الجزء 1
الجزء الأول
[مقدمات]
[غلاف الكتاب]
- قررت إدارة الجامع الأزهر تدريس هذا الكتاب لطلاب السنة الثانية الابتدائية بالأزهر والمعاهد الدينية.
اللباب في شرح الكتاب
تأليف
الشيخ عبد الغني الغنيمي، الدمشقي، الميداني، الحنفي
أحد علماء القرن الثالث عشر
على المختصر المشتهر باسم "الكتاب" الذي صنفه الإمام أبو الحسين أحمد بن محمد، القدوري، البغدادي، الحنفي. المولود في عام 362، والمتوفى في عام 428 من الهجرة.
حققه، وضبطه، وعلق حواشيه
محمود أمين النواوي
المفتش بالأزهر
الجزء 1 · صفحة 3
الجزء الأول [من مجموع أربعة أجزاء]
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
التقدمة
الحمد لله القائل في كتابه الكريم: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} وحسبك بها آية على منزلة الفقه ومجادة الموفقين لدراسته والصلاة والسلام على رسوله القائل: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" وحسبك به دليلاً حافزاً على تلقي الفقه والمسارعة إلى تحصيل مباحثه، ولا غرو فإن كل متدين لا غنى به عن معرفة الحلال والحرام حتى يصح دينه وكل متعبد لا بد له من تصحيح عبادته حتى تسلم من الفساد وتحف بالرضوانن والقبول عند الله ولا عذر بالجهل في دار الإسلام فمن ثم كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
وإذا كان الله تعالى يقول في كتابه: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} فإن معناه كما قال حبر الأمة علموهم وفقهوهم. فإذا كان ذلك فمن لم يعلم الحلال والحرام فهو على شفا حفرة من النار. وعند الله العافية.
ولما كان كتاب (القدوري) من أجمع الكتب في فقه أبي حنيفة لما يلزم معرفته من الحلال والحرام وبيان خمسة الأحكام، فيما يلزم من الإسلام. وكان شرحه (اللباب) من أوضح الشراح وأسلسها، وأصحها نقلاً وأدقها، فقد تلقاهما المسلمون على مذهب الإمام أبي حنيفة بالقبول ومنحوهما أكبر قسط من العناية والتقدير.
وقد وشحتهما بتقريرات موجزة متفرقة في أخص ما يلزم معرفته بجانبهما للطالب المبتدىء من بعض ما وقع فيه الخلاف واختلفت فيه الأدلة وتعددت وجهات النظر وكثر فيه القيل والقال أحياناً بين مقلدي المذاهب فاحتاج إلى بعض
الجزء 1 · صفحة 4
البيان عن وجهة نظر المذهب أو غيره ومكانتها من التوفيق إن كانت، حتى يألف الطالب هذا النمط من الدراسة ثم يعنى به حق العناية فذلك أحرى أن يجعل المنفعة على بينة من الأمر.
وكل مذاهب الأئمة خير، ويزيد الناس إيماناً بها أن يتعرفوا أصولها، ومآخذ أحكامها وهذه كلمة نحن مضطرون إلى إيجازها على هذا النحو حتى لا يطول منا مجال الاسترسال فيما لا مجال للخوض فيه اليوم.
والله ولي التوفيق والرعاية
محمود النواوي
الجزء 1 · صفحة 5
كتاب الطهارة
- قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
(الطهارة لغة) النظافة. وشرعاً: النظافة عن النجاسة: حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكمية وهي الحدث. وتنقسم بالإعتبار الثاني إلى الكبرى واسمها الخاص الغسل، والموجب له الحدث الأكبر، وإلى الصغرى واسمها الخاص الوضوء، والموجب له الحدث الأصغر. وبقي نوع آخر - وهو التيمم - فإنه طهارة حكمية يخلفهما معا ويخلف كل منهما منفرداً عن الآخر.
وقدمت العبادات على غيرها اهتماماً بها؛ لأن الجن والإنس لم تخلق إلا لها، وقدمت الصلاة من بينها؛ لأنها عمادها، وقدمت الطهارة عليها لأنها مفتاحها وقدمت طهارة الوضوء لكثرة تكرارها.
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين} افتتح رحمه الله تعالى كتابه بآية من القرآن على وجه البرهان استنزالاً لبركته وتيمناً بتلاوته، وإلا فذكر الدليل - خصوصاً على وجه التقديم - ليس من عادته
الجزء 1 · صفحة 6
ففرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل؛ والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية؛ لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة) يعني الوجه واليدين والرجلين، وسماها ثلاثة وهي خمسة؛ لأن اليدين والرجلين جعلا في الحكم بمنزلة عضوين كما في الآية، جوهرة (ومسح الرأس) بهذا النص (¬1) هداية. والفرض لغة: التقدير، وشرعا ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، كأصل الغسل والمسح في أعضاء الوضوء، وهو الفرض علماً وعملاً، ويسمى الفرض القطعي، ومنه قول المصنف: "فرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس" وكثيرا ما يطلق الفرض على ما يفوت الجواز بفوته كغسل ومسح مقدار معين فيها، وهو الفرض عملاً لا علماً ويسمى الفرض الإجتهادي، ومنه قوله: "والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية" وحد الوجه: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن طولاً وما بين شحمتي الأذنين عرضاً (والمرفقان) تثنية مرفق - بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسه - موصل الذراع في العضد (والكعبان) تثنية كعب، والمريد به هنا هو العظم الناتئ المتصل بعظم الساق، وهو الصحيح، هداية (يدخلان في الغسل) على سبيل الفرضية. والغسل: إسالة الماء: وحد الإسالة في الغسل: أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند أبي يوسف يجزئ إذا سال على العضو وإن لم يقطر، فتح، وفي الفيض: أقله قطرتان في الأصح. اهـ، وفي دخول المرفقين والكعبين خلاف زفر. والبحث في ذلك وفي القراءتين في "أرجلكم" قال في البحر: لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع على ذلك (والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية) أي مقدم الرأس (وهو الربع) وذلك (لما روى المغيرة ابن شعبة) رضي الله تعالى عنه: (أن النبي
¬_________
(¬1) النص وهو الآية الكريمة وهي تفيد افتراض الغسل والمسح لهذه الأعضاء وإن كان تحديد المسح في الرأس يبينه حديث المغيرة الآتي على ما سيذكر المصنف والشارح
الجزء 1 · صفحة 7
صلى الله عليه وسلم "أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه (¬1) ".
وسنن الطهارة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صلى الله عليه وسلم أتى سباطة) بالضم: أي كناسة (قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه) والكتاب مجمل في حق المقدار، فالتحقق بيانا به؛ وفي بعض الروايات: قدره أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد؛ لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح هداية. قال في الفتح: وأما رواية جواز قدر الثلاثة الأصابع - وإن صححها بعض المشايخ، نظراً إلى أن الواجب إلصاق اليد، والأصابع أصلها؛ ولذا يلزم بقطعها دية كل اليد، والثلاث أكثرها وللأكثر حكم الكل، وهو المذكور في الأصل - فيحمل على أنه قول محمد؛ لما ذكر الكرخي والطحاوي عن أصحابنا أنه مقدار الناصية، ورواه الحسن عن أبي حنيفة ويفيد أنها غير المنصور رواية قول المنصف - يعني صاحب الهداية - "وفي بعض الروايات"
(وسنن الطهارة) السنن. جمع سنة، وهي لغة: الطريقة مرضية كانت أو غير مرضية (¬2) وفي الشريعة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع الترك أحياناً.
¬_________
(¬1) قال الكمال في الفتح؛ إن هذا الحديث مجموع من حديثين رواهما المغيرة، أحدهما ما رواه مسلم عنه أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى الخفين. والآخر رواه ابن ماجة عنه أنه صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً. والقدوري ليس مخطئاً، لأن كلا من الحديثين من رواية المغيرة. ولقائل أن يقول ولم لا يجوز أن تكون كل منهما واقعة غير الأخرى، وإن كان الاستدل صحيحاً وكان يمكن الإقتصار فيه على رواية مسلم فتأمل.
(¬2) الدليل على أن لفظ السنة يطلق في اللغة العربية على الطريقة مطلقا سواء أكانت مرضية أم لم تكن - هو قوله صلوات الله وسلامه عليه. "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"
الجزء 1 · صفحة 8
غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فتح واللام في "الطهارة" للعهد. أي الطهارة المذكورة، وتعقيبه الفرض بالسنن يفيد أنه لا واجب للوضوء، وإلا لقدمه (¬1) (غسل اليدين) إلى الرسغين؛ لوقوع الكفاية به في التنظيف، وقوله (قبل إدخالهما الإناء) قيد اتفاقي، وإلا فيسن غسلهما وإن لم يحتج إلى إدخالهما الإناء، وكذا قوله (إذا استيقظ المتوضئ من نومه) على ما هو المختار من عدم اختصاص سنية البداءة بالمستيقظ (¬2) ، قال العلامة قاسم في تصحيحه: الأصح أنه سنة مطلقاً نص عليه في شرح الهداية، وفي الجوهرة هذا شرط وقع اتفاقاً؛ لأنه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء السنة غسل اليدين، وقال نجم الأئمة في الشرح؛ قال في المحيط والتحفة: وجميع الأئمة البخاريين أنه سنة على الإطلاق. اهـ. وفي الفتح: وهو الأولى؛ لأن من حكى وضوءه صلى الله عليه وسلم قدمه؛ وإنما يحكي ما كان دأبه وعادته، لا خصوص وضوئه الذي هو على نوم، بل الظاهر أن إطلاعهم على وضوئه عن غير النوم، نعم مع الاستيقاظ
¬_________
(¬1) يريد أن يقول: إن مرتبة الفرض أولى المراتب وإن مرتبة الواجب تأتي بعقيب مرتبة الفرض، وإن نظام التأليف يقتضي أن يبدأ المؤلف بأولى المراتب، ثم بما يليها، وهكذا وقد بدأ المؤلف فعلاً بالفروض، ثم انتقل إلى بيان السنن، فعلمنا من هذا الصنيع أنه ليس للوضوء واجبات، إذ لو كان له واجبات للزم أن يذكرها عقيب الفروض حتى يتم النظام.
(¬2) اعلم أنه قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) وظاهر هذا الحديث أن غسل اليدين إنما يكون سنة في حق من تيقظ من النوم، فأما من يكون يقظان قبل إرادة الوضوء وقد تأكد من نظافة يديه فلا يسن له ذلك، وكذلك ظاهر الحديث أنه إنما يسن غسل اليدين لمن يكون ماء وضوئه في إناء فهو يريد أن يغترف منه، فأما من لا يكون ماؤه في إناء كمن يتوضأ من صنبور فلا يسن له ذلك. وقد بين المؤلف رحمه الله أن غسل اليدين سنة على كل حال: أي سواء أكان من يريد الوضوء قد استيقظ من منامه أم لم يكن، وسواء أكان يتوضأ من إناء أم لم يكن، وقد اعتذر عن قيد الاستيقاظ وقيد إدخال اليد في الإناء الواردين في الحديث بأنهما اتفاقيان لا يقصد بهما الإحتراز
الجزء 1 · صفحة 9
وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتوهم النجاسة السنة آكدة. اهـ (وتسمية الله تعالى في بتداء الوضوء) ولفظها المنقول عن السلف - وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم - (بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام) وقيل: الأفضل {بسم الله الرحمن الرحيم} بعد التعوذ، وفي المجتبى يجمع بينهما، وفي المحيط: لو قال: (لا إله إلا الله) أو (الحمد لله) أو (أشهد أن لا إله إلا الله) يصير مقيماً للسنة، وهو بناء على أن لفظ (يسمى) أعم مما ذكرناه، فتح. وفي التصحيح: قال: في الهداية (الأصح أنها مستحبة) ويسمى قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح. وقال الزاهدي: والأكثر على أن التسمية وغسل اليدين سنتان قبله وبعده. اهـ (والسواك) أي: الاستياك عند المضمضة، وقيل: قبلها، وهو للوضوء عندنا إلا إذا نسيه فيندب للصلاة، وفي التصحيح: قال في الهداية والمشكلات: والأصح أنه مستحب اهـ (والمضمضة) بمياه ثلاثاً (والاستنشاق) كذلك، فلو تمضمض ثلاثاً من غرفة واحدة لم يصر آتياً بالسنة. وقال: الصيرفي يكون آتياً بالسنة، قال: واختلفوا في الاستنشاق ثلاثاً من غرفة واحدة؛ قيل: لا يصير آتياً بالسنة، بخلاف المضمضة؛ لأن في الاستنشاق يعود بعض الماء المستعمل إلى الكف، وفي المضمضة لا يعود؛ لأنه يقدر على إمساكه، كذا في الجوهرة (ومسح الأذنين) وهو سنة بماء الرأس عندنا هداية: أي لا بماء جديد، عناية. ومثله في جميع شروح الهداية والحلية والتتارخانية وشرح المجمع وشرح الدرر للشيخ إسماعيل، ويؤيده تقييد سائر المتون بقولهم "بماء الرأس" قال في الفتح: وأن ما روي أنه صلى الله عليه وسلم "أخذ لأذنيه ماء جديداً" فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب، توفيقا بينه وبين ما ذكرنا، وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ، كما لو انعدمت في بعض عضو واحد. اهـ. وإذا علمت ذلك ظهر لك أن ما مشى عليه العلائي في الدر والشرنبلالي وصاحب النهر والبحر تبعاً للخلاصة ومنلا مسكين - من أنه لو أخذ للأذنين ماء جديداً فهو حسن - مخالف للرواية المشهورة التي مشى
الجزء 1 · صفحة 10
وتخليل اللحية والأصابع، وتكرار الغسل إلى الثلاث. ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب، وتمام ذلك في حاشية شيخنا رد المحتار رحمه الله تعالى. (وتخليل اللحية) وقيل: هو سنة عند أبي يوسف جائز عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن السنة إكمال الفرض في محله. والداخل ليس بمحل له، هداية. وفي التصحيح: وتخليل اللحية وهو قول أبي يوسف ورجحه في المبسوط (والأصابع) لأنه إكمال الفرض في محله، وهذا إذا كان الماء واصلاً إلى خلالها بدون التخليل، وإلا فهو فرض (وتكرار الغسل) المستوعب في الأعضاء المغسولة (إلى الثلاث) مرات (¬1) ؛ ولو زاد لطمأنينة القلب لا بأس به، قيدت بالمستوعب لأنه لو لم يستوعب في كل مرة لا يكون آتياً بسنة التثليث، وقيدت الأعضاء المغسولة لأن الممسوحة يكره تكرار مسحها.
(ويستحب للمتوضئ) المستحب لغة: هو الشيء المحبوب، وعرفاً قيل: هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى، والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين، وقيل: هما سواء، وعليه الأصوليون، قال في التحرير: وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب، وإن لم يفعله بعدما رغب فيه اهـ. (أن ينوي الطهارة) في ابتدائها
¬_________
(¬1) أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة مرة) وأخرج البخاري أيضاً (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين) وتضافرت الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم (توضأ ثلاثاً ثلاثاً) ومعنى هذا أنه صلوات الله عليه وسلامه توضأ في بعض الأحايين مرة مرة، يعني يغسل وجهه ويستوعبه مرة واحدة، ويغسل يديه ويستوعبهما مرة واحدة، وهكذا. وأنه توضأ في بعض الأحايين مرتين مرتين. يعني يغسل وجهه مرتين يستوعب غسله في كل مرة منهما، وهكذا، وأنه توضأ في أغلب الأحيان ثلاثاً ثلاثاً، على معنى أنه غسل وجهه ثلاث مرات يستوعب غسله في كل مرة منها وهكذا، وقوله ولو زاد لطمأنينة القلب لا بأس به محل نظر لأن الإتباع هو المطلوب
الجزء 1 · صفحة 11
ويستوعب رأسه بالمسح، ويرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن.
[نواقض الوضوء]
- والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين، والدم والقيح والصديد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويستوعب رأسه بالمسح) بمرة واحدة (ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ الله تعالى به) ويختم بما ختم به، قال في التصحيح: قال نجم الأئمة في شرحه: وقد عد الثلاثة في المحيط والتحفة من جملة للسنن، وهو الأصح، وقال في الفتح: لا سند للقدوري في الرواية ولا في الدراية ولا في جعل النية والاستيعاب والترتيب مستحباً غير سنة، أما الدراية فنصوص المشايخ متضافرة على السنة، ولذا خالفه المصنف في الثلاثة وحكم بسنتيها بقوله "فالنية في الوضوء سنة" ونحوه في الأخيرين، وأما الدراية فسنذكره إن شاء الله تعالى، وقيل: أراد يستحب فعل هذه السنة للخروج من الخلاف؛ فإن الخروج عنه مستحب اهـ. وتمامه فيه (و) البداءة (بالميامن) فضيلة. هداية وجوهرة، أي مستحب.
(والمعاني) جمع معنى، وهو الصورة الذهنية من حيث إنه وضع بإزائها اللفظ، فإن الصورة الحاصلة في العقل من حيث إنها تقصد باللفظ تسمى معنى كذا في تعريفات السيد (الناقضة للوضوء) أي المخرجة له عن إفادة المقصود به، لأن النقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عن إفادة ما هو المقصود بها (كل ما) أي: شيء (خرج من السبيلين) أي: مسلكي البول والغائط، أعم من أن يكون معتاداً أولاً، نجساً أولاً، إلا ريح القبل، لأنه اختلاج لا ريح، والمراد بالخروج من السبيلين مجرد الظهور، لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة، فيستدل بالظهور على الإنتقال، بخلاف الخروج في غيرهما فإنه مقيد بالسيلان، كما صرح به بقوله (والدم والقيح) وهو: دم نضج حتى ابيض وخثر (والصديد)
الجزء 1 · صفحة 12
إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير (¬1) ، والقيئ إذا كان ملء الفم،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو: قيح ازداد نضجا حتى رق (إذا خرج من البدن فتجاوز) عن موضعه (إلى موضع يلحقه حكم التطهير) ، لأنه بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها، فتكون بادية لا خارجة، ثم المعتبر هو قوة السيلان، وهو: أن يكون الخارج بحيث يتحقق فيه قوة أن يسيل بنفسه عن المخرج إن لم يمنع منه مانع، سواء وجد السيلان بالفعل أو لم يوجد، كما إذا مسحه بخرقة كما خرج، ثم وثم. قيد بالدم والقيح احتزازاً من سقوط لحم من غير سيلان دم كالعرق المديني فإنه لا ينقض وأما الذي يسيل منه، إن كان ماء صافياً لا ينقض. قال في الينابيع: الماء الصافي إذا خرج من النفطة لا ينقض. وإن أدخل أصبعه في أنفه فدميت أصبعه: إن نزل الدم من قصبة الأنف نقض، وإلا لم ينقض. ولو عض شيئاً فوجد فيه أثر الدم - أو استاك فوجد في السواك أثر الدم لا ينقض مالم يتحقق السيلان. ولو تخلل بعود فخرج الدم على العود لا ينقض. إلا أن يسيل بعد ذلك بحيث يغلب على الريق اهـ. جوهرة (والقيئ) سواء كان طعاماً أو ماءً أو علفاً أو مرة بخلاف البلغم فإنه لا ينقض، خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من الجوف، وأما النازل من الرأس فغير ناقض اتفاقا (إذا كان ملئ الفم) قال في التصحيح: قال في الينابيع: وتكلموا في تقدير ملء الفم، والصحيح إذا كان لا يقدر على إمساكه. قال الزاهدي:
¬_________
(¬1) يستدل الأحناف لمذهبهم في نقض الوضوء بالدم السائل ونحوه بحديث الوضوء من كل دم سائل.
