وَالسَّهْوُ قَدْ يَكُونُ عَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ بِهِ عَالِمًا وَعَمَّا لَا يَكُونُ عَالِمًا بِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (سُجُودُ السَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ) سَوَاءٌ (بَعْدَ السَّلَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَبْلَ السَّلَامِ فِيهِمَا وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ لِلنُّقْصَانِ فَقَبْلَ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ لِلزِّيَادَةِ فَبَعْدَ السَّلَامِ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى لَوْ سَجَدَ عِنْدَنَا قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ وَلَكِنْ لَا يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَى لَا يَرْتَفِعُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْقَعْدَةِ فَتَرْفَعُهَا وَقَوْلُهُ يُسَلِّمُ أَيْ يَأْتِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَمَنْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فِي الْفَجْرِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى طَلَّتْ الشَّمْسُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ سَقَطَتَا عَنْهُ وَكَذَا إذَا سَهَا فِي قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ وَفِي الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ يَعْنِي بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرَ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَدْعُو فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ فِيهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَخْرُجُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا ثُمَّ إذَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ عَادَ إلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَفَائِدَتُهُ إذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ فَاقْتِدَاؤُهُ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُمَا إنْ عَادَ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ عَادَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَسَقَطَ عَنْهُ السَّهْوُ إجْمَاعًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ، وَكَذَا إذَا قَهْقَهَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْقَعْدَةُ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا لِيَقَعَ خَتْمُ الصَّلَاةِ بِهَا حَتَّى لَوْ قَامَ وَتَرَكَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَالسَّهْوُ يَلْزَمُهُ إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنْهَا) فِي قَوْلِهِ يَلْزَمُهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ بِتَأْخِيرِهِ أَوْ بِتَغْيِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا، وَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِهَا اُحْتُرِزَ عَنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَتَقْلِيبِ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ مُفْسِدًا فَإِنْ قُلْت مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ مِنْهَا إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ عُلِمَ أَنَّ الزَّائِدَ لَيْسَ مِنْهَا قُلْت اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ الْقُعُودَ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهَا فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّهْوُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ فَرْضٌ فَإِنْ قُلْت لِمَ وَجَبَ السَّهْوُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا هُوَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةُ ضِدُّ النُّقْصَانِ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا نُقْصَانٌ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ سِتُّ أَصَابِعَ كَانَ لَهُ رَدُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ رَدُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَاعْلَمْ أَنَّ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ يُجْبِرَانِ النُّقْصَانَ وَيُرْضِيَانِ الرَّحْمَنَ وَيُرْغِمَانِ الشَّيْطَانَ فَلِهَذَا هُمَا وَاجِبَتَانِ
(قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) أَيْ فِعْلًا وَاجِبًا عُرِفَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ كَالْقَعْدَةِ الْأُولَى أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ الْقُعُودِ أَوْ تَرَكَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِعْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَهَا عَنْ الْأَذْكَارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّهْوُ
الجزء 1 · صفحة 77
كَمَا إذَا سَهَا عَنْ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَتَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَسْبِيحَاتِهِمَا إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ وَالْقُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ وَالْقِرَاءَةُ وَتَأْخِيرُ السَّلَامِ عَنْ مَوْضِعِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ أَكْثَرَهَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ
(قَوْلُهُ: وَالْقُنُوتَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْقُنُوتِ
(قَوْلُهُ: أَوْ التَّشَهُّدَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ: أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) أَوْ الْبَعْضَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ يَجِبُ السَّهْوُ وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ السَّهْوُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ السُّورَةَ وَلَوْ قَرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ ثُمَّ السُّورَةَ ثُمَّ الْفَاتِحَةَ سَاهِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَهْوٌ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَرَّتَيْنِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ سَاهِيًا لَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَلَوْ صَلَّى بِسُورَةِ السَّجْدَةِ فَلَمَّا سَجَدَ قَامَ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ سَاهِيًا ثُمَّ قَرَأَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ أَوْ خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَإِنْ جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَفِي الْكَرْخِيِّ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَيُمْكِنُ عَنْ الْكَثِيرِ وَمَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ.
وَفِي النَّوَادِرِ إذَا جَهَرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوُ.
(قَوْلُهُ: وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ لَازِمَةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ) لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِلْإِمَامِ وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابِعًا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمُؤْتَمَّ السُّجُودُ) لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ وَإِنْ تَابَعَهُ الْإِمَامُ يَنْقَلِبُ الْأَصْلُ تَبَعًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ وَهُوَ إلَى حَالِ الْقُعُودِ أَقْرَبُ) يَعْنِي بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا يَعُودُ وَإِنْ اسْتَتَمَّ لَا يَعُودُ وَصَحَّحَ هَذَا صَاحِبُ الْحَوَاشِي
(قَوْلُهُ: عَادَ فَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا قَرُبَ إلَى الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ كَفِنَاءِ الْمِصْرِ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمِصْرِ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ سُجُودَ السَّهْوِ هَهُنَا.
وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ.
وَفِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَوُجِدَ بِخَطِّ الْمَكِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْجُدُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ مَعْنًى (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَلَوْ عَادَ هُنَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا إذَا عَادَ بَعْدَمَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ وَالْقَعْدَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ فَلَا يَتْرُكُ الْفَرْضَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا بِمَا إذَا تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْقِيَامَ وَهُوَ فَرْضٌ وَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فَقَدْ تَرَكَ الْفَرْضَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ قِيلَ كَانَ الْقِيَاسُ هُنَاكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَتْرُكَ الْقِيَامَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَامَ بِالْأَثَرِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ لِأَجْلِهَا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 78
سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ وَمُخَالَفَةُ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ السُّجُودِ فَجَوَّزَ تَرْكَ الْقِيَامِ تَحْقِيقًا لِمُخَالَفَتِهِمْ، وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ أَمَّا فِي النَّفْلِ إذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ مِنْ غَيْرِ قَعْدَةٍ فَإِنَّهُ يَعُودُ وَلَوْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا مَا لَمْ يُقَيِّدْهَا بِسَجْدَةٍ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ إلَى الْخَامِسَةِ رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ) أَيْ تَرَكَهَا؛ لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إلَى الْقَعْدَةِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ مَا لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ مَحَلٌّ لِلرَّفْضِ
(قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) يَبْطُلُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ وَعِنْد مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهَا؛ لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي السُّجُودِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِيَتَوَضَّأَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَهُوَ السُّجُودُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ
(قَوْلُهُ: وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا) هَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَتَحَوَّلُ نَفْلًا بَلْ تَبْطُلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ إذَا فَسَدَتْ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ عِنْدَهُ لَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى قَالَ: لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَبْطُلْ تَصِيرُ تَطَوُّعًا وَتَرْكُ الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّطَوُّعِ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَرْكُ الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ فَبَقِيَتْ التَّحْرِيمَةُ فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ مُتَنَفِّلًا بِسِتٍّ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَشْفَعَ الْخَامِسَةَ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ شُرِعَ شَفْعًا لَا وِتْرًا وَهَذَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْعَصْرِ فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَفِي قَاضِي خَانْ إلَّا الْفَجْرَ فَإِنَّهُ لَا يُضِيفُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَكْرُوهٌ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ أَعْنِي الْخَامِسَةَ وَالسَّادِسَةَ يَلْزَمُهُ سِتُّ رَكَعَاتٍ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ نَفْلًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ الْإِحْرَامُ حِينَ فَسَدَ الْفَرْضُ وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ وَالْمَظْنُونُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الضَّمُّ ثُمَّ إذَا ضَمَّ هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عِنْدَهُمَا الْأَصَحُّ لَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِالْفَسَادِ لَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ يَظُنُّهَا الْقَعْدَةَ الْأُولَى عَادَ إلَى الْقُعُودِ مَا لَمْ يَسْجُدْ فِي الْخَامِسَةِ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنْ سَلَّمَ قَائِمًا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَوْ عَادَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) فَإِنْ قُلْت هَلْ ضَمَّ الْأُخْرَى عَلَى الْإِيجَابِ أَمْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ قُلْت ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ ثُمَّ إذَا أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ لَفْظَةَ السَّلَامِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ سَهْوَهُ وَقَعَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى النَّفْلِ وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِحْسَانٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ انْتِقَالَهُ إلَى النَّفْلِ بِنَاءً عَلَى التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ السَّهْوِ كَأَنَّهُمَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ أَحَدٌ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْفَرْضِ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ عِنْدَهُ صَارَ الْمُقْتَدِي شَارِعًا فِي الْكُلِّ فَلَزِمَهُ مَا أَدَّى الْإِمَامُ بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ وَقَدْ أَدَّى سِتًّا وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِهِ فِي النَّفْلِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْفَرْضِ فَإِنْ أَفْسَدَ الْمُقْتَدِي لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) وَهَذَا السُّجُودُ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي النَّفْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِدُخُولِهِ فِيهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْفَرْضِ وَهُوَ خُرُوجُهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَنْ اقْتَدَى بِهِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْمُقْتَدِي قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَإِنَّمَا النُّقْصَانُ فِي النَّفْلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي سِتًّا؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَدَّى
الجزء 1 · صفحة 79
بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا مَظْنُونَتَانِ وَالْمَظْنُونُ نَاقِصٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ظَنٌّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) الشَّكُّ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَالظَّنُّ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ وَجِهَةُ الصَّوَابِ أَرْجَحُ، وَالْوَهْمُ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ وَجِهَةُ الْخَطَأِ أَرْجَحُ.
