الجزء 1 · صفحة 7
منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
تأليف: أبو زكريا يحيى بن إبراهيم السلماسي
تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله عز وجل قد تكفل بحفظ هذا الدين الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم فقال تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1 فهيّأ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أصحاباً - هم صفوة الخلق وخيرته بعد الأنبياء - وجعلهم وزراء له وأنصارا وأتباعاً، فحملوا الأمانة من بعده صلّى الله عليه وسلّم، فأدّوها ورعوها حق رعايتها، وجاهدوا في الله حق جهاده، وسار التابعون لهم بإحسان على طريقتهم ومنهجهم إلى يوم الدين.
ولما نشأت البدع وظهرت الفرق التي حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم وأمرنا بالتمسك بما كان عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، فقد سخر الله من عباده الصالحين في كل مكان وزمان من يدعون إلى السنة ويبينونها للناس، ويردون على البدعة ويحذرون منها.
1 سورة الحجر /9.
الجزء 1 · صفحة 8
قال الإمام أبو القاسم اللالكائي: ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف أو عالم من خلف قايم لله بحقه وناصح لدينه فيها، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته، ويجتهد في تصنيفه، ويتعب نفسه في تهذيبه رغبة منه في إحياء سنته وتجديد شريعته، وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكين بهما من أهل ملته، أو لزجر غال في بدعته، أو مستغرق يدعو إلى ضلالته، أو مفتتن بجهالته لقلة بصيرته اهـ1.
ومن هؤلاء العلماء الذين بذلوا مهجهم ونذروا أوقاتهم لهذا الواجب العظيم، الإمام الواعظ أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الأزدي السلماسي الذي بيّن في كتابه – الذي بين أيدينا- منازل الأئمة الأربعة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد رضي الله عنهم أجمعين - اتفاق المعتقد عند الأئمة الأربعة الكرام، المقتدى بهم في الإسلام، والمعتمد على أقوالهم وفقههم بين الأنام.
فإن اعتقاد هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة الأعلام هو ما نطق به الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ولم يكن بين هؤلاء الأئمة - ولله الحمد والمنة - خلاف في المعتقد وأصول الدين، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض فروع الشريعة وجزئياتها.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اعتقاد الشافعي فأجاب - رحمه
1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/26.
الجزء 1 · صفحة 9
الله - بقوله: اعتقاد الشافعي - رضي الله عنه -، واعتقاد سلف الإسلام، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، هو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأببي سليمان الدارمي، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة - رحمه الله -، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة اهـ1.
وإن في بيان وحدة معتقد الأئمة الأربعة، وإيضاح مجمل اعتقادهم وموافقته للسنة والمأثور عن سلف الأمة، إقامة للحجة على كل من يتبع مذاهب هؤلاء وهو على غير طريقتهم. وأمر آخر هو أن بيان معتقد هؤلاء الأئمة الأعلام من مصادرها المعتبرة هو تزييف وإبطال للآراء المنسوبة للإمام وهو منها بريء2.
هذا هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا والذي عقدت العزم - مستعينا بالله - على تحقيقه ودراسته والتعليق عليه وإخراجه، بحول الله وقدرته وتوفيقه.
وقد قسمت البحث في دراسة الكتاب وتحقيقه إلى قسمين كالآتي:
1 مجموع الفتاوى 5/256، وبنحوه في منهاج السنة 2/106، وكتاب الإيمان ص350،351.
2 أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة، د. ناصر القفاري، ص34.
الجزء 1 · صفحة 10
القسم الأول: دراسة المؤلف وكتابه، ويشتمل على ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
المبحث الثاني: دراسة الكتاب
المبحث الثالث: منهجي في التحقيق
القسم الثاني: نص الكتاب المحقق.
ثم وضعت فهارس متنوعة للبحث إعانةً لقارئيه، سائلا الله العظيم أن يتقبل مني هذا العمل، وسائر أعمالي وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يحرمني ووالدي أجرها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمود بن عبد الرحمن قدح
الجزء 1 · صفحة 13
القسم الأول: دراسة المؤلف والكتاب
المبحث الأول: ترجمة المؤلف
...
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
اسمه ونسبه ونسبته:
هو يحيى بن أبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد الأزدي السَّلَمَاسي. فأمَّا نسبته (الأزدي) فهي نسبة إلى قبيلة (الأزَدْ) من أعظم قبائل العرب وأشهرها
وردت ترجمة المؤلف في المصادر الآتية:
تاريخ مدينة مدشق 64/44-46 للإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر.
مشيخة ابن الجوزي ص145-147 للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/164 للإمام أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي.
المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ أبي عبد الله محمد بن سعيد ين يحي ابن الدبيثي الذي جعله ذيلا على تاريخ أبي سعيد عبد الكريم السمعاني الحافظ المذيل على تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي 1/385، 386 رقم (1445) للعلامة محمد بن سعيد بن محمد الدبيثي، واختصره الإمام الذهبي.
تاريخ الإسلام 37/415، 416 للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
تذكرة الحفاظ ص1292 للإمام الذهبي.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال 4/360 للإمام الذهبي.
المغني في الضعفاء 2/270، 729 للإمام الذهبي، وورد ذكره في سير أعلام النبلاء 19/123، 20/240، 291 للإمام الذهبي
لسان الميزان 6/240 للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
الجزء 1 · صفحة 14
، تنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نَبْت بن مالك بن كهلان من القحطانية1.
وأما (السلماسي) فهي نسبة إلى مدينة (سَلَماس) - بفتح أوله وثانيه - وهي مدينة مشهورة بأذربيجان2، خرج منها جماعة من العلماء منهم:
- موسى بن عمران بن موسى بن هلال أبو عمران3.
- أبو القاسم حريز بن أحمد بن حريز السلماسي، أحد الأئمة المشهورين بالفضل، وكان حسن الاعتقاد، فصيح اللسان، مات في شوال سنة 436هـ4.
- أبو حفص عمر بن يوسف بن الحسن السلماسي.
- أبو الحسن المظفر بن الحسن بن المهند السلماسي.
1 ر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة 1/15-18 عمر رضا كحالة، إصدار مؤسسة الرسالة، بيروت 1398هـ - 1978م ط2.
2 سلماس: بينها وبين أرمية يومان، وبينها وبين تبريز ثلاثة أيام، وهي بينهما، وقد خرب الآن معظمها، وبين سلماس وخُوَيَّ مرحلة. (ر: معجم البلدان 3/270 ياقوت الحموي، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي) ، وفي المنجد في الأعلام ص 362: سلماس: منطقة في أذربيجان شمال غربي بحيرة أرميا، يسكنها خمسون ألف نسمة، فيها قرى كان يسكنها الأرمن والسريان والكلدان واليهود مع أكثرية من الشعية. اهـ.
3 ر: معجم البلدان 3/270.
4 اللباب في تهذيب الأنساب 2/126 عز الدين ابن الأثير الجزري، والأنساب 3/275 للسمعاني.
الجزء 1 · صفحة 15
- أبو محمد الحسن بن جعفر بن داود السلماسي، توفي سنة 419هـ.
- أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود ابن الحسن السلماسي، كان ثقة، توفي سنة 446هـ.
- أبو نصر محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر بن داود السلماسي، ابن عم أبي عبد الله بن السلماسي، كان صدوقا، مات سنة 444هـ.
- أبو طاهر المحسن بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود ابن الحسن السلماسي، كان ثقةً، مات سنة 436هـ1.
2- كنيته ولقبه:
أجمعت المصادر التي ذكرت المؤلف على أن كنيته (أبو زكريا) ، ولكن لم تذكر تلك المصادر أسماء أو عدد أولاده.
وقد اشتهر المؤلف بلقب (الواعظ) 2 لأنه كان يعقد مجلس الو عظ والتذكير في دمشق وبغداد، وكان له القبول التام3، ولعلَّ المؤلف - رحمه الله - كان مأذونا له بالوعظ من قبل الخليفة أو الولاة، "فقد كان معه علمان أسودان من أعلام الخليفة، ينصبهما على كرسيه وقت وعظه"4.
1 ر: الأنساب 3/275، 276 للسمعاني.
2 أورد لقبه الحافظ ابن عساكر، وابن الجوزي، وابن الدبيثي، والذهبي.
3 ابن الجوزي في مشيخته ص147، والمنتظم 10/164.
4 تاريخ دمشق 64/45 لابن عساكر.
الجزء 1 · صفحة 16
3- ولادته ونشأته:
قال الحافظ ابن عساكر عن المؤلف - رحمهما الله -: وكان مولده في ما ذكر سنة أربع وسبعين وأربعمائة1، وبدأ بسماع الحديث سنة إحدى وثمانين2، واستجاز له أبوه من مشايخ بغداد سنة نيف وثمانين 3اهـ.
ويبدو لنا من ترجمة المؤلف وسيرته ورحلاته - فيما سيأتي - أن ولادة المؤلف ونشأته كانت في مدينة (سلماس) التي ينتسب إليها.
4- طلبه للعلم ورحلاته فيه:
لقد كانت أسرة المؤلف - فيما يبدو لنا - أسرة خير وفضل، وبيته بيت علم وصلاح، فأبوه من المهتمين بالحديث وروايته، مما ساهم في نشأته العلمية وتكوينه في وقت مبكّر، فحببته أسرته في العلم والعلماء، ودفعت به إلى حلق العلم، فأقرأته القرآن، وحثته على سماع الحديث وكتابته وتحمله، "فبدأ المؤلف في
1 وقع تصحيف في النسخة المطبوعة من تاريخ دمشق 64/44في تاريخ ولادة المؤلف وأنها كانت سنة (أربع وتسعين وأربعمائة) !!! وهذا مخالف لسياق الكلام المذكور بعده، ولذلك فقد رجعت إلى مخطوطة تاريخ دمشق، نسخة الظاهرية فوجدت الخطأ فيها، ثم رجعت إلى نسخة أخرى بالمغرب في خزانة ابن يوسف بمراكش (توجد مصورة ميكروفيلم عنها بالجامعة الإسلامية تحت رقم 4180) فوجدت الصواب فيها وهو ما أثبته، حيث صحفت كلمة "سبعين" إلى "تسعين"، وتأكد لي صحة ذلك بالرجوع أيضا إلى مختصر تاريخ دمشق 27/200 للعلامة ابن منظور، فقد ذكر أن ولادة المؤلف كانت سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
2 أي: سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
3 تاريخ دمشق 64/44،45.
الجزء 1 · صفحة 17
سماع الحديث سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وكان في السابعة من عمره حينئذ1، واستجاز له أبوه من مشايخ بغداد سنة نيف وثمانين) ، حيث ذكر ذلك الحافظ ابن عساكر في تاريخه من مناقب المؤلف - رحمه الله -2.وبهذه العناية المبكرة من والد المؤلف، وبما كان له من الهمة والإقبال الكبير والجد والاجتهاد في طلب العلم، فإنه لم يكتف بالأخذ عن مشايخ بلده أو ممن استجاز له والده، وإنما جدّ في السعي والرحلة لطلب العلم، فانتقل من بلده وفارق أهله، وهجر مصالحه ومنافعه رغبة في التزود من معين العلم والمعرفة، والسماع عن ثقات المشايخ وأئمة العلم في مختلف البلدان.
فذكر الحافظ ابن عساكر3 أن المؤلف ارتحل لطلب العلم وسماع الحديث إلى الموصل4 وإلى خُوَيّ5، وإلى مَرَنْد6.
1 يجوز - عند جمهور المحدّثين - تحَمُّل الصبي للرواية، ولا تجوز الرواية عنه إلا بعد التمييز (ر: النكت على مقدمة ابن الصلاح 3/461-471 للإمام بدر الدين الزركشي، تحقيق د. زين العابدين بن محمد) .
2 ر: تاريخ دمشق 64/45.
3 المرجع السابق 64/45.
4 الموصل: مدينة مشهورة تقع شمال العراق.
5 خُوَيّ: بلفظ تصغير (خو) - من أيام العرب - وهو واد من وراء نهر أبي موسى، بلد مشهور من أعمال أذربيجان، حصن كثير الخير والفواكه، وينسب إليها الثياب الخوية (ر: معجم البلدان 2/466 لياقوت الحموي) . وقال عنها القزويني: أهلها أهل السنة، والجماعات على مذهب واحد، ليس بينهم اختلاف المذهب (ر: آثار البلاد ص527) .
6 مرند: بفتح أوله وثانيه، من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان. (ر: معجم البلدان 5/129) .
الجزء 1 · صفحة 18
5- شيوخه وتلاميذه:
بينّا فيما سبق أن المؤلف قد طلب العلم في سن مبكرة، وسافر وارتحل لطلب العلم والسماع من المشايخ، ومن كانت هذه حالته وهمته العالية لا بُدَّ أن يتتلمذ على عدد كبير من المشايخ وعلماء عصره، وقد أورد الحافظ ابن عساكر بعض شيوخ المؤلف وهم:
- سمع من أبيه أبي طاهر إبراهيم بن أحمد السلماسي.
- وسمع من أبي الوفاء خليل بن شعبان بن إبراهيم
- وسمع بالموصل من أبي بكر محمد بن القاسم بن الشهرزوري، وهو من مشايخ ابن عساكر.
- ومن أبي القاسم نصر بن محمد بن أحمد بن صفوان الموصلي.
- وسمع بخُوَيّ من أبي عبد الله محمد بن الهادي بن أحمد بن بعون الدقوقي.
- وسمع بمرند من أبي الفضل نعمة الله بن محمد العبدوي المرندي، من مشايخ ابن عساكر.
- وسمع من جماعة من شيوخ أذربيجان، وغيرهم1.
أما عن تلاميذه فقد تتلمذ عليه وسمع منه عدد من العلماء الأجلاء ومنهم:
- الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر
1 ر: تاريخ دمشق 64/45.
الجزء 1 · صفحة 19
المتوفى سنة 571هـ، الذي قال عنه: سمعت منه جزءاً خَرَّج له عن شيوخه، ولم أجد نسخته عندي، وعلقت عنه أشياء يسيرة، ثم أخرج الحافظ ابن عساكر حديثاً سمعه من المؤلف بإسناده، وقال عقب الحديث: هذا إسناد مظلم، وحديثه منكر1.
- الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي المتوفى سنة 597هـ، وقد أورده ابن الجوزي في مشيخته الذي ضمّ تراجم شيوخه الذين تتلمذ عليهم، وقد سمع منه ابن الجوزي شيئاً من الحديث بقراءة ابن ناصر، وأخرج له ابن الجوزي حديثاً سمعه من المؤلف بإسناده في يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وخمسمائة2.
- الإمام المحدّث الحافظ، أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد ابن علي بن عمر السَّلاَميُّ البغدادي، المعروف بابن ناصر، المتوفى سنة 550هـ3، وهو المراد في كلام ابن الجوزي السابق أنه سمع من المؤلف شيئاً من الحديث بقراءة ابن ناصر.
- أبو الحسن بن المُقير، وهو آخر من روى عن المؤلف السلماسي بالإجازة4.
1 المرجع السابق 64/45،46.
2 مشيخة ابن الجوزي ص145،146، الشيخ الحادي والخمسون - لأبي الفرج ابن الجوزي.
3 ر: ترجمته في المنتظم 10/163 لابن الجوزي، وسير أعلام النبلاء 20/265 للذهبي.
4 تاريخ الإسلام 37/415،416 للإمام الذهبي.
الجزء 1 · صفحة 20
6- مؤلفاته وأقوال العلماء فيه:
ذكر الحافظ ابن عساكر أن المؤلف صنف كتابين هما:
- الكتاب الأول سماه (باب المدينة) .
قال الحافظ ابن عساكر عن هذا الكتاب: وصنف كتاباً سماه (باب المدينة) افتتحه يحيى بن إبراهيم، ذكر فيه أحاديث في فضل علي لم يسمع، تقرَّب بذلك إلى الرئيس أبي الفوارس بن الصوفي ونفق1 عنده بذلك، وقفت على ذلك الكتاب فأبان عن قلة معرفة منه بالحديث، وكثرة نفاق في الاعتقاد2 اهـ.
وبسبب هذا الكتاب ونقد الحافظ ابن عساكر له ولمؤلفه، فإن المؤرخين والعلماء الذين ترجموا للمؤلف في كتبهم - كالإمام الذهبي والحافظ ابن حجر - قد تابعوا ابن عساكر في نقده ذلك، ما عدا ابن الجوزي - الذي كان معاصرا لابن عساكر - وابن الدبيثي في تاريخه، حيث لم يشيرا إلى الكتاب المذكور في ترجمتهما للمؤلف، فقد قال الإمام الذهبي تبعا لابن عساكر في كتابه (المغني في الضعفاء) : يحيى بن إبراهيم السلماسي، معروف، صنف في مناقب علي كتاب (باب المدينة) أبان فيه عن جهل وهوى3 اهـ.
1 في النسخة المطبوعة من تاريخ دمشق (له) ، وأشار محقق النسخة في الحاشية أن رسمها بالأصل (معف) ، فرجعت إلى مخطوطة تاريخ دمشق وصوبت الكلمة كما أثبتها.
2 تاريخ دمشق 64/45.
3 المغني في الضعفاء 2/729 رقم الترجمة (6922) .
الجزء 1 · صفحة 21
وأعاد الإمام الذهبي ترجمة المؤلف في كتابه (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) مضيفاً بأنه روى عنه - أي المؤلف - أبو القاسم ابن عساكر وغيره1.
وقال الحافظ ابن حجر تبعاً للذهبي وابن عساكر في كتابه (لسان الميزان) : يحيى بن إبراهيم السلماسي، شيخ معروف متأخر، له مصنف في مناقب علي رضي الله عنه، أبان فيه عن جهل وهوى، روى عنه أبو القاسم ابن عساكر وغيره اهـ2.
قلت: لم أقف على الكتاب المذكور فيما بحثت فيه من فهارس المخطوطات والمكتبات المعروفة، ولعل المؤلف - عفا الله عنا وعنه - قد كتب هذا الكتاب في بداية حياته العلمية، أو تحت ظروف قاهرة ألجأته إلى ذلك، مع أن ذلك ليس عذراً للمؤلف فيما كتبه وأخطأ فيه في كتابه (باب المدينة) حسب قول ابن عساكر، ولكن الذي يهمنا معرفته أن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - قد رجع عن خطئه ذلك، وأعلن أن اعتقاده في الصحابة جميعا وفي علي خاصة - رضي الله عنهم - خاصة هو اعتقاد السلف أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والأئمة العلماء ومنهم الأئمة الأربعة الأعلام، فقد صرّح بذلك في كتابه الثاني -الذي بين أيدينا- حيث يقول المؤلف السلماسي: وأفضل الصحابة المهاجرين العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة، وأفضل العشرة الخلفاء الأئمة الأربعة، وأفضلهم أبوبكر الصديق،
1 ميزان الاعتدال في نقد الرجال 4/360 رقم الترجمة (9449) .
2 لسان الميزان 6/240 رقم الترجمة (846) .
الجزء 1 · صفحة 22
ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى - رضي الله عنهم -.
قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ…} نزلت الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث أنفق ماله بمكة، ونصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من آمن من الرجال، وقد وردت في فضائل الأربعة الآيات الكثيرة، قال الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم ... } ثم ذكر المؤلف بعض الآيات والأحاديث الواردة في فضائل الصحابة - ثم قال: وأجمعوا على الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا"، وروى عن أبي سعيد أنه قال: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها.
وينتهون إلى ما روي عن عمر بن عبد العزيز وقد سئل عما شجر بينهم فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وسئل بعض العلماء من التابعين عن ذلك، فقال: أقول ما قال موسى عليه السلام لفرعون حين قال له {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} ثم قال المؤلف: فنترحم على جميع الصحابة، ونحبهم وننتهي إلى قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ثم قال المؤلف أبو زكريا السلماسي - وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشرة من أصحابه بالجنة، هم خير الناس، وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ويجب على المسلمين
الجزء 1 · صفحة 23
مدحهم والثناء عليهم، والدعاء لهم ولجميع الصحابة لما بذلوه من وسع النفس والمال في إقامة الحق، ونصرة الدين رضي الله عنهم أجمعين اهـ.
وقال المؤلف في نهاية ذكره لجمل الاعتقاد: هذا دينهم واعتقادهم - أي الصحابة والتابعون وأئمة الأمصار من الفقهاء وأصحاب الحديث في كل زمان ومكان - ذكرته على وجه الاختصار وحذفت الأسانيد كراهية الإكثار اهـ1.
وبهذا يتبين أن المؤلف - غفر الله لنا وله- قد رجع إلى الحق والصواب، وعقيدة السلف خاصة في الصحابة وفي علي - رضي الله عنهم -، وأن المؤلف لا يقول في علي إلا ما قاله الصحابة والتابعون والأئمة فيه رضي الله عنه.
بقي أن نشير إلى أن تلك الملحوظة التي ذكرها ابن عساكر لا تحط من مكانة المؤلف، ولا تقلل من شأنه، ولا تمنع من الاستفادة من علمه في الجوانب والكتب الأخرى للمؤلف - كما فعل ابن عساكر نفسه في التتلمذ والأخذ عن المؤلف مع نقده إياه - وقلَّ أن نجد عالماً لا يخطئ، فكما قال الإمام مالك - إمام دار الهجرة -: كلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم2.
أما الكتاب الثاني للمؤلف فهو منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم أجمعين، وهو الكتاب الذي بين أيدينا وقمنا بتحقيقه ودراسته - ولله الحمد والمنة. وقد قال الحافظ ابن عساكر عن هذا الكتاب الثاني: ووقعت له على كتاب صنفه في فضل الأئمة الأربعة: أبي حنيفة،
1 ر: النص المحقق ص 128-137.
2 رواه الإمام ابن عبد البر في جامع العلم 2/19، وأبو شامة في المختصر المؤمل ص 66.
الجزء 1 · صفحة 24
ومالك، والشافعي، وأحمد، ما به بأس1.
ويظهر لنا - والله أعلم - من ترتيب كلام ابن عساكر عن كتابي المؤلف، أن كتاب (باب المدينة) ألفه أبو زكريا السلماسي أولاً، ثم ألف من بعده كتابه الثاني وهو (منازل الأئمة الأربعة) ، وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل في رجوع المؤلف إلى عقيدة السلف وثباته عليها ودفاعه عنها والدعوة إليها، ويؤيد ذلك أيضا ما ذكره الحافظ ابن عساكر في نهاية ترجمة المؤلف بأنه كان يذهب مذهب أحمد بن حنبل في الأصول، وينتحل مذهب الشافعي في الفروع وتلك شهادة مهمة وتزكية عالية من الحافظ ابن عساكر لشيخه السلماسي، ونسأل الله عز وجل للجميع الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة.
7- أقوال العلماء الأخرى فيه:
- قال عنه الحافظ ابن عساكر: قدم دمشق سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ونزل دويرة السميساطني، وعقد مجلس التذكير، … وكانت معه كتب كثيرة، وسماعه فيها قليل2، وكان له نظم ونثر، وكان ذا ثروة3.
1 ر: تاريخ دمشق 64/45.
2 كلام الحافظ ابن عساكر بأن سماع المؤلف السلماسي في كتبه قليل، فيه نظر، فإن المؤلف - رحمه الله - قد ذكر في كتابه الذي بين أيدينا جملة من المصنفات الحديثية والتأريخية وغيرها - وهي كثيرة - وقد صرح المؤلف السلماسي بسماعه لتلك الكتب. (ر: ص 31، 32) في مصادر المؤلف في الكتاب.
3 تاريخ دمشق 64/44،45.
الجزء 1 · صفحة 25
- وقال عنه الحافظ ابن الجوزي: أبو زكريا الواعظ السلماسي، سمع الحديث، وقدم إلى بغداد، فوعظ بها، ووقع له القبول التام، ثم غاب عنها نحوا من أربعين سنة، ثم قدم بعد الأربعين وخمسمائة، فطلب أن يفتح له الجامع ليعظ فلم يجب إلى ذلك، فسمعنا منه شيئاً من الحديث، ثم رحل عن بغداد1.
- قال عنه الحافظ الذهبي: والواعظ الكبير أبو زكريا يحيى بن إبراهيم السلماسي2.
8- عقيدته ومذهبه الفقهي:
لقد كان المؤلف أبو زكريا السلماسي - رحمه الله - على عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، التي تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أدل على ذلك من كتابه الذي بين أيدينا، الذي أوضح فيه عقيدة السلف الصالح بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال السلف رحمهم الله تعالى.
ومما يؤكد سلامة عقيدة المؤلف - رحمه الله - شهادة تلميذه الإمام الحافظ ابن عساكر بقوله عن المؤلف: وكان يذهب مذهب أحمد بن حنبل في الأصول، وينتحل مذهب الشافعي في الفروع. اهـ3.
1 مشيخة ابن الجوزي ص147، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/164 لابن الجوزي، تاريخ الإسلام 37/415،416 للذهبي.
2 سير أعلام النبلاء 20/270.
3 تاريخ دمشق 64/45.
الجزء 1 · صفحة 26
فالانتساب إلى الإمام أحمد في الأصول هو انتساب إلى السنة1، فالإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة بلا منازع2.
وانتساب المؤلف في الفروع الفقهية إلى الإمام الشافعي تأكيد على اتفاق الأئمة الأربعة في العقيدة وأصول الدين وإجماعهم عليها، وأن اختلافهم لم يكن إلا في أمور محدودة من فروع الشريعة لا في أصولها.
وفاته:
عاش المؤلف ستة وسبعين عاماً قضاها في طلب العلم والرحلة إليه ثم تعليمه، ووعظ الناس وتذكيرهم ونصحهم وإرشادهم وتبصيرهم بأمور دينهم، وفي رواية الحديث، في بغداد ودمشق وسلماس وغيرها.
1 قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة …الخ (ر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/156 للالكائي) ، وقال الإمام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف، يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة". اهـ. (ر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص77 لابن تيمية تحقيق: د. صلاح الدين المنجد) .
2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وصار الإمام أحمد علماً لأهل السنة الجائين بعده من جميع الطوائف، كلهم يوافقه في جمل أقواله وأصول مذاهبه، لأنه حفظ على الأمة الإيمان الموروث والأصول النبوية ممن أراد أن يحرفها. (ر: مجموع الفتاوى 12/439) .
الجزء 1 · صفحة 27
وقد مات المؤلف بعد رجوعه إلى بلده سلماس بيسير1، حيث توفي في شهر شعبان2 سنة خمسين وخمسمائة من الهجرة النبوية3، رحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته، وشملنا وإياه بمغفرته ورضوانه آمين.
1 ر: تاريخ دمشق64/45.
2 ر: المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي 1/385 إختصار الإمام الذهبي، تاريخ الإسلام 37/415،416 للذهبي.
3 مشيخة ابن الجوزي ص174، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/164 لابن الجوزي، المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي 1/385، تاريخ الإسلام 37/416 للذهبي، وتذكرة الحفاظ ص1292 للذهبي، وسير أعلام النبلاء 20/270،291.
الجزء 1 · صفحة 28
المبحث الثاني: دراسة الكتاب
(1) اسم الكتاب:
الاسم المثبت على غلاف الكتاب هو (منازل1 الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم أجمعين) .
(2) توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
إن نسبة الكتاب للمؤلف - رحمه الله تعالى - ثابتة قطعا بأدلة عدة:
- أن الحافظ ابن عساكر - وهو من تلاميذ المؤلف كما ذكرنا - قد اطلع عليه وقرأه ونسبه للمؤلف، قال الحافظ ابن عساكر: "ووقعت له على كتاب صنفه في فضل الأئمة الأربعة أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ما به بأس. اهـ.2
- ذكر اسم المؤلف على غلاف الكتاب مقرونا باسم الكتاب.
- تصريح المؤلف باسمه ونسبه في مقدمة الكتاب.
