الجزء 1 · صفحة 2
المجلد الأول
مقدمة
...
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
أحمد الله حمدا يليق بجلال ذاته وجمال صفاته، وأشكره شكرا علي توتر نعمه وبركاته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عدد كلمات الله وآياته وأشهد أن محمدا سيدنا وعبده أكرم مخلوقاته واشرف أولاد آدم وذرياته المبعوث بمشرات الحق وانذراته صلوات الله وسلامه عليه وعلي آله وصحبه تكميلا لصلاته وعلي التابعين من الأئمة والمجتهدين والحفظة المستحقين لصلاته.
"وبعد" فقد قال أستاذي وشيخي متعني الله والمسلمين بحياته الشيخ الإمام العلامة المتقن المحقق جمال الدين مفتي المسلمين مفيد الطالبين أبو المحاسن يوسف بن العبد الفقير إلي الله الشيخ الإمام العلامة صلاح الدين أبي البركات موسي الحنفي عامله الله تعالي بلطفه الجلي والخفي لما طالعت كتاب "مشكل الآثار" للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المعروف بالطحاوي سقي الله ثراه سجال الرجمة والرضوان وجدته مطولا ورأيت همتي قاصرة وهمومي كثيرة والكتاب يحتوي علي معان حسنة عزيزة وفوائد جمة غزيرة ويشتمل فلي فنون من الفقه وضروب العلم دعاه
الجزء 1 · صفحة 3
إلي ذلك ما ذكر في خطبة كتابه حيث قال أني نظرت في الآثار المروية عن رسول الله صلي الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي تقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها وحسن الأداء لها فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس فمال قلبي إلي تأملها زتبيان ما قدرت عليه من مشكلها زمن استخراج الأحكام التي فيها ومن نفي الإحالات عنها وأن جعل ذلك أبوابا ذكر في كل باب منها ما يهب الله لي من ذلك فيها حتي أبين ما قدرت عليه منها كذلك ملتمسا ثواب الله عز وجل عليه.
ولقد أثابه الله علي ذلك ثوابا جزيلا وكان كتابه بكثرة تطريقه الحديث وتدقيق الكلام فيه حرصا علي التناهي في البيان علي غير ترتيب نظام لم يتورخ فيه ضم باب إلي شكله ولا الحاق نوع بجنسه فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديون إلي آخره وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد فصارت بذلك فوائد والطائفة منتشرة متشتتة فيه يعسر استخراجها منه إن أراد طالب أن يقف علي معني بعينه لم يجد ما يستدل به علي موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب وإن ذهب ذاهب إلي تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلي تحفظ جميع الأبواب فقصدت جميع فوائده والتقاط فرائده في مختصر وبقيت متردد في جمعه بين الإقدام الإحجام لصعوبة مدركه علي مثلي مع قلة بضاعتي وكثرة مخالطتي إلي أن ظفرت بمختصر "كتاب مشكل الآثار"اختصارا بديعا ضم كل نوع فيه إلي نوعه والحق كل شكل منه بشكله ورتبه ترتيبا حسنا حذف أسانيد الأحاديث وتطريقها واختصر كثير من ألفاظه من غير أن يخل بشئ من معانيه وفقهه يسهل علي الطالب تفظه ويتيسر عليه فهمه وتفحصه فشكرت الله علي ذلك وتحققت أن الله تعالي بإجابة دعائي ويسر علي ما عسر علي كثير من أمثالي فشمرت ساعد الإجتهاد وتيقنت بأن هذا الشئ يراد
الجزء 1 · صفحة 4
وعزمت أن أنقي خلاصته وأخلص نقاوته غير ملتزم حكاية الفاظه بأعيانها ولا منظم لدرها كما هي وجمانها ذاكرا لمعانيه أجمع بنصف ألفاظه راجيا لمثابرة الطالب عليه وألفاظه مبتدئا بذكر الأحاديث المتضمنة لمعرفة النبي صلي الله عليه وسلم بأسمائه وصفاته ثم ومعجزاته وسنه ووفاته ثم الشرائع والأحكام كتابا كتابا ثم ما كان منها من تفسير القرآن وأسباب النزول علي ترتيب المختصر من غير عدول عن ذلك في شئ وفي أثناء الكلام أشير إلي إعتراضات القاضي واستدراكاته وغلي أجوبة بعضها مع إيراد جميع ما زاد فيه من الموطأ وتحصل في جميع الديوان تسع مائة حديث وثلاث وثلاثون حديثا سوي ما سبق فيه علي سبيل الإحتجاج للقول المختار والحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وسميته المعتصر من المختصر سائلا ربي الكريم أن ينفعني والطالبين بما منح لنا ويستعملني وإياهم بما عملنا وكفانا والمسلمين شر أنفسنا وسر كل ذي شر هو آخذ بناصيته إن ربي علي صراط مستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كتاب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه ومعجزاته وسِنِّه ووفاته
ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
...
كتاب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه ومعجزاته وسنة ووفاته
وفيه أربعة عشر حديثا
ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
روى عن محمد بن خبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي خمسة أسماء أنا أحمد وأنا محمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب" وهو الذي ليس بعده أحد وروى عنه بزيادة خاتم وروى أبو موسى الأشعري قال: "أنا محمد وأحمد والمقفى والعاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة والمقفى" بمعنى العاقب ونبي التوبة لأن الله تعالى تاب به على من تاب من عباده ونبي الملحمة لأنه سبب
الجزء 1 · صفحة 5
القتال فكل هذه الأسماء مشتقة من صفاته وسمى رؤفا رحيما انتزاعا من قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الآية فدل ذلك أنه يجوز أن يسمى بصفاته كلها سوى الحمد كما سمى بأحمد وأنه لا تقتصر أسماؤه على ما ذكرنا وهذا لأن الأسماء إنما هي أعلام لأشياء يراد بها التفريق بينها وإبانة بعضها من بعض وهي على نوعين نوع يسمى الشيء به لا لمعنى فيه كالحجر والجبل ونوع يسمى به لمعنى فيه من صفاته كمحمد من الحمد والماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه وخاتما لأنه خاتم النبيين فكل ما سمي به من أسماء مشعرة بصفات تعظيم وكمال فهو لا حق بهذه الأسماء المنصوصات من غير حجر ولا توقف على توقيف والاقتصار بذكر بعض أسمائه ليس بدليل على القصر بأن ليس له أسماء غيرها.
ما جاء في خصائصه صلى الله عليه وسلم
روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: أي ربي قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح" ثم ذكر سليمان ومنهم من كان يحيي الموتى ثم ذكر عيسى ومنهم يذكر ما أعطوا قال: "ألم أجدك يتيما فآويت؟ قلت: بلى أي رب قال: ألم أجدك ضالا فهديت؟ قلت: بلى, أي رب قال: ألم أجدك عائلا فأغنيت؟ قلت: بلى, أي رب, قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قلت: بلى, أي رب" فيه ما يدل أنه سأل ربه ما يبين به من الأنبياء قبله من جنس ما أوتوا فلما أعلم أنه أوتي ما هو فوق ذلك مما ذكرنا ومن رفع ذكره معه في الأذان والتشهد وذ أنه لم يكن سأله إذ وقفه الله على ذلك. ثم روى عنه أنه ما نحيط به علما أنه لم يقله إلا بعد ذلك جوابا لمن سأل عنه: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ فضحك, ثم قال: "فلعل لصاحبكم عند الله تعالى أفضل من ملك سليمان لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذها
الجزء 1 · صفحة 6
دنيا فأعطيها ومنهم من دعا على قومه إذ عصوا فأهلكوا بها وإن الله تعالى أعطاني دعوة اختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة" فعلمنا أنه أعطي منزلة فوق منزلة من قبله من الأنبياء أجمعين ثم زاده الله تعالى بأن بعثه إلى الناس جميعا بخلاف غيره من الأنبياء وأنزل عليه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وقال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وأرسلت إلى الأبيض والأحمر وأعطيت الشفاعة" وعن أبي هريرة مرفوعا: "فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم وختم بي النبييون" والأربعة المتقدمة ففي هذا ما دل على فضله على جميع الأنبياء وقوله فيما روى عنه صلى الله عليه وسلم: "لا تخيروني على موسى" الحديث وفيما روى عنه عليه السلام: "لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" رواه علي بن أبي طالب وزاد فيه قد سبح الله في الظلمات يحتمل أنه قال قبل علمه بتفضيل الله تعالى إياه على جميع خلقه وكذا جوابه لمن قال له: يا خير البرية فقال: "ذاك أبي إبراهيم" يحتمل أن يكون قبل أن يتخذه الله خليلا فلما جعله خليلا عاد بالخلة من الله بمنزلة إبراهيم في الخلة وهي المحبة التي لا محبة فوقها وزاد عليه بذكره فيما لا يذكر فيه إبراهيم في التأذين والإقامة وإعطائه في الآخرة المقام المحمود الذي لم يعطه غيره كما روى عن كعب أنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود وهو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" وعن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وأن صاحبكم خليل الله" ثم قرأ َ {عسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ} " الآية فالمقام المحمود ما اختصه الله تعالى به في الآخرة حتى يغبطه به الأولون والآخرون ففي هذا كله دليل على أن ما قاله في إبراهيم وموسى ويونس إنما كان ذلك قبل إعطائه إياه والذي يروى عن أبي سعيد من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تخيروا بين أنبياء الله سبحانه" محمول على التفضيل بآرائنا من غير توقيف فأما ما بينه لنا فقد أطلقه لنا.
