العرف الشذي شرح سنن الترمذي
محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري
الهندي
الطبعة الأولى
المحقق محمود أحمد شاكر
جارٍ تحميل الكتاب…
العرف الشذي شرح سنن الترمذي
محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري
الهندي
الطبعة الأولى
المحقق محمود أحمد شاكر
مقدمة الشرح
حمداً لمنعم الآلاء العظام ومالك زمام الأنام على ما وفقنا لشرح معاني الآثار، وحل مشكل الأخبار، وألهمنا اختيار ميزان الاعتدال، صادفين عما قيل أو قال وهدانا لما هو عمدة القاري ومشكاة الساري، وفي فيض فتح من الباري، ونور قلوبنا بنور الهداية، وشرح صدورنا بفيض نصّ الرسالة، والصلاة والسلام على من أرسله شافياً لجميع السقام، وسبباً للفوز والسعادة يوم القيام، وأطلعه على ما شاء من الأمور العظام، وعلى آله وأصحابه الغرر الكرام، الذين حازو النعم الجسام، وهم نجوم الاهتداء وسبب الفلاح، بأيهم أردنا الاقتداء سيما الخلفاء البررة والبركاة الذين هم كالأصول الأربعة وتبعهم إلى يوم الدين.
وبَعد: فيقول العبد المفتقر إلى رحمة الله المقتدر، وفقه الله لامتثال الأمر والانتهاء عن المنكر، المدعو بمحمد جراغ وقاه الله عما زاغ، حاكياً عن لسان الشيخ العلامة الحبر ألفهامة مولانا أُستاذنا سيدي محمد أنورشاه كان الله مولاه، أنا الشيخ محمود الدهر وفريد العصر مولانا محمود حسن، أنا الشيخ قاسم العلوم والخيرات مولانا محمد قاسم النانوتوي، أنا الشيخ الشاه عبد الغني الدهلوي طيب الله ثراه، أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق الدهلوي، وقال مولانا ومرشدنا محمود حسن مد ظله العالي حصل في الإجازة من مرشدنا مولانا رشيد أحمد گتگوهي المرحوم، أنا الشيخ الشاه عبد الغني الدهلوي رحمه الله، تعالى أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق، وأيضاً قال: حصل لي الإجازة من مولانا أحمد علي السهار نفوري ومولانا محمد مظهر النانوتوي رحمه الله ومولانا عبد الرحمن الپاني پتي وقال مولانا أحمد علي ومن بعده: أخبرنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق رحمه الله تعالى، قال: حصل لي الإجازة والسماعة والقراءة من الشيخ الأجل والحبر الأبجل، الذي فاق بين الأقران بالتميز، أعني الشيخ عبد العزيز رحمه الله، وحصل له الإجازة والقراءة والسماعة عن والده الشيخ ولي الله بن الشاه عبد الرحيم الدهلوي، أنا الشيخ أبو الطاهر المدني، أنا الشيخ والدي إبراهيم الكروي عن الشيخ المزاحي عن الشهاب أحمد السبكي عن الشيخ النجم الغيطي عن الزين زكريا عن العز عبد الرحيم عن الشيخ معمر المراغي عن الفخر بن البخاري عن عمر بن طبرزد والبغدادي رحمه الله، أنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم. . إلخ، للسند وليعلم أن منا إلى صاحب الشريعة - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطعات الأولى منا إلى الشاه محمد إسحاق وهي غير مذكورة في الكتاب، والثانية من الشاه محمد إسحاق إلى عمر بن طبرزد والبغدادي وهي مذكورة في
الكتاب قبل التسمية لكونها سائرة في بعض البلاد لا في بعض، والثالثة من البغدادي إلى الإمام
الترمذي وهي مذكورة في الكتاب بعد التسمية لاشتهارها في أكثر البلاد، والرابعة من المصنف إلى نص الرسالة - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومتكفلها الإمام المصنف.
قوله حصل لي الإجازة والقراءة والسماعة ...
قوله: (حصل لي الإجازة والقراءة والسماعة إلخ) واعلم أن القراءة على قسمين: أحدهما: أن تقرأ على الشيخ وهو يسم، ع وثانيهما: أن يقرأ غيرك على الشيخ وأنت تسمع، ويقال في الثاني: قراءة عليه وأنا أسمع. والسماعة أيضاً على قسمين: السماعة على الشيخ وهي أن يقرأ التلميذ ويسمع الشيخ، ويعبر عنها بأخبرنا فلان إلخ، والسماعة من الشيخ، وهي أن يقرأ الشيخ ويسمع التلميذ، ويعبر عنها بحدثنا فلان إلخ، وأما الإجازة في هذا الزمان أن يقرأ التلميذ على شيخه كتاباً كاملاً ثم بعد الختم يطلب الإجازة بكتابة السند المتعارف فيما بيننا أو غيره، وأما في المتقدمين فكانت بأن يكتب التلميذ الأحاديث ويعرضها بحضرة شيخه أو يعرضها بحضرته بدون الكتابة فيجيزه الشيخ بالكتابة أو غيرها، وأما التحديث والإخبار فليس بينهما فرق لغة، وفرق المحدثون بينهما كما حررنا، وقيل إن الراوي مخير بين التعبير بحدثنا موضع أخبرنا وبالعكس لأنه إذا قرأ على الشيخ وأجازه به كان كأنه أخبره به كما إذا سمعت واقعة وعرضتها على أحد فأخبرك بها أيضاً حتى وثقت بها تقول بعد ذلك: أخبرني بها فلان، فهذا هو الوجه لمن خير بينهما، وقيل: إنه ليس بمخير بل يستعمل كل واحد منهما في موضعه مع تسليم الطائفتين التساوي في القبول والقوة، قال مسلم صاحب الصحيح ومن تبعه: إن التحديث أقوى من الإخبار، وقال مالك بن أنس بالعكس ويقولان بقبولهما في التمسك الاحتجاج، والفرق في المراتب.
قوله: (أبو الطاهر المدني) إذا كان منسوباً إلى مدينة الرسول، فيقال: مدني بلا ياء قبل النون، وإذا نسب إلى مدينة آخر كمدينة منصور (بغداد) ، يقال: مديني بالياء قبل النون، والمنسوب عند النحاة كالمشتق في العمل والاشتمال على الذات والصفة.
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) شرع الإمام المصنف رحمه الله في كتابه بالتسمية ولم يذكر الحمد اقتداء بكتب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأما حديث (كل أمر ذي بال لم يبدء: إلخ) فمضطرب فإن في بعض ألفاظ (بحمد الله) وفي بعضها (بذكر الله) ، وفي بعضها (ببسم الله) وقال الشيخ تاج الدين السبكي إن الحديث يبلغ مرتبة الحسن وفي سنده قرة وهو مختلف فيه، وأما على تقدير ثبوته فيدل على الابتداء بذكر الله لا بخصوص الحمد الله، وأما ما قال المصنفون من الجمع بين بسم الله والحمد لله بالابتداء الحقيقي والمجازي فليس بمراد، وتدل أقاويلهم على تعدد الحديث، والحال أن الحديث واحد واختلفت الألفاظ.
قوله: (عبد الملك بن أبي القاسم إلخ) لفظ الابن إذا وقع بين العلمين المتناسقين يسقط التنوين من العلم الأول، ويسقط الهمزة من الابن في الكتابة أيضاً، ولا يكون الابن مضافاً إليه للعلم الأول، وأما إذا وقع في ابتداء السطر لا يسقط الهمزة.
قوله الهروي الكروخي
قوله: (الهروي الكروخي) صفته لأبي الفتح لضابطة إن الصفات والأحوال إنما تكون للراوي لا لأبيه أو جده إلا عند النقل، كما في يحيى بن سعيد القطان أن القطان صفة سعيد على قول.
قوله: (في العشر الأول) عادة العرب أنهم يعتبرون الليالي في التواريخ ولذلك، أتى بالعشر بدون التاء.
قوله: (الأزدي) نسبة إلى بني أزد ـ بسكون الزاي ـ المعجمة اسم قبيلة، وقد يبدل الزاي بالسين، فيقال بني أسد، فإذن يلتبس الأسدي المنسوب إلى هذه القبيلة بالمنسوب إلى بني أسد قبيلة أخرى، فقيل في رفع اللبس أن المنسوب إلى بني أزد يستعمل باللام، فيقال: بني أسد والمنسوب إلى بني أسد بلا لام، فيقال: بني أسد، أقول: هذا إذا لم يكن معه ياء نسبة وإن كانت فلا فرق بينهما، فلا يرتفع الالتباس إلا بأن المنسوب إلى بني أزد يقرأ أَسْدياً بسكون الوسط، والمنسوب إلى بني أسد يقرأ أسَدَيّاً بفتح الوسط، وبمعرفة أسماء الآباء والأجداد والتلامذة والمشايخ بالاستقراء.
قوله: (وأنا أسمع) وإنما زاد هذا لأنه لم يكن قارئاً بل القارىء غيره، وكان هذا سامياً فكان اسمه مكتوباً في الطبقة، والطبقة في إصطلاح المحدثين ثبت يكون فيه أسماء شركاء الجماعة، ويكتبه كل واحد من الشركاء ليكون سنداً عند التحديث بالأحاديث التي أخذها من ذلك الشيخ مع هؤلاء الشركاء.
قوله: (المروزي والمرزباني) قال علماء اللغة: إن مرو نسب إليه الشخص فيقال: مروزي بزيادة (ز) أو كما في النسبة إلى الرّي يقال: رازي، وأما إذا نسب إليه غير الشخص يقال: مروى، ومرزبان لفظ فارسي يقال له دهقان ومرز اسم بنت.
قوله: (فأقر به الشيخ الثقة) المراد بالشيخ هو المحبوبي كما في ثبت ابن عابدين، وهذه العبارة ليست في النسخ المعتبرة كما قال مولانا مد ظله العالي، وأما على تقدير وجودها في الكتاب فمرادها أن الشيخ المحبوبي نسخ الكتاب وكان علم من قبله بالصدور، فإذا صار العلم بالكتاب فاحتاج تلامذة الشيخ المحبوبي إلى أن يقر المحبوبي بكتابه وصحته، فلذا قال تلميذ المحبوبي: أقر الشيخ المحبوبي بهذا الكتاب لتوثيق الكتاب.
قوله: (قال أبو عيسى إلخ) قد ورد النهي عن التكني بهذه الكنية، ولعل المصنف رحمه الله حمله على خلاف الأولى، لكنه بعيد عن شأن المصنف، ولم يتعرض أحد إلى هذا، وعندي العذر من جانب المصنف أن مغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى بإجازة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واسم المصنف محمد بن عيسى الترمذي، وترمذ بلدة على ساحل جيحون وهو النهر الذي يضاف إليه ما وراء النهر، وأما النهران جيحان وسيحان ففي بلدة الشام، وعمر المصنف رحمه الله سبعون سنة، وارتحل إلى دار البقاء سنة 279 مائتين وتسعة وسبعين من الهجرة النبوية كما قيل:
~ الترمذي محمد ذو زين ... عطر مداه وعمره في مين
وله مناقب غير عديدة، منها ما قال شيخه البخاري: استفدت منك ما لم تستفد مني، وأقول: لست احصل هذا القول، فإن الترمذي وإن كان من جبال الحديث ولكن البخاري كان شمس سماء هذا الفن، ولعله مراده أنه أخذ منه العلم مثل ما لم يأخذ غيره، فإن التلميذ كما يحتاج إلى الاستفادة من الشيخ كذلك يكون الشيخ محتاجاً إلى إفادته وإفشاءه علم الدين، ويحتاج إلى تلميذ ذكي والله أعلم، وله مناقب في الحفظ منها أنه سافر للحج فلقيه بعض المحدثين في الطريق والتمس منه التحديث، قال الشيخ: جيء بالقلم والدواة، فالتمس الترمذي فلم يجدهما فجلس بين يدي شيخه وجعل يجر أصبعه على القرطاس، وأخذ الشيخ في التحديث، وروى له قريب ستين حديثاً، فإذن وقع نظر الشيخ على القرطاس فوجده خالياً صافياً فغضب على الترمذي وأخذ يقول إنك تضيع أوقاتي، فقال الترمذي: حفظت الأحاديث فقرأ الأحاديث المسموعة عنه عنده، وله مناقب أخر وأما مرتبة كتاب المصنف رحمه الله، فأول مراتب الصحاح مرتبة البخاري، والثانية مرتبة مسلم، والثالث مرتبة أبي داود، والرابع مرتبة النسائي، والخامس مرتبة الترمذي، وهذا المذكور من الترتيب هو المشهور، وعندي أن مرتبة النسائي أي كتابه أعلى من كتاب أبي داود، فيكون النسائي في المرتبة الثالثة لما قال النسائي: ما أخرجت في الصغرى صحيح، وقال أبو داود ما أخرجت في كتابي صالح للعمل فيعم الحسن والصحيح، ومرتبة الترمذي في المرتبة الخامسة حتى قال الحافظ سراج الدين القزويني الحنفي: إن في الترمذي ثلاثة أحاديث موضوعة، لكن المحدثين لم يسلموا حكم وضعه، نعم قبلوا ضعفها أشد الضعف، ولو التفت إلى أن الترمذي يحكم على أكثر الأحاديث من الصحة والحسن والضعف فيكون أعلى من أبي داود، لكن أبا داود أعلى من الترمذي بحسب الإجمال وإن لم يحكم على كل واحد من الأحاديث، وأما ابن ماجه فقالت جماعة من المحدثين إن ابن ماجة ليس بداخل في
الصحاح لا شتماله على قريب من اثنين وعشرين حديثاً موضوعاً، فعلى هذا السادس من الصحاح الستة موطأ مالك بن أنس إلا أنه رأى مكتوباً على ابن ماجه صحيح ابن ماجه بقلم علاء الدين المغلطائي الحنفي وهو معاصر ابن تيمية ومن حفاظ الحديث.
