الجزء 1 · صفحة 14
المجلد الأول
مقدمة
...
" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "
حديث شريف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعلى معالم العلم وأعلامه وأظهر شعائر الشرع وأحكامه وبعث رسلا وأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين إلى سبل الحق هادين وأخلفهم علماء إلى سنن سنتهم داعين يسلكون فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد مسترشدين منه في ذلك وهو ولي الإرشاد وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ.
وقد جرى علي الوعد في مبدإ بداية المهتدي أن أشرحها بتوفيق الله تعالى شرحا أرسمه بـ كفاية المنتهى فشرعت فيه والوعد يسوغ بعض المساغ وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ تبينت فيه نبذا من الإطناب وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب فصرفت العنان والعناية إلى شرح آخر موسوم بـ الهداية أجمع فيه بتوفيق الله تعالى بين عيون الرواية ومتون الدراية تاركا للزوائد في كل باب معرضا عن هذا النوع من الإسهاب مع ما أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامها ويختم لي بالسعادة بعد اختتامنها حتى أن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني فافتتحه مستعينا بالله تعالى في تحرير ما أقاوله متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله إنه الميسر لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الجزء 1 · صفحة 15
كتاب الطهارات
باب: الوضوء
مدخل
...
كتاب الطهارات
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية، " ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس " بهذا النص والغسل هو الإسالة والمسح هو الإصابة وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها " والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل " عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى هو يقول الغاية لا تدخل تحت المغيا كالليل في باب الصوم.
ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل وفي باب الصوم لمد الحكم إليها إذ الاسم يطلق على الإمساك ساعة والكعب هو العظم الناتئ هو الصحيح ومنه الكاعب.
قال: " والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس " لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه والكتاب مجمل فالتحق بيانا به وهو حجة على الشافعي في التقدير بثلاث شعرات وعلى مالك في اشتراط الاستيعاب وفي بعض الروايات قدره بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى بثلاث أصابع من أصابع اليد لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح.
قال: "وسنن الطهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه" لقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده " ولأن اليد آلة التطهير فتسن البداءة بتنظيفها وهذا الغسل إلى الرسغ لوقوع الكفاية به في التنظيف.
قال: " وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء " لقوله عليه الصلاة والسلام: " لا وضوء لمن لم يسم الله " والمراد به نفي الفضيلة. والأصح أنها مستحبة وإن سماها في الكتاب سنة ويسمى قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح.
قال: " والسواك " لأنه عليه الصلاة والسلام كان يواظب عليه وعند فقده يعالج
الجزء 1 · صفحة 16
بالأصبع، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك والأصح أنه مستحب.
قال: " والمضمضة والاستننشاق " لأنه عليه الصلاة والسلام فعلهما على المواظبة.
وكيفيته أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك هو المحكي عن وضوئه صلى الله عليه وسلم " ومسح الأذنين " وهو سنة بماء الرأس عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام: " الأذنان من الرأس " والمراد بيان الحكم دون الخلقة.
قال: " وتخليل اللحية " لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمره جبريل عليه السلام بذلك وقيل هو سنة عند أبي يوسف رحمه الله جائز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن السنة إكمال الفرض في محله والداخل ليس بمحل الفرض.
قال: " وتخليل الأصابع " لقوله عليه الصلاة والسلام: " خللوا أصابعكم كي لا تتخللها نار جهنم " ولأنه إكمال الفرض في محله.
قال: " وتكرار الغسل إلى الثلاث " لأن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به " وتوضأ مرتين مرتين وقال: " هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين " وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم " والوعيد لعدم رؤيته سنة.
قال: " ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة " فالنية في الوضوء سنة عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى فرض لأنه عبادة فلا تصح بدون النية كالتيمم ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية ولكنه يقع مفتاحا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة أو هو ينبئ عن القصد " ويستوعب رأسه بالمسح " وهو سنة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول ولنا أن أنسا رضي الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة وقال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يروى من التثليث محمول عليه بماء واحد وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولأن المفروض هو المسح وبالتكرار يصير غسلا ولا يكون مسنونا فصار كمسح الخف بخلاف الغسل لأنه لا يضره التكرار.
قال: " ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن " فالترتيب في الوضوء سنة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى فرض لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] الآية والفاء للتعقيب ولنا أن المذكور فيها حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فتقتضي إعقاب غسل جملة الأعضاء والبداءة بالميامن
الجزء 1 · صفحة 17
فضيلة لقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل ".
فصل في نواقض الوضوء
" المعاني الناقضة للوضوء كل ما يخرج من السبيلين " لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الحدث قال: " ما يخرج من السبيلين " وكلمة ما عامة فتتناول المعتاد وغيره " والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير والقي ملء الفم " وقال الشافعي رحمه الله: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ ولأن غسل غير موضع الإصابة أمر تعبدي فيقتصر على مورد الشرع وهو المخرج المعتاد ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: " الوضوء من كل دم سائل " وقوله عليه الصلاة والسلام: " من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته مالم يتكلم " ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة وهذا القدر في الأصل معقول والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول لكنه يتعدى ضرورة تعدي الأول غير أن الخروج إنما يتحقق بالسيلان إلى موضع يلحقه حكم التطهير وبملء الفم في القيء لأن بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها فتكون بادية لا خارجة بخلاف السبيلين لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة فيستدل بالظهور على الانتقال والخروج وملء الفم أن يكون بحال لا يمكن ضبطه إلا بتكلف لأنه يخرج ظاهرا فاعتبر خارجا وقال زفر رحمه الله تعالى قليل الفيء وكثيره سواء وكذا لا يشترط السيلان عنه اعتبارا بالمخرج المعتاد ولإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: " القلس حدث " ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: " ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا " وقول علي رضي الله تعالى عنه حين عد الأحداث جملة أو دسعة تملأ الفم وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي رحمه الله على القليل وما رواه زفر رحمه الله على الكثير والفرق بين المسلكين قد بيناه ولو قاء متفرقا بحيث لو جمع يملأ الفم فعند أبي يوسف رحمه الله يعتبر اتحاد المجلس وعند محمد رحمه الله يعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان ثم مالا يكون حدثا لا يكون نجسا يروى ذلك عن أبي يوسف رحمه الله تعالى وهو الصحيح لأنه ليس بنجس حكما حيث لم تنتقض به الطهارة " وهذا إذا قاء مرة أو طعاما أو ماء فإن قاء بلغما فغير ناقض " عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: ناقض إذا كان ملء الفم والخلاف في المرتقى من الجوف أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق لأن الرأس ليس بموضع النجاسة لأبي يوسف رحمه الله أنه نجس بالمجاورة
الجزء 1 · صفحة 18
ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة وما يتصل به قليل والقليل في القيء غير ناقض " ولو قاء دما هو علق يعتبر فيه ملء الفم لأنه سودءا محترقة " وإن كان مائعا فكذلك عند محمد رحمه الله اعتبارا بسائر أنواعه وعندهما إن سال بقوة نفسه ينتقض الوضوء وإن كان قليلا لأن المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحه في الجوف " ولو نزل " من الرأس " إلى ما لأن من الأنف نقض بالإتفاق " لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير فيتحقق الخروج " والنوم مضطجعا أو متطئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط " لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المافصل فلا يعرى عن خروج شيء عادة والثابت عادة كالمتيقن به والاتكاء يزيل مسكة اليقظة لزوال المقعد عن الأرض ويبلغ الاسترخاء عايته بهذا النوع من الاستناد غير أن السند يمنعه من السقوط بخلاف النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرهما في الصحيح لأن بعض الاستمساك باق إذ لو زال لسقط فلم يتم الإسترخاء والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: " لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا " فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصلة " والغلبة على العقل بالإغماء والجنون " لأنه فوق النوم مضطجعا في الاسترخاء والإغماء حدث في الأحوال كلها وهو القياس في النوم إلا أنا عرفناه بالأثر والإغماء فوقه فلا يقاس عليه " والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود " والقياس أنها لا تنقض وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأنه ليس بخارج نجس ولهذا لم يكن حدثا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وخارج الصلاة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: " ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا " وبمثله يترك القياس والأثر ورد في صلاة مطلقة فيقتصر عليها والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه وهو على ما قيل يفسد الصلاة دون الوضوء " والدابة تخرج من الدبر ناقضة فإن خرجت من رأس الجرح أو سقط اللحم لا تنقض " والمراد بالدابة الدودة وهذا لأن النجس ما عليها وذلك قليل وهو حدث في السبيلين دون غيرهما فأشبه الجشاء والفساء بخلاف الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل لأنها لا تنبعث عن محل النجاسة حتى لو كانت المرأة مفضاة يستحب لها الوضوء لاحتمال خروجها من الدبر " فإن قشرت نقطة فسال منها ماء أو صديد أو غيره إن سال عن رأس الجرح نقض وإن لم يسل لا ينقض " وقال زفر رحمه الله تعالى ينقض في الوجهين. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا ينقض في الوجهين وهي مسألة الخارج من غير السبيلين، وهذه الجملة نجسة لأن الدم ينضج فيصير قيحا ثم يزداد نضجا فيصير صديدا ثم يصير ماء، هذا
الجزء 1 · صفحة 19
إذا قشرها فخرج بنفسه أما إذا عصرها فخرج بعصره لا ينقض لأنه مخرج وليس بخارج والله أعلم.
فصل في الغسل
" وفرض الغسل: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن " وعند الشافعي رحمه الله تعالى هما سنتان فيه لقوله عليه الصلاة والسلام: " عشر من الفطرة " أي من السنة وذكر منها " المضمضة والاستنشاق " ولهذا كانا سنتين في الوضوء ولنا قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] وهو أمر بتطهير جميع البدن إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج عن النص بخلاف الوضوء لأن الواجب فيه غسل الوجه والمواجهة فيهما منعدمة والمواد بما روي حالة الحدث بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: " إنهما فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء ".
قال: " وسنته أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل نجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأوضوءه للصلاة إلا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه " هكذا حكت ميمونة رضي الله عنها اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل فلا يفيد الغسل حتى لو كان على لوح لا يؤخر وإنما يبدأ بإزالة النجاسة الحقيقية كيلا تزداد بإصابة الماء " وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر " لقوله عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي الله عنها: " أما يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك " وليس عليها بل ذوائبها هو الصحيح بخلاف اللحية لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثنائها.
قال: " والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة " وعند الشافعي رحمه الله تعالى خروج المني كيفما كان يوجب الغسل لقوله عليه الصلاة والسلام: " الماء من الماء " أي الغسل من المني ولنا أن الأمر بالتطهير يتناول الجنب والجنابة في اللغة خروج المني على وجه الشهوة يقال أجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة والحديث محمول على خروج المني عن شهوة ثم المعتبر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى انفصاله عن مكانه على وجه الشهوة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى ظهوره أيضا اعتبارا للخروج بالمزايلة إذ الغسل يتعلق بهما ولهما أنه مني وجب من وجه فالاحتياط في الإيجاب " والتقاء الختانين من غير إنزال " لقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل "
الجزء 1 · صفحة 20
ولأنه سبب الإنزال ونفسه يتغيب عن بصره وقد يخفى عليه لقلته فيقام مقامه وكذا الإيلاج في الدبر لكمال السببية ويجب على المفعول به احتياطا بخلاف البهيمة وما دون الفرج لأن السببية ناقصة. قال: " والحيض " لقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بالتشديد وكذا النفاس للإجماع.
قال: " وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين وعرفة والإحرام " نص على السنية وقيل هذه الأربعة مستحبة وسمى محمد رحمه الله تعالى الغسل يوم الجمعة حسنا في الأصل وقال مالك رحمه الله هو واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: " من أتى الجمعة فليغتسل " ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل " وبهذا يحمل ما رواه على الاستحباب أو على النسخ ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى هو الصحيح لزيادة فضيلتها على الوقت واختصاص الطهارة بها وفيه خلاف الحسن والعيدان بمنزلة الجمعة لأن فيهما الاجتماع فيستحب الاغتسال دفعا للتأذي بالرائحة وأما في عرفة والإحرام فسنبينه في المناسك إن شاء الله تعالى قال: " وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء " لقوله عليه الصلاة والسلام: " كل فحل يمذي وفيه الوضوء "، والودي الغليظ من البول يتعقب الرقيق منه خروجا فيكون معتبرا به. والمني خاثر أبيض ينكسر منه الذكر والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والتفسير مأثور عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
باب: الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز
مدخل
...
باب الماء الذي يجوز به الوضوء ومالا يجوز
" الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار والبحا ر" لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] وقوله عليه الصلاة والسلام " الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " وقوله عليه الصلاة والسلام في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ومطلق الاسم ينطلق على هذه المياه قال: " ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر " لأنه ليس بماء مطلق والحكم عند فقده منقول إلى التيمم والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية فلا تتعدى إلى غير المنصوص عليه وأما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضي به لأنه ماء يخرج من غير علاج ذكره في جوامع أبي يوسف رحمه الله وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار. قال: " ولا " يجوز " بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الباقلا والمرق وماء الورد وماء
الجزء 1 · صفحة 21
الزردج " لأنه لا يسمى ماء مطلقا والمراد بماء الباقلا وغيره ما تغير بالطبخ فإن تغير بدون الطبخ يجوز التوضي به.
قال: " وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي اختلط به اللبن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان " قال الشيخ الإمام: أجري في المختصر ماء الزردج مجرى المرق والمروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح كذا اختاره الناطفي والإمام السرخسي رحمه الله تعالى وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز التوضي بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض لأنه ماء مقيد ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران بخلاف أجزاء الأرض لأن الماء لا يخلو عنها عادة ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين ولأن الخلط القليل لا معتبر به لعدم إمكان الإحتراز عنه كما في أجزاء الأرض فيعتبر الغالب والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح " فإن تغير بالطبخ بعدما خلط به غيره لا يجوز التوضي به " لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه لأن الميت قد يغسل بالماء الدي أغلى بالسدر بذلك وردت السنة إلا أنيغلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط لزوال اسم الماء عنه " وكل ماء وقعت فيها لنجاسة لم يجز الوضوء به قليلا كانت النجاسة أو كثيرا " وقال مالك رحمه الله: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه لما روينا وقال الشافعي رحمه الله يجوز إذا كان الماء قلتين لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " ولنا حديث المستيقظ من منامه، وقوله عليه الصلاة والسلام " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة " من غير فصل والذي رواه مالك رحمه الله تعالى ورد في بئر بضاعة وماؤها كان جاريا في البساتين وما رواه الشافعي رحمه الله ضعفه أبو داود وهو يضعف عن احتمال النجاسة "والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء " والأثر: هو الرائحة أو الطعم أو اللون والجاري: مالا يتكرر استعماله، وقيل ما يذهب بتبنة قال: " والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه " إذ أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يعتبر التحريك بالاغتسال وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وعنه التحريك باليد وعن محمد رحمه الله تعالى بالتوضي ووجه الأول أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضي،
الجزء 1 · صفحة 22
وبعضهم قدروا بالمساحة عشرا في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح وقوله في الكتاب جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه كالماء الجاري.
قال: " وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها " وقال الشافعي رحمه الله تعالى يفسده لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة بخلاف دود الخل وسوس الثمار لأن فيه ضرورة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيه " هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه " ولأن المنجس هو اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت حتى حل المذكى لانعدام الدم فيه ولا دم فيها والحرمة ليست من ضرورتها النجاسة كالطين. قال: " وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان " وقال الشافعي رحمه اله يفسده إلا السمك لما مر ولنا أنه مات في معدنه فلا يعطى له حكم النجاسة كبيضة حال محها دما ولأنه لا دم فيها إذ الدموي لا يسكن الماء والدم هو المنجس وفي غير الماء قيل غير السمك يفسده لانعدام المعدن وقيل لا يفسده لعدم الدم وهو الأصح والضفدع البحري والبري فيه سواء وقيل البري مفسد لوجود الدم وعدم المعدن وما يعيش في الماء ما يكون توالده ومثواه في الماء ومائي المعاش دون مائي المولد مفسد.