الجزء 1 · صفحة 7
ما جاء في معجزاته صلى الله عليه وسلم
روى عن علي وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وابن عباس وأنس
تحقيقهم انشقاق القمر رأي عين بروايات مختلفة منهم من قال انشق ونحن معه صلى الله عليه وسلم ومنهم من زاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا" ومنهم من قال: فقالت قريش: سحر سحركم به ابن أبي كبشة ومنهم من قال: انشق القمر فانقطعت فرقة منه خلف الجبل فقال: "اشهدوا" وهم القدوة والحجة لا يخرج عن قولهم إلا جاهل خاسر وزعم من ادعى التأويل وترك الاقتداء أنه لم ينشق وإنما ينشق يوم القيامة وأن قوله تعالى: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} صلته {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ} وأنه لم يروه إلا ابن مسعود وخبر الواحد فيما سبيله الاشتهار فيه ما فيه وهذا من الزاعم جهل بمشاركة الخمسة الأعلام الذين روينا عنهم وكفى بالجهل عارا وكيف يجعل يوم يدع الداع صلة وظرفا لقوله: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} وقد انقطع الكلام عند قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم واستونف من يوم يدع الداع وهو ظرف لقوله تعالى بعده {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} كذا قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} دليل على انشقاقه في الدنيا لأن الآيات إنما تكون قبل يوم القيامة لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً} نعوذ بالله من خلاف الصحابة والخروج عن مذاهبهم فإن ذلك كالاستكبار ومن يستكبر عن مذاهبهم كان حريا أن يمنعه الله فهم كتابه كما قال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} الآية ثم في قول قريش سحر سحركم به ابن أبي كبشة نسبته صلى الله عليه وسلم إلى أبي كبشة جد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه واسمه وجز بن غالب من خزاعة أول من عبد الشعرى العبور وكانت العرب تظن أن أحدا لا يعلم شيئا إلا بعرق ينزعه شبهه فلما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم دين قريش قالت قريش: نزعه أبو كبشة لأنه خالف الناس في عبادة الشعرى فكانوا ينسبونه إليه لذلك وكان وجز سيدا في خزاعة لم ينسبوه
الجزء 1 · صفحة 8
صلى الله عليه وسلم تعييرا له ولكن أرادوا أن يشبهوه به في الخلاف لما كان الناس عليه وقال صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين: "سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى ويحيى" فأخبر بشبابهما وهما طفلان أي سيكونان شابين ولا يكون ذلك ال باعلام الله تعالى وفيه انهما يخرجان من الدنيا شابين وكان كذلك وقال صلى الله عليه وسلم: "وضع منبري على ترعة من ترعات الجنة" أي بين أبوابها "وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" وروى "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وأن توائم منبري رواسب في الجنة" فيها ما يدل على أن قبره ومنبره خارجان عن الروضة وأن منبره في موضع من الجنة غير الروضة ولكن المنبر لما كان ببركة جلوسه فيه وقيامه عليه بلغ هذه المنزلة فقبره وقد تضمن بدنه وصار له مثوى أولى بأن يكون في روضة أرفع منها وأحرى وفي الجنة روضات كثيرة فقد يكون قبره في روضة أرفع منها وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة لأن الله تعالى اختصه بأن أعلمه ما أخفي عمن سواه من الأرض التي يموت فيها حتى أعلم بذلك أمته ثم قوله: "ما بين قبري ومنبري روضة" اخبار عن أمر محقق مشاهد له لا عن أمر سيصير كذلك فاندفع بذلك ما يقال لا يلزم منه علم موضع قبره ولأنه قوله: "ما بين بيتي ومنبري" في رواية وفي رواية بين قبري ومنبري يدل على أن بيته قبره فافهم وفيما يروى عن ابن مسعود كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء فقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا من معه فضل ماء" فأتى بماء فصبه في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه ثم قال: "حي على الطهور المبارك والبركة من الله" فشربنا منه قال عبد الله: وكنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل وكنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا يعني كنا نخاف بها فنزداد إيمانا وعملا فيكون ذلك بركة وأنتم تعدونها تخويفا ولا تعملون معها عملا يكون لكم بركة فمعنى قوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً} أي تخويفا لكم لكي تزدادوا إيمانا وعملا فيصير ذلك لكم بركة.
الجزء 1 · صفحة 9
وفيما يروى عن أبي بن كعب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد على عريش وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال أنصاري يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك فصنع له ثلاث درجات وهن اللواتي على المنبر فلما صنع وضع في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يقوم على المنبر مر إليه فلما جاز الجذع حن الجذع أو خار حتى تصدع وانشق فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسه بيده حتى سكن ورجع إلى المنبر وكان إذا صلى صلى إليه فلما هدم المسجد وغير أخذ بي الجذع وكان عنده في بيته حتى بلى وأكلته الأرض وعاد رفاتا وذكر من رواية ابن عباس وأنس وجابر وجماعة بطرق بمعان متفقة وألفاظ متقاربة في بعضها أنه خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد من خواره تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه وهو يخور فسكت ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة" فأمر به نبي الله صلى الله عليه وسلم فدفن وفي بعضها انزعوها واجعلوها تحت المنبر فنزعوها ودفنوها تحت المنبر ولا تعارض فيما بين الأحاديث لأنه يحتمل أنه أخذه أبي بعدما دفن اكراما له فلم يمنع من ذلك وما أحدثه الله تعالى في الجذع مما لم يكن موهوما علم من اعلام النبوة وتنبيها للناس على فضيلة مكانه وعلو مكانته ومنه ما كان في حراء لما تحرك وهو عليه وأصحابه وقوله: "اسكن حراء فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد" وفيما يروى عن أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليا في حاجته فرجع وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال: "اللهم إن عبدك عليا احتسب بنفسه على نبيه فرد عليه شرقها" قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض ثم قام علي فتوضأ وصلى
الجزء 1 · صفحة 10
العصر ثم غابت وذلك بالصهباء ولا يعارض هذا ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع لأن حبسها عند الغروب غير الرد بعد الغروب ولا ما روى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم ترد الشمس منذ ردت علي يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس" لأن معناه مذ ردت إلى يومئذ وليس في ذلك ما يدفع أن يكون ردت على علي رضي الله عنه بعد ذلك بدعائه صلى الله عليه وسلم وهذا من أجل علامات النبوة وفيه ما يدل على التغليظ في فوت العصر فوقى الله عليا ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لطاعته وكرامته لديه وفيه لعلي المقدار الجليل والرتبة الرفيعة وفيه إباحة النوم بعد العصر وإن كان مكروها عند بعض بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام بعد العصر فاختلص عقله فلا يلومن إلا نفسه" لأن هذا منقطع وحديث أسماء متصل ويمكن التوفيق بأن نفس النوم بعد العصر مذموم وأما نوم النبي صلى الله عليه وسلم كان لأجل وحي يوحى إليه وليس غيره كمثله فيه والذي يؤيد الكراهة قول عمرو بن العاص النوم منه خرق أو منه خلق ومنه حمق يعني الضحى والقائلة وعند حضور الصلوات ولأن بعد العصر يكون انتشار الجن وفي الرقدة يكون الغفلة وعن عثمان الصبحة تمنع الرزق وعن ابن الزبير أن الأرض تعج إلى ربها من نومة العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم فندب اجتناب ما فيه الخوف والله أعلم.
ما جاء في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
...
في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
روى عن ميسرة قلت: يا نبي الله متى كتبت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" فيه استعمال بين لواحد ولا يكون بين في اللغة إلا لاثنين لكن الواحد لما وصف بوصفين دخل بذلك في معنى الاثنين كقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} وكان آدم جسدا مجردا ثم صار ذا روح فكان متصفا بوصفين مختلفين فجاز بذلك ادخال بين في وصفه والصحيح الذي علي
الجزء 1 · صفحة 11
المعول أن الجسد غير الروح يوجد أحدهما بدون الآخر فاستعمال بين طابق محزه وكذا المرء وقلبه متغايران على كل حال سواء أريد بالقلب الجارحة المخصوصة أو غيرها وشرح حال القلب يطول.
قال أبو جعفر رحمه الله وإن كان كتب حينئذ نبيا فقد كان كتبه الله نبيا قبل ذلك في اللوح المحفوظ ثم عاد اكتتابه إياه في الوقت المذكور كما قال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} الآية.
قلت إعادة اكتتابه إياه صلى الله عليه وسلم رفع لشأنه وتنويه لقدره بخلاف سائر الأنبياء.
ما جاء في سنه صلى الله عليه وسلم
روى عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة في مرضه الذي مات فيه: مما سار هابه وأخبرت به عائشة بعد وفاته قالت أخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبي كان بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله وأخبرني أن عيسى عاش عشرين ومائة ولا أراني إلا ذاهبا على ستين وعن زيد بن أرقم بمعناه وفي هذا ما يصحح قول من قال من الصحابة أنه توفي على رأس ستين خلافا لمن قال منهم ثلاثا وستين ولمن قال خمسا وستين والله أعلم.
كتاب الوضوء
في فضل الوضوء
...
كتاب الوضوء
وفيه عشرون حديثا
في فضل الوضوء
فيما روى عن عثمان رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: "من توضأ مثل وضوئي هذا ثم أتى المسجد فركع ركعتين غفر الله له ما تقدم من ذنبه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغتروا" يعني فتذنبوا على رجاء أن تفعلوا كذلك ليغفر لكم فإنه يجوزان لا توفقوا أو تخترموا.
الجزء 1 · صفحة 12
في غسل اليد ابتداء
روى من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل
يده قبل أن يدخلها في الإناء فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده أو فيم باتت يده" وفي رواية: "فليغسل يده مرتين أو ثلاث" وفي بعضها: "فليغسل يده ثلاثا" والمعنى أنهم كانوا يكتفون بالأحجار فكان يحتمل وقوع يدهم في النجاسة لا سيما أن عرقوا أو غرقوا في نومهم فأمروا بغسل اليد احتياطا ليتيقنوا بطهارتها وإن كانت الطهارة الثابتة باقية حتى يتحقق انتقالها إلى ضدها بدليل ما روى في الذي يخيل إليه وهو في الصلاة أنه يجد شيئا من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينصرف حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا" فلهذا قلنا غسلها مندوب لا واجب ومعارضة قين الأشجعي لأبي هريرة لقوله إذا أتينا مهراسكم هذا بالليل كيف نصنع فقال: "أعوذ بالله من شرك يا قين" هكذا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم لذهوله عن معنى الندب إلى الوجوب فإنه إذا لم يقدر كان معذورا في ادخال يده في المهراس وكان على يقينه الأول من طهارة يده حتى يعلم يقينا نجاسة يده فلا يدخل الإناء مطلقا وبهذا ينتفي التضاد عن هذه الآثار ونعوذ بالله من حملها على ما يوجب تنافيها وتضادها.