واعلم أن المؤلفات على أنواع كما ذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله في العجالة النافعة: الجامع الذي يحتوي على ثمانية أشياء وهي هذه سير وآداب وتفسير وعقائد وفتن وأحكام وأشراط ومناقب، والجامع هو الترمذي والبخاري، وأما صحيح مسلم فليس بجامع لقلة التفسير فيه،
والسنن هي التي فيها الأحكام فقط على ترتيب أبواب الفقه، والسنن أبو داود والنسائي وابن ماجه، ويسمى الترمذي أيضاً سنناً تغليباً، وكذلك إطلاق الصحاح الستة على هذه المعهودة لأن الصحيح صحيح البخاري ومسلم وباقيتها السنن، والمسند الذي يذكر فيها الأحاديث من الصحابة
بحسب رعاية ترتيبهم بدون الترتيب في أبواب الفقه، مثلاً يذكر أولاً الأحاديث المروية عن أبي بكر ثم عن عمر ثم عن عثمان وهكذا،
والمعجم الذي يذكر فيه أحاديث الشيوخ مرتبة كالترتيب في المسند.
والجزء الذي يحتوي على أحاديث مسألة واحدة معينة كجزء القراءة للبخاري، وجزء رفع اليدين له، والمفرد: الذي يحتوي على أحاديث شخص واحد مثل أحاديث أبي هريرة أو حذيفة، والغريبة: التي فيها تفردات تلميذ واحد من شيوخه ولم تكن مروية عن غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وأنواع أخر، مثل المستخرج، والمستدرك.
أما شرط أرباب الصحاح فاشترط البخاري الإتقان وكثرة الملازمة للشيخ، واشترط مسلم الإتقان فقط، ولا يشترط ثبوت اللقاء أو كثرة الملازمة، بل يكتفي بالمعاصرة بين الراوي والمروي عنه، وهو مذهب الجمهور في التمسك.
واشترط أبو داود كثرة الملازمة فقط، ولم يشترط الترمذي شيئاً منهما، والمراد بهذه الشروط أنهم يكتفون بهذه الشروط ويأتون بما يكون بشرط أعلى من شرطه أيضاً، وبسبب اعتبار كثرة الملازمة وقلتها يقال: إن فلاناً ضعيف في حق فلان وإن كانا ثقتين في أنفسهما، فعلم أن الضعف على قسمين: ضعف في نفسه، وضعف في غيره.
وأما مذهب أرباب الستة الصحاح فقيل: إن البخاري شافعي لأنه تلميذ الحميدي وهو تلميذ الشافعي.
أقول: لو كان المراد على هذا لقيل: إنه حنفي لأنه تلميذ إسحاق بن راهويه، وأما غيره من شيوخه فمفيدون، وإسحاق من أساتذته الكبار، وإسحاق من خاصة تلامذة ابن المبارك، وهو من خاصة تلامذة أبي حنيفة، ولكن الحق أن البخاري مجتهد، وكثيراً ما يكون اجتهاده موافق الأحناف إلا أنه وافق في المسائل المشهورة بين أهل العصر الإمام الشافعي، مثل: القراءة خلف الإمام، ورفع اليدين، والجهر بآمين.
ويظهر هذا لمن يتتبع صحيحه، ولله در ما قال القاضي أبو زيد الدبوسي: ولمسألة يختلف فيها كبار الصحابة يعوذ فهمها ويصعب الخروج منها، وإن المسائل مختلفة فيما بين المجتهدين، وهي تحت الحديث ويساعده تعامل السلف ويكون السلف الصالح مختلفين فيها لا يمكن الاتفاق على أحدها إلى قيام القيام.
وأما مسلم فلا أعلم مذهبه بالتحقيق، وأما ابن ماجه فلعله شافعي، والترمذي شافعي، وأما أبو داود والنسائي والمشهور أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما حنبليان، وقد شحنت كتب الحنابلة بروايات أبي داود عن أحمد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أبواب الطهارة
قال الحافظ بدر الدين العيني الحنفي: ومن مصطلحات أرباب الحديث التعبير بالكتاب إذا كانت تحته أحاديث أنواع مختلفة، ولك التعبير بالأبواب، وبالباب إذا كانت الأحاديث من نوع واحد، وقول الترمذي: أبواب الطهارة ترجمة، ويظهر فقه المحدث من ترجمته، كما قيل: فقه البخاري في تراجمه، وله محملان:
أحدهما: أن مسائل فقه المختارة عنده تظهر من تراجمه، وثانيهما: أن ذكاءه يظهر من تراجمه، والبخاري سابق الغايات في وضع التراجم، فإنه قد تحيرت العقلاء فيها، وسهل التراجم تراجم الترمذي، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي، واقتفى النسائي في تراجمه أثر شيخه البخاري، وبعض تراجمها متحدة حرفاً حرفاً، ومستبعد ـ والله أعلم ـ سيما إذا كان النسائي من تلامذة البخاري، وما وضع مسلم بنفسه التراجم.
قوله: (عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلخ) كان المحدثون المتقدمون يخلطون بين المرفوعات والأثار، وأول من ميز بينهما الإمام أحمد بن حنبل وتبعه المتأخرون.
وقال الترمذي: عن رسول الله مشيراً إلى أن الورادة ههنا مرفوعات لا آثار.
والمرفوع: ما أسند إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعلاً أو قولاً أو تقريراً.
باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور
[1] قوله: (ح وحدثنا الخ) ح يسمى تحويلاً، والاختلاف في القراءة فإن المغاربة يقرؤون تحويل والمشارقة يقرؤون ح بالمد أو القصر.
قال سيبويه: إن أسماء حروف التهجي إن كانت مركبة في الكلام فممدودة، كما قال محمد في قصيدة البردة:
~. . . . . . . . . . . . . . . ... لولا التشهد كانت لاءه نعم
وإن كانت منفردة فمقصورة كما يقال في حين التعداد: با، تا، ثا.
أقول: إن هذه الضابطة ليست بأسماء حروف التهجي بل في ذلك كلمة ثنائية تكون في آخرها ألف. واعلم أن التحويل على قسمين: أحدهما: اجتماع الطرق المتعددة من الأسفل، ويسمى الراوي المشترك مداراً ومخرجاً، وهذا التحويل كثير، ثانيهما: افتراق الطريق الواحد من الأسفل إلى طرق كثيرة، والتحويل بكلا قسميه قد يكون بطريقين وقد يكون بأزيد منهما.
(فـ) ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها أنهم يبدؤون السند من الأول أي الأعلى بالعنعنة ثم في الأسفل بالإخبار والتحديث؛ لأن التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين فاحتاج المحدثون إلى التصريح بالسماع، ولا يقبل حديث المدلس إلا عند التصريح بالسماع أو ما يدل عليه.
والتدليس على أنواع:
أحدها: أن يسقط الراوي اسم شيخه لغرض من الأغراض ويروي عن شيخ شيخه بعن كي لا يكون كاذباً، وثانيهما: تدليس التسوية وهو حذف الرواة الضعفاء من بين السند ورواية الحديث بطريق ثقاته بالعنعنة كتدليس وليد بن مسلم عن الأوزاعي كما سيجيء. وثالثها: أن يذكر الراوي اسم شيخه إن كانت المشهورة كنيته، أو يذكر كنيته إن كان المشهور اسمه ولا يسقط بهذا عدالته ولا ضيق في هذا، وأما القسمان الأولان فقبيحان، وقال شعبة: إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة، ومن ثم قالوا: السند الذي فيه شعبة بريء عن التدليس وإن كان بالعنعنة والجمهور إلى قبح التدليس، ولكنه لا يسقط به العدالة، وإذا صرح بالسماع أو ما حاذاه يقبل الحديث، ومن عادة المحدثين ضم المتن لأقرب الطرق المتعددة، ومن عادتهم أيضاً ضم متن الحديث للسند العالي، والمصنف راعى العادة الثانية كما يدل عليه قوله: قال هناد في حديثه: إلا بطهور إلخ، فعلم أن المذكور ليس متن هناد، وأما وجه اختياره العادة الثانية على الأولى فعلى ما قيل: سئل ابن المبارك: ما يشتهي قلبه؟ قال: سند عالٍ وبيت خالٍ.
قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور إلخ) القبول على قسمين: أحدهما: كون الشيء متجمعاً بجميع الأركان والشرائط.
وثانيهما: وقوعه في حيز مرضاة الله، وقال ابن دقيق العيد: إن القبول مشترك في المعنيين ولا قرينة على المعنى الأول، وأما الثاني فغير معلوم بغير الله تعالى فلا نعلم ما في حديث الباب، وأقول: إن المراد هو الأول بقرينة الإجماع على عدم صحة الصلاة بدون الطهور، وعدم القبول هو الرد سواء كان لذا أو لهذا، ونسب إلى مالك بن أنس عدم الإعادة على من صلى بلا وضوء، وليست هذه النسبة
صحيحة، ولعل وجه النسبة الاشتهار على الألسنة عدم اشتراط طهارة الثوب والمكان عند مالك رحمه الله فقاسوا عليهما طهور البدن أيضاً، واعلم أن قول: لا تقبل صلاة بالتنوين مثل لا رجل في الدار، بمعنى (نيست هيج مردي ورخانه) ومعنى لا رجل في الدار بالفتح (نيست مردوخانه) ومعنى ما من رجل في الدار (نيت هيج إزمري مردي وخانه) فعلى هذا معنى لا تقبل صلاة بلا طهور (قبول نمى شود سپح غازي بغير طهور وباكى) فعلم أن كل فرد صلاة موقوف على الطهور، واختلفوا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة في اشتراط الوضوء لهما فقال بعض: لا يشترط الوضوء لصلاة الجنازة، وأما الإمام الشافعي فليس بقائل بما قالوا، ولعل وجه ما قالوا: إن قال الشافعي بالجنازة على الغائب، ويقول: إنها دعاء كسائر الأدعية، فزعم أنها دعاء كسائر الأدعية في عدم وجوب التوضئ أيضاً، والإمام البخاري موافق لنا في اشتراط الوضوء للجنازة، وأما سجدة التلاوة فقال الشعبي والبخاري: لا يشترط التوضئ، كما أخرج البخاري عن ابن عمر: «أنه كان يسجد على غير وضوء» الخ وفي نسخة البخاري الأصيلي: «كان ابن عمر يسجد على وضوء» وقال خدام البخاري: إن الأول أصح وأما الأئمة الأربعة فقائلون بوجوب التوضئ في سجدة التلاوة لأنها ـ أي: السجدة ـ أخص مدارج الصلاة فيشترط لها كما اشترط لها، وأما فاقد الطهورين فرواية عن أبي حنيفة إنه يتشبه بالمصلين، أي يركع ويسجد بلا قراءة، قال مالك: لا يصلي الآن، وقال أحمد بن حنبل: يصلي الآن، ولا يقضي، وللشافعية وجوه أربعة، أحدها: القضاء فقط، وثانيها: الأداء فقط، وثالثها: الأداء في الحال ثم القضاء بعده، ورابعها: وجوب الأداء واستحباب القضاء.
(ف) من مصطلحات فقهاءنا التعبير بالقول عما قال المشائخ وبالرواية عما قال الأئمة، وعند الشافعية قول الإمام رواية وأقوال المشائخ وجوه، لنا في التشبه بالمصلين لفاقد الطهورين القياس المستنبط من الإجماعين، أحدهما: من أفسد الصوم أو حاضت المرأة في نهار رمضان أو طهرت أو بلغ الصبي يجب عليهم الإمساك في بقية النهار، وهل هذا إلا تشبه بالصائمين، والإجماع الثاني: أن من أفسد حجة يجب عليه المضي على الأركان ثم يقضي وليس المضي على الأركان إلا تشبه بالمصلين فلما ثبت التشبه في الصوم والحج نعديه إلى الصلاة، وكذا اِكتفاء بعض السلف بالتكبيرة في التحام القتال من هذا، واعترض الخصم علينا في قولنا: البناء على الصلاة لمن أحدث فيها بحديث الباب، فالجواب: أولاً: إن المشي في الصلاة ليس بصلاة كالإياب والذهاب في صلاة الخوف ليس بصلاة، بل فعل في الصلاة، وثانياً: بأن البناء روي مرفوعاً عن عائشة، ولكن الصواب عند أرباب الحديث الإرسال، والإرسال مقبول سيما إذا كان مؤيداً بفتيا الصحابة، فيكون حجة قطعاً، ومن الفتاوى استخلاف عمر وعلي رضوان الله عليهما.
