الجزء 1 · صفحة 2
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَبَّرَ الْأَنَامَ بِتَدْبِيرِهِ الْقَوِيِّ، وَقَدَّرَ الْأَحْكَامَ بِتَقْدِيرِهِ الْخَفِيِّ، وَهَدَى عِبَادَهُ إلَى الرَّشَادِ وَأَنْطَقَهُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ وَجَعَلَ مَصَالِحَ مَعَاشِهِمْ بِالْعُقُولِ مَحُوطَةً وَمَنَاجِحَ مَعَادِهِمْ بِالْعِلْمِ مَنُوطَةً فَضَّلَ نَبِيَّهُ بِالْعِلْمِ تَفْضِيلًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - كُنُوزِ الْهُدَى وَعَلَى أَصْحَابِهِ بِدُورِ الدُّجَى (أَمَّا بَعْدُ) ، فَإِنَّ أَشْرَفَ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا وَأَوْفَقَهَا وَأَوْفَاهَا عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى وَبِهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى فَمَنْ شَمَّرَ لِتَحْصِيلِهِ ذَيْلَهُ وَادَّرَعَ نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ فَازَ بِالسَّعَادَةِ الْآجِلَةِ وَالسِّيَادَةِ الْعَاجِلَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ كَثِيرَةٌ وَالدَّلَائِلُ عَلَيْهَا شَهِيرَةٌ لَا سِيَّمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ لِلْفُرْقَانِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَالَ إنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهَ أَفْضَلُ مِنْ تَعَلُّمِ بَاقِي الْقُرْآنِ وَجَمِيعُ الْفِقْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ. اهـ.
وَإِنَّ كَنْزَ الدَّقَائِقِ لِلْإِمَامِ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ أَحْسَنُ مُخْتَصَرٍ صُنِّفَ فِي فِقْهِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ وَضَعُوا لَهُ شُرُوحًا وَأَحْسَنُهَا التَّبْيِينُ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ لَكِنَّهُ قَدْ أَطَالَ مِنْ ذِكْرِ الْخِلَافِيَّاتِ وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ وَقَدْ كُنْت مُشْتَغِلًا بِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ حَالِي مُعْتَنِيًا بِمَفْهُومَاتِهِ فَأَحْبَبْت أَنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا يُفْصِحُ عَنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ وَيَرُدُّ فُرُوعَ الْفَتَاوَى وَالشُّرُوحَ إلَيْهَا مَعَ تَفَارِيعَ كَثِيرَةٍ وَتَحْرِيرَاتٍ شَرِيفَةٍ وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ لَك الْكُتُبَ الَّتِي أَخَذْت مِنْهَا مِنْ شُرُوحٍ وَفَتَاوَى وَغَيْرِهِمَا فَمِنْ الشُّرُوحِ شَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَشَرْحُهُ لِلْبُرْهَانِيِّ وَالْمَبْسُوطُ وَشَرْحُ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَشَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِمَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَالْهِدَايَةُ وَشُرُوحُهَا مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ وَالْخَبَّازِيَّةُ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ وَالْكَافِي شَرْحُ الْوَافِي وَالتَّبْيِينُ وَالسِّرَاجُ الْوَهَّاجُ وَالْجَوْهَرَةُ وَالْمُجْتَبَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ الْعِلْمَ فِي الْأَعْصَارِ وَأَعْلَى حِزْبَهُ فِي الْأَمْصَارِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ الْمُخْتَصِّ بِهَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ فَازُوا مِنْهُ بِحَظٍّ جَسِيمٍ قَالَ مَوْلَانَا الْحَبْرُ النِّحْرِيرُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالْبَنَانِ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ كَاشِفُ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ مُبَيِّنُ الْكِنَايَاتِ وَالْإِرْشَادَاتِ مَنْبَعُ الْعُلَى عِلْمُ الْهُدَى أَفْضَلُ الْوَرَى حَافِظُ الْحَقِّ وَالْمِلَّةِ وَالدِّينِ شَمْسُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَارِثٌ لِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبُو الْبَرَكَاتِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيُّ لَمَّا رَأَيْت الْهِمَمَ مَائِلَةً إلَى الْمُخْتَصَرَاتِ وَالطِّبَاعَ رَاغِبَةً عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ أَرَدْت أَنْ أُلَخِّصَ الْوَفِيَّ بِذِكْرِ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ وَكَثُرَ وُجُودُهُ لِتَكْثُرَ فَائِدَتُهُ وَتَتَوَفَّرَ عَائِدَتُهُ فَشَرَعْت فِيهِ بَعْدَ الْتِمَاسِ طَائِفَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ وَأَفَاضِلِ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ لِلْعَيْنِ وَالْعَيْنِ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَا بِي مِنْ الْعَوَائِقِ (وَسَمَّيْته) بِكَنْزِ الدَّقَائِقِ، وَهُوَ، وَإِنْ خَلَا عَنْ الْعَوِيصَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ فَقَدْ تَحَلَّى بِمَسَائِلِ الْفَتَاوَى وَالْوَاقِعَاتِ مُعَلَّمًا بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ وَزِيَادَةِ الطَّاءِ لِلْإِطْلَاقَاتِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْإِتْمَامِ وَالْمُيَسِّرُ لِلِاخْتِتَامِ
الجزء 1 · صفحة 3
وَالْأَقْطَعُ وَالْيَنَابِيعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَلِابْنِ الْمِلْكِ وَالْعَيْنِيِّ وَشَرْحُ الْوِقَايَةِ وَشَرْحُ النُّقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ وَالْمُسْتَصْفَى وَالْمُصَفَّى وَشَرْحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَمِنْ الْفَتَاوَى الْمُحِيطُ وَالذَّخِيرَةُ وَالْبَدَائِعُ وَالزِّيَادَةُ لِقَاضِي خان وَفَتَاوَاهُ وَالْمَشْهُورَةُ وَالظَّهِيرِيَّةُ والولوالجية وَالْخُلَاصَةُ وَالْبَزَّازِيَّةُ وَالْوَاقِعَاتُ لِلْحِزَامِيِّ وَالْعُمْدَةُ وَالْعُدَّةُ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَمَآلُ الْفَتَاوَى وَمُلْتَقَطُ الْفَتَاوَى وَحِيرَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْقُنْيَةُ وَالسِّرَاجِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ وَالتَّجْنِيسُ وَالْعَلَّامَةُ وَتَصْحِيحُ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَعَ مُرَاجَعَةِ كُتُبِ الْأُصُولِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْته فِي هَذَا الشَّرْحِ فَلْيَرْجِعْ إلَى هَذِهِ الْكُتُبِ (وَسَمَّيْته بِالْبَحْرِ الرَّائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ) وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَأَنْ يُثِيبَنَا عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ بِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ تَعْرِيفِهِ لِمَا فِي الْبَدِيعِ لِابْنِ السَّاعَاتِيِّ حَقٌّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ عِلْمًا أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِحَدِّهِ أَوْ رَسْمِهِ وَيُعَرِّفَ مَوْضُوعَهُ وَغَايَتَهُ وَاسْتِمْدَادَهُ قَالُوا لِيَكُونَ الطَّالِبُ لَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ.
فَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ وَتَقُولُ مِنْهُ فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ وَفُلَانٌ لَا يَفْقَهُ وَأَفْقَهْتُك الشَّيْءَ ثُمَّ خُصَّ بِهِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَالْعَالِمُ بِهِ فَقِيهٌ وَفَقُهَ بِالضَّمِّ فَقَاهَةً وَفَقَّهَهُ اللَّهُ وَتَفَقَّهَ إذَا تَعَاطَى ذَلِكَ وَفَاقَهْتُهُ إذَا بَاحَثْته فِي الْعِلْمِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْفِقْهَ اللُّغَوِيَّ مَكْسُورُ الْقَافِ فِي الْمَاضِي وَالِاصْطِلَاحِيَّ مَضْمُومُهُمَا فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ خُصَّ بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَفَقِهَ بِالْكَسْرِ مَعْنَى الشَّيْءِ فِقْهًا وَفَقَهًا وَفِقْهَانًا إذَا عَلِمَهُ وَفَقُهَ بِالضَّمِّ فَقَاهَةً إذَا صَارَ فَقِيهًا اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ فَقِهَ الْمَعْنَى فَهِمَهُ وَأَفْهَمَهُ غَيْرَهُ اهـ.
وَاصْطِلَاحًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ تَبَعًا لِلْأُصُولِيِّينَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ أَطْلَقُوا الْعِلْمَ عَلَى الْفِقْهِ مَعَ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهُ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَنُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَيَّنَ نُحُورَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِعُقُودِ شَرِيعَتِهِ الشَّرِيفَةِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْمَرْضِيَّةِ وَقَيَّضَ لَهَا عِبَادًا غَاصُوا فِي بَحْرِ رَقَائِقِهَا فَاسْتَخْرَجُوا مَكْنُونَ كَنْزِ دَقَائِقِهَا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ هُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي هَذَا الْمَدَدِ وَالْوَسِيلَةُ الْعُظْمَى لِكُلِّ أَحَدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِ وَأَحْزَابِهِ ذَوِي الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ مَنْ رَقَوْا فِي مِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ لِإِيضَاحِ طُرُقِ الْهِدَايَةِ إلَى غَايَةِ الْبَيَانِ (وَبَعْدُ) فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ الْمُكَنَّى بِابْنِ عَابِدِينَ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذُنُوبَهُ وَمَلَأَ مِنْ زُلَالِ الْعَفْوِ ذَنُوبَهُ. آمِينَ هَذِهِ حَوَاشٍ جَعَلْتهَا سِلْكًا لِدُرَرِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ فَبَدَتْ عُقُودَ الْجِيدِ لِمَنْ هُوَ إلَى جَيِّدِ مَعَانِيهِ مُسَارِعٌ وَمُسَابِقٌ عَلَّقْتهَا أَوَّلًا عَلَى هَامِشِ صَفَحَاتِهِ ثُمَّ جَمَعْتهَا هُنَا لِتَكُونَ تَذْكِرَةً لِلْعَبْدِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَتَحْت بِهَا مُقْفَلَهُ وَحَلَلْت بِهَا مُعْضِلَهُ وَلَسْت أَتَعَرَّضُ فِيهَا غَالِبًا إلَّا لِمَا فِيهِ إيضَاحٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ أَوْ لِمَا فِيهِ بَحْثٌ أَوْ إشْكَالٌ بِعِبَارَاتٍ تَفُكُّ الْأَسْرَ وَتُحِلُّ الْعِقَالَ، وَإِذْ هُوَ مَشْحُونٌ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ فَهُوَ غَنِيٌّ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الزِّيَادَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا فِي ذِكْرِهِ عَظِيمُ إفَادَةٍ ضَامًّا إلَى ذَلِكَ بَعْضَ أَبْحَاثٍ أَوْرَدَهَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ الْفَاضِلُ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ عُمَرُ عَلَى أَخِيهِ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ النَّبِيهِ الْعَلَّامَةِ زَيْنَ بْنَ نُجَيْمٍ سَدِيدِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ وَبَعْضِ مَا كَتَبَهُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ الْمُفْتِي الْحَنَفِيُّ تَارِكًا لِمَا وَجْهُهُ عَلَيَّ قَدْ خَفِيَ وَأَرْجُو مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْعُجَالَةِ أَنْ يَجْعَلَ عَثَرَاتِي مُقَالَةً، فَإِنَّ بِضَاعَتِي قَلِيلَةٌ وَفِكْرَتِي كَلِيلَةٌ وَسَمَّيْت ذَلِكَ بِمِنْحَةِ الْخَالِقِ عَلَى الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَأَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِمَنْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ تَتَوَالَى أَنْ يُلْهِمَنِي الصَّوَابَ وَأَنْ يَسْلُكَ بِي سَبِيلَ السَّدَادِ وَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُوجِبًا لِلْفَوْزِ الْعَظِيمِ نَافِعًا بِهِ جُلَّ الْعِبَادِ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَشْيَاخِي بِالْعَفْوِ التَّامِّ وَكَمَا أَحْسَنَ لِي الْمَبْدَأَ يُحْسِنُ لِي الْخِتَامَ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(قَوْلُهُ: فَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ) أَقُولُ: وَفِي تَحْرِيرِ الدَّلَالَاتِ السَّمْعِيَّةِ لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَسْعُودٍ نَقْلًا عَنْ التَّنْقِيحِ الْفِقْهُ لُغَةً هُوَ الْفَهْمُ وَالْعِلْمُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَلِمِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَيُقَالُ فَقِهَ بِكَسْرِ الْقَافِ إذَا فَهِمَ وَبِفَتْحِهَا إذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إلَى الْفَهْمِ وَبِضَمِّهَا إذَا صَارَ الْفِقْهُ لَهُ سَجِيَّةً. اهـ. رَمْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلَخْ) الِاصْطِلَاحُ لُغَةً الِاتِّفَاقُ وَاصْطِلَاحًا اتِّفَاقُ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى إخْرَاجِ الشَّيْءِ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى مَعْنًى آخَرَ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ زِيَادَةِ بَعْضِ الْكَتَبَةِ يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي، وَقَوْلُهُ وَمِنْ أَدِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ إلَخْ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهُ ظَنِّيَّةٌ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ وَمَا ثَبَتَ بِهِ قَطْعِيَّانِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ فِيهَا بِالظَّنِّ تَغْلِيبٌ أَوْ بِأَنَّ قَطْعِيَّتَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ الْمُجْمِعِينَ فَهُوَ ظَنِّيٌّ مُسْتَنِدٌ إلَى إمَارَةٍ وَفِي حَوَاشِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيِّ قَالَ السَّيِّدُ بَعْدَ كَلَامٍ أَوْرَدَهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ تَكُونَ الْأَحْكَامُ الْمَعْلُومَةُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَيْ الْقَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ وَالثُّبُوتِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ خَارِجَةً عَنْ الْفِقْهِ فَإَمَّا أَنْ يُخْتَارَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ إلَّا ظَنًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَكَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مِنْ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مِمَّا عُلِمَ
الجزء 1 · صفحة 4
الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى مُقَلِّدِيهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَانَ لِقُوَّتِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَرِيبًا مِنْ الْعِلْمِ فَعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ تَجَوُّزًا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهِ ارْتِكَابَ مَجَازٍ دُونَ قَرِينَةٍ فَالْأَوْلَى مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْعِلْمِ وَالظَّنِّ بَدَلَ الْعِلْمِ، وَالْأَحْكَامُ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ عَلَى الْجِنْسِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ الَّذِي أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ الْمَجْمُوعُ وَمَعْنَى الْعِلْمِ بِهَا التَّهَيُّؤُ لِذَلِكَ وَرَدَّهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفِقْهِ وَالْقَرِيبُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ إذْ لَا يُعْرَفُ أَيُّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ.
وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ مَضْبُوطٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا شَائِعٌ وَفِي التَّحْرِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْمَلَكَةِ أَدْنَى مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْأَهْلِيَّةُ، وَهُوَ مَضْبُوطٌ اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْحُكْمِ هُنَا فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَرَدَّهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ عِلْمٌ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْفِقْهَ عِلْمٌ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصْدِيقٌ وَبِغَيْرِهَا تَصَوُّرٌ اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ التَّصْدِيقِ الْقَضِيَّةُ صَرَّحَ الْمَوْلَى سَعْدٌ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ بِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْإِدْرَاكِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْحُكْمِ هُنَا خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ تَكْرَارًا وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَحْكَامُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْعَقْلِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ أَوْ مِنْ الْحِسِّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ أَوْ مِنْ الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا النَّارُ مُحْرِقَةٌ لَيْسَ عَقْلِيًّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْعَقْلِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْحَوَاسِّ إنَّمَا هُوَ لِلْعَقْلِ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَالْإِيمَانِ وَاجِبًا؛ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ بِخُرُوجِ مِثْلِهِ عَنْهُ اهـ.
وَجَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخُرُوجِ مَا عُلِمَ مِنْ الْأَحْكَامِ ضَرُورَةً مِنْ الدِّينِ اهـ.
أَيْ خُرُوجُهَا عَنْ الْفِقْهِ وَعَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي حَيْثُ قَالَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَحْكَامُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْعَقْلِ إلَخْ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ وَبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً بِمَعْنَى حُصُولِهَا بِلَا دَلِيلٍ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ اسْتَنْبَطُوهَا وَحَصَّلُوهَا فِي أَصْلِهَا عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] بَلْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ ضَرُورِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا اُشْتُهِرَتْ حَتَّى عُدَّتْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ فَلَا يَخْرُجُ مَا عُلِمَ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ عَنْ أَدِلَّتِهَا. اهـ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ: فَالْأُولَى مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْعِلْمِ وَالظَّنِّ) أَيْ بِنَاءً عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَنْطِقِيِّينَ إيَّاهُ مُرَادًا بِهِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمَّ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ تَقْسِيمًا حَاصِرًا، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مُرَادَ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ الْإِدْرَاكُ الْقَطْعِيُّ سَوَاءٌ كَانَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا صَوَابًا أَوْ خَطَأً فَالتَّصْدِيقُ كَمَا قَالَ شَارِحُهُ: ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ جِنْسٌ لِسَائِرِ الْإِدْرَاكَاتِ الْقَطْعِيَّةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِهَارِ اخْتِصَاصِ التَّصْدِيقِ بِالْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
فَهُوَ غَيْرُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَظْنُونَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ إلَّا عَلَى الِاصْطِلَاحِ بِأَنَّهُ كُلَّهُ ظَنِّيٌّ أَوْ الِاصْطِلَاحِ بِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ قَطْعِيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ ظَنِّيٌّ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ هَذَانِ وَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ قَالَ شَارِحُهُ بَعْدَ كَلَامٍ بَقِيَ الشَّأْنُ فِي أَيِّ الِاصْطِلَاحَاتِ مِنْ هَذِهِ أَحْسَنُ أَوْ مُتَعَيِّنٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مُتَعَيَّنٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقِيهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَنَّ الثَّالِثَ أَحْسَنُ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ الْمُدْرَكِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ وَبِهِ ظَهَرَ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ عَزْوِهِ مَا ذُكِرَ لِلتَّحْرِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى نِحْرِيرٍ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ إلَخْ) أَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْعَلَّامَةِ جَلَالِ الدِّينِ الْمَحَلِّيِّ وَقَدْ بَسَطَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ مُحَشِّيهِ الْكَمَالُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْحُكْمِ هُنَا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: بَلْ الْمُرَادُ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصْدِيقٌ وَبِغَيْرِهَا تَصَوُّرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ عَلَى هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ إلَخْ) .
اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ حَيْثُ قَالَ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَزَادَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلِابْنِ قَاسِمٍ هُنَا كَلَامٌ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مُلَخَّصًا مَعَ بَعْضِ زِيَادَاتٍ تُشِيرُ إلَى كَلَامِ الشَّارِحِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِقَادَ إدْرَاكٌ وَالْحَقُّ فِي الْإِدْرَاكِ أَنَّهُ انْفِعَالٌ أَوْ كَيْفٌ لَا فِعْلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا فَلَا يَكُونُ عَمَلًا إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ أَوْ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَيُعَدُّ فِعْلًا عُرْفًا فَيُقَالُ صَدَقَ وَأَدْرَكَ وَعَلِمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالِاعْتِقَادُ مِثْلُ اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى
الجزء 1 · صفحة 5
وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَتَحْرِيمِ الرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَعُمُّ عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مَانِعٍ إذْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الدِّينِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي، وَلَا تَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ إذْ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ فَالتَّعَلُّقُ فِي النِّيَّةِ وَنَحْوِهَا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ وَالتَّعَلُّقُ فِي الِاعْتِقَادَاتِ بِحُصُولِ الْعِلْمِ وَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ فِعْلِ الْقَلْبِ كَقَصْدِهِ إلَى الشَّيْءِ أَوْ تَمَنِّيه حُصُولَ الشَّيْءِ وَزَوَالَهُ وَبَيْنَ التَّصْدِيقِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ تَجَلٍّ وَانْكِشَافٌ يَحْصُلُ عَقِبَ قِيَامِ الدَّلِيلِ لَا فِعْلٌ لِلنَّفْسِ هُوَ أَنَّ الْقَصْدَ نَوْعٌ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالتَّصْدِيقَ نَوْعٌ مِنْ الْعِلْمِ وَالْوُجْدَانُ كَافٍ فِي الْفَرْقِ نَعَمْ يُعْتَبَرُ فِي الْإِيمَانِ مَعَ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ التَّجَلِّي وَالِانْكِشَافُ إذْعَانٌ وَاسْتِسْلَامٌ بِالْقَلْبِ لِقَبُولِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَتَسْمِيَةُ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ فِعْلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَقَدْ عَدَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذِكْرِ الْعَمَلِيَّةِ إلَى الْفَرْعِيَّةِ، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ الْإِيرَادُ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ أَيْ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبِهِ خَرَجَ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْأَحْكَامِ إذْ لَوْ تَعَلَّقَ بِهَا لَمْ يَخْرُجْ عِلْمُ الْمُقَلَّدِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِالْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ حَاصِلًا عَنْ الْأَدِلَّةِ، وَمَعْنَى حُصُولِ الْعِلْمِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ فَيَعْلَمُ مِنْهُ الْحُكْمَ، فَعِلْمُ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَنِدِ إلَى عِلْمِهِ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِلْبَيَانِ لَا لِلِاحْتِرَازِ إذْ لَا اكْتِسَابَ إلَّا مِنْ دَلِيلٍ اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِي قَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ، فَذَكَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQيُرَى فِي الْآخِرَةِ تَارَةً يُنْظَرُ فِيهِ فِي نَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ بِقَوْلِهِ: الْعَمَلِيَّةُ بِمَعْنَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي تَبَعًا لِلْمَحَلِّيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ، وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُودِ لِلْجَنَّةِ لَكِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ كَيْفِيَّةٌ لِلْجَنَّةِ وَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ عَمَلًا وَأَيْضًا الْمُرَادُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ الْوُجُودِ وَنَحْوِهِ وَقِسْ الْبَاقِيَ وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْحُكْمِ اعْتِقَادِيًّا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ النِّسْبَةَ فِي قَوْلِنَا اللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ مُتَعَلَّقُهَا اعْتِقَادًا بَلْ مُتَعَلِّقُهَا الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ الْمَحْمُولُ، وَلَيْسَتْ اعْتِقَادًا وَكَذَا الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَالْإِيمَانُ وَاجِبٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ أَمْرًا الْغَرَضُ اعْتِقَادُهُ فَمَعْنَى كَوْنِهِ اعْتِقَادِيًّا أَنَّهُ أَمْرٌ يُعْتَقَدُ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَى مَا قَرَّرْنَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْفِقْهِ، وَلَا يَكُونُ خَارِجًا بِالِاعْتِقَادِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ وَتَارَةً يُنْظَرُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَيْفِيَّتِهِ، فَإِنَّ اعْتِقَادًا أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ مَثَلًا لَهُ كَيْفِيَّةٌ هِيَ الْوُجُوبُ وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ وُجُوبِ اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ اعْتِقَادِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ اعْتِقَادٍ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ الثُّبُوتُ حُكْمٌ شَرْعِيُّ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ الشَّرْعِ وَذَلِكَ الْوُجُوبُ كَيْفِيَّةٌ لِاعْتِقَادٍ، وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِمْ الْعَمَلِيَّةُ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ وَلَوْ بِمُسَامَحَةٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَيْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي دَخَلَ فِي الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَخَرَجَ عَنْهُ نَفْسُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ إذْ لَيْسَتْ عِلْمًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ إذْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّقُ تِلْكَ الِاعْتِقَادَاتِ مُتَعَلِّقَةً بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَعَلَى كُلٍّ يَكُونُ دَاخِلًا غَيْرَ خَارِجٍ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَكُونُ عَمَلًا وَفِعْلًا حَقِيقَةً خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ أَيْضًا إذْ لَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ عَمَلِيًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ إذْ صَاحِبُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ لَيْسَ عَمَلًا وَلَا يَخْرُجُ نَحْوُ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لِظُهُورِ أَنَّ صَاحِبَ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْوُجُوبُ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فِعْلٌ وَعَمَلٌ لَكِنْ يُنَافِي هَذَا الْوَجْهَ مَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نَحْوُ تَحْرِيمِ ظَنِّ السُّوءِ بِالْغَيْرِ بِلَا مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهِ مِنْ الْفِقْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَعَ أَنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ اهـ مُلَخَّصًا مَعَ بَعْضِ زِيَادَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لِلْمَقَامِ فَلْيُمْعِنْ النَّظَرَ ذَوُو الْأَفْهَامِ.
وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا عَدَمُ خُرُوجِ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الضَّرُورِيَّاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْعِنَايَةِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ إخْرَاجُ أَكْثَرِ عِلْمِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَعْمَالِ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَهُمْ لِتَلَقِّيهِمْ إيَّاهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِسًّا وَمِنْ الْمَعْلُومِ بَعْدَ هَذَا فَكَذَا مَا يُفْضِي إلَيْهِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ النِّحْرِيرُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ سَابِقًا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ
الجزء 1 · صفحة 6
جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ وَغَلَّطَهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي التَّحْرِيرِ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُمْ التَّفْصِيلِيَّةُ تَصْرِيحٌ بِلَازِمٍ وَإِخْرَاجُ الْخِلَافِيِّ بِهِ غَلَطٌ وَوَضَّحَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا قُلْنَا إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ أَوْ انْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسْلِيمِهِ مِنْ الْفِقْهِ وُجُودَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي إجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ الْحِفْظُ الْمَذْكُورُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونُ هُوَ الدَّلِيلَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فَقِيهًا فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ إخْرَاجًا لِعِلْمِ الْخِلَافِيِّ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِلَازِمٍ اهـ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَيْدِ الِاسْتِدْلَالِ فَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالضَّرُورَةِ كَعِلْمِ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَحَقَّقَ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ عَنْ الدَّلِيلِ مُشْعِرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ إذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ مَأْخُوذًا مِنْ الدَّلِيلِ فَخَرَجَ مَا كَانَ بِالضَّرُورَةِ بِقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا فَهُوَ لِلتَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا أَوْ لِدَفْعِ الْوَهْمِ أَوْ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ وَمِثْلُهُ شَائِعٌ فِي التَّعْرِيفَاتِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِضَرُورَةٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ فَلَوْ قَالَ إنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِالِاسْتِدْلَالِ لَكَانَ مُخْرِجًا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَاصِلِ عَنْ اجْتِهَادٍ هَلْ يُسَمَّى فِقْهًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْحُكْمِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا وَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِنَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا وَيَصِحُّ تَعْرِيفُهُ بِنَفْسِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِيهِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ كَالْأُصُولِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهَا تَارَةً بِإِزَاءِ مَعْلُومَاتٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ أَيْ يَعْلَمُ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَتَارَةً بِإِزَاءِ إدْرَاكِ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ وَهَكَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَعَرَّفَهُ فِي التَّقْوِيمِ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِضَرْبِ عِلْمٍ أُصِيبَ بِاسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى وَضِدُّ الْفَقِيهِ صَاحِبُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِظَاهِرِ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِي مَعَانِيهَا وَلَا يَرَى الْقِيَاسَ حُجَّةً اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ لَهُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ وَلِذَا أَطْلَقُوا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ وَغَيْرَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْأَرْبَعَةِ وَعَرَّفَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَالْوِجْدَانِيَّات أَيْ الْأَخْلَاقَ الْبَاطِنَةَ وَالْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ فَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ عِلْمُ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ هِيَ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ وَالتَّصَوُّفِ كَالزُّهْدِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ هِيَ الْفِقْهُ الْمُصْطَلَحُ، فَإِنْ أَرَدْت بِالْفِقْهِ هَذَا الْمُصْطَلَحَ زِدْت عَمَلًا عَلَى قَوْلِهِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا، وَإِنْ أَرَدْت عِلْمَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَمْ تَزِدْ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا لَمْ يَزِدْ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّمُولَ أَيْ أَطْلَقَ الْعِلْمَ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَوْ الْوِجْدَانِيَّاتِ أَوْ الْعَمَلِيَّاتِ وَمِنْ ثَمَّ سَمَّى الْكَلَامَ فِقْهًا أَكْبَرَ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خُسْرو أَنَّ الْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ آثَارِهَا التَّابِعَةِ لَهَا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَهِيَ مِنْ الْفِقْهِ اهـ.
هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى الْفِقْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ فَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَمَا نَقَلَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَمِنْهُمْ الْوَلْوَالِجِيُّ بِقَوْلِهِ هَلْ رَأَيْت فَقِيهًا قَطُّ إنَّمَا الْفَقِيهُ الْمُعْرِضُ عَنْ الدُّنْيَا الزَّاهِدُ فِي الْآخِرَةِ الْبَصِيرُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَأَمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ) هُوَ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى عِلْمِ الْخِلَافِ يَعْنِي الْجَدَلَ، وَهُوَ الْعَارِفُ بِآدَابِ الْبَحْثِ قَالَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمُكْتَسِبِ لِلْخِلَافِيِّ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنَّافِي الْمُثْبِتُ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ فَعِلْمُهُ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ اهـ.
وَالتَّمْثِيلُ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ وَالْمُقْتَضِي فِي الْوُضُوءِ وُجُودُ الْعَمَلِ وَالنَّافِي فِي الْوِتْرِ كَوْنُهَا صَلَاةً لَا يُؤَذَّنُ لَهَا كَذَا فِي بَعْضِ حَوَاشِيه، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ الدَّاخِلِ تَحْتَ حَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (قَوْلُهُ: وَوَضَّحَهُ الْكَمَالُ) يَعْنِي الْكَمَالَ بْنَ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِابْنِ السُّبْكِيّ (قَوْلُهُ: كَعِلْمِ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى عِلْمِهِمَا بِأَنَّ مَا أُوحِيَ إلَيْهِمَا هُوَ كَلَامُهُ تَعَالَى وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ كَذَا إلَّا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِهِ فَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ الْعِلْمِ بِالْأَدِلَّةِ لَا مُكْتَسَبٌ مِنْهَا هَذَا أَوْ قَالَ بَعْضُ: مُحَشِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَلَك أَنْ تَقُولَ حَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَزِمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَفْهُومِ بِأَسْرِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ: فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِذَلِكَ وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْإِشْكَالِ (قَوْلُهُ: الزَّاهِدُ فِي الْآخِرَةِ) نَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ
الجزء 1 · صفحة 7
مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فَهُوَ مَنْ حَصَّلَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ؛ أَوْ الْمُتَفَقِّهَةُ الْمُشْتَغِلُ بِهِ اهـ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْفِقْهِ فِي اللُّغَةِ الْوُقُوفُ وَالِاطِّلَاعُ وَفِي الشَّرِيعَةِ الْوُقُوفُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ عَلَى مَعَانِي النُّصُوصِ وَإِشَارَاتِهَا وَدَلَالَاتِهَا وَمُضْمَرَاتِهَا وَمُقْتَضَيَاتِهَا وَالْفَقِيهُ اسْمٌ لِلْوَاقِفِ عَلَيْهَا وَيُسَمَّى حَافِظُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الثَّابِتَةِ بِهَا فَقِيهًا مَجَازًا لِحِفْظِ مَا ثَبَتَ بِالْفِقْهِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ ثُمَّ الْعِلْمُ أَوَّلُ مَا يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ اضْطِرَابٍ لِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَإِذَا دَامَتْ الرُّؤْيَةُ زَالَ الِاضْطِرَابُ فَصَارَ مَعْرِفَةً لِزِيَادَةِ الصُّحْبَةِ ثُمَّ تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ نَوْعَيْنِ الظَّاهِرُ دُونَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ وَالْبَاطِنُ الَّذِي هُوَ الْحِكْمَةُ وَبِهَا يُلْتَذُّ الْقَلْبُ إذَا صَارَ مَعْقُولًا لَهُ فَجَرَى مِنْهُ مَجْرَى الطَّبِيعَةِ فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ مَرِضْت مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى نَسِيت كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ صَارَ لِي كَالطَّبْعِ اهـ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْفِقْهُ قُوَّةُ تَصْحِيحِ الْمَنْقُولِ وَتَرْجِيحِ الْمَعْقُولِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِقْهَ فِي الْأُصُولِ عِلْمُ الْأَحْكَامِ مِنْ دَلَائِلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ الْفَقِيهُ إلَّا الْمُجْتَهِدُ عِنْدَهُمْ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْحَافِظِ لِلْمَسَائِلِ مَجَازٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِدَلِيلِ انْصِرَافِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَهَاءِ إلَيْهِمْ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ الشَّائِعَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ الْفُرُوعَ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتْ بِدَلَائِلِهَا أَوْ لَا وَأَمَّا مَوْضُوعُهُ فَفِعْلُ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَعْرِضُ لِفِعْلِهِ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِهِ وَضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ إنَّمَا الْمُخَاطَبُ بِهَا الْوَلِيُّ لَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنْزِيلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِ، وَأَمَّا صِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا فَهِيَ عَقْلِيَّةٌ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ؛ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَيَّدْنَا بِحَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ لَا مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفُ لَيْسَ مَوْضُوعُهُ كَفِعْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُبَاحُ أَوْ الْمَنْدُوبُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فِيهِمَا لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِحَسَبِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَوْ بِحَسَبِ السَّلْبِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ تَجْوِيزَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ يَرْفَعُ الْكُلْفَةَ عَنْ الْعَبْدِ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ تُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَيُقَالُ فِعْلٌ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، وَأَمَّا وَصْفُ حُكْمِ اللَّهِ بِهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَةِ وَإِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفِعْلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ تَسْمِيَاتُهُ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى وَصْفِ الْمَفْعُولِ، فَإِنْ كَانَ وَصْفُ الْمَفْعُولِ كَوْنَهُ حَادِثًا سُمِّيَ إحْدَاثًا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا سُمِّيَ إحْيَاءً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا سُمِّيَ إمَاتَةً، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا سُمِّيَ إيجَابًا، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا سُمِّيَ تَحْلِيلًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا سُمِّيَ تَحْرِيمًا وَنَحْوُهَا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ التَّكْوِينِ وَالْمُكَوِّنِ إنَّهُمَا غَيْرَانِ عِنْدَنَا اهـ.
وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ فَمِنْ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْمُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا فَتَابِعَةٌ لِلْكِتَابِ، وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فَتَابِعَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَأَمَّا تَعَامُلُ النَّاسِ فَتَابِعٌ لِلْإِجْمَاعِ وَأَمَّا التَّحَرِّي وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ فَتَابِعَانِ لِلْقِيَاسِ، وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) اعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ وَالْآدَابِ فَالِاعْتِقَادَاتُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْعِبَادَاتُ خَمْسَةٌ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسَةٌ: الْمُعَاوَضَاتُ الْمَالِيَّةُ وَالْمُنَاكَحَاتُ وَالْمُخَاصِمَاتُ وَالْأَمَانَاتُ وَالتَّرِكَاتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبَدَلَهُ عَنْ الْغَزْنَوِيَّة الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ (أَقُولُ) وَهَكَذَا رَأَيْته فِي إحْيَاءِ الْعُلُومِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ (قَوْلُهُ: وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إلَخْ) هَذَا لَا يُنَاسِبُ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ الَّذِي هُوَ فِي صَدَدِهِ بَلْ هُوَ مَعْنَاهُ الْأُصُولِيُّ فَتَدَبَّرْ.
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَالتَّرِكَاتُ) جَمْعُ تَرِكَةٍ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ كَمَا رَأَيْته فِي الْمُسْتَصْفَى لَا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْأَمَانَاتِ
الجزء 1 · صفحة 8
وَالْمَزَاجِرُ خَمْسَةٌ: مَزْجَرَةُ قَتْلِ النَّفْسِ، وَمَزْجَرَةُ أَخْذِ الْمَالِ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ السِّتْرِ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ الْعِرْضِ، وَمَزْجَرَةُ قَطْعِ الْبَيْضَةِ، وَالْآدَابُ أَرْبَعَةٌ: الْأَخْلَاقُ، وَالشِّيَمُ الْحَسَنَةُ، وَالسِّيَاسَاتُ وَالْمُعَاشَرَاتُ فَالْعِبَادَاتُ، وَالْمُعَامَلَاتُ، وَالْمَزَاجِرُ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَقُدِّمَ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْفِقْهِ الْعِبَادَاتُ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ؛ لِكَوْنِهَا أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ الصَّلَاةُ قُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَالِيَةُ الْإِيمَانِ وَثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَالْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [البقرة: 3] وَكَحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ثُمَّ قُدِّمَتْ الطَّهَارَةُ هُنَا عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا وَخَصَّهَا بِالْبُدَاءَةِ دُونَ سَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ
وَتَعْلِيلُهُمْ لِلْأَهَمِّيَّةِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لَا يَخُصُّهَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ لِلصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهَا، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ فَتَخْرُجُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا بَلْ مِنْ خَصَائِصِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا ثُمَّ كِتَابُ الطَّهَارَةِ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ جُزْأَيْهِ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ فَالْكِتَابُ لُغَةً مَصْدَرُ كَتَبَ كِتَابَةً وَكِتْبَةً وَكِتَابًا بِمَعْنَى الْكَتْبِ، وَهُوَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَسُمِّيَ بِهِ الْمَفْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ تَقُولُ كَتَبْت الْبُلْغَةَ إذَا جَمَعْت بَيْنَ رَحِمِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ وَكَتَبْت الْقِرْبَةَ إذَا خَرَزْتهَا كَتْبًا وَالْكُتْبَةُ بِالضَّمِّ الْخَزْرَةُ وَالْجَمْعُ كُتَبٌ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْكَتِيبَةُ الْجَيْشُ الْمُجْتَمِعُ، وَتَكَتَّبَتْ الْخَيْلُ أَيْ تَجَمَّعَتْ وَسُمِّيَتْ الْكِتَابَةُ كِتَابَةً؛ لِأَنَّهَا جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمَّتَيْنِ وَكُتْبٌ بِسُكُونِ التَّاءِ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْجَمْعِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ مُكَاتَبَةً؛ لِأَنَّهُ ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا: هَذَا الْوَفَاءُ، وَهَذَا الْأَدَاءُ انْتَهَى، وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِجَوَازِهَا حَالَّةً وَضَعْفُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ تَحْصُلْ حُرِّيَّةُ الرَّقَبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى
وَفِي الِاصْطِلَاحِ جَمْعُ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَخَرَجَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَائِلَ وَخَرَجَ الْبَابُ وَالْفَصْلُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ كِتَابٍ وَشَمِلَ مَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ الْمَسَائِلِ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ أَنْوَاعًا كَكِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً لِيَدْخُلَ مَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بَلْ اُعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْلَالِ عَدَمُ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْمَسَائِلِ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ كَذَلِكَ لَا الْأَصَالَةُ وَعَدَمُ التَّبَعِيَّةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لِخُصُوصِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ وَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ لِلشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ هُوَ هُنَا وَضْعًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعٌ عُرْفِيٌّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كِتَابًا إلَّا إذَا أَحَاطَ بِمَسَائِلِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَشَمِلَهَا وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالطَّهَارَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْفِعْلُ لُغَةً، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَبِكَسْرِهَا الْآلَةُ وَبِضَمِّهَا فَضْلُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ
وَاصْطِلَاحًا زَوَالُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ وَالْحَدَثُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ وَهُوَ طَبْعِيٌّ كَالْمَاءِ وَشَرْعِيٌّ كَالتُّرَابِ وَالْخَبَثُ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَكَلِمَةُ أَوْ فِي الْحَدِّ لَيْسَتْ لِمَنْعِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا إزَالَةُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الزَّوَالِ بِدُونِ الْإِزَالَةِ كَمَا إذَا وَقَعَ الْمَطَرُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَيْسَ بِإِزَالَةٍ لِعَدَمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمَزْجَرَةُ قَطْعِ الْبَيْضَةِ) أَيْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ رَمْلِيٌّ وَاَلَّذِي فِي الْمُسْتَصْفَى خَلْعِ الْبَيْضَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الرِّدَّةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَبَيْضَةُ الْإِسْلَامِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِبَيْضَةِ النَّعَامَةِ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الْوَلَدِ وَكَلِمَةُ الشَّهَادَةِ مَجْمَعُ الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالْبَيْضَةُ لِلنَّعَامَةِ وَكُلِّ طَائِرٍ ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ لِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّبَهِ الشَّكْلِيِّ وَقِيلَ بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ لِلشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنَّهَا مُجْتَمَعُهُ كَمَا أَنَّ تِلْكَ مُجْتَمَعُ الْوَلَدِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّيَّةَ وَالطَّهَارَةَ لَا يَسْقُطَانِ بِهِ بَلْ قَدْ يَسْقُطَانِ بِهِ أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ مَا دَخَلَ الْوَقْتُ سَقَطَتْ عَنْهُ الطَّهَارَةُ بِهَذَا الْعُذْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: غَيْرُ خَافٍ أَنَّ حُرِّيَّةَ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَكِنَّ الْفَقْدَ سَبَبُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا التَّنْجِيمُ فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ الْجَمْعُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ قَدْ أَمْكَنَ الْحَقِيقِيُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا يَعْنِي وَثِيقَةً جَمَعَ الْحُرُوفَ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّعِيفِ أَوْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكْتُبُ وَثِيقَةً، وَهَذَا أَظْهَرُ
الجزء 1 · صفحة 9
الصُّنْعِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَبِدُونِ الزَّوَالِ الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ إزَالَةِ الْآثَارِ الْحَاصِلَةِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ طَهَارَةً مَجَازٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقِيقَةِ وَعَرَّفَهَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يَدْخُلُهُ فَقَالَ إيصَالُ مُطَهِّرٍ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوْ يُنْدَبُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُصُولِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِزَالَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ، وَهُوَ تَوَقُّفُ مُطَهِّرٍ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَهِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ التَّعْرِيفِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِالزَّوَالِ الْمَذْكُورِ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ فَقَالَ الطَّهَارَةُ لُغَةً وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ وَالتَّطْهِيرُ التَّنْظِيفُ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا، وَهُوَ الْقَذَرُ فَإِذَا أَزَالَ الْقَذَرَ أَيْ امْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ تَحْدُثُ النَّظَافَةُ فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ اهـ.
وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِهَا فَقِيلَ الْحَدَثُ وَالْخَبَثُ وَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَهْلِ الطَّرْدِ قَالُوا لِلدَّوَرَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَعَزَاهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إلَيْهِمْ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَصْلِ وَيَبْعُدُ صِحَّتُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ وُجُودًا غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْحَدَثُ وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لِمَا نَقَلَهُ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَكَذَا فِي الْغُسْلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِيهِ أَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَحِينَئِذٍ لَمْ يَتَخَلَّفْ الدَّوَرَانُ وَرُدَّ أَيْضًا بِإِنَّهُمَا يُنْقِضَانِهَا فَكَيْفَ يُوجِبَانِهَا وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُمَا يُنْقِضَانِ مَا كَانَ وَيُوجِبَانِ مَا سَيَكُونُ فَلَا مُنَافَاةَ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ السِّيرَامِيُّ بِأَنَّ الْحَدَثَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُوبِ وَالْوُجُوبُ إلَى الْوُجُودِ وَالْمُفْضِي إلَى الْمُفْضِي إلَى الشَّيْءِ مُفْضٍ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَالْحَدَثُ مُفْضٍ إلَى وُجُودِ الطَّهَارَةِ وَوُجُودُهَا مُفْضٍ إلَى زَوَالِ الْحَدَثِ، فَالْحَدَثُ مُفْضٍ إلَى زَوَالِ نَفْسِهِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ السَّبَبِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِدَلِيلِ الْجَعْلِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّجْوِيزِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ اهـ.
وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ لِمَا رَوَاهُ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ إلَّا عَنْ حَدَثٍ» وَحَرْفُ عَنْ يَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ «أَدَّوْا عَمَّنْ تَمُونُونَ» ؛ وَلِذَا كَانَ الرَّأْسُ بِوَصْفِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا دَلَّ عَلَى عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْحَدَثِ لِلسَّبَبِيَّةِ كَانَ دُخُولُ عَنْ عَلَى الْحَدَثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالسَّبَبِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّوَقُّفِ وَالتَّكَرُّرُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ الصَّلَاحِيَّةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ، فَلَا تَدُلُّ وَقِيلَ سَبَبُهَا إقَامَةُ الصَّلَاةِ فَهُوَ، وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَدْ نَسَبَهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَصَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِفَسَادِهِ لِصِحَّةِ الِاكْتِفَاءِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لِصَلَوَاتٍ مَا دَامَ مُتَطَهِّرًا وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ سَبَبٌ بِشَرْطِ الْحَدَثِ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ خُصُوصًا أَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَقِيلَ سَبَبُهَا إرَادَةُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَثِمَ، وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ الظِّهَارِ بِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ
فَإِذَا رَجَعَ وَتَرَكَ التَّنَفُّلَ سَقَطَتْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِهَا وَفِي الْعِنَايَةِ سَبَبُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ لَا وُجُودُهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمُتَقَدِّمِ اهـ.
يَعْنِي: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا هُوَ السَّبَبَ بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ نَحْوَ طَهَارَةِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمَارَةِ السَّبَبِيَّةِ لَكِنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَكِنَّهُ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيَّقًا وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ سَبَبِهَا وُجُوبَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ كَافٍ لِلسَّبَبِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ مُشْكِلٌ لِعَدَمِ شُمُولِهِ سَبَبَ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ النَّافِلَةِ إذْ لَا وُجُوبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: بِالزَّوَالِ وَالْمَذْكُورِ) أَيْ بِزَوَالِ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ.
[سَبَبُ وُجُوب الطَّهَارَةُ]
(قَوْلُهُ: قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ أَوْ إبْدَالٌ لَفْظَةِ قَبْلَ بِلَفْظَةِ بَعْدَ لِيُنَاسِبَ مَا بَعْدَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ السِّيرَامِيُّ) أَيْ عَنْ دَفْعِ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ فَهُوَ تَأْيِيدٌ لِلرَّدِّ السَّابِقِ وَحَاصِلُهُ لُزُومُ إفْضَاءِ الشَّيْءِ إلَى زَوَالِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: لِصَلَوَاتٍ مَا دَامَ مُتَطَهِّرًا) مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيه ذَلِكَ بَلْ كُلَّمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الطَّهَارَةُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ:.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَثَرَ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي نَحْوِ التَّعَالِيقِ نَحْوُ إنْ وَجَبَ عَلَيْك طَهَارَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ دُونَ الْإِثْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ ذَكَرَهُ فِي التَّوْشِيحِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي السِّرَاجِ مِنْ إثْبَاتِ الثَّمَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ بَلْ وُجُوبُهَا مُوَسَّعٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مَضِيقًا هَذِهِ الْقَوْلَةُ قَدْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ بِهَامِشِ الْبَحْرِ
الجزء 1 · صفحة 10
هُنَا لِيَكُونَ سَبَبًا لِلطَّهَارَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْإِرَادَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَيَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِتَرْكِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ أَوْ هُوَ الْإِرَادَةُ الْمُسْتَلْحِقَةُ لِلشُّرُوعِ فَلَا يَرِدُ مَا ذُكِرَ عَلَيْهَا.
وَأَرْكَانُهَا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَفِي الْأَكْبَرِ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَفِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمَرْئِيَّةِ إزَالَةُ عَيْنِهَا وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ غَسْلُ مَحَلِّهَا ثَلَاثًا وَالْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْعَصِرُ وَالتَّجْفِيفُ فِي كُلِّ مَا لَا يَنْعَصِرُ وَحُكْمُهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ مِنْ حُكْمِهَا الثَّوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا وَآلَتُهَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالْمُلْحَقُ بِهِمَا وَأَنْوَاعُهَا كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي مُفَصَّلَةً وَمَحَاسِنُهَا شَهِيرَةٌ.
[أَحْكَام الْوُضُوء]
[فَرَائِض الْوُضُوء]
وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا صَرِيحَةً فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى شُرُوطِ وُجُوبٍ وَشُرُوطِ صِحَّةٍ، فَالْأُولَى تِسْعَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَوُجُودُ الْحَدَثِ وَوُجُودُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورُ الْكَافِي وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَعَدَمُ الْحَيْضِ، وَعَدَمُ النِّفَاسِ وَتَنْجِيزُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ كَضِيقِ الْوَقْتِ، وَالثَّانِيَةُ أَرْبَعَةٌ: مُبَاشَرَةُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَانْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُ النِّفَاسِ وَعَدَمُ التَّلَبُّسِ فِي حَالَةِ التَّطْهِيرِ بِمَا يَنْقُضُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِذَلِكَ اهـ.
وَالْإِضَافَةُ فِيهِ بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا لَا يَخْفَى وَجَعْلُهَا بِمَعْنَى مِنْ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ ضَابِطَهَا كَمَا فِي التَّسْهِيلِ صِحَّةُ تَقْدِيرِهَا مَعَ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْكِتَابُ طَهَارَةٌ (قَوْلُهُ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ وَجْهِهِ) قَدَّمَهُ عَلَى الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ أَكْثَرُ؛ وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْغُسْلِ أَوْ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْضِ لُغَةً فَفِي الصِّحَاحِ الْفَرْضُ الْحَزُّ فِي الشَّيْءِ وَالْفَرْضُ جِنْسٌ مِنْ التَّمْرِ وَالْفَرْضُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا اهـ.
وَفِي التَّلْوِيحِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ وَالْإِيجَابِ وَذَهَبَ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّقْدِيرِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى يُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إذَا قَدَّرَهَا اهـ وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَفِي التَّحْرِيرِ الْفَرْضُ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ مِنْ فَرْضٍ قَطْعً. اهـ.
وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ مَا لَزِمَ فِعْلُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَعَرَّفَهُ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي نُكَتِهِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ أَنَّهُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا اهـ.
؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْثَمَ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ الْوَقْتِيَّةَ فِيهِ بَلْ عَلَى تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَأَنَّهُ إذَا أَرَادَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ اهـ. فَتَأَمَّلْ.
[أَرْكَانُ الطَّهَارَة]
(قَوْلُهُ: وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى شُرُوطِ وُجُوبٍ وَشُرُوطِ صِحَّةٍ إلَخْ) وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ بِقَوْلِي
شُرُوطُ الْوُجُوبِ تِسْعَةٌ تَمَامُ ... الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ
وَنَفْيُ حَيْضٍ وَانْتِفَا النِّفَاسِ ... وَحَدَثٌ وَضِيقُ وَقْتِ النَّاسِ
وَمُطْلَقُ الْمَاءِ الطَّهُورِ الْكَافِي ... وَقُدْرَةُ اسْتِعْمَالِهِ الْمُوَافِي
وَشُرُوطُ صِحَّةٍ وَذَاكَ أَرْبَعُ ... فَقْدُ النِّفَاسِ ثُمَّ حَيْضٌ يُقْطَعُ
وَأَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ كُلَّ الْأَعْضَا ... ثُمَّ انْتِفَاءُ مَا يُفِيدُ النَّقْضَا
(قَوْلُهُ: فَرْضُ الْوُضُوءِ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَلَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنَّمَا الْخَاصُّ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا ابْنِ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ: الْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَنُوزِعَ بِمَا وَرَدَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَالْأَصْلُ فِيمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ أُمَمِهِمْ وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ إنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْأُمَمِ لَا لِأَنْبِيَائِهِمْ لَكِنْ يُنَافِيه مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قِصَّةِ سَارَةُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا هَمَّ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَمِنْ قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ هَذَا الْوُضُوءُ وَالْمَخْصُوصُ وَمِنْهُ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا ذُكِرَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ تَأَمَّلْ فَرُبَّمَا رَجَعَ حَاصِلُ هَذَا لِلْأَوَّلِ. اهـ. رَمْلِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَفِي التَّحْرِيرِ الْفَرْضُ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِشُمُولِهِ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ وَالنَّوَافِلِ الثَّابِتِينَ بِدَلِيلٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَالْمُخْتَارُ فِي تَعْرِيفِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ أَنَّهُ الْحُكْمُ الَّذِي ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَاسْتَحَقَّ تَارِكُهُ كُلِّيًّا بِلَا عُذْرٍ الْعِقَابَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الثُّبُوتِ فِي قَوْلِ الْبَعْضِ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ إلَخْ عَلَى اللُّزُومِ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ مَانِعًا فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ اهـ.