في اسباغ الوضوء
روى عن لقيط بن صبرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "واسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع" يستدل به على وجوب تحريك الخاتم في الوضوء لسعة ما بين الأصابع وضيق ما بين الخاتم والاصبع ولقول عمر رضي الله عنه لمتختم كيف يتم وضوءك وهذا عليك فنزعه فألقاه وذهب بعض إلى عدم وجوبه منهم مالك رحمه الله وفيما روى عن لقيط قال صلى الله عليه وسلم له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" والأمر بالمبالغة في حال الإفطار دون الصيام يدل على عدم وجوبه إذ الصوم لا يدفع الوجوب ونهيه عنها في الصوم يدل على فساده بدخول الماء حلقه ولو كان خطأ ثم في قول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} الآية وفي حديث لقيط الأمر بالتخلل والمبالغة في الاستنشاق قالت طائفة من أهل العلم إن ذلك إصابة الفضل في مباشرة الأفعال المأمور بها من الوضوء والتيمم فإن ولى ذلك غيره من نفسه أو انغمس في ماء حتى مر على جميع
الجزء 1 · صفحة 13
أعضائه المأمور بغسلها أجزأه منهم أبو حنيفة وأصحابه وقالت طائفة منهم أن ذلك لا يجزيه حتى يمر المتولي ذلك بنفسه من نفسه منهم مالك والقول الأول أولى بتأويل الآية لأنهم لا يختلفون أن مقطوع اليد من مرفقيه عليه أن يولي غيره من نفسه ليكون بذلك كفاعله بيديه فدل ذلك على أن الفرض إنما هو في فعل ذلك في نفسه إما بنفسه أو بفعل غيره ولو كان الفرض في ذلك فعله إياه بيديه لكان قد سقط الفرض الذي كان عليه أن يفعله بهما ولم يكن عليه سواه من فعل غيره ذلك به إذ ليس في الآية ذلك ولا في السنة التي ذكرنا آنفا.
قال القاضي: والمعلوم من مذهب مالك خلاف ما نقل عنه اولا غير أنه لا يجوز عنده أن يفعل به من غير علمه لعدم النية منه حينئذ وأما الانغماس في الماء دون إمرار اليد لا يجوز عند مالك في المشهور عنه ولو قيل أن من ولى ذلك من نفسه غيره من غير ضرورة لا يجزيه لأنه نوع استنكاف عن عبادة الله وتهاون بها لكان قولا حسنا.
في الوضوء من النوم
روى عن ابن عباس رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر ثم نام وهو ساجدا وجالس حتى غط أو نفخ ثم قام إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت؟ فقال: "إنما يجب الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا فعل ذلك استرخت مفاصله" وروى عنه أنه بات عند ميمونة خالته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شنة معلقة قال: فوصف وضوءه وجعل يقلله بيده ثم قام ابن عباس فصنع مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جئت فقمت عن شماله فأخلفني فجعلني عن يمينه فصلى ثم اضطجع فنام حتى نفخ ثم أتى بلال فأذنه بالصبح فصلى ولم يتوضأ.
لا تضاد بين القول والفعل لأن المقصود في الحديث الأول اعلام ابن عباس بما يحتاج إلى علمه من حكم النوم في نفسه وسائر الناس فجعل له ما به الحاجة إلى معرفته وأخر حكم نوم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
الجزء 1 · صفحة 14
الثاني وبينه بفعله بحضرته ليعلم أن حكمه في ذلك مبائن لحكم أمته فاجتمع له بقوله وفعله جواب ما سأله عنه من حكم النوم في نفسه وغيره وإنما افترق حكمه وحكم أمته فيه لقوله أن عيني تنامان ولا ينام قلبي والوضوء لا يجب إلا من نوم فيه استرخاء المفاصل وإذا لم ينم قلبه لم تسترخ مفاصله ولعل القول والفعل كانا في ليلة واحدة وروى عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" فجعل يقظة العين مثل الوكاء للقربة فإذا نامت العين استرخى ذلك الوكاء فكان منه الحدث وروى أنما العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء كنى بهذا اللفظ عن الحدث وخروج الريح وهذا من أحسن الكنايات وألطفها فعرفت أن الطهارة لا ينقضها منه إلا ما كان معه استرخاء المفاصل دل قوله عليه السلام: "إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" وكذا قوله صلى الله عليه وسلم عند رؤيته حبلا ممدودا بين ساريتين في المسجد ما هذا الحبل فقالوا فلانة تصلي فإذا خشيت أن تغلب أخذت به فقال: "فلتصل ما عقلت فإذا غلبت فلتنم" ففيهما صحة الصلاة مع مخالطة النوم لغير المسترخي وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام القوم ثم استيقظوا فجاء عمر فقال: يا رسول الله الصلاة الصلاة, قال: "فصلوا" ولم يذكر أنهم توضؤا وكان ابن عمر ينام قاعدا ولا يتوضأ وإذا نام مضطجعا توضأ وعلى هذا كان الصحابة في زمانه وبعده وعلى هذا يحتمل قول أبي هريرة من استحق نوما فقد وجب عليه الوضوء دفعا للتعارض والتنافي.
غسل الذكر من المذي
روى أن عليا أمر عمارا ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: "يغسل مذاكيره ويتوضأ", فالأمر بغسل الذكر ليتقلص المذي وينقطع كالأمر بنضح ضرع الهدى بالماء لئلا يسيل اللبن وليس بواجب دل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترا من قوله فيه الوضوء فأخبر بالواجب وفيه ما ينفي أن يكون فيه واجب سواء.
الجزء 1 · صفحة 15
في المسح على الخفين
وروى عن ابن عباس قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم الخفين فسئل أقبل المائدة أو بعدها؟ فقال: والله ما مسح بعد المائدة ولأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح عليهما ولا تعلق لمانعه" فيه لأنه صح قبل نزول المائدة وليس فيه نهي عن ذلك بعد النزول ونفي ابن عباس محمول على عدم رؤيته بنفسه واختياره بترك المسح في خاصته لأنه من قوم قد اختصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الناس بثلاث اسباغ الوضوء ومنع أكل الصدقة ومنع انزاء الحمار على الفرس فيكون المسح عنده لغيره من الناس باقيا على حكمه كما كان له أيضا غير أن لزوم ما اختصه به رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى به من غيره يدل على هذا ما روى عنه أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة" والذي يصحح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه بعد نزول المائدة أن جرير قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه فقالوا: بعد نزول المائدة فقال: إنما أسلمت بعد نزولها وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح إلا بعد ما نزلت.
وما روى من إسلامه قبل وفاته بأربعين يوما لا يكاد يصح لأن بعثه صلى الله عليه وسلم إياه لتخريب ذي الخلصة وكان بيتا في خثعم يسمى الكعبة اليمانية معه مائة وخمسون فارسا من أحمس ودعاءه له بقوله: "اللهم اجعله هاديا مهديا" وضربه بيده على صدره ليثبت على الخيل ثم انطلاقه إليها وتحريقها وتركها كأنها جمل أجرب مشهور يدل على قدم إسلامه وكذا قوله صلى الله عليه وسلم له في حجة الوداع استنصت الناس ثم قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا
الجزء 1 · صفحة 16
يضرب بعضكم رقاب بعض" كان في ذي الحجة وهو مسلم ثم عاش إلى اثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول يدل عليه.
في التيمم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي أرسلت إلى الناس عامة وكان من قبلي إنما أرسل إلى قومه ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر ملئ منا رعبا وأحلت لي الغنائم وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أين ما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم والخامسة هي مس ألتي قيل لي سل فإن من قبلك قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله".
واستدل بهذا على أن ما كان من الأرض مسجدا منها طهورا وممن ذهب إليه أبو حنيفة وخولف فيه وحمل على الانقسام على أن المراد بعضها مسجدا وبعضها طهورا وممن خالفه أبو يوسف واحتج بحديث حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت لنا تربتها طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وأعطيت الآيات من آخر سورة البقرة من تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي.
وروى أن عمرو بن العاص حين أمر على جيش فيهم عمر بن الخطاب احتلم في ليلة باردة فتوضأ لما أشفق على نفسه الهلاك وأم أصحابه فلما قدموا شكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمنا جنبا فأعرض عنه وقال لعمرو: "أصليت جنبا؟ ", فقال: نعم أصابني احتلام في ليلة باردة لم يمر علي وجهي مثلها قط فخيرت نفسي أن أغتسل فأموت أو أقبل رخصة الله فقبلت رخصة الله وعلمت أن الله
الجزء 1 · صفحة 17
أرحم بي فتوضأت ثم صليت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحسنت ما أحب أنك تركت شيئا صنعت لو كنت في القوم لصنعت كما صنعت". ذهب بعض إلى جواز استعمال الوضوء مكان التيمم للجنب بل هو أولى له منهم أحمد بن صالح وهو فاسد لأن الله تعالى جعل التيمم بدلا من الغسل كما جعله بدلا من الوضوء فلا يجزئ في ذلك الوضوء ويحتمل أن قضية عمرو كانت قبل نزول آية التيمم حين كان الفرض على عادم الماء الصلاة بلا طهارة دل عليه عدم انكاره صلى الله عليه وسلم على أسيد بن حضير ومن معه لما صلوا بغير وضوء في مسيرهم طالبين لقلادة عائشة في منزل نزلوه فحضرت الصلاة وليس لهم ماء وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت آية التيمم.
الجزء 1 · صفحة 18
في العرق
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عند أم سليم وكان كثير العرق فاعتدت له نطعا يقيل عليه فتجعله في قارورة فقال: "ما هذا يا أم سليم؟ " فقالت: عرقك يا رسول الله اجعله في طيبي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان منها ولم ينكر عليها علم بذلك طهارة العرق لطهارة اللحم وكذا كل مأكول لحمه طاهر عرقه وما لا يؤكل لحمه لتحريم أو لكراهة لعرقه حكم لحمه.
الاناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الاولى بتراب" وروى في الهرة غسل مرة أو مرتين شك فيه قرة فهذا اخبار بنجاسة سور الكلب والهر ولا يضره توقيف ابن سيرين هذا الحديث على أبي هريرة لعلمه أن كل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدم اشتباه أمره على الناس ولا يعارض هذا بما روى عن عائشة "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الاناء الواحد وقد أصابت الهر منه قبل ذلك" لأن رواية حارثة بن أبي الرجال وهو متكلم فيه ولا بما روى عن أم داود بن صالح بن دينار أن مولاة لعائشة ارسلتها بهريسة وهي تصلي فأصابت هرة منها فلما انصرفت عائشة قالت للنساء كلن فاتقين موضع فم الهرة فدورتها عائشة ثم أكلت من حيث أكلت الهرة ثم قالت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم" وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها لأن أم داود هذه ليست ممن يؤخذ عنها ولأن قوله ليست بنجس يحتمل أنه أراد في كونها في البيوت وفي مماستها الثياب لا في طهارة سورها وكان ابن عمر يجعل سور الهر كسور الكلب وعن أبي هريرة يغسل الاناء من الهر كما يغسل من الكلب أراد تمثيله في وجوب الغسل لا في العدد إذا التشبيه لا يعمم كقوله تعالى: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} ولأن لحمه حرام فالقياس حرمة سوره.
الجزء 1 · صفحة 17
سور الدواب والسباع
روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: "إذا بلغ الماء قلتين فليس يحمل الخبث" وفي رواية "وما ينوبه من السباع والدواب فيه ما يدل على أن ما دون القلتين يحمله ولا يعارضه ما روى عنه صلى الله عليه وسلم لها ما في بطونها وما بقي فهو لنا طهور جوابا لمن قال: يا رسول الله تردها يعني الحياض التي بين مكة والمدينة السباع والكلاب والحمير لأن مداره على عبد الرحمن بن زيد وحديثه عند أهل الحديث في نهاية الضعف يؤيد ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طهور
الجزء 1 · صفحة 18
في الارواث
قد استدل من رآى أرواث ما يؤكل لحمه طاهرا بالحديث المشهور الذي رواه ابن مسعود كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت فقال ملأ قريش: أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه فيضعه على ظهره إذا سجد؟ فانبعث أشقاها فأخذ فرث جزور نحر ووضعه على ظهره وهو ساجد فجاءت فاطمة تسعى فأخذته من ظهره فلما فرغ من صلاته دعا عليهم ثلاث مرات وسمى رجالا
الجزء 1 · صفحة 19
قلبوا أكلهم في قليب بدر قتلى وعن ابن مسعود أنه صلى وعلى بطنه فرث ودم فلم يعد الصلاة منهم مالك والثوري وزفر والحسين بن صالح وخالفهم أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم بما روى زكرياء وشعبة عنه أن الذي ألقى على ظهره صلى الله عليه وسلم في صلاته سلا جزور وهو وعاء الولد مما لا فرث فيه ولا دم كسائر لحمها ورواية الاثنين أولى من رواية على بن صالح ولانه إذا تعارضا وجب الرجوع إلى النظر عند عدم دليل قوته والأصل المتفق عليه أن دماء الأنعام كدماء بني آدم غير راجعة إلى حكم لحومها فوجب أن يكون أرواثها كذلك لا يرجع فيها إلى حكم لحومها بل يكون كغائط بني آدم ويحتمل عدم إعادة ابن مسعود صلاته لقلة مقدار النجس ولا يقال فقد كان سلاها جزء ميتة لأن ذبائحهم غير مذكاة لأنهم وثنيون فيجوز صلاة حاملي نجاسة من ميتة وغيرها لأنه كان في أول الإسلام قبل تحريم ذبائحهم.
في الاستحاضة
روى عن حمنة ابنة جحش أنها استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني استحضت حيضة منكرة شديدة فقال لها: "احشي كرسفا" فقالت: إنه أشد من ذلك إني أثج ثجا قال: "تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي غسلا وصومي وصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين أو أخري الظهر وقدمي العصر واغتسلي لهما غسلا وأخري المغرب وقدمي العشاء واغتسلي لهما غسلا وهذا أحب الأمرين إلي" المعنى في هذا أنه أمرها أن تتحيض في علم الله ما أكثر ظنها أنها فيه حائض بالتحري منها لذلك لا أنه رد الخيار إليها من غير تحر منها كما أمر من دخل عليه شك في صلاته أن يتحرى أغلب ذلك في قلبه فيعمل عليه وهذا إنما يكون عند نسيانها أيامها التي كانت تحيض فيها فأمرت بالتحري كمن شك في صلاته ولم يعلم كم صلي
الجزء 1 · صفحة 20
ستة أيام أو سبعة أيام شك من الراوي وإنما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأحد العددين الذي أخبرت أنه كان عدد أيامها وذهب عنها موضعها من الشهر لا أنه خيرها في أحدهما.
وقوله: "فأخري الظهر وقدمي العصر" فهو على الرخصة لها من الجمع بين الصلاتين لأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا احتمل أن تكون فيه حائضا أو طاهرا يجب عليها الغسل أو مستحاضة يجب عليها الوضوء فكان عليها أن تغتسل لوقت كل صلاة حتى يخرج عن العهدة بيقين فلما عجزت عن ذلك جعل لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد بتأخير الأولى منهما إلى وقت الأخرى وتغتسل للصبح غسلا وهذا أحسن ما تقدر عليه في صلاتها وإنما أمرت أن تصليها في وقت الآخرة منهما دون الأولى منها لمعنيين.
الأول لو صلتهما في وقت الاولى منهما لصلت الآخرة قبل وقتها والثاني أنها إذا صلت بالغسل عند دخول الآخرة فقد صلتهما بطهارة محققة إلى آخر الوقت ثم مجموع ما قيل في المسألة أربعة أقوال الغسل لكل صلاة وثلاث مرات في اليوم ومرة في كل يوم ومرة واحدة في كل شهر والأول أشق ثم وثم والأجر على قدر المشقة وروى عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي" فيه اعتبار دم الحيض بلونه وهو حديث لم يروه عن عروة عن عائشة إلا محمد بن المثنى وقد أنكر ذلك عليه لرواية من خالفه في ذلك وأن أوقفه على عروة بن الزبير وكل من روى هذه القصة أتى بها خالية عن لون الدم ويؤيده النظر الصحيح على سائر الأحداث فإن ألوانها غير معتبرة كالغائط والبول وإنما الأحكام لها في أنفسها لا لألوانها.
وأهل العلم في دم العرق على مذهبين ليس بحدث عند أهل الالمدينة وحدث عند غيرهم وليس أحد منهم اعتبر لونه فكان مثل ذلك النظر
الجزء 1 · صفحة 21
في دم الحيض بكون حكمه حكم نفسه لا حكم لونه وروى عن سليمان بن يسار عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم لتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر1 بثوب ثم لتصل"
في قوله صلى الله عليه وسلم: "لتنظر إلى عدد الليالي والأيام" ما يدل على أن الحيض ليال وأيام وهو ثلاثة أيام لا أقل منها وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه فإن عورض بفساد الإسناد بتوسط مجهول بين سليمان وأم سلمة فقد وجدنا من حديث ابن عمر وأبي هريرة مسند أما ما يدل على أقل الحيض وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن ما لنا يا رسول الله قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين اغلب لذي لب منكن" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل وتمكث ليالي ما تصلي وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين" واللفظ لابن عمر وفي حديث أبي هريرة: "تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي" قال الطحاوي: ولا نعلم شيئا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدار قليل الحيض غير ما ذكرناه فوجب القول به وترك خلافه.
ن – ولتستذفر.1
في اتيان الحائض
روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: "ليتصدق بدينار أو بنصف دينار" هذا حديث مضطرب اوقفه بعضهم على ابن عباس ورفعه بعضهم وقال بعضهم: "فإن لم يجد فبنصف دينار" وقال بعضهم: "إن كان في الدم العبيط فدينار وإن كان في الصفرة فبنصف دينار"
الجزء 1 · صفحة 22
وروى عن عمر وكانت له امرأة تكره الجماع فكان إذا أرادها اعتلت بالحيض فوقع عليها ظانا كذبها فإذا هي حائض فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمره أن يتصدق بخمسين دينارا ثم الصدقة التي أمر بها قيل أنها قربة إلى الله تعالى كالصدقة عند كسوف الشمس ويحتمل أنها كفارة والقربة أولى لأن الكفارات المأمور بها قد خلط فيها الصوم بغيره كجزاء الصيد وفدية الأذى أو جعل بدلا منها ككفارة اليمين والظهار والقتل والفطر في رمضان عامدا وهذه ليست كذلك.
في ترك الجمعة
روى عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك الجمعة في غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" فيه أن من تركها بعذر لا شيء عليه وأنها صدقة لا كفارة لأنها تجب بفعل ما يوجبها بعذر وبغير عذر لأن الفرق بينهما في الإثم لا في الكفارات قلت فعلى هذا يلزم أن تكون الصدقة في باب الحيض كفارة لأن عمر أمر بها مع كونه معذورا فافهم.
في وجوب غسل المرأة إذا احتلمت
روى أن حبرا من أحبار اليهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك عن الولد قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى منى الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله" فقال اليهودي صدقت وأنت نبي ثم انصرف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد سألني عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز وجل به" وروى أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل على المرأة ترى زوجها في المنام يقع عليها غسل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم إذا رأت بللا" فقالت: وتفعل ذلك المرأة فقال: "ترب 1 جبينك وأنى يكون شبه الخؤولة إلا من ذلك أي النطفتين سبقت إلى الرحم غلبت إلى الشبه" لا تعارض بين
1 ن – تربت.
الجزء 1 · صفحة 23
الحديثين لأن في الأول الأذكار والايناث بعلو أحد المائين الآخر وفي الثاني الشبه بسبق أحد المائين الآخر إلى الرحم فلكل حديث معنى وكذا لا يعارض الأول حديث حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم أربعين ليلة فيقول يا رب ماذا أشقي أم سعيد فيقول الله فيكتبان فيقول ذكر أم أنثى فيكتبان رزقه وعمله ومصيبته ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" وروى عنه أيضا أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله عز وجل إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظمها" ثم قال: "يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك عز وجل ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقض ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمر ولا ينقص" لأن الحديث الأول إنما هو على المني قبل أن يكون نطفة مما قدر الله فيه أن يكون ذكر أو أنثى مع علو أحد المائين ثم في حديث حذيفة شق السمع والبصر بعد تلك المدة وسؤال الملك مستعلما عما تقدم من الله فيه أذكر أم أنثى ليكتب في الصحيفة وقد تقدم علم الله قبل ذلك فلا تعارض ثم الحديث الثاني لحذيفة إذا مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة وقع كالتفسير لما أبهم في قوله في الأول بعد ما يستقر في الرحم أربعين فافهم.