قال: " والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث " خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله هما يقولان إن الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع وقال زفر رحمه الله وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله إن كان المستعمل متوضئا فهو طهور وإن كان محدثا فهو طاهر غير طهور لأن العضو طاهر حقيقة وباعتباره يكون الماء طاهرا لكنه نجس حكما وباعتباره يكون الماء نجسا فقلنا بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة عملا بالشبهين وقال محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو طاهر غير طهور لأن ملاقاة الطاهر لا توجب التنجس إلا أنه أقيمت به قربة فتغيرت به صفته كمال الصدقة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى هو نجس، لقوله عليه الصلاة والسلام " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " الحديث، ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية فيعتبر بماء أزيلت به النجاسة الحقيقية ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه نجس نجاسة غليظة اعتبارا بالماء المستعمل في النجاسة الحقيقية وفي رواية أبي يوسف عنه رحمه الله تعالى وهو قوله إنه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف.
الجزء 1 · صفحة 23
قال: " والماء المستعمل: هو ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة " قال رضي الله عنه: وهذا عند أبي يوسف رحمه الله وقيل هو قول أبي حنيفة رحمه الله أيضا وقال محمد رحمه الله لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه وأنها تزال بالقرب وأبو يوسف رحمه الله يقول إسقاط الفرض مؤثر أيضا فيثبت الفساد بالأمرين ومتى يصير الماء مستعملا الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملا لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده والجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى الرجل بحاله لعدم الصب وهو شرط عنده لإسقاط الفرض والماء بحاله لعدم الأمرين وعند محمد رحمه الله تعالى كلاهما طاهران الرجل لعدم اشتراط الصب والماء لعدم نية القربة وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كلاهما نجسان الماء لإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة والرجل لبقاء الحدث في بقية الأعضاء وقيل عنده نجاسة الرجل بنجاسة الماء المستعمل وعنه أن الرجل طاهر لأن الماء لا يعطى له حكم الاستعمال قبل الانفصال وهو أوفق الروايات عنه.
قال: " وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي " لقوله عليه الصلاة والسلام " أيما إهاب دبغ فقد طهر " وهو بعمومه حجة على مالك رحمه الله في جلد الميتة ولا يعارض بالنهي الوارد عن الإنتفاع من الميتة بإهاب وهو قوله عليه الصلاة والسلام " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب " لأنه اسم لغير المدبوغ وحجة على الشافعي رحمه الله تعالى في جلد الكلب وليس الكلب بنجس العين ألا يرى أنه ينتفع به حراسة واصطيادا بخلاف الخنزير لأنه نجس العين إذ الهاء في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] منصرف إليه لقربه وحرمة الإنتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته فخرجا عما روينا ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميسا أو تتريبا لأن المقصود يحصل به فلا معنى
لاشتراط غيره ثم ما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة وكذلك يطهر لحمه هو الصحيح وإن لم يكن مأكولا. قال: " وشعر الميتة وعظمها طاهر " وقال الشافعي رحمه الله تعالى نجس لأنه من أجزاء الميتة ولنا أنه لا حياة فيهما ولهذا لا يتألم بقطعهما فلا يحلهما الموت إذ الموت زوال الحياة " وشعر الإنسان وعظمه طاهر " وقال الشافعي نجس لأنه لا ينتفع به ولا يجوز بيعه ولنا أن عدم الإنتفاع والبيع لكرامته فلا يدل على نجاسته والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 24
فصل في البئر
" وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها " بإجماع السلف ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس " فإن وقعت فيها بعرة أو بعرتان من بعر الإبل أو الغنم لم تفسد الماء " استحسانا. والقياس أن تفسده لوقوع النجاسة في الماء القليل وجه الاستحسان أن آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة والمواشي تبعر حولها فتلقيها الريح فيها فجعل القليل عفوا للضرورة ولا ضرورة في الكثير وهو ما يستكثره الناظر إليه في المروي عن أبي حنيفة رحمه الله وعليه الاعتماد ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثى والبعر لأن الضرورة تشمل الكل وفي الشاة تبعر في المحلب بعرة أو بعرتين قالوا ترمى البعرة ويشرب اللبن لمكان الضرورة ولا يعفى القليل في الإناء على ما قيل لعدم الضرورة وعن أبي حنيفة رحمه الله له أنه كالبئر في حق البعرة والبعرتين " فإن وقع فيها خرء الحمام أو العصفور لا يفسده " خلافا للشافعي رحمه الله له أنه استحال إلى نتن وفساد فأشبه خرء الدجاج ولنا إجماع المسلمين على اقتناء الحمامات في المساجد مع ورود الأمر بتطهيرها واستحالته لا إلى نتن رائحة فأشبه الحمأة " فإن بالت فيها شاة نزح الماء كله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا ينزح إلا إذا غلب على الماء فيخرج من أن يكون طهورا " وأصله أن بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده نجس عندهما له أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر العرنيين بشرب ابوال الإبل وألبانها ولهما قوله عليه الصلاة والسلام " استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه " من غير فصل ولأنه يستحيل إلى نتن وفساد فصار كبول مالا يؤكل لحمه وتأويل ما روي أنه عليه الصلاة والسلام عرف شفاءهم فيه وحيا ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل شربه للتداوي ولا لغيره لأنه لا يتيقن بالشفاء فيه فلا يعرض عن الحرمة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يحل للتداوي للقصة وعند محمد يحل للتداوي وغيره لطهارته عنده، قال: " وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها " يعني بعد إخراج الفأرة لحديث أنس رضي الله عنه أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب. قال: " فإن ماتت فيها حمامة أو نحوها كالدجاجة والسنور نزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين وفي الجامع الصغير أربعون أو خمسون " وهو الأظهر، لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه
الجزء 1 · صفحة 25
قال في الدجاجة: إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا وهذا لبيان الإيجاب والخمسون بطريق الاستحباب ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها وقيل دلو يسع فيها صاع ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز لحصول المقصود. قال: " وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء " لأن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم " فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر " لانتشار البلة في أجزاء الماء. قال: " وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء " وطريق معرفته أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلئ أو ترسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص فينزح لكل قدر منها عشر دلاء وهذان عن أبي يوسف رحمه الله وعن محمد رحمه الله نزح مائتا دلو إلى ثلثمائة فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده وعن أبي حنيفة رحمه الله في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشيء كما هو دأبه وقيل يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء وهذا أشبه بالفقه. قال: " وإن وجدوا في البئر فأرة أو غيرها ولا يدري متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها وإن كانت قد إنتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ليس عليهم إعادة شيء حتى يتتحققوا متى وقعت " لأن اليقين لا يزول بالشك وصار كن رأى في ثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن للموت سببا ظاهرا وهو الوقوع في الماء فيحال به عليه إلا أن الانتفاخ والتفسخ دليل التقادم فيقدر بالثلاث وعدم الإنتفاخ والتفسخ دليل قرب العهد فقدرناه بيوم وليلة لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها وأما مسألة النجاسة فقد قال المعلى هي على الخلاف فيقدر بالثلاث في البالي وبيوم وليلة في الطري ولو سلم فالثوب بمرأى عينه والبئر عائبة عن بصره فيفترقان.
فصل في الأسآر وغيرها
" وعرق كل شيء معتبر بسؤره " لأنهما يتولدان من لحمه فأخذ أحدهما حكم صاحبه.
قال: " وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر " لأن المختلط به اللعاب وقد تولد من لحم طاهر فيكون طاهرا ويدخل في هذا الجواب الجنب والحائض والكافر " وسؤر الكلب نجس " ويغسل الإناء من ولوغه ثلاثا لقوله عليه الصلاة والسلام " يغسل الإناء من ولوغ
الجزء 1 · صفحة 26
الكلب ثلاثا " ولسانه يلاقي الماء دون الإناء فلما تنجس الإناء فالماء أولى وهذا يفيد النجاسة والعدد في الغسل وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اشتراط السبع ولأن ما يصيبه بوله يطهر بالثلاث فما يصيبه سؤره وهو دونه أولى والأمر الوارد بالسبع محمول على ابتداء الإسلام " وسؤر الخنزير نجس " لأنه نجس العين على ما مر " وسؤر سباع البهائم نجس " خلافا للشافعي رحمه الله فيما سوى الكلب والخنزير لأن لحمها نجس ومنه يتولد اللعاب وهو المعتبر في الباب " وسؤر الهرة طاهر مكروه " وعن أبي يوسف رحمه الله أنه غير مكروه لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصغي لها الإناء فتشرب منه ثم يتوضأ به ولهما قوله عليه الصلاة والسلام " الهرة سبع " والمراد بيان الحكم دون الخلقة والصورة إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطوف فبقيت الكراهة وما رواه محمول على ما قبل التحريم ثم قيل كراهته لحرمة اللحم وقيل لعدم تحاميها النجاسة وهذا يشير إلى التنزه والأول إلى القرب من التحريم ولو أكلت فأرة ثم شربت على فوره الماء تنجس إلا إذا مكثت ساعة لغسلها فمها بلعابها والاستثناء على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ويسقط اعتبار الصب للضرورة " و "سؤر " الدجاجة المخلاة " مكروه لأنها تخالط النجاسة ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها لا يكره لوقوع الأمن عن المخالطة " و " كذا سؤر " سباع الطير " لأنها تأكل الميتات فأشبه المخلاة وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها إذا كانت محبوسة ويعلم صاحبها أنه لا قذر على منقارها لا يكره واستحسن المشايخ هذه الرواية " و "سؤر " ما يسكن البيوت كالحية والفأرة مكروه " لأن حرمة اللحم أوجبت نجاسة السؤر إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطوف فبقيت الكراهة والتنبيه على العلة في الهرة. قال " وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه " قيل الشك في طهارته لأنه لو كان طاهرا لكان طهورا ما لم يغلب اللعاب على الماء وقيل الشك في طهوريته لأنه لو وجد الماء المطلق لا يجب عليه غسل رأسه وكذا لبنه طاهر وعرقه لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش فكذا سؤره وهو الأصح ويروى نص محمد رحمه الله على طهارته وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه نجس ترجيحا للحرمة والنجاسة والبغل من نسل الحمار فيكون بمنزلته " فإن لم يجد غيرهما يتوضأ بهما ويتيمم ويجوز أيهما قدم " وقال زفر رحمه الله: لا يجوز إلا أن يقدم الوضوء لأنه ماء واجب الاستعمال فأشبه الماء المطلق ولنا أن المطهر أحدهما فيفيد الجمع دون الترتيب " وسؤر الفرس طاهر عندهما " لأن لحمه مأكول " وكذا عنده في الصحيح " لأن الكراهة لإظهار شرفه " فإن لم يجد
الجزء 1 · صفحة 27
إلا نبيذ التمر. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يتوضأبه ولا يتيمم " لحديث ليلة الجن فإن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ به حين لم يجد الماء وقال أبو يوسف رحمه الله يتيمم ولا يتوضأ به وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبه قال الشافعي رحمه الله عملا بآية التيمم لأنها أقوى أو هو منسوخ بها لأنها مدنية وليلة الجن كانت مكية وقال محمد رحمه الله تعالى يتوضأبه ويتيمم لأن في الحديث اضطرابا وفي التاريخ جهالة فوجب الجمع احتياطا قلنا ليلة الجن كانت غير واحدة فلا يصح دعوى النسخ والحديث مشهور عملت به الصحابة رضي الله عنهم وبمثله يزاد على الكتاب وأما الاغتسال به فقد قيل يجوز عنده اعتبارا بالوضوء وقيل لا يجوز لأنه فوقه والنبيذ المختلف فيه أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الأعضاء كالماء وما اشتد منها صار حراما لا يجوز التوضي به وإن غيرته النار فما دام حلوا رقيقا فهو على الخلاف وإن اشتد فعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز التوضي به لأنه يحل شربه عنده وعند محمد رحمه الله لا يتوضأبه لحرمة شربه عنده ولا يجوز التوضي بما سواه من الأبنذة جريا على قضية القياس.
باب التيمم
" ومن لم يجد ماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر يتيمم بالصعيد " لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43] وقوله عليه الصلاة والسلام " التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء " والميل هو المختار في المقدار لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم حقيقة والمعتبر المسافة دون خوف الفوت لأن التفريط يأتي من قبله " ولو كان يجد الماء إلا أنه مريض يخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه يتيمم " لما تلونا، ولأن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء وذلك يبيح التيمم فهذا أولى ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك أو بالاستعمال واعتبر الشافعي رحمه الله تعالى خوف التلف وهو مردود بظاهر النص " ولو خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه يتيمم بالصعيد " وهذا إذا كان خارج المصر لما بينا ولو كان في المصر فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما هما يقولان إن تحقق هذه الحالة نادر في المصر فلا يعتبر وله أن العجز ثابت حقيقة فلا بد من اعتباره.
" والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين " لقوله عليه الصلاة والسلام " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين " وينفض يديه بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة ولا بد من الإستيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء ولهذا
الجزء 1 · صفحة 28
قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح " والحديث والجنابة فيه سواء " وكذا الحيض والنفاس لما روي أن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا قوم نسكن هذه الرمال ولا نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء فقال عليه الصلاة والسلام " عليكم بأرضكم ".
" ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ وقال أبو يوسف لا يجوز إلا بالتراب والرمل " وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب المنبت وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43] أي ترابا منبتا قاله ابن عباس رضي الله عنه غير أن أبا يوسف زاد عليه الرمل بالحديث الذي رويناه ولهما أن الصعيد اسم لوجه الأرض سمي به لصعوده والطيب يحتمل الطاهر فحمل عليه لأنه
أليق بموضع الطهارة أو هو مراد بالإجماع " ثم لا يشترط أن يكون عليه غبار عند أبي حنيفة رحمه الله " لإطلاق ما تلونا " وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله " لأنه تراب رقيق.
" والنية فرض في التيمم " وقال زفر رحمه الله تعالى: ليست بفرض لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالفه في وصفه ولنا أنه ينبئ عن القصد فلا يتحقق دونه أو جعل طهورا في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه على ما مر " ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه ولا يشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة " هو الصحيح من المذهب " فإن تيمم نصراني يريد به الإسلام ثم أسلم لم يكن متيمما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله هو متيمم " لأنه نوى قربة مقصودة بخلاف التيمم لدخول المسجد ومس المصحف لأنه ليس بقربة مقصودة ولهما أن التراب ما جعل طهورا إلا في حال إرادة قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة والإسلام قربة مقصودة تصح بدونها بخلاف سجدة التلاوة لأنها قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة " وإن توضأ لا يريد به الإسلام ثم أسلم فهو متوضئ " خلافا للشافعي رحمه الله بناء على اشتراط النية " فإن تيمم مسلم ثم ارتد ثم أسلم فهو على تيممه " وقال زفر رحمه الله: بطل تيممه لأن الكفر ينافيه فيستوي فيه الإبتداء والبقاء كالمحرمية في النكاح ولنا أن الباقي بعد التيمم صفة كونه طاهرا فاعتراض الكفر عليه لا ينافيه كما لو اعترض على الوضوء وإنما لا يصح من الكافر ابتداء لعدم لعدم النية منه.
" وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء " لأنه خلف عنه فأخذ حكمه " وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله " لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية
الجزء 1 · صفحة 29
التراب، وخائف السبع والعدو والعطش عاجز حكما والنائم عند أبي حنيفة رحمه الله قادر تقديرا حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده والمراد ماء يكفي للوضوء لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء " ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر " لأن الطيب أريد به الطاهر في النص ولأنه آلة التطهير فلا بد من طهارته في نفسه كالماء.
" ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ وإلا تيمم وصلى " ليقع الأداء بأكمل الطهارتين فصار كالطامع في الجماعة وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى في غير رواية الأصول أن التأخير حتم لأن غالب الرأي كالمتحقق وجه الظاهر أن العجز ثابت حقيقة فلا يزول حكمه إلا بيقين مثله " ويصلى بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل " وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتيمم لكل فرض لأنه طهارة ضرورية ولنا أنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما بقي شرطه.