قوله: (ولا صدقة من غلول الخ) الغلول في اللغة: سرقة الإبل، وفي اصطلاح الفقهاء: سرقة مال الغنيمة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل مال خبيث، قال في الدر المختار: إن التصدق بالمال الحرام ثم رجاء الثواب منه حرام وكفر، وفرَّق البعض بين الحرام لعينه ولغيره، ومنهم العلامة التفتازاني،
أقول: ينبغي الفرق بين الحرام الظني والقطعي، لا في لعينه ولغيره، قال ابن قيم في بدائع الفوائد: من اجتمع عنده مال حرام فتصدق يثاب عليه، وفي الهداية: من اجتمع عنده مال حرام سبيله التصدق وقع التعارض بين الدر والهداية، أقول في دفع التعارض إن ها هنا شيئان:
أحدهما: ائتمار أمر الشارع والثواب عليه.
والثاني: التصدق بمال خبيث، والرجاء من نفس المال بدون لحاظ رجاء الثواب من امتثال الشارع، فالثواب إنما يكون على ائتمار الشارع، وأما رجاء الثواب من نفس المال فحرام، بل ينبغي لمتصدق الحرام أن يزعم بتصدق المال تخليص رقبته ولا يرجو الثواب منه، بل يرجوه من ائتمار أمر الشارع، وأخرج الدارقطني في أواخر الكتاب: أن أبا حنيفة رحمه الله سئل عن هذا فاستدل بما روى أبو داود من قصة الشاة والتصدق بها.
قوله: (هذا الحديث أصح) لا يلزم من قوله هذا أن يكون صحيحاً في نفسه، بل مراده بالأصح والأحسن أعلى الحديث في هذا الباب وإن لم يكن حسناً عند المحدثين، ومن عادة الترمذي إخراجه الأحاديث التي لم يخرجها غيره للاطلاع على ذخيرة الحديث، فمراده أنه أعلى الأحاديث التي لم يخرجها أرباب الصحاح، كذلك قال بعض حفاظ الحديث في عادة الترمذي هذه.
قوله: (وفي الباب عن ابن مليح رحمه الله الخ) المراد بذكره ههنا هو أبو أبي المليح لا أبو المليح نفسه، لأن الراوي أبوه، واعلم أن الترمذي مع كونه جامعاً ذخيرة الحديث فيه قليلة بخلاف غيره من أرباب الصحاح إلا أنه يكافئه يذكر: وفي الباب عن فلان وعن فلان الخ، وصنف ابن حجر العسقلاني في استخراج ما ذكر الترمذي في الباب وسماه: «اللباب فيما قال الترمذي وفي الباب» ولكنه غير مطبوع، والأسهل لاستخراج أحاديثه المراجعة إلى مسند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
باب ما جاء في فضل الطهور
[2] لفظة «أو» قد يكون لشك الراوي، وقد يكون للتنويع، وإذا كان للشك من الراوي فيقرء بعده لفظ «قال» ، ويعرف ذلك بالذوق.
واعلم أن المصنف أخرج حديث الباب مختصراً، وفي غيره: «وإذا مسح الرأس خرجت كل خطيئته سمعها بأذنيه» الخ فدل على أن الأذنين في حكم الرأس، ودل على عدم ضرورة تجديد الماء لمسح الأذنين كما هو مذهب أبي حنيفة.
قوله: (يخرج نقياً من الذنوب الخ) قال المتأخرون: الحسنات مكفرات السيئات الصغائر، وقال المتقدمون: يفوض الأمر إلى الله بلا تقييد بالصغائر والكبائر، وتمسك المتأخرون بما سيأتي «ما لم يغش الكبائر» وأقول: التحقيق أن لا يقيد بالصغائر، ويتمشى على ألفاظ الأحاديث لغة، وفي اللغة: الذنوب العيوب والخطايا ما ليس بصواب، والمعصية (نافر ماني والسيئة برائي) ، فالمعاصي في أعلى مراتب الإثم ودونها السيئات ودونها الخطايا، ودونها الذنوب، وأشكل الحديث بأنه يدل على خروج الذنوب، والخروج يقتضي أن يكون الشيء الخارج ذا جرم، والذنوب أخواتها من المعاني، فالأصوب التفويض إلى الله تعالى، ومن أراد أن يقع في التكلفات، فيرجع إلى ما قال الصوفية بأن وراء هذا العالم المشاهد عالماً يسمى بعالم الأمثال، وراءه عالم الأدوات، وفي عالم الأمثال صور كل شيء في هذا العالم من الأجسام والمعاني، وفي عالم الأرواح أرواح كل شيء كما قالوا:
~ رأابري وآب ويگراست ... آسمان وآفتاب ويگراست
وقالوا: إن عالم الأمثال متصرف في هذا العالم المشاهد وألطف منه، وعالم الأرواح متصرف في عالم الأمثال وألطف منه، وليس عالم الأمثال هو دار الآخرة بل موجود الآن، وقالوا: من يذهب في عالم الأَْمْثَالِ أو الأرواح لا يتميز بين أشياء عالم الشهادة وأشياء عالم الأمثال، وأما الروح فعند أهل الإسلام جسم لطيف على شكل كل ذي ذلك الروح واحتجوا على هذا أي جسمية الروح بما ورد في الأحاديث، كما في حديث البراء بن عازب «فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول» الخ أخرجه أحمد في مسنده، وصاحب المشكاة ص134، وفيه: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن» وأحاديث أخر دالة على جسمية الروح، ونقل قاضي زاده في تهافت الفلاسفة أن الغزالي قائل بتجرد الروح وكذلك نسب إلى القاضي أبي زيد الدبوسي الحنفي.
فأقول: أولاً: إن خلافهما لا يكفي، فإنا نتمسك بنصوص الشريعة من القرآن والحديث.
وثانياً: بأن نقل المذهب متعسر، فما لم أر عبارة القاضي أبي زيد لا أنسب إليه هذا الخلاف، وأما الغزالي فقال تلميذه أبو بكر بن العربي: إن الأستاذ غمس في الفلسفة، ثم ضرب بيده وسعى للخروج فلم يسعف بمرامه، والمتقدمون من علماء الإسلام يريدون بالتجرد عدم الكثافة يظهر ذلك من
تفسير سورة الإخلاص للحافظ ابن تيمية رحمه الله، ثم اختلف الصوفية بعد اتفاقهم على مادية الروح في أنه كالبدن للثياب، أو أعضاءه سارية في أعضاء الجسد المشاهد، وقال الشيخ الأكبر في الفصوص: الروح يتشكل بأشكال مختلفة، وقال الجهلاء الفلاسفة: إن الروح مجرد، وتشبثوا بأوهام بما هي أوهن من بيت العنكبوت، منها ما قال الفارابي: إن الروح محل التصور والتصديق وهما معنيان مجردان، ومحل المجرد مجرد، وهذا كما ترى لأنه لم لا يجوز أن يكون تعلق التصور والتصديق بالروح كتعلق النفس الناطقة بالبدن المادي؟
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) الحسن والصحيح متقابلان في المشهور، لأن الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ويكون سالماً عن العلة والشذوذ والنكارة، والحسن الذي يكون رواته أقل اتفاقاً من رواة الصحيح وأقل ضبطاً من رواته، فكيف جمع المصنف بين المتنافيين فالأجوبة عديدة، منهاما قال الحافظ ابن حجر: بتقدير كلمته «أو» وعلى تقدير «أو» يكون الحاصل هذا الحديث حسن أو صحيح، أي تردد الترمذي في الحسن والصحة، أو يقال: بتقدير الواو أي حسن وصحيح، والحسن باعتبار طريق، والصحة باعتبار طريق آخر، لكنه ليس بشاف، فإن هذا التردد من الترمذي بعيد، وأما تقدير الواو فلا يجري في جميع المواضع، ومنها ما قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: إن الحسن الصحيح مرتبة بين الحسن والصحيح، كالحلو الحامض لكنه أيضاً غير صحيح، لأنه يأتي بأحاديث الصحيحين ويحكم عليها بالحسن الصحيح، والحق ما قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: بأنهما متبائنان مفهوماً، ومتصادقان مصداقاً، وبينهما عموم وخصوص مصداقاً كالظاهر والنص، وسيأتي بعض كلام على هذا عن قريب.
مقدمة
واعلم أن الصحيح عندي على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون رواته ثقات وعدولاً ويساعده تعامل السلف.
والثاني: أن يصححه إمام من أئمة الحديث بخصوصه.
والثالث: أن يخرجه من التزم الصحة في كتابه مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن السكن، وصحيح ابن حبان، والنسائي، وإن لم يحكم عليه بخصوصه بالصّحة.
والرابع: أن يكون الرواة سالمين عن الجرح، ويكونون ثقات فعندي المرتبة الأولى أعلى مراتب الصحيح.
والتواتر عندي أيضاً على أربعة أقسام:
أحدها: تواتر الإسناد: وهو أن يروي الحديث جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، وكذلك يكون في القرون الثلاثة وهذا التواتر تواتر المحدثين.
والثاني: تواتر الطبقة: وهو أن يأخذ طبقة عن طبقة بلا إسناد، والقرآن متواتر بهذا التواتر، وهذا تواتر الفقهاء.
الثالث: تواتر التعامل: وهو أن يعمل به أهل العمل بحيث يستحيل تكذيبهم، وهذا التواتر قريب من التواتر الثاني، ومثال هذا التواتر العمل برفع اليدين عند الركوع وتركه فإنه عمل به غير واحد في القرون الثلاثة.
الرابع: تواتر القدر المشترك: وهو أن يكون مضمون مذكوراً في كثير من الآحاد، كتواتر المعجزة، فإن مفرداتها وإن كانت آحاداً لكن القدر المشترك متواتر، وحكم الثلاثة الأول تكفير جاحده.
وأما الرابع: فإن كان ضرورياً فكذلك، وإن كان نظرياً فلا.
قوله: (وهو حديث مالك الخ) وإنما أعاده إشارة إلى تفرد مالك واشتهاره عنه، ولم يوجد له متابع بهذا الطريق عن أبي هريرة.
قوله: (وأبو هريرة اختلفوا الخ) في اسم أبي هريرة ففيه خمسة وثلاثون قولاً، قيل: عبد شمس، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد شمس في الجاهلية، وعبد الله في الإسلام، واختلف في انصراف أبي هريرة وعدم انصرافه، فقال ملا علي القاري: سئل الحافظ ابن حجر عن انصرافه وعدمه، فقال: وجدناه غير منصرف، والقياس الانصراف، ولعله زعم أن من شروط عدم الانصرف كون هريرة غير منصرف وعلماً قبل إضافة أبي إليه، والحال إنه لا حاجة إلى هذا كما في أبي حمزة وأبي صفرة فعلى هذا يكون عدم الانصراف برواية ودراية، وأما وجه التسمية بأبي هريرة، قيل: كانت له هرة كان كلما يخرج من البيت يضعها في كمه، وكلما دخل يضعها بأصل شجرة والله أعلم.
قوله: (الصنابحي الخ) الصنابحي ثلاثة: أحدهم صنابحي بالياء صحابي، والثاني صنابحي بالياء
تابعي واسمه عبد الرحمن ويكنى بأبي عبد الله، ورجل آخر صنابح بلا ياء وهو صحابي، وقد يقال له: صنابحي للشرب ثانياً بالياء أيضاً.
باب ما جاء في مفتاح الصلاة الطهور
[3] قوله: (عن سفيان) بعد سفيان تحويل، ولكنه غير مكتوب في الكتاب، وسفيان هذا قد أشكل على أرباب الحديث أنه سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري، لأن المعرفة إنما يكون بذكر الآباء والأجداد أو التلامذة أو الشيوخ، والأب والجد غير مذكور، واكثر تلامذة سفيانين وشيوخهم متحدون، فتتبعت ووجدت في تخريج الهداية للطبراني أنه ثوري لا ابن عيينة.
قوله: (صدوق) صادق في لهجته وسيء في حفظه.
قوله: (وهو مقارب الحديث) اختلفوا في أنه توثيق للراوي أم تضعيفه، وأما في اللغة فلا يدل اللفظ على التليين، فإن معناه أنه متوسط، ولكنه لفظ التوثيق كما سيأتي في الترمذي في مواضع أنه ثقة ومقارب الحديث، منها ما في (ص200) : إن إسماعيل بن رافع ثقة وقوي ومقارب الحديث.
قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) واعلم أن في هذه الجملة وقرينتيه قصراً لتعريف المبتدأ والخبر، كما قال صاحب التلخيص: وتعريف أحد الطرفين قد يفيد القصر، وقال العلامة: وإنما قال قد يفيد الخ لأن إفادة تعريف أحد الطرفين القصر ليس بضابطة كلية فإنه قد لا يفيده، وقال السيوطي: إن تعريف الطرفين يفيد القصر، وأقول: إن تعريف أحد الطرفين يفيد القصر إذا كان الطرف الآخر مشتملاً على معين القصر كاللام أو في أو غيرهما، مثل: الحمد لله، والكرم في العرب، ثم اعلم أنه
قلما يفيد تعريف أحد الطرفين القصر بلا معين أيضاً، كما في قصيدة بانت سعاد:
ذو إبل مسهن الأرض تحليل
أي تحلة قسم، ففي: (مسهن الأرض تحليل) قصر بلا معين، وقد لا يكون القصر مع تعريف الطرفين أيضاً، كما في: الكرم الخلق الحسن، ولذا قال مولانا مد ظله العالي: إن الضوابط عصا الأعمى. وقال الزمخشري في الفائق في حديث: (إن الله هو الدهر) : إن فيه قصر المُسنَد إليه على المُسنَد، والمعنى: إن الله هو جالب الحوادث لا غير الجالب، وقال العلامة: فيه قصر المسند على المسند إليه، وردَّ على الزمخشري، أقول: إن ردَّه ليس بذلك، لأن تعريف الطرفين يصلح لقصر المسند إليه على المسند ويصلح للعكس.