كتاب الصلاة
في تفضيل المساجد
...
كتاب الصلاة
وفيه ثمانية وتسعون حديثا
في تفضيل المساجد
روى عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض قبل؟ قال: "المسجد الحرام" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم المسجد الأقصى" قال: قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" لا يشك أن باني المسجد
الجزء 1 · صفحة 24
الحرام إبراهيم كما لا يشك بأن باني المسجد الأقصى داود وابنه سليمان من بعده وكان بين إبراهيم وبينهما من المدد ما يتجاوز عن الأربعين بأمثالها ولكن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما كان بين وضعهما لا عن مدة ما بين بنائهما فيحتما أن يكون واضع المسجد الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان ثم بناه داود وابنه في الوقت الذي بنياه فيه وكذلك يجب أن يحمل تأويل مثله عليه قال علي رضي الله عنه إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فظنوا برسول الله اهناه وانقاه واهداه وبالله التوفيق.
في فضل المكتوبة في المساجد
روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وروى عن عمر: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الرسول فإنما فضله عليه مائة صلاة" وهذا مما لا يعرف رايا وعن ابن الزبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في هذا.
وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه" كأنه يعني مسجده صلى الله عليه وسلم فعقلنا بهذا أن أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام لأن الصلاة فيه كمائة ألف صلاة وفي مسجد المدينة كألف ثم طلبنا لنقف على فضل الصلاة في المسجد الأقصى فلم نجد ما يدل على فضل له على غيره من المساجد سوى الثلاثة المذكورة في هذه الآثار غير ما روى عن أبي ذر سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في مسجدك أفضل أم الصلاة في بيت المقدس؟ فقال: "في مسجدي مثل أربع
الجزء 1 · صفحة 25
صلوات في مسجد بيت المقدس ولنعم المصلى هو أرض المحشر" أو "أرض المنشر" فيه ما يدل على أن الصلاة فيه كمائتي صلاة وخمسين صلاة في غيره وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة" ففيه أن الصلاة في مسجد المدينة كصلاتين في مسجد القدس وروت ميمونة مولاته صلى الله عليه وسلم أنها قالت افتنا في بيت المقدس فقال: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره" ففيه أن فضله كفضل مسجد المدينة فوقفنا بذلك على أن الله تعالى من على عباده زيادة منه بتفضيل الصلاة في مسجد القدس درجة فدرجة إلى أن ساواه في الفضيلة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي أعمال المطي إليه وإعطاء الثواب عليه.
في فضل النافلة في البيت
روى زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" ففيه أن صلاة النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد الثلاثة فيكون التفضيل السابق للصلاة في المساجد الثلاثة في الفرائض لا غير ويعلم به فقه من قال: لو نذر أن يصلي لله صلاة في المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد الأقصى فصلاها في بيته أنها تجزئه لأنه صلاها في موضع صلاته إياها فيه أفضل من صلاته إياها في الموضع الذي عينه وأوجبه على نفسه وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد وقول أبي يوسف فيه مضطرب.
في مسجد قباء
روى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء ماشيا وراكبا ة وروى عنه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي شيئا من المساجد إلا مسجد قباء وكان ابن عمر يفعله ففيه أنه كان من عادته صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه لم يقل أنه أتى وفيه تحضيض أصحابه على إتيانه وروى ذلك عنهم كما ذكر في حديث نافع عن ابن عمر قال كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين
الجزء 1 · صفحة 26
الأولين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد ابن عامر وكان سالم أكثرهم قرآنا وفيه ما يخالف رواية المعرور بن سويد أنه كان مع عمر رضي الله عنه بطريق مكة فرأى ناسا يذهبون مذهبا فسأل عنهم قالوا: يأتون مسجدا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بأشباه هذا يتبعون آثار نبيهم فاتخذوها كنائس وبيعا من أدركته الصلاة في شيء من المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصل فيها وإلا فلا يتعمدها" إلا أن يقال: محمل كلام عمر على موضع صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة أدركته فيه لا لفضيلة فيه والناس قصدوه لتعظيمه وتفضيله على غيره من المواضع فيؤول إلى اتباع من كان قبلهم من الأمم فيما فعلوه فلذلك نهاهم بخلاف مسجد قباء فإن له فضيلة كما سيجيء وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مسجد قباء فصلى فسمعت به الأنصار فجاءوا فسلموا عليه فأشار عليهم بيده ردا لسلامهم وعنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء ليصلي فيه فسمعت الأنصار الحديث ولا يقال: أن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة فكيف كان يترك الأفضل ويتجثم المسافة إلى ما هو دونه لأنه يحتمل أن ذلك لما وجب عليه صلى الله عليه وسلم أن لا يجلس فيه حتى يصلي فيه قبل الجلوس كما أمر الناس بتحية المسجد لا لما سواه وأما التطوع في بيته فأفضل من الصدقة في قباء لأنه لما فضلها على الصلاة في مسجده وهو فوق مسجد قباء في الفضل كانت أحرى أن تكون في البيوت أفضل منها في قباء وإن كان لمسجد قباء أيضا فضيلة يؤتى من أجلها دل عليها ما ذكر الله تعالى في شأنه وشأن المسجد الذي زعم الذين بنوه أنهم بنوه ليكون كمثله وشتان ما بينهما ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه لمواصلة الأنصار والاجتماع لهم فيه لا لصلاة فريضة ولا نافلة لأن الفريضة في مسجده والنافلة في بيته أفضل وما روى أنه كان يأتي مسجد قباء ليصلي فيه فهو كلام قاله الراوي لعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيه ليجلس فيه إلا صلى فيه قبل الجلوس قال القاضي ولو قيل
الجزء 1 · صفحة 27
أن للصلاة فيه فضلا على ما سوى المساجد الثلاثة لمن لم يكن من أهل هذه الثلاثة ولمن كان منتابا لا بيت له لكان صوابا والله أعلم.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا من بني خدرة ورجلا من بني عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال العوفي: هو مسجدنا بقباء وقال الخدري هو هذا المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: "هو هذا المسجد مسجد رسول الله" وفي ذلك خير كثير وعن عروة هو مسجد قباء الذي أسس على التقوى لبنيان رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه روى عن عائشة أول من حمل حجر قبلة مسجد قباء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حمل أبو بكر آخر ثم حمل عمر ثم حمل عثمان فقلت يا رسول الله ألا ترى هؤلاء يتبعونك فقال: "أما إنهم أمراء الخلافة بعدي" ويؤيد ما ذكر عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجد قباء وصلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فحسدهم بنو غنم بن عوف وبنوا مسجد الضرار وقصدوا بذلك التفريق بين المؤمنين لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في قباء فيغتص بهم وأرصدوه لمن حرب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب الذي سماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاسق وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه كما صلى في مسجد بني عمهم فنزلت الآية فأمر جماعة فيهم وحشي قاتل حمزة بتخريبه وتحريقه وجعل مكانه كناسة يلقى فيه الجيف وما روى بحديث متصل من رواية جابر وأنس وغيرهما أنه لما نزلت {فِيهِ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم؟ " قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل للجنابة ونستنجي بالماء, قال: "هو ذاك فعليكموه" فدل أنه مسجد قباء دون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الرجال هم الأنصار دون من سواهم ولقائل أن يقول مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم فالتخصيص بالأنصار تحكم وحديث سعيد بن جبير منقطع لا يقاوم حديث أبي سعيد الخدري والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 28
في بناء المسجد
عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" أو "بنى له مثله في الجنة" وروى "أو بنى له أوسع منه في الجنة"
ومن روى "بنى له مسجدا في الجنة" يعود بالتأويل الصحيح إلى ما رواه الجماعة وذلك أن المساجد إنما تبنى بيوتا ثم تعود مساجد بالصلاة فيها وإذا أثاب الله الباني مثل ما بناه والذي بناه بيت حتى يصلي فيه فيصير مسجدا كذلك يبني له بيتا والجنة ليست بدار صلاة ولا عمل فيبقى ما بناه الله له فيها بمثل اسم المسجد الذي بناه قبل أن يصلي فيه وقوله كمفحص قطاة على التقليل لا على التحقيق كقوله في العقيقية ولو بعصفور وفي الزانية بيعوها ولو بضفير وفي السارق يسرق البيضة وقوله بنى له مثله المراد مماثلته في التسمية لا غير كقوله تعالى: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} .
في مسجد الدار
عن عائشة رضي الله عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تنظف وتتطيب لا حجة فيه لمن ذهب إلى جعل مسجد الدار الذي يغلق بابها ويحال بينه وبين الناس في حال ماوان كان إذن للناس بالصلاة فيه زائلا ملك مالكه عنه كسائر المساجد والحق أنه لا يصير مسجدا بذلك القدر وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه لأنه يحتمل أنها أرادت المواضع التي فيها الدور لا التي يغلق عليها الأبواب ويكون المسجد في خلال الدور وفي أفنيتها لا في داخل شيء منها فيما يغلق عليه أبوابها لأن ما جمع الدار من المواضع يسمى بجملته دارا لأن السكنى فيه لا تتهيأ إلا به قال تعالى: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} فدل أن البلدة تسمى دارا وتسمى ديارا ومنه خير دور الأنصار دار بني النجار الحديث وإذا احتمل هذا التأويل سقط الاحتجاج به ووجب ألا يعطى له حكم المساجد في رفع الملك عنه ودخول غير أرباب الدور فيه إلا بإذن جديد وأن يجري التوارث فيه والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 29
في الأذان
روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة" معناه أن الناس تطاول أعناقهم إلى ثواب أعمالهم يوم الجزاء وبينهم تفاضل والمؤذنون لكثرة مرجوهم أطول أعناقا من سائرهم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا كما تخضع أعناق أهل المعاصي يومئذ فظلت أعناقهم لها خاضعين قال القاضي ويحتمل أن يكون مجازا عن زيادة أمنهم يوم الفزع الأكبر بحيث يشتهر أمرهم في الأمن فلا يخفى على أحد لاشتهار عملهم في الدنيا ومنه فلان يمشي بين الناس طويل العنق إذا لم يخف على نفسه في زمان يستريب الناس فيه بالخوف على أنفسهم من الظلمة قلت الأول لكونه أقرب إلى الحقيقة أحسن.