" ويتيمم الصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة " لأنها لا تقضى فيتحقق العجز " وكذا من حضر العبد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن يفوته العيد يتيمم " لأنها لا تعاد وقوله والولي غيره إشارة إلى أنه لا يجوز للولي وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو الصحيح لأن للولي حق الإعادة فلا فوات في حقه " وإن أحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد تيمم وبنى عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يتيمم " لأن اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام فلا يخاف الفوت وله أن الخوف باق لأنه يوم زحمة فيعتريه عارض يفسد عليه صلاته والخلاف فيما إذا شرع بالوضوء ولو شرع بالتيمم تيمم وبنى بالاتفاق لأنا لو أوجبنا الوضوء يكون واجدا للماء في صلاته فيفسد " ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت لو توضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا صلى الظهر أربعا " لأنها تفوت إلى خلف وهو الظهر بخلاف العيد " وكذا إذا خاف فوت الوقت لو توضأ لم يتيمم ويتوضأ ويقضي ما فاته " لأن الفوات إلى خلف وهو القضاء.
" والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء لم يعدها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يعيدها " والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره وذكره في الوقت وبعده سواء له أنه واجد للماء فصار كما إذا كان في رحله ثوب فنسيه ولأن رحل المسافر معدن للماء عادة فيفترض الطلب عليه ولهما أنه لا قدرة بدون العلم وهو المراد بالوجود وماء الرحل معد للشرب لا للاستعمال ومسألة الثوب على الاختلاف ولو كان على الاتفاق ففرض الستر يفوت
الجزء 1 · صفحة 30
لا إلى خلف والطهارة بالماء تفوت إلى خلف وهو التيمم " وليس على المتيمم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء " لأن الغالب عدم الماء في الفلوات ولا دليل على الوجود فلم يكن واجدا للماء "وإن غلب على ظنه أن هناك ماء لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه " لأنه واجد للماء نظرا إلى الدليل ثم يطلب مقدار الغلوة ولا يبلغ ميلا كيلا ينقطع عن رفقته " وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم " لعدم المنع غالبا فإن منعه منه تيمم لتحق العجز " ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى " لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير وقالا لا يجزئه لأن الماء مبذول عادة " ولو أبي أن يعطيه إلا بثمن المثل وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم " لتحقق القدرة ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش لأن الضرر مسقط والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 31
باب: المسح على الخفين
...
من الأصابع استحباب اعتبارا بالأصل وهو الغسل " وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد " وقال الكرخي رحمه الله تعالى من أصابع الرجل والأول أصح اعتبارا لآلة المسح " ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل فإن كان أقل من ذلك جاز " وقال زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يجوز وإن قل لأنه لما وجب غسل البادي وجب غسل الباقي ولنا أن الخفاف لا تخلو عن قليل خرق عادة فيلحقهم الحرج في النزع وتخلو عن الكبير فلا حرج والكبير أن ينكشف قدر ثلاثة أصابع من أصابع الرجل أصغرها هو الصحيح لأن الأصل في القدم هو الأصابع والثلاث أكثرها فيقام مقام الكل واعتبار الأصغر للاحتياط ولا معتبر بدخول الأنامل إذا كان لا ينفرج عند المشي ويعتبر هذا المقدار في كل خف على حدة فيجمع الخرق في خف واحد ولا يجمع في خفين لأن الخرق في أحدهما لا يمنع قطع السفر بالآخر بخلاف النجاسة المتفرقة لأنه حامل للكل وانكشاف العورة نظير النجاسة.
" ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل " لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها لا عن جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم ولأن الجنابة لا تتكرر عادة فلا حرج في النزع بخلاف الحدث لأنه يتكرر.
" وينقض المسح كل شيء ينقض الوضوء " لأنه بعض الوضوء " وينقضه أيضا نزع الخف " لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع " وكذا نزع أحدهما " لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة " وكذا مضي المدة " لما روينا " وإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء " وكذا إذا نزع قبل المدة لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين كأنه لم يغسلهما وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق لأنه لا معتبر به في حق المسح وكذا بأكثر القدم هو الصحيح " ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها " عملا بإطلاق الحديث ولأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره بخلاف ما إذا استكمل المدة للإقامة ثم سافر لأن الحدث قد سرى إلى القدم والخلف ليس برافع " ولو أقام وهو مسافر إن استكمل مدة الاقامة نزع " لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه " وإن لم يستكمل أتمها " لأن هذه مدة الاقامة وهو مقيم.
قال: " ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه " خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فإنه يقول البدل لا يكون له بدل.
الجزء 1 · صفحة 32
ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على الجرموقين ولأنه تبع للخف استعمالا وغرضا فصارا كخف ذي طاقين وهو بدل عن الرجل لا عن الخف بخلاف ما إذا لبس الجرموق بعد ما أحدث لأن الحدث حل بالخف فلا يتحول إلى غيره ولو كان الجرموق من كرباس لا يجوز المسح عليه لأنه لا يصلح بدلا عن الرجل إلا أن تنفد البلة إلى الخف " ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين وقالا يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان " لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على جوربيه ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف وله أنه ليس في معنى الخف لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا وهو محمل الحديث وعنه أنه رجع إلى قولهما وعليه الفتوى " ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين " لأنه لا حرج في نزع هذه الأشياء والرخصة لدفع الحرج " ولا يجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء " لأنه عليه الصلاة والسلام فعله وأمر عليا رضي الله عنه به ولأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف فكان أولى بشرع المسح ويكتفى بالمسح على أكثرها ذكره الحسن رحمه الله تعالى ولا يتوقت لعدم التوقيف بالتوقيت " وإن سقطت الجبيرة عن غير برء لا يبطل المسح " لأن العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيا وإن سقطت عن برء بطل لزوال العذر وإن كان في الصلاة استقبل لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل والله أعلم.
باب: الحيض والاستحاضة
مدخل
...
باب الحيض والاستحاضة
" أقل الحيض ثلاثة ايام ولياليها وما نقص من ذلك فهو استحاضة " قوله عليه الصلاة والسلام " أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام " وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في التقدير بيوم وليلة.
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه يومان والأكثر من اليوم الثالث إقامة للأكثر مقام الكل قلنا هذا نقص عن تقدير الشرع " وأكثره عشرة أيام ولياليها والزائد استحاضة " لما روينا وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في التقدير بخمسة عشر يوما ثم الزائد والناقص استحاضة لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به " وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض " حتى ترى البياض خالصا " وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم " لأنه لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي ولهما ما روي أن عائشة رضي الله عنها جعلت ما سوى البياض الخالص حيضا وهذا لا يعرف
الجزء 1 · صفحة 33
إلا سماعا، وفم الرحم منكوس فيخرج الكدر أولا كالجرة إذا ثقب أسفلها.
وأما الخضرة فالصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء تكون حيضا ويحمل على فساد الغداء وإن كانت كبيرة لا ترى غير الخضرة تحمل على فساد المنبت فلا تكون حيضا " والحيض يسقط عن الحائض الصلاة ويحرم عليها الصوم وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة " لقول عائشة رضي الله عنها كانت إحدانا على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ولأن في قضاء الصلاة حرجا لتضاعفها ولا حرج في قضاء الصوم " ولا تدخل المسجد " وكذا الجنب لقوله عليه الصلاة والسلام " فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " وهو بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور " ولا تطوف بالبيت " لأن الطواف في المسجد " ولا يأتيها زوجها " لقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] " وليس للحائض والجنب والنفساء قراءة القرآن " لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن " وهو حجة على مالك رحمه الله في الحائض وهو بإطلاقه يتناول ما دون الآية فيكون حجة على الطحاوي في إباحته " وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن إلا بصرته وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه " لقوله عليه الصلاة والسلام " لا يمس القرآن إلا طاهر " ثم الحدث والجنابة حلا اليد فيستويان في حكم المس والجنابة حلت الفم دون الحدث فيفترقان في حكم القراءة وغلافه ما يكون متجافيا عنه دون ما هو متصل به كالجلد المشرز هو الصحيح ويكره مسه بالكم هو الصحيح لأنه تابع له بخلاف كتب الشريعة لأهلها حيث يرخص في مسها بالكم لأن فيه ضرورة ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان لأن في المنع تضييع حفظ القرآن وفي الأمر بالتطهير حرجا بهم وهذا هو الصحيح.
قال: " وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يحل وطؤها حتى تغتسل " لأن الدم يدر تارة وينقطع أخرى فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع " ولو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة حل وطؤها " لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها فطهرت حكما " ولو كان انقطع الدم دون عادتها فوق الثلاث لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن إغتسلت " لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب " وإن انقطع الدم لعشرة أيام حل وطؤها قبل الغسل " لأن الحيض لا مزيد له على العشرة إلا أنه لا يستحب قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد.
قال: " والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم المتوالي ". قال
الجزء 1 · صفحة 34
رضي الله تعالى عنه: وهذه إحدى الروايات عن أبي حنيفة رحمه الله ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في باب الزكاة وعن أبي يوسف رحمه الله وهو روايته عن أبي حنيفة رحمه الله وقيل هو آخر أقواله إن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل وهو كله كالدم المتوالي لأنه طهر فاسد فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر وتمامه يعرف في كتاب الحيض " وأقل الطهر خمسة عشر يوما " هكذا نقل عن إبراهيم النخعي وأنه لا يعرف إلا توقيفا "ولا غاية لأكثره " لأنه يمتد إلى سنة وسنتين فلا يتقدر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نصب العادة ويعرف ذلك في كتاب الحيض " ودم الاستحاضة كالرعاف الدائم لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء " لقوله عليه الصلاة والسلام " توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير " وإذا عرف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع " ولو زاد الدم على عشرة أيام ولها عادة معروفة دونها ردت إلى أيام عادتها والذي زاد استحاضة " لقوله عليه الصلاة والسلام " المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها " ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة لأنا عرفناه حيضا فلا يخرج عنه بالشك والله أعلم.
فصل في الاستحاضة
" والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضئون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل " وقال الشافعي رحمه الله تتوضأ المستحاضة لكل مكتوبة لقوله عليه الصلاة والسلام " المستحاضة تتوضأ لكل صلاة " ولأن اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة فلا تبقى بعد الفراغ منها.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة " وهو المراد بالأول لأن اللام تستعار للوقت يقال آتيك لصلاة الظهر أي وقتها ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرا فيدار الحكم عليه " وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى " وهذا عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وقال زفر رضي الله عنه استأنفوا إذا دخل الوقت " فإن توضئوا حين تطلع الشمس أجزأهم عن فرض الوقت حتى يذهب وقت الظهر " وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف وزفر رحمهما الله أجزأهم حتى يدخل وقت الظهر.
وحاصله: أن طهارة المعذور تنتقض بخروج الوقت أي عنده بالحدث السابق عند
الجزء 1 · صفحة 35
أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وبدخوله عند زفر وبأيهما كان عند أبي يوسف رحمه الله وفائدة الاختلاف لا تظهر إلا فيمن توضأ قبل الزوال كما ذكرنا أو قبل طلوع الشمس لزفر رحمه الله أن اعتبار الطهارة مع المنافي للحاجة إلى الأداء ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر ولأبي يوسف أن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده ولهما أنه لا بد من تقديم الطهارة على الوقت ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت وخروج الوقت دليل زوال الحاجة فظهر اعتبار الحدث عنده والمراد بالوقت وقت المفروضة حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما وهو الصحيح لأنها بمنزلة صلاة الضحى ولو توضأ مرة للظهر في وقته وأخرى فيه للعصر فعندهما ليس له أن يصلي العصر به لانتقاضه بخروج وقت المفروضة والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه وكذا كل من هو في معناها وهو من ذكرناه ومن به استطلاق بطن وانفلات ريح لأن الضرورة بهذا تتحقق وهي تعمم الكل.
فصل في النفاس
" النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة " لأنه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس بمعنى الولد " أو بمعنى الدم والدم الذي تراه الحامل ابتداء أو حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضة " وإن كان ممتدا وقال الشافعي رحمه الله حيض اعتبارا بالنفاس إذ هما جميعا من الرحم.
ولنا أن بالحبل ينسد فم الرحم كذا العادة والنفاس بعد انفتاحه بخروج الولد ولهذا كان نفاسا بعد خروج بعض الولد فيما روي عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأنه ينفتح فيتنفس به " والسقط الذي استبان بعد خلقه ولد " حتى تصير المرأة به نفساء وتصير الأمة أم ولد به وكذا العدة تنقضي به " وأقل النفاس لا حد له " لأن تقدم الولد علم الخروج من الرحم فأغنى عن امتداد جعل علما عليه كما في الحيض " وأكثره أربعون يوما والزائد عليه استحاضة " لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت للنفساء أربعين يوما وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اعتبار الستين " فإن جاوز الدم الأربعين وقد كانت ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها " لما بينا في الحيض " وإن لم تكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يوما " لأنه أمكن جعله نفاسا " فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وإن كان بين الولدين اربعون يوما وقال محمد رحمه الله من الولد الأخير " وهو قول زفر رحمه الله، لأنها
الجزء 1 · صفحة 36
حامل بعد وضع الأول فلا تصير نفساء كما أنها لا تحيض ولهذا تنقضي العدة بالولد الأخير بالاجماع ولهما أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا وقد انفتح بخروج الأول وتنفس بالدم فكان نفاسا والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها فيتناول الجميع.
باب: الأنجاس وتطهيرها
مدخل
...
باب الأنجاس وتطهيرها
" تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه " لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقال عليه الصلاة والسلام " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك أثره " وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب وجب في البدن والمكان فإن الإستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل " ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر إنعصر " وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر والشافعي رحمهم الله لا يجوز إلا بالماء لأنه يتنجس بأول الملاقاة والنجس لا يفيد الطهارة إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة ولهما أن المائع قالع والطهورية بعلة القلع والإزالة والنجاسة للمجاورة فإذا إنتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهرا وجواب الكتاب لا يفرق بين الثوب والبدن وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله وعنه أنه فرق بينهما فلم يجوز في البدن بغير الماء " وإذا أصاب الخف نجاسة لها جرم كالروث والعذرة والدم والمني فجفت فدلكه بالأرض جاز " وهذا استحسان " وقال محمد رحمه الله: لا يجوز " وهو القياس " إلا في المني خاصة " لأن المتداخل في الخف لا يزيله الجفاف والدلك بخلاف المني على ما نذكره ولهما قوله عليه الصلاة والسلام " فإن كان بهما أذى فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهور " ولأن الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة إلا قليلا ثم يجتذبه الجرم إذا جف فإذا زال زال ما قام به " وفي الرطب لا يجوز حتى يغسله " لأن المسح بالأرض يكثره ولا يطهره وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا مسحه بالأرض حتى لم يبق أثر النجاسة يطهر لعموم البلوى وإطلاق ما يروى وعليه مشايخنا رحمهم الله " فإن أصابه بول فيبس لم يجز حتى يغسله " وكذا كل ما لا جرم له كالخمر لأن الأجزاء تتشرب فيه ولا جاذب يجذبها وقيل ما يتصل به من الرمل والرماد جرم له " والثوب لا يجزي فيه إلا الغسل وإن يبس " لأن الثوب لتخلخله يتداخله كثير من أجزاء النجاسة فلا يخرجها إلا الغسل "والمني نجس يجب غسله إن كان رطبا فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك" لقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها " فاغسليه إن كان رطبا وافركيه إن كان
الجزء 1 · صفحة 37
يابسا " وقال الشافعي رحمه الله المني طاهر والحجة عليه ما رويناه وقال عليه الصلاة والسلام إنما يغسل الثوب من خمس وذكر منها المني ولو أصاب البدن.