ثم اعلم أن اللام عند أهل المعاني قسمين: لام العهد الخارجي، ولام الحقيقة، والأول على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكون المعهود مذكوراً سابقاً، ويسمى بالعهد الذكري.
والثاني: ما يكون حاضراً، ويسمى بالعهد الحضوري.
والثالث: ما يكون معلوماً بين المتكلم والمخاطب، ويسمى بالعهد العلمي.
ومثال العهد الحضوري: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] (الخ) .
والثاني: أيضاً على ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون المراد من مدخوله نفس الحقيقة من حيث هي هي، ويسمى لام الجنس، أو من حيث وجودُها في حصة منتشرة، ويسمى لام العهد الذهني، أو من حيث وجودُها في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللغة، فيسمى لام الاستغراق.
وأما عند النحاة فالقسم الثالث للعهد الخارجي عهد ذهني عندهم، ولام العهد الذهني، لأهل المعاني لام الجنس عند النحاة، والمختار عندي هو قول النحاة.
وبالجملة الحديث مشتمل على القصر، فقالت الشافعية وتبعهم بفرضية صيغة السلام، وصيغة (الله أكبر) ، وقالوا: الحديث دال على عدم صحة الصلاة وعدم وجودها بدون السلام عليكم ورحمة الله وبدون الله أكبر، ويقول الأحناف بعدم فرضيتهما، ومدار الخلاف على أن المتكلم إذا تكلم ففي كلامه مفهوم ومنطوق، ثم المفهوم المخالف غير معتبر عندنا، ومعتبر عند الشافعية حتى
جعلوه دليلاً، أقول: إن الكلية غير صحيحة من الطرفين، بل يقال باعتبار المفهوم المخالف من غير جعله دليلاً فيحتاج إلى بيان نكات الشروط والقيود والصفات المذكورة في النصوص، ولا تدل نفيها على نفي الحكم، وقد بسطه أبو البقاء في كلياته، ثم قال الأحناف: إن المفهوم المخالف معتبر في عبارات كتب الفقه، والمحاورات فيما بيننا، لأن تحصيل مرادها سهل بخلاف نصوص الشارع، فإن تحصيل مراد كلامه متعسر، فقال الشافعي ومالك وأحمد بركنية السلام والله أكبر بعينهما، والفرض عند الأحناف كل ذكر مشعر بالتعظيم، والسنة الموكدة الله أكبر، وكذلك الخروج بصنع المصلي فرض، ولفظ السلام واجب، هذا هو المشهور منا، ثم اعترض علينا بمَ الفرق بين سنية الله أكبر ووجوب السلام مع أن الحديث لهما واحد، فإما أن يكون كل واحد منهما سنةً وإما أن يكون واجباً؟ فيقال: أن هناك قولاً بالسنية أيضاً، ذكره في البناية على الهداية عن المحيط، ومذهب الطحاوي ـ وهو أعلم الناس بمذهب أبي حنيفة ـ سنية السلام، وتمسك الطحاوي أن علياً رضي الله عنه راوي حديث الباب أفتى بتمامية صلاة من سبقه الحدث بعد التشهد، وأما تأويل كلام الطحاوي بأن المراد بالسنية ثبوته بالسنة وجعله موافقاً للقائلين بالوجوب يأبى عنه العقل السليم، فقال الشيخ الكمال بوجوب الله أكبر، وتمسّك بأن في الكافي أن تارك الله أكبر، آثم ومن المعلوم أن الإثم لا يكون إلا على ترك الواجب، أقول: إن صيغة الأمر من الشارع للوجوب
عند صاحب الفتح والبحر، وكذلك نكيره عليه الصلاة والسلام على الترك يدل على الوجوب، ومواظبة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع الترك أحياناً يدل على السنية عندهما وأما مواظبته عليه الصلاة والسلام على أمر بلا تركه أحياناً فللوجوب عند ابن همام، وللسنية عند صاحب البحر، فمدار اختلافهم على هذا، وأما اختلافهم في إثم تارك السنة ـ بأن الشيخ يقول بعدم الإثم، وابن نجيم يقول بالإثم ـ مبني على الاختلاف الأول، لكن صاحب البحر يقول بإثمٍ أقل من الإثم على ترك الواجب، وقال المحقق ابن أمير الحاج: ترك السنة ليس بإثم إلا من اعتاد أو اعتقد عدم السنية، وقال ابن همام: من ترك رفع اليدين عند التحريمة مع التهاون يأثم والله أعلم، أقول: ترك السنة بقدر زائد على ما تركه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخلو من إثم فبالجملة اندفع الاعتراض الوارد علينا بناء على المشهور، ثم يرد علينا حديث الباب على وجوب لفظ السلام والله أكبر، وأجاب المدرسون عنه بأن المراد من التكبير كل ذكر ينبئ عن التعظيم، أقول: هذا التأويل يرده ذخيرة الحديث من تصريح لفظ (الله أكبر) أخرجه أرباب الصحيحين وغيرهما، وجرى تعامل السلف على الشروع في الصلاة بالله أكبر.
واعلم أن ههنا مرتبة الواجب التي قال بها الأحناف، مدارها على تمهيد مقدمة، وهي أن الخبر على ثلاثة أقسام: المتواتر، وهو المروي عن جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، ويكون هذا الحال في القرون الثلاثة والمشهور هو الذي يكون خبر الواحد في القرون الأول واشتهر بعده، وخبر الواحد، الذي يكون واحداً في القرون الثلاثة، ثم قال الأحناف ـ أي العراقيون ـ بعدم جواز الزيادة
على القاطع بخبر الواحد، وقال الشافعية ومن تبعهم: بجواز الزيادة به على القاطع، أقول: يجوز الزيادة بخبر الواحد عندنا لكن لا في مرتبة الركن والشرط، فيثبت الوجوب والسنية بالخبر الواحد، ولا نهمل خبر الواحد عن الأصل كما زعمه بعض من لاحظّ له في العلم، وتصدى إلى الاعتراض علينا كالنواب المعزول، وليعلم أن الثابت بالظني يجوز إثبات ركنه وشرط بالظني وخبر الواحد، والكلام فيما ثبت بالقاطع، ونقول: إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فعملنا به معاملة الظن، ولم تثبت به الركن والشرط، وأما الشافعية فعاملوا بالظني معاملة القاطع، فجوزوا زيادة ركن أو شرط بخبر الواحد، والأقرب إلى الضوابط مذهبنا، فإذا تمهد هذا فنقول: إن الشافعية قالوا بركنية ما ثبت بخبر الواحد، ونقول: لا يوجب الركنية لأنه ظني الثبوت فلا يثبت به إلا الوجوب تثبت مرتبة واجب الشيء من هذا المذكور وليعلم أن واجب الشيء لم أجده إلا في الصلاة والحج لا في المعاملات، ولم أجد فيها فرائض أيضاً، وإنما يذكرون لها شرائط وأركاناً لا واجبات وفرائض، بخلاف الشيء الواجب فهو عام، وقد قال الشافعية في الحج بواجب الشيء، أنكروه في الصلاة، وكذلك أنكر غير الشافعية أيضاً مرتبة الواجب، وأقول: قال ابن تيمية في منهاج السنة: إن الصلاة تتركب من الفرائض والواجبات والسنن عند الثلاثة، وعند الشافعي من الفرائض والسنن، فدل على قول الموالك والحنابلة بواجب الشيء فكيف ينكرون علينا إلا أن الواجب قسم من السنة عند الموالك، وأقول: أيضاً يقول الحنابلة بفرضية القعدة الأولى وانجبارها لو تركها بسجدة السهو، وهل هذا إلا مرتبة واجب الشيء، والاختلاف في الألقاب لا في الحكم، ولما وجدنا في الصلاة والحج أشياء أكيدة ثم جبر نقصانها وعدم فساد الصلاة والحج فقلنا بمرتبة الواجب، فالحاصل أن ثبوت مرتبة الواجب من ظنية الدليل، وكذلك يدل تعريف أرباب أصولنا الواجبَ
عليها، فعلى هذا قال ابن همام: ليس الواجب في حقه عليه الصلاة والسلام، فإنه ليس له ظن في شيء، وأقول: إن بحث أرباب الأصول في الواجب يكون من حيث صورة الدليل، ولا يتعرضون إلى حقيقة الواجب، تعرض إليها بعض الحذاق، فحقيقته أن الواجب يكون لاستكمال الفرض مثل السنن إلا أن الواجب آكد في الاستكمال، فإذا ثبت وتمهد ما ذكر نقول: إنّ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] القاطع دل على فرضية ما يشعر بالتعظيم، والحديث الظني ثبوتاً دل على وجوب (الله أكبر) خاصة، وكذلك يقال في غيره، فأصل المناسبة ولكل ذكر مشعر بالتعظيم، وكمالها للفظ (الله أكبر) ، وهذا هو الجواب عما استشكل في التحرير من اعتبار جنس العلة في عين الحكم، فقال: إنه راجع إلى اعتبار العين، في العين وليس كذلك، فإن هناك
أصل وكمال على أن الجنس هناك بمعنى المجانس لا بمعنى الوصف الشامل، فعلم أن بحث الشيخ في (لا صلاة لمن لم يقرأ. . الخ) بأن (لا) لنفي الكمال، فيدل على وجوب الفاتحة ـ غير جيد، فإن مقتضاه ظنية الدليل في الدلالة مع كونه ظني الثبوت، وهو لا يوجب الواجب كما سيبدأ عن قريب، والأصوب البحث في ظنية الدليل في الثبوت، كما أشار إليه صاحب الهداية هو أيضاً الحديث ليس ظني الدلالة، بل هو قطعي الدلالة لتعامل السلف على ابتداء الصلاة (بالله أكبر) ، وإن قيل: فعلى هذا التعامل وإجماع السلف يكون (الله أكبر) ركناً نقول: إن اجتماعهم وتعاملهم على الإتيان (بالله أكبر) لا على ركنيته، وبينهما بون بعيد، فمرتبة الواجب القائل بها الأحناف ثابتة بلا ريب، وتفصيل الأمر أن الأدلة على أربعة أنواع: الأول: الدليل قطعي الدلالة والثبوت. ويُفيد الفرضية في جانب الأمر، والحرمة في جانب النهي، والثاني: ظني الثبوت والدلالة، ويفيد الكراهة تنزيهاً في جانب النهي، والاستحباب في جانب الأمر، والثالث: ظني الثبوت وقطعي الدلالة، والرابع: بالعكس، وكلا القسمين يفيدان الوجوب أو السنية في جانب الأمر، والكراهة تحريماً في جانب النهي، فعلى هذا ظهر الفرق بين الفرض والواجب، فهذه نبذة من إثبات مرتبة الواجب والكلام المحول، وبعض كلام سيأتي في باب صفة الصلاة في صلاة مسيء الصلاة.
قال المحقق ابن أمير الحاج: إن الخروج بصنعه ليس بفرض، فإن الفرض يتأدى في ضمن القربات لا في ضمن المنكرات، وقد قلنا بأداء الخروج بصنعه تحت القهقهة والتكلم، وهما مكروهان في الصلاة، وزعم هذا المحقق أن هذا القائل قاسَ القهقهة وإخراج الريح والتكلم وغيرها على لفظ السلام بجامع الخروج بصنع المصلي والحال أنه لم يقس بل أبدى حكمه وحقق أمراً واقعياً، على وزان ما يقال: إن الصلاة للذكر، والصوم لقمع النفس عن الشهوات، فهو حكمة مجردة، وإن كان قياساً فمرسل ملائم.