في الأجرة على الأذان
روى عثمان بن أبي العاص قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذ مؤذنا لا ياخذ على أذانه أجرا" ليس فيه دلالة على جواز أخذ الأجرة على الأذان بالعقد بل فيه جواز أخذ أجر يكون كالمثوبة والتنويل على الأفعال التي يحمد فاعلوها ليدوموا عليها ويقوى باعثهم عليها منه قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} وقال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} مع أن من لا يقبل ذلك أفضل ممن يقبله لعلمه بالسبب الذي من أجله أعطى فأمر عثمان أن يتخذ أفضل المؤذنين وأعلاهم رتبة في ثواب الآخرة بترك التعوض من الدنيا الدنية على الأمور الدينية ثم القياس أيضا يمنع من استحقاق الأجر على الأذان بالعقد لأن مستأجره لا يملك بمقابلة الأجر الذي يبذله منافع الأجير ملكا خاصا يبين به
الجزء 1 · صفحة 30
دونه وهو شرط في كل عقد إجارة قضية للمعاوضة فينبغي ألا تجوز الإجارة عليه قال القاضي شرط صحة الإجارة أن يكون المعقود عليه من الأفعال المباحة للأجير فإن الواجب والحرام لا يعقد عليه شرعا والأذان مباح أو مندوب وليس تملك المستأجر منفعة الأجير شرطا للاجماع على جواز الاستئجار على بناء المساجد.
قلت: يملك المستأجر بناء المسجد أولا ثم يصير مسجدا على ملكه إذ وقف ما لا يملك غير صحيح كالاعتاق اتفاقا وكفاك فارقا تسمية المستأجر بانيا للمسجد ولا يسمى مؤذنا وإن وجد التسبب فيهما.
في الصلاة خير من النوم
روى أبو محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه في الأذان الأول من الصبح الصلاة خير من النوم وروى عنه كنت غلاما صبيا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل: الصلاة خير من النوم" ففيه تحقيق للصلاة خير من النوم في الصبح وروى مثله عن أنس وعن ابن عمر وروى عن حفص أن جده سعد المؤذن كان يؤذن لأهل قباء في عهده صلى الله عليه وسلم حتى نقله عمر في خلافته فأذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه سمع من أهله أن بلالا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر بعدما أذن فقيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم فنادى بأعلى صوته الصلاة خير من النوم فأقرت في تأذين الفجر ثم لم يزل الأمر على ذلك فيحتمل أن ما كان من بلال متقدم لما في حديث أبي محذورة فصار من سنة الأذان ثم علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة الأذان واختلف الفقهاء فيه فمنهم على تركه واضطرب فيه قول الشافعي وحجته في تركه أنه لم يكن فيما علم أبا محذورة وقد ذكرنا ذلك عن أبي محذورة غير أنه لم يوجد في رواية الشافعي له عمن رواه عنه من أصحاب ابن جريج ولكن فقهاء الحجاز والعراق على ما رويناه أولا من الاستعمال في أذان الصبح.
الجزء 1 · صفحة 31
في الصلاة في الرحال
خطب ابن عباس في يوم الجمعة فلما أذن المؤذن فبلغ حي على الفلاح قال: ناد الصلاة في الرحال, فنظر بعضهم إلى بعض قال: فقد فعله من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني كرهت أن أحرجكم فعلم بهذا أن هذا مما يجب إدخاله في الأذان عند الحاجة إليه وروى نافع عن ابن عمر أنه وجد بردا شديدا في سفر فأمر المؤذن أن يؤذن معه بأن صلوا في رحالكم فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر مثل ذلك إذا كان مثل هذا.
في أمانة المؤذن
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ثبت الأئمة واغفر للمؤذنين أو أرشد اللهم الأئمة واغفر للمؤذنين" على ما روى عنه من ذلك يعني مؤتمن على الأوقات الخمسة فيعتمده الناس في صلاتهم وفطرهم وفي أورادهم التي وظفوها والإمام ضامن لأن صلاة المقتدين مضمنة بصلاته صحة وفسادا وسهوا حتى لو صلى محدثا أو جنبا أو باديا عورته متعمدا وهم متطهرون مستترون تفسد صلاتهم بالاتفاق والقياس أنه إذا كان ذلك كذلك في العمد يكون في السهو مثله كما في حكم نفسه يستوي سهوه وعمده في فساد صلاته.
قلت فعلى هذا الإمام ضامن يعني تضمن صلاته صلاة المقتدي والكلام سيق لبيان فضيلة الإمامة وفضيلة الأذان وتأويل القاضي يحتمل الإثم عنهم فيما إذا صلى على غير طهارة أو أخل بشيء من الفرائض حتى أفسدها وهم لا يعلمون فيكون مأخوذا به دونهم على حكم الضمان اخراج للكلام عن المدح إلى الذم وتقييد لا طلاقة بحالة نادرة من أحواله من غير حاجة مع أن المؤذن المؤتمن إذا قصد اضلال الناس عن الوقت وإفساد عباداتهم الموقتة عليهم يتحمل الإثم
الجزء 1 · صفحة 32
عنهم أيضا فلا وجه لتخصيص الضمان بالإمام حينئذ ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم بالتثبيت والارشاد للأئمة وبالمغفرة للمؤذنين مما يصحح التأويل الأول يؤيده ما روى عن عقبة بن عامر الجهني قال صلى الله عليه وسلم: "من أم الناس فأتم الصلاة وأصاب الوقت فله ولهم وان انتقص من ذلك شيء فعليه ولا عليهم" وما روى عن أبي شريح العدوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام جنة فإن أتم فلكم وإن نقص فعليه التقصير ولكم التمام" فإن تحمل الإمام إثم الجماعة إذا قصر يفهم منه صريحا فكان في حمل الإمام ضامن عليه أيضا تكرار والتأسيس أولى من التأكيد ثم في هذا الحديث أن الإقامة إلى الإمام دون المؤذن فكان عليه بالتقصير عن وقتها الاثم خاصة كما كان الإثم على المؤذن بالتقصير في طلب وقت الأذان وروى ذلك عن علي رضي الله عنه أنه قال المؤذن أملك بالاذان والإمام أملك بالإقامة.
في التنافس على الأذان
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فارشد اللهم الأئمة واغفر للمؤذنين" فقالوا يا رسول الله تركتنا نتنافس على الأذان قال: "كلا إن بعدكم زمانا يكون مؤذنوهم سفلتهم" ففيه أنه سيكون زمان يترك أشراف الناس فيه الأذان وينتدب إليه من دونهم في النسب فتعلو بذلك مراتبهم وهذا مثل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: "أن الله يرفع به أقواما ويضع بتركه آخرين" وروى أن عمر لما استعمل نافع بن الحارث على مكة فتلقاه بعسفان فسأله عمن استخلفه فقال: استخلفت عليهم ابن أبزى مولى لنا فقال: استخلفت عليهم مولى قال: إنه قاري لكتاب الله عالم بالفرائض قاض فقال عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين", وإني لأرجو أن يكون ممن رفع بالقرآن" فكذا يحتمل أن يرفع بالأذان من لم يكن رفيع.
الجزء 1 · صفحة 33
في حضور الجماعة
روى عن عتبان بن مالك قلت: يا رسول الله إني ضرير وإن السيول تحول بيني وبين المسجد فهل لي من عذر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تسمع النداء؟ " فقال نعم فقال: "ما أجد لك عذرا إذا سمعت النداء" رواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن شهاب عن محمود عن عتبان قال الشافعي وقدوهم فيه فيما نرى والدليل عليه أن مالكا أخبرنا عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع أن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تكون الظلمة والمطر والسيل وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي في مكان أتخذه مصلى فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين تحب أن تصلي" فأشار إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف أهل العلم في وجوب حضور الجماعة على الضرير كوجوبها على الصحيح فطائفة جعلوه كمن لا يعرف الطريق فلم يعذر بجهله إياه عن التخلف وعذره طائفة والقولان مرويان عن أبي حنيفة والصحيح وجوب الحضور عنده وإلى ذلك كان يذهب محمد ولا يحكي فيه خلافا وقد خاطب ابن أم مكتوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلا {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قبل} إنزال غير أولي الضرر بأن قال له: لو أستطيع الجهاد لجاهدت فلم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل له إنك أعمى ولا فرض على الأعمى فدل على أن ما يستطيعه الأعمى يكون فيه كالبصير وحكم وجوب الحج عليه إذا وجد إليه سبيلا وقائدا موصلا كذلك.