قال مشايخنا رحمهم الله: يطهر بالفرك لأن البلوى فيه أشد وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يطهر إلا بالغسل لأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود إلى الجرم والبدن لا يمكن فركه " والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف إكتفى بمسحهما " لأنه لا تتداخله النجاسة وما على ظاهره يزول بالمسح " وإن أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها " وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأنه لم يوجد المزيل " و " لهذا " لا يجوز التيمم به " ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " زكاة الأرض يبسها " وإنما لا يجوز التيمم به لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطا بنص الكتاب فلا تتأذى بما ثبت بالحديث " وقدر الدرهم وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول والخمر وخرء الدجاجة وبول الحمار جازت الصلاة معه وإن زاد لم تجز " وقال زفر والشافعي رحمهما الله: قليل النجاسة وكثيرها سواء لأن النص الموجب للتطهير لم يفصل ولنا أن القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفوا وقدرناه بقدر الدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء ثم يروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة وهو قدر عرض الكف في الصحيح ويروى من حيث الوزن وهو الدرهم الكبير المثقال وهو ما يبلغ وزنه مثقالا وقيل في التوفيق بينهما إن الأولى في الرقيق والثانية في الكثيف وإنما كانت نجاسة هذه الأشياء مغلظة لأنها ثبتت بدليل مقطوع به " وإن كانت مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه حتى يبلغ ربع الثوب " يروى ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش والربع ملحق بالكل في حق بعض الأحكام وعنه ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر وقيل ربع الموضع الذي اصابه كالذيل والدخريص وعن أبي يوسف رحمه الله شبر في شبر وإنما كان مخففا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لمكان الاختلاف في نجاسته أو لتعارض النصين على اختلاف الأصلين " وإذا أصاب الثوب من الروث أو " من " أخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة رحمه الله " لأن النص الوارد في نجاسته وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام رمى بالروثة وقال " هذا رجس أو ركس " لم يعارضه غيره وبهذا يثبت التغليظ عنده والتخفيف بالتعارض " وقالا يجزئه حتى يفحش " لأن للاجتهاد فيه مساغا وبهذا يثبت التخفيف عندهما ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق بها هي مؤثرة في التخفيف بخلاف بول الحمار لأن الأرض تنشفه.
قلنا الضرورة في النعال قد أثرت في التخفيف مرة حتى تطهر بالمسح فتكفي مؤنتها.
الجزء 1 · صفحة 38
ولا فرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. وزفر رحمه الله فرق بينما فوافق أبا حنيفة رحمه الله في غير مأكول اللحم ووافقهما في المأكول وعن محمد رحمه الله أنه لما دخل الري ورأى البلوى أفتى بأن الكثير الفاحش لا يمنع أيضا وقاسوا عليه طين بخارى وعند ذلك رجوعه في الخف يروى " وإن أصابه بول الفرس لم يفسده حتى يفحش عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محد رحمه الله لا يمنع وإن فحش " لأن بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده مخفف نجاسته عند أبي يوسف رحمه الله ولحمه مأكول عندهما وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فالتخفيف لتعارض الآثار "وإن أصابه خرء مالا يؤكل لحمه من الطيور أكثر من قدر الدرهم جازت الصلاة فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا تجوز" فقد قيل إن الاختلاف في النجاسة وقد قيل في المقدار وهو الأصح هو يقول إن التخفيف للضرورة ولا ضرورة لعدم المخالطة فلا يخفف ولهما أنها تذرق من الهواء والتخامي عنه متعذر فتحققت الضرورة ولو وقع في الإناء قيل يفسده وقيل لا يفسده لتعذر صون الأواني عنه " وإن أصابه من دم السمك أو " من " لعاب البغل أو الحمار أكثر من قدر الدرهم أجزأت الصلاة فيه " أما دم السمك فلأنه ليس بدم على التحقيق فلا يكون نجسا وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش فاعتبره نجسا وأما لعاب البغل والحمار فلأنه مشكوك فيه فلا يتنجس به الطهر " فإن انتضح عليه البول مثل رءوس الإبر فذلك ليس بشيء " لأنه لا يستطاع الامتناع عنه.
قال: " والنجاسة ضربان مرئية وغير مرئية فما كان منها مرئيا فطهارته زوال عينها " لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها " إلا أن يبقى من أثرها ما تشق إزالته " لأن الحرج مدفوع وهذا يشير إلى أنه لا يشترط الغسل بعد زوال العين وإن زال بالغسل مرة واحدة وفيه كلام " وما ليس بمرئي فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر " لأن التكرار لا بد منه للاستخراج ولا يقطع بزواله فاعتبر غالب الظن كما في أمر القبلة وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده فأقيم السبب لظاهر مقامه تيسيرا ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية لأنه هو المستخرج.
فصل في الاستنجاء
" الاستنجاء سنة " لأن النبي عليه الصلاة والسلام واظب عليه " ويجوز فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه " لأن المقصود هو الإنقاء فيعتبر ما هو المقصود وليس فيه
الجزء 1 · صفحة 39
عدد مسنون " وقال الشافعي رحمه الله: لا بد من الثلاث لقوله عليه الصلاة والسلام: " وليستنج بثلاثة أحجار ".
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج " والإيتار يقع على الواحد وما رواه متروك الظاهر فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع " وغسله بالماء أفضل " لقوله تعالى: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] نزلت في أقوام كانوا يتبعون الحجارة الماء ثم هو أدب وقيل هو سنة في زماننا ويستعمل الماء إلى أن يقع في غالب ظنه أنه قد طهر ولا يقدر بالمرات إلا إذا كان موسوسا فيقدر بالثلاث في حقه وقيل بالسبع " ولو جاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء " وفي بعض النسخ إلا المائع وهذا يقق اختلاف الروايتين في تطهير العضو بغير الماء على ما بينا وهذا لأن المسح غير مزيل إلا أنه اكتفي به في موضع الاستنجاء فلا يتعداه ثم يعتبر المقدار المانع وراء موضع الاستنجاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لسقوط اعتبار ذلك الموضع وعند محمد رحمه الله مع موضع الاستنجاء اعتبارا بسائر المواضع " ولا يستنجى بعظم ولا بروث " لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك ولو فعل يجزيه لحصول المقصود ومعنى النهي في الروث النجاسة وفي العظم كونه زاد الجن، " ولا " يستنجى " بطعام " لأنه إضاعة وإسراف " ولا بيمينه " لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الاستنجاء باليمين.
الجزء 1 · صفحة 40
كتاب الصلاة
باب: المواقيت
مدخل
...
كتاب الصلاة
باب المواقيت
" أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس " لحديث إمامة جبريل عليه السلام فإنه أم رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها في اليوم الأول حين طلع الفجر وفي اليوم الثاني حين أسفر جدا وكادت الشمس أن تطلع ثم قال في آخر الحديث " ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك " ولا معتبر بالفجر الكاذب وهو البياض الذي يبدو طولا ثم يعقبه الظلام لقوله عليه الصلاة والسلام " لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، وإنما الفجر المستطير في الأفق " أي المنتشر فيه " وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس " لإمامة جبريل عليه السلام في اليوم الأول حين زالت الشمس " وآخر وقتها عند أبي حنيفة رحمه الله إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال وقالا إذا صار الظل مثله " وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وفيء الزوال هو الفيء الذي يكون للأشياء وقت الزوال لهما إمامة جبريل عليه السلام في اليوم الأول في هذا الوقت ولأبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم " وأشد الحر في ديارهم في هذا الوقت وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك " وأول وقت العصر إذ خرج وقت الظهر على القولين وآخر وقتها مالم تغرب الشمس " لقوله عليه الصلاة والسلام " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها " " وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها مالم يغب الشفق " وقال الشافعي رحمه الله مقدار ما يصلى فيه ثلاث ركعات لأن جبريل عليه السلام أم في اليومين في وقت واحد.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخر وقتها حين يغيب الشفق " وما رواه كان للتحرز عن الكراهة " ثم الشفق هو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما هو الحمرة " وهو رواية عن أبي حنيفة وهو قول الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام " الشفق الحمرة " ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام " وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق " وما رواه موقوف على
الجزء 1 · صفحة 41
ابن عمر رضي الله عنهما ذكره مالك رحمه الله في الموطأ وفيه اختلاف الصحابة " وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها مالم يطلع الفجر الثاني " لقوله عليه الصلاة والسلام " وآخر وقت العشاء حين يطلع الفجر " وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في تقديره بذهاب ثلث الليل " وأول وقت الوتر بعد العشاء وآخره مالم يطلع الفجر " لقوله عليه الصلاة والسلام في الوتر " فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر " قال رضي الله عنه: هذا عندهما وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقته وقت العشاء إلا أنه لا يقدم عليه عند التذكر للترتيب.
فصل
" ويستحب الإسفار بالفجر " لقوله عليه الصلاة والسلام " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " وقال الشافعي رحمه الله يستحب التعجيل في كل صلاة والحجة عليه ما رويناه وما نرويه.
قال: " والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمه في الشتاء "لما روينا ولرواية أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الشتاء بكر بالظهر وإذا كان في الصيف أبرد بها " وتأخير العصر مالم تتغير الشمس في الصيف والشتاء " لما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده والمعتبر تغير القرص وهو أن يصير بحال لا تحار فيه الأعين هو الصحيح والتأخير إليه مكروه " و " يستحب " تعجيل المغرب " لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود وقال عليه الصلاة والسلام " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء " قال " وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل " لقوله عليه الصلاة والسلام " لولا أن اشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل " ولأن فيه قطع السمر المنهي عنه بعده وقيل في الصيف تعجل كيلا تتقلل الجماعة والتأخير إلى نصف الليل مباح لأن دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة عارضه دليل الندب وهو قطع السمر بواحدة فتثبت الإباحة وإلى النصف الأخير مكروه لما فيه من تقليل الجماعة وقد انقطع السمر قبله " ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخره إلى آخر الليل فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم " لقوله عليه الصلاة والسلام " من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره " " فإذا كان يوم غيم فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب تأخيرها وفي العصر والعشاء تعجيلهما " لأن في تأخير العشاء تقليل الجماعة على اعتبار المطر، وفي
الجزء 1 · صفحة 42
تأخير العصر توهم الوقوع في الوقت المكروه ولا توهم في الفجر لأن تلك المدة مديدة وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى التأخير في الكل للاحتياط ألا ترى أنه يجوز الأداء بعد الوقت لا قبله.
فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة
" لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها " لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال ثلاثة أوقات نهانا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند زوالها حتى تزول وحين تضيف للغروب حتى تغرب والمراد بقوله وأن نقبر صلاة الجنازة لأن الدفن غير مكروه والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في تخصيص الفرائض وبمكة في حق النوافل وحجة على أبي يوسف رحمه الله تعالى في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال. قال: " ولا صلاة جنازة " لما روينا " ولا سجدة تلاوة " لأنها في معنى الصلاة إلا عصر يومه عند الغروب لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت لأنه لو تعلق بالكل لوجب الأداء بعده ولو تعلق بالجزء الماضي فالمؤدى في آخر الوقت قاض وإذا كان كذلك فقد أداها كما وجبت بخلاف غيرها من الصلوات لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالنقص.
قال رضي الله عنه: والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة الكراهة حتى لو صلاها فيه أو تلا فيه آية السجدة فسجدها جاز لأنها أديت ناقصة كما وجبت إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة.
" ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب " لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك " ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة " لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت فلم تظهر في حق الفرائض وفيما وجب لعينه كسجدة التلاوة وظهرت في حق المنذور لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته وفي حق ركعتي الطواف وفي الذي شرع فيه ثم أفسده لأن الوجوب لغيره وهو ختم الطواف وصيانة المؤدي عن البطلان " ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر " لأنه عليه الصلاة والسلام لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة " ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض " لما فيه من تأخير المغرب " ولا إذا
الجزء 1 · صفحة 43
خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة إلى أن يفرغ من خطبته " لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة.
باب الأذان
" الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها " للنقل المتواتر " وصفة الأذان معروفة " وهو كما أذن الملك النازل من السماء " ولا ترجيع فيه " وهو أن يرجع فيرفع صوته بالشهادتين بعد ما خفض بهما وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيه ذلك لحديث أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بالترجيع ولنا أنه لا ترجيع في المشاهير وكان ما رواه تعليما فظنه ترجيعا " ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين " لأن بلالا رضي الله عنه قال الصلاة خير من النوم مرتين حين وجد النبي عليه الصلاة والسلام راقدا فقال عليه الصلاة والسلام " ما أحسن هذا يا بلال اجعله في أذانك " وخص الفجر به لأنه وقت نوم وغفلة " والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرتين " هكذا فعل الملك النازل من السماء وهو المشهور ثم هو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في قوله إنها فرادى فرادى إلا قوله قد قامت الصلاة مرتين " ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة " لقوله عليه الصلاة والسلام لبلال " إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر " وهذا بيان الاستحباب " ويستقبل بهما القبلة " لأن الملك النازل من السماء أذن مستقبل القبلة ولو ترك الاستقبال جاز لحصول المقصود ويكره لمخالفته السنة " ويحول وجهه للصلاة والفلاح يمنة ويسرة " لأنه خطاب للقوم فيواجههم به " وإن استدار في صومعته فحسن " مراده إذا لم يستطع تحويل الوجه يمينا وشمالا " مع ثبات قدميه " مكانهما كما هو السنة بأن كانت الصومعة متسعة فأما من غير حاجة فلا " والأفضل للمؤذن أن يجعل أصبعيه في أذنيه " بذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالا رضي الله عنه ولأنه أبلغ في الإعلام " فإن لم يفعل فحسن " لأنها ليست بسنة أصلية " والتثويب في الفجر: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة حسن " لأنه وقت نوم وغفلة " وكره في سائر الصلوات " ومعناه العود إلى الإعلام بعد الإعلام وهو على حسب ما تعرفوه وهذا التثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة رضي الله عنهم لتغير أحوال الناس وخصوا الفجر به لما ذكرنا والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التواني في الأمور الدينية.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا أرى بأسا أن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها:
الجزء 1 · صفحة 44
السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يرحمك الله واستبعده محمد رحمه الله لأن الناس سواسية في أمر الجماعة. وأبو يوسف رحمه الله خصهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين كيلا تفوتهم الجماعة وعلى هذا القاضي والمفتي " ويجلس بين الأذان والإقامة إلا في المغرب وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يجلس في المغرب أيضا جلسة خفيفة " لأنه لا بد من الفصل إذ الوصل مكروه ولا يقع الفصل بالسكتة لوجودها بين كلمات الأذان فيفصل بالجلسة كما بين الخطبتين ولأبي حنيفة رحمه الله أن التأخير مكروه فيكتفى بأدنى الفصل احترازا عنه والمكان في مسألتنا مختلف وكذا النغمة فيقع الفصل بالسكتة ولا كذلك الخطبة وقال الشافعي رحمه الله يفصل بركعتين اعتبارا بسائر الصلوات والفرق قد ذكرناه " قال يعقوب رأيت أبا حنيفة رحمه الله يؤذن في المغرب ويقيم ولا يجلس بين الأذان والإقامة " وهذا يفيد ما قلناه وأن المستحب كون المؤذن عالما بالسنة لقوله عليه الصلاة والسلام " ويؤذن لكم خياركم " " ويؤذن للفائتة ويقيم " لأنه عليه الصلاة والسلام قضى الفجر غداة ليلة التعريس بأذان وإقامة وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اكتفائه بالإقامة " فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام " لما روينا " وكان مخيرا في الباقي إن شاء أذن وأقام " ليكون القضاء على حسب الأداء " وإن شاء اقتصر على الإقامة " لأن الأذان للاستحضار وهم حضور.
قال رضي الله عنه: وعن محمد رحمه الله أنه يقيم لما بعدها ولا يؤذن قالوا يجوز أن يكون هذا قولهم جميعا " وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر فإن أذن على غير وضوء جاز " لأنه ذكر وليس بصلاة فكان الوضوء فيه استحبابا كما في القراءة " ويكره أن يقيم على غير وضوء " لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة.
ويروى أنه لا تكره الإقامة أيضا لأنها أحد الأذانين ويروى أنه يكره الأذان أيضا لأنه صير داعيا إلى مالا يجيب بنفسه " ويكره أن يؤذن وهو جنب " رواية واحدة ووجه الفرق على إحدى الروايتين أن للأذان شبها بالصلاة فتشترط الطهارة عن أغلظ الحدثين لا دون أخفهما عملا بالشبهين.