1 المنزلة: الدار والمكانة والمرتبة، جمعها: منازل، يقال: له منزلة عند الأمير: مكانة، وهو رفيع المنازل: المراتب. (ر: المعجم الوسيط 2/915 من إصدارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة) .
2 ر: تاريخ دمشق 64/45.
الجزء 1 · صفحة 29
- إن الشيوخ الذين روى عنهم المؤلف في الكتاب هم من شيوخه الذين ذكروا في ترجمته عند الحافظ ابن عساكر في تاريخه، وأبي الفرج ابن الجوزي في مشيخته، وتوضيح ذلك بالآتي:
قال المؤلف في الكتاب1: ولقد أخبرني أبي رضي الله عنه قال: أنبا القاضي أبو الحسين بندار بن علي بن أحمد قرأه عليه بتببريز في داره، قال: نبا علي بن الحسن بن خارجة بن أحمد … الخ.
ويتفق هذا الإسناد مع ما رواه الحافظ ابن عساكر عن المؤلف فقال: حدثنا أبوبكر السلماسي أنا أبي أبو طاهر، أنا القاضي أبو الحسين بندار بن علي البيروتي، نا أبو الحسن علي بن خارجة… الخ2.
كما يتفق مع الإسناد الذي ذكره الحافظ ابن الجوزي فقال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن أحمد السَّلَمَاسي، من لفظه في يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قال: أخبرني أبي، قال أنا أبو نصر أحمد بن محمد القارئ… الخ3.
(3) موضوع الكتاب:
لقد أوضح المؤلف في مقدمته موضوع كتابه فقال: فرأيت من
1 ر: ص 48، 49.
2 ر: تاريخ دمشق 64/45.
3 ر: مشيخة ابن الجوزي ص145.
الجزء 1 · صفحة 30
الواجب أن أذكر من اتفاقهم - يعني الأئمة الأربعة - في المعتقد فصولاً، وأورد من ذلك فصوصاً ونصوصاً، وأبيِّن عموماً وخصوصاً، وأنشر طرفاً من طرف مطارفهم، وأذكر نتفاً من تحف مآثرهم ومعارفهم.
فالموضوع الأساسي للكتاب هو بيان عقيدة الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله عنهم - واتفاقهم على هذه العقيدة، مع ذكر نبذة من سيرتهم ومناقبهم وفضائلهم.
وقد قسَّم المؤلف - رحمه الله - كتابه إلى أربعة أقسام كالآتي:
القسم الأول: في بيان حجج الشريعة. وجعل تحته أربعة فصول هي:
الفصل الأول: نص الكتاب المنزل.
الفصل الثاني: نص السنة الصحيحة.
الفصل الثالث: الإجماع.
الفصل الرابع: القياس.
وقد بيَّن المؤلف في هذه الفصول المراد بأركان الشريعة الأربعة وحجيتها من الكتاب والسنة وأقوال السالف الصالح.
القسم الثاني: في ذكر مقدمات يحتاج الناظر في هذا المختصر إليها. وجعل تحته أربعة فصول هي:
الفصل الأول: في بيان الأمة.
الفصل الثاني: في ذكر الأئمة.
الفصل الثالث: في بيان الاتباع وترك الابتداع.
الجزء 1 · صفحة 31
الفصل الرابع: في ذكر كمال الدين وحقائق اليقين.
وقد أوضح المؤلف في هذه الفصول بإيجاز معنى كلمة "الأمة" وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أمة الدعوة، وأمة الإجابة، وأمة الاتباع.
ثم بيّن - رحمه الله - تعريف الإمامة، وأن الأئمة على قسمين: أئمة الهدى والدلالة، وأئمة الردى والضلالة، وذكر علامات كل نوع من الأئمة وصفاتهم، وما يُمَيِّز بعضهم عن بعض بأدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
وفي الفصل الثالث الحث على التمسك بالسنة واجتناب البدعة، وبيَّن المؤلف أن النقل الصحيح والعقل الصريح لا يتعارضان، بل هما (أي النقل والعقل) متصادقان، متعاضدان، متناصران، يصدق أحدهما الآخر، ويشهد أحدهما بصحة الآخر، كما وضح المؤلف الفرق بين الاتباع والتقليد.
وفي الفصل الرابع ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة على كمال هذا الدين وشموله لما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم.
القسم الثالث: في جمل الاعتقاد. وجعل تحته أربعة فصول هي:
الفصل الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات.
الفصل الثاني: في ذكر الأفعال وما جاء من الوعد والوعيد في المآل.
الفصل الثالث: في بيان الرسالة والنبوة.
الفصل الرابع: في ذكر الإمامة والخلافة والأئمة والخلفاء.
وقد أبان المؤلف - رحمه الله - في هذه الفصول الأربعة عقيدة أهل السنة
الجزء 1 · صفحة 32
والجماعة، عقيدة السلف التي أجمع عليها الصحابة - رضي الله عنهم - ونقلها عنهم التابعون لهم بإحسان من الأئمة والعلماء في جميع البلدان، هذه العقيدة الصحيحة التي عرضها المؤلف ببعض أدلتها من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح قد شملت أصول العقيدة الإسلامية وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يتعلق بهذه الأصول من مسائل الإمامة، والتفضيل بين الصحابة - رضي الله عنهم -، ومعرفة ما لهم من الحقوق، والكف عما شجر بينهم - رضي الله عنهم -، مما يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من أهل البدعة والفرقة.
القسم الرابع: في ذكر الأئمة. وجعل تحته أربعة فصول هي:
فصل: في ذكر أبي حنيفة رحمه الله تعالى
فصل: في ذكر مالك رحمه الله تعالى
فصل: في ذكر الشافعي رحمه الله تعالى
فصل: في ذكر أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وقد أورد المؤلف لكل واحد من الأئمة الأربعة ذكر مولده ونسبه وحليته ووفاته، ثم ذكر علمه وورعه وزهده، ثم ذكر ما جاء في مدح الأئمة له والثناء عليه، ثم في ذكر أصحابه، وطرف من محنته على سبيل الاختصار دون الإكثار.
(4) سبب تأليف الكتاب:
لقد أشار المؤلف - رحمه الله - إلى سببين لتأليف كتابه وهما:
أ- انتشار البدع والانحراف في العقيدة بسبب جهل بعض الوعاظ
الجزء 1 · صفحة 33
والمذكرين وبُعْدِهِمْ عن الكتاب والسنة، وتكالبهم على متاع الدنيا، وإثارتهم للفتن بين الناس - حيث زعموا أن بين الأئمة خلافاً في المعتقد والأصول - طلباً منهم للتقدم والرياسة وادّعاء الفهم والكياسة.
ب - الدفاع عن الأئمة الأربعة وبيان اتفاقهم وإجماعهم في العقيدة، وأنهم لم يختلفوا في الأصول، وإنما وقع الخلاف بينهم في فروع الشريعة لا في أحكامه وأصوله، لينتهي الناس عن ذكر الأئمة بما ليس فيهم وليتيقنوا أن الدين عند الله الإسلام وهو دين واحد.
(5) منهج المؤلف في الكتاب وأسلوبه:
أ- إن المؤلف التزم في كتابه الإيجاز والاختصار، وحذف الأسانيد للأخبار، كراهية الإكثار.
ب - اعتماده على الكتاب والسنة وآثار الصحابة وأقوال الأئمة في الاستدلال على المسائل والأمور التي يوردها في كتابه، وخاصة في مسائل العقيدة.
ج- استوفى المؤلف في عرضه لعقيدة الأئمة الأربعة جميع مسائل العقيدة في التوحيد والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والصحابة، والإمامة، وغيرها.
د- اقتصر المؤلف على ذكر سيرة الأئمة الأربعة ومناقبهم لشهرتهم وانتشار مذهبهم وكثرة أتباعهم، وبيان أن عقيدتهم هي عقيدة الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان من الأئمة في جميع البلدان.
الجزء 1 · صفحة 34
هـ- ذكر المؤلف أنه راعى في ترتيب الأئمة - في كتابه - ترتيب زمانهم، لا تقديم الأفضل، فأبو حنيفة أدرك الصحابة - رضي الله عنهم - فهو من التابعين، ومالك كان بعده وأدركه، والشافعي أدرك مالكاً، وأحمد أدرك الشافعي - رضي الله عنهم أجمعين1.
(6) أسلوب المؤلف في الكتاب:
إن أسلوب المؤلف يغلب عليه طابع السجع في أسلوب سهل غيرمعقد مع ما فيه من جزالة في الألفاظ وإحكام في الصياغة.
مصادر المؤلف في الكتاب:
لقد ذكر المؤلف بعض المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كتابه، وتلك من المميزات التي تذكر له فتُشكر، وقد أورد تلك المراجع بعد إتمام كتابه فقال المؤلف:
فصل في ذكر سفيان الثوري رضي الله عنه.
فأما سفيان الثوري فكان مفتي عصره، وإمام أئمة مصره، علماً وورعاً وزهداً، وفصاحة ورجاحة وتقوى، وتفننا في جميع علوم الشرع - رضي الله عنه - إلا أنه لم يبق الآن من ينتسب إليه وإلى مذهبه ويناظر فيه.
فاقتصرت على ذكر هؤلاء الأربعة المشهورين - رضي الله عنهم
1 ر: المخطوطة ورقة 139/ب.
الجزء 1 · صفحة 35
أجمعين -، وما أوردته في هذا المختصر من الأخبار والآثار فمن: كتاب (الموطأ) لمالك، ومن (مسند الشافعي) ، ومن (مسند أحمد بن حنبل) ، ومن الجامعين الصحيحين (البخاري) و (مسلم) ، ومن (سنن أبي داود) ، و (جامع أبي عيسى الترمذي) ، و (سنن النسائي) ، وما فيه من مناقب الأئمة الأخيار. فمن الكتب المصنفة في مناقبهم من تصانيف عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ومن (تاريخ بغداد) للخطيب أبي بكر بن ثابت، ومن (حلية الأولياء) للحافظ أبي نعيم، ومن (شعار الصالحين) لأبي سعد، ومن (تاريخ نيسابور) للحاكم، ومن (رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري) ، وغير ذلك من الكتب المشهورة، ومن (تصانيف أبي عبد الرحمن السُّلمي) ، (وأبي بكر البيهقي) ، ومن غير ذلك، وكلها مسموعة لي، وإنما تركت ذكر إسنادها إيثاراً للاختصار، وراعيت في ترتيب الأئمة ترتيب زمانهم، لا تقديم الأفضل، فأبو حنيفة أدرك الصحابة - رضي الله عنهم - فهو من التابعين، ومالك كان بعده وأدركه، والشافعي أدرك مالكاً، وأحمد أدرك الشافعي رضي الله عنهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. اهـ1
تلك بعض المصادر التي ذكرها المؤلف بعد تمام كتابه، وهناك مصادر أخرى اعتمد عليها المؤلف وذكرها في ثنايا كتابه وهي:
1 ر: المخطوطة ورقة 139/أ، 139/ب.
الجزء 1 · صفحة 36
1- أخبار أبي حنيفة وأصحابه - للقاضي أبي عبد الله الحسين بن علي بن جعفر الصيمري.
2- طبقات الفقهاء - للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي.
3- نسب قريش وأخبارها - للعلامة الزبير بن بكار بن عبد الله الزبيري القرشي المكي.
4- تصانيف الإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي، ومن تلك المصنفات: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) ، و (السنن) .
وقد نقل المؤلف من أقوال الإمام اللالكائي ومصنفاته في مواضع متعددة من كتابه.
5- الأحاديث والآثار والأخبار التي يرويها المؤلف بإسناده عن أبيه أبي طاهر إبراهيم بن أحمد السلماسي غالباً، أو عن غيره من العلماء والمحدثين من شيوخه.
قيمة الكتاب العلمية:
تبرز أهمية الكتاب وقيمته العلمية من خلال موضوعه الذي يوضح عقيدة الأئمة الأربعة، وهي عقيدة السلف التي أجمع عليها الصحابة - رضي الله عنهم -، والتابعون لهم بإحسان من الأئمة الأعلام، فإن الأئمة الأربعة قد علا شأنهم، وعظم مقامهم، واشتهر إخلاصهم واجتهادهم في فقه الكتاب والسنة، فأصبحوا
الجزء 1 · صفحة 37
المقتدى بهم في الإسلام، والمعتمد على أقوالهم وفقههم بين الأنام، واعترفت الأمة لهم بالعلم والفضل والإمامة، فانتشر مذهبهم في سائر المعمورة.
وإن في بيان وحدة معتقدهم، وإيضاح مجمل اعتقادهم وموافقته للكتاب والسنة والمأثور عن سلف الأمة: إقامة للحجة على كل من يتبع مذاهب هؤلاء الأئمة وهو مخالف لهم في العقيدة.
"فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد لا بل من الارتداد، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد، ومن قال: أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذًا عن سواء السبيل فيما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد"1.
كما أن بيان معتقدهم فيه إبطال للآراء المكذوبة المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة أو أحدهم، وفيه رد على من زعم أن العقيدة السلفية ابتدعها ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله -، بل إن العقيدة السلفية هي عقيدة الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء والأئمة المعتبرين.
ولم يسبق أحد من العلماء المؤلف في كتابته في هذا الموضوع المهم، وهو جمع عقيدة الأئمة الأربعة خاصة - فيما أعلم، والله أعلم.
1 من كلام الإمام شيخ الحرمين أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي المتوفى سنة 532هـ في كتابه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول) ونقله الإمام ابن تيمية -رحمه الله- (ر: مجموع الفتاوى 4/176،177) .
الجزء 1 · صفحة 38
وقد اطلع الحافظ ابن عساكر على الكتاب وقال عنه: ووقعت له - أي للمؤلف - على كتاب صنفه في فضل الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ما به بأس1.