قُلْت: وَقَدْ كَتَبْت فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلْحَصْكَفِيِّ أَنَّ مَا ذَكَرَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَإِنَّ شُبْهَةً نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَعَمَّتْ الشُّبْهَةُ ثُبُوتًا وَدَلَالَةً فَلَا بُدَّ فِي دَلِيلِ الْفَرْضِ مِنْ قَطْعِيَّتِهِمَا وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهِمَا مِنْ مَنَافِعِنَا لَا عَلَيْنَا وَأَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ثَبَتَتْ لِلْفَرْضِيَّةِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْ مَا ثَبَتَتْ قَطْعِيَّتُهُ وَمَا ذُكِرَ ثَبَتَ إبَاحَتُهُ وَنَدْبُهُ
الجزء 1 · صفحة 11
الْكَافِي بِمَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ، وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْضٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْمِقْدَارُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ لَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ مُوجِبٌ لِلدَّوْرِ وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَحِقَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا إلَى الْمُجْمَلِ دُونَ الْبَيَانِ وَالْمُجْمَلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ. اهـ.
وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ وَسَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، وَهُوَ فِي قُوَّةِ الْقَطْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَالْمُقَدَّرُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِكَمَالِهِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ الظَّنِّيِّ الْقَوِيِّ الْمُثْبِتِ لِلْفَرْضِ، وَبَيْنَ الظَّنِّيِّ الْمُثْبِتِ لِلْوَاجِبِ اصْطِلَاحًا خُصُوصُ الْمَقَامِ وَلَيْسَ إكْفَارُ جَاحِدِ الْفَرْضِ لَازِمًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْجَاحِدَ مَنْ لَا يَكُونُ مُؤَوِّلًا وَمُوجِبُ الْأَقَلِّ أَوْ الِاسْتِيعَابِ مُؤَوِّلٌ يَعْتَمِدُ شُبْهَةً قَوِيَّةً وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَمْ يُكَفَّرُوا بِمَا مَنَعُوا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ فِي نَظَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِتَأْوِيلِهِمْ اهـ.
وَأَمَّا غَسْلُ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ فَفَرْضِيَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ وَكَذَا الْعُقْدَةُ الْأَخِيرَةُ لَا بِفِعْلِهِ فِي الْأَوَّلِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الثَّانِي وَلَا بِمَا قِيلَ فِي الْغَايَةِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ لِالْتِقَائِهِمَا فِي مَعْنَى اللُّزُومِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إذْ لَا وَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَلْ يَحْصُلُ بِتَرْكِهِ النُّقْصَانَ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْوَاجِبِ الَّذِي يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ وَالْفُرُوضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ إذْ الْفَرْضُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْوُضُوءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ وَقَدْ وَضُؤَ يَوْضُؤُ وَضَاءَةً فَهُوَ وَضِيءٌ كَذَا فِي طِلْبَةِ الطَّلَبَةِ وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّهُ بِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ اهـ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ وَالْغَسْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ إزَالَةُ الْوَسَخِ عَنْ الشَّيْءِ وَنَحْوِهِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ لُغَةً وَبِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، هُوَ الْإِسَالَةُ مَعَ التَّقَاطُرِ، وَلَوْ قَطْرَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يَسِلْ الْمَاءُ بِأَنْ اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالثَّلْجِ وَلَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ يَنْبَغِي لِلْمُتَوَضِّئِ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ بِالْمَاءِ شِبْهَ الدُّهْنِ ثُمَّ يَسِيلُ الْمَاءُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الشِّتَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مُجَرَّدُ بَلِّ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ ثُمَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الدَّلْكُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَحَدُّهُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ وَالضَّمِيرُ فِي وَجْهِهِ عَائِدٌ إلَى الْمُتَوَضِّئِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْوُضُوءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ فَرْضًا حَقِيقِيَّةٌ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي شَرْحِ الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْفَرْضَ الْقَطْعِيَّ يُقَالُ عَلَى مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ أَصْلًا كَحُكْمٍ يَثْبُتُ بِمُحْكَمِ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ وَيُسَمَّى بِالْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ وَيُقَالُ لَهُ الْوَاجِبُ وَعَلَى مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ كَمَا ثَبَتَ بِالظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وَالْمَشْهُورِ وَيُسَمَّى بِالظَّنِّيِّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ مَا هُوَ لَازِمٌ فِي زَعْمِ الْمُجْتَهِدِ كَمِقْدَارِ الْمَسْحِ وَيُسَمَّى بِالْفَرْضِ الظَّنِّيِّ وَمَا هُوَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ كَالْفَاتِحَةِ وَيُسَمَّى بِالْوَاجِبِ اهـ.
وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّ الْفَرْضَ نَوْعَانِ قَطْعِيٌّ وَظَنِّيٌّ عَلَى زَعْمِ الْمُجْتَهِدِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى مُخَالَفَتُهُ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ الْحُكْمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْفَرْضُ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ تَارِكُهُ الْعِقَابَ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ إلَخْ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْفَرْضُ فَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عِلْمًا بِالْعَقْلِ وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَعَمَلًا بِالْبَدَنِ، وَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الشَّرَائِعِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَيَفْسُقُ تَارِكُهُ بِلَا عُذْرٍ
وَأَمَّا حُكْمُ الْوُجُوبِ فَلُزُومُهُ عَمَلًا بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ لَا عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ لِمَا فِي دَلِيلِهِ مِنْ الشُّبْهَةِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَيَفْسُقَ تَارِكُهُ وَهَكَذَا فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ كَالْمُغْنِي وَالْمُنْتَخَبِ وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّلْوِيحِ وَالتَّحْرِيرِ وَالْمَنَارِ وَغَيْرِهَا وَفِي التَّصْرِيحِ ثُمَّ اسْتِعْمَالُ الْفَرْضِ فِيمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وَالْوَاجِبِ فِيمَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَقَوْلِهِمْ الْوِتْرُ وَاجِبٌ فَرْضٌ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسَمَّى فَرْضًا عَمَلِيًّا وَكَقَوْلِهِمْ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَفْظُ الْوَاجِبِ أَيْضًا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ فَرْضٌ عِلْمًا وَعَمَلًا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَمْنَعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى لَا تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا لَكِنْ يَجِبُ سَجْدَةُ السَّهْوِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَحَدُّهُ) أَيْ الدَّلْكِ
الجزء 1 · صفحة 12
(قَوْلُهُ، وَهُوَ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ) أَيْ الْوَجْهُ وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مَقْطَعُهُ وَمُنْتَهَى مَنْبَتِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ أَوْ حَوَالَيْهِ، وَهُوَ مُثَلَّثُ الْقَافِ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا وَفِي الصِّحَاحِ ذَقَنُ الْإِنْسَانِ مُجْتَمَعُ لَحْيَيْهِ. اهـ.
وَاللَّحْيُ مَنْبِتُ اللِّحْيَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ لَحَوِيٌّ، وَهُمَا لِحْيَانَ وَثَلَاثَةُ أَلْحٍ عَلَى أَفْعِلَ إلَّا إنَّهُمْ كَسَرُوا الْحَاءَ لِتَسْلَمَ الْيَاءُ وَالْكَثِيرُ لُحَيٌّ عَلَى فُعُولٍ وَفِي الْمُغْرِبِ اللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ. اهـ.
وَهَذَا الْحَدُّ لِلْوَجْهِ مَرْوِيٌّ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ، وَلَمْ يُذْكَرْ حَدُّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا تَحْدِيدٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يُنْبِئُ عَنْهُ اللَّفْظُ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ اسْمٌ لِمَا يُوَاجِهُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ مَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ فِي الْعَادَةِ وَالْمُوَاجَهَةُ تَقَعُ بِهَذَا الْمَحْدُودِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ، فَإِذَا نَبَتَ الشَّعْرُ يَسْقُطُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَثِيفًا كَانَ الشَّعْرُ أَوْ خَفِيفًا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الْحَاجِبِينَ وَالشَّارِبِ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْخَفِيفَةِ الَّتِي لَا تُرَى بَشَرَتُهَا أَمَّا الَّتِي تُرَى بَشَرَتُهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الشَّارِبِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْدُو مَنَابِتُ الشَّعْرِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ مِنْ الْآدَابِ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ كَالْحَاجِبِينَ، وَأَمَّا الشَّفَةُ فَقِيلَ تَبَعٌ لِلْفَمِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مَا انْكَتَمَ عِنْدَ انْضِمَامِهِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُ وَمَا ظَهَرَ فَلِلْوَجْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى لَا تُغْسَلُ الْعَيْنُ بِالْمَاءِ وَلَا بَأْسَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مُغْمِضًا عَيْنَيْهِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: إنَّ غَمْضَ عَيْنَيْهِ شَدِيدًا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَمِدَتْ عَيْنُهُ فَرَمِصَتْ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ تَحْتَ الرَّمَصِ إنْ بَقِيَ خَارِجًا بِتَغْمِيضِ الْعَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْمُغْرِبِ الرَّمَصُ مَا جَمَدَ مِنْ الْوَسَخِ فِي الْمُوقِ وَالْمُوقُ مُؤْخِرُ الْعَيْنِ وَالَمَاقُ مَقْدِمُهَا اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ النَّزَعَتَانِ، وَهُوَ مَا انْحَسَرَ مِنْ الشَّعْرِ مِنْ جَانِبَيْ الْجَبْهَةِ إلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ اهـ.
وَالنَّزَعَةُ بِالْفَتْحِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَدَمُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ
وَفِي تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَحَدُّ الْوَجْهِ فِي الطُّولِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. اهـ.
لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَغَمُّ وَالْأَصْلَعُ؛ لِأَنَّ الْأَغَمَّ الَّذِي عَلَى جَبْهَتِهِ شَعْرٌ لَا يَكْفِي غَسْلُهُ مِنْ قُصَاصِ شَعْرِهِ وَالْأَصْلَعُ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ إلَى وَسَطِ رَأْسِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ مِنْ قُصَاصِ شَعْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِالْخِلَافِ فِيهِ، فَقِيلَ إنْ قَلَّ فَمِنْ الْوَجْهِ وَإِنْ كَثُرَ فَمِنْ الرَّأْسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ حَتَّى جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ عِذَارُ اللِّحْيَةِ جَانِبَاهَا، وَشَحْمَهُ الْأُذُنِ مَا لَانَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) أَيْ مَعَ مِرْفَقَيْهِ فَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى مَعَ نَحْوَ {اهْبِطْ بِسَلامٍ} [هود: 48] أَيْ مَعَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى مَعَ وَبَيْنَ الْبَاءِ أَنَّ مَعَ لِابْتِدَاءِ الْمُصَاحَبَةِ وَالْبَاءَ لِاسْتِدَامَتِهَا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي بَحْثِ الْقِيَاسِ وَالْمِرْفَقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَفِيهِ الْعَكْسُ اسْمٌ لِمُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ: عَظْمِ الْعَضُدِ وَعَظْمِ الذَّارِعِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْيَدَ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ إذَا لَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ الْوَجْهُ) تَفْسِيرٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ قَالَ الرَّمْلِيُّ (فَائِدَةٌ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ بِأَيٍّ وَالتَّفْسِيرِ بِيَعْنِي أَنَّ التَّفْسِيرَ بِأَيٍّ لِلْبَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ وَالتَّفْسِيرُ بِيَعْنِي لِدَفْعِ السُّؤَالِ وَإِزَالَةِ الْوَهْمِ. اهـ.
وَهَذَا أَغْلَبِيٌّ وَاصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَإِلَّا فَبَعْضُهُمْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي حَوَاشِي ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْخَفِيفَةِ) تَأْوِيلٌ لِقَوْلِ الْبَدَائِعِ أَوْ خَفِيفًا لِإِيهَامِهِ عَدَمَ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ الَّتِي تَرَى بَشَرَتَهَا كَيْفَ وَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ وَفِي قَوْلِ الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا إلَخْ إشَارَةً إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ عَنْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ لَا أَنَّهُ قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَقَالَ بَدَلَ عَنْ وَعِنْدَ (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) قِيلَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمِرْفَقَيْهِ بِيَدَيْهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي النَّحْوِ أَنَّ مَدْخُولَ مَعَ هُوَ الْمَتْبُوعُ تَقُولُ جَاءَ زَيْدٌ مَعَ السُّلْطَانِ لَا عَكْسُهُ لَكِنْ نُقِلَ فِي الْأَطْوَالِ أَنَّ دُخُولَ مَعَ شَاعٍ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَمَا هُنَا إمَّا أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى غَيْرِ الشَّائِعِ أَوْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَتْبُوعِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ مُبَالَغَةً فِي الْأَنْكَارِ عَلَى الْمُخَالِفِ
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ فَهَذِهِ الْإِشَارَةُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ إذْ كَوْنُ الْبَاءِ بِمَعْنَى مَعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَاهَا حَتَّى يَرِدَ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا بَاقِيَةً عَلَى مَعْنَاهَا وَأَنَّ مَا فَوْقَ الْمَرَافِقِ خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ اغْسِلْ جَسَدَك
الجزء 1 · صفحة 13
رُءُوسِ الْأَصَابِعِ لِلْمَنْكِبِ، فَإِذَا كَانَتْ إلَى بِمَعْنَى مَعَ وَجَبَ الْغَسْلُ إلَى الْمَنْكِبِ؛ لِأَنَّهُ كَاغْسِلْ الْقَمِيصَ وَكُمَّهُ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ كَإِفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ إذْ هُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى بَعْضِ مُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ كَانَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ
وَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِرْفَقُ مُلْتَقَى الْعَظْمَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الذَّارِعِ وَلَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ وَجَبَ غَسْلُ الْمِرْفَقِ احْتِيَاطًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذِّرَاعِ لِيَجِبَ غَسْلُ مَا لَازَمَهُ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْيَدِ إلَى الْمِرْفَقِ وَمَا بَعْدَ إلَى لَمَّا لَمْ يَدْخُلْ جُزْآهُمَا الْمُلْتَقِيَانِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الدُّخُولَ وَاحْتَمَلَ الْخُرُوجَ صَارَ مُجْمَلًا وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ عَدَمَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ الْإِجْمَالَ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّلَالَةَ الْمُتَشَبِّهَةُ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ فِعْلِهِ دَلِيلُ السُّنَّةِ وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ، وَقَدْ لَا تَدْخُلُ فَتَدْخُلُ احْتِيَاطًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ لَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلِينَ، وَهُوَ فَرْعُ تَجَاذُبِهِمَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ غَايَةٌ لِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُسْقِطِينَ إلَى الْمَرَافِقِ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِاغْسِلُوا وَتَعَلُّقُهُ بِمُقَدَّرٍ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِلَا مُلْجِئٍ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِسْقَاطُ، وَهُوَ لَا يُوجِبُهُ عَمَّا فَوْقَ الْمِرْفَقِ بَلْ عُمِلَ قَبْلَهُ بِاللَّفْظِ إذْ يَحْتَمِلُ أَسْقِطُوا مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْمِرْفَقِ أَوْ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ غَايَةِ الْإِسْقَاطِ وَبَيْنَ غَايَةِ الْمَدِّ بِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا بَعْدَ إلَى، فَهِيَ لِلْإِسْقَاطِ كَمَسْأَلَتِنَا، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمَدِّ نَحْوَ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ لِانْتِقَاضِهِ بِالْغَايَةِ فِي الْيَمِينِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ لَا يَدْخُلُ الْعَاشِرُ مَعَ تَنَاوُلِ الصَّدْرِ لَهُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَكَذَلِكَ رَأْسُ السَّمَكَةِ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ السَّمَكَةَ إلَى رَأْسِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُ مَعَ التَّنَاوُلِ الْمَذْكُورِ
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَمِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيّ وَالتَّفْتَازَانِي مِنْ أَنَّ إلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا عَنْهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ فَمَا فِيهِ دَلِيلُ الْخُرُوجِ قَوْله تَعَالَى {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] وَمِمَّا فِيهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ آيَةُ الْإِسْرَاءِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُسْرَى بِهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَقَالُوا بِدُخُولِهِمَا احْتِيَاطًا إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ غَسْلِهِمَا فَلَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُفِيدُهُ وَتَقَدَّمَ مَنْعُ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَقُّ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرُوهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاضِ، فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ: لَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَهَذَا مِنْهُ حِكَايَةٌ لِلْإِجْمَاعِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا فَزُفَرٌ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَكَذَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَبُ كَلَامًا مُحْتَمِلًا وَحُكْمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى التَّرْقُوَةِ مَثَلًا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ غَسْلُ الْجَمِيعِ بَلْ الَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ أَنَّ الْمَغْسُولَ مَا تَحْتَهَا لِتَعَذُّرِ غَسْلِ مَا فَوْقَهَا دُونَهَا وَدُونَ مَا تَحْتِهَا إذْ يَحْتَاجُ إلَى غَايَةِ التَّكَلُّفِ فَهُوَ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ يُفْهَمُ مِنْهُ غَسْلُ الْأَيْدِي مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَرَافِقِ لَا مِنْ الْمَنْكِبِ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ إلَى بِمَعْنَى مَعَ نَعَمْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الْغَايَةِ وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أُخْرِجَ كَانَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) أَيْ عِنْدَنَا كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاهِيمِ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ
وَأَقُولُ: كَيْفَ يُمْكِنُ إخْرَاجُ غَيْرِهِ مَعَ تَنْصِيصِ الْحُكْمِ عَلَى الْكُلِّ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ قَوْلَك اضْرِبْ الْقَوْمَ مَعَ زَيْدٍ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ زَيْدٍ لَيْسَ مَأْمُورًا بِضَرْبِهِ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ نَعَمْ لَوْ قِيلَ اضْرِبْ زَيْدًا وَاقْتَصَرَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى ذَلِكَ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِجَامِدٍ كَفِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ كَمَا فِي التَّحْرِيمِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى آخِرِ هَذَا الْبَحْثِ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِذَلِكَ أَقُولُ: مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ هُنَا هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ وَمَا نَسَبَهُ إلَى الْهِدَايَةِ سَهْوًا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا رَدٌّ لِقَوْلِ زُفَرَ الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا يَعْنِي فَهِيَ دَاخِلَةٌ وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِاغْسِلُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالنَّقْضُ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ أَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي اللُّغَةِ وَالْأَيْمَانُ مُبِينَةٌ عَلَى الْعُرْفِ نَعَمْ يَرِدُ النَّقْضُ بِمِثْلِ قَرَأْت الْقُرْآنَ إلَى سُورَةِ كَذَا وَالْهِدَايَةِ إلَى كِتَابِ كَذَا، فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهِمَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا مَعَ تَنَاوُلِ الصَّدْرِ لَهَا وَقَوْلُهُ وَالْأَوْلَى إلَخْ مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ الْفُرُوضُ الْعَمَلِيَّةُ لَا تَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهَا إلَى الْقَاطِعِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لَا يَكُونُ حِكَايَةً لِلْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ غَيْرُهُ مَحْجُوجًا بِهِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ لَا خِلَافَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَوُجِدَ الرِّضَا مِنْ الْكُلِّ نَصًّا كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَأَمَّا إذَا نَصَّ الْبَعْضُ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ لَا عَنْ خَوْفٍ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْقَوْلِ فَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إجْمَاعًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا أَقُولُ: إنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَكِنْ أَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا اهـ
الجزء 1 · صفحة 14
الْكَعْبَيْنِ كَالْمِرْفَقَيْنِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَظْفَارِهِ دَرَنٌ أَوْ طِينٌ أَوْ عَجِينٌ أَوْ الْمَرْأَةُ تَضَعُ الْحِنَّاءَ جَازَ فِي الْقَرَوِيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ لُصِقَ بِأَصْلِ ظُفْرِهِ طِينٌ يَابِسٌ وَبَقِيَ قَدْرُ رَأْسِ إبْرَةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْغَسْلِ لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ إنْ كَانَ ضَيِّقًا فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ نَزْعُهُ أَوْ تَحْرِيكُهُ بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ شَيْءٌ سَقَطَ الْغُسْلُ، وَلَوْ بَقِيَ وَجَبَ، وَلَوْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَبَ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ خُلِقَ لَهُ يَدَانِ عَلَى الْمَنْكِبِ فَالتَّامَّةُ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَالْأُخْرَى زَائِدٌ فَمَا حَاذَى مِنْهَا مَحَلَّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهُ وَمَا لَا فَلَا يَجِبُ بَلْ يُنْدَبُ غَسْلُهُ
وَكَذَا يَجِبُ غَسْلُ مَا كَانَ مُرَكَّبًا عَلَى الْيَدِ مِنْ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالْكَفِّ الزَّائِدَةِ وَالسَّلْعَةِ وَكَذَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُلْتَحِمَةً (قَوْلُهُ: وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) أَيْ مَعَ كَعْبَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ أَيْ الْمُرْتَفِعَانِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ قَالُوا هُوَ سَهْوٌ مِنْ هِشَامٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ فَنَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الطَّهَارَةِ وَيُرَدُّ عَلَى هِشَامٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ تَثْنِيَتَهُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] أَيْ قَلْبَاكُمَا وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِهَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَهُ هِشَامٌ لَقِيلَ الْكِعَابُ كَالْمَرَافِقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْكَعْبَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لِلْمَرْءِ مِنْ جِنْسِ الرِّجْلِ، وَهُوَ اثْنَانِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ رِجْلٍ وَحْدَهَا فَالْأَوْلَى الرَّدُّ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاشِزُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ النَّاسِ إنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ اهـ.
قَالُوا الْكَعْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُلُوِّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ لِارْتِفَاعِهَا
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَن اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ» وَمَا وَقَعَ فِي الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي غَسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ وَاحِدَةٍ بِالْعِبَارَةِ وَالْأُخْرَى بِالدَّلَالَةِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ عَلَى افْتِرَاضِهِمَا بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِنْ الْبَحْثِ فِي إلَى وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْأَرْجُلِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى غَسْلِهِمَا وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ الرَّوَافِضِ فَلِذَا تَرَكْنَا مَا قَرَّرُوهُ هُنَا وَالزَّائِدُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ كَالزَّائِدِ عَلَى الْيَدَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى، وَلَوْ قَالَ وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ أَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَمَسَحَ رُبُعِ رَأْسِهِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا إصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ الْعُضْوَ، وَلَوْ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غَسْلٍ لَا بَعْدَ مَسْحٍ وَالْآلَةُ لَمْ تُقْصَدْ إلَّا لِلْإِيصَالِ إلَى الْمَحَلِّ فَإِذَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ قَدْرُ الْفَرْضِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ مَسَحَ بِبَلَلٍ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا، وَفِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ رِوَايَاتٌ أَصَحُّهَا رِوَايَةً وَدِرَايَةً مَا فِي الْمُخْتَصَرِ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِاتِّفَاقِ الْمُتُونِ عَلَيْهَا، وَلِنَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَهَا كَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَرِوَايَةُ النَّاصِيَةِ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّاصِيَةَ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الدِّرَايَةُ فَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِهَا فَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْكِتَابَ مُجْمَلٌ، وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ مَنْ مَسَحَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنَاصِيَتِهِ الْتَحَقَ بَيَانًا لَهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَوْجُهٍ:.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا إجْمَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غُسْلٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَأَمَّا الَّذِي بَقِيَ فِي الْعُضْوِ بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِهِ أَيْضًا وَخَطَّأَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ لِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفِّهِ بَعْدَ الْغُسْلِ جَازَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فَقَدْ نَصَّ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مُفَسَّرًا مُعَلَّلًا أَنَّهُ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ غَسْلِ ذَارِعَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَطَهَّرَ بِهِ مَرَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَدْ أَخَذَهُ ابْنُ الْكَمَالِ مِنْ الْمُجْتَبَى شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة بِرَمْزِ الْمُحِيطِ وَلَوْ فِي كَفِّهِ بَلَلٌ فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِأَنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إنَاءٍ حَتَّى ابْتَلَتْ أَمَّا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَبَقِيَ فِي كَفِّهِ بَلَلٌ لَا يَجُوزُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ بِذَلِكَ مَا إذَا غَسَلَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَبَقِيَ الْبَلَلُ فِي كَفِّهِ يَعْنِي لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إنَاءٍ حَتَّى تَبْتَلَّ كَمَا زَعَمَهُ الْحَاكِمُ
(قَوْلُهُ: وَالْآلَةُ لَمْ تُقْصَدْ لِلْإِيصَالِ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوُصُولِ لِيَصِحَّ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ بِمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَغْسُولًا أُمّ مَمْسُوحًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَوْجُهٍ إلَى قَوْلِهِ الرَّابِعُ) أَقُولُ: فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ:
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ عَدَمَ الْعُرْفِ لَا يُفِيدُ مَسْحَ الْكُلِّ لِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ التَّحْرِيرِ أَنَّ الْإِلْصَاقَ الْمَجْمَعَ عَلَيْهِ لِلْبَاءِ مُمْكِنٌ فَيَثْبُتُ التَّبْعِيضُ اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْمُلْصَقِ
الجزء 1 · صفحة 15
فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ يُصَحِّحُ إرَادَةَ الْبَعْضِ أَفَادَ مَسْحَ مُسَمَّاهُ، وَهُوَ الْكُلُّ أَوْ كَانَ أَفَادَ بَعْضًا مُطْلَقًا وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ وَغَيْرِهِ فَلَا إجْمَالَ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ تَقْدِيرِ الْإِجْمَالِ بِأَنَّهَا احْتَمَلَتْ الْبَاءَ لِلصِّلَةِ وَالْإِلْصَاقِ وَالتَّبْعِيضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَعْيِينِ بَعْضِهَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْإِلْصَاقُ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّ التَّبْعِيضَ لَيْسَ مَعْنًى أَصْلِيًّا بَلْ يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الْإِلْصَاقِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ فِي التَّحْرِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ادَّعَوْا التَّبْعِيضَ فِي نَحْوِ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَابْنُ جِنِّيٍّ يَقُولُ فِي سِرُّ الصِّنَاعَةِ لَا نَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْخِلَافِ الْقَوِيِّ؛ وَلِأَنَّ الْإِلْصَاقَ الْجَمْعُ عَلَيْهِ لَهَا مُمْكِنٌ فَيَثْبُتُ التَّبْعِيضُ اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْمُلْصَقِ لَا مَدْلُولًا اهـ.
الثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا مَوْجُودَةٌ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فَهِيَ مُجْمَلَةٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ فَكَيْفَ تُبَيِّنَ الْمُجْمَلَ فَيَعُودُ النِّزَاعُ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الثَّالِثُ أَنَّ جَعْلَ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مُبَيِّنًا لِلْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ أَوَّلُ وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَنُقِلَ، وَلَئِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْتَفِي التَّأْخِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا حُضُورًا فِي تِلْكَ السُّبَاطَةِ وَإِلَّا لَنُقِلَ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي الْآيَةِ
الرَّابِعُ: أَنَّ النَّاصِيَةَ لَيْسَتْ قَدْرَ الرُّبُعِ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ وَغَيْرَهُ نَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ الْمَفْرُوضُ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ الرُّبُعُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ رِوَايَةً مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا كَانَتْ النَّاصِيَةُ تَبْلُغُ رُبُعَ الرَّأْسِ، وَإِذَا كَانَتْ النَّاصِيَةُ لَا تَبْلُغُ الرُّبُعَ لَا يَجُوزُ فَدَلَّ عَلَى تَغَايُرِهِمَا، وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ النَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ النَّاصِيَةُ مَا بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ مِنْ الشَّعْرِ، وَهِيَ دُونَ الرُّبُعِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَابْنِ السَّاعَاتِيِّ وَفِي الْبَدِيعِ وَابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَالْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْمَسْحُ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْآلَةِ، وَهِيَ الْيَدُ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْآلَةِ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى كُلِّ الْمَمْسُوحِ كَمَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ بِيَدِي أَوْ عَلَى الْمَحَلِّ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ وَالتَّقْدِيرُ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ فَيَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْيَدِ دُونَ الرَّأْسِ وَاسْتِيعَابُهَا مُلْصَقَةً بِالرَّأْسِ لَا تَسْتَغْرِقُ غَالِبًا سِوَى رُبُعِهِ فَتَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالِاسْتِيعَابُ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنْ بِالْآيَةِ بَلْ بِالسُّنَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهَا رِوَايَةُ الْأُصُولِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ
وَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى وَوَجَّهُوهَا بِأَنَّ الْوَاجِبَ إلْصَاقُ الْيَدِ وَالْأَصَابِعِ أَصْلُهَا وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَمَعَ ذَلِكَ، فَهِيَ غَيْرُ الْمَنْصُورِ رِوَايَةً وَدَارِيَةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِنَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ رِوَايَةَ الرُّبُعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأَخِيرَةَ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلٍ الْمُقَدَّرِ الشَّرْعِيِّ بِوَاسِطَةِ تَعَدِّي الْفِعْلِ إلَى تَمَامِ الْيَدِ، فَإِنَّهُ بِهِ يَتَقَدَّرُ قَدْرُهَا مِنْ الرَّأْسِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ عَيْنُ قَدْرِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَزَاهَا فِي النِّهَايَةِ إلَى مُحَمَّدٍ وَعَزَا رِوَايَةَ الرُّبُعِ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْحَقُّ، وَلَوْ وَضَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ، وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ لَا الرُّبُعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لَمْ يَجُزْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ مَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَانَ أَيْ الْعُرْفُ أَفَادَ بَعْضًا مُطْلَقًا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الْمُطْلَقَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ لَا يَدْرِي مِقْدَارَهُ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَنْتِفْ الْإِجْمَالُ وَحُصُولُهُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ لَا يَنْفِيه أَيْضًا بَلْ يَنْفِي الْحَاجَةَ إلَى بَيَانِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِإِفَادَةِ الْبَعْضِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ، وَإِنْ قَلَّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَبْقَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ لَنَا أَصْلًا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بَلْ أُرِيدَ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ، وَإِلَّا كَانَ حَاصِلًا بِغَسْلِ الْوَجْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ عَلَى حِدَةٍ، فَإِنَّ الْمَفْرُوضَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مُقَدَّرٌ، فَكَذَا فِي هَذِهِ الْوَظِيفَةِ
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْهِدَايَةِ بِعَلَى دُونَ الْبَاءِ فَلَا يَعُودُ النِّزَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَعُودُ عَلَى رِوَايَةِ الْبَاءِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُصُولِ الْوَاجِبِ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ فَتَنْتَفِي الْحَاجَةُ بِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ كَانَ كَذَلِكَ إلَخْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَعَزَاهَا فِي النِّهَايَةِ إلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَعَلَيْهِ فَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا عَنْ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ) أَيْ وَلَا مَمْدُودَةٍ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ مَوْضُوعَةٍ أَنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا بِتَمَامِهَا عَلَى الرَّأْسِ بِأَنْ مَسَحَ بِأَطْرَافِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا مِقْدَارَ الرُّبْعِ فَلِذَا قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ مَدّهَا إلَخْ أَيْ هَذِهِ الْأَصَابِعَ الْمَنْصُوبَةَ الْغَيْرَ الْمَوْضُوعَةِ بِأَنْ مَسَحَ بِأَطْرَافِهَا وَمَدَّهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ مِقْدَارَ الرُّبْعِ لَمْ يَجُزْ بَقِيَ مَا إذَا وَضَعَ
الجزء 1 · صفحة 16
أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَكَذَا بِأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَعَادَهَا إلَى الْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ جَازَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَالْمَاءُ مُتَقَاطِرٌ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ مُتَقَاطِرًا فَالْمَاءُ يَنْزِلُ مِنْ أَصَابِعِهِ إلَى أَطْرَافِهَا، فَإِذَا مَدَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِبَطْنِهَا وَبِظَهْرِهَا وَبِجَانِبِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ اعْتِبَارِ الرُّبُعِ، وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا فِي الْأَصَحِّ فَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ صَرَّحَ بِالتَّصْحِيحِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الِاتِّفَاقِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ثُمَّ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي، وَلَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ الْإِنَاءَ أَوْ خُفَّهُ أَوْ جَبِيرَتَهُ، وَهُوَ مُحْدِثٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَمْ يَنْوِ يُجْزِئُهُ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ نَوَى الْمَسْحَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ وَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا فِي الْمَجْمَعِ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ لَا خِلَافَ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَمَحَلُّ الْمَسْحِ عَلَى الشَّعْرِ الَّذِي فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ لَا مَا تَحْتَهُمَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمَسْحُ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمْ يَجُزْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِحْيَتِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى رَأْسِهِ يَعْنِي وَرُبُعُ لِحْيَتِهِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَّاهُ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَإِنْ جَازَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ الْعَطْفُ عَلَى الرُّبُعِ لِيُفِيدَ مَسْحَ الْجَمِيعِ، وَهُنَا رِوَايَاتٌ فِي الْمَفْرُوضِ فِي اللِّحْيَةِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ بَشَرَةِ الْوَجْهِ فَرُوِيَ مَسْحُ رُبُعِهَا وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْكَافِي بِقَوْلِهِ وَلَنَا وَرُوِيَ مَسْحُ كُلِّهَا وَرُوِيَ مَسْحُ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ وَصَحَّحَهُ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَبِعَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَرُوِيَ مَسْحُ الثُّلُثِ وَرُوِيَ عَدَمُ وُجُوبِ شَيْءٍ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ غَسْلِهَا بِمَعْنَى افْتِرَاضِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَالْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ فِي ذِكْرِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَتَرْكِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ الْمُصَحَّحَ الْمُفْتَى بِهِ مَعَ دُخُولِهَا فِي حَدِّ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْكَثَّةِ أَمَّا الْخَفِيفَةُ الَّتِي تُرَى بَشَرَتُهَا فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ
وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَوْ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِ الذَّقَنِ ثُمَّ حَلَقَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الذَّقَنِ كَالرَّأْسِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللِّحْيَةِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِنْ عِذَارٍ وَعَارِضٍ وَالذَّقَنِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ اللِّحْيَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ بِمُجْتَمَعِ اللَّحْيَيْنِ وَالْعَارِضِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِذَارِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ يَتَّصِلُ مِنْ الْأَعْلَى بِالصُّدْغِ وَمِنْ الْأَسْفَلِ بِالْعَارِضِ.
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ سُنَنِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا وَاجِبَ فِيهِ لِمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ وَالدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ لَهُ هُوَ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَمَا كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْوُضُوءِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلَاثَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQثَلَاثَ أَصَابِعَ وَمَدّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ قَالَ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَرَ فِيهِ إلَّا الْجَوَازَ اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِ الْبَدَائِعِ وَلَوْ مَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَجُزْ إلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا
وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مَدَّهَا لِلْأَصَابِعِ الْمَنْصُوبَةِ الْغَيْرِ الْمَوْضُوعَةِ كَمَا عَلِمْت وَكَلَامُ الْفَتْحِ فِي الْمَوْضُوعَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ لَا خِلَافَ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَا إذَا نَوَى الْمَسْحَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأُولَى أَيْضًا الصَّحِيحُ فِيهَا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ فَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ) أَقُولُ: وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى وَجْهِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَغَسْلُ لِحْيَتِهِ فَيُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ خِلَافَهُ فَيَنْدَفِعُ الْعَجَبُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَحِّحَهُ هُنَا، وَإِنْ اخْتَارَ فِي الْكَافِي غَيْرَهُ كَمَا وَقَعَ لِقَاضِي خان فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِي فَتَاوَاهُ مَسْحَ كُلِّهَا وَصَحَّحَ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَسْحَ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ) الْمُرَادُ بِاسْتَرْسَلَ مَا خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُلَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُلَاقِيَ مَا كَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ كَذَا فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْعَارِضُ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَذَارِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ إلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ بِقُرْبِ الْأُذُنِ عَارِضًا وَالنَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ بِقُرْبِ الْأُذُنِ عِذَارًا.
[سُنَن الْوُضُوءُ]
(قَوْلُهُ: كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ)
الجزء 1 · صفحة 17
أَنْوَاعٍ فَرْضٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَوَاجِبٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَمَنْدُوبٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ وَعَنْ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَمِنْ الْقَهْقَهَةِ وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ لِغَسْلِ الْمَيِّتِ اهـ.
لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَلَى نَفْسِ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَا أَنَّ فِيهِ وَاجِبًا، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّافِلَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَ إرَادَتِهَا الْجَازِمَةِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي بَيَانِ السَّبَبِ وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ الْوُضُوءُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ النَّاقِضِ فَفَرْضٌ
(قَوْلُهُ: وَسُنَّتُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ هِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ، وَلَوْ سَيِّئَةً وَاصْطِلَاحًا الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ فَزَادَ فِي الْكَشْفِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلَا وُجُوبٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْمُسْتَحَبَّ وَالْمَنْدُوبَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ لِيَخْرُجَ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهَا مَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَفِي تَرْكِهِ عِتَابٌ لَا عِقَابٌ فَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ وَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مِنْ أَنَّهَا مَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ فَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْمُبَاحَ
وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهَا مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَمَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا فَمُنْتَقَضٌ بِالْفَرْضِ، فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا حَصَلَتْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا لِعُذْرِ الْمَرَضِ؛ فَلِذَا زَادَ فِي التَّحْرِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ أَحْيَانًا بِلَا عُذْرٍ لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ بِلَا وُجُوبٍ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ بِلَا تَرْكٍ أَصْلًا لَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ بَلْ الْوُجُوبَ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ يُخَالِفُهُ، فَإِنَّهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى سُنِّيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ، وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى سُنِّيَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ «بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ يُفِيدُ أَنَّهَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ مُطْلَقًا؛ وَلِذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَهَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ، وَإِلَّا كَانَتْ تَكُونُ دَلِيلَ الْوُجُوبِ انْتَهَى وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ كَانَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ هُوَ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ عَكْسِهِ، وَهُوَ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلِيلِ وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَيْسَ كَذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ) قَالَ سَيِّدِي الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ.
اعْلَمْ أَنَّ الشِّعْرَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُبَاحٌ وَمُثَابٌ عَلَيْهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَسَنَةِ كَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ عَلَى الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ فِي الْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْهَجْوِ، وَهُوَ مَا يُنَفِّرُ قَلْبَ الرَّجُلِ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صِدْقًا، فَقَدْ دَخَلَ فِي الْغِيبَةِ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَقَدْ دَخَلَ فِي الْكَذِبِ فَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ كَذِكْرِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ ذِكْرِ زَهْرٍ أَوْ رَوْضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ اللَّهْوَ وَالْغَفْلَةَ وَالْغُرُورَ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا؛ وَلَذَائِذِهَا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ لَهْوِ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ» الْحَدِيثُ وَقَدْ مَدَحَ مَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْمَدْحَ، وَهُوَ عَارِضُ الدُّنْيَا الْقَبِيحُ الْمُنْتِنُ فَقَدْ أَصَابَتْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ بِإِنْشَادِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِمَا ذَكَرْنَا بَيَانَ صَنْعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمِ حِكْمَتِهِ وَعَجِيبِ مَا أَظْهَرَتْهُ قُدْرَتُهُ عَلَى صَفَحَاتِ الْأَكْوَانِ مِنْ بَدَائِعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَغَرَائِبِ الْمَصْنُوعَاتِ فَلَهُ إرَادَتُهُ وَنِيَّتُهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الشِّعْرِ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَهُوَ أَنْ لَا يَقْصِدَ شَيًّا مِمَّا ذَكَرْنَا فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الشِّعْرَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَلَا تُعَدُّ الِاسْتِعَارَاتُ فِيهِ وَلَا التَّشَابِيهُ وَلَا الْمُبَالَغَاتُ مِنْ قَبِيلِ الْكَذِبِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَأَحْسَنُ الْمُبَالَغَاتِ مَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] وَقَدْ وَرَدَ فِي مَدْحِ الشِّعْرِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَكَذَلِكَ فِي ذَمِّهِ اهـ.
وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ الْوُضُوءُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ) هَذَا الَّذِي يَتَبَادَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْوُضُوءُ لِاسْتِيقَاظِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ إذْ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْوُضُوءُ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْهُ لِيَكُونَ مُبَادِرًا لِلطَّهَارَةِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَأَمَّا مَنْعُ الشَّارِحِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ إذْ الْوُضُوءُ الْفَرْضُ إنَّمَا هُوَ لِلصَّلَاةِ أَيْ إذَا أَرَادَهَا وَلَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا (قَوْلُهُ: لِشُمُولِهِ الْمُبَاحَ) أَيْ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ قَالَ فِي النَّهْرِ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ التَّوَقُّفُ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَلْهَجُونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ بِالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ فَالتَّعْرِيفُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْت وَفِي التَّحْرِيرِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
الجزء 1 · صفحة 18
لَا مَعَ التَّرْكِ فَهِيَ دَلِيلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا فَهِيَ دَلِيلُ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَهِيَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ بِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَسُنَنُهُ بِالْجَمْعِ وَنُكْتَةُ جَمْعِهَا وَإِفْرَادِ الْفَرْضِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْفُرُوضَ
وَإِنْ كَثُرَتْ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِدَلِيلِ فَسَادِ الْبَعْضِ بِتَرْكِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ السُّنَنِ إذْ لَا يَبْطُلُ بَعْضُهَا بِتَرْكِ بَعْضِهَا وَالْإِضَافَةُ هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا لَا يَخْفَى وَجَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَحَلٌّ لِهَذِهِ السُّنَنِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهَا بِمَعْنَى مِنْ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. (قَوْلُهُ: غَسَلَ يَدَيْهِ إلَى رُسْغَيْهِ ابْتِدَاء) يَعْنِي: غَسْلُ الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا إلَى رُسْغَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ وَالرُّسْغُ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الرُّسْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَوْصِلُ الْكَفِّ فِي الذِّرَاعِ وَالْقَدَمِ فِي السَّاقِ.
اعْلَمْ أَنَّ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ ابْتِدَاءً ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قِيلَ إنَّهُ فَرْضٌ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ كَالْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا قَالَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّطْهِيرُ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ حَصَلَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ غَسْلَهُمَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَقِيلَ سُنَّةٌ قَبْلَهُ فَقَطْ وَقِيلَ بَعْدَهُ فَقَطْ وَقِيلَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى وَصَحَّحَهُ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى وَفِي النِّهَايَةِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا سُنِّيَّتَهُ قَبْلَهُ فِيمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ «حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غَسْلِهِ وَفِيهِ أَنَّهَا حَكَتْ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ» وَحِكْمَتُهُ قَبْلَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي إزَالَةِ رَائِحَةِ مَا يُصِيبُهُمَا وَأُورِدَ أَنَّ الْمُصَابَ الْيَدُ الْيُسْرَى فَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَتَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا تَغَوَّطَ.
وَأُجِيبَ بِمَا فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا فِي كُلِّ فَرْدٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ وَاجِبٌ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً فِيهِمَا وَسُنَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ كَمَا إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ فَعَلِمَ بِهَذَا أَنَّ قَيْدَ الِاسْتِيقَاظِ الْوَاقِعِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَحِمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَغَيْرِهِ قَدَّمَ فِيهِ الْبَدَاءَةَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ عَنْ نَوْمٍ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هُنَا مَانِعًا مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ طَهَارَتُهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَكَأَنَّ الْغَسْلَ إلَى الرُّسْغَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَنْظِيفُ الْآلَةِ
وَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْمُسْتَيْقِظِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ نَامَ غَيْرَ مُسْتَنْجٍ أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ ضَعِيفٌ أَوْ الْمُرَادُ نَفْيُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لَا أَصْلُهَا وَكَيْفِيَّةُ غَسْلِهِمَا كَمَا ذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ بَلْ يَرْفَعُهُ بِشِمَالِهِ وَيَصُبُّهُ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى وَيَغْسِلُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَأْخُذُ الْإِنَاءَ بِيَمِينِهِ وَيَصُبُّهُ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيَغْسِلُهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ يَفْعَلُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً فِي الْإِنَاءِ يَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَيْرُ مَسْنُونٍ وَتَعَقَّبَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّ الْجَمْعَ سُنَّةٌ كَمَا تُفِيدُهُ الْأَحَادِيثُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَى الْيَسَرَيْ لِأَجْلِ التَّيَامُنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: قِيلَ إنَّهُ فَرْضٌ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ) الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ يَعُودُ إلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَا بِقَيْدِ الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: الَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ السَّرَخْسِيِّ عَلَيْهِ هُوَ عَدَمُ النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذَا لِسُنَّةٍ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَيِّدُهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ اهـ.
أَقُولُ: وَعَلَى هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِي عَنْ الْفَرْضِ وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغُسْلِ الْمُجْزِي عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ وَهُوَ مُؤَدَّى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَالسَّرَخْسِيُّ إمَامٌ جَلِيلٌ دَقِيقُ النَّظَرِ لَمَّا رَأَى فِي الْآيَةِ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ قَالَ يُعِيدُ غَسْلَ الْكَفَّيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ قَصْدًا لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ سَقَطَ بِالْغَسْلِ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ فَهُوَ كَسُقُوطِهِ بِالْغَسْلِ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَ الْغَسْلِ الْكَامِلِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَهُمَا لِمَا قُلْنَا وَلِهَذَا نُقِلَ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ إنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا أَيْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى لِأَجْلِ التَّيَامُنِ) كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ
الجزء 1 · صفحة 19
لَا لِمَا فِي الْمُحِيطِ كَمَا لَا يَخْفَى قَالُوا وَلَا يُدْخِلُ الْكَفَّ حَتَّى لَوْ أَدْخَلَهُ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْتَغَى وَمَعْنَاهُ صَارَ الْمَاءُ الْمُلَاقِي لِلْكَفِّ مُسْتَعْمَلًا إذَا انْفَصَلَ لَا جَمِيعُ مَاءِ الْإِنَاءِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَقَالُوا يُكْرَهُ إدْخَالُ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلْحَدِيثِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَتْزِيهٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَصْرُوفٌ عَنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ «، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»
فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ فَلَا يُدْخِلُ الْيَدَ فِيهِ أَصْلًا، وَفِي الْكَبِيرِ عَلَى إدْخَالِ الْكَفِّ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ الْجُنُبَ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ وَكَذَا إذَا وَقَعَ الْكُوزُ فِي الْجُبِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْمِرْفَقِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُسْتَيْقِظُ يَدَهُ فِيهِ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ كَمَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ غَيْرَهُ أَنْ يَغْتَرِفَ بِيَدَيْهِ لِيَصُبَّ عَلَى يَدَيْهِ لِيَغْسِلَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُرْسِلْ فِي الْمَاءِ مِنْدِيلًا وَيَأْخُذْ طَرَفَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يُخْرِجْ مِنْ الْبِئْرِ فَيَغْسِلْ الْيَدَ بِقَطَرَاتِهِ ثُمَّ يَغْسِلْ الْيَدَ الْأُخْرَى أَوْ يَأْخُذْ الثَّوْبَ بِإِسْنَانِهِ فَيَغْسِلْ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ الَّذِي يَتَقَاطَرُ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَرْفَعْ الْمَاءَ بِفَمِهِ فَيَغْسِلْ يَدَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْمَاءِ بِفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَهُوَ مُزِيلٌ لِلْخَبَثِ (قَوْلُهُ: كَالتَّسْمِيَةِ) أَيْ كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا أَعْنِي: سَوَاءٌ كَانَ الْوُضُوءُ عَنْ نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفْظُهَا الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُبَسْمِلُ وَذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ أَنَّهُ إنْ جَمَعَ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَالْبَسْمَلَةِ فَحَسَنٌ وَفِي الْمُحِيطِ السُّنَّةُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُخْتَارُ الْقُدُورِيِّ
وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ قِيلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ إلَّا مَعَ الِانْكِشَافِ، وَفِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ لِوُجُوبِ التَّسْمِيَةِ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ، وَهُوَ، وَإِنْ ضُعِّفَ ارْتَقَى إلَى الْحَسَنِ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِمُعَارَضَتِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ السَّلَامَ» وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُهَاجِرِينَ «قُنْفُذٌ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كُنْت عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ» فَهَذِهِ تُفِيدُ عَدَمَ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْمَهُ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَمُقْتَضَاهُ انْتِفَاؤُهُ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَتَعَقَّبَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَكُونَ التَّسْمِيَةُ أَفْضَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَأَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَالِيًا عَنْ التَّسْمِيَةِ وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ تَرْكِ الْأَفْضَلِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لَهُ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ كَوُضُوئِهِ مَرَّةً مَرَّةً تَعْلِيمًا لِجَوَازِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الْمُسْتَحَبِّ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ لَوَازِمِ إكْمَالِهِ فَكَانَ ذِكْرُهَا مِنْ تَمَامِهِ وَالذَّاكِرُ لَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ مُضْطَرٌّ إلَى ذِكْرِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْفَرْضِ فَخُصَّتْ مِنْ عُمُومِ الذِّكْرِ وَمُطْلَقُ الذِّكْرِ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْوُضُوءِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُطْلَقَ اللِّسَانُ بِهِ إلَّا عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَجْلِ الضَّرُورَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُزِيلٌ لِلْخَبَثِ) أَيْ فَيَرْفَعُ الْمَاءَ بِفِيهِ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مُزِيلُ الْخَبَثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْإِنَاءَ لِيُزِيلَ الْحَدَثَ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ بِفَمِهِ مَاءً مِنْ الْإِنَاءِ فَغَسَلَ بِهِ جَسَدَهُ أَوْ تَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ غَسَلَ بِهِ نَجَاسَةً مِنْ بَدَنِهِ أَجْزَاهُ، وَفِي مُتَفَرِّقَاتِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحْدِثٌ مَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَأَخَذَ الْمَاءَ بِفِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَ غَسْلَ فِيهِ ثُمَّ غَسَلَ بِهِ يَدَيْهِ قَالَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَطْهُرُ يَدُهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أَخَذَهُ بِفِيهِ خَالَطَهُ الْبُزَاقُ وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَاءً مُطْلَقًا فَالْتَحَقَ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ نَحْوُ الْخَلِّ وَالْمَرَقِ وَالدُّهْنِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَفِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ يَطْهُرُ كَالثَّوْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُدْفَعُ) أَيْ يُدْفَعُ قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ تَرْكِ الْأَفْضَلِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّرْكُ دَائِمًا بِدَلِيلِ سَابِقِ الْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَخُصَّتْ مِنْ عُمُومِ الذِّكْرِ) أَيْ الَّذِي تُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الذِّكْرِ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْوُضُوءِ نَعَمْ يَدْخُلُ فِي الْمَخْصُوصِ بَقِيَّةُ الْأَذْكَارِ لِلْوُضُوءِ بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ إذَا كَانَتْ مَخْصُوصَةً مِمَّا ذُكِرَ تَنْتَفِي الْمُعَارَضَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ فَيَبْقَى الْحَدِيثُ مُفِيدًا لِلْوُجُوبِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ تَأَمَّلْ
الجزء 1 · صفحة 20
طَهَارَةٍ وَيَدْخُلُ فِي التَّخْصِيصِ الْأَذْكَارُ الْمَنْقُولَةُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِكَوْنِهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ لَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ فَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ إلَّا لِصَارِفٍ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّارِفَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ كَانَ طُهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْوُضُوءِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: ضَعْفُ الْحَدِيثِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ النُّقْصَانَ فَقَطْ الثَّالِثُ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَجَزُّؤَ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ عِنْدَنَا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَرَدَّهُ الْأَكْمَلُ فِي تَقْدِيرِهِ بِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مُقْتَصِرَةً عَلَى مَا غَسَلَ، نَعَمْ بَدَنُ الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ وَقِيلَ الصَّارِفُ عَدَمُ حِكَايَةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ لَهَا لَمَّا حَكَيَا وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ فَكَيْفَ بَعْدَ الثُّبُوتِ بِوَجْهٍ آخَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَا التَّخْلِيلَ وَالسِّوَاكَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الصَّارِفَ هُوَ عَدَمُ تَعْلِيمِهَا لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ، وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ فَأَدَّى النَّظَرُ إلَى وُجُوبِهَا غَيْرَ أَنَّ صِحَّةَ الْوُضُوءِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَاطِعِ وَلَا يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِالِافْتِرَاضِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ أَفَادَ الْوُجُوبَ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِظَنِّيَّتِهَا مُشْتَرَكَهَا فَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّفْيَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ
وَنَفْيُ الْكَمَالِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِظَنِّيَّتِهَا مَا فِيهِ احْتِمَالٌ، وَلَوْ مَرْجُوحًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ عَدَمُ النَّقْلِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ إلَى آخِرِهِ لَا يَتِمُّ فِي الْوَاجِبِ إذَا لَا يَجُوزُ فِي التَّعْلِيمِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَلَوْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ وَاجِبَةً لَذَكَرَاهَا لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهَا بِخِلَافِ السُّنَنِ فَكَانَ هَذَا صَارِفًا سَالِمًا عَنْ الرَّدِّ وَمُرَادُهُمْ مِنْ ظَنِّيِّ الدَّلَالَةِ مُشْتَرَكُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ شَرْعِيٌّ أُطْلِقَ تَارَةً وَأُرِيدَ بِهِ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ نَحْوَ «لَا صَلَاةَ لِحَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» «وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَأُطْلِقَ تَارَةً مُرَادًا بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ نَحْوَ «لَا صَلَاةَ لِلْعَبْدِ الْآبِقِ» وَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَتَعَيَّنَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهِ عَلَى النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فَعِنْدَ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ الْحَدِيثُ ظَنِّيًّا، وَبِهِ تَثْبُتُ السُّنَّةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ التَّسْمِيَةِ وَالْعَجَبُ مِنْ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفَى ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ عَنْ حَدِيثِ التَّسْمِيَةِ بِمَعْنَى مُشْتَرَكِهَا وَأَثْبَتَهَا لَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ بِأَبْلَغِ وُجُوهِ الْإِثْبَاتِ بِأَنْ قَالَ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ نَفْيِ الْكَمَالِ قَائِمٌ فَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَيْفَ
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ابْتِدَاء الْوُضُوءِ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِهِ فَسَمَّى لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِخِلَافِ نَحْوِهِ فِي الْأَكْلِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْأَكْلِ، فَإِنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ اهـ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ كُلَّمَا أَكَلْت اللَّحْمَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ لُقْمَةٍ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ أَكْلٌ لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ هُوَ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَ اهـ.
وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَإِتْيَانُهُ بِهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا مَطْلُوبٌ وَلَفْظُهُ، فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ أَتَى بِهَا إذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْوُضُوءُ مِنْهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَوْ مَا مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَعْنِي «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» نَفْيُ الْفَضِيلَةِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الْجَوَازِ فَيُفِيدُ كَوْنَهَا فَرْضًا لَكِنْ لِكَوْنِهِ آحَادًا لَا يُفِيدُهَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا لِصَارِفٍ فَيُحْمَلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أُرِيدَ بِظَنِّهَا مَا فِيهِ احْتِمَالٌ وَلَوْ مَرْجُوحًا) أَيْ فَيَدْخُلُ فِيهِ احْتِمَالُ نَفْيِ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ) أَيْ قَوْلَ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ) فِي دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا) يَعْنِي بِخُصُوصِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ أَقْطَعُ» وَيُرْوَى «أَبْتَرُ» وَيُرْوَى «أَجْذَمُ» وَأَدْنَى مَا فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُذْهَبُ (قَوْلُهُ: فَإِتْيَانُهُ بِهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ أَمَّا أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَمَا فِي كَلَامِ الْكَمَالِ وَالزَّيْلَعِيِّ مَا يَمْنَعُهُ تَأَمَّلْ. اهـ. مَقْدِسِيٌّ
هَذِهِ لِقَوْلِهِ لَيْسَتْ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ كَلَامِ ابْنِهِ بِهَامِشِ الْبَحْرِ.
الجزء 1 · صفحة 21
(قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْخَشَبَةِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَقَايِيسِ اللُّغَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ الِاسْتِيَاكُ وَالْجَمِيعُ سُوُكٌ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَجَرُّهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِيُفِيدَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ أَيْضًا وَاسْتَدَلَّ فِي الْكَافِي لِلسُّنِّيَّةِ «بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِ مَعَ التَّرْكِ» وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ الْمُوَاظَبَةُ مِنْهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ عَلَى غَيْرِهَا فَيَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْحَقُّ؛ وَلِذَا صَحَّحَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ الِاسْتِحْبَابَ وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِهِ فَفِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْمُجْتَبَى قَبْلَ الْوُضُوءِ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ فِي الْإِنْقَاءِ لَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فِي مَوَاضِعَ: لِاصْفِرَارِ السِّنِّ وَتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ وَالْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَوَّلِ مَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ قَوْلَهُمْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ يُنَافِي مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَعَلَّلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَاكَ لِلصَّلَاةِ رُبَّمَا يَخْرُجُ مِنْهُ دَمٌ، وَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
وَقَالُوا فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ يَكْفِيهِ السِّوَاكُ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَسْتَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَسْتَاكَ أَعَالِيَ الْأَسْنَانِ وَأَسَافِلَهَا وَالْحَنَكَ وَيَبْتَدِئَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فِي الْأَعَالِي وَثَلَاثٌ فِي الْأَسَافِلِ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ عُقَدٍ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ، وَطُولَ شِبْرٍ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ وَقَالَ الْغَزْنَوِيُّ يَسْتَاكُ طُولًا وَعَرْضًا وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيُسْتَحَبُّ إمْسَاكُهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ أَنْ تَجْعَلَ الْخِنْصَرَ مِنْ يَمِينِك أَسْفَلَ السِّوَاكِ تَحْتَهُ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ فَوْقَهُ وَاجْعَلْ الْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ تَحْتَهُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَا يَقْبِضُ الْقَبْضَةَ عَلَى السِّوَاكِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَيَبْدَأُ بِالْأَسْنَانِ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ السُّفْلَى كَذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَتَقُومُ الْأُصْبُعُ أَوْ الْخِرْقَةُ الْخَشِنَةُ مَقَامَهُ عِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ عَدَمِ أَسْنَانِهِ فِي تَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَا عِنْدَ وُجُودِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّبَّابَةِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِالْيُمْنَى وَالْعِلْكُ يَقُومُ مَقَامَهُ لِلْمَرْأَةِ لِكَوْنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ تُضْعِفُ أَسْنَانَهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا فِعْلُهُ.
وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُرْضِي الرَّبَّ وَيُسْخِطُ الشَّيْطَانَ وَمَنْ خَشِيَ مِنْ السِّوَاكِ الْقَيْءَ تَرَكَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَاكَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ: وَغَسَلَ فَمَهُ وَأَنْفَهُ) عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَصْلِهِ الْوَافِي لِلِاخْتِصَارِ وَمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ فَكَانَ أَوْلَى، فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا اصْطِلَاحًا اسْتِيعَابُ الْمَاءِ جَمِيعَ الْفَمِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالسِّوَاكُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ السِّوَاكُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ وَمَجْهُولٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِطُرُقٍ أُخَرَ، فَصَارَ حَسَنًا أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ وَعَدَّ مِنْهَا السِّوَاكَ اهـ.
ذَكَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَجَرُّهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ) نَبَّهَ صَاحِبُ النَّهْرِ عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَيَانِ وَقْتِهِ مَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ فَلَا تَغْفُلْ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ الْمُوَاظَبَةُ مِنْهُ عَلَى الْوُضُوءِ) الْأَوْلَى عِنْدَ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَقُّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَدْ عَدَّهُ الْقُدُورِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السُّنَنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الشَّرْحِ اهـ.
فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ اخْتِلَافُ التَّصْحِيحِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ قَوْلَهُمْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ يُنَافِي مَا نَقَلُوهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمَا نَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا نَسِيَ السِّوَاكَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَاكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَضِيلَتَهُ وَتَكُونَ صَلَاتُهُ بِسِوَاكٍ إجْمَاعًا. اهـ.
وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْدُوبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْوُضُوءِ وَبِهِ ظَهَرَ سِرُّ كَلَامِ الْغَزْنَوِيِّ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ مُرَادُهُمْ بِهِ بَيَانُ مَا بِهِ أَفْضَلِيَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي بِسِوَاكٍ عَلَى غَيْرِهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ «أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ» وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْوُضُوءِ لَا تَحْصُلُ تِلْكَ الْأَفْضَلِيَّةُ وَلَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، فَكَوْنُهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مُنَاجَاةٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى سِيَّمَا عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ مِنْ الْوُضُوءِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَهَا وَحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهَا مَعَ أَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوهُ عِنْدَ مَجَامِعِ النَّاسِ فَبِالْأَوْلَى مَعَ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ فِي هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ وَضَعَ مَلَكٌ فَاهُ عَلَى فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا دَخَلَ فَمَ الْمَلَكِ» أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 22
لُغَةً مِنْ النَّشَقِ: وَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إلَى دَاخِلِهِ وَاصْطِلَاحًا: إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَارِنِ الْأَنْفِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمَارِنُ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ وَالْمُبَالَغَةُ سُنَّةٌ فِيهِمَا أَيْضًا كَذَا فِي الْوَافِي لِحَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، وَهِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ بِالْغَرْغَرَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ بِالِاسْتِنْثَارِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالِاسْتِنْثَارُ دَفْعُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْأَنْفِ وَقَدْ وَافَقَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ فِي الثَّانِي: كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ
وَفِي الْخُلَاصَةِ هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَصِلَ إلَى رَأْسِ الْحَلْقِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي فِيهِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَالْأَوْلَى مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَوْ تَمَضْمَضَ وَابْتَلَعَ الْمَاءَ وَلَمْ يَمُجَّهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَجَّ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُلْقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِالْبَاقِي جَازَ وَبِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ رَفَعَ الْمَاءَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ لِلْمَضْمَضَةِ جَازَ وَلِلِاسْتِنْشَاقِ لَا يَجُوزُ لِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ نَفْيَ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ لَا بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ لِمَا أَنَّ أَصْلَهُمَا سُنَّةٌ أَوْ تُحْمَلُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَقَالُوا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِالْإِجْمَاعِ وَمِنْهَا التَّثْلِيثُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِالْإِجْمَاعِ وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ فِي التَّثْلِيثِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُمَا مَاءٌ وَاحِدٌ وَإِزَالَةُ الْمُخَاطِ بِالْيَدِ الْيُسْرَى كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْمَبْسُوطِ وَفِعْلُهُمَا بِالْيَمِينِ سُنَّةٌ وَفِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَسْتَنْشِقُ بِالْيُسْرَى وَفِي الْمِعْرَاجِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ أُسْتَاذُنَا يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْغَسْلِ مَرَّةً مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَوْ ثَلَاثًا بِدُونِهِمَا يَغْسِلُ مَرَّةً مَعَهُمَا وَفِي السِّرَاجِ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ أَثِمَ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ مِمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ وَدَلِيلُ سُنِّيَّتِهِمَا الْمُوَاظَبَةُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ يَعْنِي مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا، وَإِلَّا كَانَتَا وَاجِبَتَيْنِ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ وَجَمِيعُ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اثْنَانِ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا كُلُّهُمْ ذَكَرُوهُمَا فِيهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ شَرَحَ عَلَيْهَا مِسْكِينٌ غَسَلَ فَمَه وَأَنْفَهُ بِمِيَاهٍ وَقَالَ قَوْلُهُ بِمِيَاهٍ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي فِي الْوَافِي غَسَلَ فَمَه بِمِيَاهٍ وَأَنْفَهُ بِمِيَاهٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْكَنْزِ لِيَدُلَّ عَلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ قَوْلِهِ «فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ فَكَانَ حُجَّةً وَمَا وَرَدَ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْمُخَالَفَةُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصِرْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِسُنَّةِ الْمَضْمَضَةِ لَا بِسُنَّةِ كَوْنِهَا ثَلَاثًا بِمِيَاهٍ فَالنَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فِي الْقَوْلَيْنِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَلَا اخْتِلَافَ (قَوْلُهُ: وَتَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْأَسْفَلِ إلَى فَوْقَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ فَسُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَهَلْ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُف وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ مُحَمَّدٌ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَصَحَّحَ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُسْتَحَبٌّ لِعَدَمِ ثُبُوتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ) أَيْ بِأَنْ اسْتَنْشَقَ بِبَعْضِهِ وَتَمَضْمَضَ بِالْبَاقِي (قَوْلُهُ: قَالَ أُسْتَاذُنَا يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمِعْرَاجِ ثُمَّ إنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ مِنْ هَذَا لَا يَظْهَرُ رُجُوعُهَا إلَى قَوْلِهِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ أَيْ تَكْرَارُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِمَا سُنَّتَيْنِ مُؤَكَّدَتَيْنِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِمَا وَعِبَارَةُ الْمِعْرَاجِ نَصُّهَا هَكَذَا، وَفِي الشِّفَاءِ الْمُضَمْضِمَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ مَنْ تَرَكَهُمَا يَأْثَمُ وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ أُسْتَاذُنَا: يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا إلَخْ (قَوْلُهُ: يَغْسِلُ مَرَّةً مَعَهُمَا) أَيْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَ عَنْهُ تَرْكُ التَّثْلِيثِ حَيْثُ غَسَلَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهَ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ تَرْكُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ) قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ وَمِنْ مَظَانِّهِ أَيْ الْحَسَنِ سُنَنُ أَبِي دَاوُد فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ فَعَلَى هَذَا مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُصَحِّحْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَمَدِينَ وَلَا ضَعَّفَهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا بِسُنَّةٍ كَوْنُهَا ثَلَاثًا بِمِيَاهٍ) النَّفْيُ بِاعْتِبَارِ الْقَيْدِ الْأَخِيرِ أَيْ يَكُونُ آتِيًا بِسُنَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَبِسُنَّةِ التَّثْلِيثِ أَيْضًا دُونَ سُنَّةِ تَجْدِيدِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ سَيَأْتِي) فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ (قَوْلُهُ: وَهَلْ هُوَ) أَيْ الْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ
الجزء 1 · صفحة 23
الْمُوَاظَبَةِ؛ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَدَاخِلُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ وَجْهُ الْأَصَحِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» وَسَكَتَ عَنْهُ وَكَذَا الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُغْنٍ عَنْ نَقْلِ صَرِيحِ الْمُوَاظَبَةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ حَامِلٌ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُمْ دَاخِلُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ مَمْنُوعٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِهِ
وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا فِي الْوَجْهِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْفَرْضِ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سُنَّةٍ تَكُونُ تَبَعًا لِلْفَرْضِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، وَإِلَّا يَخْرُجْ عَنْهُ بَعْضُ السُّنَنِ كَالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ التَّخْلِيلُ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ فِي «أَمَرَنِي رَبِّي وَخَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ» الْآتِي لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ التَّخْلِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا وَمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ لَزِمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ كَلَامٌ إذْ لَا يَلْزَمُ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِالِافْتِرَاضِ وَمَا فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ لَسَاوَى التَّبَعُ الْأَصْلَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهُ إذَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ فِي حُكْمٍ آخَرَ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، فَهُوَ إدْخَالُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ الْإِدْخَالُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا فَسُنَّةٌ اتِّفَاقًا أَعْنِي أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتَ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَتَقَدَّمَ الصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ
وَكَذَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ لَا يَتَخَلَّلْهَا اللَّهُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ حَتَّى يُفِيدَ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُ أَنَّ تَخْلِيلَ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ يُرَادُ لِعَدَمِ تَخَلُّلِهَا نَارَ جَهَنَّمَ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ عَدَمَ التَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ يَسْتَلْزِمُ تَخَلُّلَ النَّارِ إلَّا لَوْ كَانَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ عِلَّةً مُسَاوِيَةً لِعَدَمِ تَخْلِيلِهَا بِالنَّارِ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ التَّخْلِيلُ بِالنَّارِ مَعَ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْوَعِيدَ مَصْرُوفٌ إلَى مَا إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إذَا قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا وَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ هَذَا مَعَ أَنَّ مَا قَالُوهُ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِلْ يَكُونُ الْغَسْلُ فَرْضًا وَلَيْسَ التَّخْلِيلُ غَسْلًا كَمَا لَا يَخْفَى هَذَا مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيِّ ضَعِيفٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّخْلِيلُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ ثُمَّ قِيلَ الْأَوْلَى فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَنْ يَكُونَ تَخْلِيلُهَا بِالتَّشْبِيكِ وَصِفَتُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى خِنْصَرَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ اهـ.
لَكِنْ وَرَدَ بَعْضُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ»
وَأَمَّا كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَسْفَلَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَيُشْكِلُ كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الطَّهَارَةِ الْمُسْتَحَبِّ فِي فِعْلِهَا أَنْ تَكُونَ بِالْيَمِينِ وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهَا بِالْخِنْصَرِ كَوْنُهَا أَدَقَّ الْأَصَابِعِ فَهِيَ بِالتَّخْلِيلِ أَنْسَبُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَوْلُهُمْ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقُ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ أَسْفَلِ الْأَصَابِعِ إلَى فَوْقُ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ ثَانِيهمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ أَسْفَلِ الْأُصْبُعِ مِنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَلِّلُوا» الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى الرَّوَافِضِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) أَيْ تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأُولَى فَرْضٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُمْ دَاخِلَ اللِّحْيَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِمْ دَاخِلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُنْتَفٍ بِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ التَّخْلِيلُ بِالنَّارِ مَعَ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ) فِيهِ بَحْثٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ عِلَّةً مُسَاوِيَةً لِعَدَمِ تَخْلِيلِهَا بِالنَّارِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يُخَلِّلُهَا اللَّهُ بِالنَّارِ» فَائِدَةٌ وَلَمَّا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِلْأَمْرِ بِالتَّخْلِيلِ، وَلِلُزُومِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ حُصُولَ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَحُصُولَ مُقَابَلَةٍ بِالتَّرْكِ وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ بِالْوَعِيدِ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ «مَنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَهُ بِالْمَاءِ خَلَّلَهَا اللَّهُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَبْدَأُ أَيْ يَبْتَدِئُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِ الْقَدَمِ فَيُدْخِلُ خِنْصَرَ يَدِهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّجْلِ فَيُخَلِّلُ مِنْ أَسْفَلَ صَاعِدًا إلَى فَوْقٍ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَيَدْخُلُهَا مِنْ جِهَةِ بَاطِنِ الْقَدَمِ وَيَصْعَدُ بِهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقٍ.
الجزء 1 · صفحة 24
وَالثِّنْتَانِ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي السَّرَّاجِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَبْسُوطِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا تُوصَفُ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا أَوْ الثَّالِثَةُ وَحْدَهَا بِالسُّنِّيَّةِ إلَّا مَعَ مُلَاحَظَةِ الْأُخْرَى وَالسُّنَّةُ تَكْرَارُ الْغَسَلَاتِ الُمسْتَوْعِيَاتِ لَا الْغَرَفَاتِ، وَإِنْ اكْتَفَى بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ قِيلَ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الثَّانِي لِقَوْلِهِمْ وَالْوَعِيدُ فِي الْحَدِيثِ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ الثَّلَاثَ سُنَّةً فَلَوْ كَانَ الْإِثْمُ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرُوا، وَقِيلَ إنْ اعْتَادَ يُكْرَهْ، وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا دَلِيلَ السُّنَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعَفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» فَأَمَّا صَدْرُهُ إلَى قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ» فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَمَّا عَجُزُهُ مِنْ قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ» إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَوْلُهُ «تَوَضَّأَ مَرَّةً» أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْجَوَازُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْقَبُولَ لَا يُلَازِمُ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الصِّحَّةَ تَعْتَمِدُ وُجُودَ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْقَبُولُ يَعْتَمِدُ صِدْقَ الْعَزِيمَةِ وَخُلُوصَهَا، وَلَهُ شَرَائِطُ كَثِيرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا» عَلَى أَقْوَالٍ فَقِيلَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ تَكُونُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَقِيلَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ دُونَ نَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى لَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَاعْتَمَدَ أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لَوْ زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَكَذَا إنْ نَقَصَ لِحَاجَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأَكْثَرِ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَكْرَارَ الْوُضُوءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَكَيْفَ يَدَّعِي الِاتِّفَاقَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لَوْ نَوَى وُضُوءًا آخَرَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الْأَوَّلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْحَدِيثِ لَفٌّ وَنَشْرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وَالظُّلْمَ إلَى النُّقْصَانِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْغَسْلِ احْتِرَازً عَنْ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَسْنُونٍ فَهَلْ يُكْرَهُ فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَعِنْدَنَا لَوْ مَسَحَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ لَا يُكْرَهُ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ سُنَّةً وَلَا أَدَبًا. اهـ.
وَهُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ: وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْمُتَوَضِّئِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ اعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قِيلَ لَا يَأْثَمُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَصْرِيحُهُمْ بِالْإِثْمِ لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِثْمَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَخَفُّ مِنْ الْإِثْمِ لِتَارِكِ الْوَاجِبِ وَقَالَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَيْ قَوِيَّةٌ تُشْبِهُ الْوَاجِبَ فِي الْقُوَّةِ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ وَنَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ إنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ لَيْسَ مُخَالِفًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ خُصُوصًا مَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ اهـ.
وَفِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ تَارَةً دُونَ الْوَاجِبِ وَتَارَةً مِثْلَهُ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَّا بِحَمْلِ إفْرَادِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى التَّفَاوُتِ فِي التَّأَكُّدِ وَالْقُوَّةِ فَيَكُونُ بَعْضُهَا لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهِ فِي مَرْتَبَةِ الْوَاجِبِ كَالْجَمَاعَةِ وَبَعْضُهَا لِقِلَّةِ تَأَكُّدِهِ دُونَهُ كَتَثْلِيثِ الْغَسْلِ (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَدَّعِي الِاتِّفَاقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: لَا تَدَافُعَ فِي كَلَامِهِمْ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ فِيمَا إذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا فِي السِّرَاجِ فِيمَا إذَا كَرَّرَ مِرَارًا وَلَفْظُهُ فِي السِّرَاجِ لَوْ تَكَرَّرَ الْوُضُوءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا لَمْ يُسْتَحَبَّ بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فَتَدَبَّرْ اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا فَإِذَا لَمْ يُؤَدَّ بِهِ عَمَلٌ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ كَالصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ تَكْرَارُهُ قُرْبَةً لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ فَيَكُونُ إسْرَافًا مَحْضًا اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ) أَقُولُ: قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِالْحَدِيثِ الْمَارِّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» ؛ لِأَنَّ أَئِمَّتَنَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالْحَدِيثِ الْمُصَرَّحِ فِيهِ بِهَا وَحَمَلُوا مَا صُرِّحَ
الجزء 1 · صفحة 25
رَفْعُ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْكَافِي فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا لَا يَخْفَى وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكْفِي فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَى إزَالَةِ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ فَلَمْ يَنْوِ خُصُوصَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلًا، وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْوُضُوءِ وَسَقَطَ بِهِ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَخَصُّ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْغُسْلَ فَعَلَى هَذَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ أَوْلَى قَالُوا الْمُعْتَبَرُ قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَ أَوْ اسْتِبَاحَتَهَا أَوْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَلَا يَتَأَتَّى الْأَخِيرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ إذْ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَشَرْطُهَا فَرْضٌ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَهِيَ لُغَةً عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ دُونَ الْمُنْهَيَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْعِقَابُ فَالصَّوَابُ أَنْ تُفَسَّرَ النِّيَّةُ بِتَوَجُّهِ الْقَلْبِ نَحْوَ إيجَادِ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا اهـ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ لَيْسَ هُوَ الْكَفَّ الَّذِي هُوَ الِانْتِهَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَالرَّاجِحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَهُوَ فِي النَّهْيِ كَفُّهُ النَّفْسَ فَحِينَئِذٍ دَخَلَ فِي إيجَادِ الْفِعْلِ وَفِي الصِّحَاحِ الْعَزْمُ إرَادَةُ الْفِعْلِ وَالْقَطْعُ عَلَيْهِ وَالْقَصْدُ إتْيَانُ الشَّيْءِ وَذَكَرَ الْيَمَنِيُّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ ثُمَّ النِّيَّةُ مَعْنًى وَرَاءَ الْعِلْمِ فَهِيَ نَوْعُ إرَادَةٍ كَالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْهَمِّ وَالْحُبِّ وَالْوُدِّ فَالْكُلُّ اسْمٌ لِلْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ الْعَزْمَ اسْمٌ لِلْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَصْدَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ وَالنِّيَّةَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْمَنْوِيِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، فَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ قُعُودِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَرِيدًا لِلْقِيَامِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ إرَادَتُهُ الْقِيَامَ وَقَدْ يَرْكَعُ الرَّجُلُ وَيَسْجُدُ ذَاهِلًا عَنْ مَعْرِفَةِ إرَادَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا بِدُونِ الْإِرَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِنْوُ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا الْمَفْقُودُ الْعِلْمُ لَا غَيْرَ؛ وَلِذَا قُلْنَا لِلْمُكْرَهِ إرَادَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِمُقَابَلَةِ إرَادَةِ الْمُكْرِهِ لَكِنْ قَدْ تُذْكَرُ النِّيَّةُ مَقَامَ الْعَزِيمَةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا وَنَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَطَالَ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي غَيْرِ التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحَمَامِ وَبِنَبِيذِ التَّمْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَالتَّلَفُّظُ بِهَا مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحِمَامِ أَوْ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فَشَرْطٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالنُّقَايَةِ مَعْزِيَّيْنِ إلَى الْكِفَايَةِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا فِي كَوْنِهِ مِفْتَاحًا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ بِالثَّلَاثِ عَلَى التَّثْلِيثِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي فَوُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَيْسَ فِيهِ تَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمِيَاهٍ عِنْدَنَا فَتَرْجِعُ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا» إلَخْ إذَا لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ وُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَمَّلْ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ مَا نَصُّهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَالَ فِي الْكَافِي: التَّثْلِيثُ يَعْنِي بِمِيَاهٍ يُقَرِّبُهُ مِنْ الْغُسْلِ وَلَوْ بَدَّلَهُ بِهِ كُرِهَ كَذَا إذَا قَرَّبَهُ مِنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) عِبَارَتُهُ هَكَذَا وَنِيَّتُهُ أَيْ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي، فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ إمَّا عَائِدٌ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ يَنْوِي الطَّهَارَةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ نِيَّةُ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَّا أَنْ يُقَاسَ عَلَى التَّيَمُّمِ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ وَمِثْلُهَا الْوُضُوءُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ شَيْءٌ وَحِينَئِذٍ فَاعْتِرَاضُ الشَّارِحِ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ أَوَّلًا حَيْثُ أَرْجَعَ الضَّمِيرَ إلَى الْوُضُوءِ وَمُقَدَّمًا لَهُ وَاحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَتْنِ أَرْجَعَهُ إلَى الْمُتَوَضِّئِ وَصَاحِبُ الدَّارِ أَدْرَى وَثَانِيًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ مَا أَوْرَدَهُ بِقَوْلِهِ وَالْمَذْهَبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ هُوَ حَقِيقَةُ الْوُضُوءِ فَنِيَّةُ الْوُضُوءِ لَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَخْ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدَثَ مُتَنَوِّعٌ إلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ وَقَدْ كَفَى نِيَّةُ رَفْعِهِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ. اهـ.
قُلْت قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَكْبَرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَصْغَرِ فَالْحَدَثُ، وَإِنْ تَنَوَّعَ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْأَصْغَرُ حَاصِلٌ إمَّا اسْتِقْلَالًا وَإِمَّا ضِمْنًا بِخِلَافِ الْخَبَثِ (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) لِمُنَافَاتِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا
الجزء 1 · صفحة 26
يُثَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ تُعْتَبَرُ شَرْعًا بِلَا نِيَّةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ إنَّمَا صِحَّةُ الْعِبَادَاتِ بِالنِّيَّةِ وَالْوُضُوءُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالتَّيَمُّمِ وَلَنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا التَّرْكِيبِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ، فَصَارَ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ فَالتَّقْدِيرُ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ: مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْإِثْمُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي دُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الْجَوَازُ
وَالْفَسَادُ هُوَ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ وَشَرْحِ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنَارِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ هَذَا فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ أَمَّا الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ فَلَهُ عُمُومٌ كَالشَّيْءِ وَالْحُكْمِ مِنْهُ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ إذْ تَفْسِيرُ الْحُكْمِ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ اهـ.
مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقُولًا عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَإِنْ كَانَا أَثَرَيْنِ ثَابِتَيْنِ بِالْأَعْمَالِ مُوجِبَيْنِ لَهَا لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ اهـ.
يَعْنِي: لِتَخَلُّفِهِمَا فِي الْأَوَّلِ بِعَدَمِ الْقَبُولِ مَعَ الصِّحَّةِ وَفِي الثَّانِي بِالْعَفْوِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كَفُّ النَّفْسِ بِالنَّهْيِ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَلَا تَرِدُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ لِمَعْنًى يَخُصُّهَا، وَهُوَ لُزُومُ التَّسَلْسُلِ لَكِنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ لِلتُّرُوكِ إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ فِي النَّهْيِ هُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ فَمُجَرَّدُ تَرْكِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ الْوَعِيدِ وَمَنَاطُ الثَّوَابِ فِي الْمَنْهِيِّ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، وَهُوَ عَمَلٌ مُنْدَرِجٌ فِي الْحَدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَفَرْقُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ فِعْلٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَتَرْكِ الزِّنَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ أَبَدًا لَا يَقَعُ إلَّا بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَقْدُورُ الْمُكَلَّفِ لَا بِعَدَمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وُجُودُهُ قَبْلَ التَّكْلِيفِ كَمَا عُرِفَ فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ أَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكُ لَيْسَ بِفِعْلٍ؛ وَلِهَذَا لَا يُثَابُ الْمُكَلَّفُ عَلَى التَّرْكِ إلَّا إذَا تَرَكَ قَاصِدًا فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَّا إذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ قَصْدًا لَا إذَا اشْتَغَلَ عَنْهُ بِفِعْلٍ آخَرَ كَالنَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ وَتَرْكِهِ بِلَا قَصْدٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ الْمُوجِبَيْنِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ
وَقَوْلُهُ إنَّ الْوُضُوءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حُكْمُ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مَجَازٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ وَالْحُكْمُ الْمُقَدَّرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَنَزِيدُ مِنْهُمَا مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ إذَا لَا ثَوَابَ بِدُونِ النِّيَّةِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا الدُّنْيَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ إلَخْ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَالُوا لَمَّا صَارَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا أَرَدْنَا الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْأُخْرَوِيُّ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ الَّذِي لَا عُمُومَ لَهُ هُوَ الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِأَنْ يُوضَعَ بِإِزَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَضْعًا عَلَى حِدَةٍ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ بِالشَّيْءِ فَيَعُمُّ الْحُكْمَيْنِ كَمَا يَعُمُّ الْحَيَوَانُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَغَيْرَهُمَا وَاللَّوْنُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَنَحْوَهُمَا فَإِرَادَةُ النَّوْعَيْنِ لَا تَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا لِتَصْحِيحِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّارِحُ هُوَ عَيْنُ مَا قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا أُورِدَ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ بِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَيْهِ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَعْنَى تَقْرِيرِهِ أَنَّا نُرِيدُ بِالْحُكْمِ الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَنَدَعُ الْآخَرَ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا لِمَا قَالُوا مِنْ عَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتِغْنَاءً مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَحَدِهِمَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا وَبِهَذَا يَحْصُلُ الدَّفْعُ لِلْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنْ يُنَافِي الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَحَاصِلُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ إنْ كَانَ مُتَوَاطِئًا قَبِلَ الْعُمُومَ، وَإِنْ كَانَ مُشَكِّكًا لَا يَقْبَلُهُ (قَوْلُهُ: عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْحَكَمَيْنِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ) أَيْ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ الْأَعْمَالُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَامَاتٌ مَحْضَةٌ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا يَكُونُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِرَاكِ إلَّا هَذَا (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْوُضُوءَ) أَيْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمَقَامِ
الجزء 1 · صفحة 27
عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ بِدُونِهَا عِنْدَنَا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بَلْ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ حَتَّى لَمْ يَقَعْ عِبَادَةٌ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَهَلْ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ حَتَّى تَصِحَّ بِهِ أَوْ لَا؟ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا إثْبَاتِهِ فَقُلْنَا نَعَمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيلِ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ فَكَيْفَ حَصَلَ تَحْصِيلُ الْمَقْصُود، وَصَارَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَاقِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا يَفْتَقِرُ اعْتِبَارُهَا إلَى أَنْ تُنْوَى فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الشَّرْطَ وُضُوءٌ هُوَ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا لَا فِي نَفْسِهِ فَكَانَ التَّطْهِيرُ بِهِ تَعَبُّدًا مَحْضًا، وَفِيهِ يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَقِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مُتَأَخِّرًا وَالتَّيَمُّمُ شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْوُضُوءُ قَبْلَهَا إلَّا إنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِمَعْنًى لَمَّا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِ النِّيَّةِ ظَهَرَ وُجُوبُهَا فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَا فَارِقَ، فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ النِّيَّةَ، فَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَبَيَّنَهَا لَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَقَعُ عِبَادَةً فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ أَوْ مُرَادُهُ نَفْيُ الْعِبَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ نَفَى الْعِبَادَةَ عَنْ الْوُضُوءِ مُتَمَسِّكًا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ خَاصَّانِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَوْ دَلَّ عَلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَأَوْرَدَ الْعُقْدَةَ الْأَخِيرَةَ، فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ مَا تَتِمُّ بِهِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ بِأَنَّ إتْمَامَهَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ فَاحْتَاجَ إلَى الْبَيَانِ وَقَدْ بُيِّنَ بِالْحَدِيثِ فَالْفَرْضُ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَالْتَحَقَ بِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلِهِ فَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَحِقَ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ كَذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي أَمْرِ الْقِرَاءَةِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ لِمَا ذُكِرَ أُجِيبَ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا لَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِخْلَاصَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ النِّيَّةِ حَالًا لِلْعَابِدِينَ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ إشْكَالٌ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْعِبَادَاتِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ إنَّ حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَمَسَحَ كُلَّ رَأْسِهِ مَرَّةً) أَيْ مَرَّةً مُسْتَوْعِبَةً لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَوَضَّأَ وَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَقَالَ «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِي الْهِدَايَةِ وَاَلَّذِي يُرْوَى عَنْهُ مِنْ التَّثْلِيثِ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْغَسْلِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمَسْحِ فَلَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ وَالتَّيَمُّمِ وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَمْسُوحِ وَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَغْسُولِ وَفِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَارَ الْبَلَلُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَكَيْفَ يُسَنُّ إمْرَارُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ لِإِقَامَةِ فَرْضٍ آخَرَ لَا لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُسَنُّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ تَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَمُدَّهُمَا إلَى الْقَفَا عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ وَالْمَدِّ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ فَكَذَا بِالثَّانِي فَلَا يُفِيدُ تَأْخِيرُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ) أَيْ بِمَاءِ الرَّأْسِ وَفِي الْمُجْتَبَى يَمْسَحُهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ دَاخِلَهُمَا وَبِالْإِبْهَامَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقُلْنَا نَعَمْ) أَيْ أَنَّهُ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ) ، وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُجَرَّدِ إذَا مَسَحَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَانَ مَسْنُونًا (قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيعَابِ وَبَيَانُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ وَيَضَعَ بُطُونَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَعْزِلَ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ وَيُجَافِي الْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَمْسَحُ ظَاهِرَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَبَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ وَيَمْسَحُ رَقَبَتَهُ بِظَاهِرِ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ مَاسِحًا بِبَلَلٍ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا هَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَسْحَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ وَنُقِلَ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا يَعْنِي حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ
الجزء 1 · صفحة 28
خَارِجَهُمَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُدْخِلُ الْخِنْصَرَ فِي أُذُنَيْهِ وَيُحَرِّكُهُمَا وَاسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ بِالْحَدِيثِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» أَيْ يُمْسَحَانِ بِمَا يُمْسَحُ بِهِ الرَّأْسُ وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاسْتَدَلَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ أَخَذَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ» عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا» فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لِفِنَاءِ الْبِلَّةِ قَبْلَ الِاسْتِيعَابِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا مِنْ غَيْرِ فَنَاءِ الْبِلَّةِ كَانَ حَسَنًا كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ مَاءً جَدِيدًا وَمَسَحَ بِالْبِلَّةِ الْبَاقِيَةِ هَلْ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَا أَمَّا لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا مَعَ بَقَاءِ الْبِلَّةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ) أَيْ كَمَا ذَكَرَ فِي النَّصِّ فِي أَصْلِهِ الْوَافِي، وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَى الْخِلَافَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَعْنَى الْوَاوِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَلَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمَنْ زَعَمَ مِنْ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّهَا لَهُ لِمَسَائِلَ اسْتَدَلَّ بِهَا فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهَا فِي الْأُصُولِ وَمَنْ زَعَمَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا لَهُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ بِالِافْتِرَاضِ فَنَفَاهُ أَئِمَّتُنَا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالُوا بِسُنِّيَّتِهِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ وَالْأَصْلُ جَمْعُ الْمُتَجَانِسَةِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ ثُمَّ عَطْفُ غَيْرِهَا لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ هُنَا وُجُوبُ التَّرْتِيبِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ التَّنْبِيهُ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْجُلِ لِمَا أَنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي التَّوْشِيحِ وَأَبُو دَاوُد كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَيَمَّمَ فَبَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ» فَلَمَّا ثَبَتَ عَدَمُ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ ثَبَتَ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُونَ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَقَّبَ الْقِيَامَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْفَاءِ، وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَتَى وَجَبَ تَقْدِيمُ الْوَجْهِ تَعَيَّنَ التَّرْتِيبُ إذْ لَا قَائِلَ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْبَعْضِ وَمَا أَجَابُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْفَاءَ إنَّمَا تُفِيدُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ حَصَلَ لَهُ ذُهُولٌ وَاشْتِبَاهٌ فَاخْتَرَعَهُ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ» فَقَدْ اعْتَرَفَ النَّوَوِيُّ بِضَعْفِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَمَسَحَهَا وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ رِجْلَيْهِ» فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الِافْتِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمُدَّعِيهِ مُطَالَبٌ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْوِلَاءُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَهُوَ التَّتَابُعُ فِي الْأَفْعَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا جَفَافُ عُضْوٍ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ كَذَا فِي تَقْرِيرِ الْأَكْمَلِ وَغَيْرِهِ وَفِي السَّرَّاجِ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَالْبَدَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ بِأَنْ فَرَغَ مَاءُ الْوُضُوءِ أَوْ انْقَلَبَ الْإِنَاءُ فَذَهَبَ لِطَلَبِ الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَا إذَا فَرَّقَ فِي الْغَسْلِ وَالتَّيَمُّمِ. اهـ.
وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعُضْوَ الْأَوَّلَ إذَا جَفَّ بَعْدَمَا غَسَلَ الثَّانِيَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوِلَاءٍ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْوِلَاءَ غَسْلُ الْعُضْوِ الثَّانِي قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وِلَاءٌ، وَهُوَ الْأَوْلَى وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ تَجْفِيفُ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَلَاءِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْمِعْرَاجِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الْوَلَاءِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ إلَى جِنَازَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا إلَخْ) مُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ مَطْلُوبًا عِنْدَنَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ لِتَكُونَ عِبَادَةً مُجْمَعًا عَلَيْهَا لَكِنَّ تَقْيِيدَ الْمُتُونِ كَوْنُهُ بِمَاءِ الرَّأْسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ السُّنَّةُ وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُ مَاءٍ لِلرَّأْسِ فَكَذَا لِمَا كَانَ مِنْهُ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ ثُمَّ السُّنَّةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَكُونَ بِمَاءِ الرَّأْسِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ إلَخْ فَمَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ رِوَايَةٌ وَالْمُتُونُ وَالشُّرُوحُ عَلَى خِلَافِهَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّصِّ) أَيْ فِي الْآيَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْ التَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ اهـ.
فَإِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَتْنِ صَرَّحَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ) يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظَةِ الْأَوَّل وَالْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ أَوْ تَأْخِيرُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ.
الجزء 1 · صفحة 29
مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ اهـ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ حَسَنٌ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ بِحَضْرَةِ حَاضِرِي الْجِنَازَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَمُسْتَحَبُّهُ التَّيَامُنُ) أَيْ مُسْتَحَبُّ الْوُضُوءِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الشَّيْءُ الْمَحْبُوبُ ضِدُّ الْمَكْرُوهِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى وَالْمَنْدُوبُ مَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَتَرَكَهُ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَمَا جَعَلَهُ تَعْرِيفًا لِلْمُسْتَحَبِّ جَعَلَهُ فِي الْمُحِيطِ تَعْرِيفًا لِلْمَنْدُوبِ، فَالْأَوْلَى مَا عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ، وَأَنَّ مَا وَاظَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ سُنَّةٌ وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ مَا رَغَّبَ فِيهِ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَحُكْمُهُ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّيَامُنُ مُسْتَحَبًّا لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي طَهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ» والمحبوبية لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَحْبُوبَةٌ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى كُلِّهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَبَّةً بَلْ مَسْنُونَةً لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» وَغَيْرُ وَاحِدٍ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحُوا بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَذَلِكَ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَحْكُونَ وُضُوءَهُ الَّذِي هُوَ عَادَتُهُ فَيَكُونُ سُنَّةً وَبِمِثْلِهِ تَثْبُتُ سُنِّيَّةُ الِاسْتِيعَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَذَلِكَ حَكَوْا الْمَسْحَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ إلَّا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَتُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ وَالنَّدْبَ لَا السُّنِّيَّةَ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّيَامُنِ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي فَلَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْيُمْنَى فَضِيلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ تَبَعًا لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَمْسُوحِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِيهِ كَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا مَعًا أَسْهَلُ كَالْحَدَّيْنِ، وَلَيْسَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عُضْوَانِ لَا يُتَسَحَّبُ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا إلَّا الْأُذُنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ أَقْطَعَ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْيُمْنَى وَبِالْحَدِّ الْأَيْمَنِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
(قَوْلُهُ: وَمَسَحَ رَقَبَتَهُ) يَعْنِي بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ بِلَّتِهِمَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ بِدْعَةٌ وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ وَبِهِ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَدَبٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا مَسْحُ الْحُلْقُومِ فَبِدْعَةٌ وَاسْتَدَلَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ ظَاهِرَ رَقَبَتِهِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ» فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ حَصْرَ مُسْتَحَبِّهِ فِيمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ مُسْتَحَبَّاتٍ كَثِيرَةً وَعَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ بِمَنْدُوبَاتِهِ، وَقَدَّمْنَا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَاَلَّذِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ وَكَلَامِ النَّاسِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ لَا بَأْسَ بِصَبِّ الْخَادِمِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ وَالتَّمَسُّحُ بِخِرْقَةٍ يَمْسَحُ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ وَنَزْعُ خَاتَمٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيِّهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ وَكَوْنُ آنِيَتِهِ مِنْ خَزَفٍ وَأَنْ يَغْسِلَ عُرْوَةَ الْإِبْرِيقِ ثَلَاثًا وَوَضْعُهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَاءً يَغْتَرِفُ مِنْهُ فَعَنْ يَمِينِهِ
وَوَضْعُ يَدِهِ حَالَةَ الْغَسْلِ عَلَى عُرْوَتِهِ لَا رَأْسِهِ وَالتَّأْهِيلُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَتَعَاهُدِ مُوقَيْهِ وَمَا تَحْتَ الْخَاتَمِ وَالذِّكْرُ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى كُلِّهَا) يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظَةِ كُلِّهَا كَمَا وَقَعَ فِي النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْفَتْحِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى بَعْضِهَا فَيَكُونُ مَسْنُونًا لَا مُسْتَحَبًّا تَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ الشَّارِحُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا سَيَأْتِي فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّيَامُنِ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي) أَيْ الْعَادَةِ قَالَ فِي النَّهْرِ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَكِنَّ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ يُنَافِيهَا وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ.
أَيْ عَدَمُ اخْتِصَاصِ التَّيَامُنِ بِالْوُضُوءِ يُنَافِي كَوْنَهُ مِنْ سُنَنِهِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهُ كَمَا يُنْدَبُ لِغَيْرِهِ كَالتَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ قُلْت يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمُ اخْتِصَاصِ السِّوَاكِ وَالنِّيَّةِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إلَّا الْأُذُنَيْنِ) أَيْ وَالْخَدَّيْنِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَالْمَاءُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ فَفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْخَادِمِ وَالْمَاءُ مَفْعُولٌ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالتَّمَسُّحُ إلَخْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْإِسْرَافِ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَأَنْ لَا يَمْسَحَ أَعْضَاءَهُ بِالْخِرْقَةِ الَّتِي مَسَحَ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: وَنَزْعُ خَاتَمٍ) ذُكِرَ فِي الْفَتْحِ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ وَمِنْهَا اسْتِقَاءُ مَائِهِ بِنَفْسِهِ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ الَّتِي نُقِلَ عَنْهَا مَا بَيْنَ لَفْظَتَيْ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: وَالذِّكْرُ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ) ، وَهُوَ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ
الجزء 1 · صفحة 30
بِالْمَاءِ وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ وَالتَّأَنِّي وَالدَّلْكُ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ وَتَجَاوُزُ حُدُودِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِيَسْتَيْقِنَ غَسْلَهُمَا وَقَوْلُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ إلَخْ وَأَنْ يَشْرَبَ فَضْلَ وُضُوئِهِ مُسْتَقْبِلًا قَائِمًا قِيلَ، وَإِنْ شَاءَ قَاعِدًا وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِيبَهُ وَمِلْءُ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا وَحِفْظُ ثِيَابِهِ مِنْ التَّقَاطُرِ وَالِامْتِخَاطِ بِالشِّمَالِ عِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ وَيُكْرَهُ بِالْيَمِينِ وَكَذَا إلْقَاءُ الْبُزَاقِ فِي الْمَاءِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَبِالْمَاءِ الْمُشْمِسِ اهـ.
وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ وَقَدْ ذَكَرَ قَاضِي خان تَرْكَهُ مِنَّا السُّنَنِ وَلَعَلَّهُ الْأَوْجُهُ فَعَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا لَا يَكُونُ الْإِسْرَافُ مَكْرُوهًا وَعَلَى كَوْنِهِ سُنَّةً يَكُونُ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِكَرَاهَتِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَتَكُونُ تَحْرِيمِيَّةً وَقَدْ ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ آخِرًا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مِنْ الْإِسْرَافِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَاءَ نَهْرٍ أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ مَاءً مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ أَوْ يَتَوَضَّأُ حَرُمَتْ الزِّيَادَةُ وَالسَّرَفُ بِلَا خِلَافٍ وَمَاءُ الْمَدَارِسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي،
وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا أَطْلَقُوهُ هُنَا الثَّانِي أَنَّ تَرْكَ كَلَامِ النَّاسِ لَا يَكُونُ أَدَبًا إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ يُخَافُ فَوْتُهَا بِتَرْكِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ تَرْكُ الْأَدَبِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الثَّالِثُ أَنَّ التَّأَهُّبَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ صَاحِبِ الْعُذْرِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ الرَّابِعُ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّ لَطْمَ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ تَرْكُهُ سُنَّةً لَا أَدَبًا الْخَامِسُ أَنَّ ذِكْرَهُ الدَّلْكَ بَعْدَ ذِكْرِهِ إمْرَارَ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ الدَّلْكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ مَعَ الِاتِّكَاءِ السَّادِسُ أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّلْكَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا السَّابِعُ أَنَّهُ ذَكَرَ مِنْهَا مِلْءَ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوُضُوءُ مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ أَيْسَرُ مِنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْإِنَاءِ
الثَّامِنُ: أَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَا أَصْلَ لَهَا، وَاَلَّذِي ثَبَتَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي التَّوْشِيحِ التَّاسِعُ: أَنَّ مِنْهَا غَسْلَ مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ، الْعَاشِرُ: إنَّ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ إنَّمَا تُنْدَبُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مِنْهَا الْجَمْعَ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَفِعْلِ اللِّسَانِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ فِي الْمَوَاضِعِ النَّجِسَةِ؛ لِأَنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةً كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ الثَّالِثَ عَشَرَ: مِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِمُقَدَّمِهِ، وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَا تُرِحْنِي رَائِحَةَ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وَعِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا وَرَاءَ ظَهْرِي وَلَا تُحَاسِبْنِي حِسَابًا عَسِيرًا وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّ عَرْشِك وَعِنْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ اللَّهُمَّ اعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَتِجَارَتِي لَنْ تَبُورَ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا لَا يَكُونُ الْإِسْرَافُ مَكْرُوهًا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْجَنَائِزِ وَالشَّهَادَاتِ أَنْ مُرَجِّحَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الْمَنْدُوبِ آتٍ بِخِلَافِ الْأَوْلَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إذْ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ مَصْرُوفٌ إلَى التَّحْرِيمِ فَمَا فِي الْمُنْتَقَى مُوَافِقٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ وَبِهِ يَضْعُفُ جَعْلُهُ مَنْدُوبًا اهـ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إلَخْ عَائِدٌ إلَى الْإِسْرَافِ وَقَوْلُهُ فَمَا فِي الْمُنْتَقَى مُوَافِقٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ صَوَابُهُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى إذْ لَا ذِكْرَ لِلسِّرَاجِ لَا فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَالْخَامِسُ أَنَّ ذِكْرَهُ الدَّلْكَ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ إمْرَارُ الْيَدِ الْمَبْلُولَةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي لِلْمُتَوَضِّئِ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ بِالْمَاءِ شِبْهَ الدُّهْنِ ثُمَّ يُسِيلَ الْمَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الشِّتَاءِ اهـ.
لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالشِّتَاءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الثَّامِنُ أَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ طُرُقٍ قَالَ مُحَقِّقُ الشَّافِعِيَّةِ الرَّمْلِيُّ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 31
بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ الرَّابِعَ عَشَرَ: مِنْهَا إدْخَالُ خِنْصَرَيْهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مِنْهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ عُضْوٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجَسٍ مِنْهُ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ نَجَسٍ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ وَالنَّجَسُ بِفَتْحَتَيْنِ اصْطِلَاحًا عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ مَا لَا يَكُونُ طَاهِرًا وَفِي اللُّغَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ أَعَمُّ فَيَصِحُّ ضَبْطُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالنَّقْضُ فِي الْجِسْمِ فَكُّ تَأْلِيفِهِ وَفِي غَيْرِهِ إخْرَاجُهُ عَنْ إفَادَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ كَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوُضُوءِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ خُرُوجُ نَجَسٍ أَنَّ النَّاقِضَ خُرُوجُهُ لَا عَيْنُهُ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ الْخُرُوجَ عِلَّةُ الِانْتِقَاضِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى وَعَلَّلَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهَا نَاقِضَةً لَمَا حَصَلَتْ طَهَارَةٌ لِشَخْصٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ جِلْدَةٍ دَمًا لَكِنْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الظَّاهِرُ أَنَّ النَّاقِضَ النَّجَسُ الْخَارِجُ وَبَيَّنَهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ لِلنَّقْضِ وَالضِّدُّ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ ضِدِّهِ وَصِفَةُ النَّجَاسَةِ الرَّافِعَةُ لِلطَّهَارَةِ إنَّمَا هِيَ قَائِمَةٌ بِالْخَارِجِ، فَالْعِلَّةُ لِلنَّقْضِ هِيَ النَّجَاسَةُ بِشَرْطِ الْخُرُوجِ وَتَأَيَّدَ هَذَا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ «مَا الْحَدَثُ قَالَ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ»
فَالْعِلَّةُ النَّجَاسَةُ، وَالْخُرُوجُ عِلَّةُ الْعِلَّةِ، وَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا قَالُوا مِنْ لُزُومِ عَدَمِ حُصُولِ طَهَارَةٍ لِشَخْصٍ عَلَى تَقْدِيرِ إضَافَةِ النَّقْضِ إلَى النَّجَاسَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَمَلِ الْعِلَّةِ، وَلَا عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَشَمَلَ كَلَامُهُ جَمِيعَ النَّوَاقِضِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ، وَهُوَ قِسْمَانِ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَخَارِجٌ مِنْ غَيْرِهِمَا فَالْأَوَّلُ نَاقِضٌ مُطْلَقًا فَتَنْقُضُ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ وَالْفَرْجِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي السَّرَّاجِ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّ الدُّودَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ فَرْجِهَا عَلَى الْخِلَافِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ يَكُونُ الدُّودَةُ نَاقِضَةً أَنَّهَا نَجِسَةٌ لِتَوَلُّدِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ فِيهَا طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ النَّاقِضَ مَا عَلَيْهَا وَاخْتَارَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ فِي الْحَصَاةِ مُسَلَّمٌ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ الرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنْ الذَّكَرِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا اخْتِلَاجٌ، وَلَيْسَ بِرِيحٍ خَارِجَةٍ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ بِمُنْبَعِثَةٍ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَالرِّيحُ لَا يَنْقُضُ إلَّا لِذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرَةٌ حَتَّى لَوْ لَبِسَ سَرَاوِيلَ مُبْتَلَّةً أَوْ ابْتَلَّ مِنْ أَلْيَتَيْهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَخَرَجَ الرِّيحُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي بِسَرَاوِيلِهِ فَوَرَعٌ مِنْهُ كَذَا قَالُوا فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَدَخَلَ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي دُبُرِهِ وَلَمْ يُغَيِّبْهَا، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْبِلَّةُ وَالرَّائِحَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَذَا فِي شَرْحِ قَاضِي خان وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا غَيَّبَهُ نُقِضَ مُطْلَقًا، وَكَذَا الذُّبَابُ إذَا طَارَ وَدَخَلَ فِي الدُّبُرِ وَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ بِلَّةٍ لَا يَنْقُضُ وَكَذَا الْمِحْقَنَةُ إذَا أَدْخَلَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بِلَّةٌ لَا تَنْقُضُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَإِذَا أَقَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ثُمَّ عَادَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا احْتَقَنَ بِدُهْنٍ ثُمَّ عَادَ اهـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الثَّانِي اخْتَلَطَ الدُّهْنُ بِالنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْإِحْلِيلِ لِلْحَائِلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ النَّقْضِ قَوْلُهُ فَقَطْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ لَا يَنْقُضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالْإِحْلِيلُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَكُلُّ شَيْءٍ إذَا غَيَّبَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَوْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ دَاخِلًا مُطْلَقًا فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَكُلُّ شَيْءٍ إذَا أُدْخِلَ بَعْضُهُ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ مُطْلَقًا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ اهـ.
وَالْكُلِّيَّةُ الثَّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْبِلَّةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ احْتَشَتْ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ وَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [نَوَاقِض الْوُضُوء]
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ أَعَمُّ) اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِيهِ الظَّرْفَانِ الْمُرَادُ مَا هُوَ مُتَنَجِّسٌ كَالثَّوْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَلَكٍ وَحِينَئِذٍ ضَبْطُهُ بِالْفَتْحِ مُتَعَيِّنٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا خَرَجَ مُتَنَجِّسًا بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي بِهِ فَصَدَقَ عَلَيْهِ خُرُوجُ النَّجَسِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ بِالْفَتْحِ أَشْمَلُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى) أَيْ وَالْعِلَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى وَالْخُرُوجُ كَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى (قَوْلِهِ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَمَلِ الْعِلَّةِ وَلَا عِلَّةِ الْعِلَّةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ شَرْطًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَيْنَهَا ظَاهِرَةٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فَيُشْكَلُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ دُخُولِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ فِي كَلَامِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهَا نَجِسَةً لَكِنَّهَا مُتَنَجِّسَةٌ فَتَدْخُلُ فِيهِ سَوَاءٌ قُرِئَ قَوْلُهُ نَجِسٌ بِالْفَتْحِ أَوْ بِالْكَسْرِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لُغَةً فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ) ، وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَالْكُلِّيَّةُ الثَّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْبِلَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ فَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَلَا لِتَعَلُّقِهِ بِالدُّخُولِ فَقَطْ ثُمَّ فِي الْكُلِّيَّةِ الْأُولَى إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى إطْلَاقِهَا أَنْ تُحْكَمَ بِنَقِيضِ الْوُضُوءِ بِغَيْرِ خَارِجٍ نَجِسٍ إذَا خَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرَ مُبْتَلٍّ فَتَأَمَّلْ
الجزء 1 · صفحة 32
فَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ عَالِيَةً أَوْ مُحَاذِيَةً لِحَرْفِ الْفَرْجِ كَانَ حَدَثًا لِوُجُودِ الْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ مُتَسَلِّفَةً عَنْهُ لَا يُنْقَضُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ كَانَتْ احْتَشَتْ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَابْتَلَّ دَاخِلَ الْحَشْوِ انْتَقَضَ نَفَذَ وَلَمْ يَنْفُذْ فِي التَّبْيِينِ، وَإِنْ حَشَى إحْلِيلَهُ بِقُطْنَةٍ فَخَرَجَهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمَجْبُوبُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إمْسَاكِهِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَرْسَلَهُ، فَهُوَ بَوْلٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَسِلْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُنْثَى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ فَذَكَرُهُ كَالْجُرْحِ أَوْ رَجُلٌ فَفَرْجُهُ كَالْجُرْحِ وَيُنْقَضُ فِي الْآخِرِ بِالظُّهُورِ لَكِنْ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخُنْثَى يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مِنْ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا سَالَ أَوْ لَا تَبَيَّنَ حَالَةً أَوْ لَا وَفِي التَّوْشِيحِ يُؤْخَذُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ بِالْأَحْوَطِ، وَهُوَ النَّقْضُ، وَأَمَّا الْمُفْضَاةُ، وَهِيَ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا أَوْ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ بَوْلِهَا وَوَطْئِهَا وَاحِدًا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ مِنْ الرِّيحِ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَفْصٍ لِلِاحْتِيَاطِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الرِّيحِ كَوْنُهَا مِنْ الدُّبُرِ بَلْ لَا نِسْبَةً لِكَوْنِهَا مِنْ الْقُبُلِ بِهِ، فَيُفِيدُ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَقْرُبُ مِنْ الْيَقِينِ، وَهُوَ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ لَهُ حُكْمُ الْيَقِينِ، فَتَرْجُحُ الْوُجُوبُ اهـ.
لَكِنْ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فِيهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ النَّقْضِ بِالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْفَرْجِ، وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّبُرِ يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلَهَا حُكْمَانِ آخَرَانِ:
الْأَوَّلُ لَوْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَحْبَلْ لِاحْتِمَالِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ الثَّانِي وَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا جِمَاعُهَا إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ إتْيَانُهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّا بِهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ بِذَكَرِهِ شِقٌّ لَهُ رَأْسَانِ إحْدَاهُمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَاءٌ يَسِيلُ فِي مَجْرَى الذَّكَرِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ فَفِي الْأَوَّلِ يُنْقَضُ بِالظُّهُورِ وَفِي الثَّانِي بِالسَّيَلَانِ وَفِي التَّوْشِيحِ بَاسُورٌ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، فَإِنْ عَالَجَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ حَتَّى أَدْخَلَهُ تُنْقَضُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَزِقُ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ إلَّا إنْ عَطَسَ فَدَخَلَ بِنَفْسِهِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ الدُّبُرِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الدُّودَةِ فَدَخَلَتْ اهـ.
ثُمَّ الْخُرُوجُ فِي السَّبِيلَيْنِ يَتَحَقَّقُ بِالظُّهُورِ، فَلَوْ نَزَلَ الْبَوْلُ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ لَا يُنْقَضُ، وَإِلَى الْقُلْفَةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ.
وَأَجَابَ فِي الْغُسْلِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الْإِيصَالِ عَلَى الْجُنُبِ فَلَا إشْكَالَ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيصَالِ فِي الْغُسْلِ لِلْحَرَجِ لَا؛ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ، فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ وَاسْتَدَلُّوا لِكَوْنِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضًا مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ يُقْصَدُ لِلْحَاجَةِ فَالْمَجِيءُ مِنْهُ يَكُونُ لَازِمًا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَأُطْلِقَ اللَّازِمُ، وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنْهُ وَأُرِيدَ الْمَلْزُومُ، وَهُوَ الْحَدَثُ كِنَايَةً كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ
وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ اللَّازِمَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ وَالْمَلْزُومَ الْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ، وَإِذَا كَانَ كِنَايَةً عَنْ اللَّازِمِ فَالْحَمْلُ عَلَى أَعَمِّ اللَّوَازِمِ أَوْلَى أَخَذَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ نَاقِضًا مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ، فَكَانَ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى إرَادَةِ أَعَمِّ اللَّوَازِمِ لِلْمَجِيءِ وَالْخَارِجُ النَّجَسُ مُطْلَقًا لَيْسَ مِنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْغَائِطَ لَا يُقْصَدُ قَطُّ لِلرِّيحِ فَضْلًا عَنْ جُرْحِ إبْرَةٍ وَنَحْوِهِ فَالْأَوْلَى كَوْنُهُ فِيمَا يَحِلُّهُ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى الرِّيحِ بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِالْخَبَرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» اهـ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ فِي التَّبْيِينِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ هُوَ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فِيهَا) أَيْ تَرْجِيحُ الْوُجُوبِ فِي الْمُفْضَاةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهِيَ أَنَّهَا الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا وَكَذَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِذَكَرِهِ شَقٌّ) الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ جُرْحٌ بَدَلَ شَقٍّ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالْحَرَجِ أَنَّهُ فِيمَنْ لَا يُمْكِنُهُ فَسْخُهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَ فَلَا يَكُونُ مُنَافَاةً بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِالْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَكُونُ وُجُوبُ الْغَسْلِ مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ) بَيَانٌ لِعُمُومِ اللَّازِمِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ أَيْ لَا يُخَصُّ بِالْمُعْتَادِ
الجزء 1 · صفحة 33
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَشَايِخَ إنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِالْآيَةِ عَلَى مَالِكٍ فِي نَفْيِهِ نَاقِضِيَّةَ غَيْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَالْقِيَاسُ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، فَالْأَصْلُ الْخَارِجُ النَّجَسُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ وَالْفَرْعُ مَا خَرَجَ مِنْهُمَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَنَاقِضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَذَا قَالُوا وَمُرَادُهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَمَكَانٍ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْحُكْمَ بِالْأَعَمِّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّ مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ لَا تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَصْلًا بَلْ تُنْدَبُ لِمَا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ مَسْنُونَةٌ وَأَنَّ حَدَّهَا أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِمَنْخِرَيْهِ يَصْعَدُ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ نَقَضَ وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى صِمَاخِ الْأُذُنِ يَكُونُ حَدَثًا
وَفِي الصِّحَاحِ صِمَاخُ الْأُذُنِ خَرْقُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِكَوْنِهِ يُنْدَبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ وَكَذَا إذَا افْتَصَدَ وَخَرَجَ دَمٌ كَثِيرٌ وَسَالَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِكَوْنِهِ وَصَلَ إلَى ثَوْبٍ أَوْ مَكَان يَلْحَقُهُمَا حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ كَلَامَ كَثِيرٍ مِنْ الشَّارِحِينَ؛ وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ خَرَجَ مِنْ جُرْحٍ فِي الْعَيْنِ دَمٌ فَسَالَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهَا لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ حُكْمٌ هُوَ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ أَوْ نَدْبُهُ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْمُرَادُ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ وَقَوْلُ الْحَدَّادِيِّ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ لَا يَنْقُضُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا يُسَنُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ حِينَئِذٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْعِبَارَاتِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ نَقَضَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ النَّقْضِ إذَا وَصَلَ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْهُ لَا بِالْمَفْهُومِ، وَالصَّرِيحُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَشَايِخَ) تَعَقُّبٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ فَكَانَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إلَخْ حَيْثُ عَمَّ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا وَهْمٌ وَأَنَّى يُسْتَدَلُّ بِمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَقَدْ عَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا يَمْنَعُ هَذَا الِاسْتِخْرَاجَ فَقَالَ مَا لَفْظُهُ لَوْ نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَلَمْ يَظْهَرْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ وَصَلَ، فَإِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ اهـ.
وَقَدْ أَفْصَحُ هَذَا التَّعْلِيلُ عَنْ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْقَصَبَةِ مَا لَانَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ لَوْ نَزَلَ الدَّمُ مِنْ الْأَنْفِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَحَمْلُ الْوُجُوبِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الثُّبُوتِ مِمَّا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالصِّمَاخِ الْخِرَقُ الَّذِي يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَهُمْ مُنَافٍ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ أَنَّ مُلَاحَظَتَهَا فِي الْمُجَاوَزَةِ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان يَقْتَضِي أَنَّ الدَّمَ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يُنْدَبُ تَطْهِيرُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَضَ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْرَفْ فِي فُرُوعِهِمْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ تَنَبُّهِهَا بَلْ الْمُرَادُ بِالتَّجَاوُزِ السَّيَلَانُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ.
وَأَقُولُ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِنْشَاقِ فَرْضٌ وَأَنْ يَبْقَى أَوَّلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّقْضَ بِالْوُصُولِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوُصُولِ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ قَوْلُ زُفَرَ وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ لِبَيَانِ الِاتِّفَاقِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ مُلَاحَظَتَهَا فِي الْمُجَاوَزَةِ إلَخْ مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَضْلًا عَنْ اقْتِضَائِهِ مَا ذَكَرَهُ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّجَاوُزِ السَّيَلَانُ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي آخَرِ كَلَامِهِ وَالْمُرَادُ بِالْوُصُولِ الْمَذْكُورِ سَيَلَانُهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا وَهْمَ فِي كَلَامِهِ وَأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُنَافِي تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الثُّبُوتِ فَتَدَبَّرْ مُنْصِفًا
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ) أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْ إلَى مَحَلِّ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لَيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ السَّابِقِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ سَالَ إلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَبَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ مَثَلًا أَوْ عَذِرَةٍ أَوْ غَيْرِهِ ذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَكَانَ الظَّاهِرُ إبْدَالَ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَنَاقِضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَصِلَ إلَخْ بِقَوْلِنَا بِشَرْطِ أَنْ يَسِيلَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ أَوْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ مِنْ الْبَدَنِ فَيَدْخُلُ فِي شَرْطِ السَّيَلَانِ ظَاهِرُ الْبَدَنِ مَسْأَلَةُ الِافْتِصَادِ حَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ وَمَسْأَلَةُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ مِمَّا سَالَ دَاخِلَهُ تَدْخُلُ فِي قَوْلِنَا أَوْ يَصِلَ إلَخْ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ أَيْ إلَى الْمَارِنِ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، فَإِنْ قُلْت لِمَ قُيِّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ مَسْطُورَةٌ فِي الْكُتُبِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الدَّمَ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يَنْزِلَ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْقَيْدِ إذَنْ سِوَى التَّكْرَارِ بِلَا فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ عُلِمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ قُلْت بَيَانًا لِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يَنْزِلْ الدَّمُ إلَى مَا لَانَ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 34
وَالْمُرَادُ بِالْوُصُولِ الْمَذْكُورِ سَيَلَانُهُ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ فَفِي الْمُحِيطِ حَدُّهُ أَنْ يَعْلُوَ وَيَنْحَدِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا انْتَفَخَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ، وَصَارَ أَكْبَرَ مِنْ رَأْسِهِ نَقَضَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ
وَفِي الدِّرَايَةِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَصَحَّ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَوَرَّمَ رَأْسُ الْجُرْحِ فَظَهَرَ بِهِ قَيْحٌ وَنَحْوُهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْوَرَمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ الْوَرَمِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ ثُمَّ الْجُرْحُ وَالنَّفْطَةُ وَمَاءُ السُّرَّةِ وَالثَّدْيِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ إذَا كَانَ لِعِلَّةٍ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ مَاءَ النَّفْطَةِ لَا يَنْقُضُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ لِمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ جُدَرِيٌّ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي التَّبْيِينِ وَالْقَيْحُ الْخَارِجُ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الصَّدِيدُ إنْ كَانَ بِدُونِ الْوَجَعِ لَا يَنْقُضُ، وَمَعَ الْوَجَعِ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجُرْحِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا يَنْقُضُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ وَجَعٍ أَوْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ إلَّا عَنْ عِلَّةٍ نَعَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مَاءً لَيْسَ غَيْرُ وَفِيهِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ يَسِيلُ مِنْهُمَا الدُّمُوعُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَدِيدًا أَوْ قَيْحًا اهـ
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ نَعَمْ إذَا عُلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ بِعَلَامَاتٍ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي الْجُرْحِ فَأَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَكَلَهُ الذُّبَابُ فَازْدَادَ فِي مَكَانِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَزِيدُ وَيَسِيلُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِنَفْسِهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ تُرَابٌ أَوْ رَمَادٌ ثُمَّ ظَهَرَ ثَانِيًا وَتَرَّبَهُ ثُمَّ وَثُمَّ فَهُوَ كَذَلِكَ يَجْمَعُ كُلَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى أَمَّا إذَا كَانَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَجْمَعُ، وَلَوْ رَبَطَ الْجُرْحَ فَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى ضَاقَ لَا إلَى الْخَارِجِ نَقَضَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَجِبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَنْفِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ قَبْلَ ذَلِكَ. اهـ.
وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَزْيِيفِ صَاحِبِ النَّهْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ التَّوْفِيقِ
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الدِّرَايَةِ وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَوْلَى اهـ.
وَالْأَوَّلُ فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الدِّرَايَةِ قَوْلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ثَانِيًا ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالنَّفِطَةُ) هِيَ الْقُرْحَةُ الَّتِي امْتَلَأَتْ وَحَانَ قَشْرُهَا، وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ انْتَفَطَ فُلَانٌ إذَا امْتَلَأَ غَضَبًا قَالَ فِي الْجَمْهَرَةِ تَنَفَّطَتْ يَدُ الرَّجُلِ إذَا رَقَّ جِلْدُهَا مِنْ الْعَمَلِ وَصَارَ فِيهَا كَالْمَاءِ وَالْكَفُّ نَفِيطَةٌ وَمَنْفُوطَةٌ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ أَيْضًا بَعْدَهُ هَذَا أَيْ النَّقْضُ إذَا كَانَتْ النَّفِطَةُ أَصْلُهَا دَمًا وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الِابْتِدَاءِ مَاءً (قَوْلُهُ: نَعَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ فُرُوعٍ كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَنْضَحُ فَيَصِيرُ صَدِيدًا (قَوْلُهُ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ إلَخْ) رَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ رَاجِحٌ وَبِأَنَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ وَكَذَا فِي الْمُجْتَبَى قَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَذَلِكَ يَجْمَعُ كُلَّهُ) أَقُولُ: التَّشْبِيهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَلْ النَّظَرُ فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَسَالَ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْخَارِجَ إذَا تُرِكَ رُبَّمَا لَا يَسِيل لِانْسِدَادِ الْمَخْرَجِ بِمَا خَرَجَ فَإِذَا مَسَحَهُ وَخَرَجَ غَيْرُهُ مِمَّا لَا يَسِيلُ وَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَسْمُوحَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إذَا جُمِعَ رُبَّمَا يَكُونُ سَائِلًا
وَأَمَّا هَذَا فَيَقْتَضِي النَّقْضُ بِذَلِكَ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ ظَاهِرَةٌ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا أَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا حَيْثُ يَجْمَعُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ هُوَ النَّظَرُ فِيهِ لَوْ تُرِكَ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة يَجْمَعُ جَمِيعَ مَا نَشَفَ فَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ سَالَ جُعِلَ حَدَثًا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رُبِطَ الْجُرْحُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ) أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْ هَذَا حُكْمُ مَاءِ الْحِمَّصَةِ لَوْ نَفَذَ إلَى الرِّبَاطِ وَيُقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْفَتْحِ فَالْحُكْمُ فِيهَا مَعَ السَّيَلَانِ وَعَدَمِهِ فَمَا لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ السَّيَلَانِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي مَحَالٍّ كَثِيرَةٍ لَا يُنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ لَا يَصِلُ مِنْهُ إلَيْهِ إلَّا بَلَلٌ غَيْرُ سَائِلٍ، وَهُوَ طَاهِرٌ وَكَذَا بَاقِي الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَ مَائِعًا لَا يُنَجِّسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَكَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ فِيهَا رِسَالَةٌ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ حَاصِلِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ سَرْدِ النُّقُولِ فَبِهَذَا عَلِمْت أَنَّ مَاءَ الْحِمَّصَةِ الَّذِي لَا يَسِيلُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ طَاهِرٌ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا الْخِرْقَةَ الْمَوْضُوعَةَ عَلَيْهِ وَلَا الْمَاءَ إذَا أَصَابَهُ فَلَوْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ السَّيَلَانِ بِنَفْسِهِ يَكُونُ ذَلِكَ السَّائِلُ الْخَارِجُ نَجِسًا نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ
وَيَلْزَمُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ الصَّلَاةُ حَالَ سَيَلَانِهِ، فَإِنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ نَجِسٌ وَلَا يَصِيرُ بِهِ صَاحِبَ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ عُذْرِهِ وَلَوْ بِالرَّبْطِ وَالْحَشْوِ الَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ النَّجَسِ وَصَاحِبُ الْحِمَّصَةِ الَّتِي يَسِيلُ الْخَارِجُ مِنْهَا بِوَضْعِهَا إذَا تَرَكَ الْوَضْعَ لَا يَبْقَى بِالْمَحِلِّ شَيْءٌ يَسِيلُ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ طَهَارَةٌ وَلَا صِحَّةُ صَلَاةٍ حِينَئِذٍ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَنْعِ بِتَرْكِ الْوَضْعِ فَلَا يَبْقَى مُخَلِّصٌ مَعَ الْوَضْعِ وَالسَّيَلَانِ إلَّا بِالتَّقْلِيدِ مَعَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ فِي مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ احْتِرَازًا عَنْ التَّفْلِيقِ الْبَاطِلِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
الجزء 1 · صفحة 35
أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْلَا الرِّبَاطُ سَالَ؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ لَوْ تَرَدَّدَ عَلَى الْجُرْحِ فَابْتَلَّ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَفِي الْمُحِيطِ مَصَّ الْقُرَادَ فَامْتَلَأَ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَنْقُضُ كَمَا لَوْ مَصَّ الذُّبَابَ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا نَقَضَ كَمَصِّ الْعَلَقَةِ اهـ.
وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الدَّمَ فِي الْكَبِيرِ يَكُونُ سَائِلًا قَالُوا وَلَا يَنْقُضُ مَا ظَهَرَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَرْتَقْ كَالنَّفْطَةِ إذَا قُشِّرَتْ وَلَا مَا ارْتَقَى عَنْ مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَسِلْ كَالدَّمِ الْمُرْتَقِي مِنْ مَغْرِزِ الْإِبْرَةِ.
وَالْحَاصِلُ فِي الْخِلَالِ مِنْ الْأَسْنَانِ، وَفِي الْخُبْزِ مِنْ الْعَضِّ وَفِي الْإِصْبَعِ مِنْ إدْخَالِهِ فِي الْأَنْفِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ اسْتَنْثَرَ فَسَقَطَتْ مِنْ أَنْفِهِ كُتْلَةُ دَمٍ لَمْ تَنْقُضْ وُضُوءَهُ، وَإِنْ قُطِرَتْ قَطْرَةُ دَمٍ انْتَقَضَ اهـ.
وَأَمَّا مَا سَالَ بِعَصْرٍ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْصَرْ لَمْ يَسِلْ قَالُوا لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَرَّجٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْقُضُ، وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْكَافِي؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ يَظْهَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِهِ، فَصَارَ كَالْفَصْدِ كَيْفَ وَجَمِيعُ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ يُفِيدُ تَعْلِيقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمُخْرَجِ اهـ.
وَضَعَّفَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْإِخْرَاجَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ فَكَانَ ثُبُوتُهُ غَيْرَ قَصْدِيٍّ وَلَا مُعْتَبَرٍ بِهِ اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَحَادِيثَ ضَعَّفَهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ وَالْقِيَاسُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ اسْتَحَاضَ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدْعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرْت فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ» قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَمَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ دُفِعَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى مُشَاكَلَةِ الْأَوَّلِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِنْ قَائِلِ الْأَوَّلِ فَكَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ وَكُلُّ الدِّمَاءِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَبَيَانُهُ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ شَرْعًا، وَقَدْ عُقِلَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَنَّ زَوَالَ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ إذَا لَمْ يَظْهَرُ لِكَوْنِهِ مِنْ خُصُوصِ السَّبِيلَيْنِ تَأْثِيرٌ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا وَفِيهِ الْمَنَاطُ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ، فَالْأَصْلُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَحُكْمُهُ زَوَالُ الطَّهَارَةِ وَعِلَّتُهُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ الْبَدَنِ وَخُصُوصُ الْمَحَلِّ مُلْغًى وَالْفَرْعُ الْخَارِجُ النَّجِسُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِيهِ الْمَنَاطُ فَيَتَعَدَّى إلَيْهِ زَوَالُ الطَّهَارَةِ الَّتِي مُوجِبُهَا الْوُضُوءُ فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ هَذَا الْقِيَاسِ ثُبُوتُ زَوَالِ طَهَارَةِ الْوُضُوءِ، وَإِذَا صَارَ زَائِلَ الطَّهَارَةِ فَعِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ خِطَابُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ
وَإِذَا صَارَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَخُرُوجِهَا مِنْ السَّبِيلَيْنِ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا اشْتَرَطْتُمْ فِي الْفَرْعِ السَّيَلَانَ أَوْ مِلْءَ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الْأَصْلِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْضَ بِالْخُرُوجِ وَحَقِيقَتُهُ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَذَلِكَ بِالظُّهُورِ فِي السَّبِيلَيْنِ يَتَحَقَّقُ وَفِي غَيْرِهِمَا بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ؛ لِأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا، فَتَكُونُ بَادِيَةً لَا خَارِجَةً وَالْفَمُ ظَاهِرٌ مِنْ وَجْهٍ بَاطِنٌ مِنْ وَجْهٍ فَاعْتُبِرَ ظَاهِرًا فِي مِلْءِ الْفَمِ بَاطِنًا فِيمَا دُونَهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ قَيْءٌ مَلَأَ فَمَ الْمُتَوَضِّئِ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ لِمُخَالَفَتِهِ فِي حَدِّ الْخُرُوجِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْرِدْ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْخَارِجِ مِنْهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَضَعَّفَهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَخْ) أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَنْك أَنَّ تَضْعِيفَ الْعِنَايَةِ لَا يُصَادِمُ قَوْلَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي حَاشِيَةِ أَخِي زَادَهْ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ قَوْلُهُ إذَا عَصَرَ الْقُرْحَةَ قَبْلَ عَدَمِ النَّقْضِ هَا هُنَا عَلَى اخْتِيَارِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْهِدَايَةِ وَذَهَبَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالسَّرَخْسِيِّ إلَى أَنَّ الْمَخْرَجَ نَاقِضٌ كَالْخَارِجِ قِيَاسًا عَلَى الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَمَصِّ الْعَلَقَةِ
وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الرِّفْقُ بِالنَّاسِ فِي الْأَوَّلِ وَتَحْقِيقُهُ عِنْدِي أَنَّ الْخُرُوجَ لَازِمُ الْإِخْرَاجِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَلْزُومِ فَيَحْصُلُ النَّاقِضُ حِينَئِذٍ لَا مَحَالَةَ فَافْهَمْ اهـ كَلَامُهُ.
وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ هِيَ الْخُرُوجُ بِالطَّبْعِ وَالسَّيَلَانِ وَقَدْ انْتَفَى وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا يَخْرُجُ الدَّمُ بَعْدَ قَطْعِ الْجِلْدَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَصَّ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسِيلُ الدَّمُ بَعْدَ سُقُوطِ الْعَلَقَةِ لَا يَنْقُضُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْخُرُوجِ هِيَ الْعَصْرُ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ شَقَّ زِقِّ الْغَيْرِ ثُمَّ عَصْرَهُ وَالْمَصُّ يُشْبِهُ شَقَّهُ ثُمَّ تَرْكَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت لَمْ يُعْجِزْك رَدُّ مَا أَتَى بِهِ فَتَأَمَّلْ قَالَهُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: أَيْ لَمْ يُعْجِزْك رَدُّ مَا وَجَّهَ بِهِ أَخِي زَادَهْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ مَنْعَ قَوْلِهِ إنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ هِيَ الْخُرُوجُ بِالطَّبْعِ وَالسَّيَلَانِ بَلْ الْعِلَّةُ هِيَ كَوْنُهُ خَارِجًا نَجَسًا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ تُفِيدُ تَعْلِيقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَخْرَجِ.
الجزء 1 · صفحة 36
كَمَا فِي الْوَافِي لِمَا أَنَّ السَّيَلَانَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْخُرُوجِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِخِلَافِ مِلْءِ الْفَمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ لِمَذْهَبِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ مِلْءِ الْفَمِ فَصُحِّحَ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَا لَا يُمْكِنْ إمْسَاكُهُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَصُحِّحَ فِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّجَسَ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَيْءَ لَيْسَ إلَّا مِنْ قَعْرِ الْمَعِدَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَصْحِبٌ لِلْجِنْسِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ فَلَا يَسْتَصْحِبُهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْفَمِ بُطُونًا مُعْتَبَرًا شَرْعًا حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ الصَّائِمُ رِيقَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ فِي الْجَوْفِ وَظُهُورًا حَتَّى لَا يَفْسُدَ الصَّوْمُ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ فِيهِ فَرَاعَيْنَا الشَّبَهَيْنِ فَلَا يَنْقُضُ الْقَلِيلُ مُلَاحَظَةً لِلْبُطُونِ، وَيَنْقُضُ الْكَثِيرُ لِلْآخَرِ الْخُرُوجُ النَّجَسِ ظَاهِرًا
(قَوْلُهُ:، وَلَوْ مُرَّةً أَوْ عَلَقًا أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً) بَيَانٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ، وَالْعَلَقُ مَا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ وَجَمُدَ أُطْلِقَ فِي الطَّعَامِ وَالْمَاءِ قَالَ الْحَسَنُ إذَا تَنَاوَلَ طَعَامًا أَوْ مَاءً ثُمَّ قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَحِلْ وَإِنَّمَا اتَّصَلَ بِهِ قَلِيلُ الْقَيْءِ فَلَا يَكُونُ حَدَثًا فَلَا يَكُونُ نَجَسًا وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا ارْتَضَعَ وَقَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ مَا إذَا وَصَلَ إلَى مَعِدَتِهِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ أَمَّا لَوْ قَاءَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَهُوَ فِي الْمَرِيءِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ قَاءَ دُودًا كَثِيرًا أَوْ حَيَّةً مَلَأَتْ فَاهُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مَنْ حَكَمَ بِنَجَاسَةِ الدُّودِ أَنْ يَنْقُضَ إذَا مَلَأَ الْفَمَ
(قَوْلُهُ: لَا بَلْغَمًا) عُطِفَ عَلَى مُرَّةٍ أَيْ لَا يَنْقُضُهُ بَلْغَمٌ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْجَوْفِ مَلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا مَخْلُوطًا بِطَعَامٍ أَوْ لَا إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ مِلْءَ الْفَمِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ إنْ مَلَأَ الْفَمَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فِي الْمَعِدَةِ بِالْمُجَاوَرَةِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ صَقِيلٌ لَا يَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، فَصَارَ كَالْبُزَاقِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْقَيْءِ قَلِيلٌ وَلَا يَرِدُ مَا إذَا وَقَعَ الْبَلْغَمُ فِي النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ وَأَمَّا إذَا انْفَصَلَ قَلَّتْ ثَخَانَتُهُ وَازْدَادَتْ رِقَّتُهُ فَقَبِلَهَا هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْبَلْغَمَ لَيْسَ نَجِسًا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُ أَبُو يُوسُفَ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَهُمَا حَكَمَا بِطَهَارَتِهِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْمَعِدَةِ فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْبَلْغَمَ نَجِسٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ حَتَّى قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ مَنْ صَلَّى وَمَعَهُ خِرْقَةُ الْمُخَاطِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَوَى النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ وَالْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ، وَقَدْ قَالُوا لَا خِلَافَ فِي طَهَارَةِ الْأَوَّلِ وَانْدَفَعَ بِهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ بِأَنَّ جَوَابَ أَبِي يُوسُفَ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَأَنَّهُ حَدَثٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَجَوَابُهُمَا فِي الصَّاعِدِ مِنْ حَوَاشِي الْخَلْقِ وَأَطْرَافِ الرِّئَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ صَافِيًا غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِالطَّعَامِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَصْعَدْ مِنْ الْمَعِدَةِ فَلَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوطًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَعِدَ مِنْهَا، فَيَكُونُ حَدَثًا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّ الْبَلْغَمَ إذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ مَلَأَ الْفَمَ
أَمَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ مَغْلُوبًا فَلَا يَنْقُضُ مَعَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مِنْ الْمَعِدَةِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَإِنْ اسْتَوَيَا لَا يَنْقُضُ وَفِي صَلَاةِ الْمُحْسِنِ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ، وَلَوْ اسْتَوَيَا يُعْتَبَرُ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَجْزُ هَذَا أَوْلَى مِنْ عَجْزِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خان الْخِلَافُ فِي الْبَلْغَمِ، وَهُوَ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا مُتَجَمِّدًا أَمَّا الْبُزَاقُ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ مُتَجَمِّدًا فَلَا يَنْقُضُ بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ يَعْقُوبُ بَاشَا أَنَّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْبَلْغَمِ مِنْ الْقَيْءِ قَلِيلٌ، وَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِضَ الْوُضُوءُ بِقَيْءِ الْبَلْغَمِ إذَا تَكَرَّرَ جِدًّا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَوْ السَّبَبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ) أَقُولُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِمُخَالَطَتِهِ النَّجَاسَةَ وَتَدَاخُلِهَا فِيهِ بِخِلَافِ الْبَلْغَمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَا قِيلَ إنَّ السَّوْدَاءَ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهَا تُعَدُّ مِنْ الْأَخْلَاطِ لَا مِنْ الطَّبَائِعِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ قَالُوا الْأَخْلَاطُ أَرْبَعَةٌ الدَّمُ وَالْمَرَّةُ السَّوْدَاءُ وَالْمَرَّةُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ فَطَبْعُ الْأَوَّلِ حَارٌّ رَطْبٌ وَالثَّانِي بَارِدٌ يَابِسُ وَالثَّالِثُ حَارٌّ يَابِسٌ وَالرَّابِعُ بَارِدٌ رَطْبٌ فَعُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ طَبْعًا لَا أَنَّ ذَاتَه طَبْعٌ اهـ.
فَمَا ذَكَرَهُ فِي السَّوْدَاءِ يَجْرِي فِي الْبَلْغَمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْقُضُ رَاجِعٌ إلَى الْبَلْغَمِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا يَكُونُ النَّاقِضُ هُوَ الطَّعَامَ لَا الْبَلْغَمَ وَعِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنْ قَاءَ طَعَامًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مُخْتَلِطًا بِالْبَلْغَمِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّعَامِ وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ انْفَرَدَ الطَّعَامُ بِنَفْسِهِ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ نَقَضَ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْبَلْغَمِ، وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ انْفَرَدَ الْبَلْغَمُ بَلَغَ مِلْءَ الْفَمِ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ اهـ. أَيْ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَهُمَا.
الجزء 1 · صفحة 37
وَيَبْلُغُ بِالْجَمْعِ حَدَّ الْكَثْرَةِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ الظَّاهِرُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْمَعُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَهَلَكٍ أَمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلَكًا فَلَا وَصَرَّحُوا فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ أَنَّ نَجَاسَةَ الْقَيْءِ مُغَلَّظَةٌ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَاءَ طَعَامًا أَوْ مَاءً فَأَصَابَ إنْسَانًا شِبْرًا فِي شِبْرٍ لَا يَمْنَعُ، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ. اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُخَفَّفَةٌ وَحَمَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى مَا إذَا قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ وَأَلْحَقُوا بِالْقَيْءِ مَاءَ فَمِ النَّائِمِ إذَا صَعَدَ مِنْ الْجَوْفِ بِأَنْ كَانَ أَصْفَرَ أَوْ مُنْتِنًا، وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي نَصْرٍ وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ طَهَارَتَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَجِسٌ، وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ فَظَاهِرٌ اتِّفَاقًا وَفِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَيْفَمَا كَانَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ دَمًا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ) مَعْطُوفًا عَلَى الْبَلْغَمِ أَيْ لَا يُنْتَقَضُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَمِ الْمَغْلُوبُ بِالْبُصَاقِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ كُلَّهُ بُزَاقٌ قُيِّدَ بِغَلَبَةِ الْبُزَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَغْلُوبًا وَالدَّمُ غَالِبٌ نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ اسْتَوَيَا نَقَضَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ سَيَلَانِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ أَسَالَهُ غَيْرُهُ فَوُجِدَ الْحَدَثُ مِنْ وَجْهٍ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْوُجُودِ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الشَّكِّ وَلَا عِبْرَةَ لَهُ مَعَ الْيَقِينِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالُوا عَلَامَةُ كَوْنِ الدَّمِ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا أَنْ يَكُونَ أَحْمَرَ وَعَلَامَةُ كَوْنِهِ مَغْلُوبًا أَنْ يَكُونَ أَصْفَرَ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ خَارِجًا مِنْ الْفَمِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَاعِدًا مِنْ الْجَوْفِ مَائِعًا غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِشَيْءٍ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْقُضُ إنْ مَلَأَ الْفَمَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلَهُمَا قَالَ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ مُحَمَّدٌ وَكَذَا فِي السَّرَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْوَجِيزِ، وَلَوْ كَانَ مَائِعًا نَازِلًا مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا، وَلَوْ كَانَ عَلَقًا مُتَجَمِّدًا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ
وَأَمَّا الصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلَطِ بِالْبُزَاقِ فَحُكْمُهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ الْمُخْتَلِطِ بِالْبُزَاقِ لَا فَرْقَ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْبُزَاقِ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْفَمِ أَوْ الْجَوْفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِينَ كَصَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَجَامِعِ قَاضِي خان وَالْكَافِي وَالْيَنَابِيعِ وَالْمُضْمَرَاتِ وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَنَقَلَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجُمَعِ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ إذَا غَلَبَهُ الْبُزَاقُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطَ بِالْبُزَاقِ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى الْمُخْتَارِ وَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَيَبْلُغُ بِالْجَمْعِ حَدَّ الْكَثْرَةِ) أَيْ يَبْلُغُ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْقَيْءِ حَدَّهَا (قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) عِبَارَتُهُ هَكَذَا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إذَا فَحُشَ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُ الْمُتَّصِلِ بِهِ الْقَدْرُ الْمَانِعُ، وَبِمَا دُونَهُ مَا دُونَهُ انْتَهَتْ فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ اتِّصَالِ الْقَدْرِ الْمَانِعِ، وَهُوَ مِلْءُ الْفَمِ فَلَا وَجْهَ لِلرَّدِّ وَالتَّخْطِئَةِ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ بِأَنَّ النَّجِسَ إذَا اتَّصَلَ بِالطَّاهِرِ يَصِيرُ نَجِسًا اهـ.
أَيْ بِخِلَافِ الْبَلْغَمِ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لِلُزُوجَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ كَمَا مَرَّ؛ فَلِذَا اُعْتُبِرَ مِلْءُ الْفَمِ فِيمَا خَالَطَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَقًا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الصَّاعِدِ مِنْ الْجَوْفِ فَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ مَائِعًا الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ صَاعِدًا مِنْ الْجَوْفِ مَائِعًا أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَقًا نَازِلًا مِنْ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ دَمًا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَاءَ دَمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْجَوْفِ سَائِلًا أَوْ عَلَقًا فَالسَّائِلُ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ يَنْقُضُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَلَّ وَالصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ كَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ مَلَأَ الْفَمَ وَالْعَلَقُ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ الصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَمْلَأَ الْفَمَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ إلَخْ) اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ بِمَا مَعْنَاهُ لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ بَلْ ذَكَرَ الدَّمَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ الِاخْتِلَاطِ اهـ.
وَأَقُولُ: قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ قَاءَ دَمًا إنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ عَلَقًا يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ احْتَرَقَتْ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا نَقَضَ، وَإِنْ قَلَّ ثُمَّ قَالَ فِيمَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ اهـ.
فَذَكَرَ حُكْمَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُزَاقُ ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ
فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ إلَخْ فَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ خَرَجَ يَعْنِي الدَّمُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ غَلَبَ الْبُزَاقُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ إلَخْ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَ تَفَاصِيلَهُ الدَّمَ لَا بِهَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ تَفَاصِيلَهُ مَا إذَا كَانَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا مَلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا وَاَلَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُزَاقُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِلْءَ الْفَمِ فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَلِيلِ مَا لَا يَمْلَأُ الْفَمَ وَبِالْكَثِيرِ مَا يَمْلَؤُهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْجَوْفِ لَا يُخَالِطُهُ الْبُزَاقُ إلَّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْفَمِ؛ لِأَنَّ الْبُزَاقَ
الجزء 1 · صفحة 38
يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْقُولَ مَعَ عَدَمِ تَعَقُّلِ فَرْقٍ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ وَالْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطَيْنِ بِالْبُزَاقِ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا ذَكَرُوا هُنَا أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَعِدَةِ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَالدَّمِ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَمَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَعِدَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُصُولَ الطَّعَامِ إلَيْهَا مِنْهُ فَكَانَ مِنْهَا لِاتِّصَالِهِ بِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا فِي حَقِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إذَا كَانَ قَلِيلًا بِخِلَافِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِهِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حُكْمِ الدَّمِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الطَّاهِرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْبُزَاقِ عُرُوقُ الدَّمِ فَهُوَ عَفْوٌ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِنْ اسْتَعَطَ فَخَرَجَ السَّعُوطُ إلَى الْفَمِ إنْ مَلَأَ الْفَمَ نَقَضَ
وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ لَا يَنْقُضُ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ، وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يَصِلْ إلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ خِلَافٌ فِي النَّقْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَوَجْهُهُ الْقَوْلُ بِالنَّقْضِ بِمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ: عَلَامَةُ كَوْنِهِ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَالتَّغَيُّرُ أَنْ يَسْتَحِيلَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَحِينَئِذٍ يَكُون نَجِسًا وَالْبُزَاقُ بِالزَّايِ وَالسِّينِ وَالصَّادِ لُغَاتٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الصَّوْمِ كَحُكْمِ الْوُضُوءِ هُنَا حَتَّى إذَا ابْتَلَعَ الْبُصَاقَ وَفِيهِ دَمٌ إنْ كَانَ الدَّمُ غَالِبًا أَوْ كَانَا سَوَاءً أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَالسَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَهُ) أَيْ مُتَفَرِّقَ الْقَيْءِ وَصُورَتُهُ لَوْ قَاءَ مِرَارًا كُلُّ مَرَّةٍ دُونَ مَلْءِ الْفَمِ، وَلَوْ جَمَعَ مَلَأَ الْفَمَ يُجْمَعُ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ اتَّحَدَ السَّبَبُ، وَهُوَ الْغَثَيَانُ، وَهُوَ مَصْدَرُ غَثَتْ نَفْسُهُ إذَا جَاشَتْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ لَا يُجْمَعُ وَتَفْسِيرُ اتِّحَادِهِ أَنْ يَقِيءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ مِنْ الْغَثَيَانِ وَإِنْ قَاءَ ثَانِيًا بَعْدَ سُكُونِ النَّفْسِ كَانَ مُخْتَلِفًا، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْمَعُ إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ يَعْنِي اتِّحَادَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ؛ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ؛ وَلِهَذَا تَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ الْمُتَفَرِّقَةُ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَكَذَلِكَ التِّلَاوَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ لِآيَةِ السَّجْدَةِ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَلِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ ثُبُوتِ السَّبَبِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ وَمَاتَ مِنْهَا قَبْلَ الْبُرْءِ يَتَّحِدُ الْمُوجِبُ، وَإِنْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ اخْتَلَفَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي:
وَالْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلضِّرْوَةِ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ السَّبَبُ لَانْتَفَى التَّدَاخُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تِلَاوَةٍ سَبَبٌ وَفِي الْأَقَارِيرِ اُعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ لِلْعُرْفِ وَفِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
لِدَفْعِ الضَّرَرِ
اهـ.
ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَتَّحِدَ السَّبَبُ وَالْمَجْلِسُ أَوْ يَتَعَدَّدَ أَوْ يَتَّحِدَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَفِي الْأَوَّلِ يُجْمَعُ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِي لَا يُجْمَعُ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّالِثِ يُجْمَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفِي الرَّابِعِ يُجْمَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ نَقَلُوا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مَسْأَلَةً اعْتَبَرَ فِيهَا مُحَمَّدٌ الْمَجْلِسَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ السَّبَبَ، وَهِيَ رَجُلٌ نَزَعَ خَاتَمًا مِنْ إصْبَعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهَا إنْ أَعَادَهَا فِي ذَلِكَ النَّوْمِ يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ إجْمَاعًا وَإِنْ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهَا ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُ فَأَعَادَهَا فِي النَّوْمَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَبَهَ وَجَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ حَتَّى نَامَ لَمْ يَبْرَأْ بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى نَائِمٍ وَهُنَا لَمَّا اسْتَيْقَظَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى مُسْتَيْقِظٍ فَلَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إلَى النَّائِمِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
وَإِنْ تَكَرَّرَ نَوْمُهُ وَيَقَظَتُهُ، فَإِنْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَرَدَّهَا إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ إجْمَاعًا لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَالسَّبَبِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْوَاقِعَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا قَوْلًا وَقَالَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ: مِنْ الْغَصْبِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّحْوِيلِ اهـ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَحَلُّهُ الْفَمُ لَا الْجَوْفُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ وَالْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ قَالَ الْخَارِجُ مِنْ الْفَمِ إنَّمَا كَانَ سَيَلَانُهُ بِسَبَبِ الْبُزَاقِ وَجَعَلَ غَلَبَتَهُ عَلَى الْبُزَاقِ دَلِيلَ سَيَلَانِهِ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْفَمِ إلَّا إذَا كَانَ سَائِلًا بِنَفْسِهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَبِهِ يُرَجَّحُ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى كَلَامِ ابْنِ مَلَكٍ وَيَظْهَرُ أَنَّ إطْلَاقَ كَلَامِ الشَّارِحِينَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ مُخَالِفًا لِلْمَنْقُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَالدَّمِ إلَخْ) هَذَا فِي غَيْرِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطِ بِالْبُزَاقِ إذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ كَمَا قَدَّمَهُ.
الجزء 1 · صفحة 39
السَّبَبِ أَوْ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ سَبَبًا فِي بَرَاءَتِهِ بَلْ السَّبَبُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى نَامَ ثَانِيًا يَبْرَأُ وَمُحَمَّدٌ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَقَدْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْمَعِدَةِ فَلَا بَأْسَ بِضَبْطِهَا، وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(قَوْلُهُ: وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ) بَيَانٌ لِلنَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ بَعْدَ الْحَقِيقِيَّةِ وَالنَّوْمُ فَتْرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَتَمْنَعُ الْحَوَاسَّ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ عَنْ الْعَمَلِ مَعَ سَلَامَتِهَا وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ مَعَ قِيَامِهِ فَيَعْجِزُ الْعَبْدُ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي النَّوْم طَرِيقَتَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَتَبِعَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ إحْدَاهُمَا أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ إنَّمَا النَّاقِضُ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مُقَامَهُ كَمَا فِي السَّفَرِ وَكَمَا إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ وَشَكَّ فِي وُضُوئِهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ بِالتَّبَرُّزِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ عَيْنَهُ نَاقِضٌ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْأَوَّلَ فَاخْتَارَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاقِضًا لَاسْتَوَى وُجُودُهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا فَمَا فِي التَّوْشِيحِ مِنْ أَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ اتِّفَاقًا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَمَّا كَانَ النَّوْمُ مَظِنَّةَ الْحَدَثِ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الِاسْتِرْخَاءُ عَلَى الْكَمَالِ، وَهُوَ فِي الْمُضْطَجِعِ وَالِاضْطِجَاعُ وَضْعُ الْجَنْبِ عَلَى الْأَرْضِ يُقَالُ ضَجَعَ الرَّجُلُ إذَا وَضَعَ جَنْبَهُ بِالْأَرْضِ وَاضْطَجَعَ مِثْلُهُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَالنَّائِمُ الْمُسْتَلْقِي عَلَى وَجْهِهِ
وَأَمَّا مَنْ نَامَ وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَصَارَ شِبْهَ الْمُنْكَبِّ عَلَى وَجْهِهِ وَاضِعًا بَطْنَهُ عَلَى فَخِذَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَعَزَاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي غَيْرِهَا لَوْ نَامَ مُتَرَبِّعًا وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذَيْهِ نُقِضَ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ قَاعِدًا وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ شِبْهَ الْمُنْكَبِّ قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ وَأَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الْأَصَحُّ أَطْلَقَ فِي الْمُضْطَجِعِ فَشَمِلَ الْمَرِيضَ إذَا نَامَ فِي صَلَاتِهِ مُضْطَجِعًا وَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ قَاعِدًا كَنَوْمِ الصَّحِيحِ قَائِمًا، وَأَمَّا التَّوَرُّكُ فَلَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَنَّ جِلْسَتَهُ تَكْشِفُ عَنْ الْمَخْرَجِ كَمَا إذَا نَامَ عَلَى أَحَدِ وِرْكَيْهِ أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى أَحَدِ مِرْفَقَيْهِ فَهَذَا نَاقِضٌ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِدَلِيلِ مَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْكَافِي
وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَنْ يَبْسُطَ قَدَمَيْهِ مِنْ جَانِبٍ وَيُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ فَهَذَا غَيْرُ نَاقِضٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِنَادَ إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً عَنْ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارُ الْقُدُورِيِّ النَّقْضَ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً، فَإِنَّهُ يُنْقَضُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّوَرُّكِ فَلِذَا تَرَكَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ نَامَ عَلَى رَأْسِ التَّنُّورِ وَهُوَ جَالِسٌ قَدْ أَدْلَى رِجْلَيْهِ كَانَ حَدَثًا وَفِي الْمُبْتَغَى، وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَرَأْسُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يُنْقَضُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ عَلَى دَابَّةٍ، وَهِيَ عُرْيَانَةٌ قَالُوا إنْ كَانَ فِي حَالَةِ الصُّعُودِ وَالِاسْتِوَاءِ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنْ كَانَ فِي حَالَةِ الْهُبُوطِ يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّ مَقْعَدَتَهُ مُتَجَافِيَةٌ عَنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ اهـ.
وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا حَدَثًا فَهُوَ بِمَعْنَى التَّوَرُّكِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَالْمُتَوَرِّكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَلَا الْقَاعِدِ، وَلَوْ فِي السِّرَاجِ أَوْ الْمَحْمَلِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا الرَّاكِعِ وَلَا السَّاجِدِ مُطْلَقًا إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ
وَإِنْ كَانَ خَارِجَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا فِي السُّجُودِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْأَوَّلَ) وَقَدْ سُئِلَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ عَنْ شَخْصٍ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ هَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ فَأَجَابَ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِنَاءً عَلَى هَذَا قَالَ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ نَاقِضٌ لَزِمَ نَقْضُ وُضُوءِ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ الرِّيحِ بِالنَّوْمِ اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ النَّهْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْنُهُ أَيْ النَّوْمُ نَاقِضًا اتِّفَاقًا فِيمَنْ فِيهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ إذْ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ لَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ لَمْ يَنْقَضِ فَالْمُتَوَهِّمُ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَأَفَادَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَتَّبَ النَّقْضُ عَلَى وُجُودِ الِاسْتِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ وَيُوَفَّقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِهِ وَيَلُوحُ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِطْلَاقُ مَسْأَلَةِ التَّرَبُّعِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ قَاعِدًا كَنَوْمِ الصَّحِيحِ) صَوَابُهُ؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَلَا السَّاجِدُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ أَمْ لَا كَمَا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ السُّجُودُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِطْلَاقِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «الْعَيْنَانِ وِكَاءٌ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ» وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ وَالسَّهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَيُحَرَّكُ الِاسْتُ جَمْعُهُ أَسْتَاهٌ وَبِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ الْعَجُزُ أَوْ حَلْقَةُ الدُّبُرِ قَامُوسٌ
الجزء 1 · صفحة 40
وَالِاسْتِطْلَاقَ مُنْعَدِمٌ بِخِلَافِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ فِيهَا بِالنَّصِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَفِي هَذَا كَالصُّلْبِيَّةِ وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ مَا كَانَ عَنْ تَعَمُّدٍ وَمَا كَانَ عَنْ غَلَبَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ نُقِضَ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَفِي فَصْلِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ نَامَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَسَدَتْ فِي السُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ اهـ.
كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قِيَامِ الْمُسْكَةِ حِينَئِذٍ فِي الرُّكُوعِ دُونَ السُّجُودِ وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يَفْصِلَ فِي ذَلِكَ السُّجُودِ إنْ كَانَ مُتَجَافِيًا لَا تَفْسُدْ، وَإِلَّا تَفْسُدْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى الْأَصَحِّ الْمُتَقَدِّمُ أَنْ لَا يَنْتَقِضَ بِالنَّوْمِ فِي السُّجُودِ مُطْلَقًا وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي جَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النَّوْمَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَوْ تَعَمَّدَهُ وَلَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ جَنْبُهُ الْأَرْضَ أَوْ عِنْدَ إصَابَةِ جَنْبِهِ الْأَرْضَ بِلَا فَصْلٍ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ تُزَايِلَ مَقْعَدَتُهُ الْأَرْضَ لَمْ تَنْقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدَتَهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ قِيلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَسَوَاءٌ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَسْقُطْ وَإِنْ نَامَ جَالِسًا، وَهُوَ يَتَمَايَلُ رُبَّمَا تَزُولُ مَقْعَدَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَرُبَّمَا لَا تَزُولُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْتَيْقَظَ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ سَوَاءٌ وَضَعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ النَّقْضُ حَالَةَ النَّوْمِ فِي السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ الِاسْتِمْسَاكِ كَمَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهَا وَاعْتُبِرَ فِي خَارِجِهَا لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، وَهُوَ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِالنَّصِّ هَذَا فَهُوَ كَمَا تَرَى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةَ مَا رُوِيَ وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي» قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ وَجُعِلَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَسْرَارِ مِنْ الْمَشَاهِيرِ ثُمَّ إنَّ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ بَعْدَمَا ذَكَرَ النَّصَّ السَّابِقَ
وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ إنْ كَانَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِلَّا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ، اهـ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ يَعُودُ إلَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا فِي السُّجُودِ إلَخْ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَالْأَحْسَنُ إرْجَاعُهُ إلَى قَوْلِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ قَوْلُهُ الْآتِي مُقْتَضَى الْأَصَحِّ الْمُتَقَدِّمُ إلَخْ وَبِهِ سَقَطَ نِسْبَةُ السَّهْوِ إلَى الْمُؤَلِّفِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ إنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَمِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْضًا أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ نُقِلَ فِي النَّهْرِ عَنْ عَقْدِ الْفَرَائِدِ مَا نَصُّهُ إنَّمَا لَا يَفْسُدُ الْوُضُوءُ بِنَوْمِ السَّاجِدِ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ قُيِّدَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ نُورِ الْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَمِنْهَا نَوْمُ مُصَلٍّ وَلَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ الصَّلَاةَ) صَوَابُهُ النَّوْمَ بَدَلَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) وَحِينَئِذٍ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدْ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ نُقِضَ وَكَذَا فِي الْفَتْحِ، وَهِيَ كَمَا تَرَى غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالسُّجُودِ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت غَايَةَ الْبَيَانِ مَا نَصُّهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدْ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ يَنْقُضُ، وَإِنْ غُلِبَتْ عَيْنَاهُ فَلَا يُنْقَضُ اهـ.
وَبِهِ يَتَرَجَّحُ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ حِينَئِذٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ فِي سُجُودِهَا فَقَطْ فَافْهَمْ ثُمَّ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ اعْتِرَاضُ هَذَا الْحَمْلِ بِقَوْلِهِ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ لِمَا فِي السِّرَاجِ لَوْ قَرَأَ أَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ نَائِمٌ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً كَامِلَةً لَا يَعْتَدّ بِهَا وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ اهـ.
وَلَمْ يَحْكُمْ فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْوُضُوءِ بِالنَّقْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْبَحْرِ غُفُولًا عَنْ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ
الجزء 1 · صفحة 41
بَطْنَ الْكَفِّ أَوْ ظَهْرَ الْكَفِّ مَا لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ التَّيَقُّظِ اهـ.
وَقَيَّدْنَا بِالنَّوْمِ؛ لِأَنَّ النُّعَاسَ مُضْطَجِعًا لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ وَأَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ: إنْ كَانَ لَا يَفْهَمُ عَامَّةَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ كَانَ حَدَثًا كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي سُنَنِ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَيَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّوْمَ مُضْطَجِعًا نَاقِضٌ إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» وَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ «أَنَّهُ نَامَ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانُ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ، وَلَيْسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقَلْبِ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(قَوْلُهُ: وَإِغْمَاءٌ وَجُنُونٌ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ إغْمَاءٌ وَجُنُونٌ أَمَّا الْإِغْمَاءُ فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْمَرَضِ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا أَيْ الْعَقْلَ بَلْ يَسْتُرُهُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ؛ وَلِذَا لَمْ يُعْصَمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْإِغْمَاءِ كَالْأَمْرَاضِ وَعُصِمَ مِنْ الْجُنُونِ، وَهُوَ كَالنَّوْمِ فِي فَوْتِ الِاخْتِيَارِ وَفَوْتِ اسْتِعْمَالِ الْقُدْرَةِ حَتَّى بَطَلَتْ عِبَارَاتُهُ بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ فَتْرَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَإِذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ إذَا نُبِّهَ فَكَانَ حَدَثًا بِكُلِّ حَالٍ؛ وَلِذَا أَطْلَقَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بِخِلَافِ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَّا إذَا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ غَايَةَ الِاسْتِرْخَاءِ فَغَلَبَ الْخُرُوجُ حِينَئِذٍ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَهُ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهَا عَدَمُهُ فَلَا يُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَهُ فَكَانَ عَدَمُ النَّقْضِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَا يَنْقُضُ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَاقِضِيهِ: الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ يُقَالُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَغُمِّيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ غَمًى أَيْ: مُغْمًى عَلَيْهِ وَكَذَا الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ وَقَدْ ثَنَّاهُ بَعْضُهُمْ وَجَمَعَهُ فَقَالَ رَجُلَانِ أَغْمَيَانِ وَرِجَالٌ أَغْمَاءٌ
وَأَمَّا الْجُنُونُ فَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ وَنَقْضُهُ ظَاهِرٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ وَتَمْيِيزِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَّلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ فَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَأَمَّا الْعَتَهُ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ النَّوَاقِضِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَحُكْمِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ آفَةٌ تُوجِبُ الِاخْتِلَالَ بِالْعَقْلِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْرِبُ وَلَا يُشْتَمُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَفِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَنَارِ وَالْمُغْنِي وَالتَّوْضِيحِ أَنَّهُ كَالصَّبِيِّ مَعَ الْعَقْلِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ فَيُوضَعُ عَنْهُ الْخِطَابُ وَفِي التَّقْوِيمِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ مَعَ الْعَقْلِ إلَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّا لَمْ نُسْقِطْ عَنْهُ الْوُجُوبَ بِهِ احْتِيَاطًا فِي وَقْتِ الْخِطَابِ وَرَدَّهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ بِأَنَّهُ نَوْعُ جُنُونٍ فَمَنَعَ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى الْعَوَاقِبِ وَفِي أُصُولِ الْبُسْتِيِّ أَنَّ الْمَعْتُوهَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا زَالَ الْعَتَهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ حَالًا وَبِقَضَاءِ مَا مَضَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ كَالْقَلِيلِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقْضِي الْقَلِيلَ دُونَ الْكَثِيرِ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا فِيمَا قَبْلُ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ دُونَ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُغْنِي لِلْهِنْدِيِّ وَظَاهِرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقْضُ الْوُضُوءِ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ عِبَارَةِ جَوَامِعِ الْفِقْهِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْفَسَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: لِأَنَّهُ نَوْمٌ قَلِيلٌ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ) أَيْ الدَّقَّاقِ وَالرَّازِيِّ وَعِبَارَةُ التَّبْيِينِ: هَكَذَا وَالنُّعَاسُ نَوْعَانِ: ثَقِيلٌ: وَهُوَ حَدَثٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَخَفِيفٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِيهَا وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ثَقِيلٌ انْتَهَتْ وَلَيْسَ فِيهَا التَّقْيِيدُ بِالْفَهْمِ فَهُوَ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ إلَّا أَنْ يَعْتَبِرَ تَقْيِيدَ السَّمَاعِ بِالْفَهْمِ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ عَامَّةٍ الْمُشْعِرَةِ بِفَهْمِ الْبَعْضِ بَلْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ سَمَاعِ الْجَمِيعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ عَامَّةٌ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ لَكِنْ يَبْقَى فِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ نَائِمٌ لَا نَاعِسٌ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنِهِمَا عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَسْهُو حَرْفًا أَوْ حَرْفَيْنِ فَلَا اهـ.
فَعَامَّةٌ لَيْسَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ السَّمَاعُ عَلَى الْفَهْمِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَيُقَدَّرُ لَفْظُ أَكْثَرَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَيْ إنْ كَانَ يَفْهَمُ أَكْثَرَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَتَوَافَقُ الْكَلَامَانِ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي سُنَنِ الْبَزَّارِ) أَيْ يُحْمَلُ النَّوْمُ فِيهِ عَلَى النُّعَاسِ.
الجزء 1 · صفحة 42
كَلَامِ الْكُلِّ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّةِ أَدَائِهِ الْعِبَادَاتِ أَمَّا مَنْ جَعَلَهُ مُكَلَّفًا بِهَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُكَلَّفًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ عِبَادَاتِهِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَتَهَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ: وَسُكْرٌ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ سُكْرٌ وَهُوَ سُرُورٌ يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ فَيَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ عَنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِيلَهُ؛ وَلِذَا بَقِيَ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَقِيلَ إنَّهُ يُزِيلُهُ وَتَكْلِيفُهُ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ عَلَيْهِ وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِهِ الْعَقْلُ فِي الرَّأْسِ وَشُعَاعُهُ فِي الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ فَالْقَلْبُ يَهْتَدِي بِنُورِهِ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ وَتَمْيِيزِ الْحَسَنِ مِنْ الْقَبِيحِ، فَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ خَلَصَ أَثَرُهَا إلَى الصَّدْرِ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَيَبْقَى الصَّدْرُ مُظْلِمًا فَلَمْ يَنْتَفِعْ الْقَلْبُ بِنُورِ الْعَقْلِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ سُكْرًا؛ لِأَنَّهُ سُكْرٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ هُنَا فَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَالْيَنَابِيعِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالتَّبْيِينِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَعَزَاهُ مِسْكِينٌ إلَى شَرْحِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ حَدَّهُ هُوَ حَدُّهُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَهُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هُوَ مَنْ حَصَلَ فِي مِشْيَتِهِ اخْتِلَالٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَشَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالْمُضْمَرَاتِ وَشَرْحِ مِسْكِينٍ قَالُوا: وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَكْرَانَ، وَكَانَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَالٍ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ أَنَّ السُّكْرَ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ثُمَّ صَارَ فِي أَثْنَائِهَا إلَى حَالَةٍ لَوْ مَشَى فِيهَا يَتَحَرَّكُ.
(قَوْلُهُ: وَقَهْقَهَةُ مُصَلٍّ بَالِغٍ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ قَهْقَهَةٌ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قِهْ قِهْ وَقَهْقَةٌ بِمَعْنًى وَاصْطِلَاحًا مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوَّلًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا لَيْسَتْ حَدَثًا، فَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِهَا عُقُوبَةً وَزَجْرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ خَارِجًا نَجِسًا بَلْ هِيَ صَوْتٌ كَالْبُكَاءِ وَالْكَلَامِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ جَعَلَهَا حَدَثًا مَنَعَ جَوَازَ مَسِّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ وَمَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عُقُوبَةً جَوَّزَ مَسَّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا هَكَذَا نُقِلَ الْخِلَافُ وَفَائِدَتُهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي لِمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ وَسَلَامَتِهِ مِمَّا يُقَالُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ نَجَاسَةً وَلَا سَبَبَهَا وَمُوَافَقَةَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهَا عَلَى مَا رَوَوْا لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ؛ وَلِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَهْقَهَةِ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ وَصَحَّحُوا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا أَوْجَبَتْ إعَادَةَ الْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ وَالنَّائِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا يُرَجِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنْ سَوَّى فَخْرُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ كَلَامِ النَّائِمِ وَقَهْقَهَتِهِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْكَلَامَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَازِلِ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْقَهْقَهَةُ مِنْ النَّائِمِ مُفْسِدَةً لِلصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءَ، وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهَا حَدَثًا لِلْجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ النَّائِمِ فَتَبْقَى كَلَامًا بِلَا قَصْدٍ فَيُفْسِدُ كَالسَّاهِي بِهِ اهـ.
وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي الْمُبْتَغَى تَكَلُّمُ النَّائِمُ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْقَهْقَهَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْقَهْقَهَةَ كَلَامٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ قَهْقَهَةَ النَّائِمِ تُبْطِلُهُمَا وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ احْتِيَاطًا وَكَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي النَّاسِي كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ فَجَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ وَذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ فِي السَّاهِي وَالنَّاسِي رِوَايَتَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِعَدَمِ النَّقْضِ أَنَّهُ كَالنَّائِمِ إذَا لَا جِنَايَةَ إلَّا بِالْقَصْدِ وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الرِّوَايَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَسُكْرٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَطْلَقَ السُّكْرَ فَشَمِلَ السُّكْرَ مِنْ مُبَاحٍ لِقَوْلِهِمْ السُّكْرُ مِنْ مُبَاحٍ كَالْإِغْمَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاعَةٍ إلَخْ) فِيهِ كَمَا قَالَ فِي النَّهْرِ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَالِغٍ إذْ لَوْ كَانَتْ حَدَثًا لَاسْتَوَى فِيهَا الْبَالِغُ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ أَيْضًا فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا حِلُّ الطَّوَافِ بِهَذَا الْوُضُوءِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَإِلْحَاقُ الطَّوَافِ بِالصَّلَاةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي إلَخْ) أَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ؛ وَلِذَا رَجَّحُوا عَدَمَ النَّقْضِ بِقَهْقَهَةِ النَّائِمِ اهـ.
لَكِنْ أَوْرَدَ أَنَّ فِيهِ تَبْعِيضَ الْأَحْكَامِ وَالشَّيْءُ إذَا ثَبَتَ يَثْبُتُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِإِبْطَالِهَا الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا لِمُخَالَفَتِهَا لِلْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ إبْطَالَهَا الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ بِهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْحُرْمَةُ فَقَطْ مَعَ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، وَهَذَا إبْطَالُ الْمَذْهَبِ لِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَرِدُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوبُ إعَادَةِ الْوُضُوءِ زَجْرًا مَعَ بَقَائِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ سَوَّى فَخْرُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ كَلَامِ النَّائِمِ وَقَهْقَهَتِهِ) حِينَئِذٍ لَا مَحَلَّ لِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ هُنَا فَتَأَمَّلْ
الجزء 1 · صفحة 43
الْقَائِلَةِ بِالنَّقْضِ لِمَا أَنَّ لِلصَّلَاةِ حَالَةً مُذَكِّرَةً لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا مُفْسِدٌ لَهَا بِخِلَافِ النَّوْمِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُتَيَمِّمًا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الْغُسْلَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ الَّذِي فِي ضِمْنِ الْغُسْلِ فَعَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا تَنْقُضُ وَصَحَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَقَاضِي خان النَّقْضَ عُقُوبَةً لَهُ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَفِي قَهْقَهَةِ الْبَانِي فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ
وَجَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ بِالنَّقْضِ قِيلَ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَلَا نِزَاعَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مُصَلٍّ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِ وَأَطْلَقَهَا فَانْصَرَفَتْ إلَى مَا لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنْ الْإِيمَاءِ لِعُذْرٍ أَوْ رَاكِبًا يُومِئُ بِالنَّفْلِ أَوْ بِالْفَرْضِ حَيْثُ يَجُوزُ فَلَا تَنْقُضُ الْقَهْقَهَة فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَكِنْ يَبْطُلَانِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَاكِبًا يُومِئُ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ قَهْقَهَةَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ صَلَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْتَقِضُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ عِنْدَهُ، وَلَوْ نَسِيَ الْبَانِي الْمَسْحَ فَقَهْقَهَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ نُقِضَ وَبَعْدَهُ لَا يَنْقُضُ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ مَسَائِلِ الِامْتِحَانِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ أَنَّهَا تَنْقُضُ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَلَوْ عِنْدَ السَّلَامِ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ ضَحِكَ الْقَوْمُ بَعْدَمَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ مُتَعَمِّدًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ وَكَذَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ إذَا قَهْقَهُوا بَعْدَ سَلَامِهِ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هَلْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا
وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مَعًا أَوْ قَهْقَهَ الْقَوْمُ ثُمَّ الْإِمَامُ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْكُلِّ، وَإِنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ أَوَّلًا ثُمَّ الْقَوْمُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ دُونَهُمْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ طَهَارَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ عَمْدًا اهـ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ الْفَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ عَمْدًا وَحَدَثِهِ عَمْدًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ لَا مُفْسِدٌ لَهَا إذْ لَمْ يُفَوِّتْ شَرْطَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ، وَلَوْ مَسْبُوقًا فَيُنْقَضُ وُضُوءُهُمْ بِقَهْقَهَتِهِمْ بِخِلَافِ حَدَثِهِ عَمْدًا لِتَفْوِيتِهِ الطَّهَارَةَ فَأَفْسَدَتْ جُزْءًا يُلَاقِيه فَيَفْسُدُ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَذَلِكَ فَقَهْقَهَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَنْقُضُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَدَثِ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَلَوْ أَنَّ مُحْدِثًا غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَفَنِيَ الْمَاءُ فَتَيَمَّمَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَقَهْقَهَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَغْسِلُ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ وَيُصَلِّي وَعِنْدَهُمَا يَغْسِلُ جَمِيعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ هَلْ تُبْطِلُ مَا غُسِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؟ عِنْدَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَإِذَا كَانَ شَرَعَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَبَطَلَ الْوَصْفُ ثُمَّ قَهْقَهَ مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِ الْأَصْلِ لَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِالْقَهْقَهَةِ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِهِ انْتَقَضَتْ كَمَا إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَالتَّرْتِيبُ فَرْضٌ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ، وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ ثُمَّ قَهْقَهَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَنْ قَهْقَهَ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَكَذَا إذَا قَهْقَهَ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَمَا إذَا سَلَّمَ قَبْلَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْقُعُودِ ثُمَّ قَهْقَهَ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقُيِّدَ بِالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ قَهْقَهَةَ الصَّبِيِّ لَا تَنْقُضُ وُضُوءَهُ لَكِنْ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَنُقِلَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ نَقْضِ وُضُوئِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ الثَّانِي عَنْ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ دُونَ الصَّلَاةِ الثَّالِثُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُبْطِلُهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْقَوْلَانِ الْأَخِيرَانِ ضَعِيفَيْنِ كَانَا كَالْعَدَمِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهَا إنَّمَا أَوْجَبَتْ إعَادَةَ الْوُضُوءِ عُقُوبَةً وَزَجْرًا وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ كَامِلَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا فَلَا تَتَعَدَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَسِيَ الْبَانِي الْمَسْحَ فَقَهْقَهَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ نُقِضَ إلَخْ) أَيْ قَهْقَهَ فِي طَرِيقِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَدَمَ النَّقْضِ فِيهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمُخْتَارِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ النَّقْضَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ وَلَا مَسْبُوقًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ مَسْبُوقًا
الجزء 1 · صفحة 44
إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَلَاةِ الْبَانِي بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَلَاةِ النَّائِمِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا
وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لَا تَنْقُضُ أَصْلًا قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ نَقْضِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَنَا أَنَّ الْقِيَاسَ ذَلِكَ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقَهْقَهَةُ فِي ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ، وَكَانَ فِي بَصَرِهِ ضَرَرٌ فَضَحِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْقَوْمِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا قِيلَ بِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ الضَّحِكُ بِالصَّحَابَةِ خَلْفَهُ قَهْقَهَةً أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّحَابِيُّونَ وَالْمُنَافِقُونَ وَالْأَعْرَابُ الْجُهَّالُ فَالضَّاحِكُ لَعَلَّهُ كَانَ بَعْضَ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَعْرَابِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ كَمَا بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِاللَّهْوِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِلَّا فَلَيْسَ الضَّحِكُ كَبِيرَةً وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ الصَّغَائِرِ بِمَعْصُومِينَ وَلَا عَنْ الْكَبَائِرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً اهـ.
وَالْمَنْقُولُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ فَهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنْ الْمَعَاصِي وَقَيَّدَ بِالْقَهْقَهَةِ؛ لِأَنَّ الضَّحِكَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ هَذَا أَصْلُهُ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْحَاءِ مَعَ فَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنْ الْقَهْقَهَةِ، وَهِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ فَقَطْ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بَلْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ
وَأَمَّا التَّبَسُّمُ، وَهُوَ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ أَصْلًا بِأَنْ تَبْدُوَ أَسْنَانُهُ فَقَطْ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُمَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَسَّمَ فِي الصَّلَاةِ حِينَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْك مَرَّةً صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ» كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّبَسُّمَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَا حُكْمَ لِلتَّبَسُّمِ وَقَدْ رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِحَرْفَيْنِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عَمَلًا بِعَدَمِ تَبْعِيضِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْضُهُ وَقَعَ كُلُّهُ قِيَاسًا لِوُقُوعِهِ عَلَى ارْتِفَاعِهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَبَعَّضُ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ النَّقْضُ مُعَلَّقٌ بِالْقَهْقَهَةِ فَإِذَا وُجِدَ بَعْضُهَا لَا يُوجَدُ الْحُكْمُ وَلَا بَعْضُهُ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْضُهُ مَمْنُوعٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ) يَعْنِي أَنَّ مِنْ النَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ، وَهِيَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ مُتَجَرِّدَيْنِ وَلَاقَى فَرْجُهُ فَرْجَهَا مَعَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ مُلَاقَاةَ الْفَرْجِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْ مُمَاسَّتَهُمَا وَشَرَطَ ذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ وَذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَيْضًا اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي الْيَنَابِيعِ وَقَالَ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ.
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ الظَّاهِرُ الِاشْتِرَاطُ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ لَا الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ اشْتِرَاطَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ حَدَثًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُقَامُ مُقَامَ الْمُسَبَّبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَالْوَقْفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ هُنَا مُمْكِنٌ بِلَا حَرَجٍ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ يَقَظَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِقَامَةِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا الْيُسْرِ بَائِعَ الْعَسَلِ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ إنِّي أَصَبْت مِنْ امْرَأَتِي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ عَدَمُ مَذْيٍ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي مَقَامِ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ
وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ يَقُومُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ) الْمَذْكُورُ هُنَا ثَلَاثٌ لَكِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُمَا.
الجزء 1 · صفحة 45
مَقَامَ الْأَمْرِ الْبَاطِنِ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ قِيَامِ هَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ مَقَامَ خُرُوجِ النَّجَسِ كَذَا فِي الْمُصَفَّى وَفِي الْحَقَائِقِ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُمَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُتُونِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْغُلَامِ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَيْهِمَا، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَيْهَا أَيْضًا أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ أَيْضًا قَالَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا إلَّا عَلَى الرَّجُلِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ لِلرِّجَالِ ثَبَتَ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ إلَّا مَا نُصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْأَصْلُ فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا يُذْكَرْنَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْنَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى شَكَوْنَ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] إلَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَخْصُوصًا بِهِنَّ كَمَسْأَلَةِ الصَّغِيرَةِ الْآتِيَةِ فِي الْغُسْلِ. اهـ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ عِبَارَاتِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُقَيِّدُوا بِوُضُوءِ الرَّجُلِ فَكَانَ وُضُوءُهَا دَاخِلًا فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى خُرُوجِ نَجَسٍ أَيْ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الدُّودَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الدُّودَةَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ بِلَّةٍ تَكُونُ مَعَهَا وَتَسْتَصْحِبُهَا وَتِلْكَ الْبِلَّةُ قَلِيلُ نَجَاسَةٍ وَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ وَمِنْ غَيْرِهِمَا غَيْرُ نَاقِضَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الدُّودَةَ حَيَوَانٌ، وَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ وَالشَّيْءُ الطَّاهِرُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَقَضَ الْوُضُوءَ كَالرِّيحِ بِخِلَافِ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ:
الثَّالِثُ: أَنَّ الدُّودَةَ فِي الْجُرْحِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْفَصَلَ قِطْعَةٌ مِنْ اللَّحْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، وَأَمَّا فِي السَّبِيلَيْنِ تَتَوَلَّدُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَتَكُونُ فِي الْخُرُوجِ كَالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّودَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ وَالْقُبُلِ وَالذَّكَرِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الدُّودَةَ مِنْ الْإِحْلِيلِ لَا تَنْقُضُ وَأَنَّ الدُّودَةَ مِنْ الْقُبُلِ فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَفِي شَرْحِ مِسْكِينٍ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ الْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ الْجُرْحِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُنَافِيه مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْجُرْحِ ثُمَّ خَرَجَ لَا يَنْقُضُ كَمَا لَا يَخْفَى بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَسُّ ذَكَرٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ أَيْ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الذَّكَرِ وَكَذَا مَسُّ الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْمَسَّ لِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ إذَا كَانَ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ وَاسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ لَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِمَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَلَنَا مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَيُرَجَّحُ حَدِيثَ طَلْقٍ عَلَى حَدِيثِ بُسْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ الرِّجَالِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَحْفَظُ لِلْعِلْمِ وَأَضْبَطُ؛ وَلِهَذَا جُعِلَتْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَقَدْ أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثُ طَلْقٍ عِنْدَنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ حَدِيثَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَتِلْكَ الْبِلَّةُ قَلِيلُ نَجَاسَةٍ إلَخْ) إطْلَاقُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْقَلِيلِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ طَاهِرٌ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِهِمَا فَفِيهِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَمَا سَيَأْتِي وَقَدْ أَشَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَجِسٌ أَوْ يُرِيدُ حَقِيقَتَهُ اللُّغَوِيَّةَ لَا الشَّرْعِيَّةَ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْأَوَّلَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي مَادَّتُهُ مِنْ الْبَدَنِ.
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ) الْمُرَادُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْأَصَابِعِ لَا خُصُوصُ الْأَصَابِعِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي زَكَرِيَّا الشَّافِعِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَمَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ أَوْ مَحَلُّ قَطْعِهِ بِبَطْنِ كَفٍّ وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِهِ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ وَضْعِ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ قَالَ وَخَرَجَ بِبَطْنِ الْكَفِّ غَيْرُهُ كَرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الرَّاحَةِ وَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ، وَهُوَ الرَّاحَةُ مَعَ بُطُونِ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ التَّلَذُّذَ إنَّمَا يَكُونُ بِهِ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 46
طَلْقٍ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ قَدْ عَلِمْت مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ أَيْضًا تَرْجِيحًا لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ قُدُومَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْنِي مَسْجِدَهُ وَرَاوِي حَدِيثِ بُسْرَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ وُرُودَ طَلْقٍ إذْ ذَاكَ ثُمَّ رُجُوعُهُ لَا يَنْفِي عَوْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُمْ قَدْ رَوَوْا عَنْهُ حَدِيثًا ضَعِيفًا مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَقَالُوا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَكَرَ أَنَّ الذَّكَرَ قِطْعَةُ لَحْمٍ فَلَا تَأْثِيرَ لِمَسِّهِ فِي الِانْتِقَاضِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ أَيْضًا إنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسِّ فَوْقَ حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ سَأَلْته عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ بِلَا حَائِلٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ تَعْلِيلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» يَأْبَى الْحَمْلَ وَالْبَضْعَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ، وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَى بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ عَدَّ جَمَاعَةً لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْحَدِيثَ يَعْنِيَ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَمَنْ رَأَيْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْهُمْ سَخِرْنَا مِنْهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ حَدِيثِ بُسْرَةَ بَاطِنًا أَنَّ أَمْرَ النَّوَاقِضِ مِمَّا يَحْتَاجُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ إلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ النَّقْضَ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ وَفِي السُّنَنِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْقَاضِي السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرْنَا رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى الْحَافِظُ قَالَ اجْتَمَعْنَا فِي مَسْجِدِ الْحَنِيفِ أَنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَتَنَاظَرْنَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَتَقَلَّدَ قَوْلَهُمْ وَاحْتَجَّ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَاحْتَجَّ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَقَالَ لِيَحْيَى كَيْفَ تَتَقَلَّدُ إسْنَادَ بُسْرَةَ وَمَرْوَانَ أَرْسَلَ شُرْطِيًّا حَتَّى رَدَّ جَوَابَهَا إلَيْهِ وَقَالَ يَحْيَى وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا قُلْتُمَا فَقَالَ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْ جَسَدِك فَقَالَ يَحْيَى عَمَّنْ قَالَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ فَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ نَعَمْ وَلَكِنْ أَبُو قَيْسٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ أَخْبَرَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ مَا أُبَالِي مَسَسْتُهُ أَوْ أَنْفِي فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ عَمَّارٌ وَابْنُ عُمَرَ اسْتَوَيَا فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَذَا وَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَذَا اهـ.
وَإِنْ سَلَكْنَا طَرِيقَ الْجَمْعِ جُعِلَ مَسُّ الذَّكَرِ كِنَايَةً عَمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ يَسْكُتُونَ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ وَيَرْمِزُونَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَا هُوَ مِنْ رَوَادِفِهِ فَلَمَّا كَانَ مَسُّ الذَّكَرِ غَالِبًا يُرَادِفُ خُرُوجَ الْحَدَثِ مِنْهُ وَيُلَازِمُهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ كَمَا عَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ عَمَّا يُقْصَدُ لِأَجْلِهِ وَيَحِلّ فِيهِ فَيَتَطَابَقُ طَرِيقَا الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي التَّعْبِيرِ فَيُصَارُ إلَى هَذَا لِدَفْعِ التَّعَارُضُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ، وَهَذَا أَحَدُ مَا حُمِلَ بِهِ حَدِيثُ بُسْرَةَ فَقَالَ أَوْ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي قَوْلِهِ الْوُضُوءُ قَبْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: إذْ قَدْ عَلِمْت مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ إلَخْ) أَقُولُ: لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَلْ الَّذِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ) لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ عَنْ شَرْحِ الْآثَارِ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ لَا تَقْتَضِي إفْتَاءَهُمْ بِهِ وَلَا أَنَّهُمْ يَرْوُونَهُ فَافْهَمْ
الجزء 1 · صفحة 47
الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الِاسْتِحْبَابِ بِمَا إذَا كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ، وَهُوَ حَسَنٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَامْرَأَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ذَكَرٍ أَيْ مَسُّ بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ مُطْلَقًا كَانَ بِشَهْوَةٍ وَقَصْدٍ أَوْ لَا وَلَهُ فِي الْمَلْمُوسِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا النَّقْضُ إلَّا إذَا لَمَسَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْعَجُوزِ فَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ مُعْتَبَرٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَؤُمُّ أَنْ يَحْتَاطَ فِيهِ فَمَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَذْهَبِنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] ، فَإِنَّ اللَّمْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ قَالَ تَعَالَى {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] وَبِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ اللَّمْسُ يَكُونُ بِالْيَدِ وَبِغَيْرِهَا وَقَدْ يَكُونُ بِالْجِمَاعِ فَنَعْمَلُ بِمُقْتَضَى اللَّمْسِ مُطْلَقًا فَمَتَى الْتَقَتْ الْبَشَرَتَانِ انْتَقَضَ سَوَاءٌ كَانَ بِيَدٍ أَوْ جِمَاعٍ وَلِأَئِمَّتِنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا أَوْجُهٌ أَحَدُهَا مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ حَقِيقَةَ اللَّمْسِ يَكُونُ بِالْيَدِ وَأَنَّ الْجِمَاعَ مَجَازٌ فِيهِ لَكِنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ بِالْآيَةِ فَبَطَلَتْ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ثَانِيهِمَا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّ اللَّمْسَ إذَا قُرِنَ بِالْمَرْأَةِ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْجِمَاعِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ اللَّمْسِ وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَعِنْدَهُمْ لَا يُشْتَرَطُ اللَّمْسُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ
ثَالِثُهَا أَنَّ اللَّمْسَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّمْسِ بِالْيَدِ وَبَيْنَ الْجِمَاعِ وَرَجَّحْنَا الْحَمْلَ عَلَى الْجِمَاعِ بِالْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَفَاضَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ بِقَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] إلَى قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْغُسْلُ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] إلَى قَوْلِهِ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [النساء: 43] إلَخْ فَإِذَا حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى الْجِمَاعِ كَانَ بَيَانًا لِحُكْمِ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَمَا بُيِّنَ حُكْمُهُمَا عِنْدَ وُجُودِهِ فَيَتِمُّ الْغَرَضُ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى بَيَانِهِمَا خِلَافَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَكْرَارًا مَحْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ بِقَوْلِهِ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَتْ فَقَدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْته فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُودُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك إلَى آخِرِ الدُّعَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَالْتَمَسْت بِيَدَيَّ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ سَاجِدٌ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَهَا فَتَقْبِضُهَا» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ» وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ فَوْقَ حَائِلٍ بَعِيدٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[أَحْكَام الْغُسْل]
[فَرَائِض الْغُسْل]
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْغُسْلِ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفَهُ وَبَدَنِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى الْغُسْلِ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَفَرْضُ إمَّا لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْفَرْضُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَقَوْلُهُ الْغُسْلُ يَعْنِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ فِي الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ حَتَّى يَصِحَّ بِدُونِهِمَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْبَدَائِعِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ لَا مُطْلَقًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْحَدِيثَ أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» مَحْمُولٌ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ فَإِذَا مَسُّوهُ بِأَيْدِيهِمْ كَانَتْ تَتَلَوَّثُ خُصُوصًا فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ فَأُمِرُوا بِالْغُسْلِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ إطْلَاقَ السَّرَخْسِيِّ أَوْلَى عَمَلًا بِعُمُومِ مَنْ اهـ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَ التَّلَوُّثِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَا مُسْتَحَبٌّ فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ حَدِيثِ بُسْرَةَ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ مَسِسْت ذَكَرِي وَمَعِي الْمُصْحَفُ فَقَالَ لِي أَبِي تَوَضَّأْ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِهِ: قَالَ فَقَالَ: لِي أَبِي قُمْ فَاغْسِلْ يَدَك اهـ.
وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ كَوْنُ ذَلِكَ مَحَلُّ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فَرُبَّمَا تَكُونُ فِي الْيَدِ أَوْ الْمَحَلِّ رُطُوبَةٌ سِيَّمَا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِلتَّلَوُّثِ أَوْ هُوَ تَعَبُّدِيٌّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ فِي الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ فِي الْمِنَحِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فِي الِاغْتِسَالِ الْمَسْنُونِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطٍ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ فَمَمْنُوعٌ وَلَعَلَّ مُرَادَ صَاحِبِ السِّرَاجِ الْأَوَّلُ وَلَا كَلَامَ فِيهِ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 48
الْغُسْلِ فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَفِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ وَصِفَتِهِ وَحُكْمِهِ أَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَهُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ أَيْضًا وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فَوَضَعْت لَهُ غُسْلًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالضَّمُّ هُوَ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَاصْطِلَاحًا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ غَسْلُ الْبَدَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغَسْلِ بِالْفَتْحِ لُغَةً وَشَرْعًا
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ إسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ إسَالَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَمْ يَجُزْ الْغُسْلُ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْأَطْهَرِ بِضَمِّ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ تَطَهَّرَ فَأُدْغِمَتْ التَّاءُ فِي الطَّاءِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ فَجِيءَ بِحَرْفِ الْوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى النُّطْقِ فَصَارَ اطَّهَّرُوا وَبَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ وَلَا دِرَايَةَ يَقْرَأُ بِالِاطِّهَارِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِحِرْمَانِهِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاسْمُ الْبَدَنِ يَقَعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ قَضِيَّةِ النَّصِّ، وَكَذَا مَا يَتَعَسَّرُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَسِّرَ مَنْفِيٌّ كَالْمُتَعَذِّرِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، فَإِنَّ فِي غَسْلِهِمَا مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى فَإِنَّ الْعَيْنَ شَحْمٌ لَا تَقْبَلُ الْمَاءَ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُ مَنْ تَكَلَّفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِهَذَا لَا تُغْسَلُ الْعَيْنُ إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ؛ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي غَسْلِهِمَا فَشَمِلَهُمَا نَصُّ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ كَمَا شَمِلَهُمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَانْقُوَا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ بِخِلَافِهِمَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَلَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِدَاخِلِهِمَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَا يُعَارِضُهُ إذْ كَوْنُهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهَا الدِّينُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَالْمُرَادُ أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى الْأَقْوَالِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ الْمَرْوِيِّ عَلَى حَالَةِ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ» كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً» لَكِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خُرُوجِ اثْنَيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِأَعْلَى الْوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامُ لَكِنْ قَالَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاوِي الْحُصَرِيُّ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَوْلُودَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مَرَّةً لَمْ يُنْقَلْ أَبَدًا إلَى غَيْرِهِ وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْخِلْقَةِ الْقَابِلَةِ لِلْإِسْلَامِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ نَظَرَ إلَى خِلْقَتِهِ وَتَفَكَّرَ فِيهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ لَدَلَّتْهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَلَوْ شَرِبَ الْمَاءَ عَبًّا أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَضْمَضَةِ لَا مَصًّا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا إلَّا أَنْ يَمُجَّهُ وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَا يَخْرُجُ بِالشُّرْبِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَمُجَّهُ، وَهُوَ أَحْوَطُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَحْوَطَ الْخُرُوجُ وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَحْوَطَ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْمَجَّ مِنْ شَرْطِ الْمَضْمَضَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ الْخُرُوجَ عَنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لُمْعَةٌ) بِضَمِّ اللَّامِ وَمَنْ فَتَحَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَدَنِ أَوْ الْعُضْوِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الِاغْتِسَالِ أَوْ الْوُضُوءِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنْ نَبْتٍ أَخَذَتْ فِي الْيُبْسِ. اهـ.
تَعْرِيفَاتٌ (قَوْلُهُ: بِالْأَطْهَرِ) بِضَمِّ الْهَاءِ أَيْ مُشَدَّدَةً وَبِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْضًا، وَهُوَ مَصْدَرُ اطَّهَّرَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَصْلُهُ تَطَهَّرَ قُلِبَتْ التَّاءُ طَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ ثُمَّ جِيءَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسَّاكِنِ (قَوْلُهُ: وَاسْمُ الْبَدَنِ يَقَعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَخْ) نَقَلَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ عَنْ الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَدَنَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْأَلْيَةِ قَالَ وَحِينَئِذٍ فَالرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ خَارِجَةٌ لُغَةً دَاخِلَةٌ تَبَعًا شَرْعًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ شَمِلَهُمَا الثَّانِي
(قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَ يَعْنِي ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْحَامِلِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ الْمَرْوِيِّ وَالْمَعْنَى كَأَنَّ الْحَامِلَ قُصِدَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ) الْأَوْلَى تَذْكِيرُ الضَّمِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَعُودَانِ عَلَى الْمَجِّ (قَوْلُهُ: فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ الْخُرُوجَ عَنْ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ إلَخْ) أَقُولُ: شَنَّعَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ بِمَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ وَكَذَا أَخُو الشَّارِحِ فِي النَّهْرِ فَقَالَ أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَجْهًا لِكَوْنِ الْمَجِّ أَحْوَطَ وَلَا أَرَى هَذَا إلَّا مِنْ طُغْيَانِ الْقَلَمِ بَلْ الْوَجْهُ هُوَ أَنَّ الْمَاجَّ خَارِجٌ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ سُقُوطِ قَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَحْوَطَ الْخُرُوجُ بَعْدَ قَوْلِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مِنْ وُجُودِ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَحْوَطَ أَيْ كَوْنُ الْخُرُوجِ بِدُونِ الْمَجِّ أَحْوَطَ تَوْجِيهًا لِقَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ لَا لِكَلَامِ الْخُلَاصَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَجَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَتَصْحِيحُهُ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَلَامَ عَلَى الشَّارِحِ وَلَا غُبَارَ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمِنَحِ قُلْت
الجزء 1 · صفحة 49
الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا هُنَا الْخُرُوجُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ كَانَ سِنُّهُ مُجَوَّفًا أَوْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ أَوْ دَرَنٌ رَطْبٌ يُجْزِيه؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَطِيفٌ يَصِلُ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَالِبًا كَذَا فِي التَّجْنِيسِ ثُمَّ قَالَ ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا كَانَ فِي أَسْنَانِهِ كَوَّاتٌ يَبْقَى فِيهَا الطَّعَامُ لَا يُجْزِيه مَا لَمْ يُخْرِجْهُ وَيَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا، وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ وَالْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ خِلَافُ هَذَا فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْعَلَ اهـ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيه وَالدَّرَنُ الْيَابِسُ فِي الْأَنْفِ كَالْخُبْزِ الْمَمْضُوغِ وَالْعَجِينِ يَمْنَعُ تَمَامَ الِاغْتِسَالِ، وَكَذَا جِلْدُ السَّمَكِ وَالْوَسَخُ وَالدَّرَنُ لَا يَمْنَعُ وَالتُّرَابُ وَالطِّينُ فِي الظُّفْرِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفَدُ فِيهِ وَمَا عَلَى ظُفْرِ الصَّبَّاغِ يَمْنَعُ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرَوِيِّ وَالْمَدَنِيِّ اهـ.
وَلَوْ بَقِيَ عَلَى جَسَدِهِ خَرْءُ بُرْغُوثٍ أَوْ وَنِيمُ ذُبَابٍ أَيْ ذَرْقُهُ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ جَازَتْ طَهَارَتُهُ وَيَجِبُ تَحْرِيكُ الْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ الضَّيِّقَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرْطٌ فَدَخَلَ الْمَاءُ الثُّقْبَ عِنْدَ مُرُورِهِ أَجْزَأَهُ كَالسُّرَّةِ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَتَكَلَّفُ فِي إدْخَالِ شَيْءٍ سِوَى الْمَاءِ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَيُدْخِلُ الْقُلْفَةَ اسْتِحْبَابًا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا الْخَارِجَ وُجُوبًا فِي الْغُسْلِ وَسُنَّةً فِي الْوُضُوءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّهُ كَالْفَمِ وَلَا تُدْخِلُ أَصَابِعَهَا فِي قُبُلِهَا وَبِهِ يُفْتَى وَلَوْ كَانَ فِي الْإِنْسَانِ قُرْحَةٌ فَبَرَأَتْ وَارْتَفَعَ قِشْرُهَا وَأَطْرَافُ الْقُرْحَةِ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ إلَّا الطَّرَفَ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْقَيْحُ، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ وَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ الْقِشْرَةِ أَجْزَأَهُ وُضُوءُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ الْغُسْلُ كَذَا فِي النَّوَازِلِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا، وَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ إذَا تَمَضْمَضَ هَكَذَا قَيَّدَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَفْظُهَا وَيَحِلُّ لِلْجُنُبِ شُرْبُ الْمَاءِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ لَا عَلَى وَجْهِهَا لَا؛ لِأَنَّهُ شَارِبُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَنَّهُ نَجِسٌ اهـ.
فَيَنْبَغِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُفْتَى بِهَا مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنْ يُبَاحَ الشُّرْبُ مُطْلَقًا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ انْفِصَالَ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى الْبَاطِنِ أَوْ إلَى الظَّاهِرِ وَالْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان الْجُنُبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَاهُ، وَإِنْ تَرَكَ لَا بَأْسَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِضِ
قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَالْجُنُبُ سَوَاءٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْتَحَبُّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ بِالْغُسْلِ لَا تَزُولُ نَجَاسَةُ الْحَيْضِ عَنْ الْفَمِ وَالْيَدِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ اهـ.
فَاحْفَظْهُ وَلِلْجُنُبِ أَنْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ إلَّا إذَا احْتَلَمَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي أَهْلَهُ مَا لَمْ يَغْتَسِلْ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ الْمُفَادِ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ الْبِلَّةِ فِي الْغُسْلِ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ، إذَا كَانَ مُتَقَاطِرًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَضُرُّ مَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِهِ فِي إنَائِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَرَ كُلُّهُ فِي الْإِنَاءِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَاسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا سُنَنُهُ وَآدَابُهُ وَصِفَتُهُ وَسَبَبُهُ فَسَتَأْتِي مُفَصَّلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا بَأْسَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ بِتَمَامِهِ وَالتَّكَلُّمِ عَلَى بَعْضِ مَعَانِيه رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ مُصْعَبٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. وَانْتِقَاصُ الْمَاء» بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الِاسْتِنْجَاءُ وَقِيلَ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَذَاكِيرِهِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ الِانْتِضَاحُ، وَهُوَ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ
فَإِذَا أَرَاهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى الْمَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَشَايِخُنَا فِي كُتُبِهِمْ لَكِنْ قَالُوا إنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَنْفَعُهُ إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَمْ يَجِفَّ الْبَلَلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمُجَّ خَرَجَ عَنْ الْجَنَابَةِ عَلَى قَوْلٍ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى آخَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا مَجَّهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُمَا اتِّفَاقًا إلَخْ فَهُوَ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ كَمَا هُوَ مَبْنَى كَلَامِ الْخُلَاصَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ لِلْجُنُبِ شُرْبُ الْمَاءِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ إلَخْ) لِيُتَأَمَّلْ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ شُرْبُهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا سَقَطَ الْفَرْضُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ مَذَاكِيرَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَنْتَقِصُ الْبَوْلُ أَيْ يُسْرِعُ فِي اسْتِنْقَائِهِ كَمَا قَالُوا فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ لَا يَحْلُبُهُ بَلْ يَنْضَحُ ضَرْعَهُ بِالنُّقَاخِ أَيْ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَنْقَطِعَ جَرَيَانُهُ تَأَمَّلْ
الجزء 1 · صفحة 50
أَمَّا إذَا كَانَ بَعِيدًا وَجَفَّ الْبَلَلُ ثُمَّ رَأَى بَلَلًا يُعِيدُ الْوُضُوءَ. وَالِاسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ سُمِّيَ اسْتِحْدَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيدَةِ، وَهِيَ الْمُوسَى، وَهُوَ سُنَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ إلَى السُّرَّةِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ تَوْفِيرُهَا وَالْبَرَاجِمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْجِيمِ جَمَعَ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا كُلُّهَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَيَلْتَحِقُ بِالْبَرَاجِمِ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَسْحِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَوْسَاخِ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ الْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ أَنَّهَا الدِّينُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا السُّنَّةُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْخِلْقَةُ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَمْتَنِعُ قَرْنُ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، فَإِنَّ الْإِيتَاءَ وَاجِبٌ وَالْأَكْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ نَظِيرَ مَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْفِطْرَةَ إذَا فُسِّرَتْ بِالسُّنَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْمَعْدُودِ مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ جَاءَ عَشْرٌ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَالْأَوْلَى فِي الْفِطْرَةِ تَفْسِيرُهَا بِالدِّينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِمَا سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَالصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِهِ كَمَا نَقَلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» إلَخْ وَإِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ ضَعْفَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: لَا دَلْكَهُ) أَيْ لَا يُفْتَرَضُ دَلْكُ بَدَنِهِ فِي الْغُسْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ، فَلَوْ أَفَاضَ الْمَاءَ فَوَصَلَ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَمْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ أَجْزَأَهُ غَسْلُهُ وَكَذَا وُضُوءُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَالِكًا وَالْمُزَنِيِّ فَإِنَّهُمَا شَرَطَاهُ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَاحْتَجَّا بِأَنَّ الْغُسْلَ هُوَ إمْرَارُ الْيَدِ وَلَا يُقَالُ لِوَاقِفٍ فِي الْمَطَرِ اغْتَسَلَ وَنُقِلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا قَالَ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ خُصُوصُ صِيغَةِ اطَّهَّرُوا، فَإِنَّ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ إمَّا فِي الْفِعْلِ نَحْوَ حَوَّلْت وَطَوَّفْت أَوْ فِي الْفَاعِلِ نَحْوُ مَوَّتَّ الْإِبِلَ أَوْ فِي الْمَفْعُولِ نَحْو {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} [يوسف: 23] وَالثَّانِي يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْفَاعِلِ فَلَا يُقَالُ فِي شَاةٍ وَاحِدَةٍ مَوَّتَّ وَالثَّالِثُ كَثْرَةُ الْمَفْعُولِ فَلَا يُقَالُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ غَلَّقْته.
وَإِنْ غَلَّقَهُ مِرَارًا كَمَا قِيلَ فَتَعَيَّنَ كَثْرَةُ الْفِعْلِ، وَهُوَ بِالدَّلْكِ اهـ.
وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ هُنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي النَّصِّ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الدَّلْكِ فَمَنْ شَرَطَهُ فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ، وَهُوَ نَسْخٌ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُحْتَجُّ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِزِيَادَةٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُمْ لَا تُسَمَّى الْإِفَاضَةُ غُسْلًا مَمْنُوعٌ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ إلَى قَوْلِهِ فَتُعَيَّنُ كَثْرَةُ الْفِعْلِ قَدْ يُقَالُ إنَّ صِيغَةَ اطَّهَّرُوا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْثِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْدَادُ إلَخْ) لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ ذِكْرُ الِاسْتِحْدَادِ بَلْ الَّذِي مَرَّ هُوَ الْحَلْقُ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْجِيمِ) عُطِفَ عَلَى فَتْحٍ وَالْأَوْلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِالْجِيمِ بِإِعَادَةِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ، وَهِيَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ فَعَّلَ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَارِجٌ عَنْ الِانْتِظَامِ مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ وَلَوْلَا ضَرُورَةُ بَيَانِهِ لَكَانَ الْأَوْلَى لِمِثْلِي حِفْظُ لِسَانِهِ فَأَقُولُ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ ادِّعَاءَ الْمُحَقِّقِ أَنَّ اطَّهَّرَ مِنْ بَابِ فَعَّلَ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَلَعَلَّ الْمُحَقِّقَ الْكَمَالَ تَفَطَّنَ لِهَذَا فَأَضْرَبَ فِيمَا وُجِدَ بِخَطِّهِ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ إنَّ صِيغَةَ اطَّهَّرُوا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ فَمَمْنُوعٌ أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ اطَّهَّرُوا أَمْرٌ مِنْ تَطَهَّرَ الْقَوْمُ كَمَا عَلِمْت، وَهُوَ لَازِمٌ، وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْكَمَالِ مِنْ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ طَهَّرَ فَلَا مَفْعُولَ فِيهِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ وَأَمَّا ثَالِثًا؛ فَلِأَنَّا، وَإِنْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ فِي حُكْمِ قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَادَّعَيْنَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى اطَّهَّرُوا لِيُطَهِّرْ كُلُّ وَاحِدِ مِنْكُمْ بَدَنَهُ فَيَكُونُ فِيهِ مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى فَنَقُولُ لَا يَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَدَنَ كُلِّ أَحَدٍ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ
وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْمَفْعُولِ يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْمَفْعُولِ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْثِيرَ فِي الْفِعْلِ وَلَا عَكْسَ اهـ.