وفي الجامع الصغير: إذا أذن وأقام على غير وضوء لا يعيد والجنب أحب إلى أن يعيد " ولو لم يعد أجزأه " أما الأول فلخفة الحدث وأما الثاني ففي الإعادة بسبب الجنابة روايتان والأشبه أن يعاد الأذان دون الإقامة لأن تكرار الأذان مشروع دون الإقامة وقوله لو لم يعد أجزأه يعني الصلاة لأنها جائزة بدون الأذان والإقامة. قال " وكذلك المرأة تؤذن " معناه يستحب أن يعاد ليقع على وجه السنة.
الجزء 1 · صفحة 45
" ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ويعاد في الوقت " لأن الأذان للإعلام وقبل الوقت تجهيل " وقال ابو يوسف " وهو قول الشافعي رحمه الله " يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل " لتوارث أهل الحرمين. والحجة على الكل قوله عليه الصلاة والسلام لبلال رضي الله عنه " لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ومد يده عرضا " " والمسافر يؤذن ويقيم " لقوله عليه الصلاة والسلام لابني أبي مليكة رضي الله عنهما " إذا سافرتما فأذنا وأقيما " " فإن تركهما جميعا يكره " ولو اكتفى بالإقامة جاز لأن الأذان لاستحضار الغائبين والرفقة حاضرون والإقامة لإعلام الإفتتاح وهم إليه محتاجون " فإن صلى في بيته في المصر يصلي بأذان وإقامة " ليكون الأداء على هيئة الجماعة " وإن تركهما جاز " لقول ابن مسعود رضي الله عنه أذان الحي يكفينا.
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
" يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه " قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] " ويستر عورته " لقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [لأعراف: 31] أي ما يواري عورتكم عند كل صلاة وقال عليه الصلاة والسلام " لا صلاة لحائض إلا بخمار " أي لبالغة " وعورة الرجل ما تحت السرة إلى الركبة " لقوله عليه الصلاة والسلام " عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته " ويروى " ما دون سرته حتى تجاوز ركبته " وبهذا تبين أن السرة ليست من العورة خلافا لما يقول الشافعي رحمه الله " والركبة من العورة " خلافا له أيضا وكلمة إلى تحملها على كلمة مع عملا بكلمة حتى أو عملا بقوله عليه الصلاة والسلام " الركبة من العورة ".
" وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها " لقوله عليه الصلاة والسلام " المرأة عورة مستورة " واستثناء العضوين للابتلاء بإبدائهما.
قال رضي الله عنه: وهذا تنصيص على أن القدم عورة ويروى أنها ليست بعورة وهو الأصح " فإن صلت وربع ساقها أو ثلثه مكشوف تعيد الصلاة " عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله " وإن كان أقل من الربع لا تعيد وقال أبو يوسف رحمه الله لا تعيد إن كان أقل من النصف " لأن الشيء إنما يوصف بالكثرة إذا كان ما يقابله أقل منه إذ هما من أسماء المقابلة " وفي النصف عنه روايتان " فاعتبر الخروج عن حد القلة أو عدم الدخول في ضده ولهما أن الربع يحكي حكاية الكمال كما في مسح الرأس والحلق في الإحرام. ومن رأى
الجزء 1 · صفحة 46
وجه غيره يخبر عن رؤيته وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة " والشعر والبطن والفخذ كذلك " يعني على هذا الاختلاف لأن كل واحد عضو على حدة والمراد به النازل من الرأس هو الصحيح وإنما وضع غسله في الجنابة لمكان الحرج والعورة الغليظة على هذا الاختلاف والذكر يعتبر بانفراده وكذا الأنثيان وهذا هو الصحيح دون الضم " وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة وبطنهاه وظهرها عورة وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة " لقول عمر رضي الله عنه ألق عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر ولأنها تخرج لحاجة مولاها في ثياب مهنتها عادة فاعتبر حالها بذوات المحارم في حق جميع الرجال دفعا للحرج.
قال: " ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد " وهذا على وجهين إن كان ربع الثوب أو أكثر منه طاهرا يصلي فيه ولو صلى عريانا لا يجزئه لأن ربع الشيء يقوم مقام كله وإن كان الطاهر أقل من الربع فكذلك عند محمد رحمه الله وهوأحد قولي الشافعي رحمه الله لأن في الصلاة فيه ترك فرض واحد وفي الصلاة عريانا ترك لفروض وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يتخير بين أن يصلي عريانا وبين أن يصلى فيه وهو الأفضل لأن كل واحد منهما مانع جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في حق المقدار فيستويان في حكم الصلاة وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا والأفضلية لعدم اختصاص الستر بالصلاة واختصاص الطهارة بها " ومن لم يجد ثوبا صلى عريانا قاعدا يومئ بالركوع والسجود " هكذا فعله أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام " فإن صلى قائما أجزأه " لأن في القعود ستر العورة الغليظة وفي القيام أداء هذه الأركان فيميل إلى أيهما شاء " إلا أن الأول أفضل " لأن الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس ولأنه لا خلف له والإيماء خلف عن الأركان.
قال: " وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل " والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام " الأعمال بالنيات " ولأن ابتداء الصلاة بالقيام وهو متردد بين العادة والعبادة ولا يقع التمييز بالنية والمتقدم على التكبير كالقائم عنده إذا لم يوجد ما يقطعه وهو عمل لا يليق بالصلاة ولا معتبرة بالمتأخرة منها عنه لأن ما مضى لا يقع عبادة لعدم النية وفي الصوم جوزت للضرورة والنية هي الإرادة والشرط أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي أما الذكر باللسان فلا معتبر به ويحسن ذلك لاجتماع عزيمته ثم إن كانت الصلاة نفلا يكفيه مطلق النية وكذا إن كانت سنة في الصحيح وإن كانت فرضا فلا بد من تعيين الفرض كالظهر مثلا لاختلاف الفروض " وإن كان مقتديا بغيره ينوي الصلاة ومتابعته " لأنه يلزمه فساد الصلاة من جهته فلا بد من التزامه.
الجزء 1 · صفحة 47
قال: " ويستقبل القبلة " لقوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ثم من كان بمكة ففرضه إصابة عينها ومن كان غائبا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح لأن التكليف بحسب الوسع ومن كان خائفا يصلي إلى أي جهة قدر لتحقق العذر فأشبه حالة الاشتباه " فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى " لأن الصحابة رضوان الله عليهم تحروا وصلوا ولم ينكر عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام ولأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند انعدام دليل فوقه والاستخبار فوق التحري " فإن علم أنه أخطأ بعد ما صلى لا يعيدها " وقال الشافعي رحمه الله تعالى يعيدها إذا استدبر لتيقنه بالخطأ ونحن نقول ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري والتكليف مقيد بالوسع " وإن علم ذلك في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليه " لأن أهل قباء لما سمعوا بتحول القبلة استداروا كهيئتهم في الصلاة واستحسنه النبي عليه الصلاة والسلام وكذا إذا تحول رأيه إلى جهة أخرى توجه إليها لوجوب العمل بالاجتهاد فيما يستقبل من غير نقض المؤدي قبله.
قال: " ومن أم قوما في ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى إلى المشرق وتحرى من خلفه فصلى كل واحد منهم إلى جهة وكلهم خلفه ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم " لوجود التوجه إلى جهة التحري وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة " ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته " لأنه اعتقد أن إمامه على الخطأ " وكذا لو كان متقدما على الإمام " لتركه فرض المقام.
باب: صفة الصلاة
مدخل
...
باب صفة الصلاة
" فرائض الصلاة ستة: التحريمة " لقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3] والمراد تكبيرة الافتتاح " والقيام " لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] " والقراءة " لقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] والركوع والسجود لقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] " والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد " لقوله عليه الصلاة والسلام لابن مسعود رضي الله عنه حين علمه التشهد " إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك " علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ.
قال: " وما سوى ذلك فهو سنة " أطلق اسم السنة وفيها واجبات كقراءة الفاتحة وضم السورة إليها ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررا من الأفعال والقعدة الأولى وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة والقنوت في الوتر وتكبيرات العيدين والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه ولهذا تجب عليه سجدتا السهو بتركها هذا هو الصحيح
الجزء 1 · صفحة 48
وتسميتها سنة في الكتاب لما أنه ثبت وجوبها بالسنة.
قال: " وإذا شرع في الصلاة كبر " لما تلونا وقال عليه الصلاة والسلام " تحريمها التكبير " وهو شرط عندنا خلافا للشافعي رحمه الله حتى إن من تحرم للفرض كان له أن يؤدي بها التطوع عندنا وهو يقول إنه يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان وهذا آية الركنية ولنا أنه عطف الصلاة عليه في قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:15] ومقتضاه المغايرة ولهذا لا يتكرر كتكرار الأركان ومراعاة الشرائط لما يتصل به من القيام " ويرفع يديه مع التكبير وهو سنة " لأن النبي عليه الصلاة والسلام واظب عليه وهذا اللفظ يشير إلى اشتراط المقارنة وهو المروي عن أبي يوسف والمحكي عن الطحاوي والأصح أنه يرفع يديه أولا ثم يكبر لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى والنفي مقدم على الإثبات " ويرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه " وعند الشافعي رحمه الله يرفع إلى منكبيه وعلى هذا تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة له حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه ولنا رواية وائل بن حجر والبراء وأنس رضي الله عنهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر رفع يديه حذاء أذنيه ولأن رفع اليد لإعلام الأصم وهو بما قلناه وما رواه يحمل على حالة العذر " والمرأة ترفع يديها حذاء منكبيها " هو الصحيح لأنه أستر لها " فإن قال بدل التكبير الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله أو غيره من أسماء الله تعالى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى إن كان يحسن التكبير لم يجزئه إلا قوله الله أكبر أو الله الأكبر أو الله الكبير "وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز إلا بالأولين وقال مالك رحمه الله تعالى لا يجوز إلا بالأول لأنه هو المنقول والأصل فيه التوقيف والشافعي رحمه الله يقول إدخال الألف واللام فيه أبلغ في الثناء فقام مقامه وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول إن أفعل وفعيلا في صفات الله تعالى سواء بخلاف ما إذا كان لا يحسن لأنه لا يقدر إلا على المعنى ولهما أن التكبير هو التعظيم لغة وهو حاصل " فإن افتتح الصلاة بالفارسية أو قرأ فيها بالفارسية أو ذبح وسمى بالفارسية وهو يحسن العربية أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجزئه إلا في الذبيحة وإن لم يحسن العربية أجزأه "، أما الكلام في الافتتاح فمحمد مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى في العربية ومع أبي يوسف في الفارسية لأن لغة العرب لها من المزية ما ليس لغيرها.
وأماالكلام في القراءة فوجه قولهما إن القرآن اسم لمنظوم عربي كما نطق به النص إلا أن عند العجز يكتفى بالمعنى كالإيماء بخلاف التسمية لأن الذكر يحصل بكل لسان.
الجزء 1 · صفحة 49
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء:196] ولم يكن فيها بهذه اللغة ولهذا يجوز عند العجز إلا أنه يصير مسيئا لمخالفته السنة المتوارثة ويجوز بأي لسان كان سوى الفارسية هو الصحيح لما تلونا.
والمعنى: لا يختلف باختلاف اللغات والخلاف في الاعتداد ولا خلاف في أنه لا فساد ويروى رجوعه في أصل المسألة إلى قولهما وعليه الاعتماد والخطبة والتشهد على هذا الاختلاف وفي الأذان يعتبر التعارف " ولو افتتح الصلاة باللهم اغفر لي لا يجوز " لأنه مشوب بحاجته فلم يكن تعظيما خالصا ولو افتتح بقوله اللهم فقد قيل يجزئه لأن معناه يا الله وقيل لا يجزئه لأن معناه ياألله آمنا بخير فكان سؤالا.
قال: " ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى تحت السرة " لقوله عليه الصلاة والسلام " إن من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة " وهو حجة على مالك رحمه الله تعالى في الإرسال وعلى الشافعي رحمه الله تعالى في الوضع على الصدر لأن الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم وهو المقصود ثم الاعتماد سنة القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى حتى لا يرسل حالة الثناء والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه ومالا فلا هو الصحيح فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة ويرسل في القومة وبين تكبيرات الأعياد " ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره " وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يضم إليه قوله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} [الأنعام: 79] إلى آخره لرواية علي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول ذلك ولهما رواية أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا افتتح الصلاة كبر وقرأ سبحانك الله وبحمدك إلى آخره ولم يزد على هذا وما رواه محمول على التهجد وقوله وجل ثناؤك لم يذكر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض والأولى أن لا يأتي بالتوجه قبل التكبير لتتصل النية به هو الصحيح " ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98] معناه إذا أردت قراءة القرآن والأولى أن يقول أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب منه أعوذ بالله ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لما تلونا حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
قال: " ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم " هكذا نقل في المشاهير " ويسر بهما " لقول ابن مسعود رضي الله عنه أربع يخفيهن الإمام وذكر منها التعوذ والتسمية وآمين وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجهر بالتسمية عند الجهر بالقراءة لما روي أن النبي عليه الصلاة
الجزء 1 · صفحة 50
والسلام جهر في صلاته بالتسمية " قلنا: هو محمول على التعليم لأن أنسا رضي الله عنه أخبر أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يجهر بها ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يأتي بها في أول كل ركعة كالتعوذ وعنه أنه يأتي بها احتياطا وهو قولهما ولا يأتي بها بين السورة والفاتحة إلا عند محمد رحمه الله تعالى فإنه يأتي بها في صلاة المخافتة " ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء " فقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا وكذا ضم السورة إليها خلافا للشافعي رحمه الله تعالى في الفاتحة ولمالك رحمه الله تعالى فيهما له قوله عليه الصلاة والسلام " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها " وللشافعي رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ولنا قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما " وإذا قال الإمام ولا الضالين قال آمين ويقولها المؤتم " لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا أمن الإمام فأمنوا " ولا متمسك لمالك رحمه الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام " إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين " من حيث القسمة لأنه قال في آخره " فإن الإمام يقولها ".
قال: " ويخفونها " لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ولأنه دعاء فيكون مبناه على الإخفاء والمد والقصر فيه وجهان والتشديد فيه خطأ فاحش قال: " ثم يكبر ويركع " وفي الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند كل خفض ورفع " ويحذف التكبير حذفا " لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاما وفي آخره لحن من حيث اللغة " ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه " لقوله عليه الصلاة والسلام لأنس رضي الله عنه " إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك " ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة ليكون أمكن من الأخذ ولا إلى الضم إلا في حالة السجود وفيما وراء ذلك يترك على العادة " ويبسط ظهره " لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ركع بسط ظهره " ولا يرفع رأسه ولا ينكسه " لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه ويقول " سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه " لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه " أي أدنى كمال الجمع " ثم يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده ويقول المؤتم ربنا لك الحمد ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا يقولها في نفسه " لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين الذكرين
الجزء 1 · صفحة 51
ولأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه. لأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد " هذه قسمة وإنها تنافي الشركة ولهذا لا يأتي المؤتم بالتسميع عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى ولأنه يقع تحميده بعد تحميد المقتدي وهو خلاف موضوع الإمامة وما رواه محمول على حالة الانفراد " والمنفرد يجمع بينهما في الأصح " وإن كان يروى الاكتفاء بالتسميع ويروى بالتحميد والإمام بالدلالة عليه آت به معنى.
قال: " ثم إذا استوى قائما كبر وسجد " أما التكبير والسجود فلما بينا وأما الاستواء قائما فليس بفرض وكذا الجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف يفترض ذلك كله وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام " قم فصل فإنك لم تصل " قاله لأعرابي حين أخف الصلاة ولهما أن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما وكذا في الانتقال إذ هو غير مقصود وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال " وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك " ثم القومة والجلسة سنة عندهما
وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني رحمه الله تعالى وفي تخريج الكرخي رحمه الله واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده " ويعتمد بيديه على الأرض " لأن وائل بن حجر رضي الله عنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد وأدعم على راحتيه ورفع عجيزته قال: " ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه " لما روي أنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك.