قال في الفتح رواه الدارقطني من طريق ضعيف، ورواه ابن عدي في الكامل عن آخر وقال لا نعرفه إلا من حديث أحمد بن قروخ، وهو ممن لا يحتج به ولكنه أيده بأشياء، منها حديث السيدة فاطمة فراجعه واحتجوا للقيء والرعاف بحديث من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبين على صلاته ما لم يتكلم. وذكر طرفه صاحب الفتح بما تعيد صحة الاستدلال به، والله أعلم
الجزء 1 · صفحة 13
والنوم مضطجعاً أو متكأً أو مستنداً إلى شيءٍ لو أزيل عنه لسقط، والغلبة على العقل بالإغماء، والجنون، والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأصح ما لا يمكنه الإمساك إلا بكلمة اهـ. ولو قاء متفرقاً بحيث لو جمع يملأ الفم فعند أبي يوسف يعتبر اتحاد المجلس، وعند محمد اتحاد السبب: أي الغثيان، وهو الأصح، لأن الأحكام تضاف إلى أسبابها كما بسطه في الكافي.
ولما ذكر الناقض الحقيقي عقبه بالناقض الحكمي فقال: (والنوم) سواء كان النائم (مضطجعاً) وهو: وضع الجنب على الأرض (أو متكأً) وهو: الإعتماد على أحد وركيه (أو مستنداً إلى شيء) أي: معتمداً عليه لكنه بحيث (لو أزيل) ذلك الشيء المستند إليه (لسقط) النائم، لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد، غير أن السند يمنع من السقوط، بخلاف النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرها وهو الصحيح، لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط فلم يتم الاسترخاء، هداية. وفي الفتح: وتمكن المقعدة مع غاية الاسترخاء لا يمنع الخروج؛ إذ قد يكون الدافع قوياً خصوصاً في زمننا لكثرة الأكل فلا يمنعه إلا مسكة اليقظة اهـ. (والغلبة على العقل بالإغماء) وهو: آفة تعتري العقل وتغلبه (والجنون) وهو: آفة تعتري العقل وتسلبه، وهو مرفوع بالعطف على الغلبة، ولا يجوز خفضه بالعطف على الإغماء لأنه عكسه (والقهقهة) وهي: شدة الضحك بحيث يكون مسموعاً له ولجاره، سواء بدت أسنانه أو لا، إذا كانت من بالغ يقظان (في كل صلاة) فريضة أو نافلة، لكن (ذات ركوع وسجود (¬1)) بخلاف صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، فإنه لا ينتقض وضوءه، وتبطل صلاته وسجدته، وكذا الصبي والنائم.
¬_________
(¬1) الدليل على انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة ما رواه أبو معبد الخزاعي قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة فوقع في زبية، فاستضحك القوم، فقهقوا، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم قال: (من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة) ولما كان القياس يقتضي ألا تنتقض الطهارة بالقهقهة، وكان هذا الحديث يترك القياس بمثله اقتصرنا على ما ورد الحديث فيه، وهو القهقة في صلاة ذات ركوع وسجود، لأن كل شيء ورد على خلاف ما يقتضيه القياس يقتصر به على ما ورد فيه ولا يتجاوزه
الجزء 1 · صفحة 14
وفرض الغسل:
المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن.
وسنة الغسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه، ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وفرض الغسل) أراد بالفرض ما يعم العملى. والغسل - بالضم - تمام غسل الجلد كله، والمصدر الغسل - بالفتح - كما في التهذيب. وقال في السراج يقال: غسل الجمعة، وغسل الجنابة، بضم الغين، وغسل الميت، وغسل الثوب، بفتحها، ومنابطه أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإلى غيره ضممت اهـ (المضمضة؛ والاستنشاق، وغسل سائر البدن) أي: باقية، مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس وخارج فرج، لا ما فيه حرج كداخل عين وثقب انضم وكذا داخل قلفة، بل يندب على الأصح، قاله الكمال.
(وسنة الغسل: أن يبتدئ المغتسل) أي: مريد الإغتسال (فيغسل) أولاً (يديه) إلى الرسغين، كما تقدم في الوضوء (وفرجه) وإن لم يكن به خبث (ويزيل نجاسة) وفي بعض النسخ (النجاسة) بالتعريف، والأولى أولى (إن كانت على بدنه) لئلا تشيع (ثم يتوضأ وضوءه) أي: أي كوضوئه (للصلاة) فيمسح رأسه
الجزء 1 · صفحة 15
إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأذنيه ورقبته (إلا رجليه) فلا يغسلهما، بل يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، وهذا إذا كان في مستنقع الماء أما إذا كان على لوح أو قبقاب أو حجر فلا يؤخر غسلهما، جوهرة، وفي التصحيح: الأصح أنه إذا لم يكن في مستنقع الماء يقدم غسل رجليه (¬1) اهـ
(ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا) مستوعبا في كل مرة، بادئا بعد الرأس بشقه الأيمن ثم الأيسر وقيل: يختم بالرأس. وفي المجتبى والدرر: وهو الصحيح، لكن نقل في البحر أن الأول هو الأصح وظاهر الرواية والأحاديث، قال: وبه يضعف تصحيح الدرر (ثم يتنحى عن ذلك المكان (¬2)) إذا كان في مستنقع الماء (فيغسل رجليه) من أثر الماء المستعمل وإلا فلا يسن إعادة غسلهما.
¬_________
(¬1) اعلم أنه لا خلاف بين علماء الشريعة في أنه يجوز للمغتسل أن يغسل رجليه في الوضوء الذي يندب تقديمه على الغسل، سواء أكان واقفا في مستنقع ماء أم لم يكن، ومستنقع الماء هو المكان الذي يجتمع فيه ماء الغسل. وإنما الخلاف بينهم في الأولى له، فذهب جماعة إلى أن الأولى أن يقدم غسل رجليه مع الوضوء مطلقاً، وبه أخذ الشافعي، وهو ظاهر إطلاق الكنز والدر وغيرهما، وهو أيضاً ظاهر حديث رواه البخاري في صفة غسله صلى الله عليه وسلم وفيه (فتوضأ وضوءه للصلاة) ومنهم من ذهب إلى أن الأولى أن يؤخر غسلهما مطلقاً، ومنهم من فصل كالمصنف فقال: إن كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطشت يؤخر غسل رجليه وإلا قدمه، وجزم بهذا صاحبو الهداية والمبسوط والكافئ، أو هذا هو الأوفق؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة المختلفة الظاهر.
(¬2) يتنحى عن المكان: أي يبتعد عنه
الجزء 1 · صفحة 16
وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر.
والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وليس) يلازم (على المرأة أن تنقض) أي: أي تحل ضفر (ضفائرها في الغسل) حيث كانت مضفورة، وإن لم يبلغ الماء داخل الضفائر، قال في الينابيع: وهو الأصح ومثله في البدائع، وفي الهداية: وليس عليها بل ذوائبها، وهو الصحيح، وفي الجامع الحسامي: وهو المختار، وهذا (إذا بلغ الماء أصول الشعر) أي منابته، قيد بالمرأة لأن الرجل يلزمه نقض ضفائره، وإن وصل الماء إلى أصول الشعر. وبالضفائر لأن المنقوض يلزم غسل كله، وبما إذا بلغ الماء أصول الشعر لأنه إذا لم يبلغ يجب النقض.
(والمعاني الموجبة الغسل إنزال) أي: أي انفصال (المني) وهو ماء أبيض خاثر ينكسر منه الذكر عند خروجه تشبه رائحته رائحة الطلع رطبا ورائحة البيض يابسا (على وجه الدفق) أي: أي الدفع (والشهوة) أي: اللذة عند انفصاله عن مقره، وإن لم يخرج من الفرج كذلك، وشرطه أبو يوسف، فلو احتلم وانفصل منه بشهوة فلما قارب الظهور شد على ذكره حتى انكسرت شهوته ثم تركه فسال بغير شهوة: وجب الغسل عندهما، خلافاً له، وكذا إذا اغتسل المجامع قبل أن يبول أو ينام ثم خرج باقي منيه بعد الغسل وجب عليه إعادة الغسل عندهما، خلافاً له، وإن خرج بعد البول أو النوم لا يعيد إجماعاً (من الرجل والمرأة) حالة النوم واليقظة (والتقاء الختانين (¬1)) تثنية ختان، وهو موضع القطع من
¬_________
(¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل، رواه بن أبي شيبة بهذا اللفظ، ولا فصل فيه بين أن ينزل وألا ينزل، فكان دليلاً على وجوب الغسل بالتقائهما مطلقاً
الجزء 1 · صفحة 17
من غير إنزال، والحيض والنفاس.
وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين والإحرام.
وليس في المذى والودي غسل، وفيهما الوضوء.
والطهارة من الأحداث:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الذكر والفرج: أي محاذاتهما بغيبوبة الحشفة، قال في الجوهرة: ولو قال: "بغيبوبة الحشفة في قبل أو دبر" كما قال في الكنز؛ لكان أحسن وأعم، لأن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل، وليس ختانان يلتقيان، ولو كان مقطوع الحشفة يجب الغسل بإيلاج مقدارها من الذكر اهـ. ولو (من غير إنزال) لأنه: سبب للإنزال وهو متغيب عن البصر فقد يحفى عليه لقلته فبقام مقامه لكمال السببية (والحيض، والنفاس) أي: الخروج منهما، فما داما باقيين لا يصح الغسل.
(وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين، والإحرام) بحج أو عمرة، وكذا يوم عرفة للوقوف. قال في الهداية: وقيل هذه الأربعة مستحبة وقال: ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف، وهو الصحيح؛ لزيادة فضيلتها على الوقت واختصاص الطهارة بها، وفيه خلاف الحسن اهـ.
(وليس في المذي) وهو: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة، وفيه ثلاث لغات: الأولى سكون الذال، والثانية كسرها مع التثقيل، والثالثة الكسر مع التخفيف، ويعرب في الثالثة إعراب المنقوص. مصباح (والودي) وهو: ماء أصفر غليظ يخرج عقيب البول وقد يسبقه، يخفف ويثقل. مصباح (غسل و) لكن (فيهما الوضوء) كالبول.
(والطهارة من الأحداث) أل فيه للعهد؛ أي الأحداث التي سبق ذكرها من الأصغر والأكبر وكذا الأنجاس بالأولى، فقيد الأحداث اتفاقي، وليس للتخصيص،
الجزء 1 · صفحة 18
جائزةٌ بماء السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار.
ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر، ولا بماءٍ غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلا أنه لما ذكر الطهارتين احتاج إلى بيان الآلة التي يحصلان بها (جائزة بماء السماء) من مطر وثلج وبرد مذابين (والأودية) جميع واد، وهو: كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل (والعيون) جمع عين، وهو لفظ مشترك بين حاسة البصر والينبوع وغيرهما، والمراد هنا الينبوع الجاري على وجه الأرض (والآبار) جمع بئر، وهو: الينبوع تحت الأرض (والبحار) جمع بحر، قال الصحاح: البحر خلاف البر، سمي بحراً لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر. اهـ. ولعل المصنف جمعه ليشمل ذلك، ولكن إذا أطلق البحر يراد به البحر الملح.
(ولا تجوز) أي لا تصح الطهارة (بما اعتصر) بقصر "ما" على أنها موصولة، قال الأكمل: هذا المسموع (من الشجر والثمر) وفي تعبيره بالاعتصار إيماء بمفهومه إلى الجواز بالخارج من غير عصر كالمتقاطر من شجر العنب، وعليه جرى في الهداية، قال: لأنه خرج بغير علاج، ذكره في جوامع أبي يوسف. وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار اهـ. وأراد بالكتاب هذا المختصر، لكن صرح في المحيط بعدمه، وبه جزم قاضيخان: وصوبه في الكافي بعد ذكر الأول بقليل،
وقال الحلبي: إنه الأوجه وفي الشرنبلالية عن البرهان: وهو الأظهر. واعتمده القهستاني (ولا بماء) بالمد (غلب عليه غيره) من الجامدات الطاهرة (فأخرجه) ذلك المخالط (عن طبع الماء) وهو الرقة والسيلان، أو أحدث له اسماً على حدة، وإنما قيدت المخالط بالجامد؛ لأن المخالط إذا كان مائعا فالعبرة في الغلبة: إن كان موافقاً في أوصافه الثلاثة كالماء المستعمل فبالأجزاء، وإن كان مخالفاً فيها كالخل فبظهور أكثرها، أو في بعضها فبظهور وصف، كاللبن يخالف في اللون والطعم، فإن ظهر أو أحدهما منع، وإلا لا. وزدت "أو أحدث له اسماً على حدة"
الجزء 1 · صفحة 19
كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلا والمرق وماء الزردج.
وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لإخراج نبيذ التمر ونحوه فإنه لا تجوز الطهارة به ولو كان رقيقا مع أن المخالط جامد، فاحرص على هذا الضابط فإنه يجمع ما تفرق من فروعهم. وقد مثل المصنف للأصلين اللذين ذكرهما على الترتيب فقال: (كالأشربة) : أي المتخذة من الأشجار والثمار كشراب الريباس والرمان، وهو مثال لما اعتصر، وقوله (والخل) صالح للأصلين؛ لأنه إن كان خالصاً فهو مما اعتصر من الثمر، وإن كان مخلوطاً فهو مما غلب عليه غيره بحدوث اسم له على حدة (وماء الباقلاء) تشدد فتقصر وتخفف فتمد، وهي الفول: أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث برد وثخن (والمرق) لحدوث اسم له على حدة (وماء الزردج) - بزاي معجمة وراء ودال مهملتين وجيم - وهو ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ به. مغرب. قال في التصحيح: والصحيح أنه بمنزلة ماء الزعفران، نص. عليه في الهداية، وهو اختيار الناطفي والسرخسي اهـ.
(وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء) جامد (طاهر فغير أحد أوصافه) الثلاثة ولم يخرجه عن طبع الماء، قال في الدراية: في قوله "فغير أحد أوصافه" إشارة إلى أنه إذا غير اثنين أو ثلاثة لا يجوز التوضؤ، وإن كان المغير طاهراً، لكن صحت الرواية بخلافه، كذا عن الكردي اهـ. وفي الجوهرة: فإن غير وصفين فعلى إشارة الشيخ لا يجوز الوضوء، لكن الصحيح أنه يجوز، كذا في المستصفى، وذلك (كماء المد) : أي السيل، فإنه يختلط بالتراب، والأوراق والأشجار، فما دامت رقة الماء غالبة تجوز به الطهارة وإن تغيرت أوصافه كلها، وإن صار الطين غالباً لا تجوز (والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران) ما دام باقياً على رقته وسيلانه؛ لأن اسم الماء باق فيه، واختلاط هذه الأشياء لا يمكن الاحتراز
الجزء 1 · صفحة 20
وكل ماءٍ وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بحفظ الماء من النجاسة؛ فقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة (¬1) ". وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا استيقظ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عنه، فلو خرج عن طبعه أو حدث له اسم على حدة - كأن صار ماء الصابون أو الأشنان ثخيناً أو صار ماء الزعفران صبغاً - لا تجوز به الطهارة.
(وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به) لتنجسه (قليلا كان) الماء (أو كثيراً) تغيرت أوصافه أو لا، وهذا في غير الجاري وما في حكمه كالغدير العظيم؛ بدليل المقابل (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحفظ الماء من النجاسة) بنهيه عن ضده؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده فقال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) يعني الساكن (ولا يغتسلن فيه من الجنابة) وقد استدل القائلون بنجاسة الماء المستعمل بهذا الحديث حيث قرن الاغتسال بالبول. وأجيب بأن الجنب لما كان يغلب عليه نجاسة المنى عادة جعل كالمتيقن (وقال صلى الله عليه وسلم) أيضا: (إذا استيقظ
¬_________
(¬1) مذهب الإمام مالك أن الوضوء يجوز ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه لحديث الماء طهور الخ. قال في الفتح ولا يصح الاستدلال به على الحصر وبيانه فيه. وقال الشافعي إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً كما هو نص الحديث فلا ينجس إذا كان قلتين والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر.
وأجيب بأن الحديث مضطرب في سنده وفي متنه فروى قلتين وروى قلتين أو ثلاثة وروى أربعين قلة والاضطراب يوجب الضعف. وكذا معنى القلة لأنه لفظ مشترك بين الجرة والقربة ورأس الجبل.
استدل الحنفية بحديث الصحيحين: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه وناقشهم الكمال في ذلك الاستدلال فراجعه
الجزء 1 · صفحة 21
أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه، إذا لم ير لها أثرٌ؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء. والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الماء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) يعني لاقت محلاً طاهراً أو نجساً، ولولا أن الماء ينجسن بملاقاة لليد النجسة لم تظهر للنهي فائدة.