في التنفل قبل المغرب
روى عن عبد الله بن مغفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة لمن شاء" ليس فيه دلالة إذ أن المغرب وإقامتها صلاة لأن المذكور بين كل أذانين لا بين كل أذان وإقامة ولا شك أن بين أذان الفجر وأذان الظهر صلاة وهي ركعتا الفجر وما يتطوع به بعد طلوع الشمس بعد حلها وكذا بين أذان الظهر وبين أذان العصر
الجزء 1 · صفحة 34
صلاة لمن شاء وبين أذان العصر وأذان المغرب صلاة قبل صلاة العصر وكذا بين المغرب والعشاء فهذا ظاهر الحديث ومن ادعى غيره فعليه بيانه وحديث عبد الله المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين", ثم قال: "صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين" قد اختلف في إسناده ومتنه لأنه قال في الثالثة: "لمن شاء" كراهة أن يحسبها الناس سنة وروى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عند كل أذان ركعتين ما خلا صلاة المغرب" فإن كان الحديثان واحدا يكون التالي مبينا أنها ما سوى صلاة المغرب وإن كانا متغايرين يكون ناسخا لأن الأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى وما روى عن أنس كنا نصلي الركعتين قبل المغرب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يرانا لا يأمرنا ولا ينهانا يحتما أنه كان ثم نسخ وكذا ما روى عن عمرو بن عامر عن أنس كان إذا نودي بالمغرب قام لباب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري يصلون الركعتين فإنه يحتمل أن هؤلاء لم يعلموا الذي علمه بريدة ولا يستبعد عدم العلم عن هؤلاء الجلة كما خفي على ابن مسعود رضي الله عنه مع جلالته نسخ التطبيق وكان يفعله إلى أن مات وخفى على علي رضي الله عنه إباحة لحوم الأضاحي بعد ثلاث على ما روى عنه أنه خطب به لما صلى بالناس وعثمان محصور نهاهم أن يأكلوا من الأضاحي فوق ثلاث ومثله كثير يجزي ما جئنا به عن بقيته وعن قتادة قلت لسعيد بن المسيب أن أبا سعيد الخدري كان يصلي الركعتين قبل المغرب قال كان ينهى عنهما ولم أدرك أحدا من الصحابة يصليهما غير سعد بن مالك ففيه أن من لم يكن يصليها هو أكثر الصحابة عددا وقد روى عن إبراهيم أنه قال الركعتان قبل المغرب بدعة لم يصلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر روى ذلك محمد عن أبي حنيفة عن حماد عنه قال محمد وبه نأخذ وموضع إبراهيم من العلم موضعه وخبرته بالصحابة خبرته وكان العمل بعد ذلك في المساجد الثلاثة على تركها وفقهاء الأمصار على ذلك.
الجزء 1 · صفحة 35
في وقت القيام إلى الصلاة
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فيه نهي للناس عن الدخول في الصلاة قبل إمامهم فكان قيامهم قبل حضوره فضلا لا حاجة بهم إليه فنهوا عن ذلك وقال أبو خالد الدالاني أتاني علي رضي الله عنه وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره فقال: ما لي أراكم سامدين والسمود اللهو فنهوا أن يكونوا لاهين.
في وقت تكبير الإمام
روى عن بالا قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يسبقني بآمين فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاته بعد دخوله فيها طائفة من الفاتحة قبل فراغ بلال من أذانه وفيه دليل على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله عنه من شروع الإمام إذا بلغ المؤذن قد قامت الصلاة ومثله روى عن عمر ومثله عن قيس بن أبي حازم على كثرة من بقى من الصحابة وذهب اكثر العلماء إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من إقامته محتجين بحديث أنس أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أقيمت الصلاة فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا إني لأراكم من وراء ظهري" وبحديث البراء إذا أقيمت الصلاة مسح صدورنا وقال: "راصوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال كأنهم بنيان مرصوص" غير أنه يحتمل أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم ليفعلوا ما أمرهم به والذي كان عليه قبل ذلك وبعده ما ذكرنا في حديث بلال والأحسن في هذا أن يكون الأمر واسعافيه.
في التوجيه
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: "وجهت وجهي" الآية {قُلْ إِنَّ صَلاتِي} إلى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} يعني أول المسلمين من القرن الذي بعث فيهم وكذا قول موسى: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} . أي
الجزء 1 · صفحة 36
مؤمني زمانه الذين آمنوا به إذا كان قبلها أنبياء ومؤمنون وروى عنه بعد ما ذكرنا أنه كان يقول: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحس الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك" قوله: "الشر ليس إليك" أي أنه غير مقصود به إليك إنما يقصد الله تعالى بالخير وإن كان الكل من عند الله فييسر أهل السعادة للخير ليثبتهم وأهل الشقاوة للشر فيعاقبهم عليه إلا أن يعفو عنهم فيما عدا الشرك.
في رفع اليدين
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا أراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر قال الطحاوي: لا نعلم أحد روى هذا الحديث غير عبد الرحمن بن أبي الزناد فلا يخلو أن مجيئه بهذه الزيادة غلط أو عن حقيقة فإن كان الأول فلا حجة في الغلط وإن كان عن حقيقة فإنا قد وجدنا عليا فيما كان عليه يخالف ذلك روى عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة الصلاة ثم لا يرفع بعد ولا يفعل علي رضي اله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم خلافه إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وعن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع في أول تكبيرة ثم لا يعود وقيل لإبراهيم حديث وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع من الركوع فقال إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك واحتمل هذا عن إبراهيم وان كان لم يسم من بينه وبين عبد الله لقوله للأعمش إذا قلت لك: قال عبد الله لم أقل ذلك
الجزء 1 · صفحة 37
حتى حدثني به عنه جماعة وإذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني.
وروى ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكان لا يفعل ذلك في السجود رواه عنه مالك وسفيان وإليه ذهب الشافعي وروى ابن شهاب عن عبد الله1 بن عمر فزاد فيه الرفع عند القيام من الركعتين فمن حاج من لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى بحديثي مالك وسفيان عن الزهري فهو محجوج بما في حديث عبيد الله بن عمر عنه من الرفع بعد القيام من القعود إذ يلزمه في ترك ما رواه عبيد الله ما يلزم خصمه في ترك ما رواه مالك وسفيان إذ ليس عبيد الله بدون مالك ولا سفيان مع أنه وجد الحديث من رواية نافع ابن عمر موافقا لما رواه عبيد الله وزائدا عليه الرفع في غيرهما وهو ما رواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود بين السجدتين ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولا يقال فقد رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر فلم يذكر فيه الرفع إلا عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع لأن تقصير الراوي عن بعض ما رواه العدل لا يلتفت إليه وروى عن أيوب قال رأيت طاووسا ونافعا يرفعان أيديهما بين السجدتين وروى عن أيوب أنه كان يفعله ففعل نافع يدل على صحة الرواية عنه وتمسك أيوب بذلك دال على أن الأمر قد كان عنده فيه كذلك عن نافع فقصر عن ذكره فمن لا يرفع غير تكبيرة الافتتاح اعذر في ذلك إذ كان قد روى عن مجاهد أنه قال صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى فكان رد الأمر إلى ابن عمر أولى بهؤلاء المختلفين لأنه لم يكن يترك بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما قد كان يفعله إلا لما يوجب له من نسخ ولا يقال أن طاوسا روى عن ابن عمر خلافه لأن تصحيح الروايات هو الأولى فيكون طاوسا رأى ابن عمر يرفع ثم قامت الحجة عنده مما يوجب نسخ ذلك فتركه.
1 كذا وفيهنظر – ج.
الجزء 1 · صفحة 38
وصار إلى ما رآه مجاهد عليه فالأولى بنا حمل الآثار على هذا المعنى لا سيما وقد روى الأسود قال رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان كذلك وعن أبي بكر بن عياش أنه قال ما رأيت فقيها قط يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى وإذا كان عمر وعلي وابن مسعود وموضعهم من الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعهم على ذلك ثم ابن عمر بعدهم على مثله لم يكن شيء مما روى في القبول أولى مما رووه عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "ليتني منكم أولوا الأحلام والنهى" وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع فعل مثل ذلك وعن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه ففي هذا ما قد شد ما رواه عبيد الله عن الزهري وعن نافع.
في قراءة الفاتحة
روت عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" يقال لمن كان ناقصا في مدة حمله خداج ومخدج ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى صلاة أخرى خداجا على ما روى المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتبأس وتمسكن وتقنع بيديك وتقول: اللهم اللهم فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" وعن الفضل بن عباس مثله "وتقنع بيديك" أي ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول: يا رب يا رب ففي الحديثين ذكر الخداج وهو النقص فذهب بعض إلى أن من صلى بغير فاتحة
الجزء 1 · صفحة 39
الكتاب في كل ركعة أنها لم تجزئ وجعلوا النقص إبطالا وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم وذهبوا إلى أن الخداج لا يذهب به الشيء الذي تسمى به لأن النقص لا يوجب الاعدام ولكنها مع نقصانها موجودة إذ ليس كل من نقصت صلاته لمعنى تركه منها يجب به فسادها كترك اتمام ركوعها وسجودها فلا يستبعد أن تنقص الصلاة بترك الفاتحة ولا تفسد وقد وجدنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قد دل على ذلك وهو ما روى ابن عباس لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض موته وهو في بيت عائشة قال: "ادع لي عليا" فقالت: ألا ندعو لك أبا بكر؟ قال: "ادعوه" قالت حفصة: ألا ندعو لك عمر؟ قال: "ادعوه" قالت أم الفضل: ألا ندعو لك العباس عمك؟ قال: "ادعوه" فلما حضروا رفع رأسه ثم قال: "ليصل بالناس أبو بكر" فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج يهادي بين رجلين فلما أحسه أبو بكر ذهب يتأخر فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم مكانك فاستتم رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يأتم به أبو بكر ويأتم الناس بأبي بكر ففيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل وقد قرأ أبو بكر الفاتحة أو بعضها ولم يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة ولا شيئا منها فدل أن الفاتحة بتركها أو ترك بعضها لا تفسد به الصلاة فلا يكون قراءتها شرطا للجواز والحاصل من الحديثين أنه لا ينبغي ترك الفاتحة ولا تفسد الصلاة بتركها ثم الشارطون لا يفرقون بين الإمام والمأموم ومن دخل في صلاة الإمام وهو راكع فكبر لدخوله فيها ثم كبر لركوعه فركع ولم يقرأ الفاتحة خوفا لفوت الركعة يعتد بتلك الركعة وجازت الصلاة بدونها ولا يقال أنها سقطت للضرورة لان الضروره لا تسقط فرضا ألا ترى أنه لو ركع ولم يقم قبل الركوع قومه لم تجز صلاته وإن اضطر إلى ذلك لأن القومة قبل الركوع فرض وإن قلت لا يقال كيف يظن بالرسول صلى الله عليه وآله
الجزء 1 · صفحة 40
وسلم ترك قراءة الفاتحة مع أنه موجب للنقص لأن قراءة أبي بكر في تلك الركعة منعت نقصها والله أعلم.