قال: " وسجد على أنفه وجبهته " لأن النبي عليه الصلاة والسلام واظب عليه " فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر " وهو رواية عنه لقوله عليه الصلاة والسلام " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وعد منها الجبهة " ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه وهو المأمور به إلا أن الخد والذقن خارج بالإجماع والمذكور فيما روي الوجه في المشهور ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا لتحقق السجود بدونهما وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري رحمه الله تعالى أنه فريضة في السجود.
قال: " فإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز " لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد على كور عمامته ويروى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها " ويبدي ضبعيه " لقوله عليه الصلاة والسلام " وأبد ضبعيك " ويروى " وأبد " من الإبداد وهو المد والأول من الإبداء وهو الإظهار " ويجافي بطنه عن
الجزء 1 · صفحة 52
فخذيه " لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سجد جافى حتى إن بهمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت وقيل إذا كان في الصف لا يحافي كيلا يؤذي جاره " ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة " لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا سجد المؤمن سجد كل عضو منه فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع " " ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه " لقوله عليه الصلاة والسلام " وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه " أي أدنى كمال الجمع.
ويستحب أن يزيد على الثلاث في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختم بالوتر وإن كان إماما لا يزيد على وجه يمل القوم حتى لا يؤدي إلى التنفير ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة لأن النص تناولهما دون تسبيحاتهما فلا يزاد على النص " والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها بفخذيها " لأن ذلك استر لها.
قال: " ثم يرفع رأسه ويكبر " لما روينا " فإذا اطمأن جالسا كبر وسجد " لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأعرابي " ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا " ولو لم يستو جالسا وكبر وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد ذكرناه وتكلموا في مقدار الرفع والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز لأنه يعد ساجدا وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالسا فتتحقق الثانية.
قال: " فإذا اطمأن ساجدا كبر " وقد ذكرناه " واستوى قائما على صدور قدميه ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض ".
وقال الشافعي رحمه الله: يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمدا على الأرض لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ولنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه وما رواه محمول على حالة الكبر ولأن هذه قعدة استراحة والصلاة ما وضعت لها " ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في " الركعة " الأولى " لأنه تكرار الأركان " إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ " لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة " ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى " خلافا للشافعي رحمه الله في الركوع وفي الرفع منه لقوله عليه الصلاة والسلام " لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة القنوت وتكبيرات العيدين وذكر الأربع في الحج " والذي يرو من الرفع محمول على الابتداء كذا نقل عن ابن الزبير رضي الله عنه " وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصبا ووجه أصابعه نحو
الجزء 1 · صفحة 53
القبلة " هكذا وصفت عائشة رضي الله عنها قعود رسول الله عليه الصلاة والسلام في الصلاة " ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد " يروى ذلك في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه ولأن فيه توجيه أصابع يديه إلى القبلة " فإن كانت امرأة جلست على أليتها اليسرى وأخرجت رجليها من الجانب الأيمن " لأنه أستر لها.
" والتشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي إلى آخره " وهذا تشهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فإنه قال أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني سورة من القرآن وقال " قل التحيات لله إلى آخره " والأخذ بهذا أولى من الأخذ بتشهد ابن عباس رضي الله عنهما وهو قوله التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا إلى آخره لأن فيه الأمر وأقله الاستحباب والألف واللام وهما للاستغراق وزيادة الواو وهي لتجديد الكلام كما في القسم وتأكيد التعليم " ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى " لقول ابن مسعود رضي الله عنه علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة وآخرها فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد وإذا كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء " ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وحدها " لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وهذا بيان الأفضل هو الصحيح لأن القراءة فرض في الركعتين على ما يأتيك من بعد إن شاء الله تعالى " وجلس في الأخيرة كما جلس في الأولى " لما روينا من حديث وائل وعائشة رضي الله عنهما ولأنها أشق على البدن فكان أولى من التورك الذي يميل إليه مالك رحمه الله والذي يرويه أنه عليه الصلاة والسلام قعد متوركا ضعفه الطحاوي رحمه الله أو يحمل على حالة الكبر " وتشهد " وهو واجب عندنا " وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام " وهو ليس بفريضة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد " والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام خارج الصلاة واجبة إما مرة واحدة كما قاله الكرخي أو كلما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام كما اختاره الطحاوي فكفينا مؤنة الأمر والفرض المروي في التشهد هو التقدير.
قال: " ودعاء بماشاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة " لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال له النبي عليه الصلاة والسلام " ثم اختر من الدعاء أطيبه وأعجبه إليك " ويبدأ بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ليكون أقرب إلى الإجابة " ولا يدعو بما يشبه كلام الناس " تحرزا عن الفساد ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ،
الجزء 1 · صفحة 54
ومالا يستحيل سؤاله من العباد كقوله اللهم زوجني فلأنه يشبه كلامهم وما يستحيل كقوله اللهم اغفر ليس ليس من كلامهم وقوله اللهم ارزقني من قبيل الأول هو الصحيح لاستعمالها فيما بين العباد يقال رزق الأمير الجيش " ثم يسلم عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره مثل ذلك " لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر " وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة وكذلك في الثانية " لأن الأعمال بالنيات ولا ينوي النساء في زماننا ولا من لا شركة له في صلاته هو الصحيح لأن الخطاب حظ الحاضرين " ولا بد للمقتدي من نية إمامه فإن كان الإمام من الجانب الأيمن أو الأيسر نواه فيهم " وإن كان بحذائه نواه في الأولى عند أبي يوسف رحمه الله ترجيحا للجانب الأيمن وعند محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله نواه فيهما لأنه ذو حظ من الجانبين " والمنفرد ينوي الحفظة لا غير " لأنه ليس معه سواهم " والإمام ينوي بالتسليمتين " هو الصحيح ولا ينوي في الملائكة عددا محصورا لأن الأخبار في عددهم قد اختلفت فأشبه الإيمان بالأنبياء عليهم السلام ثم إصابة لفظة السلام واجبة عندنا وليست بفرض خلافا للشافعي رحمه الله هو يتمسك بقوله عليه الصلاة والسلام " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " ولنا ما رويناه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه والتخبير ينافي الفرضية والوجوب إلا أنا أثبتنا الوجوب بما رواه احتياطا وبمثله لا تثبت الفرضية والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 55
بالوقت في حق المنفرد على وجه التخيير ولم يوجد أحدهما " ومن قرأ في العشاء في الأوليين السورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد في الأخريين وإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة وجهر " وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يقضي واحدة منهما لأن الواجب إذا فات عن وقته لا يقضى إلا بدليل ولهما وهو الفرق بين الوجهين أن قراءة الفاتحة شرعت على وجه يترتب عليها السورة فلو قضاها في الأخريين تترتب الفاتحة على السورة وهذا خلاف الموضوع بخلاف ما إذا ترك السورة لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع ثم ذكر ههنا ما يدل على الوجوب وفي الأصل بلفظة الاستحباب لأنها إن كانت مؤخرة فغير موصولة بالفاتحة فلم يمكن مراعاة موضوعها من كل وجه " ويجهر بهما " هو الصحيح لأن الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة شنيع وتغيير النقل وهو الفاتحة أولى ثم المخافتة أن يمسع نفسه والجهر أن يسمع غيره وهذا عند الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله لأن مجرد حركة اللسان لا يسمى قراءة بدون الصوت وقال الكرخي أدنى الجهر أن يسمع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف لأن القراءة فعل اللسان دون الصماخ وفي لفظ الكتاب إشارة إلى هذا وعلى هذا الأصل كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء وغير ذلك " وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة آية عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ثلاث آيات قصار أو آية طويلة " لأنه لا يسمى قارئا بدونه فأشبه قراءة ما دون الآية وله قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] من غير فصل إلا أن ما دون الآية خارج والآية ليست في معناه " وفي السفر يقرأ بفاتحة الكتاب وأي سورة شاء " لما روي أن النبي عليه الصلا والسلام قرأ في صلاة الفجر في سفر بالمعوذتين ولأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة فلأن يؤثر في تخفيف القراءة أولى وهذا إذا كان على عجلة من السير وإن كان في أمنة وقرار يقرأ في الفجر نحو سورة البروج وانشقت لأنه يمكنه مراعاة السنة مع التخفيف " ويقرأ في الحضر في الفجر في الركعتين بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب ". ويروى من أربعين إلى ستين ومن ستين إلى مائة وبكل ذلك ورد الأثر ووجه التوفيق أنه يقرأ بالراغبين مائة وبالكسالى أربعين وبالأوساط ما بين خمسين إلى ستين وقيل ينظر إلى طول الليالي وقصرها وإلى كثرة الأشغال وقلتها.
قال: " وفي الظهر مثل ذلك " لاستوائهما في سعة الوقت وقال في الأصل أو دونه لأنه وقت الاشتغال فينقص عنه تحرزا عن الملال " والعصر والعشاء سواء يقرأ فيهما بأوساط المفصل وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار المفصل " والأصل فيه كتاب عمر رضي
الجزء 1 · صفحة 56
الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل ولأن مبنى المغرب على العجلة والتخفيف أليق بها والعصر والعشاء يستحب فيهما التأخير وقد يقعان بالتطويل في وقت غير مستحب فيوقت فيهما بالأوساط " ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية " إعانة للناس على إدراك الجماعة.
قال: " وركعتا الظهر سواء " وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله أحب إلي أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها ولهما أن الركعتين استويا في استحقاق القراءة فيستويان في المقدار بخلاف الفجر لأنه وقت نوم وغفلة والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حرج " وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها " بحيث لا تجوز بغيرها لإطلاق ما تلونا.
" ويكره أن يوقت بشيء من القرآن لشيء من الصلوات " لما فيه من هجر الباقي وإبهام التفضيل " ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام " خلافا للشافعي رحمه الله في الفاتحة له أن القراءة ركن من الأركان فيشتركان فيه.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " وعليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو ركن مشترك بينهما لكن حظ المقتدي الإنصات والاستماع قال عليه الصلاة والسلام " وإذا قرأالإمام فأنصتوا " ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد رحمه الله ويكره عندهما لما فيه من الوعيد " ويستمع وينصت وإن قرأالإمام آية الترغيب والترهيب " لأن الاستماع والإنصات فرض بالنص والقراءة وسؤال الجنة والتعوذ من النار كل ذلك مخل به " وكذلك في الخطبة وكذلك إن صلى على النبي عليه الصلاة والسلام " لفرضية الاستماع إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 56] الآية فيصلي السامع في نفسه واختلفوا في النائي عن المنبر، والأحوط هو السكوت إقامة لفرض الإنصات، والله أعلم بالصواب.
الجزء 1 · صفحة 45
فصل في القراءة
قال: " ويجهر بالقراءة في الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماما ويخفى في الأخريين " هذا هو المأثور المتوارث " وإن كان منفردا فهو مخير إن شاء جهر وأسمع نفسه " لأنه إمام في حق نفسه " وإن شاء خافت " لأنه ليس خلفه من يسمعه والأفضل هو الجهر ليكون الأداء على هيئة الجماعة " ويخفيها الإمام في الظهر والعصر وإن كان بعرفة " لقوله عليه الصلاة والسلام " صلاة النهار عجماء " أي ليست فيها قراءة مسموعة وفي عرفة خلاف مالك رحمه الله والحجة عليه ما رويناه " ويجهر في الجمعة والعيدين " لورود النقل المستفيض بالجهر وفي التطوع بالنهار يخافت وفي الليل يتخير اعتبارا بالفرد في حق المنفرد وهذا لأنه مكمل له فيكون تبعا له " ومن فاتته العشاء فصلاها بعد طلوع الشمس إن أم فبها جهر " كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قضى الفجر غداة ليلة التعريس بجماعة " وإن كان وحده خافت حتما ولا يتخير هو الصحيح " لأن الجهر يختص إما بالجماعة حتما، أو
الجزء 1 · صفحة 56
باب الإمامة
" الجماعة سنة مؤكدة " لقوله عليه الصلاة والسلام " الجماعة سنة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق " " وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة ".
الجزء 1 · صفحة 57
وعن أبي يوسف رحمه الله: أقرؤهم لأن القراءة لا بد منها والحاجة إلى العلم إذا نئبت نائبة ونحن نقول القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان " فإن تساووا فأقرؤهم " لقوله عليه الصلاة والسلام " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة وأقرؤهم كان أعلمهم " لأنهم كانوا يتلقونه بأحكامه فقدم في الحديث ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم " فإن تساووا فأورعهم " لقوله عليه الصلاة والسلام " من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي " " فإن تساووا فأسنهم " لقوله عليه الصلاة والسلام لابني أبي مليكة " وليؤمكما أكبركما سنا " ولأن في تقديمه تكثير الجماعة " ويكره تقديم العبد " لأنه لا يتفرغ للتعلم " والأعرابي " لأن الغالب فيهم الجهل " والفاسق " لأنه لا يهتم لأمر دينه " والأعمى " لأنه لا يتوقى النجاسة " وولد الزنا " لأنه ليس له أب يثقفه فيغلب عليه الجهل ولأن في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة فيكره " وإن تقدموا جاز " لقوله عليه الصلاة والسلام " صلوا خلف كل بر وفاجر " " ولا يطول الإمام بهم الصلاة " لقوله عليه الصلاة والسلام " من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة " " ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة " لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة " فإن فعلن قامت الإمام وسطهن " لأن عائشة رضي الله عنها فعلت كذلك وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام ولأن في التقدم زيادة الكشف " ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه " لحديث ابن عباس رضي الله عنهما فإنه عليه الصلاة والسلام صلى به وأقامه عن يمينه ولا يتأخر عن الإمام وعن محمد رحمه الله أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام والأول هو الظاهر فإن صلى خلفه أو في يساره جاز وهو مسيء لأنه خالف السنة " وإن أم اثنين تقدم عليهما " وعن أبي يوسف رحمه الله يتوسطهما ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ولنا أنه عليه الصلاة والسلام تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما فهذا للأفضلية والأثر دليل الإباحة " ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة أو صبي ".
أما المرأة فلقوله عليه الصلاة والسلام " أخروهن من حيث أخرهن الله " فلا يجوز تقديمها وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجوز اقتداء المفترض به وفي التراويح والسنن المطلقة جوزه مشايخ بلخ رحمهم الله ولم يجوزه مشايخنا رحمهم الله ومنهم من حقق الخلاف في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها لأن نفل الصبي دون نفل البالغ حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع ولا يبني القوي على الضعيف بخلاف المظنون لأنه مجتهد فيه فاعتبر العارض عدما.
الجزء 1 · صفحة 58
وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي لأن الصلاة متحدة " ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء " لقوله عليه الصلاة والسلام " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن " وإن حاذته امرأة وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته إن نوى الإمام إمامتها " والقياس أن لا تفسد وهو قول الشافعي رحمه الله اعتبارا بصلاتها حيث لا تفسد وجه الاستحسان ما رويناه وأنه من المشاهير وهو المخاطب به دونهها فيكون هو التارك لفرض المقام فتفسد صلاته دون صلاتها كالمأموم إذا تقدم على الإمام " وإن لم ينو إمامتها لم تضره ولا تجوز صلاتها " لأن الاشتراك لا يثبت دونها عندنا خلافا لزفر رحمه الله.
ألا ترى أنه يلزمه الترتيب في المقام فيتوقف على التزامه كالاقتداء وإنما يشترط نية الإمامة إذا ائتمت محاذية وإن لم يكن بجنبها رجل ففيه روايتان والفرق على إحداهما أن الفساد في الأول لازم وفي الثاني محتمل.
" ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة وأن تكون مطلقة وأن تكون المرأة من أهل الشهوة وأن لا يكون بينهما حائل " لأنها عرفت مفسدة بالنص بخلاف القياس فيراعى جميع ما ورد به النص " ويكره لهن حضور الجماعات " يعني الشواب منهن لما فيه من خوف الفتنة " ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء " وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله " وقالا يخرجن في الصلوات كلها " لأنه لا فتنة لقلة الرغبة إليها فلا يكره كما في العيد وله أن فرط الشبق حامل فتقع الفتنة غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة أما في الفجر والعشاء فهم نائمون وفي المغرب بالطعام مشغولون والجبانة متسعة فيمكنها الاعتزال عن الرجال فلا يكره.
قال: " ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة ولا الطاهرة خلف المستحاضة " لأن الصحيح أقوى حالا من المعذور والشيء لا يتضمن ما هو فوقه والإمام ضامن بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي " ولا " يصلي " القارئ خلف الأمي ولا المكتسي خلف العاري " لقوة حالهما " ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين " وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد رحمه الله: لا يجوز لأنه طهارة ضرورية والطهارة بالماء أصلية ولهما أنه طهارة مطلقة ولهذا لا يتقدر بقدر الحاجة " ويؤم الماسح الغاسلين " لأن الخلف مانع سراية الحدث في القدم وما حل بالخف يزيله المسح بخلاف المستحاضة لأن الحدث لم يعتبر شرعا مع قياسه حقيقة " ويصلي القائم خلف القاعد " وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يجوز
الجزء 1 · صفحة 59
وهو القياس لقوة حال القائم ونحن تركناه بالنص وهو ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى آخر صلاته قاعدا والقوم خلفه قيام " ويصلي المومئ خلف مثله " لاستوائهما في الحال إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا لأن القعود معتبر فتثبت به القوة " ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ " لأن حال المقتدي أقوى، وفيه خلاف زفر رحمه الله تعالى " ولا يصلي المفترض خلف المتنفل " لأن الاقتداء بناء ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام فلا يتحقق البناء على المعدوم.
قال: " ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر " لأن الاقتداء شركة وموافقة فلا بد من الاتحاد وعند الشافعي رحمه الله تعالى يصح في جميع ذلك لأن الاقتداء عنده أداء على سبيل الموافقة وعندنا معنى التضمن مراعى " ويصلي المتنفل خلف المفترض " لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة وهو موجود في حق الإمام فيتحقق البناء " ومن اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد " لقوله عليه الصلاة والسلام " من أم قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته وأعادوا " وفيه خلاف الشافعي رحمه الله تعالى بناء على ما تقدم ونحن نعتبر معنى التضمن وذلك في الجواز والفساد " وإذا صلى أمي بقوم يقرءون وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى " وقالا صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة لأنه معذور أم قوما معذورين وغير معذورين فصار كما إذا أم العاري عراة ولابسين وله أن الإمام ترك فرض القراءة مع القدرة عليها فتفسد صلاته وهذا لأنه لو اقتدى بالقارئ تكون قراءته قراءة له بخلاف تلك المسئلة وأمثالها لأن الموجود في حق الإمام لا يكون موجودا في حق المقتدي " ولو كان يصلي الأمي وحده والقارئ وحده جاز " هو الصحيح لأنه لم تظهر منهما رغبة في الجماعة "ف إن قرأ الإمام في الأوليين ثم قدم في الأخريين أميا فسدت صلاتهم " وقال زفر رحمه الله تعالى لا تفسد لتأدي فرض القراءة.
ولنا أن كل ركعة صلاة فلا تخلى عن القراءة إما تحقيقا أو تقديرا ولا تقدير في حق الأمي لانعدام الأهلية وكذا على هذا لو قدمه في التشهد والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الحدث في الصلاة
" ومن سبقه الحدث في الصلاة انصرف فإن كان إماما استخلف وتوضأ وبنى " والقياس أن يستقبل وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأن الحدث ينافيها والمشي والانحراف يفسدانها فأشبه الحدث العمد.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف
الجزء 1 · صفحة 60
وليتوضأ وليبن على صلاته مالم يتكلم " وقال عليه الصلاة والسلام " إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء" والبلوى فيما يسبق دون ما يعتمده فلا يلحق به " والاستئناف أفضل " تحرزا عن شبهة الخلاف وقيل إن المنفرد يستقبل والإمام والمقتدي يبني صيانة لفضيلة الجماعة " والمنفرد إن شاء أتم في منزله وإن عاد إلى مكانه " والمقتدي يعود إلى مكانه إلا أن يكون إمامه قد فرغ أولا يكون بينهما حائل " ومن ظن أنه أحدث فخرج من المسجد ثم علم أنه لم يحدث استقبل الصلاة وإن لم يكن خرج من المسجد يصلي ما بقي " والقياس فيهما الاستقبال وهو رواية عن محمد رحمه الله لوجود الانصراف من غير عذر وجه الاستحسان أنه انصرف على قصد الإصلاح ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه بنى على صلاته فألحق قصد الإصلاح بحقيقته مالم يختلف المكان بالخروج وإن كان استخلف فسدت لأنه عمل كثير من غير عذر وهذا بخلاف ما إذا ظن أنه افتتح الصلاة على غير وضوء فانصرف ثم علم أنه على وضوء حيث تفسد وإن لم يخرج لأن الانصراف على سبيل الرفض ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه يستقبله فهذا هو الحرف ومكان الصفوف في الصحراء له حكم المسجد ولو تقدم قدامه فالحد هو السترة وإن لم تكن فمقدار الصفوف خلفه وإن كان منفردا فموضع سجوده من كل جانب " وإن جن أو نام فاحتلم أو أغمي عليه استقبل " لأنه يندر وجود هذه العوارض فلم يكن معنى ما ورد به النص وكذلك إذا قهقه لأنه بمنزلة الكلام وهو قاطع " وإن حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره أجزأهم عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجزئهم " لأنه يندر وجوده فأشبه الجنابة في الصلاة وله أن الاستخلاف لعلة العجز وهو هنا ألزم والعجز عن القراءة غير نادر فلا يلحق بالجنابة " ولو قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة لا يجوز الاستخلاف بالإجماع " لعدم الحاجة إلى الاستخلاف " وإن الحدث بعد التشهد توضأوسلم " لأن التسليم واجب فلا بد من التوضي ليأتي به " وإن لحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته " لأنه يتعذر البناء لوجود القاطع لكن لا إعادة عليه لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان " فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت " وقد مر من قبل " وإن رآه بعد ما قعد قدر التشهد أو كان ماسحا فانقضت مدة مسحه او خلع خفيه بعمل يسير أو كان أميا فتعلم سورة أو عريانا فوجد ثوبا أو موميا فقدر على الركوع والسجود أو تذكر فائتة عليه قبل هذه أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميا أو طلعت الشمس في الفجر أو دخل وقت العصر وهو في الجمعة أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن برء أو كان صاحب عذر فانقطع عذره كالمستحاضة ومن بمعناها بطلت صلاته في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا
الجزء 1 · صفحة 61
تمت صلاته " وقيل الأصل فيه أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة رحمه الله وليس بفرض عندهما فاعتراض هذه العوارض عنده في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة وعندهما كاعتراضها بعد التسليم لهما ما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وله أنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا ومعنى قوله تمت قاربت التمام والاستخلاف ليس بمفسد حتى يجوز في حق القارىء وإنما الفساد ضرورة حكم شرعي وهو عدم صلاحية الإمامة " ومن اقتدى بإمام بعد ما صلى ركعة فأحدث الإمام فقدمة أجزأه " لوجود المشاركة في التحريمة والأولى للإمام أن يقدم مدركا لأنه أقدر على إتمام صلاته وينبغي لهذا المسبوق أن لا يتقدم لعجزه عن التسليم " فلو تقدم يبتدئ من حيث انتهى إليه الإمام " لقيامه مقامه " وإذا إنتهى إلى السلام يقدم مدركا يسلم بهم فلو أنه حين أتم صلاة الإمام قهقه أو أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته وصلاة القوم تامة " لأن المفسد في حقه وجد في خلال الصلاة وفي حقهم بعد تمام أركانها "والإمام الأول إن كان فرغ لا تفسد صلاته وإن لم يفرغ تفسد" وهو الأصح " فإن لم يحدث الإمام الأول وقعد قدر التشهد ثم قهقه أو أحدث متعمدا فسدت صلاة الذي لم يدرك أول صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا تفسد وإن تكلم أو خرج من المسجد لم تفسد في قولهم جميعا " لهما أن صلاة المقتدى بناء على صلاة الإمام جوازا وفسادا ولم تفسد صلاة الإمام فكذا صلاته وصار كالسلام والكلام وله أن القهقهة مفسدة الجزء الذي يلاقيه من صلاة الإمام فيفسد مثله من صلاة المقتدى غير أن الإمام لا يحتاج إلى البناء والمسبوق محتاج إليه والبناء على الفاسد فاسد بخلاف السلام لأنه منه والكلام في معناه وينتقض وضوء الإمام لوجود القهقهة في حرمة الصلاة " ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى ولا يعتد بالتي أحدث فيها " لأن إتمام الركن بالانتقال ومع الحدث لا يتحقق فلا بد من الاعادة ولو كان إمام فقدم غيره دام المقدم على الركوع لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة " ولو تذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة فانحط من ركوعه أو رفع رأسه من سجوده فسجدها يعيد الركوع والسجود " وهذا بيان الأولى لتقع أفعال الصلاة مرتبة بالقدر الممكن وإن لم يعد أجزأه لأن الإنتقال مع الطهارة شرط وقد وجد وعن أبي يوسف رحمه الله أنه تلزمه إعادة الركوع لأن القومة فرض عنده.
قال: " ومن أم رجلا واحدا فأحدث وخرج من المسجد فالمأموم إمام نوى أو لم ينو " لما فيه من صيانة الصلاة وتعيين الأول لقطع المزاحمة ولا مزاحمة ههنا ويتم الأول صلاته
الجزء 1 · صفحة 62
مقتديا بالثاني كما إذا إستخلفه حقيقة " ولو لم يكن خلفه إلا صبي أو إمرأة قيل تفسد صلاته " لاستخلاف من يصلح للإمامة " وقيل لا تفسد " لأنه لم يوجد الاستخلاف قصدا وهو لا يصلح للإمامة والله أعلم.
باب: ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
مدخل
...
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
" ومن تكلم في صلاته عامدا أو ساهيا بطلت صلاته " خلافا للشافعي رحمه الله في الخطأ والنسيان ومفزعة الحديث المعروف.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن " وما رواه محمول على رفع الإثم بخلاف السلام ساهيا لأنه من الأذكار فيعتبر ذكرا في حالة النسيان وكلاما في حالة التعمد لما فيه من كاف الخطاب " فان أن فيها أو تأوه أو بكى فارتفع بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطعها " لأنه يدل على زيادة الخشوع " وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها " لأن فيه إظهار الجزع والتأسف فكان من كلام الناس وعن أبي يوسف رحمه الله أن قوله آه لا يفسد في الحالين وأوه يفسد وقيل الأصل عنده أن الكلمة إذا إشتملت على حرفين وهما زائدان أو إحداهما لا تفسد وإن كانتا أصليتين تفسد وحروف الزوائد جمعوها في قولهم اليوم تنساه وهذا لا يقوى لأن كلام الناس في متفاهم العرف يتبع وجود حروف الهجاء وإفهام المعنى ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد " وإن تنحنح بغير عذر " بأن لم يكن مدفوعا إليه " وحصل به الحروف ينبغي أن يفسد عندهما وإن كان بعذر فهو عفو كالعطاس " والجشاء إذا حصل به حروف " ومن عطس فقال له آخر يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته " لأنه يجري في مخاطبات الناس فكان من كلامهم بخلاف ما إذا قال العاطس أو السامع الحمد لله على ما قالوا لأنه لم يتعارف جوابا " وإن إستفتح ففتح عليه في صلاته تفسد " ومعناه أن يفتح المصلي على غير إمامه لأنه تعليم وتعلم فكان من جنس كلام الناس ثم شرط التكرار في الأصل لأنه ليس من أعمال الصلاة فيعفى القليل منه ولم يشترط في الجامع الصغير لأن الكلام بنفسه قاطع وإن قل " وإن فتح على إمامه لم يكن كلاما فاسدا " استحسانا لأنه مضطر إلى إصلاح صلاته فكان هذا من أعمال صلاته معنى " وينوي الفتح على إمامه دون القراءة " هو الصحيح لأنه مرخص فيه وقراءته ممنوع عنها " ولو كان الإمام إنتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله " لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة وينبغي للمقتدي أن لا يعجل بالفتح وللإمام أن لا يلجئهم إليه
الجزء 1 · صفحة 63
بل يركع إذا جاء أوانه أو ينتقل إلى آية أخرى " ولو أجاب رجلا في الصلاة بلا إله إلا الله فهذا كلام مفسد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يكون مفسدا " وهذا الخلاف فيما إذا أراد به جوابه له أنه ثناء بصيغته فلا يتغير بعزيمته ولهما أنه أخرج الكلام مخرج الجواب وهو يحتمله فيجعل جوابا كالتشميت والاسترجاع على الخلاف في الصحيح " وإن أراد " به " إعلامه أنه في الصلاة لم تفسد بالاجماع " لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح ".
" ومن صلى ركعة من الظهر ثم افتتح العصر أو التطوع فقد نقض الظهر " لأنه صح شروعه في غيره فيخرج عنه " ولو افتتح الظهر بعد ما صلى منها ركعة فهي هي ويجتزأ بتلك الركعة " لأنه نوى الشروع في عين ما هو فيه فلغت نيته وبقى المنوي على حاله " وإذا قرأ الإمام من المصحف فسدت صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا هي تامة " لأنها عبادة انضافت إلى عبادة أخرى " إلا أنه يكره " لأنه تشبه بصنيع أهل الكتاب ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير ولأنه تلقن من المصحف فصار كما إذا تلقن من غيره وعلى هذا لا فرق بين المحمول والموضوع وعلى الأول يفترقان ولو نظر إلى مكتوب وفهمه فالصحيح انه لا تفسد صلاته بالإجماع بخلاف ما إذا حلف لا يقرأ كتاب فلان حيث يحنث بالفهم عند محمد رحمه الله تعالى لأن المقصود هنالك الفهم أما فساد الصلاة فبالعمل الكثير ولم يوجد " وإن مرت إمرأة بين يدي المصلي لم تقطع صلاته " لقوله عليه الصلاة والسلام " لا يقطع الصلاة مرور شيء " " إلا أن المار آثم " لقوله عليه الصلاة والسلام " لو علم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين " وإنما يأثم إذا مر في موقع سجوده على ما قيل ولا يكون بينهما حائل وتحاذى أعضاء المار أعضاءه لو كان يصلي على الدكان " وينبغي لمن يصلي في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة " لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا صلى أحدكم في الصحراء فليجعل بين يديه سترة " " ومقدارها ذراع فصاعدا " لقوله عليه الصلاة والسلام " أيعجز أحدكم إذا صلى في الصحراء أن يكون أمامه مثل مؤخرة الرحل " " وقيل ينبغي أن تكون في غلظ الأصبع " لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد فلا يحصل المقصود " ويقرب من السترة " لقوله عليه الصلاة والسلام " من صلى إلى سترة فليدن منها " " ويجعل السترة على حاجبه الأيمن أو على الأيسر به " ورد الأثر ولا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق " وسترة الإمام سترة للقوم " لأنه عليه الصلاة والسلام صلى ببطحاء مكة إلى عنزة ولم يكن للقوم سترة " ويعتبر الغرز دون الالقاء والخط " لأن المقصود لا يحصل به " ويدرأ المار إذا لم يكن بين
الجزء 1 · صفحة 64
يديه سترة أو مر بينه وبين السترة " لقوله عليه الصلاة والسلام " ادرءوا ما استطعتم " " ويدرأ بالاشارة " كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد أم سلمة رضي الله عنها " أو يدفع بالتسبيح " لما روينا من قبل " ويكره الجمع بينهما " لأن بأحدهما كفاية.
فصل: ويكره للمصلي إلخ
...