(وأما الماء الجاري) وهو: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: ما يذهب بتبنة، هداية. وقيل: ما يعده الناس جارياً، قيل: هو الأصح فتح، وفيه: وألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه والناس يغترفون منه حتى لو أدخلت القصعة أو اليد النجسة فيه لا يبخس اهـ. (إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها) : أي للنجاسة (أثر) من طعم أو لون أو ريح (لأنها لا تستقر مع جريان الماء) قال في الجوهرة: وهذا إذا كانت النجاسة مائعة، أما إذا كانت دابة ميتة: إن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها أو نصفها لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلها وأكثره يجري على موضع طاهر وللماء قوة فإنه يجوز استعماله إذ لم يوجد للنجاسة أثر اهـ. (والغدير) قال في المختار: هو القطعة من الماء يغادرها السيل اهـ. ومثله الحوض (العظيم) : أي الكبير، وهو (الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر) وهو قول العراقيين، وفي ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، قال الزاهدي: وأصح حده، ما لا يخلص بعضه إلى بعض في رأى المبتلى واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه، وهو الأصح عند الكرخي
الجزء 1 · صفحة 22
إذا وقعت نجاسةٌ في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه.
وموت ما ليس له نفسٌ سائلةٌ في الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصاحب الغاية والينابيع وجماعة اهـ. وفي التصحيح: قال الحاكم في المختصر: قال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك بعشر، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال، لا أوقت فيه شيئاً؛ فظاهر الرواية أولى اهـ. ومثله في فتح القدير والبحر قائلا إنه المذهب، وبه يعمل، وإن التقدير بعشر لا يرجع إلى أصل يعتمد عليه، لكن في الهداية: وبعضهم قدر بالمساحة عشراً في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس، وعليه الفتوى اهـ. ومثله في فتاوى قاضيخان وفتاوى العتابي، وفي الجوهرة: وهو اختيار البخاريين، وفي التصحيح: وبه أخذ أبو سليمان، يعني الجوزجاني، قال في النهر، وأنت خبير بأت اعتبار العشر أضبط، ولاسيما في حق من لا رأى له من العوام، فلذا أفتى به المتأخرون الأعلام، اهـ. قال شيخنا رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن المتأخرون الأعلام اهـ. قال شيخنا رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن المتأخرين الذين أفتوا بالعشر كصاحب الهداية وقاضيخان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منا؛ فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه كما لو أفتونا في حياتهم اهـ. وفي الهداية: والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف، وهو الصحيح اهـ.
(إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر) الذي لم تقع فيه النجاسة (لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه) ، أي الجانب الآخر؛ لأن أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة، قال في التصحيح. وقوله جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع، وعن أبي يوسف لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه كالماء الجاري وقال الزاهدي: واختلفت الروايات والمشايخ في الوضوء من جانب الوقوع، والفتوى الجواز من جميع الجوانب اهـ.
(وموت ما ليس له نفس سائلة) أي دم سائل (في الماء) ومثله المائع، وكذا
الجزء 1 · صفحة 23
لا ينجسه، كالبق والذباب والزنابير والعقارب وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان.
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث.
والمستعمل: كل ماءٍ أزيل به حدثٌ أو استعمل في البدن على وجه القربة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لو مات خارجه وألقى فيه (لا ينجسه) لأن المنجس اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت، حتى حل المذكى وطهر لانعدام الدم في، هداية، وذلك (كالبق والذباب والزنابير والعقارب) ونحوها (وموت ما) يولد و (يعيش في الماء فيه) : أي الماء، وكذا المائع على الأصح، هداية وجوهرة، وكذا لو مات خارجه وألقى فيه في الأصح، درر (لا يفسده) وذلك (كالسمك، والضفدع) المائي، وقيل: مطلقا، هداية (السرطان) ونحوها، وقيدت ما يعيش في الماء بيولد لإخراج مائي المعاش دون المولد كالبط وغيره من الطيور، فإنها تفسده اتفاقاً.
(والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث) قيد بالأحداث للإشارة إلى جواز استعماله في طهارة الأنجاس كما هو الصحيح. قال المصنف في التقريب: روى محمد عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل طاهر، وهو قوله، وهو الصحيح اهـ. وقال الصدر حسام الدين في الكبرى: وعليه الفتوى، وقال فخر الإسلام في شرح الجامع: إنه ظاهر الرواية وهو المختار، وفي الجوهرة: قد اختلف في صفته، فروى الحسن عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة، وهذا بعيد جداً، وروى أبو يوسف عنه أنه نجس نجاسة خفيفة، وبه أخذ مشايخ بلخ؛ وروى محمد عنه أنه طاهر غير مطهر للأحداث كالخل، وهو الصحيح، وبه أخذ مشايخ العراق. اهـ.
(والمستعمل: كل ماء أزيل به حدث) وإن لم يكن بنية القربة (أو استعمل في البدن) قيد به لأن غسالة الجامدات كالقدور والثياب لا تكون مستعملة (على وجه القربة) وإن لم يزل به حدث، قال في الهداية: هذا قول أبي يوسف، وقيل:
الجزء 1 · صفحة 24
وكل إهابٍ دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه، إلا جلد الخنزير والآدمي.
وشعر الميتة وعظمها وحافرها وعصبها وقرنها طاهر.
وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هو قول أبي حنيفة أيضاً، وقال محمد: لا يصير مستعملاً إلا بإقامة القربة، لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه، وإنما تزال بالقرب، وأبو يوسف يقول: إسقاط الفرض مؤثر أيضاً، فيثبت الفساد بالأمرين جميعاً اهـ. وقال أبو نصر الأقطع: وهذا الذي ذكره هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ومحمد، وفي الهداية: ومتى يصير مستعملاً؟ الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملاً. لأن سقوط الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده اهـ.
(وكل إهاب) وهو الجلد قبل الدباغة، فإذا دبغ صار أديما (دبغ) بما يمنع النتن والفساد ولو دباغة حكمية كالترتيب والتشميس لحصول المقصود بها (فقد طهر) وما يطهر بالدباغة يطهر بالذكاة، هداية (و) إذا طهر (جازت الصلاة) مستتراً (فيه) وكذا الصلاة عليه (والوضوء منه، إلا جلد الخنزير) فلا يطهر النجاسة العينية (و) جلد (الآدمي) للكرامة الإلهية، وألحقوا بهما ما لا يحتمل الدباغة كفأرة صغيرة، وأفاد كلامه طهارة جلد الكلب والفيل، وهو المعتمد.
(وشعر الميتة) المجزوز، وأراد غير الخنزير لنجاسة جميع أجزائه، ورخص في شعره للخزازين للضرورة، لأنه لا يقوم غيره مقامه عندهم، وعن أبي يوسف أنه كرهه لهم أيضاً (وعظمها وقرنها) الخالي عن الدسومة، وكذا كل ما لا تحله الحياة منها كحافرها وعصبها على المشهور (طاهر) وكذا شعر الإنسان وعظمه، هداية.
(وإذا وقعت في البئر) الصغيرة (نجاسة) مائعة مطلقاً، أو جامدة غليظة، بخلاف الخفيفة كالبعر والروث فقد جعل القليل منها عفواً للضرورة، فلا تفسد إلا إذا
الجزء 1 · صفحة 25
نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها، فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صعوةٌ أو سودانيةٌ أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً، بحسب كبر الحيوان وصغره،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كثر، وهو: ما يستكثره الناظر في المروى عن أبي حنيفة، وعليه الاعتماد، ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر، لأن الضرورة تشمل الكل كما في الهداية (نزحت) : أي البئر، والمراد ماؤها من ذكر المحل وإرادة الحال (وكان نزح ما فيها من الماء طهارة) : أي مطهراً (لها) بإجماع السلف؛ ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، هداية. وفي الجوهرة: وفي قوله "طهارة لها" إشارة إلا أنه يطهر الوحل والأحجار والدلو والرشاء "طهارة لها" إشارة إلى أنه يطهر الوحل والأحجار والدلو والرشاء ويد النازح. اهـ. وهذا إذا كانت النجاسة غير حيوان.
وأما حكم الحيوان فذكره بقوله: (فإن ماتت فيها) أو خارجها وألقيت فيها (فأرة أو عصفورة أو صعوة) كتمرة - عصفورة صغيرة حمراء الرأس. مصباح (أو سودانية) طويرة طويلة الذنب على قدر قبضة. مغرب (أو سام) بتشديد الميم (أبرص) أي الوزع، والعوام تقول له "أبو بريص" أو ما قاربها في الجثة (نزح منها) بعد إخراج الواقع فيها (ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً) العشرين بطريق الإيجاب، والثلاثين بطريق الاستحباب. هداية. وفي الجوهرة: وهذا إذا لم تكن الفأرة هاربة من الهرة ولا مجروحة، وإلا ينزح جميع الماء وإن خرجت حية، لأنها تبول إذا كانت هاربة، وكذا الهرة إذا كانت هاربة من الكلب، أو مجروحة، لأن البول والدم نجاسة مائعة. اهـ. باختصار، ثم قال: وحكم الفأرتين الثلاث والأربع كالواحدة؛ والخمس كالهرة إلى التسع، والعشر كالكلب، وهذا عند أبي يوسف، وقال محمد؛ الثلاث كالهرة، والست كالكلب. اهـ. (بحسب كبر الحيوان وصغره) الكبر والصغر - بضم الأول وإسكان الثاني - للجثة، وهو المراد هنا، وبكسر الأول وفتح الثاني: للسن، قال في الجوهرة: ومعنى المسألة
الجزء 1 · صفحة 26
وإن ماتت فيها حمامةٌ أو دجاجةٌ أو سنورٌ نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين.
وإن مات فيها كلبٌ أو شاةٌ أو آدميٌ نزح جميع ما فيها من الماء وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها من الماء صغر الحيوان أو كبر.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان الواقع كبيراً والبئر كبيرة فالعشر مستحبة، وإن كانا صغيرين فالاستحباب دون ذلك، وإن كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً فخمس مستحبة وخمس دونها في الاستحباب اهـ.
(وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سنور) أي هرة (نزح منها) بعد إخراج الواقع (ما بين أربعين دلواً إلى ستين) دلواً، وفي الجامع الصغير: أربعون، أو خمسون، وهو الأظهر. هداية، وفي الجوهرة: وفي السنورين والدجاجتين والحمامتين ينزح الماء كله اهـ.
(وإن مات فيها كلب أو شاة أو آدمي نزح جميع ما فيها) قيد بموت الكلب لأنه إذا خرج حياً ولم يصب فمه الماء لا ينجس الماء، شرنبلالي، وإذا وصل لعاب الواقع إلى الماء أخذ حكمه: من نجاسة، وشك، وكراهة، وطهارة.
(وإن انتفخ الحيوان) الواقع (فيها أو تفسخ) ولو خارجها ثم وقع فيها، ذكره الواني، وكذا إذا تمعط شعره، جوهرة (نزح جميع ما فيها) من الماء (صغر الحيوان) الواقع (أو كبر) فلا فرق بينهما لانتشار البلة في أجزاء الماء هداية.
(وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط) وهو (المستعمل للآبار) أي؛ أكثرها (في) أكثر (البلدان) لأن الأخبار وردت مطلقة فيحمل على الأعم الأغلب،
الجزء 1 · صفحة 27
فإن نزح منها بدلوٍ عظيمٍ قدر ما يسع عشرين دلواً من الدلو الوسط احتسب به.
وإن كانت البئر معيناً لا تنزح ووجب نزح ما فيها من الماء أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء. وقد روى عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه قال: ينزح منها مائتا دلوٍ إلى ثلاثمائة دلوٍ.
وإذا وجد في البئر فأرةٌ أو غيرها ولا يدرون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن قال في الهداية: ثم المعتبر في كل بئر دلوها التي يستقى بها منها، وقيل: دلو يسع صاعا اهـ. واختاره غير واحد.
(فإن نزح منها بدلو عظيم) مرة واحدة (قدر ما يسع عشرين دلوا) مثلا (من الدلو الوسط احتسب به) أي: بذلك القدر وقام مقامه لحصول المقصود مع قلة التقاطر.
(وإن كانت البئر معيناً) أي: ينبع الماء من أسفلها بحيث (لا تنزح) أي: لا يفنى ماؤها، بل كلما نزح من أعلاها نبع من أسفلها (و) قد (وجب نزح) جميع (ما فيها) بوجه من الوجوه المارة (أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء) وقت ابتداء النزح، نقله الحلبي عن الكافي، وطريق معرفته أن يحفر حفيرة بمثل موضع الماء في البئر ويصب فيها ما ينزح من البئر إلى أن تمتلئ، وله طرق أخرى، وهذا قول أبي يوسف (وقد روى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى (أنه قال: ينزح منها مائتان دلو إلى ثلاثمائة) بذلك أفتى في آبار بغداد لكثرة مائها بمجاورتها لدجلة، كذا في السراج، وفي قوله "مائتا دلو إلى ثلاثمائة" إشارة إلى أن المائة الثالثة مندوبة، ويؤيده ما في المبسوط: وعن محمد في النوادر ينزح ثلاثمائمة دلو أو مائتا دلو. اهـ. وجعله في العناية رواية عن الإمام، وهو المختار والأيسر كما في الاختيار، وكان المشايخ إنما اختاروا قول محمد لانضباطه كالعشر تيسيراً. نهر باختصار.
(وإذا وجد في البئر فأرة أو غيرها) مما يفسد الماء (ولا يدرون) ولا غلب
الجزء 1 · صفحة 28
متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضئوا منها، وغسلوا كل شيءٍ أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيامٍ ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: ليس عليهم إعادة شيءٍ حتى يتحققوا متى وقعت.
وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على ظنهم، قهستاني (متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها) عن حدث (وغسلوا) الثياب عن خبث، وإلا بأن توضئوا عن غير حدث أو غسلوا ثياب صلاتهم عن غير خبث غسلوا الثياب و (كل شيء أصابه ماؤها) ولا يلزمهم إعادة الصلاة إجماعا، جوهرة (وإن انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها) وذلك (في قول أبي حنيفة رحمه الله) لأن للموت سبباً ظاهراً، وهو الوقوع في الماء؛ فيحال عليه، إلا أن الانتفاخ دليل التقادم فيتقدر بالثلاث، وعدمه دليل قرب العهد فيقدر بيوم وليلة؛ لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها. هداية (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت) لأن اليقين لا يزال بالشك، وصار كمن رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته هداية، وفي التصحيح: قال في فتاوى العتابي: قولهما هو المختار. قلت: ولم يوافق على ذلك؛ فقد اعتمد قول الإمام البرهاني والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ورجح دليله في جميع المصنفات، وصرح في البدائع أن قولهما قياس وقوله هو الاستحسان وهو الأحوط في العبادات اهـ.
(وسؤر الآدمي) : أي بقية شربه، يقال: إذا شربت فأستر: أي أبق شيئاً من الشراب (وما يؤكل لحمه طاهر) ومنه الفرس، قال في الهداية: وسؤر الفرس
الجزء 1 · صفحة 29
وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ، وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروهٌ، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما، فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم وبأيهما بدأ جاز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
طاهر عندهما؛ لأن لحمه مأكول، وكذا عنده على الصحيح؛ لأن الكراهة لإظهار شرفه اهـ. ثم السؤر الطاهر بمنزلة الماء المطلق.
(وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم) وهي: كل ذي ناب يصاد به، ومنه الهرة البرية (نجس (¬1)) بخلاف الأهلية، لعلة الطواف كما نص عليه بقوله: (وسؤر الهرة) أي: الأهلية (والدجاجة المخلاة) لمخالطة منقارها النجاسة ومثله إبل وبقر جلالة (وسباع الطير) وهي؛ كل ذي مخلب يصيد به (وما يسكن البيوت مثل الحية والفأرة) طاهر مطهر، لكنه (مكروه) استعماله تنزيهاً في الأصح إن وجد غيره، وإلا لم يكره أصلا كأكله لفقير. در (وسؤر الحمار والبغل) الذي أمه حمارة (مشكوك فيهما) أي: في طهورية سؤرهما، لا في طهارته، في الأصح (¬2) هداية (فإن لم يجد غيرهما) يتوضأ به أو يغتسل (توضأ بهما) أو اغتسل (وتيمم، وبأيهما بدأ جاز) في الأصح.
¬_________
(¬1) اختلف الأحناف أنفسهم في أن الكلب نجس العين فلا يطهر بالدباغ أو غير نجس العين فيطهر بها والأصح عندهم أنه ليس ينجس العين لأنه ينتفع به حراسة واصطياداً راجع الفتح والعناية.
(¬2) الأصح أن الشك في طهوريته أي في كونه مطهر لغيره مع كونه طاهرا قال في الهداية يروى نص محمد رحمه الله على طهارته وسبب الشط تعارض الأدلة في إباحته وحرمته ففي حديث خيبر حين طبخ بعض الصحابة بعض الحمر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي بأكفاء القدر ورقائها رجس وقد رواه الطحاوي وغيره يفيد الحرمة وحديث غالب بن أجبر وكان لا يملك إلا الحمر الأهلية. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كل من سمين مالك يفيد الحل هذا مع اختلاف الصحابة فيه
الجزء 1 · صفحة 30
باب التيمم.
- ومن لم يجد الماء وهو مسافرٌ أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، أو كان يجد الماء إلا أنه مريضٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب التيمم
هو لغة: القصد، وشرعاً: قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.
ولما بين الطهارة الأصلية عقبها بخلفها، وهو التيمم، لأن الخلف أبدأ يقفو الأصل، فقال:
(ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو) كان (خارج المصر) و (بينه وبين المصر) الذي فيه الماء (نحو الميل) هو المختار في المقدار، هداية واختيار. ومثله كان في المصر بينه وبين الماء هذا المقدار، لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز التيمم بحر عن الأسرار، وإنما قال "خارج المصر"، لأن المصر لا يخلو عن الماء، والميل في اللغة: منتهى مد البصر، وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال، لأنها بنيت كذلك كما في الصحاح، والمراد هنا أربعة آلاف خطوة المعبر عنها بثلث فرسخ (قال بعضهم: أن يكون بحيث لا يسمع الآذان، وقيل: إن كان الماء أمامه فميلان، وإن كان خلفه أو يمينه أو يساره فميل، وقال زفر: إن كان بحال يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجوز له التيمم، وإلا فيجوز وإن قرب، وعن أبي يوسف: إن كان بحيث إذا ذهب إليه وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره يجوز له التيمم جوهرة وإنما قال (أو أكثر) لأن المسافة المذكورة إنما تعرف بالحزر والظن، فلو كان في ظنه نحو الميل أو أقل لا يجوز، وإن كان نحو الميل أو أكثر جاز، ولو تيقن أنه ميل جاز. جوهرة (أو كان يجد الماء إلا أنه مريض) يضره
الجزء 1 · صفحة 31
فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد، أو يمرضه فإنه يتيمم بالصعيد.
والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين؛ والتيمم من الجنابة والحدث سواءٌ.
ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمدٍ بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
استعمال الماء (فخاف) بغلبة الظن أو قول حاذق مسلم (إن استعمل الماء اشتد) أو امتد (مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء) البارد (أن يقتله البرد أو يمرضه، فإنه يتيمم بالصعيد) قال في الجوهرة: هذا إذا كان خارج المصر إجماعا وكذا في المصر أيضاً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما وقيد بالغسل: لأن المحدث في المصر إذا خاف من التوضؤ الهلاك من البرد يجوز له التيمم إجماعاً على الصحيح كذا في المستصفى اهـ. والصعيد: اسم لوجه الأرض، سمى به لصعوده.
(والتيمم ضربان) وهما ركنان (يمسح بإحداهما) مستوعباً (وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين) أي: معهما، قال في الهداية: ولابد من استيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح. اهـ. (والتيمم من الجنابة) والحيض والنفاس (والحدث سواء) فعلا ونية. جوهرة.
(ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكل ما كان من جنس الأرض) غير منطبع ولا مترمد (كالتراب) قدمه لأنه مجمع عليه (والرمل والحجر والجص) بكسر الجيم وفتحها - ما يبنى به، وهو معرب. صحاح: أي الكلس (والنورة) بضم النون - حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. مصباح (والكحل والزرنيخ) ولا يشترط أن
الجزء 1 · صفحة 32
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصةً والنية فرضٌ في التيمم مستحبةٌ في الوضوء.
وينقض التيمم كل شيءٍ ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله.
ولا يجوز التيمم إلا بصعيدٍ طاهرٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يكون عليها غبار، وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى هداية.
(وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة) وعنه لا يجوز إلا بالتراب فقط، وفي الجوهرة: والخلاف مع وجود التراب، أما إذا عدم فقوله كقولهما.
(والنية فرض في التيمم) لأن التراب ملوث؛ فلا يكون مطهراً إلا بالنية و (مستحبة في الوضوء) لأن الماء مطهر بنفسه؛ فلا يحتاج إلى نية التطهير.
(وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) لأنه خلف عنه؛ فأخذ حكمه (وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله) لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب، وخائف العدو والسبع والعطش عاجز حكما، والنائم عند أبي حنيفة قادر تقديراً، حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه، والمراد ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء. هداية.
(ولا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطاهر) لأن الطيب أريد به الطاهر (¬1) ، ولأنه آلة التطهير، فلابد من طهارته في نفسه كالماء. اهـ. هداية. ولا يستعمل التراب بالاستعمال، فلو تيمم واحد من موضع وتيمم آخر بعده منه جاز.
¬_________
(¬1) الطيب في النص الكريم وهو قوله سبحانه فتيمموا صعيداً طيباً المراد به الطاهر بالإجماع فلو تيمم بغبار ثوب نجس لا يجوز إلا إذا وقع عليه ذلك الغبار بعد جفافه فإنه لا يكون نجساً
الجزء 1 · صفحة 33
ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ به وصلى، وإلا تيمم.
ويصلى بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل.
ويجوز التيمم للصحيح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت) المستحب على الصحيح (فإن وجد الماء توضأ به) ليقع الأداء بأكمل الطهارتين (وإلا تيمم) ولو لم يؤخر وتيمم وصلى جاز لو بينه وبين الماء ميل، وإلا لا، در. قال الإمام حافظ الدين: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت عندنا أفضل، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة كتكثير الجماعة اهـ.
(ويصلى) المتيمم (بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل) لأنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما في شرطه (¬1) .
¬_________
(¬1) أما الإمام الشافعي رحمه الله فيرى وجوب التيمم لكل فرض وعدم صحة صلاة فرضين بتيمم واحد لأن التيمم طهارة ضرورية وهو يجيز النوافل المتعددة بالتيمم الواحد تبعاً للفرض. وعند الحنيفة أنه طهارة مطلقة غير مقيدة وهو معنى قول الشارج إنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما بقي شرطه وهو عدم الماء ويستدلون على ذلك بأنه سبحانه شرع التيمم حال عدم الماء حيث قال فلم تجدوا ماء فتيمموا فتبقى الطهارة ببقائه ويؤيده إطلاقه قوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور والمسلم ولو إلى عشر حجج مالم - يجد الماء. وقوله جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً والطهور هو المطهر فتبقى طهوريته إلى غايتها من وجود الماء أو ناقض آخر.
(ويجوز التيمم للصحيح) قيد به لأن المريض لا يتقيد بحضور الجنازة (في المصر) قيد به لأن الفلوات يغلب فيها عدم الماء؛ فلا يتقيد بحضور الجنازة (إذا حضرت جنازة والولي غيره) قيد به لأنه إذا كان الولي لا يجوز له على الصحيح؛ لأن له حق الإعادة فلا فوات في حقه كما في الهداية (فخلف إن اشتغل بالطهارة) بالماء (أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصلي) ؛ لأنها لا تقضى (وكذلك من حضر) صلاة (العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيد فإنه يتيمم ويصلي) ؛ لأنها لا تقضى أيضاً (وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة) بالماء (أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم) ؛ لأنها لها خلف (ولكنه يتوضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا) : أي لم يدرك الجمعة (صلى الظهر أربعاً) قيد به لإزالة الشبهة حيث كانت الجمعة خلفاً عن الظهر عندنا، فربما ترد الشبهة على السامع أنه يصلي ركعتين (وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم) ؛ لأنه يقضي (ولكنه يتوضأ ويصلي) إن فات الوقت (فائتة) أي: قضاء.
(والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء) بعد ذلك (في الوقت) أو بعده، جوهرة (لم يعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله) ؛ لأنه لا قدرة بدون العلم، وهي المراد بالوجود، هداية (وقال أبو يوسف: يعيدها) ؛ لأن رحل المسافر معدن الماء عادة فيفترض الطلب عليه، والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو غيره بأمره، وإلا فلا إعادة اتفاقاً، قيد الذكر بما بعد الصلاة حيث قال "ثم ذكر الماء"؛ لأنه إذا ذكر وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، وقيد بالنسيان احترازاً مما إذا شك أو ظن أن ماءه فنى فصلى بالتيمم ثم وجده فإنه يعيد إجماعاً، وقيد بقوله "في رحله" لأنه لو كان على ظهره أو معلقاً في عنقه أو موضوعاً بين يديه فنسيه وتيمم لا يجوز إجماعاً؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر نسيانه، وكذا لو كان في مؤخر الدابة وهو سائقها أو في مقدمها وهو قائدها أو راكبها لا يجوز إجماعاً، جوهرة.
(وليس) بلازم (على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء أن يطلب الماء) قال في الجوهرة: هذا في الفلوات أما في العمران فيجب الطلب؛ لأن العادة عدم الماء في الفلوات، وهذا القول يتضمن ما إذا شك وما إذا لم يشك، لكن يفترقان؛ فيما إذا شك يستحب له الطلب مقدار الفلوة، ومقدارها ما بين ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة، وإن لم يشك يتيمم اهـ. (فإن غلب على ظنه أن هناك ماء) بأمارة أو إخبار عدل (لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه) مقدار الغلوة، ولا يبلغ ميلا؛ كيلا ينقطع عن رفقته، هداية، ولو بعث من يطلبه كفاه عن الطلب بنفسه، وإن تيمم من غير طلب وصلى ثم طلبه فلم يجده وجب عليه الإعادة عندهما، خلافاً لأبي يوسف، جوهرة (وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم) لعدم المنع غالباً (فإن منعه تيمم وصلى) لتحقق العجز، ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير، وقالا: لا يجزئه؛ لأن الماء مبذول عادة، واختاره في الهداية، ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم؛ لتحقق القذرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش؛ لأن الضرر مسقط، هداية
الجزء 1 · صفحة 34
في المصر إذا حضرت جنازةٌ والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصي وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيدين فإنه يتيمم ويصلي؛ وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر أربعاً، وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم، ولكنه يتوضأ ويصلي فائتةٍ.
والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء في الوقت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء 1 · صفحة 35
لم يعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. وقال أبو يوسف: ويعيدها.
وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماءً أن يطلب الماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماءً لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه، وإن كان مع رفيقه ماءٌ طلبه منه قبل أن يتيمم، فإن منعه منه تيمم وصلى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء 1 · صفحة 36
باب المسح على الخفين.
- المسح على الخفين جائزٌ بالسنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب المسح على الخفين
عقبه للتيمم لأن كلا منهما مسح، ولأن كل منهما بدل عن الغسل، وقدم التيمم لأنه بدل عن الكل، وهذا بدل عن البعض.
(المسح على الخفين جائز بالسنة) والأخبار فيه مستفيضة (¬1) حتى قيل: إن من لم يره كان. مبتدعا. ولكن من رآه ثم لم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، هداية، وفي قوله "بالسنة" إشارة إلى رد القول بأن ثبوته بالكتاب على قراءة الخفض،
¬_________
(¬1) قال بعضهم إن المسح على الخفين ثابت بالقرآن على قراءة الجر فقراءة النصب تحمل على الغسل حال تجرد الرجل وقراءة الجر تحمل على المسح حال استتار الرجل بالخف وهذا باطل لأن المسح على الخف لا يكون مسحاً على الرجل لا حقيقة ولا حكماً وإنما هو ثابت بالسنة القولية والعملية فالعملية حديث المغيرة السابق وغيره والقولية حديث مسلم يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أياماً بلياليها. والأخبار في المسح على الخفين مستفيضة قال أبو حنيفة ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لأن الأخبار فيه من حيز التزاتر. وقال أبو يوسف خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به لشهرته. وقال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفعوا وما وقفوا وروى ابن المنذر في آخرين عن الحسن قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عليه السلام مسح على الخفين وقد أطال صاحب الفتح وصاحب العناية في ذلك فارجع إليهما
الجزء 1 · صفحة 37
من كل حدثٍ موجبٍ للضوء إذا لبس الخفين على طهارةٍ كاملةٍ ثم أحدث.
فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلةً، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، وابتداؤها عقيب الحدث.
والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، يبدأ من رؤس أصابع الرجل إلى الساق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(من كل حدث موجب للوضوء) احترازاً عما موجبه الغسل، لأن الرخصة للحرج فيما يتكرر، ولا حرج في الجنابة ونحوها (إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث) : أي بعد إكمال الطهارة، وإن لم تكن كاملة عند اللبس - كأن غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة بعده بحيث لم يحدث إلا بعد إكمال الطهارة جاز له المسح.
فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيام ولياليها ابتداؤها عقيب الحدث) لأن الخف مانع سراية الحدث؛ فتعتبر المدة من وقت المنع.
(والمسح على الخفين) محله (على ظاهرهما) ، فلا يجوز على باطن الخف وعقبه وساقه، لأنه معدول عن القياس، فيراعى فيه جمع ما ورد به الشرع، هداية، والسنة أن يكون المسح (خطوطاً بالأصابع) فلو مسح براحته جاز، و (يبدأ) بالمسح (من رءوس أصابع الرجل إلى) مبدأ (الساق) ولو عكس جاز
الجزء 1 · صفحة 38
وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.
ولا يجوز المسح على خف فيه خرقٌ كبيرٌ يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل، وإن كان أقل من ذلك جاز.
ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل.
وينقض المسح ما ينقض الوضوء، وينقضه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وفرض ذلك) المسح (مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد) طولاً وعرضاً، وقال الكرخي: من أصابع الرجل، والأول أصح اعتباراً لآلة المسح، هداية.
(ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير) بموحدة أو مثلثة - وهو (ما يبين منه مقدار ثلاث أصابع من) أصغر (أصابع الرجل) وهذا لو الخرق على غير أصابعه وعقبه، فلو على الأصابع اعتبر نفسها، ولو كباراً، ولو على العقب اعتبر بدو أكثره؛ ولو لم ير القدر المانع عند المشي لصلابته لم يمنع، وإن كثر، كما لو انفتقت الظهارة دون البطانة، در (وإن كان) الخرق (أقل من ذلك) القدر المذكور (جاز) المسح عليها، لأن الأخفاف لا تخلو عن قليل الخرق عادة، فيلحقهم الحرج في النزع، وتخلو عن الكثير فلا حرج، هداية.
(ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل) والمنفي لا يلزم تصويره، فالاشتغال به اشتغال بما لا يلزم تحصيله (¬1) .
¬_________
(¬1) المنفي هو المسح على الخفين للجنب وما دام غير جائز فلا داعي للبحث عنه وروى الترمذي والنسائي وقال حديث حسن صحيح عن صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة. ولكن من غائط وبول ونوم) .
(وينقض المسح) على الخفين (ما ينقض الوضوء) ؛ لأنه بعضه (وينقضه أيضا نزع الخف) لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع، وكذا نزع أحدهما لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة، (و) ينقضه أيضا (مضي المدة) المؤقتة له (فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه) فقط (وصلى، وليس عليه بقية الوضوء وكذا إذا نزع قبل المدة، لأنه عند النزع ومضى المدة يسري الحدث السابق إلى القدمين، فصار كأنه لم يغسلهما، وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق، لأنه معتبر به في حق المسح، وكذا بأكثر القدم، هو الصحيح، هداية.
(ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها) ، لأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره، بخلاف ما إذا استكمل المدة ثم سافر لأن الحدث قد سرى إلى القدم، والخلف ليس بدافع، هداية (ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام) بأن دخل مصره أو نوى الإقامة في غيره (فإن كان) استكمل مدة الإقامة بأن كان (مسح يوماً وليلة أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه) ، لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه (وإن كان) لم يستكمل مدة الإقامة بأن كان (مسح أقل من يوم وليلة تمم مسح يوم، وليلة) لأنها مدة الإقامة وهو مقيم.
(ومن لبس الجرموق) وهو ما يلبس فوق الخف، والجمع الجراميق، مثل عصفور وعصافير، مصباح، ويقال له: الموق (فرق الخف مسح عليه) بشرط لبسه على طهارة، وكونه لو انفرد جاز المسح عليه، بخلاف ما إذا لبسه بعد ما أحدث، أو كان من كرباس أو فيه خرق مانع فلا يصح.
(ولا يجوز المسح على الجوربين) رقيقن كانا أو ثخينين (عند أبي حنيفة) رضي الله عنه (إلا أن يكونا مجلدين) أي جعل الجلد على ما يستر القدم منهما إلى الكعب (أو منعلين) أي جعل الجلد على ما يلي الأرض منهما إلى الكعب (أو منعلين) أي جعل الجلد على ما يلي الأرض منهما خاصة، كالنعل للرجل (وقال أبو يوسف ومحمد) رحمهما الله (يجوز المسح على الجوربين) سواء كانا مجلدين أو منعلين أو لا (إذا كانا ثخينين) بحيث يستمسكان على الرجل من غير شد، و (لا يشفان الماء) إذا مسح عليهما: أي لا يجذبانه، وينفذانه إلى القدمين، وهو تأكيد للثخانة. قال في التصحيح؛ وعنه أنه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى، هداية اهـ.
وحاصله - كما في شرح الجامع لقاضيخان - ونصه: ولو مسح على الجوربين فإن كانا ثخينين منعلين جاز بالاتفاق، وإن لم يكونا ثخينين منعلين لا يجوز بالاتفاق، وإن كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز في قول الإمام خلافا لصاحبيه، وروى أن الإمام رجع إلى قولهما في المرض الذي مات فيه اهـ.
(ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة) بفتح القاف وضم السين - وهي في الأصل ما يجعله الأعاجم على رءوسهم أكبر من الكوفيه، ثم أطلق على ما تدار عليه العمامة (والبرقع) ما تجعله المرأة على وجهها (والقفازين) تثنية قفاز - كعكاز - ما يجعله على اليدين له أزرار تزر على الذراعين يلبسان من شدة البرد ويتخذه الصياد من جلد أو لبد يغطي به الكف والأصابع اتقاء مخالب الصقر، وذلك لأن المسح على الخف ثبت بخلاف القياس فلا يلحق به غيره.
(ويجوز المسح على الجبائر) جمع جبيرة، وهي: عيدان تلف بخرق أو ورق وتربط على العضو المنكسر (وإن شدها على غير وضوء) أو جنباً، لأن في اشتراط الطهارة في تلك الحال حرجا وهو مدفوع، ولأن غسل ما تحتها قد سقط وانتقل إليها بخلاف الخف (فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح) ، لأن العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً (وإن سقطت عن برء بطل المسح) لزوال العذر، وإن كان في الصلاة استقبل، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، هداية
الجزء 1 · صفحة 39
أيضاً نزع الخف، ومضي المدة، فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء.
ومن ابتدأ المسح وهو مقيمٌ فسافر قبل تمام يومٍ وليلةٍ مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، ومن ابتدأ المسح وهو مسافرٌ ثم أقام، فإن كان مسح يوماً وليلةً أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه وإن كان مسح أقل من يومٍ وليلةٍ تمم مسح يومٍ وليلةٍ.
ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء 1 · صفحة 40
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء (¬1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
¬_________
(¬1) كثيرا ما تلجئ الضرورة إلى فعل الرخصة ويظهر الحاجة إلى بحثها وفحصها عند الضرورة الملجئة والمرض والبرد الشديد ضرورة قد تدعو إلى المسح على الجورب وروى الترمذي عن المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والمنعلين والعطف للمغايرة وتخصيص الجواز بوجود النعل قصر للدليل وتخصيص بلا مخصص هذه وجهة نظر الصاحبين وقد رجع الإمام إلى قولهما فعلاً وقولاً فمسح على جوربيه وقال فعلت ما كنت أمنع الناس عنه فاستدل به الأحناف على رجوعه إلى قولهما
الجزء 1 · صفحة 41
ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة (¬1) والبرقع والقفازين.