وَقَوْلُهُ كَمَوْتِ الْإِبِلِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ لِمَا عَلِمْت الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ تَكْثِيرٌ إلَخْ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ
الجزء 1 · صفحة 51
فِي الْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْمَفْعُولِ يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْمَفْعُولِ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ كَمَوْتِ الْإِبِلَ أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ تَكْثِيرٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدًا كَقَطَّعْتُ الثَّوْبَ، فَإِنَّ التَّكْثِيرَ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ وَاحِدًا وَطَهَّرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ طَهَّرْت الْبَدَنَ يَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّصْرِيفِ بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُ وَفَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ، وَهُوَ إمَّا فِي الْفِعْلِ نَحْوُ حَوَّلْت وَطَوَّفْت أَوْ فِي الْفَاعِلِ نَحْوُ مَوَّتَّ الْإِبِلَ أَوْ فِي الْمَفْعُولِ نَحْوُ غَلَّقْت الْأَبْوَابَ
فَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ اسْتِعْمَالُهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مَوَّتَّ الشَّاةَ لِشَاةٍ وَاحِدَةٍ خَطَأً؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَسْتَقِيمُ تَكْثِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّاةِ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ تَكْثِيرُهَا وَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ ثَمَّ مَفْعُولٌ لِيَكُونَ التَّكْثِيرُ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ قَوْلِك قَطَعْت الثَّوْبَ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَاحِدًا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُ الْمَاءِ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِي لَمْ يَخْتَتِنْ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ فِي غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا لِلْحَرَجِ الْحَاصِلِ لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ لَا لِكَوْنِهِ خِلْقَةً كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْقُلْفَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَجَعَلُوهُ كَالْخَارِجِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَفِي حَقِّ الْغُسْلِ كَالدَّاخِلِ حَتَّى لَا يَجِبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَقَالَ الْكُرْدِيُّ: يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ. اهـ. فَإِنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَعْلِيلِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلْنَا بِهِ تَبَعًا لِفَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْقُلْفَةِ وَصُحِّحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْخَالِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ دَاخِلَهَا مُسْتَحَبٌّ كَمَا أَنَّ الدَّلْكَ مُسْتَحَبٌّ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِكَوْنِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا سَابِقَةً فِي الْوُجُودِ عَلَى مَا بَعْدَهَا فَهِيَ بِالدَّلْكِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ السَّبْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَنُهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ كَيْفَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ فِي الْمَفْعُولِ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدٌ بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ إلَّا أَنْ يَسْتَقِيمَ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ كَمَا كَتَبَهُ بِيَدِهِ فِي آخِرِ كَلَامِ الْجَارْبُرْدِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ فَيَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ لَا الْمَفْعُولِ؛ وَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الرَّضِيُّ: فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ تَقُولُ ذَبَحْت الشَّاةَ وَلَا تَقُولُ ذَبَّحْتُهَا وَأَغْلَقْت الْبَابَ مَرَّةً وَلَا تَقُولُ لَا غَلَّقْته بَلْ تَقُولُ ذَبَحْت الْغَنَمَ وَغَلَّقْت الْأَبْوَابَ اهـ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ قَطَّعْت الثَّوْبَ فِيهِ تَكْثِيرُ الْمَفْعُولِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ بِمَنْزِلَةِ مَفْعُولٍ وَلَكِنْ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَفْعُولًا اصْطِلَاحِيًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ بِهِ نَفْعًا فِي مُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّ طَهَّرْت الْبَدَنَ لَيْسَ نَظِيرَهُ بَلْ مِثْلُ ذَبَّحْت الشَّاةَ وَقَدْ عَلِمْت امْتِنَاعَ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ فِيهِ مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ كَتَبَهُ بِيَدِهِ
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ طَهَّرْت الْبَدَنَ لَيْسَ نَظِيرَ قَطَّعْت الثَّوْبَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْت كَلَامَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ طَهُرَ بِمَنْزِلَةِ مَفْعُولٍ مُسْتَقِلٍّ فَهُوَ نَظِيرُهُ قُلْت لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَحَّحَ عَدَمُ تَجَزِّي الطَّهَارَةِ فَلَا يُوصَفُ الْعُضْوُ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَلِأَنَّ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ الْجَارْبُرْدِيِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَشْهَدُ لَهُ بَلْ فِيهِ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ قَوْلِك قَطَّعْت الثَّوْبَ، فَإِنَّهُ سَائِغٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمَفْعُولِ فِيهِ وَاحِدًا، وَهُوَ الثَّوْبُ وَلِهَذَا نُقِلَ بَعْدَهُ تَأْوِيلُ عِبَارَةِ الْمُفَصَّلِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا لَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فِي هَذَا الْمِثَالِ فَحَمَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ مِثْلُ ذَبَّحْت الشَّاةَ لَا إذَا اسْتَقَامَ مِثْلُ قَطَّعْت الثَّوْبَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْجَارْبُرْدِيُّ تَوْطِئَةً لِرَدِّ مَا نَقَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الشَّافِيَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ غَلَّقْت بِالتَّضْعِيفِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَفْعُولُ جَمْعًا حَتَّى لَوْ كَانَ وَاحِدًا وَغَلَّقَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا غَلَقَ بِلَا تَضْعِيفٍ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ اهـ.
قَالَ الْجَارْبُرْدِيُّ، وَهَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ اهـ.
وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْجَارْبُرْدِيِّ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَاحِدًا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَأَنَّ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ وَاحِدًا تَأَمَّلْ وَبِمَا تَلَوْنَا عَلَيْك عَلِمْت عَدَمَ اسْتِقَامَةِ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا بِدْعَ، فَإِنَّهُ لَا عِصْمَةَ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ) عَنْ هَذَا نَشَأَ مَا فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ لِلْحَصْكَفِيِّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ فَسْخُ الْقُلْفَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ يَجِبُ، وَإِلَّا لَا اهـ.
وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الْمُخْتَارُ مَشَى الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ نُورِ الْإِيضَاحِ وَفِي حَاشِيَته عَلَى الدُّرَرِ.
الجزء 1 · صفحة 52
وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ ثَلَاثًا) لِمَا رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ «وَضَعْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فَهَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَعَلَّلُوا بِأَنَّهُمَا آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْتَدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَاسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الْفَرْجِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ لَا كَتَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي سَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ لَا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِيهِ أَنْ يَقُولَ وَنَجَاسَةٌ عَنْ قَوْلِهِ وَفَرْجُهُ لِأَنَّ الْفَرْجَ إنَّمَا يُغْسَلُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ. اهـ.
وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ الْفَرْجِ لَمْ يَنْحَصِرْ كَوْنُهُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لَهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَسَلَهُ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ رُبَّمَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ إلَّا دَاوُد الظَّاهِرِيَّ فَقَالَ بِالْوُجُوبِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ
وَإِذَا تَوَضَّأَ أَوَّلًا لَا يَأْتِي بِهِ ثَانِيًا بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءَانِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَعْنِي لَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءَانِ لِلْغُسْلِ أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَيُسْتَحَبُّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ أَنْ يُدَلِّكَ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ يَدَهُ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالْحَائِطِ لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الرَّأْسِ فِي الصَّبِّ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ ثُمَّ بِالرَّأْسِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهِ يُضَعَّفُ مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الرَّأْسَ وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ إشَارَاتٌ الْأُولَى: أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فِي هَذَا الْوُضُوءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْغَسْلِ وَالْمَسْحِ
وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَيْ مُجْتَمَعِهِ وَلَا يُقَدِّمُ وَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ مُطْلَقًا وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يُؤَخِّرُ مُطْلَقًا وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ مَا وَقَعَ مِنْ رِوَايَتَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ فَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَأْخِيرَ الْقَدَمَيْنِ فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِمَا، فَأَخَذَ بِهَذِهِ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا لِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالضَّبْطِ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ صَرِيحًا تَأْخِيرُ غَسْلِهِمَا فَأَخَذَ بِهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا لِشُهْرَتِهَا، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ
وَحُمِلَ مَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْجَوَازِ فَقَوْلُ الْمَشَايِخِ الْقَائِلِينَ بِالتَّأْخِيرِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [سُنَنُ الْغُسْل]
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ لَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْجُنُبَ قَدْ لَا يَكُونُ مُحْدِثًا وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَنَا وَكَانَ مَا ذَكَرَهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ اهـ.
وَأَقُولُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا فِي كَافِرٍ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَهُوَ جُنُبٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ:؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ الْفَرْجِ إلَخْ) نُظِرَ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّنِّيَّةِ لَا النَّدْبِ وَدَفَعَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْبَحْرِ نَقْضُ حَصْرِ تَقْدِيمِهِ فِي كَوْنِهِ لِنَجَاسَتِهِ بِجَوَازِ كَوْنِهِ لِغَيْرِهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي الْجَوَازِ وَذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ يَحْتَاجُ عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ إلَى غَسْلِهِمَا فَلَمْ يُفِدْ الْغَسْلُ فَائِدَتَهُ فَوَجَبَ التَّأْخِيرُ تَحَامِيًا عَنْ الْإِسْرَافِ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَوْلَوِيَّةُ التَّأْخِيرِ مَعَ النَّجَاسَةِ أَيْضًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَنَجَاسَةٍ، وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ بَنَى الِاخْتِلَافَ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ الْمُفْتَى بِهَا أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ فَلَا كَلَامَ لَهُ فِي أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ لِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ الْهِنْدِيِّ وَالْمُحِيطِ هَذَا وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَلَى الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِ عِبَارَةِ النَّهْرِ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَأَقُولُ: كَوْنُ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُفِدْ إلَى قَوْلِهِ تَحَامِيًا عَنْ الْإِسْرَافِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ بِهِ حِينَئِذٍ مَسُّ الْمُصْحَفِ بَلْ مَا عَدَا الصَّلَاةِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لِزَوَالِ الْحَدَثِ وَهَلَّا تَكْفِي هَذِهِ الْفَائِدَةُ وَبَعْدَ حُصُولِهَا كَيْفَ يُقَالُ بِالْإِسْرَافِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْكُ إذْ قَدْ لَا يُصَلِّي إذْ ذَاكَ وَقَوْلُهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَنَجَاسَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا بَلْ الْفَرْقُ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ وَلَاقَاهَا الْمَاءُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدَثُ حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ تَنَجَّسَ بِهَا إلَّا إذَا تَطَهَّرَ الْمَحَلَّ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ أَيْضًا وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ انْتِشَارِهَا فِي الْبَدَنِ بِخِلَافِ
الجزء 1 · صفحة 53
؛ لِأَنَّهُمَا يَتَلَوَّثَانِ بِالْغَسَلَاتِ بَعْدُ فَيُحْتَاجُ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الْفَائِدَةُ الْكَامِلَةُ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ غَسْلَهُمَا وَلَمْ يَغْسِلْهُمَا ثَانِيًا خَرَجَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أَصَابَهُمَا مِنْ الْأَرْضِ الْمُجْتَمَعِ فِيهَا الْغَسَلَاتُ مُسْتَعْمَلٌ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَلَيْسَ الَّذِي أَصَابَ قَدَمَيْهِ مِنْ صَبِّهِ عَلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهِ غَيْرُ مَا اجْتَمَعَ فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمَلًا أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي فَلَا يُوصَفُ هَذَا الْمَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَالْمَاءُ الَّذِي أَصَابَ الْقَدَمَيْنِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ فِي الْغُسْلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَجُوزَ نَقْلُ الْبِلَّةِ فِيهِ مِنْ عُضْوٍ إلَى آخَرَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّهِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ لَا اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ مُجْتَمَعِ الْغَسَلَاتِ
وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَقَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْحَدَثُ حَتَّى تَعَافَهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ فَقَالَ: وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُمَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَجَّسَانِ ثَانِيًا بِاجْتِمَاعِ الْغَسَلَاتِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَعَلَيْهَا فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً تَامَّةً، وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَ التَّقْدِيمُ فَائِدَةً، وَهِيَ حِلُّ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَإِنْ كَانَتْ قَدَمَاهُ مُتَنَجِّسَتَيْنِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْفَائِدَةِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي فَغَسْلُهُمَا مُفِيدٌ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَزُولُ عَنْ رِجْلَيْهِ إذَا غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَيَكُونُ طَاهِرًا فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ بَعْدَ غَسْلِ سَائِرِ جَسَدِهِ، فَإِنَّهُ فُهِمَ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ بَاقِيَ بَدَنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ رِجْلَيْهِ لِأَجَلِ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْجَنَابَةِ عَنْهُمَا، وَهَذَا ذُهُولٌ عَظِيمٌ وَسَهْوٌ كَبِيرٌ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَرْضَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِتَقْدِيمِهِ وَلَكِنْ هَلْ زَالَتْ الْجَنَابَةُ عَنْهُمَا أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي فَرِوَايَةُ التَّجَزِّي قَائِلَةٌ بِالْأَوَّلِ وَرِوَايَة عَدَمُ التَّجَزِّي قَائِلَةٌ بِالثَّانِي لَا أَنَّهَا قَائِلَةٌ بِوُجُوبِ إعَادَةُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَفَائِدَةُ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَوْ تَمَضْمَضَ الْجُنُبُ أَوْ غَسَلَ يَدَيْهِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ فَعَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي يَحِلُّ لَهُ لِزَوَالِ الْجَنَابَةِ عَنْهُ وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي لَا يَحِلُّ لَهُ لِعَدَمِ الزَّوَالِ الْآنَ وَقَدْ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ
وَقَدْ انْدَفَعَ بِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مَا اسْتَشْكَلَهُ بَعْض الْمُحَشَّيْنِ مِنْ زَوَالِ الْجَنَابَةِ بِصَبِّ الْمَاءِ مِنْ الرَّأْسِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي وَقَالَ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ وَسُوءُ فَهْمٍ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبَدَنَ فِي الْغُسْل كَعُضْوٍ وَاحِدٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بَعْد الِانْفِصَالِ عَنْ الْعُضْو فَعَلَى رِوَايَة التَّجَزِّي لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا إذَا انْفَصِلْ عَنْ جَمِيع الْبَدَنِ، وَإِنْ زَالَتْ الْجَنَابَة عَنْ كُلّ عُضْو انْفَصِلْ عَنْهُ الْمَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرِ لَا يَخْفَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّأْخِيرِ إنَّمَا اسْتَحَبُّوهُ لِيَكُونَ الِافْتِتَاح وَالِاخْتِتَام بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَخَذَا مِنْ حَدِيث مَيْمُونَةَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلهَا تَوَضَّأَ، وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ الْأَظْهَرُ فِيهِ إكْمَالُ وُضُوئِهِ وَقَوْلُهَا آخِرًا ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا نَالَهُمَا مِنْ تِلْكَ الْبُقْعَةِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ غَسَلَهُمَا أَوْ لَا إكْمَالًا لِلْوُضُوءِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا وَسَوَاءٌ أَصَابَهُمَا طِينٌ أَوْ كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَخْفَى تَعَيُّنُ غَسْلِهِمَا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ إذَا كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ، وَكَانَ عَلَى الْبَدَنِ نَجَاسَةٌ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَفِي الذَّخِيرَةِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ خَاضَ الرَّجُلُ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ بَعْدَ مَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ جُنُبًا أَجْزَأَهُ أَنْ لَا يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنْ فِي الْحَمَّامِ جُنُبًا قَدْ اغْتَسَلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ إذَا خَرَجَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي وَاقِعَاتِهِ وَعَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنَجُّسِ الرِّجْلَيْنِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ وَتَمَامِ الطَّهَارَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ فَقَالَ إلَخْ) أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَنَى عَلَيْهِ كَلَامَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ هُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ بَلْ فِي اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي لُزُومِ غَسْلِهِمَا بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُقَوَّى بِهِ كَلَامَهُ مَعَ أَنَّهُ يُنَابِذُ مَرَامَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي إلَخْ) أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَزُولُ عَنْ رِجْلَيْهِ إلَخْ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي غَسْلِهِمَا أَوَّلًا وَأَنَّهُ يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا
الجزء 1 · صفحة 54
مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ لَكِنْ اسْتَثْنَى الْجُنُبَ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرُهُ قَالَ إنَّمَا اسْتَثْنَى الْجُنُبَ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَكُونُ عَلَى بَدَنِهِ قَذَرٌ ظَاهِرًا وَغَالِبًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ سَوَاءً وَيَكُونُ طَاهِرًا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
وَفِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ وَقَالَ الْإِمَامُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَنْشِيفُ الْمَاءِ عَنْ الْأَعْضَاءِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ رَدُّهُ لِلْمِنْدِيلِ لِشَيْءٍ رَآهُ أَوْ لِاسْتِعْجَالِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ تَوَاضُعًا أَوْ خِلَافًا لِعَادَةِ أَهْلِ التَّرَفُّهِ وَيَكُونُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ لِيُزِيلَ بَرْدَ الْمَاءِ عَنْ أَعْضَائِهِ اهـ.
وَالْمَنْقُولُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَالِغَ وَيَسْتَقْصِيَ فَيَبْقَى أَثَرُ الْوُضُوءِ عَلَى أَعْضَائِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ إلَّا صَاحِبَ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِمِنْدِيلٍ بَعْدَ الْغُسْلِ الْإِشَارَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ جَمِيعَ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فِي الْوُضُوءِ ثَابِتَةٌ فِي هَذَا الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَتُسَنُّ النِّيَّةُ وَيُنْدَبُ التَّلَفُّظُ بِهَا. .
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا آدَابُ الْغُسْلِ فَهِيَ آدَابُ الْوُضُوءِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمِنْ مَكْرُوهَاتِهِ الْإِسْرَافُ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ وَلِهَذَا قَدَّرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الصَّاعَ لِلْغُسْلِ، وَالْمُدَّ لِلْوُضُوءِ، وَهُوَ تَقْدِيرُ أَدْنَى الْكِفَايَةِ عَادَةً وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْبَغَ بِدُونِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ زَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَأَحْوَالَهُمْ تَخْتَلِفُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ التَّقْدِيرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ بَلْ يَغْتَسِلُ بِأَزْيَدَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْوَسْوَاسِ، فَإِنْ أَدَّى لَا يَسْتَعْمِلُ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الصَّاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ مَعَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» وَفِي الْبُخَارِيِّ «اغْتِسَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّاعِ» مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ إذَا اكْتَفَى بِهِ وَقَدْ قَالُوا إنْ مَكَثَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي قَدْرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ.
وَيُقَاسُ عَلَى مَا لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَوْ وَقَفَ فِي الْمَطَرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا) أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفِيرَتَهَا إنْ بَلَّتْ فِي الِاغْتِسَالِ أَصْلَ شَعْرِهَا وَالضَّفِيرَةُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الذُّؤَابَةُ مِنْ الضَّفْرِ، وَهُوَ فَتْلُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ وَلَا يُقَالُ بِالظَّاءِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: لَا إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ وَفِي رِوَايَةٍ أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنَحْوِ مَعْنَاهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيصَالِ إلَى الْأُصُولِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ تَبْلِيغَ الْمَاءِ أُصُولَ الشَّعْرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ إلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ إذَا اغْتَسَلَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ إلَّا صَاحِبَ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَخْ) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْحَلَبِيُّ بِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَكِنْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعِي التَّنْشِيفُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَالْمَرْوِيُّ فِي الْوُضُوءِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ آدَابَ الْغُسْلِ هِيَ آدَابُ الْوُضُوءِ سِوَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ تَأَمَّلْ.
[آدَابُ الْغُسْلِ]
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِقَوْلِهِ إنَّ بُلَّ أَصْلُهَا إذْ لَوْ بَنَاهُ لِلْفَاعِلِ لَقَالَ إنْ بَلَّتْ كَذَا فِي الشَّرْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْمَفْعُولِ نَعَمْ الْأَنْسَبُ كَوْنُ الْفِعْلَيْنِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى وُجُوبِ غَسْلِ أَثْنَائِهَا لَوْ كَانَتْ مَنْقُوضَةً لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ فِي الْمِعْرَاجِ وُجُوبَ النَّقْضِ فِي الْأَتْرَاكِ وَالْعَلَوِيَّةِ وَدَعْوَى الْحَرَجِ فِيهِمَا أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ بَقِيَ أَنَّ بِنَاءَهُ لِلْمَفْعُولِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ وُجُوبِ النَّقْضِ فِيهِمَا أَيْضًا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْوِينَ بَدَلٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْ ضَفِيرَةُ الْمَرْأَةِ وَحَذَفَهَا اخْتِصَارًا كَمَا فِي الشَّرْحِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ مَنْقُوضَةً غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ مَعَ الضَّفْرِ الْوُصُولُ إلَى الْأَثْنَاءِ فَالذَّوَائِبُ أَوْلَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ مِنْ تَرْجِيحِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ اهـ.
وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ وَبِهَذَا عُلِمَ إلَخْ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِيمَاءِ وَتَأَمَّلْ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ مَعَ الضَّفْرِ إلَخْ، فَإِنَّ الذَّوَائِبَ هِيَ الضَّفَائِرُ وَمَا وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ
الجزء 1 · صفحة 55
وَيَقُولُ يَا هَذِهِ أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِك وَشُؤُونَ رَأْسِك وَهُوَ مَجْمَعُ عِظَامِ الرَّأْسِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ مُعَارِضٌ لِلْكِتَابِ.
وَأَجَابَ تَارَةً بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ مُؤَدَّى الْكِتَابِ غَسْلُ الْبَدَنِ وَالشَّعْرُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مُتَّصِلٌ بِهِ نَظَرًا إلَى أُصُولِهِ فَعَلِمْنَا بِمُقْتَضَى الِاتِّصَالِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ حَتَّى قُلْنَا يَجِبُ النَّقْضُ عَلَى الْأَتْرَاكِ وَالْعَلَوِيِّينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِيصَالُ إلَى أَثْنَاءِ شَعْرِهَا إذَا كَانَ مَنْقُوضًا لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَبِمُقْتَضَى الِانْفِصَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ إذْ لَا يُمْكِنُهُنَّ حَلْقُهُ وَتَارَةً بِأَنَّهُ خَصَّ مِنْ الْآيَةِ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ فَيَخُصُّ بِالْحَدِيثِ بَعْدَهُ
وَأَمَّا أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِنَقْضِ النِّسَاءِ رُءُوسَهُنَّ إذَا اغْتَسَلْنَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إيجَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ فِي شُعُورٍ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا أَوْ يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ النَّقْضُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيّ أَوْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُنَّ بِذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي الْهِدَايَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا وهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ بَلُّهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بِلَّةٍ عَصْرَةٌ وَفِي صَلَاةِ الْبِقَالِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الذَّوَائِبِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْوُجُوبِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الْحُسَامِيِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ مَنْقُوضًا كَانَ أَوْ مَعْقُوصًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ الثَّانِي الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ إذَا كَانَ مَضْفُورًا وَوُجُوبُ الْإِيصَالِ إلَى أَثْنَائِهِ إذَا كَانَ مَنْقُوضًا وَمَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي الثَّالِثُ وُجُوبُ بَلِّ الذَّوَائِبِ مَعَ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ أَلْزَقَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا بِالصَّيَّبِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَجَبَ عَلَيْهَا إزَالَتُهُ وَثَمَنُ مَاءِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَوُضُوئِهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَصَارَ كَمَاءِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَفْصِيلًا فِي غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فَعَلَى الزَّوْجِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى وَطْئِهَا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِعَشْرَةٍ فَعَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُحْتَاجَةُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَا فَالْأَوْجَهُ إطْلَاقُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْضٌ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ عِنْدَ انْفِصَالِهِ) أَيْ وَفَرْضٌ الْغُسْلُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي سَبَبِ وُجُوبِهِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ إنْزَالَ الْمَنِيِّ وَنَحْوَهُ سَبَبٌ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ إلَى آخِرِهِ وَتَعَقَّبَهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ مُوجِبَةٌ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْغُسْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَإِنَّهَا تَنْقُضُهُ فَكَيْفَ تُوجِبُهُ وَرَدَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي مُوجِبَةً لِوُجُودِ الْغُسْلِ لَا لِوُجُوبِهِ وَرُدَّ أَيْضًا بِأَنَّهَا تَنْقُضُ مَا كَانَ وَتُوجِبُ مَا سَيَكُونُ فَلَا مُنَافَاةَ.
وَأَجَابَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَيْضًا بِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ شُرُوطٌ فِي الْوُجُوبِ لَا أَسْبَابٌ فَأُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُودُ وَالْوُجُوبُ وَالشَّرْطُ يُضَافُ إلَيْهِ الْوُجُودُ فَشَارَكَ الشَّرْطُ السَّبَبَ فِي الْوُجُودِ وَقَالَ فِي الْكَافِي، وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَ مَنِيٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِمَنِيٍّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْغُسْلِ الصَّلَاةُ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْإِنْزَالِ وَالِالْتِقَاءِ
وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ إذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي وُجِدَتْ الْإِرَادَةُ أَوَّلًا فَكَيْفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِك وَشُؤُونَ رَأْسِك إلَخْ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَالشُّؤُونُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ فِي الْأَصْلِ الْخُطُوطُ الَّتِي فِي عَظْمِ الْجُمْجُمَةِ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ شُعَبِ عِظَامِهَا الْوَاحِدُ شَأْنٌ وَالْمُرَادُ هَا هُنَا أُصُولُ شَعْرِ رَأْسِهَا (قَوْلُهُ: مَنْقُوضًا كَانَ أَوْ مَعْقُوصًا) أَيْ مَضْفُورًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَقَصَ شَعْرَهُ يَعْقِصُهُ ضَفَّرَهُ وَفَتَلَهُ وَالْعِقْصَةُ بِالْكَسْرِ الْعَقِيصَةُ وَالضَّفِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ) أَيْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ، وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اهـ.
فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ ظَاهِرُ الْمَتْنِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي اهـ.
[مُوجِبَات الْغُسْل]
(قَوْلُهُ: يَجِبُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ) أَيْ أَنَّ أَيَّ مَعْنًى إذَا وُجِدَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي يَجِبُ بِهِ الْغَسْلُ وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا فِي الرَّدِّ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَخْ
الجزء 1 · صفحة 56
يَكُونُ سَبَبًا وَقِيلَ السَّبَبُ الْجَنَابَةُ وَرُدَّ أَيْضًا لِوُجُودِهِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاخْتَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ السَّبَبَ الْجَنَابَةُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لِيَدْخُلَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَيُرَدُّ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ يُوجَدُ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ كَمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ سَبَبُهُ وُجُوبُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ الْآنَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ وَعَلَى وُجُوبِهِ بِالْإِنْزَالِ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْآخَرِينَ وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مَعَ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ لَا يُنْزِلُ قَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَفِيهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَالْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالُوا إنَّهُ مَنْسُوخٌ وَيَعْنُونَ بِالنَّسْخِ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْجِمَاعِ بِغَيْرِ إنْزَالٍ كَانَ سَاقِطًا ثُمَّ صَارَ وَاجِبًا
وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْسُوخًا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالرُّؤْيَةِ فِي النَّوْمِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ، وَهَذَا الْحُكْمُ بَاقٍ بِلَا شَكٍّ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَاشَرَهَا فِيمَا سِوَى الْفَرْجِ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنْ عِنْدَنَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِنْزَالِ أَنْ يَكُونَ انْفِصَالُ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ يُقَالُ دَفَقَ الْمَاءَ دَفْقًا صَبَّهُ صَبًّا فِيهِ دَفْعٌ وَشِدَّةٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ دَفَقَ الْمَاءَ دَفْقًا صَبَّهُ، وَدَفَقَ الْمَاءَ دُفُوقًا يَتَعَدَّى، وَلَا يَتَعَدَّى وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ نُزُولُ الْمَنِيِّ دُونَ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النُّزُولِ الْإِنْزَالُ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ مَنْ احْتَلَمَ أَوْ وَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِلَا قَصْدِ الْإِنْزَالِ ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذِكْرُ الدَّفْقِ اشْتِرَاطًا لِلْخُرُوجِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ دَفَقَ الْمَاءُ دُفُوقًا بِمَعْنَى خَرَجَ مِنْ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ دَفَقَ دَفْقًا، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى صَبَّهُ صَبًّا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْعَلَا الدَّفْقَ شَرْطًا بَلْ تَكْفِي الشَّهْوَةُ حَتَّى قَالَا بِوُجُوبِهِ إذَا زَايَلَ الْمَنِيَّ مِنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ
وَإِنْ خَرَجَ بِلَا دَفْقٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي كَلَامِهِ فَلِكَيْ يَسْتَقِيم غَايَتُهُ يَلْزَمُ تَرْكُ بَعْضِ مُوجِبَاتِهِ عِنْدَهُمَا فِي مَوْضِعِ بَيَانِهَا اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ الْإِنْزَالِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّهْوَةِ دَخْلٌ فِي الْإِنْزَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَارِنَةً أَوْ سَابِقَةً عَلَيْهِ مُقَارِنَةً لِلِانْفِصَالِ هَذَا، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَشَدُّ إشْكَالًا؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهَا مَا وَرَدَ عَلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ مِنْ أَنَّهَا لَا تَشْمَلُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا لَا يَكُونُ دَافِقًا كَمَاءِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى فَرْجِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَيَرِدُ عَلَى عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ خَاصَّةً التَّنَاقُضُ فِي التَّرْكِيبِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الدَّفْقِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ يَنْفِيه فَلَوْ حَذَفَ الدَّفْقَ لَكَانَ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ أَيْضًا) أَيْ رُدَّ مَا تَعَقَّبَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَهَذَا الرَّدُّ يَئُولَ فِي الْمَعْنَى إلَى مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إلَخْ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ لِمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَ قَوْلِهِ الْآتِي، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى صَبَّهُ صَبًّا وَقَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَوْجُودُ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ هُنَا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا الْمَوْجُودَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا قُلْنَا أَحْسَنُ (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ الْإِنْزَالُ إلَخْ) لَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ يَنْفِيهِ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِطُ الشَّهْوَةَ وَالدَّفْقَ عِنْدَ الْخُرُوجِ عَنْ رَأْسِ الذَّكَرِ لَا عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ يُمْكِنُ: تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ وَلَكِنْ مَعَ نَوْعٍ مِنْ التَّكَلُّفِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ الدَّفْقُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ اللَّازِمِ كَمَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ أَيْ ذِي دَفْعٍ أَوْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ دَافِقًا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَدْفُقُ بَعْضًا أَيْ يَدْفَعُهُ فَمِنْهُ دَافِقٌ وَمِنْهُ مَدْفُوقٌ وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَرْضٌ كَالظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ مَنِيٍّ وَالْمُرَادُ بِالِانْفِصَالِ الْخُرُوجُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ صَادِقًا بِالْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ لَمْ تُقَيَّدْ بِكَوْنِهَا عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَلَا عِنْدَ الْخُرُوجِ أَوْ الظَّرْفُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضٍ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ مَنِيٍّ وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالدَّفْقِ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِمَا فَذِكْرُ الشَّهْوَةِ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا فَلَا يَكُونُ مُسْتَدْرِكًا كَمَا قِيلَ لِتَغَايُرِ مَفْهُومَيْهِمَا، وَإِنْ اسْتَلْزَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي فِيمَا بَعْدُ وَالدَّفْقُ عَلَى تَفْسِيرَيْهِ الْمَارَّيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْخُرُوجِ
وَيَشْمَلُ كَلَامُهُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَوْ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا التَّنَاقُضُ عَنْ كَلَامِهِ، وَهَذَا
الجزء 1 · صفحة 57
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الدَّفْقَ بِمَعْنَى الدُّفُوقِ مَصْدَرُ اللَّازِمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ إنْزَالَهُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ كَانَ عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ لَا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» أَيْ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْإِنْزَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ لَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، وَهُوَ فِي اللُّغَة اسْمٌ لِمَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ فَكَانَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ مُعَلَّقًا بِالْجَنَابَةِ لَا بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَأُورِدَ عَلَى هَذَا أَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِدْلَال بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَجِبْ عَنْهُ
وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ بَلْ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَا أَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ أَوْجَبَ عَدَمَ الْحُكْمِ، وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ اشْتَغَلَ بِأُصُولِ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَعِنْدَنَا الْعَدَمُ لَا يَثْبُتُ بِالتَّعْلِيقِ بَلْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَجَابَ فِي الْهِدَايَةِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَةٍ قَالَ الشَّارِحُونَ: وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ يُرَادُ أَخَصُّ الْخُصُوصِ لِتَيَقُّنِهِ، وَهُنَا يَمْتَنِعُ إجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِإِنْزَالِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْبَوْلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةٍ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ، وَهُوَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ لَا عَنْ شَهْوَةٍ مُرَادًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَوْفَقَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ أَخَصَّ الْخُصُوصِ الَّذِي أُرِيدَ بِالْإِجْمَاعِ مَا يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالِانْفِصَالِ جَمِيعًا فَالْأَوْلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةِ الِاحْتِلَامِ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَارِدًا عُدِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ طَرِيقَةِ الشَّارِحِينَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَيْ الْمَاءُ الْمَعْهُودُ وَاَلَّذِي بِهِ عَهْدُهُمْ هُوَ الْخَارِجُ عَنْ شَهْوَةٍ كَيْفَ وَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ جَمِيعُ عُمْرِهِ وَلَا يَرَى هَذَا الْمَاءَ مُجَرَّدًا عَنْهَا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمَنِيِّ يَكُونُ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ مَمْنُوعٌ.
فَإِنَّ عَائِشَةَ أَخَذَتْ فِي تَفْسِيرِهَا إيَّاهُ الشَّهْوَةَ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْمَنِيَّ هُوَ الْمَاءُ الْأَعْظَمُ الَّذِي مِنْهُ الشَّهْوَةُ، وَفِيهِ الْغُسْلُ وَكَذَا عَنْ قَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ مَنِيٌّ إلَّا مِنْ خُرُوجِهِ عَنْ شَهْوَةٍ، وَإِلَّا يَفْسُدْ الضَّابِطُ ثُمَّ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ مَقَرِّهِ مِنْ الصُّلْبِ بِشَهْوَةٍ إلَّا إذَا خَرَجَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الشَّهْوَةِ الْخُرُوجَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ وَعِنْدَهُمَا لَا
وَقَدْ أَشَارَ إلَى اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا بِقَوْلِهِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ أَيْ فَرْضِ الْغُسْلِ عِنْدَ خُرُوجِ مَنِيٍّ مَوْصُوفٍ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ مَحَلِّهِ عِنْدَهُمَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُتَعَلِّقٌ بِانْفِصَالِ الْمَنِيِّ وَخُرُوجِهِ وَقَدْ شُرِطَتْ الشَّهْوَةُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ فَتُشْتَرَطُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْجَنَابَةَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْإِنْزَالِ فَإِذَا وُجِدَتْ مَعَ الِانْفِصَالِ صَدَقَ اسْمُهَا، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا ثُبُوتَ حُكْمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لَكِنْ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ الِانْفِصَالُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا بَقِيَ وَاحْتِيَاطٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْأَقْوَى مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَوَجَبَ وَأَوْرَدَ فِي النِّهَايَةِ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ الْمُفْضَاةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الْقُبُلِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ وَجَبَ فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ جَانِبِ الْوُجُوبِ احْتِيَاطًا كَمَا قَالَا هُنَا.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الشَّكَّ هُنَاكَ جَاءَ مِنْ الْأَصْلِ فَتَعَارَضَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ فَتَسَاقَطَا فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ بِيَقِينٍ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ أَمَّا هُنَا جَاءَ دَلِيلُ عَدَمِ الْوُجُوبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّقْرِيرُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ كُلَّ الْبَعْدِ خُصُوصًا الثَّانِيَ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْمَرَّةِ وَخُرُوجُهُ عَنْ الِانْتِظَامِ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ يَتَكَلَّفُونَ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ بِأَبْعَدَ مِنْ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بِذَلِكَ إلْمَامٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ (قَوْلُهُ: أَيْ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْإِنْزَالِ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَيْ وُجُوبُ الْمَاءِ مِنْ نُزُولِ الْمَنِيِّ لِيَكُونَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ فِيهِمَا وَلِيُوَافِقَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِوُجُوبِهِ بِالنُّزُولِ لَا بِالْإِنْزَالِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ لَوْ صَحَّ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ أَلْ عَلَى الْجِنْسِ أَيْ جِنْسِ الْمَاءِ النَّازِلِ مِنْ مَخْرَجِ الْإِنْسَانِ بَلْ هُوَ بَعِيدٌ لِعَدَمِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُونَ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَفْسُدْ الضَّابِطُ) أَيْ الضَّابِطُ الَّذِي وَصَفَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِتَمْيِيزِ الْمِيَاهِ لِتُعْطِيَ أَحْكَامَهَا، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَأَمَّا الْمَذْيُ فَالرَّجُلُ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ فَيَظْهَرُ عَلَى ذَكَرِهِ الشَّيْءُ فَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَأَمَّا الْوَدْيُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْبَوْلِ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ الْمَاءُ الْأَعْظَمُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا بَقِيَ) ، وَهُوَ الشَّهْوَةُ حَالَةَ الْخُرُوجِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِنْ الْجَوَابِ الْآتِي وَيَكُونُ حَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالِانْفِصَالِ وَالْخُرُوجِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الِانْفِصَالِ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا فَبِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الشَّهْوَةِ حَالَةَ الِانْفِصَالِ يَجِبُ وَبِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِهَا حَالَةَ الْخُرُوجِ لَا فَوَجَبَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَثُبُوتُهُ بِالْأَوَّلِ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى
الجزء 1 · صفحة 58
مِنْ الْوَصْفِ، وَهُوَ الدَّفْقُ وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ مِنْ الْأَصْلِ، وَهُوَ نَفْسُ وُجُودِ الْمَاءِ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَكَانَ فِي إيجَابِ الِاغْتِسَالِ تَرْجِيحٌ لِجَانِبِ الْأَصْلِ عَلَى جَانِبِ الْوَصْفِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ قَدْ سَبَقَ هُنَا، وَهُوَ مُزَايَلَةُ الْمَنِيِّ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى سَبِيلِ الشَّهْوَةِ وَخُرُوجُهُ مِنْ الْعُضْوِ لَا عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ بَقَاءُ ذَلِكَ وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ
وَأَمَّا هُنَاكَ فَاقْتَرَنَ الدَّلِيلَانِ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَافَعَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْحَادِثُ لِتَدَافُعِهِمَا بَلْ يَبْقَى مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَفِي الْمُصَفَّى وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي ثَلَاثِ فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ مَنْ احْتَلَمَ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ.
وَالثَّانِي: إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَزَالَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى انْكَسَرَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا عَنْ دَفْقٍ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَجَامِعَ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ أَوْ يَنَامَ ثُمَّ سَالَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ يُعِيدُ الِاغْتِسَالَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ فَلَوْ خَرَجَ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْبَوْلِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ الْمَشْيِ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مَذْيٌ وَلَيْسَ بِمَنِيٍّ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ وَالنَّوْمَ وَالْمَشْيَ يَقْطَعُ مَادَّةَ الشَّهْوَةِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُسْلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ مَا تَأَخَّرَ مِنْ الْمَنِيِّ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ الْمَشْيَ بِالْكَثِيرِ فِي الْمُجْتَبَى وَأَطْلَقَهُ كَثِيرٌ وَالتَّقْيِيدُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْخُطْوَةَ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُبْتَغَى بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ يَعْنِي تُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً إذَا اغْتَسَلَتْ ثَانِيًا بِخُرُوجِ بَقِيَّةِ مَنِيِّهَا وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ فِي بَيْت إنْسَانٍ وَاحْتَلَمَ مَثَلًا وَيَسْتَحْيِي مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ خَافَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِمْ رِيبَةٌ بِأَنْ طَافَ حَوْلَ أَهْلِ بَيْتِهِمْ اهـ.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الضَّيْفِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي غَيْرِهِ اهـ.
وَلَوْ خَرَجَ مَنِيٌّ بَعْدَ الْبَوْلِ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّهُ إذَا وَجَدَ الشَّهْوَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ فِي حَالَةِ الِانْتِشَارِ وُجِدَ الْخُرُوجُ وَالِانْفِصَالُ جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ إطْلَاقَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَنِيَّ الْخَارِجَ بَعْدَ الْبَوْلِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إجْمَاعًا قِيلَ وَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ مُسْتَيْقِظٌ وَجَدَ بِثَوْبِهِ أَوْ فَخِذِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ يَجِبُ عِنْدَهُمَا لِاحْتِمَالِ انْفِصَالِهِ عَنْ شَهْوَةٍ ثُمَّ نَسِيَ وَرَقَّ هُوَ بِالْهَوَاءِ خِلَافًا لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ثَابِتٌ فِي الْخُرُوجِ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الِانْفِصَالِ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ بَلْ هُوَ يَقُولُ لَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُمَا احْتَاطَا لِقِيَامِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ، وَرَأَى مَاءً رَقِيقًا حَيْثُ يَجِبُ اتِّفَاقًا حَمْلًا لِلرِّقَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ أَقْيَسُ وَأَخَذَ بِهِ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو اللَّيْثِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَوْ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ أَوْ لَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا وَفِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: مِنْ الْوَصْفِ، وَهُوَ الدَّفْقُ) أَيْ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْخُرُوجِ بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا حُمِلَ كَلَامُ الْمُبْتَغَى عَلَيْهِ وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعِيدُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاءُ الرَّجُلِ فَهَذَا وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ثَابِتٌ إلَخْ) أَيْ كَمَا أَنَّ الِاحْتِمَالَ مَوْجُودٌ فِي الِانْفِصَالِ عَنْ مَقَرِّهِ مَوْجُودٌ أَيْضًا فِي الِانْفِصَالِ عَنْ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيُحْتَمَلُ انْفِصَالُهُ عَنْ شَهْوَةٍ فَيَجِبُ اتِّفَاقًا فَلَا يَصِحُّ بِنَاؤُهَا عَلَى الْخِلَافِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَا جَعْلُهَا مِنْ ثَمَرَتِهِ كَالثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ) زَادَ بَعْضُهُمْ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ثُمَّ ضَبَطَهَا بِقَوْلِهِ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ وَعَلَى كُلٍّ أَمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ احْتِلَامًا أَوْ لَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِي سَبْعِ صُوَرٍ مِنْهَا، وَهِيَ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ فِيهَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ مُطْلَقًا وَلَا يَجِبُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ وَدْيٌ مُطْلَقًا وَفِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ وَيَجِبُ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثَةٍ احْتِيَاطًا وَلَا يَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُوجِبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ) أَقُولُ: ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَذَكَرَ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ هَذَا عَلَى مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَفِي الْمُصَفَّى ذَكَرَ فِي الْحُصْرِ وَالْمُخْتَلَفِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَيْقَظَ فَرَأَى مَذْيًا وَقَدْ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَا عَلَيْهِ الْغُسْلُ
الجزء 1 · صفحة 59
أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ فِي الْكُلِّ وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ، وَيَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ فِيهِمَا، وَهَذَا التَّقْسِيمُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ فِيمَا رَأَيْت لَكِنَّهُ مُقْتَضَى عِبَارَتِهِمْ لَكِنْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ التَّيَقُّنُ مُتَعَذِّرٌ مَعَ النَّوْمِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَسْنَا نُوجِبُ الْغُسْلَ بِالْمَذْيِ لَكِنَّ الْمَنِيَّ يَرِقُّ بِإِطَالَةِ الْمُدَّةِ فَتَصِيرُ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَذْيِ لَا حَقِيقَةَ الْمَذْيِ اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي النَّائِمِ إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا أَمَّا إذَا غُشِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا أَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا لَا غُسْلَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَقَدْ ظَهَرَ فِي النَّوْمِ تَذَكَّرَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الِاحْتِلَامِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنِيٌّ رَقَّ بِالْهَوَاءِ أَوْ لِلْغِذَاءِ فَاعْتَبَرْنَاهُ مَنِيًّا احْتِيَاطًا وَلَا كَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمَا هَذَا السَّبَبُ وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا مَاءً دُونَ تَذَكُّرٍ وَلَا مُمَيِّزَ بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ غِلَظُهُ وَرِقَّتُهُ وَلَا بَيَاضُهُ وَصُفْرَتُهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَيْدَ فَقَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَقِيلَ إذَا كَانَ غَلِيظًا أَبْيَضَ فَعَلَيْهِ أَوْ رَقِيقًا أَصْفَرَ فَعَلَيْهَا فَيُقَيِّدُونَهُ بِصُورَةِ نَقْلِ الْخِلَافِ، وَاَلَّذِي يُظْهِرُ تَقْيِيدَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا بِمَا ذَكَرْنَا فَلَا خِلَافَ إذَنْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ وَقَعَ طُولًا أَوْ عَرْضًا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ إنْ وَقَعَ طُولًا فَمِنْ الرَّجُلِ وَإِنْ وَقَعَ عَرْضًا فَمِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَعَلَّهُ لِضَعْفِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّمْيِيزِ عِنْدَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوُقُوعِ الشَّكِّ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَقْتَدِيَ بِهِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْفِرَاشُ قَدْ نَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا قَبْلَهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ نَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ الْمَنِيُّ الْمَرْئِيُّ يَابِسًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ إلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا عَنْ مُحَمَّدٍ يَجِبُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّهَا إلَى فَرْجِهَا الْخَارِجِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فِي احْتِلَامِهِمَا وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةِ إنَّمَا يُوجِبُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لَمْ تَرَهُ خَرَجَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَذُكِرَ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ إذَا تَيَقَّنَ بِالِاحْتِلَامِ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا اهـ.
أَقُولُ: وَعَلَى مَا فِي الْمُصَفَّى يَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا فِيمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ وَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا مَاءً إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ وَجَدَ الزَّوْجَانِ عَنْ غَيْرِهِمَا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي غَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ) يُوهِمُ أَنَّهُ صَحَّحَهُ مَعَ التَّقْيِيدِ بِدُونِ تَذَكُّرٍ وَلَا مُمَيِّزَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ وَفِي الْفَتَاوَى إذَا وُجِدَ فِي الْفِرَاشِ مَنِيٌّ وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَقُولُ مِنْ الزَّوْجِ إنْ كَانَ أَبْيَضَ فَمَنِيُّ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ مُدَوَّرًا فَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَوَّرٍ فَمَنِيُّ الرَّجُلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ وَأَخْذًا بِالثِّقَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فِي احْتِلَامِهِمَا) أَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي عِبَارَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةِ إنَّمَا يُوجِبُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَقِبَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيلُهُ فِي التَّجْنِيسِ احْتَلَمَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الْمَاءُ إنْ وَجَدَتْ شَهْوَةُ الْإِنْزَالِ كَانَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّ مَاءَهَا لَا يَكُونُ دَافِقًا كَمَاءِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا فَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفْهِمُك أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لَمْ تَرَهُ خَرَجَ إلَخْ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ سَابِقًا وَلَاحِقًا أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمَنِيُّ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَمُحَمَّدٌ قَالَ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْمَنِيِّ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَقَوْلُهُمْ لَوْ احْتَلَمَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ عَلَى مَعْنَى وَلَمْ تَرَهُ خَرَجَ فَيَجِبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِهِ
وَإِنْ لَمْ تَرَهُ لَكِنَّ لَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ عَدَمَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَأَنَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا، فَإِنَّهُمْ قَيَّدُوا الْوُجُوبَ عِنْدَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ بِمَا إذَا خَرَجَ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ فَهُوَ مِمَّا لَا يَسَعُ أَحَدًا أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمِيَّةُ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فَالظَّاهِرُ وُجُودُ الْخِلَافِ وَأَنَّ مَا فِي التَّجْنِيسِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت شَارِحَ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةَ الْحَلَبِيَّ نَازَعَ الْكَمَالُ فِيمَا قَالَ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ أَقُولُ: هَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَ الْأَوْجَهِ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَبِهِ أَخَذَ الْحَلْوَانِيُّ وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ.
الجزء 1 · صفحة 60
فَعَلَى هَذَا الْأَوْجَهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْخِلَافِيَّةِ
وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ فِي جَوَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سُلَيْمٍ لَمَّا «سَأَلَتْهُ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» الْعِلْمُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهَا لَوْ تَيَقَّنَتْ الْإِنْزَالَ بِأَنْ اسْتَيْقَظَتْ فِي فَوْرِ الِاحْتِلَامِ فَأَحَسَّتْ بِيَدِهَا الْبَلَلَ ثُمَّ نَامَتْ فَاسْتَيْقَظَتْ حَتَّى جَفَّ فَلَمْ تَرَ بِعَيْنِهَا شَيْئًا لَا يَسَعُ الْقَوْلُ بِأَنْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ بَصَرٍ بَلْ رُؤْيَةُ عِلْمٍ وَرَأَى تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي عِلْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ: رَأَيْت اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيْءٍ اهـ.
وَلَوْ جُومِعَتْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى فَرْجِهَا أَوْ جُومِعَتْ الْبِكْرُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا ظَهَرَ الْحَبَلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ وَتُعِيدُ مَا صَلَّتْ إنْ لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِلَا طَهَارَةٍ وَلَوْ جُومِعَتْ فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَوْ قَالَتْ مَعِي جِنِّيٌّ يَأْتِينِي فِي النَّوْمِ مِرَارًا وَأَجِدُ مَا أَجِدُ إذَا جَامَعَنِي زَوْجِي لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَرَ الْمَاءَ، فَإِنْ رَأَتْهُ صَرِيحًا وَجَبَ كَأَنَّهُ احْتِلَامٌ وَقَدْ يُقَال يَنْبَغِي وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لِوُجُودِ الْإِيلَاجِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ هَذَا الِاشْتِرَاطُ إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي إحْلِيلِهِ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إلَّا إذَا كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ وَهَذِهِ تُقَيِّدُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَصَاحِبَيْهِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا ثُمَّ إنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQسَوَاءٌ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْبَصَرِ أَوْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَرَ بِعَيْنِهَا وَلَا عَلِمَتْ خُرُوجَهُ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ - يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ - بِرَأَتْ رُؤْيَا الْحُلْمِ وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَبِهِ أَخَذَ صَاحِبُ التَّجْنِيسِ مُعَلَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ إذْ لَا أَثَرَ فِي نُزُولِ مَائِهَا مِنْ صَدْرِهَا غَيْرَ دَافِقٍ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِي الِاحْتِلَامِ مُتَعَلِّقٌ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ كَمَا تَعَلَّقَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بِخُرُوجِهِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ فَكَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ انْفَصَلَ مَنِيُّهُ عَنْ الصُّلْبِ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى مَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عَلَى أَنَّ فِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يُعْلَمُ انْفِصَالُ مَنِيِّهَا عَنْ صَدْرِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ وَأَكْثَرُ مَا يُرَى فِي النَّوْمِ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ كَانَتْ مُسْتَلْقِيَةً وَقْتَ الِاحْتِلَامِ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الْعَوْدِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ احْتِيَاطًا، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَاءَهَا إذَا لَمْ يَنْزِلْ دَفْقًا بَلْ سَيَلَانًا يَلْزَمُ أَمَّا عَدَمُ الْخُرُوجِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَرْجُ فِي صَبَبٍ أَوْ عَدَمُ الْعَوْدِ إنْ كَانَ فِي صَبَبٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ) أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَبَلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ مَقَرِّهِ لَا عَلَى خُرُوجِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْحَلَبِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ جَازِمًا بِذَلِكَ فَقَالَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِ مَنِيِّهَا إلَى رَحِمِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصَحِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ حَتَّى لَوْ انْفَصَلَ مِنْهَا عَنْ مَكَانِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَفِي النِّصَابِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (قَوْلُهُ: فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ يَأْتِيهَا فِي النَّوْمِ، وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَوْ رَأَتْ أَنَّهُ جَامَعَهَا مِائَةُ إنْسِيٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَا لَمْ تُنْزِلْ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي حَالَةِ الْيَقَظَةِ يَتَأَتَّى مَا قَالَ: وَكَانَ نَسِيَ التَّقْيِيدَ بِالنَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ كَمَا عَلِمْت ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ إسْمَاعِيلَ ضَبَطَ قَوْلَهُ فِي الْيَوْمِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّ) أَقُولُ: هَذَا التَّقْيِيدُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ أَمَّا إذَا ظَهَرَ لَهَا فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إيلَاجِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ ذَكَرِهِ وَكَذَا إذَا ظَهَرَ لِلرَّجُلِ مِنْ الْإِنْسِ جِنِّيَّةٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَّةٍ فَوَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إيلَاجِ حَشَفَتِهِ فِيهَا إلْحَاقًا لَهُ بِإِيلَاجِ آدَمِيٍّ لِآدَمِيَّةٍ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ الصُّورِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَهِيَ مُحَقَّقَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ التَّنَاكُحِ بَيْنَهُمَا فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ كَمَا فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيِّتَةِ ثُمَّ أَوْرَدَ.