واعلم أن ههنا ثلاثة أعمال: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، قال الشيخ الكمال بن همام: إن هذه الألقاب الثلاثة ألقاب عند الشافعية لا عندنا، ولكن العمل كذلك عند مشايخنا أيضاً، فأما تحقيق المناط فهو إجراء الأحكام النوعية أو الجنسية على أفرادها وأنواعها، ولا يختص بالمجتهد، بل كل مكلف يقدر عليه، مثل: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] الآية، فإجراء الآية على أفرادها ليس بمختص بالمجتهد، وأما تنقيح المناط فقال الشوكاني في (إرشاد الفحول في علم الأصول) : إن تنقيح المناط نوع من أنواع القياس، والفرق أن القياس هو إبداء لجامع، وتنقيح المناط إلغاء الفارق بين المقيس والمقيس عليه، وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: إن التنقيح يجري في النصوص أيضاً، وقال: التنقيح حذف الأوصاف التي ليست بمؤثرة
وإبقاء المؤثرات كما في قصة الأعرابي الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فكانت فيها أوصاف، كونه عامداً، أو كونه صحابياً، أو رجلاً، أو كونه مفطر صومه في نهار رمضان عمداً، فقال أبو حنيفة: إن الوصفَ المؤثرَ إفسادُه صومَه في نهار رمضان عمداً، فيتعدى الكفارة إلى الأكل والشرب عمداً، وسائر الصفات غير مؤثرة، وقال الشافعي أن المؤثر جماعه في نهار رمضان فلا تكون الكفارة في الأكل والشرب فهذا التنقيح تنقيح في النصوص، فعلم أنه ليس بقياس يكون في غير المنصوص، فقول الشوكاني غير جيد، وتنقيح المناط مختص بالمجتهدين، وأما تخريج المناط فهو: ترجيح المجتهد وصفاً من الأوصاف لعلّية الحكم، وفي التنقيح حذف غير المؤثر وإبقاء المؤثر، وفي التخريج ترجيح وصف للعلية، ومثال التخريج: الأشياء الستة الواردة في حديث الربا، من الحنطة، والشعير. . ففي هذه الأشياء أوصاف عديدة من الكيل والوزن والادخار والطعم والثمنية وغيرها فقال أبو حنيفة: إن العلة القدر والجنس، وقال الشافعي: إن مشار النهي هو الطعم والثمنية، وقال مالك: إنه اقتيات وادخار، فهذا القسم أي التخريج قياس، لأن المجتهد لما قرر علة يبني عليها الأحكام والفروع، ثم إن القياس قد يكون مثل تشبيه أهل المعاني، فإن التشبيه عندهم بيان الجامع بين المشبه والمشبه به، يعمل المشبه على المشبه به ولعله هو قياس الشبه، وأما في القياس للعلة فيدعي المجتهد كون الوصف علة للحكم واقتضاءه الحكم، ولا يكفي الصحة المحضة، والفرق بين القياس وتنقيح المناط: للعلة في القياس تعدية الحكم الشرعي بعينه إلى المقيس، ويكون الالتفات إليه أولاً ثم يلحقونه بما أشبه من المنصوص، والتنقيح لتعرف حال المنصوص أولاً أو إن لزمه التعدية، آخراً ثم إن قيل: فأي شيء ألجأ إلى القول بالشيئين الفرض والواجب؟ يقال: إن في أخواته أيضاً فرضاً وواجباً فكذلك قلنا فيما نحن فيه، وأخواته
مثل (الله أكبر) واجب لحديث الباب، وذكر الله المشعر بالتعظيم فرض لآية، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وكذلك القراءة المطلقة فريضة لآية: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] الآية وتعيين الفاتحة مع ضم آية سورة واجب واعلم أنه لا يقال في الآية إن ما في عامة، والمراد منها أية سورة شاء من الفاتحة أو السورة بلا تعيين الفاتحة كما يقول أهل العصر، بل يقال: إن المراد مما في الآية هو الفاتحة وأية سورة شاء، إلا أن هذا المراد من هذه الآية ظني، فالظن في كون المراد مراداً له، لو قلنا ما قال أهل العصر لزم إدخال الكراهة التحريمية في أمر الشارع، ولا يقبله العاقل ذو عقل سليم، فإن الامتثال بهذا الأمر يوجب الثواب، والحمل والإتيان بما قالوا لا يوجب الثواب، فيراد بأمره ما يكون جامعاً للفرائض والواجبات والسنن الأكيدة، وكذلك أقول في حديث مسيء الصلاة: «ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن» ، ومن أخوات ما نحن فيه الركوع والسجود، فإن ما يصدق عليه الركوع والسجود فرض لآية: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وأما المكث قدر تسبيحة أو ثلاث تسبيحات فثابت بالحديث ويكون واجباً، وأما فرضية القعدة فثبت بالإجماع فكذلك قلنا فيما نحن فيه، أي في فرضية الصنع بخروجه، ووجوب السلام، وفي مثل هذه
الأشياء يتأدى الفرض في ضمن الواجب ويكون المرئي ظاهر الواجب، وفي ضمنه الفرض، ولذا قال مولانا محمد قاسم النانوتوي: إن الفرض كالمادة، والواجب كالصورة.
باب ما يقول إذا دخل الخلاء
[5] قيل: معناه حين دخوله، وقيل: إذا أراد الدخول، قال ابن هشام صاحب المغني: إنّ تقدير (أراد) بعد (إذا) في مثل هذا المقام مطّرد، وأقول: قد ورد في بعض ألفاظ الحديث: (إذا أراد الدخول) ، وفي البحر: إذا كان بين بيت الخلاء وموضع الخلاء مسافة شيء فقيل: يدعو بهذا الدعاء عند الباب، وقيل: عند موضع الخلاء، وقال مالك: إن نسي وقت الدخول فليقل وقت الجلوس، خلاف الجمهور في هذه الحالة.
قوله: (من الخُبُث والخَبيث) هاهنا شك الراوي، وفي رواية أخرى: (من الخُبُث والخبائث) كما سيجيء، والخُبُث ذكور الشياطين، والخبائث إناث الشياطين، ويأمر الشارع بالأوراد نظراً لنا.
وأما الأول، أي (من الخبث والخبيث) إن كان الخبْث بسكون الوسط فمصدر، وإن كان بضمه فجمع خبيث، ويكون المراد من الخبيث: الفعل الخبيث، ومن الخُبُث بضم الوسط: ذكور الشياطين، وفي الحديث: (الحشوش محتضرة. . إلخ) أي مواقع النجاسة، وقصة سعد مشهورة أنه ذهب في المغتسل، فأبطأ عليهم، فذهب الناس فوجدوه ميتاً، وسمعوا من ظهر غيب:
~ قتلنا رئيس الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
فعلم وجود الجنات والشياطين في الحشوش والمغتسل، ولهذا نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن البول في الحجر.
قوله: (وفي إسناده اضطراب إلخ) الاضطراب قد يكون في المتن وهو اختلاف الألفاظ، وقد يكون في الإسناد، وهو اختلاف الرواة وقفاً ورفعاً ووصلاً وإرسالاً، والاضطراب ههنا من ثلاثة أوجه، لأن لقتادة أربعة تلامذة، اثنان في أول الكلام، وهو هشام وسعيد، واثنان في آخر الكلام، وهو معمر وشعبة، ثم اختلف الأولان فيما بينهما، ثم اختلف الآخران فيما بينهما، واختلاف الأوليين إنما رويا عن قتادة ثم قال سعيد: إن بعد قتادة قاسم بن عوف الشيباني، فأثبت الواسطة بين قتادة وزيد بن أرقم، ونفى هشام الواسطة، والراجح ما قال سعيد، وأما هشام فحذف الواسطة، وأما الآخران فرويا عن قتادة عن النضر بن أنس، ثم اختلفا، فقال شعبة: إن الراوي فوق النضر هو زيد بن أرقم، وقال معمر: إن الراوي فوقه هو أبوه، أي أنس، فصار الخلاف من ثلاثة أوجه:
الأول: إن الأوليين يرويان عن قتادة عن زيد بلا واسطة النضر، وقال، الآخر أن بواسطة النضر.
والثاني: بين الأوليين فقال أحدهما بواسطة قاسم بين قتادة وزيد، ونفاها الآخر، وأما الخلاف الواقع بين سعيد وبين شعبة ومعمر فدفعه الترمذي بقوله نقلاً عن البخاري، قال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما، أي عن النضر وعن القاسم، ومرجع الضمير النضر والقاسم، لا ما هو مذكور فيما بين سطور الكتاب أن المرجع زيد والنضر.
والثالث: بين الآخرين، فقال أحدهما: أنس بعد النضر، الآخر قال: زيد، أقول: إن الصحيح عن النضر عن زيد، ومن قال عن النضر عن أبيه فقد وهم، ولقد نظمت فيما ذكرت:
~ هشام عن قتادة ثم زيد ... سعيد عن قتادة فابن عوف
~ وقال البيهقي: أنس خطاء ... وعن زيد قتادة غير صرف
وأخذت هذا المضمون من السنن الكبرى للبيهقي ولقد غلطا بعض الناظرين في هذا المقام.
وحكم الاضطراب أن يطلب الترجيح وإلا فيسقط الاحتجاج بالمضطرب.
باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
قرر الشارع الأوراد والأذكار في الأحوال المتواردة، كدخول المسجد، والخروج عنه، والدخول في الخلاء، والخروج عنه، وفي حديث: (كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الله على كل أحيانه) ، فقيل: المراد به الذكر اللساني، فيرد عليهم أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتغل بغيره من الأشغال، فكيف يذكر الله على كل أحيانه، وقيل: إن الذكر هو الذكر القلبي، كما في أشغال التصوف، وهذا أيضاً بعيد، فإن اللغة آبية عن هذا المعنى فإن الذكر في اللغة هو اللساني، وأقول: إن المراد من الأحوال هي الأحوال المتواردة لا الأحوال المتشابهة.
[7] قوله: (غفرانك) في الحاشية: أي اغفر غفرانك، أو أسأل غفرانك، ويعني أنه مفعول مطلق أو مفعول به، وعندي أنه مفعول مطلق، كما ذكر الرضي ضابطة، وهي هذه: إذا كان فاعلُ عاملِ المفعول المطلق أو مفعولُه مذكوراً بعده بواسطة الإضافة أو حرف الجر يجب حذف العامل، كما في (سبحانك) وأشار إليه ابن حاجب مجملاً، وأما نكتة حذف العامل فمذكورة في كتاب سيبويه.
قال المغربي: رأيت في كتاب أن آدم لما هبط على الأرض وجد الريح النتنة من الغائط، فقال: (غفرانك) زعماً منه أنه بسبب ما عهده من أكل الحبة، فجرت هذه السنة في أولاده، والله أعلم.
قوله: (حسن غريب) في بعض المواضع يكون غريب حسن بتقديم الغريب، فقال أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري:
إن الأقدم اتهم بشأنه، ثم جمع المصنف بين الحسن والغريب، وللغريب معان:
أحدها: ما فسرها الجمهور به، وهو ما حصل فيه التفرد في أي موضع كان، ولا تنافي بين الغريب والحسن عند الجمهور، لأن سند الحسن أيضاً قد يكون واحداً.
وثانيها: ما تفرد فيه الراوي بزيادة شيء وليس في المشهور تلك الزيادة.
وثالثها: أحد السندين الواصلين إلى شيخ معين يكون أحدها مشهوراً والآخر متفرداً فيه، فالثاني
يكون غريباً، لكن باعتبار قول الترمذي بين الحسن والغريب تناف، لأنه فسر الحسن في العلل الصغرى، واشترط فيه تعدد الطرق، وفي الغريب تكون وحدة الطريقة، فالأجوبة عديدة، إن مدار الحديث قد يكون واحداً والرواة عن المدار كثير، فيسمى الحديث بالنسبة إليه غريباً، وبالنسبة إلى ما تحته من الرواة حسناً، كما تشير إليه عبارة الترمذي في مواضع، لكن هذا الجواب لا يجري فيما قال الترمذي في الحسن من تعدد الطرق، وقال: ويروى من غير وجه نحو ذلك، وأجيب بأن تعريف الترمذي إنما يؤخذ به إذا كان غير مقرون بالغريب، وإذا كان مقروناً بالغريب لا يكون المراد ذلك الحسن، وقال ابن صلاح: إن تعريف الخطابي للحسن محمول على الحسن لذاته، وتعريف الترمذي له محمول على الحسن لغيره، ولكنه بعيد لأن الترمذي ربما يحكم بالحسن على أحاديث الصحيحين، ومن القطع أن أحاديث الصحيحين لا تنحط عن مرتبة الحسن لذاته، فكلام ابن صلاح بمراحل عن الصواب، ومنشأ زعمه عدم تقييده رواة الحسان بالإتقان، والحال أن القيد مراد له ومنوي، والجواب: إن تعدد الطرق في الحسن مشروط إذا كان التفرد تفرداً مضراً، وأما إذا لم يكن مضراً فلا يشترط التعدد، والتفرد المضر زيادة راوٍ في حديث عن شيخ لم يذكرها غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وغير المضر الذي يروى راو حديثاً بتمامه عن شيخ لم يروه غيره من تلامذته عنه وتفرد الراوي المضر قد يكون مقبولاً عند المحدثين، وقد لا يقبل، وأما بعضهم فيقبلونه كلياً، وسبيل التفرد تتبع متابعٍ له أو شاهد، والمتابعة تكون في الرواة، والشهادة من الصحابي، ثم المتابعة قريبة وبعيدة.
(ف) وإذا أقول: لفظ الحجازيين فأريد به الشافعية والموالك، وإذا أقول: لفظ العراقيين أريد به الأحناف، ومذهب أحمد دائر بين العراقيين والحجازيين، ومن عادة الترمذي وأبي داود والنسائي إخراج أحاديث الحجازيين والعراقيين، وقد يأتي بهما مسلم وأما البخاري فيبوب على ما هو مختار عنده.
باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول
[8] في الاستقبال والاستدبار عند الخلاء سبعة مذاهب:
قال أبو حنيفة بكراهيتهما في الصحاري والبنيان.
وقال الشافعي بالجواز في البنيان لا في الصحاري.
وقال أحمد ابن حنبل بجواز الاستدبار لا الاستقبال، وفي رواية شاذة عن أبي حنيفة ـ كما في الهداية ـ وفاق أحمد، وينبغي الجمع بين الروايات عن الأئمة مهما أمكن، والاختيار في الأقوال عن المشائخ، وترجيح أحدها، والجمع في روايتي أبي حنيفة رحمه الله أن الاستدبار والاستقبال مكروه إلا أن كراهة الاستدبار أقل من كراهة الاستقبال، وقال الشاه ولي الله في ترجمة الموطأ: إن الاستدبار والاستقبال مكروهان تنزيهاً عند أبي حنيفة (رحمه الله) ، ولعله مما في البناية على الهداية وعن البناية في النهر، وذكر صدر الإسلام أبو اليسر الأخ الأكبر لفخر الإسلام أبي العسر: إن بين الكراهة تحريماً وتنزيهاً واسطة تسمى إساءة.