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوءٍ، فإن سقطت عن غير برءٍ لم يبطل المسح، وإن سقطت عن برءٍ بطل المسح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
¬_________
(¬1) يروى عن الأوزاعي وأحمد وأهل الظاهر والشافعي في أحد قوليه جواز ذلك لما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث سرية فأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ وهي العمائم والتساخين وهي الخفاف ومقتضى هذا لنقل الجوار وفيه يسر على الأمة وقول الحنفية إنه ثبت على خلاف القياس يمكن أن يعارض بأن هذا أيضا ثبت كذلك
الجزء 1 · صفحة 42
باب الحيض.
- أقل الحيض ثلاثة أيامٍ ولياليها، وما نقص عن ذلك فليس بحيضٍ وهو استحاضةٌ. وأكثر الحيض عشرة أيامٍ ولياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ. وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيضٌ حتى ترى البياض الخالص.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الحيض
لما ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها عقبها بذكر ما يقل، وعنون بالحيض لكثرته وأصالته، وإلا فهي ثلاثة: حيض، ونفاس، واستحاضة.
فالحيض: لغة؛ السيلان، وشرعاً: دم من رحم امرأة سليمة عن داء.
(أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها) الثلاث؛ فالإضافة لبيان العدد المقدر بالساعات الفلكية لا للاختصاص؛ فلا يلزم كونها ليالي تلك الأيام، فلو رأته في أول النهار تكمل كل يوم بالليلة المستقبلة (وما نقص عن ذلك فليس بحيض، و) إنما (هو استحاضة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام" (¬1) ،
وعن أبي يوسف يومان وأكثر الثالث، إقامة للأكثر مقام الكل، قلنا: هذا نقص عن تقدير الشرع، هداية (وأكثره عشرة أيام و) عشر لياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة) ؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به (وما تراه المرأة من الحمرة) والسواد، إجماعاً (والصفرة والكدرة) والتربية، على الأصح (في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض الخالص)
¬_________
(¬1) ذكر في الفتح هذا الحديث وغيره بروايات عدة وحكم عليها بالضعف ولكنه قال إن تعدد طرق الضعيف برفعه إلى مرتبة الحسن وروى هذا المعنى عن بعض الصحابة ثم قال إن المقدرات الشرعية لا تدرك بالرأي فالحديث في حكم المرفوع وناقش غير الأحناف في اعتبار أكثره خمسة عشر فراجعه
الجزء 1 · صفحة 43
والحيض يسقط عن الحائض الصلاة، ويحرم عليها الصوم، وتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها.
ولا يجوز لحائضٍ ولا جنبٍ قراءة القرآن. ولا يجوز لمحدثٍ مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: هو شيء يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض. وقيل: هو القطن الذي تختبر المرأة نفسها إذا خرج أبيض فقد طهرت جوهرة.
(والحيض يسقط عن الحائض الصلاة) لأن في قضائها حرجا لتضاعفها (ويحرم عليها الصوم) لأنه ينافيه، ولا يسقطه؛ لعدم الحرج في قضائه، ولذا قال: (وتقضي) أي الحائض والنفساء (الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل) الحائض وكذا النفساء والجنب (المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها) لحرمة ذلك كله (¬1) .
(ولا يجوز لحائض) ولا نفساء (ولا جنب قراءة القرآن) وهو بإطلاقه يعم الآية وما دونها، وقال الطحاوي: يجوز لهم ما دون الآية، والأول أصح، قالوا: إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءة، مثل أن تقول: "الحمد لله" يريد الشكر أو "بسم الله" عند الأكل أو غيره، فإنه لا بأس به؛ لأنهما لا يمنعان من ذكر الله، جوهرة، (و) كذا (لا يجوز) لهم ولا (لمحدث مس المصحف) ولا حمله (إلا أن يأخذه بغلافه) المتجافي كالجراب والخريطة، بخلاف المتصل به كالجلد
¬_________
(¬1) روى الشيخان عن عائشة أنها سئلت من بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت كنا نؤمن بذلك ورد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وإن حرمة الوطء ففي القرآن الكريم"
الجزء 1 · صفحة 44
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيامٍ لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاةٍ كاملٌ، فإن انقطع دمها لعشرة أيامٍ جاز وطؤها قبل الغسل.
والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المشرز، هو الصحيح، وكذا لا يجوز له وضع الأصابع على الورق الكتوب فيه؛ لأنه تبع له، وكذا مس شيء مكتوب فيه شيء من القرآن من لوح أو درهم أو غير ذلك، إذا كان آية تامة، إلا بصرته، وأما كتب التفسير فلا يجوز له مس موضع القرآن منها، وله أن يمس غيره، بخلاف المصحف؛ لأن جميع ذلك تبع له، والكل من الجوهرة.
(وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام) ولو لتمام عادتها (لم يجز) أي لم يحل (وطؤها حتى تغتسل) أو تتيمم بشرطه، وإن لم تصل به الأصح، جوهرة (أو يمضي عليها وقت صلاة كامل) بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب والتحريمة وخرج الوقت ولم تصل؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها؛ فطهرت حكماً، ولو انقطع الدم لدون عادتها فوق الثلاث لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب، هداية (فإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل) ؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة إلا أنه لا يستحب قبل الغسل؛ للنهي في القراءة بالتشديد هداية.
(والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري) المتوالي، وهذا إحدى الروايات عن أبي حنيفة، ووجه استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع؛ فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في الزكاة، وعن أبي يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل: هو آخر أقواله - أن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً
الجزء 1 · صفحة 45
وأقل الطهر خمسة عشر يوماً ولا غاية لأكثره.
ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيامٍ أو أكثر من عشرة أيامٍ؛ فحكمه حكم الرعاف الدائم: لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطء،
وإذا زاد الدم على عشرة أيامٍ وللمرأة عادةٌ معروفةٌ ردت إلى أيامها عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يفصل وهو كالدم المتوالي؛ لأنه طهر فاسد؛ فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر هداية. قال في السراج: وكثير من المتأخرين أفتوا به، لأنه أسهل على المفتي والمستفتي، وفي الفتح وهو الأولى.
(وأقل الطهر) الفاصل بين الحيضتين أو النفاس والحيض (خمسة عشر يوماً) وخمس عشرة ليلة، وأما الفاصل بين النفاسين فهو نصف حول؛ فلو كان أقل من ذلك توأمين، والنفاس من الأول فقط (ولا غاية لأكثره) وإن استغرق العمر. قهستاني.
(ودم الاستحاضة) و (هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام) في الحيض، أو أكثر من أربعين في النفاس، وكذا ما زاد على العادة وجاوز أكثرهما كما يأتي بعده، وما تراه صغير وحامل وآيسة مخالفاً لعادتها قبل الإياس (فحكمه حكم الرعاف) الدائم (لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء) لحديث؛ "توضئ وصلي وإن قطر الدم على الخصير" وإذا عرف حكم الصلاة عرف حكم الصوم والوطء بالأولى؛ لأن الصلاة أحوج إلى الطهارة.
(وإذا زاد الدم على عشرة أيام وللمرأة عادة معروفة ردت إلى عادتها) المعروفة (وما زاد على ذلك فهو استحاضة) فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة.
قيد بالزيادة على العشرة لأنه إذا لم يتجاوز العشرة يكون المرئي كله حيضاً وتنتقل
الجزء 1 · صفحة 46
وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضةً فحيضها عشرة أيامٍ من كل شهرٍ، والباقي استحاضةٌ.
والمستحاضة، ومن به سلس البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ - يتوضئون لوقت كل صلاةٍ؛ فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العادة إليه.
(وإن ابتدأت) المرأة (مع البلوغ مستحاضة) واستمر بها الدم (فحيضها عشرة أيام من كل شهر) من أول ما رأت (والباقي) : أي عشرون يوماً (استحاضة) وهكذا دأبها: عشرة حيض، وعشرون استحاضة، وأربعون نفاس، حتى تطهر أو تموت، قال السرخسي في المبسوط: المبتدأة حيضها من أول ما رأت عشرة، وطهرها عشرون، إلى أن تموت أو تظهر. اهـ. ومثله في عامة المعتبرات، ونقل العلامة نوح أفندي الاتفاق عليه؛ فما نقله الشرنبلالي في شرح مختصره خلاف الصحيح، فتنبه، وإن كانت الممتدة الدم معتادة ردت لعادتها حيضا وطهراً؛ إلا إذا كانت عادتها في الطهر ستة أشهر فأكثر فتردد إلى ستة أشهر إلا ساعة؛ فرقاً بين الطهر والحبل، وإن نسيت عادتها فهي المحيرة، والكلام عليها مستوفى في المطولات، وقد استوفينا الكلام عليها في رسالتنا في الدماء المسماة بالمطالب المستطابة في الحيض والنفاس والاستحاضة، فمن رام استيفاء الكلام وشفاء الأوام فعليه بها فإنها وافية المرام.
(والمستحاضة ومن) بمعناها كمن (به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ) دمه: أي لا يسكن، واستطلاق البطن، وانفلات الريح، ودمع العين إذا كان يخرج عن علية، وكذا كل ما يخرج عن علة، ولو من أذن أو ثدي أو سرة (يتوضئون لوقت كل صلاة) مفروضة، حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما، وهو الصحيح هداية.
(فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض) والواجبات أداء وقضاء (والنوافل،
الجزء 1 · صفحة 47
فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاةٍ أخرى.
والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، والدم الذي تراه الحامل وما تراه المرأة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم) : أي ظهر الحدث السابق (وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى) ولا يبطل وضوءهم قبل خروج الوقت، إلا إذا طرأ حدث آخر مخالف لعذرهم، وإنما قلنا: "ظهر الحدث السابق" لأن خروج الوقت ليس بناقض، لكن لما كان الوقت مانعاً من ظهور الحدث دفعاً للحرج فإذا خرج زال المانع، فظهر الحدث السابق، حتى لو توضأ المعذور على انقطاع ودام إلى خروج الوقت لم يبطل؛ لعدم حدث سابق. ثم يشترط لثبوت العذر أن يستوعبه العذر. تمام وقت صلاة مفروضة، وذلك بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ ويصلي فيه خالياً عن العذر ولو بالاقتصار على المفروض، وهذا شرط ثبوت العذر في الابتداء، ويكفي في البقاء في كل وقت، ولو مرة، وفي الزوال يشترط استيعاب الانقطاع وقتاً كاملاً بأن لا يوجد في جزء منه أصلاً.
تنبيه - لا يجب على المعذور غسل الثوب ونحوه، إذا كان بحال لو غسله تنجس قبل الفراغ من الصلاة.
خاتمة - يجب رد عذر المعذور إن كان يرتد، وتقليه بقدر الإمكان إن كان لا يرتد، قال في البحر: ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو أو كان لو جلس لا يسيل ولو قام سال - وجب رده، وخرج عن أن يكون صاحب عذر، ويجب عليه أن يصلي جالساً بالإيماء إن كان يسيل بالميلان؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث اهـ.
(والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة) ولو بخروج أكثر الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً (والدم الذي تراه) المرأة (الحامل وما تراه المرأة
الجزء 1 · صفحة 48
في حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضةٌ، وأقل النفاس لا حد له، وأكثره أربعون يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ، وإذا تجاوز الدم الأربعين، وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادةٌ في النفاس ردت إلى أيام عادتها، وإن تكن لها عادةٌ فابتداء نفاسها أربعون يوماً، ومن ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(في حال ولادتها قبل خروج الولد) أو أكثره (استحاضة) فتتوضأ إن قدرت أو تتيمم وتومئ بصلاة ولا تؤخر، فما عذر الصحيح القادر؟ در (وأقل النفاس لا حد له) ؛ لأن تقدم الولد علامة الخروج من الرحم، فأغنى عن امتداد يجعل علماً عليه، بخلاف الحيض (وأكثره أربعون يوماً) لحديث الترمذي وغيره (¬1) (وما زاد على ذلك فهو استحاضة) لو مبتدأة وأما المعتادة فحكمها كما ذكره بقوله: (وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها) فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة كما مر في الحيض (وإن لم تكن لها عادة) معروفة (فابتداء نفاسها أربعون يوماً) ؛ لأنه ليس لها عادة ترد إليها فأخذ لها بالأكثر؛ لأنه المتيقن (ومن ولدت ولدين) أو أكثر (في بطن) : أي حمل (واحد) وذلك بأن يكون بينهما أقل من ستة أشهر. ولو ولدت أولاداً بين كل ولدين أقل من ستة أشهر، وبين الأول والثالث أكثر - جعله بعضهم من بطن واحد، منهم أبو علي الدقاق. قهستاني؛ قال في الدر: وهو الأصح
¬_________
(¬1) روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً. وروى ابن ماجة والدارقطني عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك
الجزء 1 · صفحة 49
فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفرٌ: نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني.
باب الأنجاس.
- تطهير النجاسة واجبٌ من بدن المصلي وثوبه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ؛ لأنه ظهر إنفتاح الرحم، فكان المرئي عقيبه نفاساً، ثم تراه عقيب الثاني إن كان قبل الأربعين فهو نفاس للأول لتمامها واستحاضة بعدها؛ فتغتسل وتصلي، وهو الصحيح. بحر عن النهاية. (وقال محمد وزفر) رحمهما الله (نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني) ؛ لأن حكم النفاس عندهما تعلق بالولادة كانقضاء العدة، وهي بالأخير اتفاقاً؛ قال في التصحيح. والصحيح هو القول الأول، واعتمده الأئمة المصححون.
باب الأنجاس
لما فرغ من بيان النجاسة الحكمية والطهارة عنها، شرع في بيان الحقيقة، ومزيلها، وتقسيمها، ومقدار المعفو عنه منها، وكيفية تطهير محلها وقدمت الأولى لأنها أقوى. إذ بقاء القليل منها يمنع جواز الصلاة بالاتفاق.
والأنجاس: جمع نجس بكسر الجيم - كما ذكره تاج الشريعة، لا جمع نجس بفتحتين كما وقع لكثير؛ لأنه لا يجمع، قال في العباب: النجس ضد الطاهر، والنجاسة ضد الطهارة وقد نجس ينجس، كسمع يسمع، وكرم يكرم، وإذا قلت: رجل نجس - بكسر الجيم - ثنيت وجمعت، وبفتحها لم تثن ولم تجمع، وتقول: رجل ورجلان ورجال وامرأة ونساء نجس اهـ. وتمامه في شرح الهداية للعيني.
(تطهير النجاسة) : أي محلها (واجب) : أي لازم (من بدن المصلي وثوبه
الجزء 1 · صفحة 50
والمكان الذي يصلي عليه.
ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مائعٍ طاهرٍ يمكن إزالتها به كالحل وماء الورد.
وإذا أصابت الخف نجاسةٌ ولها جرمٌ فجفت فدلكه بالأرض جاز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمكان الذي يصلي عليه) لقوله تعالى: {وثيابك فطهر} وإذا وجب تطهير الثوب وجب في البدن والمكان، لأن استعمال في حال الصلاة يشمل الكل (¬1) .
(ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مانع) أي سائل (طاهر) قالع للنجاسة كما عبر عنه بقوله (يمكن إزالتها به) بأن ينعصر بالعصر، وذلك (كالخل وماء الورد) والماء المستعمل ونحو ذلك كالمستخرج من البقول، لأنه قالع ومزيل، والطهورية بالقلع والإزالة للنجاسة الجاورة، فإذا انتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهراً بخلاف نحو لبن وزيت، لأنه غير قالع.
(وإذا أصابت الخف) ونحوه كنعل (نجاسة لها جرم) بالكسر - الجسد، والمراد به كل ما يرى بعد الجفاف كالروث والعذرة والمنى، ولو من غيرها كخمر وبول أصابه تراب، به يفتي. در (فجفت) النجاسة (فدلكه) : أي الخف ونحوه (بالأرض) ونحوها (جاز) ، لأن الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة
¬_________
(¬1) المقرر في الفقه أن وجوب إزالة النجاسة بشروط بالأمكان أولاً، وبألا يستلزم ارتكاب محظور أشد. ثانياً: كما إذا لم يتمكن من إزالتها إلا بإبداء عورته للناس فإنه في هذه الحال يصلي بالنجاسة لأن كشف العورة أشد فلو أبدأها للإزالة فسق، راجع فتح القدير وهناك دليل من السنة لإزالة النجاسة على سبيل الوجوب وهو حديث صحيح أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن دم الحيض في ثوب المرأة فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه" وفي رواية أبي داود حكيه بطلع واغسليه بماء وسدر
الجزء 1 · صفحة 51
والمني نجسٌ يجب غسل رطبه، فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك.
والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما.
وإذا أصابت الأرض نجاسةٌ فجفت بالشمس وذهبت أثرها جازت الصلاة بمكانها، ولا يجوز التيمم منها.
ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلا قليل ثم يحتذبه الجرم إذا جف، فإذا زال زال ما قام به. وفي الرطب لا يجوز حتى يغسله، لأن المسح بالأرض يكثر، ولا يطهره هداية.
(والمني نجس) نجاسة مغلظة (يجب غسل رطبه، وإذا جف على الثوب) ولو جديداً مبطناً، وكذا البدن في ظاهر الرواية (أجزأ فيه الفرك) لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "فاغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً".
(والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما) بما يزول به أثرها ومثلهما كل ثقيل لا مسام له؛ كزجاج وعظم وآنية مدهونة وظفر، لأنه لا يداخله النجاسة؛ وما على ظاهره يزول بالمسح.
(وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس) أو نحوها؛ قال في الجوهرة: التقييد بالشمس ليس بشرط، بل لو جفت بالظل فالحكم كذلك. اهـ. (وذهب أثرها) الأثر: اللون والطعم والرائحة (جازت الصلاة على مكانها، و) لكن (لا يجوز التيمم منها) ؛ لأن المشروط للصلاة الطهارة، وللتيمم الطهورية، وحكم آجر مفروش وشجر وكلاً قائمين في الأرض كذلك، فيطهر بالجفاف.
(ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول) من غير مأكول اللحم ولو
الجزء 1 · صفحة 52
والغائط والخمر مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه، فإن زاد لم تجز، وإن أصابته نجاسةٌ مخففةٌ كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه، ما لم يبلغ ربع الثوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من صغير لم يطعم (والغائط والخمر) وخرء الطير لا يزرق في الهواء كذجاج وبط وإوز (مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه: لأن القليل لا يمكن التحرز عنه؛ فيجعل عفواً، وقدرناه بقدر الدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء (فإن زاد) عن الدرهم (لم تجز) الصلاة، ثم يروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة، وهو قدر عرض الكف في الصحيح، ويروى من حيث الوزن، وهو الدرهم الكبير المثقال، وقيل في التوفيق بينهما: إن الأولى في الرقيق، والثانية في الكثيف، وفي الينابيع: وهذا القول أصح، وفي الزاهدي قيل: هو الأصح، واختاره جماعة، وهو أولى؛ لما فيه من إعمال الروايتين مع مناسبة التوزيع (وإن أصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه) ومنه الفرس، وقيد بالبول لأن نجاسة البعر والروث والخشى غليظ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: خفيفة، قال الشرنبلالي: وهو الأظهر؛ لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها، وطهرها محمد آخرا، وقال: لا يمنع الروث وإن فحش؛ لما رأى من بلوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها لما دخل الري مع الخليفة، وقاس المشايخ عليه طين بخارى؛ لأن ممشى الناس والدواب واحد. اهـ. (جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع) جميع (الثوب) يروى ذلك عن أبي حنيفة لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش، والربع ملحق بالكل في حق بعض الأحكام هداية. وصححه في المبسوط، وهو ظاهر ما مشى عليه أصحاب المتون، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه كالذيل والكم والدخريص، إن كان المصاب ثوبا. وربع العضو المصاب كاليد والرجل، إن كان بدناً وصححه في التحفة والمحيط والمجتبى والسراج، وفي الحقائق: وعليه الفتوى، وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، قال الأقطع: وهذا أصح ما روى فيه اهـ. فقد اختلف التصحيح كما ترى، لكن ترجح الثاني بأن الفتوى عليه، وهو الأحوط، فتنبه، قال في الفتح: وقوله
الجزء 1 · صفحة 53
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عينٌ مرئيةٌ فطهارتها زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته، وما ليس له عينٌ مرئيةٌ فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- يعني صاحب الهداية - لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش يفيد أن أصل المروي عن أبي حنيفة ذلك على ما هو دأبه في مثله من عدم التقدير؛ فما عد فاحشاً منع، وما لا فلا اهـ. وإنما عدلوا عن التعبير بالكثير الفاحش إلى التقدير بالربع تيسيراً على الناس، سيما من لا رأي له من العوام، كما مر على نظيره الكلام، وبه ظهر الجواب عما إذا أصاب الثوب أو البدن من النجس المخفف المتجسد مقدار كثير، إلا أنه لتراكمه لا يبلغ الربع، فهل يمنع؟ وما القدر المانع؟ ولا شك أنه إذا كان كثيراً فاحشاً يمنع وإن لم يبلغ الربع لتراكمه؛ لما علمت أنه أصل المروي عن الإمام، ويحد القدر المانع فيه تيسيراً بأنه إن كان بحيث لو كان مائعاً بلغ الربع منع، وإلا فلا.
(وتطهير) محل (النجاسة التي يجب غسلها على وجهين) ، لأن النجاسة إما أن تكون لها عين مرئية أو لا (فما كان له منها عين مرئية) كالدم (فطهارتها) أي النجاسة، والمراد محلها (زوال عينها) ولو بمرة على الصحيح، وعن الفقيه أبي جعفر أنه يغسل مرتين بعد زوال العين، إلحاقاً لها بغير مرئية غسلت مرة (إلا أن يبقى من أثرها) كلون أو ريح (ما يشق إزالته) فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، والمشقة: أن يحتاج في إزالته إلى غير الماء القراح كحرض أو صابون أو ماء حار (وما ليس له عين مرئية) كالبول (فطهارتها أن يغسل) : أي محل النجاسة (حتى يغلب على ظن الغاسل أنه) أي المحل (قد طهر) لأن الكرار لابد منه للاستخراج، ولا يقطع بزواله، فاعتبر غالب الظن، كما في أمر القبلة، وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده؛ فأقيم السبب الظاهر مقامه تيسيراً، ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لابد من الصر في كل
الجزء 1 · صفحة 54
والاستنجاء سنةٌ، يجزئ فيها الحجر وما يقوم مقامه يمسحه حتى ينقيه، وليس فيه عددٌ مسنونٌ، وغسله بالماء أفضل، فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء. ولا يستنجي بعظم ولا بروثٍ ولا بطعامٍ ولا بيمينه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مرة في ظاهر الرواية، لأنه هو المستخرج. هداية (¬1) .
(والاستنجاء سنة) مؤكدة للرجال والنساء (يجزئ فيه) لإقامة السنة (الحجر وما قام مقامه) من كل عين طاهرة قالعة غير محترمة ولا متقومة كمدر (يمسحه) أي المخرج (حتى ينقيه) لأن المقصود هو الإنقاء؛ فيعتبر ما هو المقصود (وليس فيه) أي الاستنجاء (عدد مسنون) بل مستحب؛ فيستحب الثلاث إن حصل التنظيف بما دونها، وإلا جعلها وتراً (وغسله) أي المخرج (بالماء) بعد الإنقاء بالحجر أولاً (أفضل) إذا كان بلا كشف عورة عند من يراه، أما معه فيتركه؛ لأنه حرام يفسق به فلا يرتكبه لإقامة الفضيلة (فإن تجاوزت النجاسة مخرجها) وكان المتجاوز بانفراده لسقوط اعتبار ذلك الموضع أكثر من الدرهم (لم يجز فيه) أي في طهارته (إلا الماء) أو المائع، ولا يطهر بالحجر؛ لأنه من باب إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن (ولا يستنجي بعظم ولا بروث) لورود النهي عنه (ولا بطعام) لآدمي أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة (ولا بيمينه) لورود النهي عنه أيضاً، إلا من عذر باليسرى يمنع الاستنجاء بها.
¬_________
(¬1) هذا في يعصر وقال أبو يوسف إزار الحمام إذا صب عليه ماء كثير وهو عليه يطهر بلا عصر حتى قال الحلواني لو كانت النجاسة دماً أو بولاً وصب عليه ماء كفاه على قياس قول أبي يوسف وقالوا في البساط النجس إذا جعل في نهر ليلة طهر
الجزء 1 · صفحة 55
كتاب الصلاة
- أول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيءٍ مثليه سوى فيء الزوال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الصلاة
شروع في المقصود بعد بيان الوسيلة. والصلاة لغة: الدعاء، قال الله تعالى {وصل عليهم} أي ادع لهم. وشرعاً: الأفعال المخصوصة المتفتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. وهي فرض عين على كل مكلف، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، بيد لا بخشبة، ويكفر جاحدها، وتاركها عمداً كسلاً يحبس ويضرب حتى يصلي.
(أول وقت الفجر) قدمه لعدم الخلاف في طرفيه، بخلاف غيره كما ستقف عليه (إذا طلع الفجر الثاني) المسمى بالصادق (وهو البياض المعترض في الأفق) بخلاف الأول المسمى بالكاذب؛ فإنه يخرج مستطيلاً في الأفق ثم تعقبه ظلمة، والأفق: واحد الآفاق، وهي أطراف السماء (وآخر وقتها مالم تطلع الشمس) : أي قبيل طلوعها (وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس) . عن كبد السماء (وآخر وقتها عند أبي حنيفة) رحمه الله (إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال) ؛ أي الفيء الذي يكون وقت الزوال، هذا ظاهر الرواية عن الإمام نهاية وهي رواية محمد في الأصل، وهو الصحيح كما في الينابيع والبدائع والغاية والمنية والمحيط، واختاره برهان الشريعة المحبوبي، وعول عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة ورجح دليله، وفي الغيائية: وهو المختار، واختاره المتون، وارتضاه الشارحون
الجزء 1 · صفحة 56
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا صار ظل كل شيء مثله. وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هو الحمرة،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد بسط دليله في معراج الدراية، ثم قال: والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى إذ هو وقت العصر بالاتفاق؛ فيكون أجود في الدين؛ لثبوت براءة الذمة بيقين؛ إذ تقديم الصلاة على الوقت لا يجوز بالإجماع، ويجوز التأخير، وإن وقعت قضاء. اهـ.
(وقال أبو يوسف ومحمد) رحمهما الله تعالى: آخر وقتها (إذا صار ظل الشيء مثله) سوى فيء الزوال؛ فإنه مستثنى على الروايتين جميعاً، وهو رواية عنه أيضاً، وبه قال زفر والأئمة الثلاثة. قال الطحاوي: وبه نأخذ، وفي غرر الأذكار: وهو المأخوذ به، وفي البرهان: وهو الأظهر؛ لبيان إمامة جبريل، وهو نص في الباب، وفي الفيض: وعليه عمل الناس اليوم، وبه يفتي. كذا في الدر، وتعقبه شيخنا في حاشيته فراجعه. قال شيخنا: والأحسن ما في السراج عن شيخ الإسلام أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى المثل، ولا يصلي العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤدياً للصلاتين في وقتهما بالإجماع. اهـ. (وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر (على) اختلاف (القولين) من المثلين أو المثل (وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس) أي قبيل غروبها (وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس؛ وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو) أي الشفق الموقت به (البياض الذي) يستمر (في الأفق بعد) غيبة (الحمرة) بثلاث درج، كما بين البحرين، كما حققه العلامة الشيخ خليل الكاملي في حاشيته على رسالة الأسطرلاب، حيث قال: التفاوت بين الفجرين وكذا بين الشفقين الأحمر والأبيض إنما هو بثلاث درج، وهذا (عند أبي حنيفة) رحمه الله تعالى (وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحمرة) وهو رواية عنه أيضاً،
الجزء 1 · صفحة 57
وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر، وأول وقت الوتر بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
ويستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعليها الفتوى كما في الدراية ومجمع الروايات وشروح المجمع، وبه قالت الثلاثة، وفي شرح المنظومة: وقد جاء عن أبي حنيفة أنه رجع عن قوله وقال: إنه الحمرة؛ لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشفق على الحمرة، وعليه الفتوى. اهـ. وتبعه المحبوبي وصدر الشريعة، لكن تعقبه العلامة قاسم في تصحيحه وسبقه شيخه الكمال في الفتح فصححا قول الإمام، ومشى عليه في البحر. قال شيخنا: لكن تعامل الناس اليوم في عامة البلاد على قولهما، وقد أيده في النهر تبعا للنقاية والوقاية والدر والإصلاح ودرر البحار والإمداد والمواهب وشرح البرهان وغيرهم مصرحين بأن عليه الفتوى. اهـ.
(وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر) : أي قبيل طلوعه (وأول وقت الوتر بعد العشاء) عندهما، وعند الإمام وقته وقت العشاء إلا أن فعله مرتب على فعل العشاء فلا يقدم عليها عند التذكر، والاختلاف في وقتها فرع الاختلاف في صفتها. جوهرة (وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر) وفاقد وقتهما غير مكلب بهما، كما جزم به في الكنز والملتقى والدر، وبه أفتى البقالي وغيره.
(ويستحب الإسفار بالفجر) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". قال الترمذي: حديث صحيح، والإسفار: الإضاءة، يقال: أسفر الفجر، إذا أضاء، وأسفر الرجل بالصلاة: إذا صلاها في الإسفار، مصباح، وحد الإسفار المستحب: أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية ثم يعيدها بطهارة لو فسدت، وهذا في حق الرجال، وأما النساء فالأفضل لهن الغلس؛ لأنه أستر، وفي غير الفجر ينتظرن فراغ الرجال من الجماعة، كذا في المبتغى ومعراج الدراية (و) يستحب (الإبراد بالظهر في الصيف) بحيث يمشي في الظل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه البخاري؛ وسواء فيه صلاته منفرداً أو بجماعة والبلاد الحارة وغيرها، في شدة الحر وغيره،
الجزء 1 · صفحة 58
وتقديمها في الشتاء، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيل المغرب (¬1) وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل. ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم.
باب الأذان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كذا في معراج الدراية (و) يستحب (تقديمها في الشتاء) والربيع والخريف كما في الإمداد عن مجمع الروايات (و) يستحب (تأخير العصر) مطلقاً؛ توسعة للنوافل (ما لم تتغير الشمس) بذهاب ضوئها فلا يتحير فيها البصر، وهو الصحيح. هداية. (و) يستحب (تعجيل المغرب) مطلقا؛ فلا يفصل بين الآذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة (و) يستحب (تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل) الأول، في غير وقت الغيم: فيندب تعجيله فيه (ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل) ويثق بالانتباه (أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل) ليكون آخر صلاته فيه. (فإن لم يثق) من نفسه (بالانتباه أوتر قبل النوم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "من خاف ألا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة" رواه مسلم.
باب الأذان
هو لغة: الإعلام، وشرعاً: إعلام مخصوص على وجه مخصوص بألفاظ مخصوصة، وقدم ذكر الأوقات على الأذان لأنها أسباب، والسبب مقدم على المسبب.
¬_________
(¬1) وتأخيرها لصلاة ركعتين مكروهة في مذهب الحنفية وجوزه بعض الأئمة وأنكره كثير من السلف ومالك مستدلين بحديث ابن عمر عند أبي داود ما رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما وهو معارض لحديث صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ويؤيد المنع إنكار كثير من السلف له
الجزء 1 · صفحة 59
- الأذان سنةٌ للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها.
وصفة الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر - إلى آخره، ولا ترجيع فيه (¬1) ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خيرٌ من النوم، مرتين.
والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، مرتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(الأذان سنة) مؤكدة للرجال (للصلوات الخمس والجمعة) خصها بالذكر مع أنها داخلة في الخمس لدفع توهم أنها كالعبد من حيث الأذان أيضاً فلا يسن لها، أو لأن لها أذانين (دون ما سواهما) كالعيد والكسوف والوتر والتراويح وصلاة الجنازة، فلا يسن لها.
(وصفة الأذان) معروفة، وهي (أن يقول) المؤذن (الله أكبر الله أكبر - إلى آخره) أي: آخر ألفاظه المعروفة بتربيع تكبير أوله وتثنية باقي ألفاظه (ولا ترجيع فيه) وهو أن يرفع صوته بالشهادتين بعد ما خفض بهما، وهو مكروه، ملتقى (ويزيد في أذان الفجر بعد) قوله حي على (الفلاح) الثانية (الصلاة خير من النوم) ويقولها (مرتين) لأنه وقت نوم.
(والإقامة مثل الأذان) فيما مر من تربيع تكبير أوله وتثنية في باقي ألفاظه (إلا أنه يزيد فيها بعد) قوله (حي على الفلاح) الثانية (قد قامت الصلاة) ويقولها (مرتين) .
¬_________
(¬1) أحاديث أبي محذورة رضي الله عنه في الترجيع مع صحتها متعارضة فتتساقط ويؤخذ بحديث غيره على الأصل وهو عدم الترجيع
الجزء 1 · صفحة 60
ويترسل في الأذان، ويحدر عن الإقامة، ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يميناً وشمالاً.
ويؤذن للفائتة ويقيم، فإن فاتته صلواتٌ أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة، وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهرٍ، فإن أذن على غير وضوءٍ جاز، ويكره أن يقيم على غير وضوءٍ أو يؤذن وهو جنبٌ، ولا يؤذن لصلاةٍ قبل دخول وقتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويترسل) أي يتمهل ندبا (في الأذان) بسكتة بين كل كلمتين (ويحدر) . أي يسرع في الإقامة، بأن يجمع بين كل كلمتين (ويستقبل بهما القبلة: فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه) فيهما (يميناً) بالصلاة (وشمالاً) بالفلاح، من غير أن يحول قدميه، لأن فيه مناجاة ومناداة، فيتوجه في المناجاة إلى القبلة، وفي المناداة إلى من عن يمينه وشماله، ويستدير في الصومعة إذا لم يتم الإعلام بمجرد تحويل الوجه، ليحصل تمام الإعلام.
(ويؤذن) الرجل (للفائتة ويقيم) لأنها بمنزلة الحاضرة (فإن فاتته صلوات) متعددة وأراد قضاءهن في مجلس واحد (أذن الأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية) بعدها (إن شاء أذن وأقام) لكل واحدة كالأولى، وهو أولى (وإن شاء اقتصر) فيما بعد الأولى (على الإقامة) وإن قضاهن في مجالس، فإن صلى في مجلس أكثر من واحدة فكما مر، وإلا أذن وأقام لها.
(وينبغي) للمؤذن (أن يؤذن ويقيم على طهر) ليكون متهيئاً لإجابة ما يدعو إليه (فإن أذن على غير وضوء جاز) لأنه ذكر وليس بصلاة، فكان الوضوء استحباباً، هداية (ويكره أن يقيم على غير وضوء) لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة (أو يؤذن) أو يقيم بالأولى (وهو جنب) رواية واحدة هداية. ويعاد أذانه (ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها) فإن فعل أعاد في الوقت؛
الجزء 1 · صفحة 61
باب شروط الصلاة التي تتقدمها.
- يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه، ويستر عورته، والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأن الأذان للإعلام؛ وهو قبل دخول الوقت تجهيل، وقال أبو يوسف؛ يجوز للفجر في النصف الأخير من الميل، لتوارث أهل الحرمين. هداية.
باب شروط الصلاة
الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة ومنه أشراط الساعة؛ أي علاماتها وشرعاً: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون خارجا عن ماهيته، ولا يكون مؤثراً في وجوده، واحترز بقوله (التي تتقدمها) عن التي لا تتقدمها كالمقارنة والمتأخرة عنها، وهي التي تأتي في باب صفة للصلاة؛ كالتحريمة، وترتيب الأركان والخروج بصنعة، كما سيأتي:
والشروط التي تتقدمها - على ما ذكره المصنف - ستة، ذكر منها خمسة، وتقدم ذكر الوقت أول كتاب الصلاة، قال الشرنبلالي: وكان ينبغي ذكره هنا ليتنبه المتعلم، لكونه من الشروط كما في مقدمة أبي الليث ومنية المصلى.
الأول والثاني من الشروط ما عبر عنهما بقوله (يجب على المصلى) : أي يلزمه (أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما) : أي الوجه الذي قدمناه) في الطهارة.