وَأَجَابَ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ لَوْ ظَهَرَ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَوَطِئَهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِأَنَّهُ جِنِّيٌّ أَوْ ظَهَرَتْ لَهُ جِنِّيَّةٌ كَذَلِكَ فَوَطِئَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَا بِمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ لِانْتِفَاءِ مَا يُفِيدُ قُصُورَ السَّبَبِيَّةِ
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ إلَخْ) قَيَّدَ فِي الْمُنْيَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا إذَا نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَمَّا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَعَزَاهُ إلَى الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ
الجزء 1 · صفحة 61
أَبَا حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةِ وَمَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ الْمُنْتَفِخَةِ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ وَأَبَا يُوسُفَ وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ لِوُجُودِ فِعْلٍ هُوَ سَبَبُ خُرُوجِ الْمَذْيِ وَخَالَفَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِانْعِدَامِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَمُحَمَّدًا وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ عِنْدَهُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَإِنَّ الْمُبَاشِرَ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَزَبًا بِهِ فَرْطُ شَهْوَةٍ لَهُ أَنْ يَسْتَمْنِي بِعِلَاجٍ لِتَسْكُنَ شَهْوَتُهُ وَلَا يَكُونُ مَأْجُورًا عَلَيْهِ لَيْتَهُ يَنْجُو رَأْسًا بِرَأْسٍ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ الْمُرَاهِقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْوُضُوءِ وَكَذَا الْمُرَاهِقَةُ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَنْزَلَ الصَّبِيُّ مَعَ الدَّفْقِ، وَكَانَ سَبَبُ بُلُوغِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِ الْمُتُونِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَوْجِيهًا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مَخْصُوصٌ مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَاتِهِمْ فَقَوْلُهُمْ وَمُوجِبُهُ إنْزَالُ مَنِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ إنْزَالَ الْمَنِيِّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي خِلَافُ هَذَا فِي آخِرِ بَحْثِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِنُزُولِ الْبَوْلِ إلَى الْقُلْفَةِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِوُصُولِ الْمَنِيِّ إلَيْهَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا) أَيْ وَفَرْضُ الْغُسْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ، وَكَذَلِكَ غَيْبُوبَةُ مِقْدَارِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَالتَّعْبِيرُ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْتِفَاءِ الْخِتَانَيْنِ لِتَنَاوُلِهِ الْإِيلَاجَ فِي الدُّبُرِ؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْفَرْجِ مُحَاذَاتُهُمَا لَا الْتِقَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ خِتَانَ الرَّجُلِ هُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، وَهُوَ مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ الْحَشَفَةِ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدَةٍ مِنْهَا كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ الْفَرْجِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ وَبَيْنَهُمَا جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ مُتَسَفِّلٌ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ فَإِذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَلَكِنْ يُقَالُ لِمَوْضِعِ خِتَانِ الْمَرْأَةِ الْخِفَاضُ فَذِكْرُ الْخِتَانَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ قُيِّدَ بِالتَّوَارِي؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّلَاقِي لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَكِنْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّ التَّوَارِي فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ التَّوَارِي فِي الْمَيِّتَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ لَكِنَّ أَصْحَابَنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَنَعُوهُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْجَنَابَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ ظَاهِرًا أَوْ حُكْمًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ مَعَ خَفَاءِ خُرُوجِهِ لِقِلَّتِهِ وَتَكَسُّلِهِ فِي الْمَجْرَى لِضَعْفِ الدَّفْقِ بِعَدَمِ بُلُوغِ الشَّهْوَةِ مُنْتَهَاهَا كَمَا يَجِدُهُ الْمُجَامِعُ فِي أَثْنَاءِ الْجِمَاعِ مِنْ اللَّذَّةِ بِمُقَارَبَةِ الْمُزَايَلَةِ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ إقَامَةُ السَّبَبِ مُقَامَهُ، وَهَذَا عِلَّةُ كَوْنِ الْإِيلَاجِ فِيهِ الْغُسْلُ فَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ وَعَلَى الْمُلَاطِ بِهِ إذْ رُبَّمَا يَتَلَذَّذُ فَيُنْزِلُ وَيَخْفَى لِمَا قُلْنَا وَأَخْرَجُوا مَا ذَكَرْنَا لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يُوجَدْ حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا لِنُقْصَانِ سَبَبِهِ لَكِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً وَالْعَامُّ لَا يُخَصَّصُ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً عِنْدَنَا فَيَحْتَاجُ أَئِمَّتُنَا إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتَمْنِي بِعِلَاجٍ لِتَسْكُنَ شَهْوَتُهُ) أَمَّا إذَا قَصَدَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ فَلَا يَحِلُّ كَمَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ إمْدَادِ الْفَتَّاحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَصَرَّحَ بِالْإِثْمِ إذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ مَأْجُورًا عَلَيْهِ) قَالَ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَقِيلَ يُؤْجَرُ إذَا خَافَ الشَّهْوَةَ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ التَّوَارِيَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ نَاقِصٌ فِي انْقِضَاءِ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ وَقَالُوا الْإِيلَاجُ فِي الْمَيِّتَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيلَاجِ فِي الْبَهَائِمِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي فَصْلِ مَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَمَا لَا يَجِبُ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي تَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ فَقَدْ وَافَقَ بَحْثَنَا الْمَنْقُولُ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى) أَيْ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً إلَخْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْعَامُّ قَطْعِيٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ حَتَّى يَجُوزَ نَسْخُ الْخَاصِّ بِهِ عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ابْتِدَاءً بِظَنِّيٍّ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يُخَصَّصْ أَوَّلًا بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ لَفْظِيٍّ مُقَارِنٍ، فَإِنْ خُصِّصَ بِذَلِكَ لَا يَبْقَى قَطْعِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ فَيُخَصُّ بِالْقِيَاسِ وَالْآحَادِ عَلَى مَا بُسِطَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ لَا يُخَصِّصُ الْقَطْعِيَّ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ
الجزء 1 · صفحة 62
وَيَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى الْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِوَطْءِ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي الْقُبْحِ الْعَمْيَاءِ الْبَرْصَاءِ الْمُقَطَّعَةِ الْأَطْرَافِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ لَذَّةً فِي الْعَادَةِ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ هَذَيْنِ الْإِيرَادَيْنِ جَوَابًا وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي الْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً وَبَيَانُهُ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ كَشْفٍ فَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّهُ قَدْ وَرَدَ حَدِيثَانِ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ الْأَوَّلُ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ فَمَعْنَاهُ جَمِيعُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْمَنِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَاءِ لَا مُطْلَقًا لِوُجُوبِهِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَالثَّانِي: حَدِيثُ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» وَمُقْتَضَاهُ عُمُومُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ فَيَشْمَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْمَيِّتَةَ فَيُعَارِضُ الْأَوَّلَ
وَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ هُوَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَكِنَّ الْمَنِيَّ تَارَةً يُوجَدُ حَقِيقَةً وَتَارَةً يُوجَدُ حُكْمًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ فِي مَحَلٍّ يُشْتَهَى عَادَةً مَعَ خَفَاءِ خُرُوجِهِ وَلَوْ كَانَ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ غَالِبًا كَالْإِيلَاجِ فِي الْقُبُلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا لِينًا وَحَرَارَةً وَشَهْوَةً حَتَّى إنَّ الْفَسَقَةَ اللِّوَاطَةُ رَجَّحُوا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ مِنْ الدُّبُرِ عَلَى قَضَائِهَا مِنْ الْقُبُلِ وَمِنْهُ خَبَرًا عَنْ قَوْمِ لُوطٍ {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] وَفِي الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَكُنْ الْإِيلَاجُ سَبَبًا كَامِلًا لِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ فَلَمْ يُوجَدْ إنْزَالُ الْمَنِيِّ حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لَكَانَ فِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ أَصْلًا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَكَانَ هَذَا مِنَّا قَوْلًا بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ لَا تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً وَكَوْنُ إنْزَالِ الْمَنِيِّ هُوَ الْمُوجِبُ، وَهُوَ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَشَايِخُنَا فِي أُصُولِهِمْ فِي بَحْثِ الْمَفَاهِيمِ قَاطِعِينَ النَّظَرَ عَنْ كَوْنِ الْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ مَنْسُوخًا كَمَا لَا يَخْفَى وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ الْعَامِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُونَهُ لِكَوْنِهِ عِنْدهمْ قَطْعِيًّا وَالْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامُّ ظَنِّيًّا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يُشْتَهَى وَلَئِنْ سُلِّمَ فَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّنِيعَةِ فِي امْرَأَةٍ نَادِرٌ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُبْتَغَى خِلَافًا فِيمَنْ غَابَتْ الْحَشَفَةُ فِي فَرْجِهِ فَقَالَ وَقِيلَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْجِ الدُّبُرُ وَنَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ اهـ.
وَجَعْلُ الدُّبُرِ كَالْبَهِيمَةِ بَعِيدٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ فِي إدْخَالِ الْإِصْبَعِ الدُّبُرَ خِلَافًا فِي إيجَابِ الْغُسْلِ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ اهـ.
وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ التَّجْنِيسِ وَلَفْظُهُ رَجُلٌ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي دُبُرِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْقَضَاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِصْبَعَ لَيْسَ آلَةً لِلْجِمَاعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ ذَكَرَهُ فِي الصَّوْمِ وَقَدْ حَكَى عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ خِلَافًا فِي وَطْءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْإِيلَاجُ فِي مَحَلِّ الْجِمَاعِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَلَمْ يَفُضَّهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ لِي كَوْنُهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مَا يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُتَّفِقَةَ الْحُدُودِ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ وَلَعَلَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ إضَافَةِ شُعَبٍ إلَى الضَّمِيرِ، فَإِنَّ الْإِضَافَةَ تَأْتِي لَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُطْلَقِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْتَاجُوا أَيْضًا) صَوَابُهُ وَيَحْتَاجُونَ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامُّ ظَنِّيًّا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً) قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْعَهُمْ تَخْصِيصَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ إنَّمَا هُوَ فِي عَامٍّ قَطْعِيِّ الثُّبُوتِ أَمَّا ظَنِّيُّهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّفَاقًا لِلْمُسَاوَاةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يُشْتَهَى) يَدُلُّ عَلَيْهِ إيجَابُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوُضُوءَ بِمَسِّ الْعَجُوزِ دُونَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى شَيْخًا يُقَبِّلُ عَجُوزًا فَقَالَ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ) قُيِّدَ فِي النَّهْرِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ دُبُرٍ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ قَالَ إذْ لَوْ غَيَّبَهَا فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ وَحَكَى فِي الْمُبْتَغَى فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الِاتِّفَاقِ إنَّمَا هُوَ فِي دُبُرِ الْغَيْرِ أَمَّا فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْإِنْزَالِ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْمَيِّتَةِ فِي قُصُورِ الدَّاعِي وَعُرِفَ بِهَذَا عَدَمُ الْوُجُوبِ بِإِيلَاجِ الْإِصْبَعِ (قَوْلُهُ:، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ فِي إدْخَالِ الْإِصْبَعِ الدُّبُرَ خِلَافًا إلَخْ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ هُنَا تَفْصِيلًا فَقَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِي الْقُبُلِ إذَا قَصَدَ الِاسْتِمْتَاعَ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِنَّ غَالِبَةٌ فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْإِنْزَالُ دُونَ الدُّبُرِ لِعَدَمِهَا وَعَلَى هَذَا ذَكَرُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَذَكَرُ الْمَيِّتِ وَمَا يُصْنَعُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ
الجزء 1 · صفحة 63
فَهِيَ مِمَّنْ تُجَامَعُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ وَعَزَاهُ لِلصَّيْرَفِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ بَقَاءَ الْبَكَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيلَاجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَأَوْلَجَ وَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُولِجًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَتْ الْخِرْقَةُ رَقِيقَةً بِحَيْثُ يَجِدُ حَرَارَةَ الْفَرْجِ وَاللَّذَّةَ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا وَالْأَحْوَطُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَهَذَا الذَّكَرُ مِنْهُ زَائِدٌ فَيَصِيرُ كَمَنْ أَوْلَجَ إصْبَعَهُ وَكَذَا فِي دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ فَرْجِ خُنْثَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ وَالْفَرْجَانِ زَائِدَانِ مِنْهُمَا وَكَذَا فِي فَرْجِ خُنْثَى مِثْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى الْمَوْلَجُ فِيهِ رَجُلًا وَالْفَرْجُ زَائِدٌ مِنْهُ، وَإِنْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي فَرْجِ خُنْثَى مُشْكِلٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى رَجُلًا وَالْفَرْجُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ أَمَّا إذَا أَنْزَلَ وَجَبَ الْغُسْلُ بِالْإِنْزَالِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي حَشَفَةٍ وَقُبُلٍ مُحَقَّقَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ) أَيْ وَفُرِضَ الْغُسْلُ عِنْدَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْمُصَنِّفِ فِي كُتُبِهِ هَلْ الْمُوجِبُ الْحَيْضُ أَوْ انْقِطَاعُهُ فَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْمُوجِبَ رُؤْيَةُ الدَّمِ أَوْ خُرُوجُهُ وَعُلِّلَ بِأَنَّ الدَّمَ إذَا حَصَلَ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى وَلَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ أَمْكَنَ الْغُسْلُ فَوَجَبَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْحَدَثِ السَّابِقِ، فَأَمَّا الِانْقِطَاعُ فَهُوَ طَهَارَةٌ فَلَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَاخْتَارَ فِي الْكَافِي أَنَّ الْمُوجِبَ انْقِطَاعُ الدَّمِ لَا خُرُوجُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَجِبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ وَنَقِلَ نَظِيرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى عَنْ أُسْتَاذِهِ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَيْضِ فَقَدْ وُجِدَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ هَذَا وَاَللَّهِ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مَلْزُومًا وَالْحَيْضُ لَازِمًا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْحَيْضُ عِنْدَ وُجُودِ الْخُرُوجِ لِاسْتِحَالَةِ انْفِكَاكِ اللَّازِمِ عَنْ الْمَلْزُومِ وَوُجُودُ الْحَيْضِ عِنْدَ وُجُودِهِ مُحَالٌ بِمَرَّةٍ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْعَجَبِ وَمَا الْعَجَبُ إلَّا فَهْمُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ وَلَوْ فُهِمَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَقَدُّمِ الْحَيْضِ لَا لِنَفْسِ الْحَيْضِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ وَاسْتَبْعَدَ الزَّيْلَعِيُّ كَوْنَ الِانْقِطَاعِ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الطَّهَارَةُ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تُوجِبَ الطَّهَارَةُ الطَّهَارَةَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُهَا النَّجَاسَةُ وَيُدْفَعُ هَذَا الِاسْتِبْعَادُ بِأَنَّ الِانْقِطَاعَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِطُهْرٍ إنَّمَا الطُّهْرُ الْحَالَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَقِيبَهُ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَمَّا كَانَ الِانْقِطَاعُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْغُسْلِ بِدُونِهِ نُسِبَتْ السَّبَبِيَّةُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِي الْحَقِيقَةِ خُرُوجُ الدَّمِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ الْغُسْلُ يَجِبُ بِخُرُوجِ الدَّمِ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ أَوْ يَجِبُ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ بِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِدَمٍ مَخْصُوصٍ وَالْجَوْهَرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعْنَى وَالْحَقُّ غَيْرُ الْقَوْلَيْنِ بَلْ إنَّمَا يَجِبُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْغُسْلُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةِ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْخِلَافِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَظَهَرَ بِهَذَا ضَعْفُ مَا نَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ فَائِدَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَخَّرَتْ الْغُسْلَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ بَقَاءَ الْبَكَارَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَيْسَ هَذَا مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ إذْ الْكَبِيرَةُ كَذَلِكَ؛ وَلِذَا قَالُوا لَوْ جُومِعَتْ الْبِكْرُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا حَمَلَتْ لِإِنْزَالِهَا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْغُسْلَ هَلْ يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ لَا مَانِعَ إلَّا الصِّغَرُ اخْتَلَفُوا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ تُفْضِي بِالْوَطْءِ لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ تَوَارَتْ الْحَشَفَةُ لِقُصُورِ الدَّاعِي وَإِلَّا وَجَبَ اهـ.
وَحَاصِلُهُ تَقْيِيدُ قَوْلِ السِّرَاجِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ إذَا لَمْ يُفِضْهَا بِشَرْطِ زَوَالِ عُذْرَتِهَا لَا مُطْلَقًا، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ سَوِيٌّ قَوْلُهُ إلَّا إذَا حَمَلَتْ لِمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ إلَخْ) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ الْكَبِيرِ قُلْت وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مُعَامَلَةُ الْخُنْثَى بِالْأَضَرِّ فِي أَحْوَالِهِ وَعَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ اهـ.
أَقُولُ: مُعَامَلَتُهُ بِالْأَضَرِّ وَالْأَحْوَطِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ دَائِمًا بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا هَذِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ إشْكَالَهُ أَوْرَثَ شُبْهَةً، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ الثَّابِتَ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً يَقِينًا فَلَا تَرْتَفِعُ بِشُبْهَةِ كَوْنِ فَرْجِهِ الْمُولِجَ أَوْ الْمَوْلَجَ فِيهِ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ مَسَائِلِ تَوْرِيثِهِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقَ السَّبَبُ فَيُعَامَلُ بِالْأَضَرِّ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يَثْبُتُ لَهُ إلَّا نَفْعٌ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي كِتَابِ الْخُنْثَى مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ إذَا وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ، وَهُوَ الْأَدَاءُ مَعْلُومٌ وَالْمُفْسِدُ وَهُوَ الْمُحَاذَاةُ مَوْهُومٌ وَلِلتَّوَهُّمِ أُحِبُّ إعَادَةَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَيُعِيدُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَاَلَّذِي خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ لِتَوَهُّمِ الْمُحَاذَاةِ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 64
الْعِرَاقِيِّينَ تَأْثَمُ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لَا تَأْثَمُ
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وُجُوبُ الْوُضُوءِ فَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِلْحَدَثِ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لِلصَّلَاةِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فَائِدَتَهُ تَظْهَرُ فِي التَّعَالِيقِ كَأَنْ يَقُولَ إنْ وَجَبَ عَلَيْك غُسْلٌ فَأَنْت طَالِقٌ وَقَدْ ظَهَرَ لِي فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مَا إذَا اُسْتُشْهِدَتْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَمَنْ قَالَ السَّبَبُ نَفْسُ الْحَيْضِ قَالَ إنَّهَا تُغَسَّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَرْفَعُ مَا وَجَبَ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْجَنَابَةِ وَمَنْ قَالَ إنَّ السَّبَبَ انْقِطَاعُهُ قَالَ لَا تُغَسَّلُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَقَدْ صُحِّحَ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الشَّهِيدِ أَنَّهَا تُغَسَّلُ فَكَانَ تَصْحِيحًا لِكَوْنِ السَّبَبِ الْحَيْضَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا دَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَالْإِجْمَاعُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِلْحَيْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَمْكِينُ الزَّوْجِ مِنْ الْوَطْءِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِالْغُسْلِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ثَبَتَ فِي الْعَشَرَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاغْتِسَالِ لِأَجْلِ خُرُوجِ الدَّمِ وَقَدْ وُجِدَ فِي الْعَشَرَةِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا وَجَبَ الِاغْتِسَالُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِتَتَأَكَّدَ بِهِ صِفَةُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَيْضِ وَزَوَالِ الْأَذَى لِيَثْبُتَ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ الْحِلُّ بِمُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ لِوُجُودِ التَّأَكُّدِ بِصَيْرُورَةِ الصَّلَاةِ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَفِي الْعَشَرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ صِفَةُ الطَّهَارَةِ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ، فَانْعَدَمَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فَلَا يُمْكِنُ الْإِلْحَاقُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحَدِّ بِاللِّوَاطَةِ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ لِانْعِدَامِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ بَعْدَ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْوُقُوعِ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا الْحَدَثُ أَوْ إرَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخِلَافِ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ هُنَا
فَأَمَّا الْفَرْقُ الَّذِي يَدَّعِيه، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ إذَا كَانَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ لِثُبُوتِ الْحِلِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَجَبَ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ مَعَ انْعِدَامِ الْمَعْنَى الَّذِي يَدَّعِيه وَلَكِنَّهُ
وَإِنْ وَجَبَ بِسَبَبٍ آخَرَ جُعِلَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ بِهِ يَنْتَهِي فَتَنْتَهِي الْحُرْمَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا بِعِبَارَةِ النَّصِّ فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ حِرْمَانَ الْقُرْبَانِ مُغَيَّا إلَى الِاغْتِسَالِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِإِشَارَتِهِ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ وَبِدَلَالَتِهِ وُجُوبُهُ فِي الْعَشَرَةِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا نَصَّ فِي النِّفَاسِ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَبَرٍ فِي الْبَابِ لَكِنَّهُمْ تَرَكُوا نَقْلَهُ اكْتِفَاءً بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى دَمِ الْحَيْضِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا دَمًا خَارِجًا مِنْ الرَّحِمِ اهـ.
وَالْمَذْكُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَصٍّ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَإِذَا أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ، فَإِنْ شَاءَتْ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَّرَتْ حَتَّى تَطْهُرَ وَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَهَا أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَفِي اغْتِسَالِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ هَذِهِ الْفَائِدَةُ.
(قَوْلُهُ: لَا مَذْيٍ وَوَدْيٍ وَاحْتِلَامٍ بِلَا بَلَلٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَنِيٍّ أَيْ لَا يُفْتَرَضُ الْغُسْلُ عِنْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْمَذْيُ فَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْمَذْيُ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْمَذِيُّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهَاتَانِ مَشْهُورَتَانِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ التَّخْفِيفُ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ وَالثَّالِثَةُ الْمَذْيِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَيُقَالُ مَذَى بِالتَّخْفِيفِ وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ شَهْوَةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرُبَّمَا لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ، وَهُوَ أَغْلَبُ فِي النِّسَاءِ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي فَائِدَةٌ أُخْرَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَمَّا إذَا قُتِلَتْ قَبْلَ إتْمَامِهَا لَا تُغَسَّلُ إجْمَاعًا إلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا سَبَقَ عَنْ الْهِنْدِيِّ فَيُحْمَلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 65
الرِّجَالِ.
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الشَّهْوَةِ يُسَمَّى الْقَذَى بِمَفْتُوحَتَيْنِ وَالْوَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَذَا وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأُمَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَكَى صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ لُغَةً أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهَذَانِ شَاذَّانِ يُقَالُ وَدَى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَأَوْدَى وَوَدَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يُشْبِهُ الْمَنِيَّ فِي الثَّخَانَةِ وَيُخَالِفُهُ فِي الْكُدُورَةِ وَلَا رَائِحَةَ لَهُ وَيَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ إذَا كَانَتْ الطَّبِيعَةُ مُسْتَمْسِكَةً وَعِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ وَيَخْرُجُ قَطْرَةً أَوْ قَطْرَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِهِمَا الْغُسْلُ وَجَبَ بِهِمَا الْوُضُوءُ وَفِي الْمَذْيِ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَشْهُورُ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا
فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْوَدْيِ وَقَدْ وَجَبَ بِالْبَوْلِ السَّابِقِ عَلَيْهِ قُلْنَا عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ أَحَدُهَا فَائِدَتُهُ فِيمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، فَإِنَّ الْوَدْيَ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ دُونَ الْبَوْلِ ثَانِيهَا فِيمَنْ تَوَضَّأَ عَقِبَ الْبَوْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَدْيِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَدْيُ فَيَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ ثَالِثُهَا يَجِبُ الْوُضُوءُ لَوْ تَصَوَّرَ الِانْتِقَاضَ بِهِ كَمَا فَرَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ مَسَائِلَ الْمُزَارَعَةِ لَوْ كَانَ يَقُولُ بِجَوَازِهَا قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَرَابِعُهَا الْوَدْيُ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ، وَهُوَ شَيْءٌ لَزِجٌ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْخِزَانَةِ وَالتَّبْيِينِ فَالْإِشْكَالُ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى مَنْ اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ خَامِسُهَا أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ بِالْبَوْلِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ بِالْوَدْيِ بَعْدَهُ وَيَقَعُ الْوُضُوءُ عَنْهُمَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ فَرَعَفَ ثُمَّ بَالَ أَوْ عَكْسُهُ فَتَوَضَّأَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا فَيَحْنَثُ وَكَذَا لَوْ حَلَفَتْ لَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ فَجَامَعَهَا زَوْجُهَا وَحَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ فَهُوَ مِنْهُمَا وَتَحْنَثُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ الطَّهَارَةُ مِنْ الْأُولَى دُونَ الثَّانِي مُطْلَقًا وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ كَأَنْ بَالَ ثُمَّ بَالَ فَالْوُضُوءُ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ اخْتَلَفَ كَأَنْ بَالَ ثُمَّ رَعَفَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَدْ رَجَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ يُثْبِتُ الْحَدَثَ ثُمَّ تَجِبُ إزَالَتُهُ عِنْدَ وُجُودِ شُرُوطِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِي أَسْبَابِهِ، فَالثَّابِتُ بِكُلِّ سَبَبٍ هُوَ الثَّابِتُ بِالْآخِرِ إذْ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ خِلَافَ ذَلِكَ فَالنَّاقِضُ الْأَوَّلُ لَمَّا أَثْبَتَ الْحَدَثَ لَمْ يَعْمَلْ الثَّانِي شَيْئًا لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ نَعَمْ لَوْ وَقَعَتْ الْأَسْبَابُ دَفْعَةً أُضِيفَ ثُبُوتُهُ إلَى كُلِّهَا وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ كَوْنَ كُلِّ عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ أَثَرَ
وَهَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ ثَابِتَةٌ لِكُلٍّ فِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ يَجِبُ قَبُولُهُ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِتَعَدُّدِ الْحُكْمِ هُنَا، وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ وُقُوعَ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ وَهُمْ فِي الْأُصُولِ يُثْبِتُونَهُ، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْمَنَامَاتِ يُقَالُ: حَلَمَ فِي مَنَامِهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَاحْتَلَمَ وَحَلَمْت كَذَا وَحَلَمْت بِكَذَا هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَحْدُثُ مَعَهُ إنْزَالُ الْمَنِيِّ غَالِبًا فَغَلَبَ لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَحُكْمُهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْغُسْلِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي بَعْضِ الشَّرْحِ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ الِاحْتِلَامَ قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِتَعَدُّدِ الْحِكَمِ إلَخْ) هَذَا لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِتَوْجِيهِ قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ إذْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ بَلْ رَاجِعٌ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ نَاقِضٍ مُوجِبٌ لِحُكْمِهِ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ الْعِلَلُ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ رَفْعُ وُقُوعِهَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ أَثْبَتُوهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الْحَدَثَ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِي أَسْبَابِهِ يَنْفِي مَا ذَكَرَهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحِنْثِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمُحَقِّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَالْحَقُّ أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَدَثِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَبَيْنَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِنَاؤُهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَدَثِ بَلْ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ بَوْلٍ وَرُعَافٍ تَوَضَّأْ مِنْهُمَا اهـ.
الجزء 1 · صفحة 66
وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ الْمُتَقَدِّمُ،، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ انْعَدَمَ الْحُكْمُ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَا بِأَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ أَثَّرَ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ) أَيْ وَسُنَّ الْغُسْلُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَقِيلَ فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي فَبِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْوُجُوبِ إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَتَمَسَّكُوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ كَانَ وَنُسِخَ وَدُفِعَ بِأَنَّ النَّاسِخَ، وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَا يَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ فِيهِ تَارِيخٌ أَيْضًا فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَدَّمُ الْمُوجِبُ ثَانِيهَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءٍ عِلَّتِهِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ طَهُورٌ وَخَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدَأَ الْغُسْلُ «كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ إنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُ رِيَاحٌ حَتَّى أَذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمَّا وَجَدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِلْكَ الرِّيَاحَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَمْثَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ الْعَرَقِ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ النَّسَبُ وَبِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ شَرْعًا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَحُسْنُ السُّنَّةِ بِقَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ، فَهِيَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِمَا لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ وَالطِّيبُ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الْهَيْئَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ لَا فِي كَوْنِهِ فَرْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» ، وَأَمَّا كَوْنُ الْغُسْلِ سُنَّةً لِلْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء 1 · صفحة 67
وَزَادَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ» ، وَأَمَّا كَوْنُهُ سُنَّةً لِلْإِحْرَامِ فَبِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَجِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ الْأَرْبَعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ حَسَنٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهُوَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْوُجُوبَ انْتَسَخَ لَا يَبْقَى حُكْمٌ آخَرُ بِخُصُوصِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ
وَإِنْ حَمَلْنَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ فَدَلِيلُ النَّدْبِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ إذْ لَا سُنَّةَ دُونَ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمَ النَّدْبِ ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِ بَاقِي الْأَغْسَالِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ مِنْ حَدِيثَيْ الْفَاكِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فَضَعِيفَانِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِهْلَالِ فَوَاقِعَةُ حَالٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةَ فَاللَّازِمُ الِاسْتِحْبَابُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إهْلَالُهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَعُمُّ لَفْظًا كُلَّ إهْلَالٍ صَدَرَ مِنْهُ فَثَبَتَتْ سُنِّيَّةُ هَذَا الْغُسْلِ اهـ.
لَكِنْ قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اسْتِنَانُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ لِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَمِنْ الْحِجَامَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ وَمَا تَقَدَّمَ يُفِيدُ جَوَازَ التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَثْبُتُ السُّنَّةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْغُسْلُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ لِلْيَوْمِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ ذُكِرَ مُحَمَّدٌ مَكَانَ الْحَسَنِ وَقَالُوا الصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ هَلْ يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ أَوْ لَا وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعِنْد أَبِي يُوسُفَ لَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ نَعَمْ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ وَالْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي؛ لِأَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الْغُسْلِ لِأَجْلِ إزَالَةِ الْأَوْسَاخِ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ اللَّازِمِ مِنْهَا حُصُولُ الْأَذَى عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
وَإِنْ كَانَ يَقُولُ هُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ الْحَدَثِ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضُرُّ وَفِي الْكَافِي لِلْمُصَنِّفِ وَخُلَاصَةِ الْفَتَاوَى تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ لَا وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الِاغْتِسَالِ بِمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ لَا أَنْ يُنْشِئَ الْغُسْلَ فِيهِ اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْيَوْمُ يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهِ فَلَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِهِ أَمْكَنَ بِخِلَافِ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهَا فَافْتَرَقَا لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ إنْ اغْتَسَلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْغُسْل الْمُسِنُّونَ]
(قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْكَافِي مَسْطُورٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَسَنِ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى صَرْفُ النَّظَرِ فِي إبْدَاءِ وَجْهِهَا وَلَا مَانِعَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اشْتَرَطَ إيقَاعَ الْغُسْلِ فِيهِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ اخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَعَرَفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ لِلثَّانِي إيقَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنَافَاةِ نَعَمْ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ فَيَجُوزُ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِي صَدْرِ كَلَامِهِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ فِي ثُبُوتِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إشْكَالُهُ فِي كَلَامِ الْحَسَنِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ
الجزء 1 · صفحة 68
قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَتْ صَلَاةً بِغُسْلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَوْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَنَّ بِالسُّنَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ قَطْعُ الرَّائِحَةِ اهـ. وَلَمْ يَنْقُلْ خِلَافًا
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ السُّنَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِاشْتِرَاطِهِ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَدَثٌ وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الزَّمَانِ حُصُولُ حَدَثٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ أَمَّا عَلَى مَا فِي الْكَافِي فَظَاهِرٌ
وَأَمَّا عَلَى مَا فِي غَيْرِهِ؛ فَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ اتَّفَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْعِيدِ أَوْ عَرَفَةَ وَجَامَعَ ثُمَّ اغْتَسَلَ يَنُوبُ عَنْ الْكُلِّ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ فِي الْبَدَائِعِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِلْوُقُوفِ أَوْ لِلْيَوْمِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلْوُقُوفِ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَى اسْتِنَانِهِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ عَرَفَاتٍ وَفِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، فَإِنْ قُلْت هَلْ يَتَأَتَّى هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي غُسْلِ الْعِيدِ أَيْضًا قُلْت يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ اهـ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا صَحَّ فِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي عَرَفَةَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ السُّنَّةَ إلَّا إذَا اغْتَسَلَ فِي نَفْسِ الْجَبَلِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ بِمَا إذَا اغْتَسَلَ خَارِجَهُ لِأَجْلِهِ ثُمَّ دَخَلَهُ. .
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ) أَيْ الْغُسْلُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَافِي فِي الْجَنَائِزِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قِيلَ يُيَمَّمُ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلُهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِهَذَا الْغُسْلِ النِّيَّةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ، وَهُوَ وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَائِزِ وَمَا نَقَلَهُ مِسْكِينٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَقِيلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَفِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ فَلَا يَقْدَحُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَلِمَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا، وَإِلَّا نُدِبَ) أَيْ اُفْتُرِضَ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ حَالَ كَوْنِهِ جُنُبًا فَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ، وَإِلَّا نُدِبَ إذْ لَوْ كَانَتْ اللَّامُ عَلَى حَقِيقَتِهَا لَاسْتَوَتْ الْحَالَتَانِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ الْوَافِي أَحْسَنُ وَلَفْظُهُ وَنُدِبَ لِمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَإِلَّا لَزِمَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَهُوَ جُنُبٌ فَقِيلَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ جَنَابَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْجَنَابَةِ السَّابِقَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْمَشْرُوطِ بِزَوَالِهَا إلَّا بِهِ فَيُفْتَرَضُ، وَلَوْ حَاضَتْ الْكَافِرَةُ فَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُ أَجْنَبَ بَعْدَهُ، وَالِانْقِطَاعُ فِي الْحَيْضِ هُوَ السَّبَبُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ؛ فَلِذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا ثُمَّ طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ
وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ هِيَ بِالْحَيْضِ قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ قَالَ قَاضِي خان: وَالْأَحْوَطُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ إذَا أَسْلَمَ مُحْدِثًا وَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ، فَإِنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ حَالُ الْبُلُوغِ أَوْ إنَّ انْعِقَادَ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ، فَهُوَ كَحَالِ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ اُعْتُبِرَ أَوْ إنْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ حَتَّى اتَّحَدَ زَمَانُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا وَالْحَيْضُ إمَّا حَدَثٌ أَوْ يُوجِبُ حَدَثًا فِي رُتْبَةِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي بَابِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُ بِاَلَّذِي أَسْلَمَ جُنُبًا، وَجَوَابُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي الْحَيْضِ الِانْقِطَاعُ، وَثُبُوتُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِتَحَقُّقِ الْبُلُوغِ بِابْتِدَاءِ الْحَيْضِ كَيْ لَا يَثْبُتَ الِانْقِطَاعُ إلَّا وَهِيَ بَالِغَةٌ. اهـ.
وَهَذَا الْجَوَابُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ يَصْلُحُ جَوَابًا عَمَّا يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ إذَا بَلَغَتْ بِالْحَيْضِ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ وَلِقَائِلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ) أَيْ فِي الْحِلْيَةِ عَلَى الْمُنْيَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ أَقُولُ: وَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِسُنِّيَّتِهِ لِلْيَوْمِ لِفَضِيلَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِّ تَطْلُقُ يَوْمَ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَدَارَ بَيْنَ الْأَقْوَامِ وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ بِأَفْضَلِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْعَقْلُ بِخِلَافِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِي الدُّرَرِ لِمُنْلَا خُسْرو مَا لَفْظُهُ وَيُسَنُّ لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ وَلِعِيدٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ أَعَادَ اللَّامَ لِئَلَّا يُفْهَمَ كَوْنُهُ سُنَّةً لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لِلْيَوْمِ فَقَطْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ فِيهِ عَامٌّ فَيُنْدَبُ فِيهِ التَّنْظِيفُ لِكُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ صَلَّى أَمْ لَا اهـ.
أَقُولُ: نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدَيْنِ فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ.
[الْغُسْل الواجب]
(قَوْلُهُ: وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَائِزِ) هُوَ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خان مَيِّتٌ غَسَّلَهُ أَهْلُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ وَاخْتَارَهُ فِي الْغَايَةِ والإسبيجابي؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْحَيِّ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ فَكَذَا غُسْلُ الْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ: بِزَوَالِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشْرُوطِ وَقَوْلُهُ إلَّا بِهِ أَيْ بِالْغُسْلِ.
الجزء 1 · صفحة 69
أَنْ يَمْنَعَهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ السَّبَبَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْحَائِضِ لَيْسَ الْحَيْضُ وَلَا انْقِطَاعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى أَمَالِي قَاضِي خان، وَأَمَّا مَا يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ جُنُبًا فَلَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ الْمُحَقِّقِ فَالْأَوْلَى الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان وَإِلَى هُنَا تَمَّتْ أَنْوَاعُ الِاغْتِسَالِ، وَهِيَ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ وَمَنْدُوبٌ فَالْفَرْضُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ وَتَوَارِي حَشَفَةٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَمِنْ انْقِطَاعِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَالْخَامِسُ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالسَّادِسُ الْغُسْلُ عِنْدَ إصَابَةِ جَمِيعِ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ بَعْضِهِ وَخَفِيَ مَكَانُهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ قَسَّمُوا أَنْوَاعَهُ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ وَجَعَلُوا الْوَاجِبَ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَغُسْلَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ جُنُبًا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي سَمَّوْهُ وَاجِبًا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَالْمَنْقُولُ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضٌ فَالْأَوْلَى عَدَمُ إطْلَاقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ غَيْرُ الْفَرْضِ بِنَاءً عَلَى اصْطِلَاحِنَا الْمَشْهُورِ وَالْمَسْنُونُ أَرْبَعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْمَنْدُوبُ غُسْلُ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ غَيْرُ جُنُبٍ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَدُخُولِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِلْحِجَامَةِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ إذَا رَآهَا وَلِلتَّائِبِ مِنْ الذَّنْبِ وَلِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ وَلِمَنْ يُرَادُ قَتْلُهُ وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا لِخِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْكُسُوفَيْنِ وَغُسْلُ الِاسْتِسْقَاءِ وَمِنْهُ ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ رَمْيُ الْجِمَارِ وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْغُسْلُ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ مَجْمَعِ النَّاسِ وَلَمْ أَجِدْهُ لِأَئِمَّتِنَا فِيمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَيُتَوَضَّأُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ) يَعْنِي الطَّهَارَةُ جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمَشَايِخُ تَارَةً يُطْلِقُونَ الْجَوَازَ بِمَعْنَى الْحِلِّ وَتَارَةً بِمَعْنَى الصِّحَّةِ، وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالْغَالِبُ إرَادَةُ الْأَوَّلِ فِي الْأَفْعَالِ وَالثَّانِي فِي الْعُقُودِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَمَنْ قَالَ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ اسْتَعْمَلَ الْجَوَازَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ وَالْمَاءُ هُوَ الْجِسْمُ اللَّطِيفُ السَّيَّالُ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ كُلِّ نَامٍ وَأَصْلُهُ مَوَهَ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَصْلٌ مَرْفُوضٌ فِيمَا أُبْدِلَ مِنْ الْهَاءِ إبْدَالًا لَازِمًا، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ عَنْ الْهَاءِ فِي مَوْضِعِ اللَّامِ وَيُجْمَعُ عَلَى مِيَاهٍ جَمْعَ كَثْرَةٍ وَجَمْعَ قِلَّةٍ عَلَى أَمْوَاهٍ وَالْعَيْنُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالذَّهَبِ وَالدِّينَارِ وَالْمَالِ وَالنَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَالْمَطَرِ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسِ الشَّيْءِ وَالنَّاسِ الْقَلِيلِ وَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَمَا عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ وَعَيْنٍ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْيَنْبُوعُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَفِي قَوْلِهِ وَالْبَحْرُ عَطْفًا عَلَى السَّمَاءِ أَيْ وَبِمَاءِ الْبَحْرِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَيْسَ بِمَاءٍ حَتَّى حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَسَّمَ هَذِهِ الْمِيَاهَ بِاعْتِبَارِ مَا يُشَاهَدُ عَادَةً، وَإِلَّا فَالْكُلُّ مِنْ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} [الزمر: 21] وَقِيلَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ قُلْنَا بَلْ تَعُمُّ بِقَرِينَةِ الِامْتِنَانِ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ بِهِ
فَلَوْ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ لَفَاتَ الْمَطْلُوبُ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تُفِيدُ الْعُمُومَ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14] أَيْ كُلُّ نَفْسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ فَالْمُطْلَقُ هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا مَاءٌ، وَلَمْ يَقُمْ بِهِ خَبَثٌ وَلَا مَعْنَى يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ فَخَرَجَ الْمَاءُ الْمُقَيَّدُ وَالْمَاءُ الْمُتَنَجِّسُ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَالْمُطْلَقُ فِي الْأُصُولِ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَجِدْهُ لِأَئِمَّتِنَا فِيمَا عِنْدِي) قَالَ فِي النَّهْرِ صَرَّحَ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِنَدْبِ غُسْلِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ ثُمَّ رَأَيْته أَيْضًا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِرَمْيِ الْجِمَارِ ثُمَّ رَأَيْت فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قِيلَ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ وَفِي كُلِّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَاجْتِمَاعِ النَّاسِ.
[أَحْكَام الْمِيَاه]
[الْوُضُوء بِمَاءِ السَّمَاءِ]
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ) أَيْ الْحِلُّ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَكُونُ بِمَا هُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الظَّاهِرُ هُنَا الصِّحَّةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْحِلِّ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ اسْتَعْمَلَ الْجَوَازَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ) أَقُولُ: أَمَّا وَجْهُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الْحِلِّ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ؛ فَلِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْحِلِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَصِحُّ وَتَحِلُّ وَقَدْ تَصِحُّ وَلَا تَحِلُّ كَالطَّهَارَةِ بِمَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ بِمَاءِ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْيَنْبُوعُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَاءٍ وَبَعْدَهُ لَا يَخْفَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُعْطَفَ عَلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَا ذُكِرَ نَعَمْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الْبَاصِرَةِ وَالثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ اهـ.
وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْ مَاءُ الْيَنْبُوعِ فَيَئُولُ إلَى مَا ذُكِرَ
الجزء 1 · صفحة 70
بِالْإِثْبَاتِ كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ بِخِلَافِ الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، فَإِنَّ الْقَيْدَ لَازِمٌ لَهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِدُونِ الْقَيْدِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَاسْتَدَلُّوا بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وَقَدْ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سَأَلَ سَائِلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأُوِردَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الطَّهُورُ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] وَصَفَهُ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ
وَقَالَ جَرِيرٌ
عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وَمَعْنَاهُ طَاهِرٌ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ فَعُولٌ مِنْ طَهُرَ، وَهُوَ لَازِمٌ وَالْفِعْلُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَكُنْ الْفَعُولُ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِمْ نَئُومٌ مِنْ نَامَ وَضَحُوكٌ مِنْ ضَحِكَ، وَإِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فَالْفَعُولُ مِنْهُ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ قَتُولٌ مِنْ قَتَلَ وَضَرُوبٌ مِنْ ضَرَبَ قُلْنَا إنَّمَا تُفِيدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ التَّطْهِيرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ فِي الشَّكُورِ وَالْغَفُورِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْغَافِرِ وَالشَّاكِرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّهُورِ مَعْنًى زَائِدٌ لَيْسَ فِي الطَّاهِرِ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ سَوَاءٌ فَتَكُونُ صِفَةُ التَّطْهِيرِ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا أَنَّ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكَشَّافِ وَالْمُغْرِبِ قَالَ وَمَا حُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ الطَّهُورَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ إنْ كَانَ هَذَا زِيَادَةَ بَيَانٍ لِبَلَاغَتِهِ فِي الطَّهَارَةِ كَانَ سَدِيدًا وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وَإِلَّا فَلَيْسَ فَعُولٌ مِنْ التَّفْعِيلِ فِي شَيْءٍ وَقِيَاسُهُ عَلَى مَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ كَقَطُوعٍ وَمَنُوعٍ غَيْرُ سَدِيدٍ وَالطَّهُورُ يَجِيءُ صِفَةً نَحْوَ: مَاءً طَهُورًا وَاسْمًا لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالْوُضُوءِ اسْمٌ لِمَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَمَصْدَرًا نَحْوُ تَطَهَّرْت طَهُورًا حَسَنًا
وَمِنْهُ قَوْلُهُ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ» أَيْ طَهَارَةٍ فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ صَحَّ الِاسْتِدْلَال وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ حَيْثُ يَلْزَمُ جَعْلُ اللَّازِمِ مُتَعَدِّيًا كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْلَى الصِّفَاتِ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ الثَّانِي أَنَّ جَرِيرًا قَصَدَ تَفْضِيلَهُنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ فَوَصَفَ رِيقَهُنَّ بِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ لِكَمَالِهِنَّ وَطِيبِ رِيقِهِنَّ وَامْتِيَازِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ النِّسَاءِ رِيقُهُنَّ طَاهِرٌ بَلْ كُلُّ حَيَوَانٍ طَاهِرِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَتِهِ وَجَوْدَتِهِ فِي نَفْسِهِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ وَالْمُرَادُ بِمَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مَسُوقٌ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَمَا فِي الْحَدِيثِ مَاءُ الْبَحْرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمِيَاهَ كُلَّهَا مِنْ السَّمَاءِ وَسَيَأْتِي عَنْهُ جَوَابٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ سَوَاءٌ) الصِّفَتَانِ هُمَا أَصْلُ الطَّهَارَةِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهَا
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ) أَيْ فِيمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ الْإِيرَادِ وَالْجَوَابِ وَالْبَحْثُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلَانِ عَلَى الْإِيرَادِ وَالثَّالِثُ عَلَى الْجَوَابِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ الْبَحْثَ الثَّالِثَ يَدْفَعُ الْبَحْثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَبَقِيَ الْإِيرَادُ السَّابِقُ مُتَوَجِّهًا وَلَا يَنْفَعُهُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ قُلْنَا إنَّمَا تُفِيدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ إلَخْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَحْثِ الثَّالِثِ وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَلِمَا عَلِمْت؛ وَلِأَنَّ الْمُورَدَ سَابِقًا اسْتَنَدَ إلَى أُصُولِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَقَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ عُلَمَاءِ آدَابِ الْبَحْثِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ الْمُدَلِّلَ لَا يُمْنَعُ إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُوَجَّهًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ السُّؤَالُ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالطَّهُورِ الْوَاقِعِ فِي الْجَوَابِ هُوَ كَثِيرُ الطَّهَارَةِ وَلَا تَطْهِيرَ فِيهِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّهَارَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِكَثْرَةِ الطَّهَارَةِ فِي مَكَانِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ فِيهِ سَوَاءٌ كَمَا مَرَّ وَحَاشَا مَنْ حَازَ مِنْ الْفَصَاحَةِ الْقِدْحَ الْمُعَلَّى أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ حُمِلَ مَا فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي مَاءِ الْبَحْرِ لَا مَاءِ السَّمَاءِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهُورِ فِي الْآيَةِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ يَحْتَمِلُ الْبَحْثُ فَالْأَوْلَى مَا قَدَّمْنَاهُ
الجزء 1 · صفحة 71
السَّمَاءِ مَاءُ الْمَطَرِ وَالنَّدَى وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إذَا كَانَ مُتَقَاطَرًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةً يَقُولُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْهَا اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَفِي رِوَايَةٍ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» وَلَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ، وَهُوَ يَجْمُدُ فِي الصَّيْفِ، وَيَذُوبُ فِي الشِّتَاءِ عَكْسُ الْمَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَلَوْ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الَّتِي هِيَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الْمُخَالِطُ الطَّاهِرُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْمَاءِ عَنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ الْمِلْحِ وَالنُّورَةِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ تُرَابًا طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالدَّقِيقِ وَالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ وَالطُّحْلُبِ الْمَدْقُوقِ بِمَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ كَذَا فِي الْمُهَذَّبِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ هَلْ صَارَ بِهِ مُقَيَّدًا أَمْ لَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يُقَيَّدُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ مَا دَامَ الْمُخَالِطُ مَغْلُوبًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِ هَذَا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُ يُقَالُ فِي مَاءِ الْمُدِّ وَالنِّيلِ حَالَ غَلَبَةِ لَوْنِ الطِّينِ عَلَيْهِمَا وَتَقَعُ الْأَوْرَاقُ فِي الْحِيَاضِ زَمَنَ الْخَرِيفِ فَيَمُرُّ الرَّفِيقَانِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ هُنَا مَاءٌ تَعَالَ نَشْرَبْ نَتَوَضَّأْ فَيُطْلِقُهُ مَعَ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهِ فَظَهَرَ لَنَا مِنْ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَغْلُوبَ لَا يَسْلُبُ الْإِطْلَاقَ فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَهُ لِمُحْرِمٍ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ اغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَالْمَيِّتُ لَا يُغَسَّلُ إلَّا بِمَاءٍ يَجُوزُ لِلْحَيِّ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ وَالْغُسْلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِخَلْطِ السِّدْرِ بِالْمَاءِ أَوْ بِوَضْعِهِ عَلَى الْجَسَدِ وَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَالتَّغْيِيرِ.
وَقَدْ «اغْتَسَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ لِلْمَغْلُوبِيَّةِ «وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» فَلَوْلَا أَنَّهُ طَهُورٌ لَمَا أَمَرَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ دُونَ النَّاقِصِ وَفِي الْمَاءِ الْمُخْتَلِطِ بِطَاهِرٍ غَيْرِهِ قُصُورٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ ذَاتًا لَا وَصْفًا وَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِطَاهِرٍ كَامِلٌ ذَاتًا فَيَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ
فَإِنْ قِيلَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ هَذَا الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُحْرِمُ الْمَاءَ الْمُخْتَلِطَ بِالزَّعْفَرَانِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَاءً فَاشْتَرَى هَذَا الْمَاءَ لَا يَجُوزُ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ أَقُولُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَالْجَوَابُ: أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ وَالْوَكَالَةِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِمَا لِلْعُرْفِ وَفِي الْعُرْفِ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُشْرَبُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ عَيْنَ الطِّيبِ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا (قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالدَّوَامُ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَضَمُّهَا كَمَا يَجُوزُ فِي عَيْنِ فِعْلِهِ الْمَاضِي، وَهِيَ بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ بِالْمُكْثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَنْتَنَ لِلنَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لَا بِمَا تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ) عُطِفَ عَلَى بِمَاءِ السَّمَاءِ يَعْنِي لَا يَتَوَضَّأُ بِمَا تَغَيَّرَ بِوُقُوعِ الْأَوْرَاقِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ بِأَنْ صَارَ ثَخِينًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَسَاتِذَةِ أَنَّ أَوْرَاقَ الْأَشْجَارِ وَقْتَ الْخَرِيفِ تَقَعُ فِي الْحِيَاضِ فَيَتَغَيَّرُ مَاؤُهَا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ ثُمَّ إنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَرُوِيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْلَال لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
الجزء 1 · صفحة 72
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إنْ ظَهَرَ لَوْنُهَا فِي الْكَفِّ لَا يُتَوَضَّأُ بِهَا لَكِنْ يُشْرَبُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِالطَّبْخِ) أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَا تَغَيَّرَ بِسَبَبِ الطَّبْخِ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ كَمَاءِ الْمَرَقِ وَالْبَاقِلَاءِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ لِعَدَمِ تَبَادُرِهِ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ وَلَا نَعْنِي بِالْمُطْلَقِ إلَّا مَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ أَمَّا لَوْ كَانَتْ النَّظَافَةُ تُقْصَدُ بِهِ كَالسِّدْرِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ يُطْبَخْ بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ إلَّا إذَا خَرَجَ الْمَاءُ عَنْ طَبْعِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيْلَانِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَصَاحِبُ الْيَنَابِيعِ أَنَّ الْبَاقِلَاءَ أَوْ الْحِمَّصَ إذَا طُبِخَ إنْ كَانَ إذَا بُرِّدَ ثَخُنَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثْخُنُ وَرِقَّةُ الْمَاءِ بَاقِيَةٌ جَازَ لَيْسَ هُوَ الْمُخْتَارَ بَلْ هُوَ قَوْلُ النَّاطِفِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ بِمَا لَفْظُهُ، وَلَوْ طُبِخَ الْحِمَّصُ وَالْبَاقِلَاءُ فِي الْمَاءِ وَرِيحُ الْبَاقِلَاءِ تُوجَدُ فِيهِ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا لَمْ تَذْهَبْ عَنْهُ رِقَّةُ الْمَاءِ، وَلَمْ يُسْلَبْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ. اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ أَيْضًا عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمَطْبُوخَ بِشَيْءٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ يَصِيرُ مُقَيَّدًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ مُقَيَّدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ تَغَيَّرَ أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ كَالرِّيبَاسِ أَوْ ثَمَرٍ كَالْعِنَبِ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ مُقَيَّدٌ، وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ، فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَفِي ذِكْرِ الْعَصْرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرِ بِلَا عَصْرٍ كَمَاءٍ يَسِيلُ مِنْ الْكَرَمِ يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْجَوَازَ بِصِيغَةِ قَبْلُ.
وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْأَوْجَهُ عَدَمُ الْجَوَازِ، فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى لِمَا أَنَّهُ كَمُلَ امْتِزَاجُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي فَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ امْتِزَاجُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ ثُمَّ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ طَاهِرٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا فِي تَحْقِيقِ الْغَلَبَةِ بِمَاذَا تَكُونُ فَعِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كَعِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالْمُخْتَارُ تُفِيدُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْ كَانَ وَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ، وَهِيَ قَوْلُهُ وَنُجِيزُهُ بِغَالِبٍ عَلَى طَاهِرٍ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيَّرَ بِهِ بَعْضُ أَوْصَافِهِ تُفِيدُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْ كَانَ وَصْفَيْنِ يَجُوزُ أَوْ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ
وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ حُكِيَ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَفِي الْمَجْمَعِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَعْتَبِرُ الْغَلَبَةَ بِالْأَجْزَاءِ وَمُحَمَّدٌ بِاللَّوْنِ، وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الْخِلَافِ الْأَوَّلُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْغَلَبَةَ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الطَّعْمُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ نُقِعَ الْحِمَّصُ وَالْبَاقِلَاءُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الصَّابُونِ إذَا كَانَ ثَخِينًا قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ وَكَذَا مَاءُ الْأُشْنَانِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الطِّينُ غَالِبًا عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَصَرَّحَ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ بِالْأَجْزَاءِ قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ إذَا طُرِحَ الزَّاجُّ أَوْ الْعَفْصُ فِي الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقَشُ إذَا كُتِبَ بِهِ، فَإِنْ نُقِشَ لَا يَجُوزُ، وَالْمَاءُ هُوَ الْمَغْلُوبُ، وَهَكَذَا جَاءَ الِاخْتِلَافُ ظَاهِرًا فِي عِبَارَاتِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ، فَنَقُولُ إنَّ التَّقْيِيدَ الْمُخْرِجَ عَنْ الْإِطْلَاقِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: كَمَالُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَلَوْ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ]
(قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا تَغَيَّرَ)
كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ عَلَى بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ لَا مَا ذَكَرَهُ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَاعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) أَسْقَطَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَجْزَأَ فَكَانَ الْوَاجِبُ ذِكْرَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَنَقُولُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ) أَقُولُ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَأَطَالَ بِهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ وَلِلَّهِ دَرُّهُ حَيْثُ قَالَ الْغَلَبَةُ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ أَوْ بِطَبْخٍ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ وَإِمَّا بِغَلَبَةِ الْمُخَالِطِ فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةٍ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ كَنَبِيذِ تَمْرٍ وَلَوْ مَائِعًا فَلَوْ مُبَايِنًا لِأَوْصَافِهِ فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا أَوْ مُوَافِقًا كَلَبَنٍ فَبِأَحَدِهَا أَوْ مُمَاثِلًا كَمُسْتَعْمَلٍ فَبِالْأَجْزَاءِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِالْكُلِّ، وَإِلَّا لَا، وَهَذَا يَعُمُّ لِيَلْقَى وَلِيُلَاقِيَ فَفِي الْفَسَاقِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِتَسَاوِي الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ قُلْت لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا اهـ.
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى ضَعْفِ مَا فِي الشرنبلالية مِنْ الْفَرْقِ وَسَتَطَّلِعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ هَذَا
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَجْهُ أَنْ يَخْرُجَ
الجزء 1 · صفحة 73
الِامْتِزَاجِ، وَهُوَ بِالطَّبْخِ مَعَ طَاهِرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ أَوْ بِتَشَرُّبِ النَّبَاتِ سَوَاءٌ خَرَجَ بِعِلَاجٍ أَوْ لَا.
الثَّانِي غَلَبَةُ الْمُخَالِطِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَبِانْتِفَاءِ رِقَّةِ الْمَاءِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَا فِي الْيَنَابِيعِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إذَا طُرِحَ الزَّاجُّ فِي الْمَاءِ حَتَّى اسْوَدَّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا مُوَافِقًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ كَالْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّقْطِيرِ مِنْ لِسَانِ الثَّوْرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ الَّذِي انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ وَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ طَهَارَتِهِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمُطْلَقِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ جَازَ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ قَالُوا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمَغْلُوبِ احْتِيَاطًا وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ بِالْأَجْزَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ جَامِدًا فَغَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ فِيهِ بِثُخُونَتِهِ فَإِنْ كَانَ مَائِعًا مُوَافِقًا لِلْمَاءِ، فَغَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ فِيهِ بِالْقِدْرِ وَذَكَرَ الْحَدَّادِيُّ أَنَّ غَلَبَةَ الْأَجْزَاءِ فِي الْجَامِدِ تَكُونُ بِالثُّلُثِ، وَفِي الْمَائِعِ بِالنِّصْفِ
فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ كُلِّهَا، فَإِنْ غَيَّرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ فَالْعِبْرَةُ لِغَلَبَةِ مَا بِهِ الْخِلَافُ كَاللَّبَنِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ، فَإِنْ كَانَ لَوْنُ اللَّبَنِ أَوْ طَعْمُهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ وَكَذَا مَاءُ الْبِطِّيخِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ فَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِالطَّعْمِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ ثُمَّ الطَّعْمِ ثُمَّ الْأَجْزَاءِ فَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَائِعَ لِلْمَاءِ إنْ كَانَ لَوْنُهُ مُخَالِفًا لِلَوْنِ الْمَاءِ فَالْغَلَبَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ، وَإِنْ كَانَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلطَّعْمِ إنْ غَلَبَ طَعْمُهُ عَلَى الْمَاءِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ.
وَأَمَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْءٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْبَعْضِ الْبَعْضُ الْأَقَلُّ، وَهُوَ الْوَاحِدُ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي شَرْحِهِ فَغَيَّرَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ لَوْنٍ ذَكَرَهُ بِأَوْ الَّتِي هِيَ لِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ مِنْ الَّتِي أَوْقَعَهَا بَيَانًا لِلْبَعْضِ وَلَا يَظْهَرُ لِتَغْيِيرِ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ فَائِدَةٌ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ مُهِمَّةٌ لَا بَأْسَ بِإِيرَادِهَا الْأَوَّلُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْجَامِدَ لَا يُقَيَّدُ الْمَاءُ إلَّا إذَا سَلَبَهُ وَصْفَ الرِّقَّةِ وَالسَّيْلَانِ جَوَازُ التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلَوْ غَيَّرَ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ وَقَدْ صَرَّحُوا قُبَيْلَ بَابِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَأَنَّ تِلْكَ رِوَايَةٌ مَرْجُوعٌ عَنْهَا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ وَفِي مَسْأَلَةِ نَبِيذِ التَّمْرِ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ، فَلَا مُخَالَفَةَ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّانِي أَنَّهُ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْأَقْسَامِ مَا خَالَطَ جَامِدًا فَسَلَبَ رِقَّتَهُ وَجَرَيَانَهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَاءٍ مُقَيَّدٍ وَالْكَلَامُ فِيهِ بَلْ لَيْسَ بِمَاءٍ أَصْلًا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي الْمُخْتَلَطِ بِالْأُشْنَانِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَا فِي الْيَنَابِيعِ) الَّذِي قَدَّمَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُخَالِفُ هَذَا ظَاهِرًا حَتَّى يُحْمَلَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا فِي الْيَنَابِيعِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَجْزَاءِ أَيْ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ إنْ كَانَ لَا يُخَالِفُ فِي الْأَوْصَافِ وَعَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ جَامِدًا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَائِعًا تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ وَتَفْصِيلٌ لِمَا عُلِمَ إجْمَالًا.
(قَوْلُهُ: كَاللَّبَنِ يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الْمُشَاهَدُ فِي اللَّبَنِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْمُشَاهَدُ فِي الْبِطِّيخِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ فَجُعِلَ الْأَوَّلُ مِمَّا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفَيْنِ فَقَطْ وَالثَّانِي فِي وَصْفٍ فَقَطْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَيْضًا فِي الْبِطِّيخِ مَا لَوْنُهُ أَحْمَرُ وَفِيهِ مَا لَوْنُهُ أَصْفَرُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْبَعْضِ الْبَعْضُ الْأَقَلُّ إلَخْ) أَقُولُ: قَوْلُ الْمَجْمَعِ وَنُجِيزُهُ بِغَالِبٍ عَلَى طَاهِرٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ أَوْ عَلَى الْجَامِدِ فَقَطْ وَلَا سَبِيلَ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَائِعِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ كَزَعْفَرَانٍ.
فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْأَعَمِّ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْبَعْضِ عَلَى الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الْمُخَالِطِ الْجَامِدِ تُعْتَبَرُ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ لَا بِالْأَوْصَافِ فَضْلًا عَنْ وَصْفٍ وَاحِدٍ وَأَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُخَالِطِ الْمَائِعِ لَا تَثْبُتُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي كُلِّ الْأَوْصَافِ يُعْتَبَرُ ظُهُورُهَا كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَامِدِ فَقَطْ فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْنَاهُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ انْتِفَاءُ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا مَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ كَمَا يَأْتِي التَّقْيِيدُ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَبَيْنَ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَازِ الَّذِي فِي الْيَنَابِيعِ وَالظَّهِيرِيَّةِ فَكَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ انْتِفَاءُ الرِّقَّةِ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الزَّعْفَرَانِ نَعَمْ فِي عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ تَأَمُّلٌ مِنْ حَيْثُ إفْهَامُهَا أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَيُقَيَّدُ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ أَوْ يُقَالُ إذَا تَغَيَّرَتْ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا بِنَحْوِ الزَّعْفَرَانِ يَزُولُ اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ غَالِبًا فَقَدْ ظَهَرَ لَك إمْكَانُ حَمْلِهَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ وَإِنْ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ الْوَاحِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ شَرْحِهِ يُقَوِّي الْأَشْكَالَ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ مَا فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَغْيِيرَ وَاحِدٍ فَقَطْ أَوْ عَلَى أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ
الجزء 1 · صفحة 74
مَا دَامَ رَقِيقًا سَيَّالًا وَلَوْ غَيَّرَ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْجَامِدَاتِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنْ أَمْكَنَ الصَّبْغُ فِيهِ، فَلَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الثُّخُونَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ إلَّا إذَا غَلَبَهُ أَوْ سَاوَاهُ إمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا إذَا اُسْتُعْمِلَ الْمَاءُ خَارِجًا ثُمَّ أَلْقَى الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ وَاخْتَلَطَ بِالطَّهُورِ أَوْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» لَا يُقَالُ إنَّهُ نَهْيٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهِّرِ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ غَالِبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا وَهَاهُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا اهـ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيمَنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِأَنْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا لَا يُنْزَحُ شَيْءٌ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا وَجَعَلَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَعْمَلِ أَكْثَرُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَهُورًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَعْمَلُ غَالِبًا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ صَبَّ اللَّبَنَ فِي الْبِئْرِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بَالَتْ شَاةٌ فِيهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ.
وَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَوْ اخْتَلَطَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ قَلَّ، وَهَذَا فَاسِدٌ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ فَلِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ صِفَةِ الطَّهُورِ كَاللَّبَنِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ثُمَّ الْكَثِيرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا يَغْلِبُ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعِنْدَهُمَا أَنْ يَسْتَبِينَ مَوَاضِعَ الْقَطْرَةِ فِي الْإِنَاءِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ جُنُبٌ اغْتَسَلَ فَانْتَضَحَ مِنْ غُسْلِهِ شَيْءٌ فِي إنَائِهِ لَمْ يَفْسُدْ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَمَّا إذَا كَانَ يَسِيلُ فِيهِ سَيَلَانًا أَفْسَدَهُ وَكَذَا حَوْضُ الْحَمَّامِ عَلَى هَذَا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُفْسِدُهُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ يَعْنِي لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ اهـ.
بِلَفْظِهِ فَإِذَا عَرَفْت هَذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِي الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمَدَارِسِ عِنْدَ عَدَمِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْ وُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِي الصِّغَارِ مِنْهَا
فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَوْ صُبَّ مَاءُ الْوُضُوءِ فِي الْبِئْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ إنْ كَانَ اسْتَنْجَى بِذَلِكَ الْمَاءِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى بِهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ نَجِسًا لَكِنْ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا لِيَصِيرَ الْمَاءُ طَاهِرًا اهـ.
فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِوُقُوعِ قَلِيلٍ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَزَلَ فِي الْبِئْرِ بِقَصْدِ الِاغْتِسَالِ يَفْسُدُ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ صَرَّحَ بِهِ الْأَكْمَلُ وَصَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرُهُمَا وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَوْلَا أَنَّ الْكُلَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِمَا نُزِحَ مِنْهَا، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَكَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَاءَ يَفْسُدُ إذَا أَدْخَلَ الْكَفَّ فِيهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ الْكُلِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ والْوَلْوَالِجِيِّ فِي فَتَاوِيهِ جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي بِئْرٍ ثُمَّ فِي بِئْرٍ إلَى الْعَشَرَةِ عَلَى قَصْدِ الِاغْتِسَالِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُنَجَّسُ الْآبَارُ كُلُّهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ نَجَاسَةٍ تَنَجَّسَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ نَجَاسَةٍ صَارَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا مُسْتَعْمَلًا إلَى آخِرِ الْفُرُوعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هَكَذَا كُنْت تَوَهَّمْت وَكَتَبْت بَعْضَ مَقُولَاتٍ عَلَى عِبَارَةِ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الطَّهُورَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ لَا عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ قَاضِي خان إلَخْ) جَوَابُ الشَّرْطِ سَيَأْتِي بَعْدَ صَفْحَةٍ وَمَنْشَأُ السُّؤَالِ مَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الطَّهُورَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ نَجَاسَةٍ تَنَجَّسَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمِيَاهِ مِيَاهَ الْآبَارِ الْعَشَرَةِ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ وَكَذَا تَنَجُّسُ الْآبَارِ كُلِّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُشْكِلٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَنْ نَزَلَ فِي الْبِئْرِ، وَهُوَ جُنُبٌ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا وَالرَّجُلُ نَجِسٌ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ جحط وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِسْبِيجَابِيَّ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْفُرُوعَ بَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُفَرَّعَةٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ بِحَالِهِ وَالْمَاءَ بِحَالِهِ اهـ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيَاهِ الْمُتَنَجِّسَةِ أَوْ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِيَاهُ الْآبَارِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ بِدَلِيلِ تَكْمِلَةِ عِبَارَةِ الْإِسْبِيجَابِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ هُنَا ثُمَّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ إنْ وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا
وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ النِّيَّةُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ. اهـ. فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةً فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَوْضَحِ مِمَّا ذَكَرَهُ
الجزء 1 · صفحة 75
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْمَاءِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالِاغْتِسَالِ فِيهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ: فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ» إلَى آخِرِهِ قَالَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ طَهُورٌ لَا يَجْعَلُ الِاغْتِسَالَ فِيهِ حَرَامًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا وَقَعَ فِي مَاءِ آخَرَ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ يَقَعُ فِيهِ وَقَدْرُ مَا يُلَاقِي بَدَنَ الْمُسْتَعْمَلِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُغْتَسَلُ فِيهِ عَادَةً يَكُونُ أَقَلَّ مِمَّا فَضُلَ عَنْ مُلَاقَاةِ بَدَنِهِ فَلَا يَفْسُدُ وَيَبْقَى طَهُورًا لِذَلِكَ وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ الِاغْتِسَالُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ فَيَفْسُدُ الْكُلُّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْغُسَالَةِ كَقَطْرَةِ خَمْرٍ تَقَعُ فِي حُبٍّ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا اهـ.
فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ كَشَفَتْ اللَّبْسُ وَأَوْضَحَتْ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، فَإِنَّهَا أَفَادَتْ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِاخْتِلَاطِ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا حَكَمَ بِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا لَا حَقِيقَةً فَمَا فِي الْبَدَائِعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ عَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ بِخِلَافِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ تَوَضَّأَ فِي طَسْتٍ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي بِئْرٍ يُنْزَحُ مِنْهُ الْأَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا وَمِمَّا صُبَّ فِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. اهـ.
وَهَذَا يُفِيدُ صَيْرُورَةَ مَاءِ الْبِئْرِ مُسْتَعْمَلًا بِصَبِّ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَيْهِ فَبِالْأَوْلَى إذَا تَوَضَّأَ فِيهَا أَوْ اغْتَسَلَ قُلْت قَدْ وَقَعَ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِي الصِّغَارِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمَدَارِسِ كَلَامٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الطَّلَبَةِ وَالْأَفَاضِلِ فِي عَصْرِنَا وَقَبْلَهُ وَقَدْ أَلَّفَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِيهَا رِسَالَةً وَسَمَّاهَا رَفْعَ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمِيَاهِ وَاسْتَدَلَّ فِيهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ وَأَفْتَى بِهِ وَتَعَقَّبَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ وَأَلَّفَ فِيهَا رِسَالَةً وَسَمَّاهَا زَهْرَ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنُ وَهْبَانَ.
وَقَالَ لَا تَغْتَرَّ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَاسْتَنَدَ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْأَسْرَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّارِحُ مَعَ النَّصِّ عَلَى مَا اسْتَظْهَرْنَاهُ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَنَّ الْجُنُبَ اغْتَسَلَ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ فِي بِئْرٍ إلَى الْعَشَرَةِ أَوْ أَكْثَرَ تُنَجَّسُ الْمِيَاهُ كُلُّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ أَوْ لَا وَالرَّجُلُ عَلَى حَالِهِ جُنُبٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ الثَّالِثَةَ طَاهِرًا وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ يُنْظَرُ فِيهَا إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ صَارَ الْمَاءُ نَجِسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا الرَّابِعُ وَمَا وَرَاءَهُ إنْ وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَإِلَّا فَلَا يَعْنِي إذَا لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ فَالْمِيَاهُ طَاهِرَةٌ اهـ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ اغْتَسَلَ أَنَّ الْغُسْلَ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ كَانَ بِنِيَّةٍ وَوَجْهُ اسْتِعْمَالِهَا سُقُوطُ الْفَرْضِ بِهَا مَعَ الْقُرْبَةِ وَسُنِّيَّةُ التَّثْلِيثِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مَا بَعْدَهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ أَيْضًا لِحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِتَجْدِيدِ الْغُسْلِ لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ كَالْوُضُوءِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلَا يَتَنَجَّسُ الرَّابِعُ وَمَا بَعْدَهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لِطَهَارَتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ الثَّالِثَةِ
(قَوْلُهُ: فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ كَشَفَتْ اللَّبْسَ إلَخْ) قَالَ أَخُوهُ الْمُحَقِّقُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَوَامِشِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ نَعَمْ كَشَفَتْ اللَّبْسَ مِنْ حَيْثُ آخِرُهَا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا فَلَنَا صُورَتَانِ صُورَةُ وُقُوعِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فِي مَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ فَيُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الْمَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مَاءٌ وَاحِدٌ تَوَضَّأَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِحَاجَةٍ صَارَ مُسْتَعْمَلًا كُلُّهُ حُكْمًا كَمَا رَأَيْت اهـ.
(قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْبَدَائِعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ عَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ) أَيْ حَقِيقَةً يَعْنِي أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ نَسَبَ إلَى مُحَمَّدٍ عَدَمَ الِاسْتِعْمَالِ بِنَاءً عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَذْهَبُهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ لَكِنَّ مُحَمَّدًا مَا قَالَ بِذَلِكَ الَّذِي اقْتَضَاهُ مَذْهَبُهُ بَلْ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةُ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ الدَّبُوسِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَمِمَّا صُبَّ فِيهِ) أَيْ وَيُنْزَحُ مَا ذُكِرَ أَيْضًا مِنْ بِئْرٍ أُخْرَى صُبَّ فِيهَا دَلْوٌ مَثَلًا مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْعِشْرِينَ دَلْوًا وَفِي الْمَصْبُوبِ فَأَيُّهُمَا أَكْثَرُ يُنْزَحُ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْآبَارِ لَوْ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي جُبٍّ فَأُرِيقَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَصْبُوبَةِ وَمِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا يُنْزَحُ عِشْرُونَ فَكَذَا إذَا صُبَّ فِيهَا مَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا إذَا زَادَ الْمَصْبُوبُ عَلَى ذَلِكَ فَتُنْزَحُ الزِّيَادَةُ مَعَ الْعِشْرِينَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ إلَخْ) ، وَهُوَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ إذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ مَا نَصُّهُ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ عِنْدِي أَنَّهُ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ أُصُولِ أَئِمَّتِنَا فِيهِ وَالتَّحْقِيقُ النَّزْحُ لِلْجَمِيعِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ عِنْدَهُ وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الْإِمَامِ وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى يُنْزَحُ مِنْهُ عِشْرُونَ لِيَصِيرَ طَهُورًا، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ
أَمَّا لَوْ اُعْتُبِرَتْ الضَّرُورَةُ وَدَفْعُ الْحَرَجِ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِي الِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ أَوْ إدْخَالِ الْعُضْوِ فِيهِ وَاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الصُّغْرَى وَغَيْرهَا وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمٌ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ
الجزء 1 · صفحة 76
وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَكْشِفُ لَك عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ فَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ مُسْتَعْمَلًا بِاخْتِلَاطِ الْمُسْتَعْمَلِ الْأَقَلِّ مِنْهُ بِهِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ كَالزَّيْلَعِيِّ وَالْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ وَالسِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ كَمَا نَقَلْنَاهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الدَّبُوسِيِّ فِي الْأَسْرَارِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا وَمَا ذَكَرَهُ الْأَكْمَلُ وَشُرَّاحُ الْهِدَايَةِ مِنْ كَوْنِهِ يَفْسُدُ عِنْدَ الْكُلِّ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ والْوَلْوَالِجِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فَكُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ وَسَيَظْهَرُ لَك صِدْقُ هَذِهِ الدَّعْوَى الصَّادِقَةِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ
وَإِذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبِئْرِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْزَحُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى بِرَحْمَتِهِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِرَفْعِ الِاشْتِبَاهِ فَإِنَّهُ خَالَفَ فِيهَا صَرِيحَ الْمَنْقُولِ عَنْ أَئِمَّتِنَا وَاسْتَنَدَ إلَى كَلَامٍ وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ يُوهِمُ عَدَمَ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ مُسْتَعْمَلًا بِالِانْغِمَاسِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مِنْهُ مَا لَاقَى بَدَنَ الْمُحْدِثِ، وَهُوَ قَلِيلٌ لَاقَى طَهُورًا أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا يَسْلُبُهُ وَصْفَ الطَّهُورِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي فِقْهِهِمْ وَكَتَبَ فِيهِ كِتَابَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى خَلْطٍ وَخَبْطٍ وَمُخَالَفَةِ النُّصُوصِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمه اللَّهُ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي مُقَدَّمَةٍ كَتَبْتهَا حَقَّقْت فِيهَا الْمَذْهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ الدَّبُوسِيَّ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ أَوْرَدَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ مِنْ أَبِي يُوسُفَ لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
وَذَكَرَ جَوَابَ مُحَمَّدٍ عَنْهُ فَكَشَفَ اللَّبْسَ وَأَوْضَحَ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ مَذَاهِبِ عُلَمَائِنَا فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدٍ وَعَامَّةِ مَشَايِخِنَا يَنْصُرُونَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ قَالَ يُحْتَجُّ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ بِمَا رُوِيَ فَذَكَرَ حَدِيثَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» ثُمَّ قَالَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ طَهُورٌ لَا يُجْعَلُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ حَرَامًا إلَى آخِرِ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ هُنَا عَنْ الدَّبُوسِيِّ.
وَفِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطَّاهِرَ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِلِاغْتِسَالِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَصَرَّحَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان بِأَنَّ إدْخَالَ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ لِلْغَسْلِ يُفْسِدُ الْمَاءَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَتَكَفَّلَ بِإِيضَاحِ هَذَا وَتَحْرِيرِهِ رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةُ بِزَهْرِ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَمَا كَتَبْته بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ رُؤْيَةِ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَانْظُرْهُ اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ حَسَنٌ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِي جَسَدُهُ دُونَ بَاقِي الْمَاءِ فَيَصِرْ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَهْلَكًا فِي كَثِيرٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِسَرَيَانِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَمِيعِ حُكْمًا، وَلَيْسَ كَالْغَالِبِ بِصَبِّ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ اهـ.
يَعْنِي: أَنَّهُ لَمَّا انْغَمَسَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مَثَلًا صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي انْغَمَسَ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ حَقِيقَةً هُوَ مَا لَاقَى جَسَدَهُ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا صُبَّ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعْمَلَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هُوَ ذَلِكَ الْمُلْقَى فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ عَلَى الْمُلْقَى فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا لَمْ يُسَاوِهِ أَوْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ جَسَدَهُ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ حُكْمًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْأَسْرَارِ لِلدَّبُّوسِيِّ وَقَوْلُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ جحط لَوْ انْغَمَسَ بِقَصْدِ الِاغْتِسَالِ لِلصَّلَاةِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا
وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ مَا فِي الْأَسْرَارِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَالسِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَاقَاهُ الْمُسْتَعْمَلُ أَوْ أُلْقِيَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْهِنْدِيِّ فِي الْمُلْقَى وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمُلَاقَى فَيَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ عَدَمِ الْفَرْقِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ مَا يُثْبِتُهُ.
(قَوْلُهُ: فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْخِلَافُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي جَوَازِ التَّوَضُّؤِ مِنْ الْفَسَاقِي وَعَدَمِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِانْغِمَاسٍ بِجَسَدٍ أَوْ يَدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاهُ مِنْ الْجَوَازِ فَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي الِانْغِمَاسِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ بِالِانْغِمَاسِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا وَأَيَّدْنَاهَا بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الدَّبُوسِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا إلَخْ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُلْقَى وَالْمُلَاقَى فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْمُلَاقَى سِوَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ ابْنِ الشِّحْنَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ فَهُوَ فِي الْمُلْقَى وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ وَلِذَا قَالَ أَخُو الشَّارِحِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَوَامِشِ هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ الْآتِي قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إلَخْ مَا نَصُّهُ لَا يَخْفَاك أَنَّ الْعِبَارَةَ فِي وُقُوعِ الْمَاءِ لَا الْمُغْتَسَلِ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ اهـ.
وَكَذَا مَا نَقْلنَا عَنْهُ سَابِقًا وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُسَلِّمُ عَدَمَ الْفَرْقِ فَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ هَكَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُحَشِّي قَوْلُهُ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةٍ إلَخْ إلَى قَوْلِهِ الْآتِي إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ عَلَى حَسَبِ مَا وُجِدَ بِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ حَيْثُ كَانَ هُوَ الْأَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ الْمُجَرَّدُ لِخَطِّهِ فِي الْمُبَيَّضَةِ فَلِذَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ اهـ مُصَحَّحَةً
الجزء 1 · صفحة 77
وَيَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَصَارَ كَالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ اهـ. بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبِئْرِ لَا يَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَفِي التُّحْفَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَإِذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْقَلِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بِخِلَافِ بَوْلِ الشَّاةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ مِنْ جِنْسِ مَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يُسْتَهْلَكُ فِيهِ وَالْبَوْلُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ فِيهِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ صَبَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي بِئْرٍ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَكَانَ دُونَ الْفَأْرَةِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُجَوَّزُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ الْبِئْرِ اهـ.
كَلَامُ الْعَلَّامَةِ السَّرَّاجِ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْأَكْثَرِ مِنْهُ الْقَلِيلِ فِي نَفْسِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَصِيرُ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ فَأَفَادَ الْفَرْقَ بِقَوْلِهِ، وَالْفَرْقُ لَهُ إلَى آخِرِهِ، وَهِيَ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمُطْلَقِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْعَلَّامَةُ كَمَا رَأَيْت وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَمِنْهَا حَمْلُ مَا نَقَلَهُ قَاضِي خان وَغَيْرُهُ مَنْ نَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فَلَا يُنْزَحُ شَيْءٌ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا تَعَيَّنَ عَلَيْك حَمْلُ قَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَدَمَ الْجَوَازِ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ لَا الصَّحِيحِ كَمَا فَعَلَهُ الْعَلَّامَةُ.
وَأَمَّا مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ فَسَدَ الْمَاءُ، فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا عَلَى الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجِسِ لِلْمَاءِ الْقَلِيلِ تَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ لَا مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لَهُ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ هَذَا خِتَامُ الْمُحَقِّقِينَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ حِجَابِ الْأَسْتَارِ فَقَالَ حَوْضَانِ صَغِيرَانِ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَدْخُلُ فِي الْآخَرِ فَتَوَضَّأَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ الْجَارِي مِنْ فَوْقُ وَقَدْ بَقِيَ جَرْيُ الْمَاءِ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَا يَجْرِي فِي النَّهْرِ.
وَذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَالَ: وَالْمَاءُ الَّذِي اجْتَمَعَ فِي الْحَفِيرَةِ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ، وَهَذَا مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ نَجِسًا وَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا، فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا فَلْتُحْفَظْ لِيُفَرَّعَ عَلَيْهَا وَلَا يُفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْفُرُوعِ اهـ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ فَهْمَ الْمَسَائِلِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إطْلَاقَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي الْغَالِبِ مُقَيَّدَةٌ بِقُيُودٍ يَعْرِفُهَا صَاحِبُ الْفَهْمِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُمَارِسُ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَإِنَّمَا يَسْكُتُونَ عَنْهَا اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ فَهْمِ الطَّالِبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ اجْتِهَادِيَّةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لَا يُعْرَفُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ إلَّا بِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الْحُكْمِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ وَتَفَرَّعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَتَشْتَبِهُ الْمَسَائِلُ عَلَى الطَّالِبِ وَيَحَارُ ذِهْنُهُ فِيهَا لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْوَجْهِ وَالْمَبْنَى وَمَنْ أَهْمَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ حَارَ فِي الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا ظَهَرَ لَك ضَعْفُ مَنْ يَقُولُ فِي عَصْرِنَا إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا صُبَّ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَكَانَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ غَالِبًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَإِذَا تَوَضَّأَ فِي فَسْقِيَّةٍ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا إذْ لَا مَعْنًى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ فِي الْفَرْقِ مِنْ أَنَّ فِي الْوُضُوءِ يَشِيعُ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْجَمِيعِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّبِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الشُّيُوعَ وَالِاخْتِلَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلْقَاءُ الْغُسَالَةِ مِنْ خَارِجٍ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّشْخِيصِ وَتَشَخُّصِ الِانْفِصَالِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُعْقَلُ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ الْفَسَاقِي الصِّغَارِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ أَكْثَرُ أَوْ مُسَاوٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا) قَالَ أَخُوهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ أَيْ فَلَا يُقَالُ فَاسِدٌ بَلْ يُقَالُ هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَإِنَّهَا لِغَفْلَةٍ عَنْ فَهْمِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ اهـ أَقُول اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَدْ كُشِفَ عَنْ هَذَا لِكَوْنِ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَحْمُولًا عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا شَكَّ فِي كَشْفِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَيْضًا رِوَايَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ النَّجِسَ يُنَجِّسُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُلْقًى أَوْ مُلَاقِيًا فَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ سِيَّمَا وَقَدْ اخْتَارَهُ كَثِيرُونَ وَعَامَّةُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الشَّارِحِ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَاحِبُ النَّهْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجِ الْعَظِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
الجزء 1 · صفحة 78
وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ نَجَاسَةٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ: فِي رِسَالَتِهِ، فَإِنْ قُلْت إدًّا تَكَرَّرَ الِاسْتِعْمَالُ قَدْ يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ قُلْت الظَّاهِرُ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى فِي النَّجِسِ فَكَيْفَ بِالطَّاهِرِ قَالَ فِي الْمُبْتَغَى يَعْنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَوْمٌ يَتَوَضَّئُونَ صَفًّا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ جَازَ فَكَذَا فِي الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَاءِ الْحَوْضِ فِي حُكْمِ مَاءٍ جَارٍ اهـ بِلَفْظِهِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ.
وَأَمَّا مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُبْتَغَى فَلَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْحَوْضِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْجَارِي، وَمَا فِي الْمُبْتَغَى مُصَوَّرٌ فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَاءِ الْحَوْضِ فِي حُكْمِ مَاءٍ جَارٍ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ عِبَارَةَ الْمُبْتَغَى ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ بِالضَّرُورَةِ وَأَيْضًا مَا فِي الْمُبْتَغَى مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَدَّادِيَّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ ذَكَرَ مَا فِي الْمُبْتَغَى تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَكَلَامُنَا هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَالَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْيَةِ.
وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لَوْ تَوَضَّأَ فِي أَجَمَةِ الْقَصَبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ جَازَ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْجَوَازُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُخَالِفُ لِجَوَابِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَمَّا عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا بَلْ يَجُوزُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَغْتَرِفُهُ مِنْهُ لِإِسْقَاطِ فَرْضٍ مِنْ مَسْحٍ أَوْ غَسْلِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ مَاءٍ اخْتَلَطَ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ غَالِبٍ عَلَيْهِ اهـ.
وَالْأَجَمَةُ مُحَرَّكَةٌ الشَّجَرُ الْكَثِيرُ الْمُلْتَفُّ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا وَاتِّصَالُ الزَّرْعِ بِالزَّرْعِ لَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْلُصُ فَيَجُوزُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ فِي طَهَارَةِ الْمُسْتَعْمَلِ بِالشَّرْطِ الَّذِي سَلَفَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ اهـ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَيْضًا مَسَائِلَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ قَلِيلٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ فِي فَتَاوِيهِ الَّتِي جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ خِتَامُ الْمُحَقِّقِينَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ بِمَا لَفْظُهُ سُئِلَ عَنْ فَسْقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ يَتَوَضَّأُ فِيهِ النَّاسُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهَا مَاءٌ جَدِيدٌ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا أَجَابَ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ اهـ يَعْنِي: إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَتْ لِصِغَرِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ سَاكِنٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ أَوْ لَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةٍ.
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا جَارِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَارٍ هَكَذَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ فِي كُتُبِنَا، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ أَيْضًا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا فَاتَّفَقَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِهَا دُونَ الْكَثِيرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ إنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِهَا، فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ وَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّجَاسَةِ فِي الْكَمِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَإِلَّا جَازَ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: إنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ مَا تَيَقَّنَّا فِيهِ جُزْءًا مِنْ النَّجَاسَةِ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ جَارِيًا أَوْ لَا. اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَمَا كَانَ مِنْ الْمِيَاهِ فِي الْغُدْرَانِ أَوْ فِي مُسْتَنْقَعٍ مِنْ الْأَرْضِ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ نَظَرَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَخْتَلِطْ بِجَمِيعِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء 1 · صفحة 79
لِكَثْرَتِهِ تَوَضَّأَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ فِي إصَابَةِ الطَّاهِرِ مِنْهُ وَمَا كَانَ قَلِيلًا يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ خَلَصَتْ إلَى جَمِيعِهِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ لَمْ يُتَوَضَّأْ مِنْهُ اهـ.
وَقَالَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ: وَالظَّاهِرُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يُوَقَّتْ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي خُلُوصِ النَّجَاسَةِ اهـ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي: الَّذِي هُوَ جَمَعَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو عِصْمَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُوَقِّتُ عَشْرَةً فِي عَشْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ لَا أُوَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: ثُمَّ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ الْخُلُوصُ، وَهُوَ أَنْ يَخْلُصَ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَلَمْ يُفَسِّرْ الْخُلُوصَ فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ.
وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ حَدِّ الْحَوْضِ فَقَالَ مِقْدَارُ مَسْجِدِي فَذَرَعُوهُ فَوَجَدُوهُ ثَمَانِيَةً فِي ثَمَانِيَةٍ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَسَحُوا مَسْجِدَ مُحَمَّدٍ فَكَانَ دَاخِلُهُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ وَخَارِجُهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ لَا أُوَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا اهـ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَالَ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي خُلُوصِ النَّجَاسَةِ مِنْ طَرَفٍ إلَى طَرَفٍ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ وُصُولِ النَّجَاسَةِ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ تَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الرَّائِي وَظَنِّهِ اهـ.
وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْمُجْتَبَى وَفِي الْغَايَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ اهـ.
وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّقُولِ الْمُعْتَبَرَةِ عَنْ مَشَايِخِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبُ إمَامِنَا الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ عَامَّتُهُمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّقُولِ إلَخْ) أَيْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا عَدَمُ التَّقْدِيرِ بِشَيْءٍ. هَذَا وَفِي الْهِدَايَةِ الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّك أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ ثُمَّ إنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَضُّؤِ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمَسَّاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ ثُمَّ قَالَ وَصَحَّحَ فِي الْوَجِيزِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَتَفْسِيرُ الْخُلُوصِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ حُرِّكَ جَانِبٌ يَتَحَرَّك الْجَانِبُ الْآخَرُ فَيَكُونُ صَغِيرًا، وَإِلَّا كَانَ كَبِيرًا.
وَفِي الشَّرْحِ لِلزَّيْلَعِيِّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالتَّحْرِيكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالْمَسَّاحَةِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْمُحِيطِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِطَبْعِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمَسَّاحَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ وَمِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَمِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ بِالتَّحْرِيكِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ بِالِاغْتِسَالِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَضُّؤِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِغَمْسِ الرِّجْلِ وَقِيلَ يُلْقَى فِيهِ قَدْرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الصَّبْغِ فَمَوْضِعٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصَّبْغُ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِالتَّكَدُّرِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْخُلُوصَ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اعْتَبَرُوهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقِيلَ بِوُصُولِ الْكُدْرَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَقِيلَ بِالصَّبْغِ وَقِيلَ بِعَشْرِ فِي عَشْرٍ إلَخْ وَمِثْلُهُ فِي غَيْرِ كِتَابٍ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ نَقَلُوا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارَ الْخُلُوصِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِلَا تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ نَقَلُوا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارَهُ بِالتَّحْرِيكِ وَبَيْنَ النَّقْلَيْنِ مُنَافَاةٌ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الظَّانِّينَ وَالتَّحْرِيكُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ ظَاهِرٌ لَا يَخْتَلِفُ وَلَعَلَّ التَّوْفِيقَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ لَوْ حَرَّكَ لَوَصَلَ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّحْرِيكُ بِالْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ ثُمَّ حَيْثُ عَلِمْت أَنَّ اعْتِبَارَ التَّحْرِيكِ مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ يَظْهَرُ لَك أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْمَذْهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا تَخْتَلِفُ الْآرَاءُ فِي عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ فَقَدَّرُوا بِهِ لِئَلَّا يَقَعَ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ أَوْ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ فِي تَنْجِيسِهِ أَوْ تَنْجِيسِ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْحَرَكَةِ هَلْ هِيَ حَرَكَةُ الْيَدِ أَوْ حَرَكَةُ الِاغْتِسَالِ أَوْ حَرَكَةُ الْوُضُوءِ، وَهَذِهِ الْحَرَكَةُ هِيَ الْمُتَوَسِّطَةُ؛ وَلِذَا رَجَّحُوهَا وَاعْتَبَرُوا لَهَا عَشْرًا فِي عَشْرٍ
الجزء 1 · صفحة 80
مِنْ اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا، وَإِنْ كَانَ قَدَّرَ بِهِ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا نَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فَإِنْ قُلْت إنَّ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ تَرْجِيحُ غَيْرِ الْمَذْهَبِ قُلْت لَمَّا كَانَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ التَّفْوِيضَ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَكَانَ الرَّأْيُ يَخْتَلِفُ بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ اعْتَبَرَ الْمَشَايِخُ الْعَشْرَ فِي الْعَشْرِ تَوْسِعَةً وَتَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَعْمَلُ بِمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ بِفَتْوَى الْمَشَايِخِ قُلْت يُعْمَلُ بِمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ سُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَا تَقُلْ رَحِمَك اللَّهُ وَقَعَتْ عِنْدَك كُتُبٌ أَرْبَعَةٌ كِتَابُ إبْرَاهِيمَ بْنِ رُسْتُمَ وَأَدَبِ الْقَاضِي عَنْ الْخَصَّافِ وَكِتَابُ الْمُجَرَّدِ وَكِتَابُ النَّوَادِرِ مِنْ جِهَةِ هِشَامٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُفْتِيَ مِنْهَا أَوْ لَا وَهَذِهِ الْكُتُبُ مَحْمُودَةٌ عِنْدَك فَقَالَ مَا صَحَّ عَنْ أَصْحَابِنَا فَذَلِكَ عِلْمٌ مَحْبُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَرَضِيٌّ بِهِ.
وَأَمَّا الْفُتْيَا، فَإِنِّي لَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَتَحَمَّلُ أَثْقَالَ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَتْ مَسَائِلَ قَدْ اُشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ وَانْجَلَتْ عَنْ أَصْحَابِنَا رَجَوْت أَنْ يَسَعَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِي النَّوَازِلِ انْتَهَى.
وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ رُجُوعِ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ فَمَا قُدِّرَ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيرَهُ بِهِ إلَّا فِي نَظَرِهِ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ كَوْنُهُ مَا اسْتَكْثَرَهُ الْمُبْتَلَى فَاسْتِكْثَارُ وَاحِدٍ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِ كُلِّ إنْسَانٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَأَصَحُّ حَدِّهِ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ بِظَنِّ الْمُبْتَلَى بِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلَا يُنَاظِرُ الْمُجْتَهِدَ فِيهِ اهـ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّقْدِيرَ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ لَا يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فَإِنْ قُلْت قَالَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» فَيَكُونُ لَهُ حَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَةٌ فَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ آخَرُ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا بِئْرًا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَنْجَذِبُ الْمَاءُ إلَيْهَا وَيَنْقُصُ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ الْأُولَى، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرَ بَالُوعَةٍ يَمْنَعُ أَيْضًا السِّرَايَةُ النَّجَاسَةَ إلَى الْبِئْرِ الْأُولَى وَيَنْجُسُ مَاؤُهَا وَلَا يُمْنَعُ فِيمَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ وَهُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ الْعَشْرَ فِي الْعَشْرِ فِي عَدَمِ سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ تَسْرِي يَحْكُمُ بِالْمَنْعِ قُلْت هُوَ مَرْدُودٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كَوْنَ حَرِيمِ الْبِئْرِ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَوْلُ الْبَعْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
الثَّانِي: أَنَّ قِوَامَ الْأَرْضِ أَضْعَافُ قِوَامِ الْمَاءِ فَقِيَاسُهُ عَلَيْهَا فِي مِقْدَارِ عَدَمِ السِّرَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخْتَارَ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبُعْدِ بَيْنَ الْبَالُوعَةِ وَالْبِئْرِ نُفُوذُ الرَّائِحَةِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ تَنَجَّسَ، وَإِلَّا فَلَا هَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهِمَا.
وَصَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ أَرَاضِيهِمْ وَالْجَوَابُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صَلَابَةِ الْأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا وَحَيْثُ اخْتَارَ فِي الْمَتْنِ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ لَا بَأْسَ بِإِيرَادِ تَفَارِيعِهِ وَالتَّكَلُّمِ عَلَيْهَا، فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الذِّرَاعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَفِي التَّجْنِيسِ الْمُخْتَارُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةِ إصْبَعٍ قَائِمَةٍ فَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا بِعَدَدِ حُرُوفِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُرَادُ بِالْإِصْبَعِ الْقَائِمَةِ ارْتِفَاعُ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ أَنَّ ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٍ قَائِمَةٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهَا الْأَصَحُّ ذِرَاعُ الْمَسَّاحَةِ، وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ وَالْكَافِي الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمَسَّاحَةِ وَالْكِرْبَاسِ وَالْأَقْوَالُ الْكُلُّ فِي الْمُرَبَّعِ، فَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ مُدَوَّرًا فَفِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمَا سَاغَ لَهُمْ الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَالِ كَيْفَ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ تَفَارِيعِهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ اهـ
الجزء 1 · صفحة 81
الظَّهِيرِيَّةِ يُعْتَبَرُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مُبَرْهَنٌ عِنْدَ الْحِسَابِ وَفِي غَيْرِهَا الْمُخْتَارُ الْمُفْتَى بِهِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ كَيْلًا لِعُسْرِ رِعَايَةِ الْكَسْرِ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَحْوَطُ اعْتِبَارُ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْكُلُّ تَحَكُّمَاتٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحَكُّمِ بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَصُورَةُ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ الْمُقَدَّرِ بِعَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْحَوْضِ عَشَرَةٌ وَحَوْلَ الْمَاءِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَوَجْهُ الْمَاءِ مِائَةُ ذِرَاعٍ هَذَا مِقْدَارُ الطُّولِ وَالْعَرْضِ. اهـ.
وَأَمَّا الْعُمْقُ فَفِي الْهِدَايَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْ لَا يَنْكَشِفُ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ ثُمَّ اتَّصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا أَخَذَ الْمَاءُ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَهُوَ الْأَوْجُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْفَتَاوَى غَدِيرٌ كَبِيرٌ لَا يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ فِي الصَّيْفِ وَتَرُوثُ فِيهِ الدَّوَابُّ وَالنَّاسُ ثُمَّ يُمْلَأُ فِي الشِّتَاءِ وَيُرْفَعُ مِنْهُ الْجَمَدَانِ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي يَدْخُلُهُ يَدْخُلُ عَلَى مَكَان نَجِسٍ فَالْمَاءُ وَالْجَمَدُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِي مَكَان طَاهِرٍ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ انْتَهَى إلَى النَّجَاسَةِ، فَالْمَاءُ وَالْجَمَدُ طَاهِرَانِ اهـ.
وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا دَخَلَ عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ لَا يُنَجِّسُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْحَوْضِ الْكَبِيرِ يَصِيرُ مِنْهُ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَاءُ بَرَكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ طَاهِرٌ إذَا كَانَ مَمَرُّهُ طَاهِرًا أَوْ أَكْثَرُ مَمَرِّهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَاءِ السَّطْحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِفُّ كُلُّهَا بَلْ لَا يَزَالُ بِهَا غَدِيرٌ عَظِيمٌ فَلَوْ أَنَّ الدَّاخِلَ اجْتَمَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِهَا فِي مَكَان نَجِسٍ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ بِذَلِكَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ كَانَ الْكُلُّ طَاهِرًا هَذَا إذَا كَانَ الْغَدِيرُ الْبَاقِي مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي التَّجْنِيسِ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ لَهُ طُولٌ وَعُمْقٌ وَلَيْسَ لَهُ عَرْضٌ وَلَوْ قَدْرٌ يَصِيرُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ فِيهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْعِبْرَةُ لِحَالَةِ الْوُقُوعِ، فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَهُ لَا يَنْجُسُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَطْهُرُ؛ وَلِذَا صُحِّحَ فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ مَا فِي التَّجْنِيسِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّقْدِيرِ بِعَشْرٍ وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ لَوْ ضُمَّ وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ وَلَوْ بُسِطَ بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ جَعْلَهُ كَثِيرًا وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فِي عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ تَقَارُبِ الْجَوَانِبِ لَا شَكَّ فِي غَلَبَةِ الْخُلُوصِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ فَأَقْرَبُ الْأُمُورِ الْحُكْمُ بِوُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ عَرْضِهِ وَبِهِ خَالَفَ حُكْمَ الْكَثِيرِ إذْ لَيْسَ حُكْمُ الْكَثِيرِ تَنَجُّسُ الْجَانِبِ الْآخَرِ بِسُقُوطِهَا فِي مُقَابِلِهِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت الْأَصْلَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ قَبِلْت مَا وَافَقَهُ وَتَرَكْت مَا خَالَفَهُ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوْجَهَ إلَّا أَنَّ الْمَشَايِخَ وَسَّعُوا الْأَمْرَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا بِالضَّمِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّجْنِيسِ بِقَوْلِهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّجْنِيسِ الْحَوْضُ إذَا كَانَ أَعْلَاهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَأَسْفَلُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُمْتَلِئٌ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِيهِ وَالِاغْتِسَالُ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْمَاءُ حَتَّى صَارَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فِي عَشْرَةٍ لَا يُتَوَضَّأُ فِيهِ وَلَكِنْ يُغْتَرَفُ مِنْهُ وَيُتَوَضَّأُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ أَعْلَاهُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَوَقَعَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْهُ رَجُلٌ ثُمَّ انْتَقَصَ الْمَاءُ وَصَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي تَنَجَّسَ فِي أَعْلَى الْحَوْضِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي فِي أَسْفَلِهِ وَوَقَعَ الْمَاءُ النَّجِسُ فِي الْأَسْفَلِ جُمْلَةً كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا، وَيَصِيرُ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى الطَّاهِرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ وَقَعَ الْمَاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلِذَا صُحِّحَ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا فِي التَّجْنِيسِ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ) هَذَا نَاظِرٌ إلَى قَوْلِهِ وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ تَصْحِيحِ مَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمْقِ وَالطُّولِ.