(ف) قال أشياخنا رحمهم الله أجمعين: إذا وردت الأحاديث المختلفة في المسألة فيأخذ الشافعي رحمه الله بأصح ما في الباب مرفوعاً، ويأخذ مالك رحمه الله بتعامل أهل المدينة وإن خالفه حديث مرفوع، ويأخذ أبو حنيفة رحمه الله بكل المرفوعات بالحمل على محمل واحد، وربما يأخذ بالقولي ويخرج المحامل في الوقائع المخالفة له، ويأخذ أحمد بن حنبل رحمه الله بالكل مع لحاظ أقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ولذا تجد عنه روايات في مسألة وإذا تعارض الحديثان ففي كتب الشافعية يعمل بالتطبيق ثم بالترجيح ثم بالنسخ ثم بالتساقط، وفي كتبنا يؤخذ أولاً بالنسخ ثم بالترجيح ثم بالتطبيق ثم بالتساقط، والمقدم عندنا هو النسخ الثابت بالنقل، وأما النسخ الاجتهادي فمرتبة بعد الترجيح وقبل التطبيق، وأما تقدم الترجيح قبل التطبيق فهو مقتضى القريحة السليمة فإن في الترجيح عملاً بالعلم، وفي التطبيق عملاً بعدمه، والعلم مقدم على عدمه.
قوله: (إذا أتيتم الغائط) هذا الأمر لأهل المدينة، والغائط الأرض المنخفضة المطمئنة، وقد يطلق على ما يخرج.
قوله: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها) استنبط الغزالي رحمه الله من حديث الباب أن الواجب في الصلاة إدراك جهة القبلة لا عينها، لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر أربع جوانب، وإدراك الجهة يتحقق بإمكان الخط المستقيم بين بيت الله وصدر المصلي، ونقل ابن عابدين أن الاستقبال والاستدبار عند الخلاء معتبر باعتبار العضو المخصوص لا الوجه.
قوله: (فننحرف عنها. . الخ) مرجع الضمير إما الكعبة، فيكون المعنى: نتخلى في تلك المراحيض، وننحرف عن القبلة مهما أمكن، ونستغفر الله من عدم الانحراف الكامل، أو يكون المرجع المراحيض، فيكون الاستغفار من فعلهم الشنيع، أي فعل أهل الشام، والمراحيض: جمع مرحاض، من الرحض (صاف كرون) .
قوله: (هكذا قال إسحاق الخ) . . أي إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وفي راهويه ونفطويه وسيبويه وأخواتهما نعقان قال المحدثون: يقرأ سيبوْيَة ونفطوْيَة وراهوْيَة، وقال النحاة ـ وهو المشهور على ألسنتنا: ويقرأ سيبوَيْه و. . . ونفطوَيْه، وكذلك في غيرها.
باب ما جاء من الرخصة في ذلك
[9] حديث الباب تمسُّك الشافعي رحمه الله وتمسكنما ضابطة الشارع.
قوله: (محمد بن إسحاق) اختلف أهل الجرح والتعديل فيه ما لم يختلف في غيره حتى أن قال
مالك بن أنس: إن قمت بين الحجر الأسود وباب الكعبة لحلفت أنه دجال كذاب، وقال البخاري: إنه إمام الحديث، قال ابن الهمام: إنه ثقة (ثلاث مرات) ، وقال حافظ الدنيا: إنه ثقة، وفي حفظه شيء وأما البيهقي فيتكلم فيه في كتابه الأسماء والصفات، واعتمد في كتاب القراءة خلف الإمام فالعجب، وعندي أنه من رواة الحسان كما في الميزان، ويمكن أن يكون في حفظه شيء.
قوله: (أبان بن صالح. . الخ) إن كان على وزن الفعل فغير منصرف، وإن كان على وزن فعال فمنصرف.
قوله: (ابن لهيعة ضعيف. . الخ) لأن كتبه احترقت فكان بعده يروي عن حفظه، فخلط الصحيح بالسقيم، وأما في علمه فلا ريب فيه، وقال السفيان الثوري: إني قصدت الحج لمحض زيارته حين سمعت أنه يريد الحج، وأما جواب حديث الباب من جانب الأحناف فهذه وقائع فخرج لها المحاصل، ونأخذ بالضابطة والحديث القولي، لأن حديثنا مشتمل على الحكم مع السبب والحكم النهي عن الاستقبال والاستدبار، والسبب إتيان الغائط، وأما حديث الشافعية فواقعة حال لا عموم لها، ولا نعلم سببها وحكمها، فيكون الأقدم حديثنا كما هو مقتضى الأصول، والمراد من السبب الذي يلزم من وجوده وجوب الحكم، وأما حديث ابن عمر فيحتمل احتمالات كثيرة موافقة لنا ومنافية لنا، قيل: إنه من خصوصيته عليه الصلاة والسلام لأن الحقيقة المحمدية أعلى من حقيقة الكعبة، ويمكن فيه لأحد أن الأفضلية في عالم التكوين والخلق لا في عالم التشريع والأحكام التكليفية، ويمكن لنا أن نقول بما في الطحاوي ونوادر الأصول أن ابن عمر لم ير إلا رأسه عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام محاطاً بلبنات، وفي الاستقبال والاستدبار اعتبار العضو المخصوص لا الرأس، فالتشبت بالتشريع الكلي، ولنا أثر أبي أيوب الأنصاري أيضاً، وراجع صفة مخرجه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الوفاء وبلغ فضلات الأنبياء من الخصائص، ومن مستدلات الشافعية رواية عراك عن عائشة، أخرجها الدارقطني وابن ماجه أنه لما قيل للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن الناس يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول بفروجهم، فقال
النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أو قد فعلوا ذلك استقبلوا بمقعدتي القبلة» وحسّن النووى سندها، وكذلك حسّن ابن الهمام، ولم يُجب من جانب الحنفية، وقال العيني نقلاً عن أحمد بن حنبل: إنه مرسل لأن عراكاً لم يسمع من عائشة، وقيل أخرج مسلم حديث مسكينة تحمل سكينتين دخلت على عائشة عن عراك عن عائشة، فنقول: أحمد بن حنبل أفضل وأعلى من مسلم، ثم المرسل عند الأحناف مقبول إلا أن الاعتبار لما قال الطحاوي من أن الأعلى هو المتصل لا المرسل، كما في فتح المغيث، لا ما في الحسامي من علو المرسل عن المتصل، وأما المرسل فقبله المالك وأبو حنيفة، وفي رواية عن أحمد، وقبله أبو داود، ولم يقبله البخاري رحمه الله والشافعي رحمه الله، إلا أنه اعتبر به الشافعي في ستة مواضع مذكورة في النخبة، وأكثر السلف موافق لأبي حنيفة في قبول المرسل، ونقول أيضاً: إن مسلماً نافٍ ـ أي للواسطة ـ وأحمد مثبت، والمثبت مقدم على النافي، وروى جعفر بن ربيعة ـ الذي هو أوثق تلامذة عراك حديث عراك ـ موقوفاً، وقد ذكره في الجوهر عن البخاري، وقال في الميزان: إن الحديث منكر، وقال عمر بن عبد العزيز خليفة العدل: ما استقبلت وما استدبرت مدة عمري، فروى عراك في مقابلة ذلك الحديث، فلم يعمل عمر بن عبد العزيز بذلك الحديث بعد السماع أيضاً، وكان يكره البصاق نحو القبلة، كما في الفتح، ونقول أيضاً: إن حديثنا أصح شيء في هذا الباب، ومشتمل على الوجه والحكم فيؤخذ به، ونظمت في هذه الضابطة:
~ يا من يؤمّل أن تكو ... نَ له سِمات قَبولِهْ
~ خذ بالأصول ومِن نصو ... ص نبيهِ ورسولِهْ
~ نصاً على سبب أتى ... بالساكت المجهولِهْ
~ دع ما يفوتك وجهه ... بالبيِّن المنقولِهْ
~ وخذِ الكلام بفوره ... لا عرضه أو طوله
~ ليس الوقائع في شَرا ... ئِعه كمثل أصولِهْ
~ كتَطرّقِ الأعذار في ... فعل خِلافِ مقولِهْ
ومثل ما قلت قال ابن حزم، وقريب من هذا ما قال أبو بكر بن العربي في شرحه على الترمذي، وقال: إن الأقرب مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقال ابن القيم في تهذيب السنن: الترجيح لمذهب أبي حنيفة رحمه الله، واستدل لمذهبنا بما روى حذيفة بن اليمان قال: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بزق إلى القبلة يأتي يوم القيامة والبزاق على جبهته» ، قال الحافظ في الفتح: إن المصلي يناجي ربه، وتحول
رحمة الباري بينه وبين القبلة، فلا يبزقن نحو القبلة وقال العيني: إن الحكم عام في الصلاة والمسجد وغيرهما فإذا نهي عن البزاق يكون الاستقبال والاستدبار منهياً عنه بالأولى، أقول: لا يصح هذا دليلاً لنا، لأن في الكنز من (ص230) قيد المصلي في متن حديث حذيفة، وغفل عنه.
باب ما جاء في النهي عن البول قائما
يكره البول قائماً.
[12] قوله: (كان يبول قائماً) قيل: إن الصديقة تنفي عادته من البول قائماً، أي لم يكن يعتاده، أو يقال: إنها تذكر علمها، أو نقول: إن رواية حُذيفة في حال العذر، وأيضاً البول قائماً جائز، وخلاف الأدب، ويكره تنزيهاً.
قوله: (أن من الجفاء) يدل على الكراهة تنزيهاً، والجفاء البلادة والأعرابية (گنوارپن) .
قوله: (عبد الكريم بن أبي المخارق الخ) قيل: إن مالكاً روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق في موطأه، فيكون ثقة، فقال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد: إن مالكاً اعتمد على سمته، وكان يقرأ الصبيان، وهو سيّء الحفظ.
باب ما جاء من الرخصة في ذلك
[13] في حديث حذيفة ليس مسح الناصية، وفي حديث مغيرة ليس ذكر البول قائماً، كما في مسلم (ص134) ، وفي حديث مغيرة بن شعبة واقعة القُفول من غزوة تبوك وإمامة عبد الرحمن بن عوف كما في مسلم (ص134) ، واعترض علاء الدين المارديني على القدوري من جمعه بين رواية حذيفة ومغيرة، أقول: لا اعتراض على الإمام القدوري، لأن الجمع والاختلاط من الذين فوقه لا منه، نعم يلزم عليه عدم النقد والتنقيح.
ويستنبط من الحديث أن التقاط الحجر للاستنجاء من أرض الغير بلا نقصانه جائز، ويكفي الإجازة دلالة وعادة، وأيضاً يكفي الإجازة دلالة للبول في أرض الغير.
قوله: (فبال عليها قائماً) قيل: لبيان الجواز، لأنه مكروه تنزيهاً وجائز، وقيل: كان لعذر بوجع كان به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما في السنن الكبرى للبيهقي: أنه بال قائماً بوجع بمأبضه، كما في النووي شرح مسلم (ص133) وسنده ضعيف، ولكنه يكفي للنكتة، وفي النووي (ص133) أنه استدناه ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين، لكونها حالة يستحي بها ويستحى منها في العادة، فكانت الحاجة التي يقتضيها بولاً من قيام يؤمن معها خروج الحدث الآخر الرائحة الكريهة، ولذا استدناه. انتهى.
(ف) يجوز ارتكابه عليه الصلاة والسلام الكراهة تنزيهاً لا الكراهة تحريماً، قال: الشيخ جلال الدين السيوطي في حاشية النسائي: إن تثليث الوضوء سنة، وتركه مكروه تحريماً، وتركه عليه الصلاة والسلام يورث الثواب له، أقول: هذا ليس بمختار عندنا، لأنا نقول: إن ترك التثليث ليس بإثم بشرط عدم الاعتياد، وأقول: إن في البول قائماً رخصة، وينبغي الآن المنع عنه لأنه عمل غير أهل الإسلام، لأن الفتيا يختلف باختلاف الأزمنة والحالات، فإنه كان الاستنجاء بالماء كافياً ومجزأً، وأفتى الشيخ ابن الهمام بكون الجمع سنة، فإن السلف كانوا يأكلون قليلاً، وأناس العصر أكالون.
باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة إلخ
[14] الاستتار فرض، وكان عادته الإبعاد في الحاجة، وأما واقعة بوله على سباطة قوم فمن عذر، كما قال النووي في شرح مسلم (ص133) ، فقد ذكر القاضي عياض أن سببه إلخ.
قوله: (كان أبي حميل فورثه إلخ) مسروق تابعي جليل القدر، والحميل من أتى به من دار الحرب وهو صغير، والولاية على قسمين: ولاية الموالاة، وولاية العتاقة، والأولى صحيحة عندنا، لا عند الشافعية، وقوله: وهو مولى لهم يحتملهما، وعند أبي حنيفة لا يرث، كما ذكره محمد في موطئه، ولنا فتوى الفاروق الأعظم.