والثالث قوله: (ويستر عورته) ولو خالياً، أو في بيت مظلم، ولو بما لا يحل لبسه كثوب حرير وإن أثم بلا عذر (والعورة من الرجل ما تحت السرة إلى الركبة) : أي معها، كما صرح بذلك بقوله (والركبة من العورة) قال في التصحيح:
الجزء 1 · صفحة 62
وبدن المرأة الحرة كله عورةٌ إلا وجهها وكفيها وقدميها. وما كان عورةً من الرجل فهو عورةٌ من الأمة، وبطنها وظهرها عورةٌ، وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورةٍ.
ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة.
ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قاعداً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأصح أنها من الفخذ. اهـ. (وبدن المرأة الحرة كله عورة إلا وجهها وكفيها) باطنهما وظاهرهما على الأصح، كما في شرح المنية، وفي الهداية: وهذا تنصيص على أن القدم عورة، ويروى أنها ليست بعورة، وهو الأصح اهـ. وقال في الجوهرة: وقيل: الصحيح أنها عورة في حق النظر والمس، وليست بعورة في حق الصلاة، ومثله في الاختيار، ومشى عليه في التنوير، وقال العلائي: على المعتمد، لكن في التصحيح خلافه حيث قال: قلت تنصيص الكتاب أولى بالصواب؛ لقول محمد في كتاب الاستحسان "وما سوى ذلك عورة" وقال قاضيخان: وفي قدميها روايتان، والصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع الصلاة، وكذا في نصاب الفقهاء، وتمامه فيه، فتنبه (وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة) ولو مديرة أو مكاتبة أو أم ولد (وبطنها وظهرها عورة) أيضاً، وجانبهما تبع لهما (وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة) وكشف ربع عضو من أعضاء العورة - كبطن وفخذ وشعر نزل من رأسها ودبر وذكر وأنثيين وفرج - يمنع صحة الصلاة إن استمر مقدار أداء ركن وإلا لا.
(ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة) ثم إن كان ربع الثوب أو أكثر طاهراً يصلي فيه لزوماً، فلو صلى عرياناً لا يجزئه؛ وإن كان الطاهر أقل من الربع يتخير بين أن يصلي عرياناً والصلاة فيه، والصلاة فيه أفضل، لعدم اختصاص الستر بالصلاة، واختصاص الطهارة بها.
(ومن لم يجد ثوباً) ولو بإباحة على الأصح (صلى عرياناً قاعداً) ماداً رجليه
الجزء 1 · صفحة 63
يومئ بالركوع والسجود؛ فإن صلى قائماً أجزأه؛ والأول أفضل، وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنيةٍ لا يفصل بينهما وبين التحريمة بعملٍ، ويستقبل القبلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلى القبلة، لكونه أستر، وقيل: كالمتشهد (يومئ إيماء بالركوع والسجود، فإن صلى قائماً) يركع ويسجد، أو قاعدا كذلك (أجزأه) لأن في القعود ستر العورة الغليظة، وفي القيام أداء هذه الأركان؛ فيميل إلى أيهما شاء (و) لكن (الأول أفضل) لأن الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس ولا خلف له؛ والإيماء خلف عن الأركان.
والرابع من الشروط قوله: (وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة يعمل) أجنبي عن الصلاة، وهو ما يمنع البناء؛ ويندب اقترانها خروجاً من الخلاف، قال في التصحيح: قلت: ولا يتأخر عنها في الصحيح قال الإسبيجاني: لا يصح تأخير النية عن وقت الشروع في ظاهر الرواية اهـ.
ثم إن كانت الصلاة نفلاً يكفيه مطلق النية، وكذلك إن كانت سنة في الصحيح هداية اهـ. والتعيين أفضل وأحوط، ولابد من التعيين في الفرض كظهر وعصر مثلاً، وإن لم يقرنه باليوم أو الوقت، لو أداء، فلو قضاء لزم التعيين، وسيجئ ومثله الواجب كوتر ونذر وسجود تلاوة، ولا يلزم تعيين عدد الركعات، لحصولها ضمناً، فلا يضر الخطأ في عددها، والمعتبر في النية عمل القلب؛ لأنها الإرادة السابقة للعمل اللاحق. فلا عبرة للذكر باللسان. إلا إذا عجز عن إحضار القلب لهموم أصابته فيكفيه اللسان. مجتبى. وعمل القلب أن يعلم بداهة من غير تأمل أي صلاة يصلي، والتلفظ بها مستحب إعانة للقلب.
والخامس من الشروط قوله: (ويستقبل القبلة) ثم إن كان بمكة ففرضه إصابة عينها، وإن كان غائباً ففرضه إصابة جهتها، هو الصحيح؛ لأن التكليف بحسب الوسع. هداية. وفي معراج الدراية: ومن كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأنبياء فالأصح أن حكمه حكم الغائب. اه
الجزء 1 · صفحة 64
إلا أن يكون خائفاً فيصلي إلى أي جهةٍ قدر؛ فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى، فإن علم أنه أخطأ بإخبارٍ بعد ما صلى فلا إعادة عليه، وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اعلم أنه لا يجوز لأحد أداء فريضة ولا نافلة ولا سجدة تلاوة ولا صلاة جنازة إلا متوجها إلى القبلة، فإن صلى إلى غير جهة القبلة متعمداً من غير عذر كفر، ثم من كان بمكة ففرضه إصابة عينها، ومن كان غائباً عنها ففرضه إصابة جهتها، هو الصحيح. جوهرة.
(إلا أن يكون خائفاً) من عدو أو سبع، أو كان على خشبة. في البحر يخاف الغرق إن انحرف، أو مريضاً لا يجد من يحوله، أو يجد إلا أنه يتضرر (فيصلي إلى أي جهة قدر) لتحقق العذر.
(فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى) إلى جهة اجتهاده. والاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، قيد بما إذا لم يكن بحضرته من يسأله لأنه إذا وجد من يسأله وجب عليه سؤاله والأخذ بقوله، ولو خالف رأيه، إذا كان المخبر من أهل الموضع ومقبول الشهادة، وقيد بالحضرة لأنه لا يجب عليه طلب من يسأله، ولو سأل قوماً بحضرته فلم يخبروه حتى صلى بالتحري ثم أخبروه بعد فراغه أنه لم يصل إلى القبلة فلا إعادة عليه. جوهرة (فإن علم أنه أخطأ بإخبار) أو تبدل اجتهاده (بعدما صلى فلا إعادة عليه) لإتيانه بما في وسعه وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها) : أي على الصلاة، وكذلك إذا تحول رأيه إلى جهة أخرى توجه إليها؛ لوجوب العمل بالاجتهاد فيما يستقبل من غير نفض المؤدي قبله، ومن أم قوماً في ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى إلى المشرق، وتحرى من خلفه وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، ولا يعلمون ما صنع الإمام - أجزأهم؛ لوجود التوجه إلى جهة التحري وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة، ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته؛ لأنه اعتقد إمامه على الخطأ، وكذا لو كان متقدماً عليه؛ لتركه فرض المقام. هداية
الجزء 1 · صفحة 65
باب صفة الصلاة.
- فرائض الصلاة سنةٌ: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب صفة الصلاة
شروع في المشروط بعد بيان الشرط.
(فرائض) نفس (الصلاة ستة) :
الأول: (التحريمة) قائما؛ لقوله عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير)
وهي شرط عندهما، وفرض عند محمد، وفائدته فيما إذا فسدت الفريضة: تنقلب نفلاً عندهما، وعنده لا، وفيما إذا شرع في الظهر قبل الزوال، فلما فرغ من التحريمة زالت الشمس، فعندهما يجوز، وعنده لا. جوهرة وعدها من فرائضها لأنها منها بمنزلة الباب للدار: فإن الباب - وإن كان غيرها - فهو يعد منها، وسميت تحريمة لأنها تحرم الأشياء المباحة قبلها المباينة للصلاة.
(و) الثاني: (القيام) بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه، وذلك في فرض وملحق به لقادر عليه وعلى السجود، فلو قدر عليه دون السجود ندب إيماؤه قاعداً كما في الدر.
(و) الثالث: (القراءة) لقادر عليها، كما سيأتي.
(و) الرابع: (الركوع) بحيث لو مد يديه نال ركبتيه.
(و) الخامس: (السجود) بوضع الجبهة وإحدى اليدين وإحدى الركبتين وشيء من أطراف أصابع إحدى القدمين على ما يجد حجمه، وإلا لم تتحقق السجدة وكماله بوضع جميع اليدين والركبتين والقدمين والجبهة مع الأنف، كما ذكره المحقق ابن الهمام وغيره، ومن اقتصر على بعض عبارت أئمتنا مما فيه مخالفة لما قاله الفقيه أبو الليث والمحققون فقد قصر، وتمامه في الأمداد
الجزء 1 · صفحة 66
والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وما زاد على ذلك فهو سنةٌ، فإذا دخل الرجل في الصلاة كبر، ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه (¬1) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(و) السادس: (القعدة الأخيرة مقدار التشهد) إلى قوله: "عبده ورسوله" هو الصحيح، حتى لو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام المتكلم أو أكل فصلاته تامة. جوهرة.
(وما زاد على ذلك) المذكور (فهو سنة) قال في الهداية: أطلق اسم السنة وفيها واجبات: كقراءة الفاتحة، وضم السورة إليها، ومراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال، والقعدة الأولى، وقراءة التشهد في الأخيرة، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والجهر فيما يجهر فيه؛ والمخافتة فيما يخافت فيه، ولهذا يجب سجدتا السهو بتركها، هو الصحيح، لما أنه ثبت وجوبها بالسنة اهـ. (فإذا دخل الرجل) : أي أراد الدخول (في الصلاة كبر) : أي قال وجوباً: "الله أكبر"، (ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي) ويمس (بإبهاميه شحمتي أذنيه) ؛ لأنه من تمام المحاذاة، ويستقبل بكفيه القبلة، وقيل: خديه، قال في الهداية:
¬_________
(¬1) ومذهب الشافعي رحمه الله والجمهور أنه يرفع إلى منكبيه وهذا الخلاف في تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة واستدلوا بحديث أبي حميد المروي في البخاري وفيه قال أبو حميد: أنا أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره. الحديث ويحتج الحنفية بحديث مالك بن الحويرث (أنه كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه) رواه أحمد ومسلم، وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر أنه جمع بينهما فقال: حتى يحاذي بظهر كتفيه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين وتؤيده رواية أخرى عن واصل عند أبي داود بلفظ حتى كانت (حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه) فالخطب سهل
الجزء 1 · صفحة 67
فإن قال بدلاً من التكبير: الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر؛ أجزأه عند أبي حنيفة ومحمدٍ. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إلا بلفظ التكبير، ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى، ويضعهما تحت سرته، ثم يقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأصح أنه يرفع أولا ثم يكبر، وقال الزاهدي: وعليه عامة المشايخ.
(فإن قال بدلا من التكبير الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر) أو أجل أو أعظم أو لا إله إلا الله أو غير ذلك من كل ذكر خالص لله تعالى (أجزأه) مع كراهة التحريم (¬1) ، وذلك، (عند أبي حنيفة ومحمد) رحمهما الله تعالى (وقال أبو يوسف) رحمه الله تعالى: إن كان يحسن التكبير (لا يجزئه) الشروع (إلا بلفظ التكبير) كأكبر وكبير، معروفا ومنكراً مقدماً ومؤخراً قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما، وقال الزاهدي: هو الصحيح، واعتمده البرهاني والنسفي. اهـ. (ويعتمد) الرجل (بيده اليمنى على اليسرى) آخذاً رسغها بخنصره وإبهامه باسطاً أصابعه الثلاث على المعصم (ويضعهما) كلما فرغ من التكبير (تحت سرته) وتضع المرأة الكف على الكف تحت الثدي؛ قال في الهداية: ثم الاعتماد سنة القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، حتى لا يرسل حالة الثناء، والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه، وما لا فلا، هو الصحيح؛ فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة ويرسل في القومة وبين تكبيران الأعياد. اهـ (ثم يقول) كما كبر:
¬_________
(¬1) اختلف المشايخ في كراهة دخول الصلاة بلفظ غير لفظ التكبير عندهما، فقال؛ السرخسي لا يكره عندهما. وقال في الذخيرة: الأصح أنه يكره، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وتحريمها التكبير)
الجزء 1 · صفحة 68
سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك (¬1) ، ويستعيذ من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويسر بهما (¬2) ، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها أو ثلاث آياتٍ من أي سورة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك و) كما فرغ من الاستفتاح (يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) قال في الهداية: والأولى أن يقول: أستعيذ بالله؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه "أعوذ" ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة رحمه الله لما تلونا، حتى يأتي به المسبوق دون المقتدى. اهـ (و) كما فرغ (يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ويسر بهما: أي الاستعاذة والبسملة، ولو الصلاة جهرية (ثم) كما سمى (يقرأ) وجوباً (فاتحة الكتاب وسورة معها) : أي مضمومة إليها كائنة بعدها (أو ثلاث آيات من أي سورة
¬_________
(¬1) قال في الهداية: وعن أبي يوسف أنه يضم إليه قوله إني وجهت وجهي إلى آخره (لرواية عند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك) .
قلت وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي إلى المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك. ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك. ويا حبذا لو حرص المصلي على ذلك ولا سيما في صلاة النفل تيمنا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه.
(¬2) يروي ابن أبي شعبة عن إبراهيم النجفي عن ابن مسعود: أربع يخفيهن الإمام التعوذ والتسمية وآمين والتحميد وعن أبي وائل عن عبد الله أنه كان يخفي بسم الله الرحمن الرحيم والاستعاذة وربنا لك الحمد
الجزء 1 · صفحة 69
شاء، وإذا قال الإمام "ولا الضالين" قال: آمين، ويقولها المؤتم ويخفونها (¬1) ، ثم يكبر ويركع ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه، ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شاء) ، فقراءة الفاتحة لا تتعين ركناً عندنا، وكذا ضم السورة إليها. هداية.
(وإذا قال الإمام ولا الضالين قال) بعدها (آمين) بمد أو قصر (ويقولها المؤتم) أيضاً معه (ويخفونها) سواء كانت سرية أو جهرية (ثم كما فرغ من القراءة (يكبر ويركع) وفي الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يكبر عند كل خفض ورفع) ويحذف المد في التكبير حذفاً، لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاماً، وفي آخره لحن من حيث اللغة. هداية. (ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه) ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة، ليكون أمكن من الأخذ، ولا إلى الضم إلا في حالة السجود، وفيما وراء ذلك يترك على العادة (ويبسط ظهره) ويسوي رأسه بعجزه (ولا يرفع رأسه) عن ظهره (ولا ينكسه) عنه (ويقول في ركوعه؛ سبحان ربي العظيم) ويكررها (ثلاثاً، وذلك أدناه) : أي أدنى كمال السنة، قال في المنية: أدناه ثلاث، والأوسط خمس، والأكمل سبع. اهـ. (ثم يرفع رأسه ويقول) مع الرفع: (سمع الله لمن حمده) ويكتفي به الإمام عند الإمام، وعند الإمامين يضم التحميد سراً، هداية؛
¬_________
(¬1) يستدل الحنفية على ذلك بحديث ابن مسعود السابق بالهامش وروى أحمد وأبو يعلى والطبراني والدارقطني والحاكم في المستدرك عن وائل أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين وأخفى بها صوته ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما
الجزء 1 · صفحة 70
ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، فإذا استوى قائماً كبر وسجد، واعتمد بيديه على الأرض ووضع وجهه بين كفيه، وسجد على أنفه وجبهته؛ فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذرٍ، وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز، ويبدي ضبعيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو رواية عن الإمام أيضاً، وإليه مال الفضلي والطحاوي وجماعة من المأخرين معراج عن الظهيرية، ومشى عليه في نور الإيضاح، لكن المتون على خلافه.
(ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد) ويكتفي به، وأيضاً له (اللهم ربنا ولك الحمد) ثم حذف الواو، ثم حذف (اللهم) فقط؛ والمفرد يجمع بينهما في الأصح، هداية وملتقى (فإذا استوى قائما كبر) مع الخرور (وسجد) واضعا ركبتيه أولا (واعتمد بيديه على الأرض) بعدهما (ووضع وجهه بين كفيه) اعتبارا لآخر الركعة بأولها؛ ويوجه أصابع يديه نحو القبلة (وسجد) وجوباً (على أنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة) رحمه الله، فإن كان على الأنف كره وإن كان على الجبهة لا يكره، كما في الفتح عن التحفة والبدائع (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز: الاقتصار على الأنف إلا من عذر) وهو رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى. جوهرة، وفي التصحيح نفلا عن العيون: وروى عنه مثل قولهما، وعليه الفتوى، واعتمده المحبوبي وصدر الشريعة (وإن سجد على كور عمامته) إذا كان على جبهته (أو فاضل) : أي طرف (ثوبه جاز) ويكره إلا من عذر (ويبدي ضبعيه) تثنية ضبع - بالسكون - العضد؛ أي الساعد، وهو من المرفق إلى الكتف؛ أي يظهرهما، وذلك في غير رحمة. (ويجافي) : أي يباعد (بطنه عن فخذيه ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة) ، والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها، لأن ذلك أستر لها. هداية. (ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى) ويكررها
الجزء 1 · صفحة 71
ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويكبر، فإذا اطمأن جالساً كبر وسجد، فإذا اطمأن ساجداً كبر واستوى قائماً على صدور قدميه، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى (¬1) ، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ثلاثا، وذلك أدناه) : أي أدنى كمال السنة، كما مر.
(ثم يرفع رأسه ويكبر) مع الرفع إلى أن يستوي جالساً، ولو لم يستو جالساً وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وتكلموا في مقدار الرفع، والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز: لأنه يعد ساجداً. وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالساً، فتحقق الثانية. هداية (فإذا اطمأن) ؛ أي سكن (جالساً) كجلسة المتشهد (كبر) مع عوده (وسجد) سجدة ثانية كالأولى (فإذا اطمأن ساجداً كبر) مع النهوض (واستوى قائما على صدور قدميه) وذلك بأن يقوم وأصابع القدمين على هيئتها في السجود (ولا يقعد) للاستراحة (ولا يعتمد بيديه على الأرض) ويكره فعلهما تنزيها لمن ليس به عذر. حلية. (ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في) الركعة (الأولى) لأنه تكرار الأركان (إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ) لأنهما لا يشرعا إلا مرة (ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى) فقط (فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش) الرجل (رجله
¬_________
(¬1) يرى الشافعي رفع اليدين عند الركوع والرفع منه لأحاديث وأثار وردت في ذلك وللحنفية أحاديث وآثار تدل على عدم ذلك.