بذلك تتضح لنا أهمية الكتاب - خاصة أنه لم يسبق طباعته من قبل - والحاجة ماسة إلى نشره بين الناس، لتقوم به الحجة، وتتضح به المحجة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(9) المآخذ على الكتاب:
إن هذا الكتاب على الرغم من قيمته العلمية التي قد بيَّناها، فإنه عمل وجهد بشري معرّض للخطأ والنقص والنسيان، ووجود بعض المآخذ أو الملحوظات على الكتاب لا تقلل من قيمته أو تحط من منزلة مؤلفه - رحمه الله تعالى -، ولكنه واجب النصيحة التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تكون لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
ومن أهم هذه الملحوظات ما يأتي:
- أن المؤلف لم يلتزم - بما أورده في مقدمته - بذكر فصول ونصوص من عقيدة الأئمة الأربعة تدل على اتفاقهم في العقيدة وعدم اختلافهم، فإن العقيدة التي ذكرها المؤلف لم ينقل في تأييدها عن الأئمة الأربعة إلا نصوصاً يسيرة، وقد كان الواجب عليه أن يفي بما التزم به بالتركيز على نقل أقوال
1 ر: تاريخ دمشق64/45.
الجزء 1 · صفحة 39
الأئمة الأربعة التي يستدل بها على اتفاقهم في المعتقد.
وأسأل الله عز وجل أن يعينني على إكمال هذا النقص ببحث مستقل في جمع أقوال الأئمة الأربعة في العقيدة، والله المستعان.
- خطأ المؤلف - عفا الله عنا وعنه - في نسبته مذهب التفويض في صفات الله عز وجل إلى السلف والأئمة الأربعة رضي الله عنهم، مع أن المؤلف قد أتى بالمنهج الصحيح الذي عليه السلف في إثبات صفات الله عز وجل وأسمائه، كما أنه نقل أقوالا صريحة للأئمة في إثباتهم لصفات الله عز وجل ومعرفة معانيها وتفويض كيفيتها إلى الله عز وجل، وقد قمت - بتوفيق الله وعونه - بالتعليق على ذلك في موضعه من الكتاب.
- إيراده لبعض الأحاديث والأخبار الضعيفة والمكذوبة دون بيان حالها، مع أن في الأحاديث والآثار الصحيحة التي أوردها المؤلف ما يغني عنها.
- استرساله في مقدمة الكتاب وإطالة الكلام فيها، إلى حد الزيادة عن بعض فصول الكتاب نفسه، علماً بأنه قد التزم في كتابه الإيجاز والاختصار. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 40
المبحث الثالث: منهج التحقيق
أولاً:- وصف المخطوطة.
لقد اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسخة فريدة للمخطوطة، على الرغم مما بذلته من جهد ووقت ومال في سبيل الحصول على نسخة أخرى للكتاب، فقد اطلعت على معظم فهارس المخطوطات الموجودة بمكتبات العالم، وسافرت إلى تركيا وغيرها من البلدان، ولكن لم أوفق في العثور على نسخة أخرى للمخطوطة، كما أن د/ رمضان ششن لم يذكر نسخة أخرى للكتاب في تعريفه بالمخطوطة ضمن كتابه: مختارات من المخطوطات العربية النادرة في مكتبات تركيا1.
- أما النسخة الفريدة للمخطوطة، فهي نسخة خطية ضمن مجموع يحتوي على عدة كتب بمكتبة (فاتح) تحت رقم 4445/2 ضمن المكتبة السليمانية بمدينة إستانبول بتركيا.
- عدد الأوراق والأسطر: إن النسخة الفريدة للمخطوطة تقع ثاني الكتب الموجودة ضمن المجموع المشار إليه سابقاً، وتأتي بعد كتاب (فضائل الخلفاء الراشدين) للإمام ابن قدامة المقدسي.
وتتكون النسخة الفريدة من (51) ورقة، تبدأ من الورقة رقم (89) وتنتهي بالورقة رقم (139) من المجموع. وتحتوي كل صفحة من النسخة
1 ر: الكتاب المذكور ص214 إعداد د. رمضان ششن، منشورات وقف إيسار - إستانبول، سنة 1977م. وقد ذكر د. رمضان عن المخطوطة أنها كتبت في القرن التاسع وأنها في مكتبة فاتح تحت رقم (4445/2) .
الجزء 1 · صفحة 41
على ما بين (22 إلى 25) سطراً في المتوسط، ويتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين (8 إلى 10) كلمات تقريبا.
- وصف الصفحة الأولى والأخيرة:
كتب في أعلى الصفحة الأولى عنوان الكتاب واسم مؤلفه كالآتي:
(كتاب فيه منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم أجمعين) .
تأليف الشيخ الإمام القاضي أبي زكريا يحيى بن إبراهيم بن أحمد ابن محمد السلماسي الفقيه - رحمه الله تعالى -.
وأما الصفحة الأخيرة فقد كتب في نهايتها (تم الكتاب بحمد الله ومنِّه فالله ينفع الكافة من المسلمين به بمنه وكرمه) .
- اسم الناسخ وتاريخ النسخ:
لقد كتبت النسخة بخط نسخ واضح جيد، وقد كتب الناسخ اسمه في نهاية المخطوطة كالآتي:
(كتبه الفقير إلى الله تعالى داود بن سليمان بن عبد الله الحنبلي1 عفا الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين آمين) .
1 قلت: هو الفقيه الحنبلي داود بن سليمان بن عبد الله الزين، الموصلي، ثم الدمشقي، ولد- تقريبا - سنة 764هـ، وكان شيخاً، صالحاً، فاضلاً، مات سنة 844هـ. (ر: ترجمته في الضوء اللامع 3/212، السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة1/393 لمحمد بن عبد الله النجدي) .
الجزء 1 · صفحة 42
وهذا الناسخ - رحمه الله - قد نسخ الكتب الموجودة في (المجموع) المشار إليه سابقاً حيث انتهى من النسخ يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول من شهور سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، كما ذُكِر ذلك في (المجموع) . فالمخطوطة قد كتبت إذن في بداية القرن التاسع الهجري.
ويلاحظ من عادة الناسخ - رحمه الله - في نسخه ما يأتي:
1- أنه يضبط بعض الكلمات بالشكل.
2- أنه يلحق السقط أو التصويب أو التوضيح أو التعليق بالهامش مع وضع إشارة تدل عليه.
3- أنه يفصل بين العبارات والآثار والروايات الواردة في الكتاب بدائرة مغلقة وفي داخلها نقطة، وهذا الصنيع يدل على أن هذه النسخة قد عورضت بعد الفراغ من كتابتها1.
وهذه أمور تدل على ضبط الناسخ ودقته وعلمه أثناء الكتابة والمطابقة.
ثانيا: منهجي في التحقيق:
يتلخص عملي في تحقيق الكتاب بالأمور الآتية:
تحقيق النص وضبطه وتقويمه، وذلك بتصحيح ما اعتراه من
1 ر: الجامع لأخلاق الراوي 1/273 للخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان.
الجزء 1 · صفحة 43
1- تصحيف أو تحريف وإكمال ما سقط منه، وإضافة ما يقتضي السياق إضافته، واعتمدت في ذلك على مقابلة النسخة الفريدة للكتاب بالمصادر التي نقل منها المؤلف في كتابه واعتمد عليها، والتي قد سبق ذكرها.
2- عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى سور القرآن الكريم مبيناً اسم السورة ورقم الآية.
3- خرّجت الأحاديث النبوية الشريفة من مظانها في كتب السنة النبوية المطهرة، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليهما وقد أزيد عليهما، وإن كان في غيرهما عزوته إلى مظانه ما أمكن.
4- عزوت الآثار والأقوال إلى مظانها من المصادر كالكتب الحديثية والتأريخية والتراجم وغيرها.
5- عرَّفت بأكثر الأعلام والأماكن الواردة في الكتاب، مع بيان المصادر بإيجاز.
6- عرَّفت الفرق الواردة في الكتاب.
7- شرحت المفردات اللغوية الغريبة.
8- نسبت الأبيات الشعرية إلى قائلها، وعزوت ما أمكن منها إلى مظانها من المراجع.
9- علقت على بعض فقرات الكتاب في المواضع التي ارتأيت أن الحاجة تمس إلى زيادة بيان أو توضيح أو تعليق، وخاصة فيما يتعلق بالمسائل العقدية.
رقمت فصول الكتاب وأقسامه حسب ترتيب المؤلف،
الجزء 1 · صفحة 44
1- ووضعت عناوين جانبية توضح المقصود.
2- وضعت جملة من الفهارس العلمية للكتاب.
ثالثاً: المصطلحات والرموز المستخدمة في التحقيق:
استخدمت في تحقيق الكتاب والتعليق عليه جملة من الرموز لأجل الاختصار ولكثرة التكرار، وهذه الرموز كالآتي:
الرمز ... معناه
ص ... نسخة المخطوطة الأصل
فتح ... صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر
شرح الأصول ... شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة- للحافظ اللالكائي
البيهقي في المناقب ... مناقب الإمام الشافعي - لللحافظ البيهقي
ابن الجوزي في المناقب ... مناقب الإمام أحمد بن حنبل – للحافظ ابن الجوزي
الحلية ... حلية الأولياء – للحافظ أبي نعيم
سير الأعلام ... سير أعلام النبلاء – للحافظ الذهبي
ر
... راجع أو انظر
[] ... ما بين المعقوفتين من إضافات المحقِّق وتصويباتها
الجزء 1 · صفحة 49
الباب الأول: في بيان حدود الشريعة
مقدمة المؤلف
...
القسم الثاني: نص الكتاب المحقق "منازل الأئمة الأربعة"
بسم الله الرحمن الرحيم] 89/ب [
الحمد لله على نعمه الباطنة والظاهرة وأياديه المتواترة المتظاهرة، والصلاة على خاتم النبيين محمد ذي المفاخر الفاخرة والمناقب الشاهرة والفضائل الباهرة، وآله وعترته الطاهرة، وصحابته الأنجم الزاهرة، ما ضحكت أصداف الرياض من بكاء السحب الهامية1 الهامرة.
يقول العبد المذنب الفقير إلى رحمة الله تعالى يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي - ختم الله له بالحسنى عمله -: إني آنست من جماعة من أبناء العصر وانشاء هذا الزمان والدهر، تعاطي علم الوعظ والتذكير، والتصدي للإرشاد والتبصير، قد اقتصروا من العلم على مجرد الرواية، وعدول عن منهج الديانة والدراية، حفظوا كلمات ملفقة مزخرفة، وحكايات مخترعة مؤلفة، من تأليف من لَمْ يقتبس من مشكاة الكتاب والسنة، ولم يرد على مشارع الشرع والملة، أكثرها منكر من القول وزور، وصاحبها بروايتها مطالبٌ مأزور، من غير اقتداء بإمام ناصح، ولا اهتداء بشيخ صالح، ولا استناد إلى أصل من الأصول، ولا مناسبة للشرع المنقول، ولا استبصار بمسالك المعقول، ولا تمسك بقضيات العقول، قد لهجوا بإنشاد الأبيات، واعتكفوا على إنشاء الإشارات المؤذنة
1 سحابة هموم: صبوب للمطر (ر: القاموس المحيط ص1512) .
الجزء 1 · صفحة 50
بفساد النيات، تركوا ما أمر الله تعالى به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتغلوا بإيراد الرمز] 90/أ [والمضمر دون الواضح المظهر، وأضربوا صفحاً عن ذكر الوعد والوعيد، وشرح ما بينه الله تعالى في القرآن المجيد، من ذكر الموت والمعاد وما أعدَّ الله في الدار الآخرة للعباد من النعيم المقيم والعذاب الأليم، فبهذا بعث رُسُلَه وأنزل كتبه أفلا يعقلون؟! ألا يسمعون قوله؟! ألا يتلون؟!: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} 1.
قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فهم عنه معرضون، وللفتنة والبلاء متعرضون، عن الهوى ينطقون، وما يضرهم ولا ينفعهم يتعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فسوف يعلمون، بالجبت والطاغوت يؤمنون، وبالحق والصدق يكفرون، ويدّعون الإيمان والتوحيد وغير الله يعبدون، وإذا قيل: السُّنة كذا ينكرون، وإذا ذُكِّرُوا لا يذكرون. وإذا يتلى عليهم القرآن والحديث يستكبرون، وما لا يرضى من القول يُبيِّتون، ومع الله إلهاً آخر يَدْعون، والوصول إلى الدرجات العالية والمقامات
1 سورة يس /1-6.
الجزء 1 · صفحة 51
السامية يَدَّعون، تالله فهم إلى نار جهنّم يُدَعُّون، وهم عن صلاتهم ساهون، ويشهدون الجماعة والجمعة كسالى، يعملون] 90/ب [ما يشتهون، يُنفقون ولا يُنفقون إلا وهم كارهون، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يَبْغُون، ويَعِدُون ويخلفون ولا يَفُون، رضوا من دينهم بتحسين الملابس وتزيين المراكب، وتكثير المجالس وتعظيم المواكب، يتأنقون في لبس العمائم ويترفعون على الناس ترفع النعائم، يتملقون بين يدي كل غاشم وظالم، ولا يتحاشون من ارتكاب الفواحش والمظالم، كما قال بعضهم:
زمانك ذا زمانُ بَني الغَرَامَة ... وما هذا زمان الاستقامة
رضوا بالطيلسان1 إذا اكتسوه ... وتفخيم البرانس والعمامة
كذا دَجَجُ البيوت لهن ريش ... ولكن لا يطرن مع الحمامة2
خالطوا الطغاة المرقَة وحَالَفُوا العُتَاة الفسقة، ينادمونهم ليلاً ونهاراً، ويسامرونهم سراً وجهاراً لا يرجون لله وقاراً، دأبهم الاستخفاف واللمز، ودينهم الاستهزاء والهَمْز، الغيبة والوقيعة في أهل الدين مذهبهم وشعارهم، والاستهانة بأحكام الله ملبسهم ودثارهم، قصارى هممهم جمع الحطام والاختطاف من السحت الحرام، فإذا ذُكِّروا بالكتاب والسنة وما فيها من بيان طريق النار والجنة، وما أمر الناس به من اتخاذ العدة
1 الطيلسان: جمعه طَيَالس وطَيَالسة، وهو كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء، وهو من لباس العجم. (ر: المصباح المنير ص375، المنجد ص469) .
2 لم أقف على قائل هذه الأبيات.