باب كراهية الاستنجاء بالحجارة
[15] قال الشافعي رحمه الله: التثليث والإنقاء واجب، والإيتار مستحب، وفي رواية: الإيتار أيضاً
واجب، وعندنا التثليث مستحب والإنقاء واجب كما في الطحاوي والبحر، وأما ما ذكره صاحب الكنز من أنه ليس فيه عدد مسنون إنما يتناول فيه بنفي السنة المؤكدة، كما في البحر: أن تثليث الأحجار مستحب عندنا، والطحاوي أعلم بمذهب أبي حنيفة، وهو تلميذ الشافعي بواسطة واحدة، وتلميذ مالك بواسطتين، وتلميذ أبي حنيفة بثلاثة وسائط، وذكر في باب الحج إجازة عن أحمد بواسطة، والطحاوي إمام مجتهد ومجدد كما قال ابن أثير الجزري: إنه مجدد، أقول: إنه مجدد من حيث شرح الحديث وهو بيان محامل الحديث والأسئلة والأجوبة وغيرها، والمتقدمون كانوا يروون الحديث سنداً ومتناً لا بحثاً، وقال النووي في شرح المهذب: إنه إذا اضطر إلى الاستنجاء باليمين فله أن يأخذ الحجر باليسار أو بين العقبين ويمر عليه العضو المخصوص باليمين، فعلم أن في عهد السلف كان الإمرار في البول أيضاً ثلاثاً كما في الغائط، لا مثل هذا العصر، ولنا في استحباب التثليث ما أخرجه أبو داود في سننه: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» ، وفي رواية أخرى: «من يذهب الخلاء ليستجمر بثلاثة أحجار فإنها مجزئة» ، فإن الكفاية تدل على عدم الوجوب إن لم نقل: إن إطلاق الإجزاء مختص بالوجوب، وأطلق هاهنا بالنسبة إلى أصل وجوب الإزالة، ونقح أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله أن الحجارة كل عين قالع للنجاسة غير محترم ولا مال، وقال أبو داود الظاهري: إنه منحصر في الحجارة بعينها.
واختلفوا في أبوال مأكول اللحم وأزباله، قال أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله: إنها نجسة، وقال مالك ومحمد: إنها طاهرة، وجوز أبو يوسف التداوي بها، واستدل أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله بحديث (لا برجيع أو عظم) حديث الباب، لأن النهي عن الاستنجاء برجيع لكونه نجساً، والنجس لا يزيل النجاسة، وأيضاً نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أداء الصلاة في المزبلة، وصححه ابن السكن وأيضاً سيأتي أنه أخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال «إنها ركس» ، فإن قيل: في بعض الروايات تصريح بأنه طعام دواب إخوانكم فلم يبق حجة، قلت: إن الركس بمعنى الرجيع فيقال في الاستدلال إن: الرجيع، مشتق، والحمل على المشتق يدل على علية المبدأ، ولفظ ركس علة بخلاف الرجس، فإنه حكم من ولاية شرعية لا علة حسية.
باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين
[17] استدل بعض الحنيفة بحديث الباب على عدم وجوب التثليث والإيتار بأنه ألقى الروثة، واستنجى بالحجرين، ولكنه في رواية: أنه ألقى الروثة، وقال: ائتني بثالث.
قوله: (إنها ركس إلخ) استدل البعض بهذا على أن علة النهي في الروثة النجاسة، وهذا إنما يصح لو كان الركس بمعنى الرجيع حتى يكون وصفاً، ولو كان بمعنى الرجس يكون الاستدلال ضعيفاً لأنه حكم لا علة.
قوله: (قال أبو عيسى: هكذا روى) هذا بيان المتابع للحديث المذكور للتقوية، والمتابعة على قسمين: كامل، وناقص، لأنه إذا وجد التفرد عن راو عن شيخ تفحص متابع أو شاهد، فإن وجد المتابع عن ذلك الشيخ يكون كاملاً، وإن وجد عن شيخ شيخه فصاعداً فناقص، والتحقيق في النخبة، والظاهر عن كلامهم أن المتَابَع أو المتابع يجب أن يكونا قرينين، وقد يقال للعالي: متابعاً للنازل، وفي فتح الباري: إن أصل المتابعة أن يكونا في قرن، وقد يتَابِع العالي السافلَ، وإن لم يكونا في قرن واحد.
قوله: (عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني) هَمْدان، بفتح الأول، وسكون الثاني: قبيلة، وأكثر الرواة من هذا القبيل، وهَمَدان بفتح الثاني: خطة أرض، ولم يكن هذا من الرواة، ووصف راوٍ، ويسمى هذا الفن مؤتلفاً ومختلفاً، ويعرف به الفرق بين اللفظين المتقاربين في رسم الخط لا التلفظ، وفنون علم الحديث أربعة وثمانون فناً.
قوله: (أبو عبيدة بن عبد الله) الخ) إذا أطلق لفظ عبد الله في مرتبة الصحابي يراد به ابن مسعود، وإذا أطلق (حسن) في مرتبة الصحابي يراد به ابن علي، وإذا أطلق في مرتبة التابعي يراد به الحسن البصري.
قوله: (لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه) أي اسم أبي عبيدة، إن قيل: كيف رجح الترمذي منقطعه على متصل البخاري؟ قلت كما في الطحاوي: إن الترجيح لعلم أبي عبيدة، لأنه وإن لم يسمع من أبيه لأنه كان سبعٍ حين رحلة أبيه، لكنه أعلم الناس بعلم أبيه، فلم يلاحظ ضابطة ترجيح المتصل على المنقطع، وعلى هذا قال الشاه ولي الله في حجة الله البالغة: إن العلم هو شرح الصدر، لا اتباع الضوابط المخرجة وليعلم أن الكلام في حق أحد من جانب المحدثين لا يوجب سوء ديانته عياذاً بالله بل تكلم من حيث الحفظ والضبط، كما قال ابن الجوزي: إذا وقع في الإسناد صوفي فاغسل يديك منه، فإنهم يقولون: ظنوا المؤمنين خيراً، ولا يطلبون حقيقة الحال، وقال ابن معين: نتكلم في الذين غرزوا خيامهم في الجنة قبلنا بمائتين.
قوله: (قال: عبد الرحمن بن مهدي فاتني الذي) ما نافية وعبد الرحمن من الأئمة، ومذهبه دائر بين العراقيين والحجازيين لأن مشائخه مختلفون.
قوله: (إطلاع) : سها الشوكاني هاهنا، فإنه روى رواية أنه عليه الصلاة والسلام ألقى الروثة، وفيها: فإنه روثة حمار، وزعمه مرفوعاً، والحال أنه قول ابن مسعود حين يروي لتلميذه، وليس بمرفوع.
باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به
[18] تعرضوا إلى بيان طريق استعمال الجن العظام، فقيل: تلقى الروثة في أراضيهم، وعند البخاري: «لا يمرون على عظم إلا وجدوا عليه أوفر ما كان عليه من اللحم والروث زادُ دوابهم» ثم الروايات مختلفة فإن في بعضها أن اللحم يجدون على الذكية، وفي بعضها على الميتة والجمع بينهما بأن الأول للمسلمين، والثاني للكفار، لكن فيه أن الحديث واحد فاضطرب.
يدل الحديث على أن الجن تبع للإنسان، ويأكل الجن سوء الإنسان وكذلك يكون تابعاً
للإنسان، وعن أبي حنيفة أن المسلمين من الجنات لا يكون في الجنة ولا في النار، ولعل مراده عدم كونه أصالة، وفي رواية عنه لا أدري أين يكونون كما قال:
~ من قال لا أدري لما لا يدرِه ... فقد اقتدى في الفقهِ بالنعمانِ
~ في الدهر والخنثى كذلك جوابه ... ودخول أطفال ووقت ختان
ونقل أن أبا حنيفة رحمه الله ناظر مالكاً رحمه الله الكلام في مسألة الباب، فقرأ أبو حنيفة آية ثم قرأ مالك رحمه الله ثم قرأ أبو حنيفة فسكت مالك رحمه الله.
قوله: (عن عبد الله أنه كان) هذا يدل صراحة على كون عبد الله معه عليه الصلاة والسلام في ليلة الجن ويفيدنا في الوضوء بالنبيذ وأنكره الشافعية بقول ابن عبد الله لو كان أبي معه عليه الصلاة والسلام لعُد من مناقبنا، ونقول: لعل ابنه لم يعلم والأمر أنه أراد ليلة الجن الواردة في القرآن لا غيرها من الليالي.
باب ما جاء في الاستنجاء بالماء
[19] الجمع بين الأحجار والماء أفضل، وفي زماننا أكيد، وفي الكنز: والجمع بينهما حسن، وعبارة الترمذي أيضاً يحتمل الجمع وعدمه، وأما في البول فلعله يضطر إلى القول بالجمع بسبب رواية مغيرة «أنه عليه الصلاة والسلام قضى حاجته وكنت قائماً بعيداً منه، فجاء وطلب الماء» ويدل هذا ضرورة على أنه، أتاه بدون الاستنجاء بالأحجار.
باب ما جاء أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب
[20] المذهب مصدر ميمى ومعنى بَعُدَ المجرد (دورهوا) وأبعد المزيد (دوري كي) ، ولا يخلو من المبالغة ويقال لمثل هذا: إدخال المزيد على المجرد، وقال أرباب المعاني: إذا لم يتعلق الغرض بالمفعول ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم، فوضح الفرق بين أخذت اللجام وأخذت باللجام فإن معنى الأول (يس نى لگام پكرط ا) ومعنى الثاني (يس نى لگام كى ساته أخذ كافعل كيا) .
قوله: (يرتاد لبوله. . إلخ) الارتياد من الرود طلب الشيء.
قوله: (أبو سلمة عبد الله. . الخ) هذا تابعي فقيه من الفقهاء السبعة من التابعين، الذي قال الدميري: إذا كُتبت أسماؤهم ووُضِعت في الحبوب لا تأكله السوس والأسماء هذه:
~ ألا كل من لا يقتدي بأئمةٍ ... فقسمته ضيزى عن الحقِّ خارجةْ
~ فخذهم: عبيدُ الله عروةُ قاسمُ ... سعيدُ أبو بكرٍ سليمانُ خارجةْ
باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل
[21] قوله: (فإن عامة الوسواس منه) قيل: إن الوسواس من رشاش البول، وفي زهر الربى على النسائي (ص15) : أن الوسواس معناه حديث النفس والأفكار، والمصدر بالكسر، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللمم، وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللمم طرف من الجنون، ويقال أيضاً: أصاب فلاناً لمَّةُ من الجن وهو المس انتهى، وفيه في تلك الصفحة أن المستَحَم أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي موضع كان، ذَكَرَ ثعلب أن الحميم من الأضداد أي الماء الحار والبارد.
وعامة الشيء معظمة وجميعه انتهى، وقال النحاة: إن لفظ عامة لا يستعمل مضافاً بل حالاً، لكن التفتازاني ذكر في خطبة شرح المقاصد وقوعها في كتاب عمر مضافاً، أقول: لما وجد في كلام عمر فلا يعبأ بما قال النحاة، وقال بعضهم: إن تفسير عامة الوسواس أنه نسيان، فإنه يوجب النسيان مثل الأشياء الأخر السبعة، وتمسك بحديث لا ينبغي عليه إطلاق لفظ الحديث وإسناده منكر.
قوله: (ربنا الله لا شريك له) هذا القول يدل على أن ابن سيرين لم يبلغه الحديث وإلا فلم يقل مثل هذا القول، وليس في هذا القول أن المخاطب يعتقد الشرك ـ عياذ بالله ـ بل هذا من المحاورات؛ كما يقول أحد لأخيه المسلم لا ترح إلى بلدة فلان فإنها مطعونة، ويقول الآخر لا شريك لله.
باب ما جاء في السواك
[22] اختلف في أن السواك من سنن الوضوء أو الصلاة، قال أبو حنيفة بالأول، وقال الشافعي رحمه الله بالثاني، والأحاديث من الطرفين، وتأول بعض في الروايات التي فيها لفظ الصلاة بأن المراد بالصلاة الوضوء، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في مسنده: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء» وقال في رد المحتار إن ثمرة الخلاف تظهر في رجل توضأ بالسواك وصلى الثانية والثالثة بالوضوء الأول فعندنا قد أدى السنة، وعند الشافعي رحمه الله لم يؤدها، أقول لا خلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله لما صرح الشيخ في فتح القدير استحباب السواك في مواضع عديدة منها القيام إلى الصلاة، فإن قيل: بين السنة والمستحب فرق، وقلنا بالاستحباب لا بالسنة، قلت: لا تدافع بين السنة والمستحب، فإن أحداً يقول باستحباب شيء، والثاني السنية، ولا يقول إنهما مخالفان ولهذا لم يذكر الطحاوي الخلاف بين مذهبين، وغاية ما في الباب اختلاف النظر لا العمل، أي هل هو سنة الوضوء أو سنة الصلاة؟ فالحنفية لمّا رأوه أليق بالتطهير ألحقوه بالوضوء ولنا على هذا ما أخرجه الطحاوي ط (3) أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة ولو كان على وضوء، فأتاه جبريل فقال: يجزئك السواك عند كل صلاة، فدل على كون السواك من أجزاء الوضوء.
قوله: (لأمرتهم بالسواك) قال محي الدين النووي: يستفاد من هذا أن الأمر للوجوب فإن السنية باقية الآن أيضاً أقول: كان السواك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واجباً، وقال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» أي لأجعله عليهم أيضاً واجباً.
قوله: (أما محمد فزعم إلخ) قال حافظ من الحفاظ:، إن الترمذي يأتي بالأحاديث الغير المشتهرة في الباب لعل غرضه الاطلاع على القاعدة الجديدة لأن البخاري شيخه قد أتى بها والترمذي يأتي بغيرها.