فهما متعارضان في الدلالة ويرحج الحنفية المنح بدليل أنه كانت أقوال مباحة في الصلاة وأفعال من جنس هذا الرفع وقد علم نسخها فلا يبعد أن يكون هذا منها قالوا وقد ثبت معارضه ثبوتاً لا مرد له. قال أبو حنيفة ليس وائل أحفظ من عبد الله بن مسعود وقد حدثني من لا أحصى عن عبد الله أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط وحكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عالم بشرائع الإسلام وحدوده متفقد لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ملازم له في إقامته وأسفاره فالأخذ به عند التعارض أولى. وهو كلام موفق سديد
الجزء 1 · صفحة 72
اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد.
والتشهد أن يقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اليسرى فجلس عليها) : أي على قدمها، بأن يجعلها تحت إليته (ونصب) قدم (اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو القبلة) ندباً، والمرأة تجلس على إليتها اليسرى وتخرج رجلها اليسرى من تحت اليمنى، لأنه أستر لها (ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه) مفرجة قليلاً جاعلاً أطرافها عند ركبته (وتشهد) : أي قرأ تشهد ابن مسعود، بلا إشارة بسبابته عند الشهادة في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف في الأمالي أنه يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإبهام ويشير بالسبابة؛ ونقل مثله عن محمد والإمام، واعتمده المتأخرون، لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأحاديث الصحيحة، ولصحة نقله عن أئمتنا الثلاثة؛ ولذا قال في الفتح: إن الأول خلاف الدراية والرواية؛ ولشيخنا رحمه الله تعالى رسالة في التشهد حرر فيها صحة هذين القولين ونفى ما عداهما حيث قال: إنه ليس لنا ما سوى قولين: الأول - وهو المشهور في المذهب - بسط الأصابع بدون إشارة، الثاني بسط الأصابع إلى حين الشهادة فيعقد عندها ويرفع السبابة عند النفي ويضعها عند الإثبات، وهذا ما اعتمده المتأخرون، وأما ما عليه الناس من الإشارة مع البسط بدون عقد فلم أر أحداً قال به. اهـ.؛ ثم ذيل رسالته بأخرى حقق فيها صحة الرواية بما عليه الناس، فمن رام استيفاء الكلام فليرجع إليهما يظفر بالمرام.
(والتشهد أن يقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات،
الجزء 1 · صفحة 73
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى، ويقرأ في الركعتين الأخريين فاتحة الكتاب خاصةً، فإذا جلس في آخر الصلاة جلس كما في الأولى، وتشهد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله عنه؛ فإنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني سورة من القرآن، وقال: قل التحيات لله.. إلخ. هداية، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيي الله تعالى ويسلم على نبيه وعلى نفسه وأوليائه؛ در (ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى) فإن زاد عامداً كره، وإن كان ساهياً سجد للسهو إن كانت الزيادة بمقدار (اللهم صلي على محمد) على المذهب. تنوير (ويقرأ في الركعتين الأخريين الفاتحة خاصة) وهذا بيان الأفضل، وهو الصحيح، هداية. فلو سبح ثلاثاً أو وقف ساكتاً بقدرها صح، ولا بأس به على المذهب، تنوير (فإن جلس في آخر الصلاة جلس) مفترشاً أيضاً (كما) جلس (في) القعدة (الأولى وتشهد) أيضا (وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم) ولو مسبوقاً كما رجحه في المبسوط؛ لكن رجح قاضيخان أنه يترسل في التشهد، قال في البحر: وينبغي الإفتاء به. اهـ. وسئل الإمام محمد عن كيفيتها فقال يقول: (اللهم صلي على محمد) إلى آخر الصلاة المشهورة (ودعا بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن) لفظاً ومعنى بكونه فيه نحو (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) وفي الآخرة حسنة وليس منه، لأنه إنما أراد به الدعاء لا القراءة. نهر (والأدعية) بالنصب
الجزء 1 · صفحة 74
المأثورة ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك.
ويجهر بالقراءة في الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عطفاً على ألفاظ الجر عطفاً على القرآن (المأثورة) : أي المروية نحو ما في مسلم (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) ومنها ما روى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) .
(ولا يدعو بما يشبه كلام الناس) تحرزاً عن الفساد، وقد اضطرب فيه كلامهم، والمختار - كما قاله الحلبي - أن ما في القرآن والحديث لا يفسد مطلقاً، وما ليس في أحدهما إن استحال طلبه من الخلق لا يفسد، وإلا أفسد لو قبل القعود قدر التشهد، وإلا خرج به من الصلاة مه كراهية التحريم (ثم يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده فيقول: السلام عليكم ورحمة الله) ولا يقول: (وبركاته) لعدم توارثه؛ وصرح الحدادي بكراهته (و) يسلم بعدها (عن يساره مثل ذلك) السلام المذكور، ويسن خفضه عن الأول، وينوي من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة، وكذلك في الثانية، لأن الأعمال بالنيات. هداية. وفي التصحيح: واختلفوا في تسليم المقتدى؛ فعن أبي يوسف ومحمد يسلم بعد الإمام وعن أبي حنيفة فيه روايتان، قال الفقيه أبو جعفر: المختار أن ينتظر إذا سلم الإمام عن يمينه يسلم المقتدى عن يمينه، وإذا فرغ عن يساره يسلم عن يساره، اهـ] .
(ويجهر) المصلي وجوباً بحسب الجماعة وإن زاد أساء (بالقراءة في) ركعتي (الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء) أداء وقضاء وجمعة وعيدين وتراويح ووتر في رمضان (إن كان) المصلي (إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين) هذا هو المتوارث. اه
الجزء 1 · صفحة 75
وإن كان منفرداً فهو مخيرٌ: إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء خافت، ويخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر. والوتر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال في التصحيح: والمخافتة تصحيح الحروف وهذا هو مختار الكرخي وأبي بكر البلخي، وعن الشيخ أبي القاسم الصفار وأبي جعفر الهندواني ومحمد ابن الفضل البخاري: أن أدنى المخافتة أن يسمع نفسه إلا لمانع، وفي زاد الفقهاء: هو الصحيح وقال الحلواني: لا يجزئه إلا أن يسمع نفسه ومن بقربه، وفي البدائع: ما قاله الكرخي أنيس وأصح، وفي كتاب الصلاة إشارة إليه فإنه قال: إن شاء قرأ في نفسه سراً وإن شاء جهر وأسمع نفسه، وقد صرح في الآثار بذلك، وتمامه فيه.
(وإن كان) المصلي (منفرداً فهو مخير: إن شاء جهر وأسمع نفسه) لأنه إمام نفسه (وإن شاء خافت) ؛ لأنه ليس خلفه من يسمعه، والأفضل هو الجهر؛ ليكون الأداء على هيئة الجماعة. هداية. (ويخفي الإمام) وكذا المنفرد (القراءة) وجوبا (في) جميع ركعات (الظهر والعصر) لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة النهار عجماء) : أي ليس فيها قراءة مسموعة (¬1) . هداية.
(والوتر) واجب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهذا آخر أقواله، وهو الظاهر من مذهبه، وهو الأصح، وعنه أنه سنة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد، وعنه
¬_________
(¬1) ذكر الكمال في الفتح أن الحديث غريب. ونقل عن النووي أنه لا أصل له ثم روى حديث البخاري عن شجرة قال: قلنا لخباب هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون قراءته قال: باضطراب لحيته، قلت: وهذا دليل صحيح على وجوب الإسرار في هاتين الصلاتين. ففي الحديث صلوا كما رأيتموني أصلي والأصل في الأمر الوجوب ومثله في الدلالة ما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية الحديث
الجزء 1 · صفحة 76
ثلاث ركعاتٍ لا يفصل بينهما بسلامٍ، ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة، ويقرأ في كل ركعةٍ من الوتر بفاتحة الكتاب وسورةٍ معها، فإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أنه فريضة، وبه أخذ زفر، وقيل بالتوفيق: فرض؛ أي عملاً، وواجب: أي اعتقاداً، وسنة: أي ثبوتاً، وأجمعوا على أنه لا يكفر جاحده، وأنه لا يجوز بدون نية الوتر، وأن القراءة تجب في كل ركعاته، وأنه لا يجوز أداؤه قاعداً أو على الدابة بلا عذر، كما في المحيط، نهر، وهو (ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام) كصلاة المغرب، حتى لو نسي القعود لا يعود إليه، ولو عاد ينبغي الفساد، كما في الدر (ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة أداء وقضاء (ويقرأ) وجوباً (في كل ركعة من الوتر فاتحة الكتاب وسورة معها) أو ثلاث آيات (فإذا أردت أن يقنت كبر ورفع يديه) كرفعه عند الافتتاح (ثم قنت) ، ويسن الدعاء المشهور، وهو: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك، الجد بالكفار ملحق" قال في النهر: ونحفد بدال مهملة: أي نسرع، ولو أتى بها معجمة فسدت، كما في الخانية، قيل: ولا يقول الجد، لكنه ثبت في مراسيل أبي داود، وملحق بكسر الحاء وفتحها، والكسر أفصح، كذا في الدراية، ويصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا، استغناء بما في آخر التشهد، وبالأولى يفتي. واختلف فيمن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه: هل يقول: "يا رب". أو "اللهم اغفر لي" ثلاثاً أو "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" والخلاف في الأفضلية: والأخيرة أفضل. اهـ. باختصار، وسكت عن صفته من الجهر والإخفاء لأنه لم يذكر في ظاهر الرواية، وقد قال بن
الجزء 1 · صفحة 77
ولا يقنت في صلاةٍ غيرها.
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورةٍ بعينها لا يجزئ غيرها؛ ويكره أن يتخذ سورةً بعينها لصلاةٍ لا يقرأ فيها غيرها.
وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجزئ أقل من ثلاث آياتٍ قصارٍ أو آيةٍ طويلةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الفضل: يخفيه الإمام والمقتدي. وفي الهداية تبعاً للسرخسي: أنه المختار (ولا يقنت في صلاة غيرها) إلا لنازلة في الجهرية، وقيل: في الكل.
(وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها) على طريق الفرضية بحيث (لا يجوز غيرها) وإنما منعين الفاتحة على طريق الوجوب (ويكره) للمصلي (أن يتخذ سورة) غير الفاتحة (لصلاة بعينها) بحيث (لا يقرأ غيرها) ؛ لما فيه من هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وذلك كقراءة سورة السجدة وهل أتى الفجر كل جمعة، وهذا إذا رأى ذلك حتماً واجباً لا يجوز غيره، أما إذا علم أنه يجوز أي سورة قرأها ولكن يقرأ هاتين السورتين تبركاً بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكره، بل يندب، لكن بشرط أن يقرأ غيرهما أحياناً؛ كي لا يظن جاهل أنه لا يجوز غيرهما.
(وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن) ولو دون الآية (عند أبي حنيفة) واختاره المصنف، ورجحها في البدائع، وفي ظاهر الرواية آية تامة طويلة كانت أو قصيرة، واختارها المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة، كذا في التصحيح، (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئ أقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة) قال في الجوهرة: وقولهما في القراءة احتياط، والاحتياط في العبادات أمر حسن. اه
الجزء 1 · صفحة 78
ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام.
ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة ونية المتابعة.
والجماعة سنةٌ موكدةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام) مطلقاً، وما نسب إلى محمد ضعيف كما بسطه الكمال والعلامة قاسم في الصحيح، فإن قرأ كره تحريماً، وتصح في الأصح. در. (¬1)
(ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية) نفس (الصلاة، ونية المتابعة) للإمام، وكيفية نيته - كما في المحيط - أن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته، ولو نوى الاقتداء به لا غير، قيل. لا يجزئه، والأصح أنه يجزئه، لأنه جعل نفسه تبعاً للإمام مطلقاً، والتبعية من كل وجه إنما تتحقق إذا صار مصلياً ما صلاه الإمام، كذا في الدراية.
(الجماعة) للرجال (سنة مؤكدة) وقيل: واجبة، وعليه العامة. تنوير: أي عامة مشايخنا وبه جزم في التحفة وغيرها، قال في البحر: وهو الراجح عند أهل المذهب. اهـ در، وأقلها اثنان واحد مع الإمام، ولو مميزاً، في مسجد أو غيره،
¬_________
(¬1) استدل الحنفية بحديث (من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة) وقد أثبت الكمال صحة الحديث ونفي الطعن فيه بما لا يدع مجالاً للشك وعليه عمل الصحابة. وفي حديث إنما جعل الإمام ليؤتم به (وإذا قرأ الإمام فانصتوا) كما في صحيح مسلم.
ونقل عن محمد أنه يقرأ في السرية وهو خلاف ظاهر الرواية عنه وهو كما قال الشارح ضعيف
الجزء 1 · صفحة 79
وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، فإن تساوو فأقرؤهم، فإن تساووا فأورعهم، فإن تساووا فأسنهم.
ويكره تقديم العبد والأعرابي والفاسق والأعمى وولد الزنا، فإن تقدموا جاز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويكره تكرارها بأذان وإقامة في مسجد محلة، لا في مسجد طريق، أو في مسجد لا إمام له ولا مؤذن. در. وفي شرح المنية: إذا لم تكن الجماعة على الهيئة الأولى لا تكره، وإلا نكره، وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، كذا في البزازية. اهـ.
(وأولى الناس بالإمامة) - إذا لم يكن صاحب منزل ولا ذو سلطان - (أعلمهم بالسنة) : أي الشريعة، والمراد أحكام الصلاة صحة وفساداً (فإن تساووا) علماً (فأقرؤهم) لكتاب الله تعالى: أي أحسنهم تلاوة (فإن تساووا أورعهم) أي أكثرهم اتقاء للشبهات (فإن تساووا فأسنهم) : أي أكبرهم سناً؛ لأنه أكثر خشوعاً، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً، فإن استووا يقرع بينهما، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر وفي الامداد: وأما إذا اجتمعوا فالسلطان مقدم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل ولو مستأجراً، وكذا يقدم القاضي على إمام المسجد. اهـ.
(ويكره) تنزيها (تقديم العبد) لغلبة جهله؛ لأنه لا يتفرغ للتعلم (والأعرابي) وهو من يسكن البوادي؛ لأن الجهل فيهم غالب، قال تعالى: {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} (والفاسق) لأنه يتهم بأمر دينه (والأعمى) لأنه لا يتوقى النجاسة (وولد الزنا) لأنه لا أب له يفقهه فيغلب عليه الجهل، ولأن في تقديم هؤلاء تتغير الجماعة فيكره. هداية (فإن تقدموا جاز) لقوله صلى الله عليه وسلم. (صلوا خلف كل بر وفاجر)
الجزء 1 · صفحة 80
وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة.
ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعةً، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن.
ومن صلى مع واحدٍ أقامه عن يمينه، فإن كانا اثنين تقدم عليهما.
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأةٍ أو صبيٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة) عن القدر المسنون قراءة وأذكاراً، قال في الفتح: وقد بحثنا أن الطويل هو الزيادة عن القراءة المسنونة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقراءته هي المسنونة؛ فلابد من كون ما نهى عنه غير ما كان دأبه إلا لضرورة. اهـ.
(ويكره للنساء) تحريما. فتح (أن يصلين وحدهن) يعني بغير الرجال (جماعة) وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، إلا صلاة الجنازة (فإن فعلن وقفت) المرأة الإمام (وسطهن) فلو تقدمت صحت وأثمت إثما آخر.
(ومن صلى مع واحد) ولو صبياً أقامه عن يمينه) محاذياً له، وعن محمد يضع أصابعه عند عقب الإمام والأول هو الظاهر، وإن كان وقوفه مساوياً للإمام وبسجوده يتقدم عليه لا يضر؛ لأن العبرة بموضع القيام، ولو صلى خلفه أو على يساره جاز، إلا أن يكون مسيئاً. جوهرة (فإن كانا اثنين تقدم عليهما) وعن أبي يوسف يتوسطهما هداية، ويتقدم الأكثر اتفاقا، فلو قاموا بجنبه أو قام واحد بجنبه وخلفه صف كره إجماعا. در.
(ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة) أو خنثى (أو صبي) مطلقاً، ولو في جنازة أو نفل في الأصح
الجزء 1 · صفحة 81
ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
فإن قامت امرأةٌ إلى جنب رجلٍ وهما مشتركان في صلاةٍ واحدةٍ فسدت صلاته (¬1) .
ويكره للنساء حضور الجماعات، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويصف) الإمام (الرجال ثم الصبيان) إن تعددوا؛ فلو واحد دخل في الصف، ولا يقوم وحده، ثم الخنائي، ولو منفردة ثم (النساء) كذلك، قال الشمني: وينبغي للإمام أن يأمرهم بأن يتراصوا، ويسدوا الخلل، ويسووا مناكبهم، ويقف وسطا. اهـ.
(فإن قامت امرأة) مشتهاة ولو ماضياً أو أمة أو زوجة أو محرماً (إلى جنب رجل) ركناً كاملاً (وهما مشتركان في صلاة واحدة) ذات ركوع وسجود، ولا حائل بينهما، ولم يشر إليها لتتأخر عنه، ونوى الإمام إمامتها (فسدت صلاته) لا صلاتها، وإن أشار إليها فلم تتأخر، أو لم ينو الإمام إمامتها - فسدت صلاتها، لا صلاته، وأن لم تدم المحاذاة ركناً كاملاً، أو لم يكونا في صلاة واحدة، أو في صلاة غير ذات ركوع وسجود، أو بينهما حائل مثل مؤخرة الرجل في الطول والإصبع في الغلط - لم تضرهما المحاذاة والفرجة تقوم مقام الحائل، وأدناها قدر ما يقوم فيه المصلي، وتمامه في القهستاني.
(ويكره للنساء) الشواب (حضور الجماعة) مطلقاً؛ لما فيه من خوف الفتنة (ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء) وهذا عند أبي حنيفة،
¬_________
(¬1) القياس عدم فسادها وهو قول الشافعية ويستدل الحنفية بحديث في آخر وهن من حيث آخرهن 31، ويدعي صاحب الهداية أنه من المشاهير والتحقيق أنه موقوف على ابن مسعود؛ وإن صح فإنه يفيد الأثم لا فساد الصلاة وليبحث المقام