الجزء 1 · صفحة 52
والجُنَّة1، من الخطاب الشامل لجميع الناس قالوا: هذا من علم العوام والصبيان أين أنتم عن حقائق العرفان؟!، يتكلمون في الله تعالى وفي صفاته وأسمائه بما لم يأذن به الله في أرضه وسمائه] 91/أ [ولا فيما أنزل الله على أنبيائه، ونسوا قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِِِ} 2، لَوْ رُوجع أحدهم في فرض من فرائض الأعيان لعجز عن الجواب فيه والبيان، ولَوْ سُئِل عن خبر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم لأنكره ورمى بالبهتان، يفتخرون بمخالطة الظلمة وينتصرون بالعَميدِ3 والشِّحْنَة4، ويقطعون مجلس وعظهم بمدحهم والثناء عليهم رغبةً فيما يرون من الحطام لديهم، يزعمون أنهم أعلم الناس وأفقه الأنام، ويرتكبون فواحش الآثام، يستنكفون من التوقف عن الجواب فيما لا يعلمون فيجيبون بما يجهلون، يَضِلون ويُضِلُّون، كأنهم في عداد ما ذكرهم الله تعالى داخلون: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} 5 {ذَرْهُمْ
1 الجُنَّة، بضم الجيم: كل ما وقى، وما استتر به من السلاح، وجمعه الجُنن. (ر: القاموس المحيط ص1532) .
2 سورة الأعراف /180.
3 العميد: رئيس العسكر (ر: القاموس ص385) .
4 الشِّحنة: العداوة، وشِحْنَةُ البلدِ: من أقامهم السلطان لضبط البلد كالشرطة. (ر: القاموس ص1560) .
5 سورة الفرقان /44.
الجزء 1 · صفحة 53
يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 1، يحسبون أن الحكمة في جمع القراطيس أم كثرة الترحل إلى أصحاب الكراريس، أم الترأس على التمويه والتلبيس، ألا إنها هي لسان الوراثة إذا جاشت عن جوارحها بيعت فأمرعت، وبنفعها أينعت، ولمعين عين المعاني أوضحت فأشبعت، ولقد أخبرني أبي قال: أنبا القاضي أبو الحسن بُندار بن علي بن أحمد قرأه عليه بتبريز في داره قال: ثنا علي بن الحسن بن خارجة بن أحمد قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: ثنا محمد بن صباح قال: ثنا الحسن بن عَرْفه قال: ثنا بشر بن مروان الفلسطيني قال: ثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تبارك وتعالى] 91/ب [: أيها الزهاد المراءون، وأيها العُبَّاد المنافقون، كم تخادعون الله ورسوله، وكم تبهرجون الناس بما تقولون دون ما تفعلون، لا تبيعوا دينكم بدنياكم فتنقلبوا خاسرين، من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني، وهو غداً يوم القيامة في زمرة النادمين"2.
1 سورة الحجر /3.
2 حديث موضوع، في إسناده متّهم بالوضع، وهو عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي، تابعي. قال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال الجوزجاني: أحاديثه منكرة.
(ر: الجرح والتعديل 5/933 لابن أبي حاتم، وأحوال الرجال ص163 للجوزجاني، والمغني في الضعفاء 1/363، وفي اللسان 3/378 للذهبي) وفي الإسناد من لم أقف على ترجمته في كتب الرجال، كما لم أقف على من أخرج الحديث سوى المؤلف فيما بحثت في كتب الحديث، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 54
ثم يثيرون الفتن بين العوام ويوقعون الخلاف بين الأنام، بتحريف مقالات أرباب المذاهب وأصحاب المناصب، ويُخيِّلون إليهم أن بين الأئمة وفقهاء الأمة خلافاً في المعتقد والأصول، يطلبون بذلك إثارة الفضول، طلباً للتقدم والرئاسة، وادِّعاءً للفهم والكياسة، وتنافساً على ازدحام الجهال عليهم، وتسوقاً عندهم لاجتذاب ما لديهم، حتى تشوَّشت قلوب العوّام، ووقع بينهم الخلاف بل القتال بما يوردونه من زخرف الكلام، وصارت طوائف الأنام من المتبعين في الفروع مذاهب الأئمة الأعلام الفقهاء السادة الكرام، يلعن في الاعتقاد بعضهم بعضاً ويبدي كل واحد لصاحبه عداوة وبغضاً، ظناً منهم أنهم اختلفوا في الأصول حسب اختلافهم في الفروع، لقلة معرفتهم بأحوالهم، وعدم الوقوف على أقوالهم، لم يقرؤا العلم على انتقاد، ولم يطالعوا تصانيف الجهابذة العارفين بالانتقاد، بل تلقفوا من أفواه بعض المبتدعة كذباً وباطلاً، وطالعوا من تصانيفهم ما يصير الإنسان به عن الصراط السوي عادلاً1، ولم يعلموا أن الخلاف في التوحيد يؤدي إلى الكفر والتلحيد، إنما الخلاف [المحمود] 2 في فروع الشرع وفصوله، لا في قواعد أحكامه وأصوله، والفقهاء الأئمة الذين] 92/أ [اشتهر عنهم في الفروع الاختيار،
1 عدل عَنْه يَعْدِل عَدْلاً وعدولاً: حاد ومال. (ر: القاموس المحيط ص1332) .
2 في (ص) : المحمودة، والصواب ما أثبته.
الجزء 1 · صفحة 55
وظهر لهم الاجتهاد والاختبار، وكثر لهم الأَتْبَاع والأَشْيَاعُ، وحُقَّ على العوام لهم الاتّباع، وتعطَّر بذكرهم الأقطار والأصقاع، وبرَّز في تمهيد أقوالهم الأصحاب من الحواضر والبوادي، وانعمرت بمناظرتهم المجالس والنوادي، أربعة أبوحنيفة بالكوفة، ومالك بدار الهجرة، والشافعي بمكة حرم الله، وأحمد بمدينة السلام، رضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل الجنة منقلبهم ومقتضاهم.
فهم وإن اختلفت عنهم العبارات فقد اتفقت منهم الاعتقادات، كل واحد منهم مزكي الأمة وإمام الأئمة، محكم تعديله وجرحه، مسلَّم قبوله وطرحه، لا يخالف أحدهم صاحبه إلا في فرع مختلف فيه، لا يفسقه ولا يغويه، مثل لقطة الحرام وتوريث ذوي الأرحام.
فأما الكلام في صفات ذي الجلال والإكرام، وما يتعلق بأسمائه الحسنى وصفاته المباينة لصفات الأنام، فلا خلاف في ذلك بينهم، ولا يؤثر تفرق عنهم، يوجب كذبهم ومَيْنَهم1، بل كلمتهم فيها متفقة وأقوالهم متسقة، سلكوا سبيل الاتباع دون الابتداع، فيما نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - وَرَوَوْا، وتمسكوا بقوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا…} 2.
1 المَيْن: الكذب (ر: القاموس المحيط ص1595) .
2 سورة البقرة /137.
الجزء 1 · صفحة 56
فرأيت من الواجب أن أذكر من اتفاقهم في المعتقد فصولاً، وأورد من ذلك فصوصاً ونصوصاً، وأبيّن عموماً وخصوصاً، وأنثر طرفاً من طرف مطارفهم، وأذكر نتفاً من تحف مآثرهم ومعارفهم، لينتهي الناس عن ذكرهم بما ليس فيهم، ويتيقنون] 92/ب [أن الدين عند الله الإسلام، وهو دين واحد أصله من عهد أبينا آدم عليه السلام إلى أيام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت راسخ، لم يتعقب مبانيه ناسخ، إنما وقع النسخ في شرائع الأنبياء - عليهم السلام - في الكيفيات والكميات من العبادات، لا في أمهات الأحكام من الصلاة والزكاة والحج والصيام، رحمةً من الله تعالى بعباده ولطفاً ومنًّا منه وعطفاً، وتخفيفاً عنهم لاختلاف الأزمنة والقوى، وتحقيقاً للامتحان والبلوى، إذ الدنيا مثل دار المرض، والناس فيها كأصحاب الأمراض، والرسل هم الأطباء، والشرائع هي الأدوية التي يزول بها الداء، ثم الأدوية تختلف باختلاف العلل والأسقام، فلهذا اختلفت الأحكام لاختلاف الأزمنة والأيام، وقد أنبأ الله تعالى في محكم التنزيل ومبرم معانيه فقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 1 والله تعالى الموفق لسلوك سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد قسّمت هذا المختصر أربعة أقسام وفصَّلتها فصولاً:
1 سورة الشورى /13.
الجزء 1 · صفحة 57
الفصل الأول: في بيان الحجج، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
الفصل الثاني: في ذكر مقدّمات يحتاج الناظر في هذا المختصر إليها، وهي أربعة فصول:
الأول: في بيان الأمة.
الثاني: في ذكر الأئمة. الثالث:
في بيان الاتباع وترك الابتداع.
الرابع: في ذكر كمال الدين وحقائق اليقين] 93/أ [.
الفصل الثالث: في جمل الاعتقاد، وهي أربعة فصول:
الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات.
الثاني: في ذكر الأفعال، وما جاء الوعد والوعيد به في المآل.
الثالث: في الرسالة والنبوة، وبيان ما أوتي الرسل من المعجزات والقوة.
الرابع: في ذكر الإمامة والخلافة.
الفصل الرابع: في ذكر الأئمة الأربعة، وقد أوردت لكل واحد منهم أربعة فصول: الأول: في ذكر مولده ونسبه وحليته ووفاته.
الثاني: في ذكر علمه وورعه وزهده.
الثالث: في ذكر ما جاء من مدح الأئمة له والثناء عليه.
الرابع: في ذكر أصحابه، وذكرت لكل واحدٍ أربعةً من الأصحاب، ثم عقبت ذكر كل إمامٍ بذكر طرفٍ من محنته على سبيل الاختصار دون الإكثار.
والله أسأل التوفيق لما يقرب إليه ويزلف لديه إنه القادر عليه.
الجزء 1 · صفحة 61
القسم1 الأول: في بيان حجج الشريعة الفصل الأول: في الركن الأول2
أركان علم الشريعة أربعة:
الأول: نَصُّ الكتاب المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ} 3، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 4.
والكتاب قد جمع علم الأولين والآخرين، وتضمّن ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم، وصار خزانة لأنواع الحكم، قال الله تعالى: {يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} 5. وضمّنه تعالى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة] 92/ب [والدلائل الساطعة على ما خص به من الإيجاز والإعجاز، بحيث عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء وتبلد منه الشعراء، وتحيَّر فيه الحكماء، فهو عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل ومتشابه الرصف، وتلاحم أجزاء الأول بالآخر، واتفاق قرائن الأوسط بالطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة ومحبة القبول، له مبادئ بديعة ومخالص
1في (ص) : الفصل، والمثبت من المحقق بدلالة تقسيم المؤلف في المقدمة ودفعاً للتكرار والاشتباه.
2 إضافة من المحقق، ولعلها سقطت من الناسخ بدلالة ما سيأتي.
3 سورة الجاثية /29.
4 سورة الأعراف /3.
5 سورة البينة /2،3.
الجزء 1 · صفحة 62
مجيبة ومقاطع غريبة، يزيده مرور الليالي والأيام جِدَّة وطراوة، وتكسبه كرور الشهور والأعوام رونقاً وطلاوةً، ولا يمجه السمع [ولا ينبو] 1 عنه القلب والطبع، لا يبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تخلقه شدة التلاوة والإعادة، يقص أخبار الأمم السالفة ويعبّر عن أنباء الملل وعقائد النحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة والرمم البالية والأيام الخالية، جمع خير الدنيا والآخرة بما انتظم من الجواهر الفاخرة، قال الله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} 2، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 3، وقال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} 4، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} 5، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} 6، وهو وإن كان كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 7. لا يُخلي الناظر فيه من
1 في (ص) (ينبوا) والصواب ما أثبته.
2 سورة يس /12.
3 سورة الأنعام /38.
4 سورة القصص /51.
5 سورة العنكبوت /51.
6 سورة فصلت /42.
7 سورة لقمان /27.
الجزء 1 · صفحة 63
نورِ ما] 94/أ [يريده ونفع يوليه.
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً، ويبعث للبعيد سحائباً
كالشمس في كبد السماء وضوئها ... يغشي البلاد مشارقاً ومغارباً1
لكن محاسن أنواره لا تثقبها إلا البصائر الجلية، وأطناب ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا تنالها إلا النفوس النقية والقلوب التقية، كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} 2. ثم إنه تعالى إنما جعل حجج الكتاب الأوضح دون الأدق الأغمض، لما أراد من تفهيم كافة البشر فإنهم مخاطبون به إلى يوم القيامة، فهو القول الفصل والميزان العدل، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} 3. {مُتَشَابِهاً} : يعني يشبه بعضه بعضاً في الجزالة والفصاحة،
1 هذه الأبيات من الكامل للشاعر أبي الطيب المتنبي المتوفى سنة 354هـ: ديوانه بشرح أبي البقاء العكبري 1/130 ضبط وتصحيح مصطفى السقا وزميلاه، درا المعرفة، بيروت.
2 سورة الواقعة /79.
3 سورة الزمر /23.
الجزء 1 · صفحة 64
{مَثَانِيَ} : ثنَّى فيه القصص، فتضمنت القصة في الإعادة زيادة فائدة1، ولا غرو ان تكرر ذلك كذلك وقد قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} 2. والقرآن مجمل ومفصل ومحكم ومتشابه، وقد كثرت أقاويل المفسرين3
1 قال الإمام سعيد بن جبير في قوله تعالى: "كتاباً متشابهاً": يشبه بعضه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض. وقال في قوله تعالى: "مثاني":تثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج. (ر: تفسير ابن جرير الطبري 23/210، وتفسير ابن كثير4/55) .
2 سورة الإسراء /88.
3 إن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، وكمال الصدق والعدل.
والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو: تشابه القرآن في الكمال والإتقان والإئتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار.
أما الإحكام الذي وصف به بعض القرآن فهو: الوضوح والظهور، بحيث يكون معناه واضحاً بيناً لا يشتبه على أحد، وهذا كثير في الأحكام والأخبار.
وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو: الاشتباه، أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم.
وبهذا يعلم أن وصف القرآن جميعه بالإحكام، ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان، والجمع بينهما أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضاً في الكمال والصدق.
وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلاً، لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى.
فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وإذا كان من عنده فلن يكون فيه اشتباه يستلزم ضلالاً أو تناقضاً، ويردون المتشابه إلى المحكم فصار مآل المتشابه إلى الإحكام.
والتشابه الواقع في القرآن الكريم نوعان: حقيقي ونسبي:
فالتشابه الحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله - عز وجلّ - مثل حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فإنا - وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار- لا نعلم حقائقها وكنهها.
وأما النسبي: فهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، فهذا النوع يسأل عن بيانه لأنه يمكن الوصول إليه، فقد قال عزّ وجلّ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} . (ر: الرسالة التدمرية ص31-36 للإمام ابن تيمية، تقريب التدمرية ص88-95 للشيخ محمد العثيمين، ويراجع أقوال العلماء في المحكم والمتشابه: تفسير الطبري 3/130-134، وتفسير ابن كثير 1/344-347، والبرهان في علوم القرآن 2/68 للزركشي، والإتقان 3/3 للسيوطي) .
الجزء 1 · صفحة 65
في تعبير المحكم والمتشابه، فنحن نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، ونقول كما قال الله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا] 94/ب [يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ} 1.
1 سورة آل عمران /7.
الجزء 1 · صفحة 66
الفصل الثاني: في الركن الثاني
والركن الثاني للإسلام نص السنة الصحيحة1 بنقل العدول
1 السنة في اللغة: الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيئة. وفي الاصطلاح يختلف معناها عند كل من المحدثين والأصوليين والفقهاء، وإن كانوا يتفقون على أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فالسنة عند المحدّثين هي: "ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أوصفة خُلُقية أو خَلْقية، سواء كان قبل البعثة أو بعدها"، إذ غرضهم معرفة ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم في أحواله كلها سواء أفاد حكماً شرعياً أم لم يفد.
والسنة عند الفقهاء: "هي ما ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم من حكم هو دون الفرض والواجب"، لأن الفقهاء عنوا بالبحث عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوباً أو حرمة أو إباحة. وأما عند الأصوليين فهي: "ما نقل عنه صلّى الله عليه وسلّم من قول أو فعل أو تقرير"، لأنهم عنوا بمصادر الشريعة والأدلة الشرعية، فنظروا إلى السنة من جهة كونها مصدراً أو دليلاً تثبت الأحكام وتقررها. (ر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 1/82،83 عثمان بن علي حسن) .
وهذا التعريف هو المراد في قول المؤلف - رحمه الله- في بيانه لأركان مصادر علم الشريعة، وإن كانت الأدلة والآثار التي أوردها المؤلف تدل على معنى أوسع وأشمل للسنة - التي تقابلها البدعة - فالسنة في تعريف السلف - رحمهم الله- هي كما يقول الحافظ ابن رجب: والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو صلّى الله عليه وسلّم وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك.اهـ (ر: جامع العلوم والحكم ص249) .
ويقول الإمام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيُ بن كعب وأبي الدرداء - رضي الله عنهم-: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. اهـ (ر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص77) .
الجزء 1 · صفحة 67
الثقات، قال الله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} 1. جاء في التفسير أن الحكمة السنةُ2. وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 3، وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 4. وجاء في معنى قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} 5، قيل: لَزِمَ السنة والجماعة6، عن سعيد بن جبير7. وقال تعالى: {فَلا
1 هذه الآية جزء من ثلاث آيات وردت في القرآن الكريم: أ- سورة البقرة/129 ب- سورة آل عمران/164، ج- سورة الجمعة /2.
2 قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم. (ر: تفسير الطبري 1/557، والإبانة 1/345 لابن بطة، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة1/71 لللالكائي، وتفسير ابن كثير1/190) .
3 سورة الحشر /7.
4 سورة النساء /80.
5 سورة طه /82.
6 أخرجه الإمام ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (رقم 78،87) ، والإمام اللالكائي في شرح الأصول (رقم 72) وفي إسناده عبد الله بن خراش الشيباني. ذكره الذهبي في ترجمة عبد الله بن خراش، وذكر عن البخاري أنه منكر الحديث (ر: الميزان 2/413) .
7 هو الإمام الحافظ المقرئ المفسر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي، من خيار التابعين وأئمتهم، ثقة ثبت، قتله الحجاج سنة 94هـ بسبب خروجه مع ابن الأشعث (ر: الحلية: 4/272، الطبقات 6/256، سير أعلام النبلاء4/321) .
الجزء 1 · صفحة 68
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} 1، وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 2.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" 3. وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة" 4. وفي رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل طيباً، وعمل في سُنَّةٍ، وأَمِنَ الناس بَوَائِقَهُ دخل الجنة". فقال رجل: يا رسول الله إن هذا اليومَ في الناس لكثير. قال: "وسيكون في قرون بعدي" 5.
1 سورة النساء /65.
2 سورة النور /63.
3 أخرجه أبو داود ح4607، والترمذي ح2676، وابن ماجه ح42،43 عن العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعاً. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الشيخ الألباني (ر: صحيح سنن ابن ماجه1/13 ح40،41) .
4 عزاه صاحب كنز العمال (ح19981) إلى الترمذي، وقد أخرجه الترمذي (ح2678) عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: "… ومن أحيا سنتي فقد أحَبَّني، ومن أحبني كان معي في الجنة".
قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وتعقبه الألباني بأن في إسناده: علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. (ر: حاشية مشكاة المصابيح 1/62) .
وأخرجه اللالكائي في شرح الأصول (ح8) وابن بطة في الإبانة (ح51) من طريق أخرى فيه راويان مجهولان، فسنده ضعيف.
5 أخرجه الترمذي ح2520، والحاكم 4/104 وصححه ووافقه الذهبي، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث إسرائيل. اهـ
وقال الألباني - بعد ذكر استغراب الترمذي -: "وعلته أبو بشر راويه عن أبي وائل وهو مجهول، وصححه الحاكم من هذا الوجه ووافقه الذهبي فوهما" (ر: حاشية مشكاة المصابيح 1/64، ضعيف الجامع ح5476) .
الجزء 1 · صفحة 69
وغير ذلك في الآثار والأخبار الواردة فيها، فإن الكتب مشحونة بها فاقتصرت على هذه الإشارة، ولم أذكر الإسناد لئلا يطول بذكره الكتاب.
وعن الأوزاعي1 قال: كان يقال خمس كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في] 95/أ [سبيل الله2.
وقال سفيان الثوري3: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أَقَلَّ أهل السنة والجماعة4. قال
1 هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، ثقة فقيه جليل، توفي ببيروت سنة 157هـ. (ر: طبقات ابن سعد 7/488، الحلية6/135، سير أعلام 7/107، تهذيب التهذيب 6/238) .
2 أبو نعيم في الحلية 6/142، واللالكائي في شرح الأصول (رقم 48) ، والبغوي في شرح السنة 1/209.
3 هو الإمام المعروف: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، العالم الزاهد والفقيه العابد، ت 177هـ. (ر: طبقات ابن سعد 6/371، الحلية 6/356، سير أعلام 7/229) .
4 اللالكائي في شرح الأصول (رقم 50) .
الجزء 1 · صفحة 70
أبوبكر بن عَيَّاش1: السنة في الإسلام، أعز من الإسلام في سائر الأديان2.
وقال قتيبة3: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد4، وعبد الرحمن بن مهدي5، وأحمد بن محمد بن حنبل6، وإسحاق بن راهَويه7 - وذكر قوماً آخرين- فإنه على السنة، ومن
1 هو أبوبكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي الكوفي، المقرئ الفقيه المحدث، وفي اسمه أقوال أشهرها شعبة: ثقة عابد، ساء حفظه بعد كبره، وكتابه صحيح، ت 193هـ. (ر: الحلية 7/303، سير أعلام 8/495، تهذيب التهذيب 12/34، والتقريب 2/399) .
2 أبو نعيم في الحلية 7/303، واللالكائي في شرح الأصول (رقم 54) .
3 هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، مولاهم البَلْخي البَغلاني، شيخ الإسلام، المحدث الإمام الثقة، راوية الإسلام. ت 240هـ (ر: طبقات ابن سعد 7/379، تاريخ بغداد 12/464، 470، سير أعلام 11/13، تهذيب التهذيب8/321) .
4 هو أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان التميمي البصري الأحول الحافظ، أحد الأئمة الثقات، قال عنه الإمام أحمد: "لم يكن في زمانه مثله" ت 198هـ (ر: طبقات ابن سعد 7/293، تهذيب التهذيب 11/216) .
5 عبد الرحمن بن مَهْدِي بن حسان، الإمام الناقد المجود، سيد الحفاظ، أبو سعيد العنبري، مولاهم البصري اللؤلؤي، قال ابن المديني: "لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثل عبد الرحمن" ت 198هـ (ر: طبقات ابن سعد 7/297، الحلية 9/63، سير أعلام 9/192، تهذيب 6/279) .
6 ستأتي ترجمته مفصلة إن شاء الله تعالى.
7 إسحاق بن رَاهَوَيْه، أحد الأعلام، كان إماماً في الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، ت 238هـ. (ر: الحلية 9/234، سير أعلام 11/358، تهذيب 1/216) .
الجزء 1 · صفحة 71
خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع1.
وقال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه} 2، فكأن3 علامة حبه إياهم اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم4.
وعن عطاء5 في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} 6، قال: "أولي الفقه وأولي العلم، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة"7.
وعن ميمون بن مهران8 في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
1 أخرجه اللالكائي في شرح الأصول (رقم 59) .
2 سورة آل عمران /31.
3 في رواية اللالكائي (وكان) .
4 أخرجه اللالكائي في شرح الأصول (رقم 68) عن الحسن رحمه الله تعالى.
5 هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد القرشي، مولاهم المكي، الإمام مفتي الحرم، من ثقات التابعين، ت 110هـ (ر: طبقات ابن سعد 5/467، سير أعلام 5/87، التهذيب7/199) .
6 سورة النساء /59.
7 أخرجه الطبري في تفسيره (5/147-149) ، والدارمي (رقم225) ، واللالكائي في شرح الأصول (رقم 71،75) ، والبيهقي في المدخل ص214 مختصراً.
8 هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الرَّقي، الإمام الحجة، عالم الجزيرة وفقيهها، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ت 117هـ (ر: طبقات ابن سعد 6/288، الحلية 4/82، سير أعلام 5/71، تهذيب التهذيب 10/390) .
الجزء 1 · صفحة 72
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1: "ما دام حيًّا فإذا قبض فإلى سنته"2.
قال الشافعي: الكتاب والسنة أو العَسْلى3 والزنار4.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير5، وكانت طائفة
1 سورة النساء /59.
2 أخرجه الطبري في تفسيره (5/151) ، وابن بطة في الإبانة (رقم 58،59،85،86) ، واللالكائي في شرح الأصول رقم: (76) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/187.
3 العَسْل: يقال: عَسْلاً له، أي تعساً له (ر: القاموس المحيط ص506) .
4 الزُنَّار: على وزن تفاح، حبل يشده النصارى على وسطهم، يقال: تزنر النصراني، أي شدّ الزنار على وسطه. (ر: القاموس ص308، المصباح المنير ص256) .
ومعنى كلام الإمام الشافعي -والله أعلم- أن المسلم عليه أن يتمسَّك ويعمل بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يفعل ذلك فالتعاسة والخيبة له، ولبس الزنار أي الخروج من الإسلام والدخول في النصرانية، ويدَّل على صحة هذا المعنى ما رواه الحميدي قال: سأل رجل الشافعي بمصر عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيت في وسطي زناراً؟! أتراني خرجت من الكنيسة؟! أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لي: أتقول بهذا! أروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به!!. اهـ (ر: المناقب 1/474 للبيهقي، الحلية 9/106 لأبي نعيم، وبنحوه في طبقات السبكي 2/138) .
5 الكلأ والعشب والحشيش كلها أسماء للنبات، لكن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس معاً، والعشب للرطب فقط، والحشيش مختص باليابس، وفي الحديث ذكر العشب بعد الكلأ من باب ذكر الخاص بعد العام. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/46، فتح الباري1/176) .
الجزء 1 · صفحة 73
منها أجادب1 أمسكت الماء، فنفع الله [بها] 2 الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها إنما هي قيعان3 لا تُمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"4.
1 أجادب: جمع جَدَب وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء فلا ينضب منها، وقيل: هي الأرض التي لا نبات فيها، مأخوذ من الجَدْب وهو القحط. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/46، فتح الباري 1/176، والنهاية في غريب الحديث 1/242 لابن الأثير) .
2 في "ص" (به) ، والتصويب من رواية الصحيحين.
3 قيعان: جمع قاع وهو الأرض المستوعبة الماء التي لا تنبت، ويجمع أيضاً على أقوع وأقواع. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/46، فتح الباري 1/177) .
4 أخرجه البخاري (ر: فتح الباري 1/175) ومسلم 4/1787 في كتاب الفضائل. والحديث يبين لنا أقسام الناس تجاه نصوص الوحي، حيث شبه النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين بالغيث العام، وشبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث:
فالمثل الأول تندرج تحته طائفتان هما:
الأولى: العالم العَامِل المُعَلِّم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها.
الثانية: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جمع لكنه أدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به.
والمثل الثاني يندرج تحته أيضا طائفتان هما:
الأولى: من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلّمه، ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم "من لم يرفع بذلك رأساً" أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع.
والثانية: من لم يدخل في الدين أصلاً، بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصَّماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم "ولم يقبل هدى الله الذي جئت به". (ر: فتح الباري: 1/177 بتصرف يسير، وقارن ما ذكره ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية في اجتماع الجيوش الإسلامية ص16 وما بعدها) .
الجزء 1 · صفحة 74
الفصل الثالث: في الركن الثالث
الركن الثالث] 95/ب [من أركان الشريعة الإجماع1 المقطوع به، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 2. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" 3.