في مقدار القراءة فيها
عن قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة يطيل في الأولى ويسمعنا الآية وكان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وقال في حديث آخر وكان يطيل أول ركعة من الظهر والغداة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القراءة في الأولى من الظهر على القراءة في الثانية منها واختلف فيه فذهب بعضهم منهم محمد إلى ما في هذا الحديث وبعضهم إلى التسوية بين القراءة في الركعتين الأوليين في الصلاة كلها إلا في الصبح فإنها تطال على القراءة في الثانية اتفاقا وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه اجتمع ثلاثون من الصحابة وقاسوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يخافت فيه بقدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين من الظهر وفي أخرييهما على النصف من ذلك وفي العصر في الأوليين نصف أولي الظهر وفي أخرييهما قدر نصف أخرى الظهر وما اختلف منهم رجلان ففيه التسوية بين الأوليين ظهرا أو عصرا وهو الأولى عندنا لأن الرباعية تنقسم قسمين أوليين وأخريين فكما استوى القراءة في الأخريين فكذلك ينبغي أن تستوي في الأوليين يؤيد ذلك ما كان من سعد بن أبي وقاص وقد شكا عليه أهل الكوفة أمورا من جملتها أنه لا يحسن يصلي جوابا لعمر في قوله: فأما أنا فأمد في الأوليين واحذف في الأخريين وما آلو ما اقتديت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر ذلك الظن بك.
فأخبر أنه كان يطيل في الأوليين ويحذف في الأخريين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعقول أن الأخريين إذا استوتا في الحذف تكون الأوليان استوتا في المد وفيما روينا بأن القراءة في أخريي العصر قدر نصف اخريي الظهر.
الجزء 1 · صفحة 41
دليل على أن في الأخريين من العصر والظهر زيادة على فاتحة الكتاب التي هي سبع آيات لا غير لأن نصف الخمسة عشر سبع آيات ونصف يقرأ في كل من اخريي الظهر ونصف هذا النصف في كل من اخريي العصر مع الاختلاف الظاهر بين أهل العلم في الركعتين الأخريين من هاتين الصلاتين فبعضهم يقول إن شاء المصلي زاد فيهما على الفاتحة مما معناه دعاء وإن شاء سبح فيهما ولم يقرأ فيهما بشيء من القرآن منهم أبو حنيفة والثوري وأصحابهما ومنهم من يقول لا بد من قراءة الفاتحة فيهما من غير زيادة عليها وهم فقهاء الحجاز وروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بالفاتحة وسورة ولا يقرأ في الأخريين بشيء وعن جابر أنه كان يقرأ في الأخريين بالفاتحة.
وعن عائشة مثله وتقول إنما هو دعاء يعني كانت تقرأها على أنها دعاء لا قراءة قرآن كما في سواهما. وعن أبي عبد الله الصنابحي صليت المغرب خلف أبي بكر في خلافته فلما قام إلى الركعة الثاثلة دنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} الآية. وروى عن مكحول والله ما كانت قراءة لكنها كانت دعاء فدل على أن صحة ما قيل أن القراءة في الأخريين إنما هي دعاء وتسبيح لا كالقراءة في الأوليين ومثل هذا القول لا يقال استنباطا بالرأي بل توفيقا محضا فلا يصح خلافه وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال التسبيح أحب إلي في الركعتين الأخريين وكذلك كان الثوري يقول وأما أبو حنيفة وأصحابه فيذهبون إلى أن القراءة فيهما أحب إليهم من التسبيح فيهما.
في تطويل الأركان
روى المسعود عن الحكم قلت لابن أبي ليلى ما رأيت أطول قياما من أبي عبيدة في الصلاة فقال سمعت البراء بن عازب يقول كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه رأسه من الركوع وسجوده ورفعه رأسه من
الجزء 1 · صفحة 42
السجود سواء احتج جعفر الهاشمي به على أن القيام في الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه والجلوس والرفع منه والجلوس بين السجدتين بمنزلة سواء في التطويل ولا حجة له فيه إذ قد يحتمل أن ركوعه ورفع رأسه منه وسجوده ورفع رأسه منه سواء على أن ما بعد الركوع من الرفع منه إلى آخر السجدتين يفي بالقيام والركوع ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "من أم الناس فليخفف بهم الصلاة فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة".
وقد روى الحديث عن الحكم من هو أثبت من المسعودي وهو شعبة بن الحجاج فقال كان أبو عبيدة يطيل الركوع وإذا رفع أطال القيام قدر ما يقول: اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد فذكرت ذلك لابن أبي ليلى فحدثني عن البراء أن ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه إذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين كان قريبا من السواء فعرفنا بذلك أن إطالة أبي عبيدة القيام إنما كان مقدار ما يقول فيه الكلام الذي ذكره وكان ما سواه من الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين هذا المقدار سوى جلوس التشهد فإنه مقدار التشهد الذي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وكانت الأئمة من الصحابة على التخفيف اقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو رجاء العطاردي للزبير ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة قال نبادر الوسواس يعني وسوسة الشيطان حتى لا يدركهم فيها.
في معرفة المقبول من الصلاة
روى عن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فخفف فيها فقيل له لقد صليت وخففت فيها قال هل انتقصت شيئا من حدودها قيل لا قال عمار بادرت وسواس الشيطان إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد لينصرف من صلاته وما كتبه منها إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها أو سدسها أو خمسها أو ربعها أو ثلثها أو نصفها" المعنى فيه أن المصلي إذا حافظ على أركان صلاته وسننها وآدابها وخشوعه فيها واقباله عليها بترك التشاغل عنها بسواها يؤتيه الله تعالى على ذلك خيرا كثيرا وعند الصباح يحمد القوم السرى وإذا قصر تقصيرا يوجب نقصانها لا إبطالها يوجب تنقيص أجره وانحطاط قدره عما كان لو كملها يؤيد ما ذكرنا لا صلاة إلا بحضور القلب.
الجزء 1 · صفحة 43
في السجود
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ولكن يضع يديه ثم ركبتيه".
لا يقال أن ما نهى عنه في أوله قد أمر به في آخره إذ بروك البعير أيضا بيديه أولا ثم برجليه لان المنهي المعنى هو الخرور على الركبتين أولا وركبتا ابن آدم في رجليه لا غير بخلاف كل ذي أربع فإن في يديه ركبتين أيضا والمأمور به أن يخر على يديه أولا ثم ركبتيه لئلا يشابه البعير في وضع الركبتين أولا إذ البروك هو الخرور على الركب فبان بحمد الله أن لا احالة كما ظنه بعض ثم فيما روى عن حكيم بن حزام من قوله بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما اختلاف.
فمنهم من قال معناه أن يكون سجوده إلا خرورا من قيام خوفا من الله تعالى فإنه لا ينظر إلى صلاة من لا يقيم صلبه من الركوع.
ومنهم من قال أنه اخبار بأنه بايع على أن لا يموت إلا وهو قائم على إيمانه وإسلامه بالعزم والثبات عليه من قوله: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} .
ومنهم من قال أنه بايعه صلى الله عليه وسلم على الموت ولا يبايع على الموت غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتوهم منه زوال الحالة التي لأجلها عقدت البيعة معه عليها بخلاف غيره.
في إقامة الصلب من الركوع
روى ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الجزء 1 · صفحة 44
"لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود" يريد به نفي الكمال لا نفي الجواز مع أن فيه تضييع حظ نفسه بتقصيره عن إتيانه بها على أعلى مراتبها وحرمان نفسه عن ثوابها كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" وهو من باب التغليظ ومثله "لا وضوء لمن لم يسم" وما روى "لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه إذا رفع رأسه من الركوع والسجود" يحتمل أنه لا تجزيه الاجزاء الذي هو أعلى مراتب الاجزاء وهو أولى ما حمل عليه توفيقا بين معاني الروايات وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ومحمد فإنهما قالا أساء وتجزيه صلاته وقال أبو يوسف لا تجزيه وعليه إعادتها والقياس قولهما لأن السجود الذي هو أعلى أركانها فيه ذكر ولا قراءة فيه ومن رفع رأسه من السجود يرجع إلى جلوس ليس من صلب صلاته حتى أن من سها عنه لا تبطل صلاته اتفاقا بخلاف الجلوس بعد السجدتين فإنه مختلف في وجوبه فلما كان الجلوس الأول بين السجدتين من السنن لا من صلبها كان مثل ذلك القيام الذي يخرج من الركوع إليه من السنن لا من صلبها إذ الركوع أيضا ركن فيه ذكر وليس فيه قراءة.
الجزء 1 · صفحة 45
فيما يقال في السجود
روى عن حذيفة أنه قال انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل تطوعا فقال: "الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم قرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه فكان الذي يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثم رفع رأسه فقام قدر ما ركع فكان الذي يقول: "لربي الحمد لربي الحمد" ثم سجد فكان نحوا من قيامه يقول: "سبحان ربي الأعلى" وبين السجدتين نحوا من سجوده "رب اغفر لي رب اغفر لي" فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ففيه أنه كان يقول بين السجدتين "رب اغفر لي" مكررا في كل ركعة ولا يعلم عن أحد من الصحابة
الجزء 1 · صفحة 46
فعل ذلك غير علي رضي الله عنه فإنه كان يفعله وكذا لا يعلم من التابعين ومن بعدهم من يذهب إلى ذلك غير بعض من ينتحل الحديث ولا شك في حسنه بل فيه إحياء سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤيده القياس فإن الصلاة مشتملة على أفعال كل فعل لا يخلو عن قراءة فيه أو ذكر كالتكبير في الدخول فيها ثم القيام وفيه الاستفتاح والقراءة ثم الركوع وفيه التسبيح ثم الرفع منه وفيه التسميع والتحميد ثم السجود وفيه التسبيح ثم الرفع منه وقد روينا فيه سؤال المغفرة مرتين ثم الجلوس وفيه التشهد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء فكان القياس أن يكون حكم القعدة بين السجدتين كحكم غيرها من أفعال الصلاة ويكون فيها ذكر.
حصل الظن وروى عن أبي حنيفة قال ذكرت الجدود عند النبي صلى الله عليه وسلم فقيل جد فلان في الإبل وقيل في الخيل فسكت فلما قام يصلي ورفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا ولك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وروى عنه انه كان يقول بين السجد تين رب اغفر لي رب اغفر لي فقد يكون يطيل ذلك في بعضها حتى يتجاوز ما جرت عليه عادته حتى يظن أنه قد أوهم والله أعلم.