فصل
" ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده " لقوله عليه الصلاة والسلام " إن الله تعالى كره لكم ثلاثا وذكر منها العبث في الصلاة " ولأن العبث خارج الصلاة حرام فما ظنك في الصلاة " ولا يقلب الحصا " لأنه نوع عبث " إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرة واحدة " لقوله عليه الصلاة والسلام " مرة يا أبا ذر وإلا فذر " ولأن فيه إصلاح صلاته " ولا يفرقع أصابعه " لقوله عليه الصلاة والسلام " لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي " " ولا يتخصر " وهو وضع اليد على الخاصرة لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الاختصار في الصلاة ولأن فيه ترك الوضع المسنون " ولا يلتفت " لقوله عليه الصلاة والسلام " لو علم المصلي من يناجي ما التفت " " ولو نظر بمؤخر عينيه يمنة ويسرة من غير أن يلوي عنقه لا يكره " لأنه عليه الصلاة والسلام كان يلاحظ أصحابه في صلاته بموق عينيه " ولا يقعى ولا يفترش ذراعيه " لقول أبي ذر رضي الله عنه نهاني خليلي عن ثلاث أن أنقر نقر الديك وأن أقعى إقعاء الكلب وأن أفترش افتراش الثعلب والإقعاء أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ركبتيه نصبا هو الصحيح " ولا يرد السلام بلسانه " لأنه كلام " ولا بيده " لأنه سلام معنى حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته " ولا يتربع إلا من عذر " لأن فيه ترك سنة القعود " ولا يعقص شعره " وهو أن يجمع شعره على هامته ويشده بخيط أو بصمغ ليتلبد فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص " ولا يكف ثوبه " لأنه نوع تجبر " ولا يسدل ثوبه " لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن السدل وهو أن يجعل ثوبه على رأسه وكتفيه ثم يرسل أطرافه من جوانبه " ولا يأكل ولا يشرب " لأنه ليس من أعمال الصلاة " فإن أكل أو شرب عامدا أو ناسيا فسدت صلاته " لأنه عمل كثير وحالة الصلاة مذكرة ولا بأس بأن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق ويكره أن يقوم في الطاق " لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام بالمكان بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق " ويكره أن يكون الإمام وحده على الدكان " لما قلنا " وكذا على القلب في ظاهر الرواية " لأنه ازدراء بالإمام " ولا بأس بأن يصلي إلى ظهر رجل قاعد يتحدث " لأن ابن عمر رضي الله عنهما ربما كان يستتر بنافع في بعض أسفاره " ولا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق " لأنهما لا يعبدان وباعتباره تثبت الكراهة " ولا بأس بأن يصلي على بساط فيه تصاوير " لأن فيه استهانة بالصور
الجزء 1 · صفحة 65
" ولا يسجد على التصاوير " لأنه يشبه عبادة الصورة وأطلق الكراهة في الأصل لأن المصلى معظم " ويكره أن يكون فوق رأسه في السقف أو بين يديه أو بحذائه تصاوير أو صورة معلقة " لحديث جبريل إنا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة ولو كانت الصورة صغيرة بحيث لا تبدو للناظر لا يكره لأن الصغار جدا لا تعبد " وإذا كان التمثال مقطوع الرأس " أي ممحو الرأس " فليس بتمثال " لأنه لا يعبد بدون الرأس وصار كما إذا صلى إلى شمع أو سراج على ما قالوا " ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة أو على بساط مفروش لا يكره " لأنها تداس وتوطأ بخلاف ما إذا كانت الوسادة منصوبة أو كانت على السترة لأنه تعظيم لها وأشدها كراهة أن تكون أمام المصلي ثم من فوق رأسه ثم على يمينه ثم على شماله ثم خلفه " ولو لبس فيه ثوبا فيه تصاوير يكره " لأنه يشبه حامل الصنم والصلاة جائزة في جميع ذلك لاستجماع شرائطها وتعاد على وجه غير مكروه وهذا الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة " ولا يكره تمثال غير ذي الروح " لأنه لا يعبد " ولا بأس بقتل الحية والعقرب في الصلاة " لقوله عليه الصلاة والسلام " اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة " ولأن فيه إزالة الشغل فأشبه درءالمار ويستوي جميع أنواع الحيات هو الصحيح لإطلاق ما روينا " ويكره عد الآي والتسبيحات باليد في الصلاة " وكذلك عد السور لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنه لا بأس بذلك في الفرائض والنوافل جميعا مراعاة لسنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة قلنا يمكنه أن يعد ذلك قبل الشروع فيستغنى عن العد بعده والله أعلم.
فصل
" ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء " لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك والاستدبار يكره في رواية لما فيه من ترك التعظيم ولا يكره في رواية لأن المستدبر فرجه غير مواز للقبلة وما ينحط منه ينحط إلى الأرض بخلاف المستقبل لأن فرجه موازلها وما ينحط منه ينحط إليها " وتكره المجامعة فوق المسجد والبول والتخلي " لأن سطح المسجد له حكم المسجد حتى يصح الاقتداء منه بمن تحته ولا يبطل الاعتكاف بالصعود إليه ولا يحل للجنب الوقوف عليه " ولا بأس بالبول فوق بيت فيه مسجد " والمراد ما أعد للصلاة في البيت لأنه لم يأخذ حكم المسجد وإن ندبنا إليه " ويكره أن يغلق باب المسجد " لأنه يشبه المنع من الصلاة وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد في غير أوان الصلاة " ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب " وقوله لا بأس يشير إلى أنه لا يؤجر عليه لكنه لا يأثم به وقيل هو قربة وهذا إذا فعل من مال نفسه أما المتولي
الجزء 1 · صفحة 66
فيفعل من مال الوقف ما يرجع إلى أحكام البناء دون ما يرجع إلى النقش حتى لو فعل يضمن والله أعلم بالصواب.
باب صلاة الوتر
" الوتر واجب عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا سنة " لظهور آثار السنن فيه حيث لا يكفر جاحده ولا يؤذن له ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام " إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر " أمر وهو للوجوب ولهذا وجب القضاء بالإجماع وإنما لا يكفر جاحده لأن وجوبه ثبت بالسنة وهو المعني بما روي عنه أنه سنة وهو يؤدى في وقت العشاء فاكتفي بأذانه وإقامته.
قال: " الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام " لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوتر بثلاث وحكى الحسن رحمه الله إجماع المسلمين على الثلاث وهذا أحد أقوال الشافعي رحمه الله تعالى وفي قول يوتر بتسليمتين وهو قول مالك رحمه الله تعالى والحجة عليهما ما رويناه " ويقنت في الثالثة قبل الركوع " وقال الشافعي رحمه الله تعالى بعده لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قنت في آخر الوتر وهو بعد الركوع.
ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قنت قبل الركوع وما زاد على نصف الشيء آخره ويقنت في جميع السنة خلافا للشافعي رحمه الله تعالى في غير النصف الأخير من رمضان لقوله عليه الصلاة والسلام للحسن بن علي رضي الله عنهما حين علمه دعاء القنوت " اجعل هذا في وترك من غير فصل " " ويقرأ في كل ركعة " من الوتر " فاتحة الكتاب وسورة " لقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] " وإن أراد أن يقنت كبر " لأن الحالة قد اختلفت " ورفع يديه وقنت " لقوله عليه الصلاة والسلام " لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وذكر منها القنوت " " ولا يقنت في صلاة غيره " خلافا للشافعي رحمه الله تعالى في الفجر لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة الفجر شهرا ثم تركه " فإن قنت الإمام في صلاة الفجر يسكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يتابعه " لأنه تبع لإمامه والقنوت مجتهد فيه ولهما أنه منسوخ ولا متابعة فيه ثم قيل يقف قائما ليتابعه فيما تجب متابعته وقيل يقعد تحقيقا للمخالفة لأن الساكت شريك الداعي والأول أظهر ودلت المسئلة على جواز الاقتداء بالشفعوية وعلى المتابعة في قراءة القنوت في الوتر وإذا علم
الجزء 1 · صفحة 67
المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به والمختار في القنوت الإخفاء لأنه دعاء والله أعلم.
باب: النوافل
مدخل
...
باب النوافل
" السنة ركعتان قبل الفجر وأربع قبل الظهر وبعدها ركعتان وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين وركعتان بعد المغرب وأربع قبل العشاء وأربع بعدها وإن شاء ركعتين" والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام " من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة " وفسر على نحو ما ذكر في الكتاب غير أنه لم يذكر الأربع قبل العصر فلهذا سماه في الأصل حسنا وخير لاختلاف الآثار والأفضل هو الأربع
ولم يذكر الأربع قبل العشاء فلهذا كان مستحبا لعدم المواظبة وذكر فيه ركعتين بعد العشاء وفي غيره ذكر الأربع فلهذا خير إلا أن الأربع أفضل خصوصا عند أبي حنيفة على ما عرف من مذهبه والأربع قبل الظهر بتسليمة واحدة عندنا كذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه خلاف للشافعي.
قال: " ونوافل النهار إن شاء صلى بتسليمة ركعتين وإن شاء أربعا وتكره الزيادة على ذلك وأما نافلة الليل قال أبو حنيفة رحمه الله إن صلى ثمان ركعات بتسليمة جاز وتكره الزيادة على ذلك وقالا لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة " وفي الجامع الصغير لم يذكر الثماني في صلاة الليل ودليل الكراهة أنه عليه الصلاة والسلام لم يزد على ذلك ولولا الكراهة لزاد تعليما للجواز والأفضل في الليل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مثنى مثنى وفي النهار أربع أربع وعند الشافعي رحمه الله فيهما مثنى مثنى" وعند أبي حنيفة فيهما أربع أربع للشافعي رحمه الله قوله عليه الصلا والسلام " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ولهما الاعتبار بالتراويح ولأبي حنيفة رحمه الله أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بعد العشاء أربعا أربعا روته عائشة رضي الله عنها وكان عليه الصلاة والسلام يواظب على الأربع في الضحى ولأنه أدوم تحريمة فيكون أكثر مشقة وأزيد فضيلة ولهذا لو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة لا يخرج عنه بتسليمتين وعلى القلب يخرج والتراويح تؤدى بجماعة فيراعى فيها جهة التيسير ومعنى ما رواه شفعا لا وترا والله أعلم.
فصل في القراءة
" القراءة في الفرض واجبة في الركعتين " وقال الشافعي رحمه الله في الركعات كلها لقوله
الجزء 1 · صفحة 68
عليه الصلاة والسلام " لا صلاة إلا بقراءة وكل ركعة صلاة " وقال مالك رحمه الله في ثلاث ركعات إقامة للأكثر مقام الكل تيسيرا.
ولنا قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار وإنما أوجبنا في الثانية استدلالا بالأولى لأنهما يتشاكلان من كل وجه فأما الأخريان فيفارقانهما في حق السقوط بالسفر وصفة القراءة وقدرها فلا يلحقان بهما والصلاة فيما روي مذكورة صريحا فتنصرف إلى الكاملة وهي الركعتان عرفا كمن حلف لا يصلى صلاة بخلاف ما إذا حلف لا يصلى " وهو مخير في الأخريين " معناه إن شاء سكت وإن شاء قرأ وإن شاء سبح كذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم إلا أن الأفضل أن يقرأ لأنه عليه الصلاة والسلام داوم على ذلك ولهذا لا يجب السهو بتركها في ظاهر الرواية " والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل وفي جميع الوتر " أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حدة والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة ولهذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان في المشهور عن أصحابنا رحمهم الله ولهذا قالوا يستفتح في الثالثة أي يقول سبحانك اللهم وأما الوتر فللاحتياط.
قال: " ومن شرع في نافلة ثم أفسدها قضاها " وقال الشافعي رحمه الله لا قضاء عليه لأنه متبرع فيه ولا لزوم على المتبرع ولنا أن المؤدي وقع قربة فيلزم الإتمام ضرورة صيانته عن البطلان " وإن صلى أربعا وقرأ في الأوليين وقعد ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين " لأن الشفع الأول قد تم والقيام إلى الثالثة بمنزلة تحريمة مبتدأة فيكون ملزما هذا إذا أفسد الأخريين بعد الشروع فيهما ولو أفسد قبل الشروع في الشفع الثاني لا يقضي الأخريين وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يقضي اعتبارا للشروع بالنذر ولهما أن الشروع يلزم ما شرع فيه ومالا صحة له إلا به وصحة الشفع الأول لا تتعلق بالثاني بخلاف الركعة الثانية وعلى هذا سنة الظهر لأنها نافلة وقيل يقضي أربعا احتياطا لأنها بمنزلة صلاة واحدة " وإن صلى أربعا ولم يقرأفيهن شيئا أعاد ركعتين " وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله يقضي أربعا وهذه المسئلة على ثمانية أوجه.
والأصل فيها أن عند محمد رحمه الله ترك القراءة في الأوليين أو في إحداهما يوجب بطلان التحريمة لأنها تعقد للأفعال وعند أبي يوسف رحمه الله ترك القراءة في الشفع الأول لا يوجب بطلان التحريمة وإنما يوجب فساد الأداء لأن القراءة ركن زائد.
الجزء 1 · صفحة 69
ألا ترى أن للصلاة وجودا بدونها غير أنه لا صحة للأداء إلا بها وفساد الأداء لا يزيد على تركه فلا يبطل التحريمة وعند أبي حنيفة رحمه الله ترك القراءة في الأوليين يوجب بطلان التحريمة وفي إحداهما لا يوجب لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة وفسادها بترك القراءة في ركعة واحدة مجتهد فيه فقضينا بالفساد في حق وجوب القضاء وحكمنا ببقاء التحريمة في حق لزوم الشفع الثاني احتياطا إذا ثبت هذا نقول إذا لم يقرأ في الكل قضى ركعتين عندهما لأن التحريمة قد بطلت بترك القراءة في الشفع الأول عندهما فلم يصح الشروع في الشفع الثاني وبقيت عند أبي يوسف رحمه الله فصح الشروع في الشفع الثاني ثم إذا فسد الكل بترك القراءة فيه فعليه قضاء الأربع عنده " ولو قرأ في الأوليين لا غير فعليه قضاء الأخريين بالإجماع " لأن التحريمة لم تبطل فصح الشروع في الشفع الثاني ثم فساده بترك القراءة لا يوجب فساد الشفع الأول " ولو قرأ في الأخريين لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع " لأن عندهما لم يصح الشروع في الشفع الثاني وعند أبي يوسف رحمه الله إن صح فقد أداها " ولو قرأ في الأوليين وإحدى الأخريين فعليه قضاء الأخريين بالإجماع ولو قرأ في الأخريين وإحدى الأوليين فعليه قضاء الأوليين بالإجماع ولو قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين على قول أبي يوسف رحمه الله عليه قضاء الأربع وكذا عند أبي حنيفة رحمه الله " لأن التحريمة باقية وعند محمد رحمه الله عليه قضاء الأوليين لأن التحريمة قد ارتفعت عنده وقد أنكر أبو يوسف رحمه الله هذه الرواية عنه وقال رويت لك عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يلزمه قضاء ركعتين ومحمد رحمه الله لم يرجع عن روايته عنه " ولو قرأ في إحدى الأوليين لا غير قضى أربعا عندهما وعند محمد رحمه الله قضى ركعتين ولو قرأ في إحدى الأخريين لا غير قضى أربعا عند أبي يوسف رحمه الله وعندهما ركعتين ".
قال: " وتفسير قوله عليه الصلاة والسلام " لا يصلي بعد صلاة مثلها " يعني ركعتين بقراءة وركعتين بغير قراءة فيكون بيان فرضية القراءة في ركعات النفل كلها ويصلي النافلة قاعدا مع القدرة على القيام " لقوله عليه الصلاة والسلام " صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم " ولأن الصلاة خير موضوع وربما يشق عليه القيام فيجوز له تركه كيلا ينقطع عنه.
واختلفوا في كيفية القعود والمختار أن يقعد كما يقعد في حالة التشهد لأنه عهد مشروعا في الصلاة " وإن افتتحها قائما ثم قعد من غير عذر جاز عند أبي حنيفة رحمه الله " وهذا استحسان وعندهما لا يجزيه وهو قياس لأن الشروع معتبر بالنذر له أنه لم يباشر القيام فيما بقي ولما باشر صحت بدونه بخلاف النذر لأنه التزمه نصا حتى لو لم ينص على القيام