1 الإجماع في اللغة: العزم المؤكد والاتفاق
وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمر من الأمور. (ر: الإحكام لابن حزم 4/659، والإحكام للآمدي1/195) .
2 سورة النساء /115، وأول من استدل بهذه الآية على حجية الإجماع هو الإمام الشافعي - رحمه الله -، فإن الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم. (ر: أحكام القرآن 1/39 للبيهقي، والمستصفى 2/299 لأبي حامد الغزالي، ومجموع الفتاوى 7/38، 19/178 لابن تيمية) .
3 أخرجه ابن ماجه (ح3950) وابن أبي عاصم في السنة (ح84) عن أنس مرفوعاً بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" قال الألباني: صحيح له شواهد. (ر: تخريج كتاب السنة1/41، صحيح الجامع ح1848، حاشية مشكاة المصابيح ح173) .
ومن شواهده: ما أخرجه الترمذي (ح2167) والحاكم 1/115 عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم - على ضلالة".
وأخرجه أبو داود (ح4253) من حديث أبي مالك الأشعري بنحوه، وأخرجه الحاكم 1/116 من حديث ابن عباس بنحوه.
الجزء 1 · صفحة 75
وقال صلى الله عليه وسلم: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية" 1، وقال صلى الله عليه وسلم: "من جاء إلى أمتي وهم جميع يريد أن يفرق بينهم فاقتلوه كائناً من كان" 2، وقال صلى الله عليه وسلم: "يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاذة ذئب الغنم" 3، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي لا تجتمع
1 أخرجه الإمام أحمد 2/306، ومسلم 3/1476 (كتاب الإمارة ح53) ، واللالكائي في شرح الأصول رقم (141) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
2 أخرجه اللالكائي في شرح الأصول ح (143) عن أسامة بن شريك رضي الله عنه مرفوعاً، وفي سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف. (ر: تقريب التهذيب2/229) ، وبلفظ مقارب له أخرجه النسائي فيي السنن الكبرى 2/293 وفي المجتبى7/85 عن أسامة، وقد صححه الشيخ الألباني بشواهد أخرى (ر: صحيح سنن النسائي ح3756) .
ومن شواهده ما رواه عرفجة رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه ستكون هنات وهناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان" أخرجه أحمد 5/23،24، ومسلم 3/1479 (كتاب الإمارة ح59) ، وأبو داود ح (4762) ، والنسائي في السنن الكبرى 2/292 والمجتبى 7/84.
3 أخرجه الطبراني في الكبير 1/153، وابن أبي عاصم في السنة ح (81) ، واللالكائي في شرح الأصول ح (144) كلهم من طريق زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك رضي الله عنه مرفوعاً.
قال الهيثمي في المجمع 5/221: رواه الطبراني وفيه عبد الأعلى بن أبي مساور وهو ضعيف. اهـ ووافقه اللألباني في تخريج كتاب السنة وقال: "ولكن الحديث صحيح له شواهد…".
الجزء 1 · صفحة 76
على الضلالة، وإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم"1.
وقال صلى الله عليه وسلم - في خبرٍ طويل-: "من أراد بحبوحة2 الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"3.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يأمرني بالجماعة، وإنه من خرج شبراً من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"4.
1 أخرجه ابن ماجه ح (3950) ، وابن أبي عاصم في السنة ح (84) ، وابن بطة في الإبانة ح (118) ، واللالكائي في شرح الأصول ح (157) كلهم من طريق معان بن رفاعة عن أبي خلف المكفوف عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً. وفي إسناده: معان بن رفاعة وهو ليّن الحديث، وأبو خلف المكفوف اسمه: حازم بن عطا وهو متروك، ورماه ابن معين بالكذب. (ر: تقريب التهذيب على الترتيب 2/258،417) قال الألباني في تخريجه لكتاب السنة: "إسناده ضعيف جداً".
2 بُحْبُوحة المكان: وسطه، بضم الباءين، يقال: تبحبح: إذا تمكن توسط المنزل والمقام. (ر: النهاية في غريب الحديث 1/98 لابن الأثير) .
3 أخرجه الإمام أحمد 1/18،26، والترمذي ح (2165) ، وابن ماجه مختصراً ح (2363) ، وابن أبي عاصم في السنة ح (87،88،899،902) ، وابن بطة في الإبانة ح (113،114،115) ، وابن منده في الإيمان ح (1086،1088) واللالكائي في شرح الأصول ح (155) ، والحاكم في مستدركه 1/114 كلهم من طرق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني (ر: تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم، وصحيح الجامع الصغير ح (6170) .
4 أخرجه الإمام أحمد 4/130،202، 5/344، والترمذي ح (2863،2864) في سياق طويل، وأخرجه الحاكم 1/117،118، واللالكائي في شرح الأصول رقم (157) مختصراً كلهم من طرق عن الحارث الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقال الهيثمي في المجمع 5/220: رواه أحمد، ورجاله ثقات رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق السلميي وهو ثقة. وذكر ابن كثير الحديث في تفسيره 1/61 وقال: "حديث حسن".
الجزء 1 · صفحة 77
وقال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} 1، وحبل الله عز وجل (القرآن) 2 3.
1 سورة آل عمران /303.
2 قاله قتادة والسدي والضحاك وعبد الله وغيرهم (ر: تفسير ابن جرير الطبري 4/30،31، وتفسير ابن كثير 1/397) .
3 ويراجع للاستزادة من أدلة حجية الإجماع ما يأتي: المستصفى من علم أصول الفقه 2/298-321 لأبي حامد الغزالي، الإحكام في أصول الأحكام 1/200-225 للآمدي، كتاب الفقيه والمتفقه 1/155-166 للخطيب البغدادي.
الجزء 1 · صفحة 78
الفصل الرابع: في ذكر القياس1
1 القياس في اللغة: التقدير والمساواة.
وفي الاصطلاح: قال ابن تيمية: إن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد، فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو: الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. الأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله. اهـ
(ر: مجموع الفتاوى 20/504،505، وذكر الأصوليون عدة تعاريف أخرى ر: المستصفى 3/481 للغزالي، والإحكام 3/190 للآمدي) .
ومما ينبغي أن يعلم أن القياس ليس من مصادر تلقي العقيدة عند أهل السنة والجماعة، حيث إن أمور العقيدة توقيفية تنبني على النصوص الشرعية الصحيحة ولا مجال للاجتهاد فيها، أما القياس - وهو نوع من الاجتهاد- فإنه يدخل في باب الأحكام والمعاملات.
وقد جاء في كتاب فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، ما نصه: "اعلم أن أصول الشريعة ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، والأصل الرابع هو القياس بالمعنى المستنبط من هذه الأصول، ثم القياس مظنون الإفادة، ولا يحصل به اليقين عند الجمهور، فلا تثبت به العقائد، وأيضا لا يعتبر عند معارضة واحد من الثلاثة إياه باتفاق الأئمة الأربعة، ولا يحتاج إليه عند وجود واحد من الثلاثة، فحجته ضرورية عند فقدان الأدلة الثلاثة للعمل في النازلة، وإن كان هو أيضاً منصوباً من قبل الشارع". اهـ
(ر: فواتح الرحموت 2/3 عبد العلي الأنصاري، مطبوع بذيل كتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي الطبعة الأولى – المكتبة الأميرية- بولان – مصر- 1322هـ) .
الجزء 1 · صفحة 79
قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} 1، فأمرنا بالاعتبار، وحقيقة الاعتبار في اللغة: هو حمل الشيء على غيره، واعتباره به إما في حكمه أو في قدره أو في صفته.
وروى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي، قال: "الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله"2. وقد روي في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم أيضاً ما صار إجماعاً منهم يطول بذكره الكتاب3، والله الموفق للصواب.
1 سورة الحشر /2.
2 أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ر: منحة المعبود 1/286) ، وأحمد 5/230،236،242، وأبو داود ح (3592،3593) ، والترمذي ح (1327،1328) والبيهقي في السنن 10/114 وفي المدخل ص208 وابن عبد البر في جامع بيان العم 2/55،56.
قال الإمام البخاري في التاريخ الكبير 2/277: لا يصح، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل. اهـ وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل.
وقال ابن حزم في الإحكام 6/1011،1012: "وأما خبر معاذ فلا يحل الاحتجاج به لسقوطه" وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ح (881) وقال: حديث منكر. وأطال الشيخ - رحمه الله- في دراسة الحديث وبيان علله فراجعه.
3 للاستزادة من أدلة حجية القياس يراجع: المستصفى: 3/545 وما بعدها، الإحكام للآمدي 4/24 وما بعدها، المحصول للرازي 2/246، أدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها ص65 وما بعدها د/ عبد العزيز الربيعة.
الجزء 1 · صفحة 83
الباب الثاني: في ذكر المقدمات
الفصل الأول: في بيان الأمة
...
القسم الثاني: في ذكر المقدمات، وهي أربعة فصول:
الفصل الأول: في بيان الأمة
اسم الأمة يقع1 على [ثلاثة] 2 وجوه ينتظم مرة وينفصل أخرى:
أولها: أمة الدعوة، وهي التي بُعِث إليها المبلغ فلزمتها الحجة من مجيبٍ مقرٍ أو عصي مُصِرّ، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ…} 3، وفي الخبر: أنا حظكم من الأنبياء، وأنتم حظي من الأمم4.
1 قال الإمام النووي: لفظة الأمة تطلق على معان:-
منها: من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن بما جاء به وتبعه فيه.
ومنها: من بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم وكافر. (ر: تهذيب الأسماء واللغات 2/11 باختصار) .
2 في ص (ثلاث) والصواب ما أثبته.
3 سورة الرعد /30.
4 أخرجه ابن حبان (ر: موارد الظمآن ح2304) ، والبزار (ر: كشف الأستار ح2847) .
قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي حبيبة الطائي، وقد صحح له الترمذي حديثاً وذكره ابن حبان في الثقات. ا. هـ. (ر: المجمع 10/71)
قلت: أبو حبيبة الطائي مقبول (ر: تقريب التهذيب 2/410) .
الجزء 1 · صفحة 84
والثانية: أمة الإجابة، وهي التي شهدت له بالبلاغ والأمانة، فمنعت دمها ومالها واستوثقت ذمتها من صدق صادق ومداج1 منافقٍ، قال الله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} 2.
والثالثة: أمة الاتِّباع، وهي التي أطاعت أمره واقْتصَّت أثره، قال الله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 3 وهي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة من هذه الأمة4.
1 مَدَج فلان: أرخى السِّتر (ر: القاموس المحيط 239)
2 سورة الأنبياء /92، سورة المؤمنون /52.
3 سورة الأعراف /181.
4 يشير المؤلف - رحمه الله- إلى حديث مشهور محفوظ صححه كثير من العلماء المحققين مثل الترمذي والحاكم وابن تيمية والذهبي وغيرهم، ورواه عدد من الصحابة منهم: أبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وابن مسعود، وغيرهم رضي الله عنهم. بألفاظ متقاربة، فقال صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" وفي بعض الروايات: "هي الجماعة".
أخرجه أبو داود (ح 4596،4597) ، والترمذي (ح 2640،2641) ، وابن ماجه (ح3991،3992،3993) ، وابن حبان (ح 6214) ، والحاكم (1/128، 2/480) ، وأحمد (2/332، 3/120،145، 4/120) ، وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ح203،204،1492 للشيخ الألباني) .
الجزء 1 · صفحة 85
الفصل الثاني: في ذكر الأئمة
اعلم أن الإمامة هي: التقدم في معنىً بالناس إلى معرفته حاجة، أو قضى عليهم الخوض فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غِنىً1.
والأئمة على ضربين: أحدهما: أئمة الهدى والدَّلالة، والثاني: أئمة الرَّدى والضلالة.
فأما أئمة الهدى فهم الذي قال الله تعالى فيهم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} 2، وقال عز وجل: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} 3.
1 أورد هذا التعريف الإمام أبو نصر عبيد الله السجزي في كتابه: (رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص205) تحقيق: د. محمد باكريم، وعرّف الراغب الأصفهاني الإمام بأنه: "المؤتمُّ به إنساناً كأن يَقْتَديَ بقوله أو فعله، أو كتاباً أو غير ذلك، محقاً كان أو مبطلاً" (ر: المفردات ص24) .
وتطلق الإمامة في الاصطلاح على معان ثلاثة هي:
1- الإمامة الكبرى وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.
2- الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة.
3- العالم المقتدى به. (ر: أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة ص62 د/ عبد المحسن المنيف) .
والمقصود هنا من هذه المعاني: المعنى الثالث.
2 سورة السجدة /24.
3 سورة القصص /5.
الجزء 1 · صفحة 86
وهم: المتبعون الكتاب والسنة والمتمسكون بآثار سلفهم الذين أمروا بالاقتداء بهم، كما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن تقدّمه من الأنبياء والمرسلين فقال] 96/ب [تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} 1، وقال في حق هذه الأمة: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} 2.
فعلامة المُتَّبِعين أن يعرفوا علم التفسير وعلم الحديث وعلم التّفقه عليهما، وعلم الوعد والوعيد للتقوى والورع، وعلم السِّير والمبتدأ للاعتبار، سمعوا العلم من الثقات والعدول، وقرءوا على الأئمة المعروفين بالسنة، ورووا عن الشيوخ الموسومين بالتقوى، ونقلوا من الكتب الصحيحة والأصول المعروفة المشهورة، إذ لا يجوز الاعتماد على كل كتاب ولا الرواية عن كل أحد، فقد وضعت الملاحدة3 والزنادقة4
1 سورة الأنعام/90.
2 سورة التوبة/100.
3 المُلحد لغةً: المائل عن الحق، ويطلق على من أنكر الخالق عز وجل والنبوة والدين والبعث، ويُسمَّى أيضاً بالدهري والمادي والشيوعي والوجودي، ويطلق الإلحاد أيضا على الشرك بالله.