(قَوْلُهُ: أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ) قِيلَ فِي عُمُرِهِ وَقِيلَ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ السَّهْوُ مِنْ عَادَتِهِ، وَفَائِدَتُهُ إذَا سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ ثُمَّ وَقَفَ سِنِينَ ثُمَّ سَهَا عَلَى قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْعَادَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَعَلَى الْعِبَارَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ]
(بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ) إنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِيبَ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ إلَّا أَنَّ السَّهْوَ أَكْثَرُ فَكَانَ أَهَمَّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ فَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ ثُمَّ إضَافَتُهُ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ كَقِيَامِ زَيْدٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرِيضِ الْقِيَامُ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الصَّلَاةَ قَاعِدًا فَقِيلَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إذَا قَامَ سَقَطَ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ دَوَرَانِ الرَّأْسِ، وَالْأَصَحُّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ دُونَ تَمَامِهِ أُمِرَ بِأَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ فَإِذَا عَجَزَ قَعَدَ حَتَّى لَوْ قَدَرَ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا لِلتَّحْرِيمَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ يَعْنِي لِلْقِرَاءَةِ أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ لِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ دُونَ تَمَامِهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا وَيَقْرَأَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدَ إذَا عَجَزَ فَقَوْلُهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ يَعْنِي جَمِيعَهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مُتَّكِئًا لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ فَيَقُومُ مُتَّكِئًا.
(قَوْلُهُ: صَلَّى قَاعِدًا) يَعْنِي يَقْعُدُ كَيْفَ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ أَوْ إلَى إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ مُضْطَجِعًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) أَوْمَأَ بِالْهَمْزَةِ
(قَوْلُهُ: وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ) لِأَنَّ الْإِيمَاءَ قَامَ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَإِنْ رَفَعَ إنْ وَجَدَ الْإِيمَاءَ جَازَ وَيَكُونُ مُسِيئًا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ كَانَ بِجَبْهَتِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ عَلَيْهَا لَمْ يُجْزِهِ الْإِيمَاءُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ
الجزء 1 · صفحة 80
وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) يَعْنِي بَعْدَ أَنْ تُوضَعَ وِسَادَةٌ تَحْتَ رَأْسِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلْقَاءَ يَمْنَعُ الْإِيمَاءَ مِنْ الْأَصِحَّاءِ فَكَيْفَ مِنْ الْمَرْضَى فَإِنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا فَنَامَ فِيهَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَذَا فِي الْوَجِيزِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ جَازَ) يَعْنِي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الِاسْتِلْقَاءَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إذَا بَلَغَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَسْقُطُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَقَدَمَاهُ مِنْ السَّاقَيْنِ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ دَامَ بِهِ الْمَرَضُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يَقْضِي إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ قَضَى إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ أَقَلَّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَزْدَوِيِّ الصَّغِيرِ وَقَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) .
وَقَالَ زُفَرُ يُومِئُ بِقَلْبِهِ فَإِذَا صَحَّ أَعَادَ، وَقَالَ الْحَسَنُ يُومِئُ بِحَاجِبَيْهِ وَقَلْبِهِ وَيُعِيدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ أَعَادَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً) فَإِنْ أَوْمَأَ قَائِمًا جَازَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا أَرَادَ أَنْ يُومِئَ لِلرُّكُوعِ أَوْمَأَ قَائِمًا وَيُومِئُ لِلسُّجُودِ قَاعِدًا وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا بِالْكُلِّ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ قَائِمًا لَا يُجْزِئُهُ وَلِلرُّكُوعِ يُجْزِئُهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا وَحَدَثَ بِهِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الْقِيَامَ أَتَمَّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بِنَاءَ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ بِهِ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْقَاعِدَ يَؤُمُّ الْقَائِمَ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْقَاعِدِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْتَقْبِلُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْقَائِمَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ الْقَاعِدِ فَكَذَا لَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ) هَذَا إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَمَا رَكَعَ وَسَجَدَ أَمَّا إذَا قَدَرَ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الْأَدَاءِ صَحَّ لَهُ الْبِنَاءُ كَذَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ.
وَقَالَ زُفَرُ يَبْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَصْلِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الرَّاكِعُ بِالْمُومِئِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهَا قَضَاهَا إذَا صَحَّ) وَإِنْ فَاتَهُ بِالْإِغْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْأَعْذَارَ أَنْوَاعٌ مُمْتَدَّةٌ جِدًّا كَالصِّبَا وَتَسْقُطُ بِهِ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا وَقَاصِرٌ جِدًّا كَالنَّوْمِ لَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْإِغْمَاءُ فَإِنْ امْتَدَّ أُلْحِقَ بِالْمُمْتَدِّ جِدًّا وَإِنْ لَمْ يَمْتَدَّ أُلْحِقَ بِالْقَاصِرِ جِدًّا حَتَّى يُوجِبَ الْقَضَاءَ وَامْتِدَادُهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَدْخُلُ الْفَائِتَةُ فِي حَيِّزِ التَّكْرَارِ، وَفِي إيجَابِ قَضَاءِ ذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]