[23] قوله: (ولأخرت العشاء) للأحناف فيه قولان، قيل: يستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وقيل: يستحب إلى نصف الليل، ووجه القولين مذكور في مبسوطات الفقه، وأما تأخير العشاء إلى طلوع الفجر فمكروه تحريماً أو تنزيهاً، واختار الطحاوي الثاني، وهو المختار عند المحقق ابن أمير حاج.
وأقول: يستثنى من هذا المسافر.
قوله: (ألا استن) الاستنان مأخوذ من السن وهو إمرار السواك على السن.
قوله: (وفي الباب إلخ) هذا يدل على أن حديث السواك متواتر إسناداً أما المتواتر عملاً فلا ريب فيه.
باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها
[24] قال النووي: قال الشافعي وغيره من العلماء: معناه إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة، فإذا ناموا عرقوا فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع المخرج، وقال البيضاوي: عُلم بذلك أن الباعث على أمر بذلك احتمال النجاسة انتهى زهر الربى على المجتبى
ص (4) والمذاهب في مسألة الباب مذكورة بتفصيلها في الكتاب، ومن استنجى بالأحجار ثم أدخل يده في الماء لا يتنجس عندنا، وقيل: يتنجسُ، والمختار الأول، وبعض الأشياء يتنجس بعد التطهر إذا أصابه بلل عند بعضنا، منها موضع الاستنجاء ومنها الحوض النجس المتطهر بالجفاف إذا أصابه ماء ينجس ومنها الإهاب المدبوغ بالجفاف يتنجس إذا ابتل، والتفصيل في كتب الفقه، والله أعلم بالصواب وعلمه أتم.
مسألة: إذا أدخل الجنب يده شيء الماء ولم يغسلها وليس شيء من النجاسة على يده لا يفسد الماء بل لا يصير مستعملاً أيضاً إن كان للاغتراف وحديث الباب بظاهره يدل على تنجيس الماء وإن كانت قليلة وإن لم يتغير اللون أو الطعم أو الريح فيفيدنا في مسألة المياه، وأجاب ابن القيم في تهذيب السنن: بأن لليد ملامسة بالشيطان في النوم فغسل اليد قبل الغمس من أحكام الطهارة الروحانية لا الفقهية، فقيل له: إنه محض احتمال، وإنما جاء «يبيت الشيطان على الخياشيم لا اليد» ويرده ما أخرجه الدارقطني وابن خزيمة في صحيحه «فإنه لا يدري أين باتت يده منه» فلا تعلق للشيطان بسبب زيادة لفظ منه، أي من جسده، وقال الشيخ في فتح القدير: حديث الباب لا يصلح استدلالاً لنا على تنجس الماء القليل بدون تقييد بسبب الاحتمال المذكور، أقول: إسقاطه من المستدلات غير صحيح، وقال الشيخ: يمكن أن تكون علة المنع كراهة المسلم، أقول: الكراهة. لا يتحقق بدون احتمال النجاسة فإن الكراهة ليست بحكم مستقل عندنا، ولعله أراد كراهة الفعل.
قوله: (الوليد بن مسلم) هذا يدلس تدليس التسوية عن الأوزاعي وقيل: له لمَ تدلس؟ قال: لأجل الأوزاعي، وقيل: بل ضيعته لأن الأوزاعي ثقة وفي أسانيده إذا كانوا ضعفاء أسقطتهم يزعم المحدثون التدليس عن الأوزاعي أو يضعونه، أولم تسقطهم يحكمون بالضعف ليس بسبب الأوزاعي فلم يصغ الوليد إلى فلهذا أدنى الإصغاء.
قوله: (قال الشافعي! أحب. . لكل إلخ) كثر في موطأ محمد بن حسن لفظ أحب وينبغي، ومثلها عند المتقدمين قد يستعمل في الفريضة أيضاً.
باب ما جاء في التسمية عند الوضوء
[25] نسب إلى داود الظاهري وجوب التسمية عند الوضوء وكذلك رواية عن أحمد بن حنبل، أقول: لم يرد الوجوب عن أحمد، وتفرد بالوجوب منا الشيخ ابن الهمام وجد على تفرده، وكذلك تفرد في بعض المسائل، وقال تلميذه العلامة قاسم بن قطلوبفا: لا تقبل تفردات شيخنا، وقال ابن الهمام: إن لفظة لا لنفي الكمال مجاز، ولنفي الأصل حقيقة، فهو ههنا على الحقيقة، وإنما قلنا بالوجوب كيلا يلزم الزيادة بخبر الواحد على القاطع، ثم قال تحت بحث الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب: إن لفظة لا مشتركة بين النفيين فبين كلاميه تناف، وأقول: إنها لنفي الأصل حقيقة، وإما لنفي الكمال فبإنزال الناقص منزلة المعدوم وهذا ليس بمجاز لأنه تغيير في المصداق لا في الدلالة، وأما التسمية فليس عليه تعامل كثير من السلف ليقال بالوجوب وأما الحديث فضعيف، وقال الإمام أحمد: ما وجدت في هذا حديثاً صحيحاً، فلا بد من كون التسمية مستحبة. وقيل: المراد من التسمية النية، ونسب هذا إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولكن ذكر الاسم في أمثاله لإرادة التلفظ باللسان، وحسَّن الحديث ابن الهمام، وتمسك الطحاوي لعدم وجوب التسمية بحديث مهاجر بن قنفذ «أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ فسلَّم عليه أحد فرد عليه بعد الفراغ عن الوضوء، وقال: لم أرد عليك لأني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» وقال صاحب البحر: إن تمسك الطحاوي ليس بصحيح لأنه ينبغي الاستحباب أيضاً ولا ننفيه، وإنما أراد الطحاوي ذلك الوضوء، وقد ذكر أيضاً في كتابه: إن الذكر كان ممنوعاً في الحدث ثم نسخ. ثم إن لفظ تسميته عليه الصلاة والسلام في الوضوء كما روى الطبراني في معجمه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في ابتداء الوضوء: «بسم الله والحمد الله» ، وحسن العيني إسناده والشيخ نور الدين الهيثمي أيضاً.
(ف) الأخبار الآحاد التي لم تبلغ مرتبة الضرورة موكولة إلى رأي المجتهد والتأويل في ضروريات الدين غير مسموع والمأوِّل فيها كافر كما في الخيالي وكما قال تقي الدين بن دقيق العيد،
وهو في فتح المغيث. (ف) في كتب الفقه: إن الرجوع عن التقليد بعد العمل غير جائز، مراده أن مسألة بتحققه عند أحد تتحقق فعل شيئاً على تلك المسألة والتحقيق ثم بدا له بعد العمل أن عمله لا يصح على تحقيقه فيقول: أختار تحقيقاً آخر فإنه ممنوع عنه، مثل: إن صلى حنفي ثم ظهر له بعد الصلاة أن جسده كان يسيل منه الدم، فيقول: أختار مذهب الشافعي، فهذا غير جائز، وحكي أن أبا يوسف رحمه الله صلى ثم بدا له أن في الماء فأرة، والماء كان أزيد من قلتين، فقال بعد صلاته واطلاعه على الفأره فيه: إنا لنعمل بقول إخوتنا أهل الحجاز، أقول: إنه لا يقدح فإن بعد تسليم هذه الواقعة يمكن أن يكون مراده أسلوب الحكيم، وغرضه أنا نحكم بنجاسة الماء عند العلم بالنجاسة كما هو مذهبه فصحت صلاته، وإنما كان الرجوع غير جائز لتوارث السلف لأنه لم يثبت عن أحد منهم مثل هذا الرجوع، نعم ثبت الرجوع عن تحقيق إلى تحقيق آخر وهو جائز كما أن الشافعي رحمه الله كان يقول أولاً بعدم وجوب القراءة خلف الإمام في الجهرية، ورجع عنه قبل موته بسنتين، وقال بوجوبها، ولم يقضي ما كان أدى على التحقيق الأول من الصلوات، وكذلك نظائر أخر لا تحصى.
وأما الاقتداء خلف مخالف في الفروع كاقتداء حنفي خلف شافعي، أو عكسه أو غيرهما، ففيه أقوال عديدة، قال صاحب الهداية في باب الوتر (ص125) بالجواز، ثم قال صاحب البحر: إن بعد الجواز قولين؛ قول: إن العبرة لرأي الإمام لا للمقتدي وقول أن العبرة لرأي المقتدي وقال نوح الأفندي محشى الدر الفرر: إن العبرة للإمام والمقتدي فإن راعى الإمام المسائل المختلفة فيها صحت الصلاة وإلا فلا، وقيل: إن المقتدي لو وجد وشاهد ما ينقض الوضوء على مذهبه لا تصح وإلا صحت ولا يجب عليه السؤال عن الإمام، مثل إن شاهد حنفي مقتدٍ سيلانَ الدم من إمامه الشافعي فتفسد صلاته وإلا صحت، ولا يجب عليه سؤال هل سال دمه أم لا؟ أقول: أن العبرة لرأي الإمام، والدليل هو: توارث السلف فإنهم كانوا يقتدون خلف كل واحد بلا نكير مع كونهم مختلفين في الفروع، ويتمشون على تحقيق إمامهم، وأما إذا صلوا منفردين في بيوتهم فيتمشون على تحقيقاتهم، وحج أبو حنيفة رحمه الله خمسين حجاً، وكان في مكة كثير من السلف مخالفين وله في الفروع لم يثبت منه النكير خلف أحد منهم.
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: إن الدم الكثير مفسد والقليل غير مفسد.
وقال مالك رحمه الله: كلاهما غير مفسد.
وقيل لأحمد: لو وجدت مالك بن حنبل أنس هل تقتدي خلفه؟ قال: لم لا أقتدي؟
وفي فتاوى الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى في المجلد الثاني: أن القاضي أبا يوسف رحمه الله اقتدى خلف هارون الرشيد الخليفة هو وكان الرشيد مفتصداً، والحال أن الدم مفسد للصلاةِ والوضوء عند أبي يوسف إلا أن مالكاً رحمه الله كان أفتى هارون الرشيد بعدم نقض الوضوء بالدم ولو سائلاً، فعُلم أن العبرة لرأي الإمام، ونقل ابن الهمام عن شيخه سراج الدين قارئ الهداية: أن نفي الاقتداء خلف المخالف من المتأخرين لا من المتقدمين، ثم أورد ابن الهمام عليه بمسألة الجامع الصغير، وعندي لا يرد على قارئ الهداية ما في الجامع الصغير، لأن القبلة من الحسيات لها سبيل إلى درك الواقع بخلاف أكثر المسائل الاجتهادية، ولو اقتدى حنفي شافعياً في الوتر، وسلَّم الشافعي على الشفعة ثم أتم الوتر كما هو مذهب الشوافع لا تفسد صلاة الحنفي كما قال ابن وهبان في منظومه:
~ ولو حنفي قام خلف مسلم ... لشفع ولم يوتر وثم فموتر
ولا يتوهم أن في الاقتداء خلف المخالف خروجاً عن المذهب، فإنه غلط فإنا لو سئلنا مثلاً: إن صلاة الشافعي مع الدم هل هي صحيحة على رأيه أم لا؟ فلا بد من أن تقول بصحة صلاته. (واقعة) : مَرَّ الدامغاني عند مسجد أبي إسحاق الشيرازي الشافعي، فإذا كان وقت الصلاة قريباً فدخل الدامغاني الحنفي، فامر أبو إسحاق المؤذنَ أن لا يرجِّع، وقدم الدامغاني فصلى بهم الدامغاني صلاة الشوافع، (ف) : الحق في موضع الخلاف واحدُ ودائر وهو المشهور عند أرباب الأصول، وقيل: الحق متعدد ونسب هذا إلى المعتزلة وصرح في فتح الباري بأنه مروي عن الأئمة الأربعة، وهو مذهب الصاحبين ومختار الشاه ولي الله في عقد الجيد، وفي جمع الجوامع أنه قول الأشعري، ومع هذا لا
يجوز الخروج عن تحقيق نفسه، والمسألة طويلة الذيل وسيجئ بعض بحثه في الترمذي في حديث: «الحرام بيِّن والحلال بيِّن وبينهما متشابهات» الخ. وفي ذلك الحديث بحث طويل لكنه يليق بشأن المجتهد وذكر فيه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد المالكي الشافعي شيئاً لطيفاً.
باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق
[27] المضمضة: تحريك الماء في الفم، والاستنشاق بالشين والقاف (كشيدن بادوربني) ، والاستنثار بالثاء المثلثة والراء المهملة: إخراج الشيء من الأنف.
قوله: (فإذا استجمرت فأوتر) الاستجمار الاستنجاء بالحجر، ونسب إلى مالك بن أنس رحمه الله: تبخير الكفن وتجميره، وحكى الأصمعي عنه الأول كما في الديباج المذهب، تمسك الشافعية بحديث الباب على وجوب الإيتار، ولنا حديث: «مَن فعلَ فقد أحسن ومن لا فلا حرج، كما قيل في موضعه، وأما المضمضة والاستنشاق فقال الشافعية بالوصل، ونقول بالفصل، ودليلنا سيأتي من عمل عثمان وعلي: أنهما أفردا المضمضة عن الاستنشاق، أخرجه ابن السكن في صحيحه.
قوله: (يعيد في الجنابة الخ) هذا مذهبنا، وقلنا بأن آية: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] تدل على