(ر: القاموس المحيط ص404، المفردات ص448، الفصل 1/47 لابن حزم، الملل والنحل 2/3،235 للشهرستاني، ذيل الملل والنحل ص92 محمد سيد كيلاني) .
4 قال الإمام ابن تيمية: فلفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يوجد في القرآن وهو لفظ أعجمي معرّب، أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرِّب. وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك.
فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد عندهم المنافق: الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أو وثنياً، وسواء كان معطلاً للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقط، فهذا زنديق، وهو منافق، وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين. ا. هـ. (ر: بغية المرتاد ص338 لابن تيمية، القاموس المحيط ص1151) .
فعلى هذا يمكن التفريق بين الملحد والزنديق، بأن الملحد من أظهر كفره وإلحاده، والزنديق من أبطن كفره وأظهر الإسلام.
الجزء 1 · صفحة 87
والجهمية1 والمشبهة2 والمعطلة3 أخباراً باطلة على ما يشتهون وخلطوها
1 الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي الضال المبتدع، تلميذ الجعد بن درهم، قُتِل سنة 128هـ خارجاً على السلطان، وكان يقول بإنكار صفات الله عز وجل، وبخلق القرآن الكريم، وبالإرجاء، حيث زعم بأن الإيمان: المعرفة في القلب، وبالجبر في أفعال العباد، وبأن الجنة والنار تفنيان. (ر: مقالات الإسلاميين 1/338، الملل والنحل 1/109، سير أعلام النبلاء 6/26، ميزان الاعتدال 1/426) .
2 المشبهة: وهم صنفان: صنف شبّهوا ذات الباري عز وجل بذات غيره، مثل الروافض الغلاة كالسبئية والمغيرية ونحوهم، وصنف شبّهوا صفاته عز وجل بصفات غيره، مثل الكرامية والهشامية الرافضة.
(ر: مقالات الإسلاميين 1/290، الفرق بين الفرق ص225-227، الملل والنحل ص105) .
3 المعطلة: هم الذين عطّلوا الله عز وجل عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. (ر: الجواب الكافي ص153 لابن القيم) .
أو أنهم: الذين أنكروا ما سمى الله تعالى ووصف به نفسه إنكاراً كلياً أو جزئيا، ً وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، وهم أربع طوائف: 1- الأشاعرة والماتريدية 2- المعتزلة 3- غلاة الجهمية والباطنية 4- غلاة الغلاة من الفلاسفة والجهمية والباطنية.
(ر: تقريب التدمرية ص25-36 لابن عثيمين – باختصار) .
الجزء 1 · صفحة 88
بالأخبار الصحيحة حتى اشتبهت على كثير من الناس إلا من كان عارفاً بطرق الصحيح، وعالما بالأصول المتقنة من تصانيف الأئمة المشهورين.
والضرب الثاني: أئمة الضلالة، وهم الذين قال الله فيهم: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} 1، وقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} 2.
وهم قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول في حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق وأحسن نظراً منهم في التدقيق، وعابوا المتقدمين من السلف بأنهم لم يكونوا قوامين بطرق الجدال، فأبدلوا من الطيب خبيثاً ومن القديم حديثاً، وعدلوا عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه به [97/أ] .
فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} 3، فوعظ الله عز وجل عباده بكتابه وحثهم على اتباع سنة رسول
1 سورة التوبة /12.
2 سورة القصص /42.
3 سورة البقرة /231.
الجزء 1 · صفحة 89
الله صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} 1.
وروى عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاًّ ثم قال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطاً يميناً وشمالاً ثم قال: "هذه سُبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} 2 3.
قال ابن مسعود4: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"5.
فجاءت هذه الطائفة والشرذمة فخالفت ذلك ودعوا الناس إلى غيره، كما قال تعالى: {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 6،
1 سورة النحل /125.
2 سورة الأنعام /153.
3 أخرجه الطيالسي في مسنده ح (244) ، وأحمد 1/435،465، وابن وضاح في البدع ص31 وابن أبي عاصم في السنة ح (17) ، والدارمي 1/67، والحاكم 2/239،318 وصححه ووافقه الذهبي والألباني (ر: ظلال الجنة في تخريج السنة 1/13) .
4 هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
5 أخرجه وكيع في الزهد (رقم 315) ، وعنه أحمد في الزهد ص162، والدارمي في المقدمة (1/69 ح211) ، وابن وضاح في البدع ص10، والطبراني في الكبير 9/168، واللالكائي في شرح الأصول 1/86، والبيهقي في المدخل (ص186 رقم 204) ، وقال الهيثمي في المجمع 1/181: رجاله رجال الصحيح.
ورواه ابو خيثمة في العلم (رقم54) وصحح الألباني إسناده.
6 سورة الشورى /21.
الجزء 1 · صفحة 90
وأخذوا كلام الفلاسفة المعطلة وكلمات أهل الزيغ والضلالة، فأوردوها وسموها تحقيقا وأصولاً، يتكلمون في صفات الله بآرائهم ويقيسون الدين بأهوائهم1، ويدّعون من الدرجات ما لم يبلغوها ومن الكرامات ما لم يدركوها، لو روجع أحدهم في آية من القرآن لم يحفظها، أو سُئِل عن واجب من الشرع لم يعلمه، أو فريضة من الدين لم يفهمها، أو طولب بمعرفة سيرة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والأئمة المهديين والمشائخ المتقين وجدته من الجاهلين، {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} 2.
فينبغي للمؤمن أن يتفقد] 97/ب [أحوالهم، ويعرف أئمة الهدى من أئمة الضلالة بما ذكرت من سماتهم. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل.
1 هذا منهج المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن سار على منهجهم في تقديم العقل على النقل وتأويل النصوص الشرعية تأويلاً فاسداً.
2 سورة الأعراف /169.
الجزء 1 · صفحة 91
الفصل الثالث: في ذكر الاتباع وترك الابتداع
اعلم أن الدين مبني على أصلين: على الشرع المنقول، وعلى قضيات العقول1، فالنقل والعقل أصلان يتصلان مرة وينفصلان أخرى.
اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيَّن إلا بالعقل، وذلك أن الإنسان لا يدخل تحت خطاب الشرع إلا بوجود العقل فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن [ثلاثة] 2، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق 3. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكنَّ فيه فلا عقل له، حسن المعرفة
1 العقل يقع بالاستعمال على أربعة معان: الغريزة المدركة، والعلوم الضرورية، والعلوم النظرية، والعمل بمقتضى العلم.
(ر: إحياء علوم الدين 1/85،86 لأبي حامد الغزالي، ومجموع فتاوى ابن تيمية 9/287،305،16/336، ودرء تعارض العقل والنقل 1/89، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 1/158-16 عثمان بن علي) .
2 في ص (ثلاث) والتصويب من نص الحديث.
3 أخرجه أحمد1/116، 118، 140، وأبو داود (ح 4399، 4400، 4401، 4402، 4403) ، والترمذي (ح1423) ، والحاكم2/59، 4/389 عن علي رضي الله عنه بلفظ مقارب. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه الحاكم.
وأخرجه أحمد 6/100، وأبو داود (ح4398) . عن عائشة رضي الله عنها.
قال الألباني: حديث صحيح روي عن جماعة من الصحابة. (ر: إرواء الغليل 2/4،5) .
الجزء 1 · صفحة 92
بالله، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره"1.
قال بعض العلماء2: معرفة الله تعالى أن يعلم أن الله خالق العالم بما فيه، وهذه المعرفة للكفار أيضاً، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 3 وحسن المعرفة أن يوحّده وينفي عنه التشبيه في الذات والتعطيل من الصفات، فيصفه بما وصف به نفسه من الصفات وبما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمثله في صفاته وذاته
1 حديث موضوع، أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/21، 3/323، وابن الجوزي في الموضوعات 1/172، والسيوطي في الدر المنثور 1/159 وفي اللآلئ المصنوعة 1/66، وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/175.
قال أبو الفتح الأزدي: لا يصح في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي، وأبو حاتم بن حبان، نقل ذلك الإمام ابن القيم وقال: أحاديث العقل كلها كذب (ر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص66،67 لابن القيم) .
وقال الشيخ الألباني: ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح فيها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع. (ر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة1/13) .
2 لعله الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني المتوفى سنة 489هـ، فقد نقل بعض معنى كلامه المذكور الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة) في مواضع متفرقة انظر: 1/314-322، 2/115،116.
3 سورة لقمان /25.
الجزء 1 · صفحة 93
بالمخلوقات، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] 98/أ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.
والطاعة الانقياد لأمره، وحسنها اجتناب الرياء والشرك الخفي، قال الله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 2.
والصبر على أمره السكون تحت حكمه، وحسن الصبر الرضى بقضائه، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} 3، وقال تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} 4، وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 5، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} 6 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثر أهل الجنة البُله"7 وعليون لأولي الألباب.
1 سورة الشورى /11.
2 سورة الكهف /110.
3 سورة الرعد /19.
4 سورة العنكبوت /43.
5 سورة ق /37.
6 سورة آل عمران /190.
7 أخرجه ابن عدي في الكامل 3/313 في ترجمة سلامة بن روح عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً.
قال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر، لم يروه عن عقيل غير سلامة. اهـ
وقال الهيثمي في المجمع 8/82، 10/267: رواه البزار وفيه سلامة بن روح، وثقه ابن حبان وغيره، وضعّفه أحمد بن صالح وغيره، وروايته عن عقيل وجادة.
الجزء 1 · صفحة 94
إلا أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} 1. والعقل لا مدخل له في إيجاب ولا حظر وإنما خلقه الله تعالى لإدراك العلوم كسائر الحواس.
ثم الأصل الثابت: الشرع المنقول الذي شرعه الله تعالى على لسان الأنبياء عليهم السلام وأمر العقلاء باتباعه، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد} 2.
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} 3، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 4 الآية، ولم يقل فردوه إلى مجرد العقول.
قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا َذَكَّرُونَ} 5 وقال تعالى مخبراً عن نبيه يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب} 6 وقال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ
1 سورة المائدة /16.
2 سورة الكهف /110، سورة فصلت /6.
3 سورة الأنبياء /25.
4 سورة النساء /59.
5 سورة الأعراف /3.
6 سورة يوسف /38.
الجزء 1 · صفحة 95
بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} 1] 98/ب [، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 2، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} 3.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" 4.
وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 5، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} 6 وقال تعالى: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} 7، فبيّن سبحانه أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل، فَعُلم أن وجوب الأشياء بالسمع، وأن الشرع كالأمير والعقل كالوزير، يأمر الأمير فينفذ الوزير أمره ويتبع حكمه، والعقل جُعل آلة للتمييز كالميزان للموزون.
1 سورة البقرة /137.
2 سورة الزمر /18.
3 سورة الأعراف /157.
4 أخرجه البخاري (ر: فتح الباري 1/11) ، ومسلم 1/51-52 وأحمد 1/11،19، والترمذي (ح2606،2607) ، وأبو داود (ح1556) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
5 سورة الإسراء /15.
6 سورة طه /134.
7 سورة غافر /50.
الجزء 1 · صفحة 96
والحجة هي أمر من وجب الإذعان لطاعته، وإنما يُعرف ذلك الأمرُ بالعقل، ويتوجَّه على من رزق العقل دون من حُرِمه.
فلما استقر في العقل وجود الباري سبحانه وتعالى وكونه آمراً مفترض الطاعة، وثبت فيه وجوب القبول من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قيام الأدلة بصدقه ونبوته وامتناع الكذب عليه، لم يبق للعقل أكثر من تأمل الأوامر والمصير إليها، فالشرع حاكم على العقل والعقل ليس بحاكم عليه، والعقل أيضاً كالمرآة التي جعلت لرؤية الأشياء في مقابلتها إذا كانت غير صدية، وقيل: العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمدّه، وقيل: الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما يتعاضدان ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن فقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ] 99/أ [لا يَعْقِلُونَ} 1، ولكون العقل شرعاً من داخل قال في صفة العقل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} 2، ولكونهما متحدين قال: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} 3 أي نور العقل ونور الشرع ثم قال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} 4 فجعلهما نوراً واحداً.
1 سورة البقرة /171.
2 سورة الروم /30.
3 سورة النور /35.
4 سورة النور/35، قوله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره قال: يعني بذلك إيمان العبد وعمله، وقال السدي: نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه، وقوله تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره. (ر: تفسير الطبري 18/143، تفسير ابن كثير3/302، وفتح القدير 4/34) .
الجزء 1 · صفحة 97
واعلم أن العقل بنفسه من غير شرع لا ينفع، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضلَّ سواء السبيل.
فالشرع وأحكامه من وجه دواء للآلام وشفاء للأسقام، تولى إيجاده من له الخلق والأمر، يفيد الحياة الأبدية والسلامة الدائمة كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ…} 1 {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} 2 وقال تعالى: {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} 3 وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 4.
ومن وجه ماءٌ مطهر مزيل للأنجاس، قال تعالى في صفة القرآن: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} 5 جاء في التفسير6: أنزل من السماء كتاباً فاحتمله قلوب الرجال على قدر عقولها.
1 سورة الأنعام /122.
2 سورة فصلت /44.
3 سورة يونس /57.
4 سورة الإسراء /82.
5 سورة الرعد /17.
6 بنحوه في تفسير الطبري 13/134، وتفسير ابن كثير 2/526.
الجزء 1 · صفحة 98
وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} 1.
ومن وجه نور وسراج مزيل للظلمة كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} 2 الآية. وكما قال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية3.
ومن وجه الطريق المستقيم كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} 4.
ومن وجه معتَصمٌ كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} 5، فوجب اتباع الشرع على كافة الأنام.
فإن قيل: إذا أمرتم بالاتباع فهو تقليد والتقليد حرام، قال الله تعالى في ذم التقليد: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} 6.
الجواب: أن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقول الله] 99/ب [تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم نفس الحجة. قال الله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 7.
1 سورة الأحزاب /33.
2 سورة المائدة /115.
3 سورة النور/35.
4 سورة الأنعام /151.
5 سورة آل عمران /103.
6 سورة الزخرف /22،23.
7 سورة النساء /165.